العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدنيوية والتفكيك: النّص، العالم، وسياسة المعنى.

الدنيوية والتفكيك: النّص، العالم، وسياسة المعنى.

Secularism and Deconstruction: Text, World, and Politics of Meaning

سامية بن عكوش

Samia Benakouche

الملخّص

يعرض المقال مناظرة نقدية بين مفاهيم إدوارد سعيد النّقدية وجاك دريدا التفكيكية. ولأنّ المفاهيم كائنات تولد في نص ما وتنمو وترتحل بين النّصوص، وقد تزدهر أو تموت في ارتحالها حسب جيل دولوز؛ فإنّ مقالنا جغرافيا تلتقي فيه مفاهيم النّاقدين، ويحدث بينها جدال المعنى والحقيقة. فيضطلع مفهوم الدنيوية وما تفرع عنه من مفاهيم عند إدوارد سعيد بدور رائد في استصلاح القصور المعرفيّ في مفهوم الاختلاف الدريديّ "Différance"وما تفرّع عنه من مفاهيم تفكيكية. ومدار الجدال المفاهيميّ حول مفهوم النّص، علاقته باللّغة وبالعالم، دور القارئ والمؤلف، سياسة إنتاج المعنى في النّصوص المختلفة، خصوصية النّص الأدبيّ، علاقة النّص بعنصر القوة.

Abstract

Abstract: Concepts may be born in a specific text but they quickly take on a life of their own: to borrow from Gilles Deleuze, they may move between texts, find new life, sometimes prosper and occasionally die. This paper attempts to examine the space in which the conflict between concepts and reality takes shape by providing a comparison between the ideas of Edward Said and Derrida’s deconstruction. Said’s approach of «secular criticism» plays a crucial role in filling the shortcomings of Derrida’s deconstructionist ideas, all of which were originally born from his ideas of difference. This paper also addresses the problematic of how texts interact with the wider; their relationship to language; the roles of both author and reader in this regard; the politics of the creation of meaning, particular in literary texts; and the relationship of the text to the power of production.

الكلمات المفتاحية:
  • دنيوية النص
  • موت المؤلف
  • ميلاد القارئ
Keywords:
  • Secular Criticism
  • Ambiguity of Texts
  • Edward Said
  • Derrida

مقدمة

يقول جيل دولوز (Deleuze G.) في كتابه ما هي الفلسفة؟ إن الفلاسفة أصدقاء المفاهيم ومبدعوها، وإن وظيفة الفلاسفة إنتاج المفاهيم، ولا خير في فيلسوف لم ينتج مفهومه1، وتاريخ الأفكار هو تاريخ المفاهيم؛ إذ لم تبرز شخصية مفهومية إلا بقدر اقتدار منظومتها المفهوماتية، فيحتفظ تاريخ الأفكار بمفهوم المثال لأفلاطون ومفهوم الجوهر لأرسطو ومفهوم العود الأبدي لنيتشه ومفهوم الدازاين لهايدغر ومفهوم الاختلاف والإرجاء لدريدا. وإن أي مناظرة أو جدال بين الفلاسفة أو نقاد الأدب يتخذ من المفاهيم وسيلته للمحاجّة، بل يتخذها سلاحًا له، إن جاز لنا تشبيه المتناظرين بالمفاهيم بجيشين يتناحران بأسلحة. إن المناظرة التي اخترتها بين المفكر المشاغب جاك دريدا، الذي مأ دنيا الفلسفة وشغل الفلاسفة في عصرنا، والناقد الأدبي والفيلسوف السياسي إدوارد سعيد، لهي أشبه بالوقوع في عمق العاصفة، لماذا؟ • يعلمنا الدرس الدريدي أن النص2 الذي صنعته مرحلة بمرحلة، هو نص وهمي لم أختره، بل اختير لي مسبقًا، ولا يعبر عن رغبة حرفية، بل هو مؤشر لما توارى وراء الرغبة والمسار والذات الراغبة والموضوع المرغوب فيه، فيمكنّنا الدرس الدريدي من التقاء ذوات مختلفة بعد كل محطة حفر في النصوص وفي ذواتنا. • لا يضمن لنا الدرس الدريدي خاتمة نهائية ولا أحكامًا قطعية ولا تعاليم واضحة ولا ارتياحًا وانسجامًا مع ذواتنا ومع الآخرين ومع العالم. كما أنه لا يضمن لنا غير الخروج بفضيلة واحدة هي الاختلاف الذي يزري على جميع قناعاتنا السابقة التي ورثناها من برامجنا الدوغمائية، وغير إبصار الضلال القار في جميع البنى التي تصنع معاني النصوص التي ألفنا قراءتها ألفبائيًا. إنه لا يضمن لنا غير سراب المعنى الذي يحسبه القارئ ماء، فيخطئ في قراءة النص، فينفلت المعنى من زمام قيده مع كل قراءة، بل يختلط الحابل بالنابل، وتنعطف بداية النص على نهايته في مسار دائري هو عود أبدي لأثر ليس إلا، وهذا ما يمكن تلخيصه في مصطلح مركزي في الفكر الدريدي هو الاختلاف المرجئ

للمعنى (la différance.)

• على طرف النقيض يقف إدوارد سعيد ليرشدنا إلى ذواتنا الضالة، ويبصرّنا السبل الواثقة التي تجعل من مسار النص الذي سلكته من قبل مسار باحثة انطلقت من موقف دنيوي. وإنه لخيار حر لإرادة حرة تقاوم جميع أشكال الإكراهات أو السلطات، بحسب المصطلح الفوكوي. وإن بداية النص يستحيل معها أن نخطئ التدليل على النهايات؛ فالمسار خطي مستقيم. • يرشدنا إدوارد سعيد إلى أن الظرف الدنيوي هو الذي يصنع دنيوية النصوص المنشورة. وتقع وراء هذا الحدث خلفية ثقافية بأكملها صنعت هذا الحدث الدنيوي.

  1. انظر: زهير الخويلدي، معان فلسفية (دمشق: دار الفرقد، 2009)، ص.193
  2. أوظِّف مصطلح النص من وجهة نظر عالم السيميائيات السردي الفرنسي غريماس، الذي يعتبر الحياة بمظاهرها كلها نصًّا سرديًا يماثل نصًا مكتوبًا، بدايته ذاتٌ راغبة تبحث عن الظفر بالموضوع، ونهايته الظفر بموضوع الرغبة أو عدم الظفر به.

إن مقام القارئة التي تتوسط بين مفاهيم مفكرين متمرسين في حقلين متعارضين في كثير من العناصر، وهما النقد الدنيوي بالنسبة إلى إدوارد سعيد والنقد التفكيكي بالنسبة إلى دريدا، لهو أشبه بحامل صخرة سيزيف، وهو مهمة شاقة، تستدعي يقظة إبستيمولوجية لفهم الخلفية المعرفية لأفكار الناقدين، ومن هنا تفتقت الأسئلة: ما النص في منظارَي إدوارد سعيد ودريدا؟ كيف يُنتَج المعنى في النصين؟ وإذا كانت النصوص تنغرس فيها المفاهيم جغرافيًا وتستصلح بعضها بعضًا، فماذا استصلح إدوارد سعيد من مفاهيم دريدا؟ وكيف انبنت شبكة علاقات المفاهيم الإدواردية في جغرافيا النصوص؟ إني أسعى إلى كشف الاختلاف في زوايا النظر بين النظريتين، وأتخذ من مفاهيم إدوارد سعيد سندي في الرد على مفاهيم دريدا. وما دامت نظرية إدوارد سعيد عن دنيوية النص تمخضت عن سيرورة معرفية، وطبعت نظرية الأدب والنقد الأدبي في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، فهي مخاض صراعات مفهوماتية في جغرافيا النصوص التي أُنتجت في تلك الفترة، وكذا في العالم الدنيوي، بين إدوارد سعيد وأتباع التيارات الحداثية وما بعد الحداثية، وخاصة نقد دريدا التفكيكي. وقد ضمّن إدوارد سعيد كتابه العالم والنص والناقد نص المناظرة الذي يردّ فيه على مفاهيم التفكيك الدريدي. أمّا أنا، فسألتزم بأهم قضايا الاختلاف التي أوردها إدوارد سعيد، وسأعضد التحليل بمفاهيم مجاورة في النقد التفكيكي عند رولان بارت (Barthes R.) وجوليا كريستيفا (Kristeva J.) باعتبارهما أهم من تبنّوا التفكيك الدريدي في ما يسمّى في النقد الأدبي نظريةَ النص.

مفهوم النص: من الوجود في اللغة إلى الوجود في العالم

من الصعب تحديد مفاهيم دريدا وضبطها، بخ ف مفاهيم أي نظرية أخرى؛ إذ إن التعريف يقتضي التحديد الآتي: «المفهوم هو كذا وكذا»، وهو ما يصعب اعتماده في الجهاز المفهوماتي الدريدي، لماذا؟ لأن جميع المفاهيم المجاورة للمفهوم الرئيسي، أي التفكيك، تتشكل من ثنائيات ضدية، كما أوضح ذلك دريدا في الكتابة والاختلاف. فالكتابة هي أثر، والأثر هو ما يشير ويمحو في الوقت نفسه، والزيادة هي ما يأتي ليسد نقصًا3، وهذه الازدواجية تضعنا في حرج كبير في ما سنقدمه من مفاهيم دريدا، إذ تصبح حالنا كحال خياط يحاول إضافة خيط إلى نسيج صوف معيّن، فيعلق أصبعه في شبكة الخيوط. مثال النص يجسد هذه الصعوبة؛ ف «لا يكون نص نصًّا ما لم يخف على النظرة الأولى، وعلى القادم الأول، قانون تأليفه وقاعدة لعبه. ثم إن نصًّا ليظل يمعن في الخفاء أبدًا»4. وقد قدَّم دريدا استعارة مفهومية لشرح التيه المغروس في أساس أي نص بمفردة «النس»ِيج5 في كتابه صيدلية أف طون6، معتمدًا هذه المفردة لتفكيك بنية نص محاورات أفلاطون وتتبّع علاقات الإنتاج بين القارئ والمؤلف.

  1. انظر: جاك دريدا، الكتابة والاخت ف، ترجمة جهاد كاظم؛ تقديم محمد ع لاا سيناصر، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2000)، ص.53
  2. جاك ديريدا، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، لزوميات المقال (تونس: دار الجنوب، 1998)، ص.13
  3. أشار المترجم كاظم جهاد في هامش الصفحة 15 من كتاب دريدا صيدلية أفلاطونإلى أن النص (Texte) والنسيج (Texture) يعودان إلى الجذر اللغوي نفسه، وهو ما يمكّن الفيلسوف من تحريك هذه الخيوط في نسيج لغوي موحد.
  4. انظر: ديريدا، صيدلية أفلاطون، ص.15

تسمح لنا دلالات النسيج الاصطلاحية في اللغة العربية بفهم معاني النص الثاوية وراء هذه المفردة. ففي لسان العربلابن منظور ورد في مادة نسجَ: «نسجَ النسِيجَ: ضم الشيء إلى الشيء، هذا هو الأصل، نسجَه يَنْسجهُ نَسْجًا فَانْتسجَ و نسجَتِ الريح التراب تَنْسجهُ نَسْجًا: سحبَتْ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. والريحُ تَنْسجُ التُرَابَ إذا نسجت المور والجول على رسومها.(...) والنسْجُ مَعْرُوفُ، ونسجَ الحَائكُِ الثَوْبَ يَنْسجهُ نَسْجًا، من ذلك لأنه ضم السدَى إِلَى اللحْمَة، وهو النسَاجُ، وَحِرْفَتُه النسَاجَة)...(وقالوا في الرجل المحمود: هو نَس يجُ وَحْدُه؛ ومعناه أن الثوب إذا كان كريمًا لم ينسج على منواله غيره لدقته، وإذا لم يكن كريمًا نفيسًا دقيقًا عمل على منواله سدى عدة أثواب، وقال ثعلب: نسيج وحده الذي لا يعمل على مثاله مثله»7. نستفيد من المعاني المعجمية لمادة «نسجَ» أنه تركيب لشيئين منفصلين، كما أنه الفرادة والتميز اللذان يجع ن الثوب المنسوج ليس كمثله شيء، أي غير قابل للتكرار. والأكثر من ذلك أن النسيج هو أيضًا عملية رسم آثار على التراب بالرياح. اجتمعت المعاني المعجمية كلها في مفهوم النص من وجهة النظر التفكيكية. وقد فصّل بارت في ماهية نسيج النص الأدبي بقوله: «(...) فالنص نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة»8؛ فهو منسوج من ع مااات ثقافية عدة. ويوظف بارت مفهوم الثقافة هنا من منظار التحليل النفسي ال كاااني، كما عرّفه ليفي ستروس، أي إنها مجموع الأنساق الرمزية، كاللغة والدين وقواعد الزواج والعلاقات الاقتصادية والفن9، التي تخص مجتمعًا ما ويسبق وجودها وجود الإنسان. يماثل النص إذن قطعة النسيج المنسوجة من خيوط عدة متداخلة ومتشابكة، فيكون المؤلف أشبه ببائع النسيج والقارئ أشبه بالنساج. وكما أن بائع الصوف يرجع إليه الفضل في إيجاد المادة الأولية ابتداء، وهي القطع النسيجية، فإن النساج يصنع منها الأشكال التي يشاء انتهاء. والأمر عينه يحدث بالنسبة إلى المؤلف والقارئ؛ فمهمة المؤلف تنتهي بكتابة العمل الأدبي، لتحل محلها مهمة القارئ في نسج القراءات المختلفة من معين الثقافات المختلفة التي يغرف منها. لهذا، نجد بارت يفرّق بين العمل الأدبي والنص الأدبي؛ فالأول منته لغويًا في شكل كتاب موضوع على رفوف المكتبات ومحمول باليد، أمّا الثاني، فهو ممارسة لغوية غير منتهية ودالة يقوم بها القارئ. العمل منتوج لمؤل ف ما والنص حقل إنتاج يشتغل بلا هوادة، ويصنع منه القراء منتوجات عدة10، وهذا ما يحيلنا إلى فكرة التناص كما هي مطروحة عند بارت، وكما استعارها من نظرية النص عند كريستيفا. النص بحسب كريستيفا هو مثل جهاز ترانسلي «يعيد توزيع اللغة بأن يعالق بين الك ماا التواصلي الهادف إلى الإخبار المباشر، وبين مختلف أنماط الملفوظات الداخلية والتزامنية»11. وفي فضاء النص يحدث التركيب والتعالق والتشابك والنسج بين مختلف الملفوظات المتزامنة، في الآن والهُنا،

  1. أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، مج 1 (بيروت: دار الفكر، 2008)، مادة نسج، ص.847
  2. رولان بارت، هسهسة اللغة، ترجمة منذر عياشي، الأعمال الكاملة؛ 5 (حلب، سورية: مركز الإنماء الحضاري، 1999)، ص.80
  3. انظر: جاك لاكان، اللغة: الخيالي والرمزي، إشراف مصطفى المسناوي، بيت الحكمة (الجزائر: منشورات الاختلاف، 2006)، ص.32
  4. المصدر نفسه، ص.87
  5. عمر أوكان، مدخل لدراسة النص والسلطة، ط 2 (الدار البيضاء، المغرب: إفريقيا الشرق، 1994)، ص.53

في لحظة القراءة؛ أي إن النص في تناص مع نصوص تأتي من ال«هناك»، من ثقافات تعبّر عن القراء ويعبّرون هُم عنها في كل فعل قراءة؛ فليس ثمة سوى نسْج لع مااات نصية، مختلفة ومتعارضة ومتشابكة ومتداخلة، يستحيل إحالتها إلى مدلولات نهائية، مثلما أن القطعة المنسوجة من خيوط الصوف يستحيل فك خيوطها، ولا معرفة بداياتها ولا نهاياتها. فالنص ليس محدودًا ولا متمركزًا ولا منتهيًا من حيث المعنى، و«لكنه فضاء لأبعاد متعددة، تتزاوج فيها كتابات مختلفة وتتنازع، دون أن يكون أي منها أصليًا»12. ينبني تصور دريدا للنص على مفهوم العلامة بصفة عامة، وينطلق من مفهوم الاختلاف السوسيري، ليقول إن معاني الدوال لا تتحدد من خ لاا ارتباطها بمدلولاتها، بل من خ لاا اخت فااها مع دوال أخرى، قبلها وبعدها، لأن المدلولات غير حاسمة ومرجأة بصفة لا نهائية13. ومن هنا يتبدى معنى كلمة ما غير كامن فيها، بل من خلال غياب كلمات أخرى، ف«حضور الدال وارتباطه بمدلوله هو غياب الدوال والمدلولات الأخرى «14، وقيمة الدوال إذن تتمثّل في غياب دوال أ خرى. وبالتالي، لا تتحدد هوية العلامة في ذاتها، بل من خلال الانفتاح على العلامات الأخرى المختلفة عنها. ويذهب دريدا إلى أن مفهوم العلامة بحد ذاته لا يتأسس إلا من خلال غياب مفهوم آخر، فالحضور والغياب يشكلان الأساس الذي ينبني عليه النسق المنتج للع مااة15، وبالتالي تكشط إمكانية إنتاج العلامة ما دامت الاخت فااات تنخر مدلولاتها، أي إن ما يصنع الع مااة هو تاريخ من التراكمات: «غياب وحضور.» وأبدع دريدا مفهوم الاخت ف المرجئ لتفسير حركة اللعب التي تتحكم في اشتغال النسق وفي إنتاج العلامات. إن الاختلاف المرجئ للمعنى الذي يصنع الاختلافات (différences) هو الذي يجعل اختلاف الحرف a«» عن الحرف e«» غير مسموع، بل مقروء ومكتوب؛ ف «ما ليس بمسموع هو الاختلاف بين وحدتين صوتيتين»)..(16، أو بعبارة أخرى: لا يظهر الاختلاف بين وحدتين صوتيتين- ال« a وال«» e » مثلً- من خ لاا الإدراك الحسي «الصورة الصوتية» ولا من خ لاا الإدراك العقلي «الصورة الذهنية» كما هو معروف في لسانيات دي سوسير، بل من خلال القراءة في مكتوب. ويُطلق دريدا على الاستراتيجيا التي تخلخل التعارض بين الإدراكين اسم الاختلاف المرجئ. تشتغل هذه الاستراتيجيا في منطقة وسطى بين الإدراكين الحسي والعقلي، «لا هذا» و«لا ذاك»، فالاختلاف المرجئ هو الصوت الوسط (The Middle Voice)، فلا هو فعل ولا هو انفعال. وليس علامةً تمثّل الحضور، ولا يحكمه نسق الحضور (لغة أو فكر) كما هو معروف في الميتافيزيقا الغربية، وليس الوجودَ الذي يمثل أمام الموجود، وليس انتصارًا للكتابة على الكلام ولا للكلام على الكتابة،

  1. بارت، ص.80
  2. انظر: أحمد عبد الحليم عطية، جاك دريدا والتفكيك (بيروت: دار الفارابي، 2010)، ص.160
  3. المصدر نفسه، ص.161
  4. انظر: جاك دريدا [وآخرون]، مداخل إلى التفكيك (الب غااة المعاصرة)، تحرير وترجمة حسام نايل؛ تصدير محمد بدوي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013)، ص.201
  5. المصدر نفسه، ص.192

ف«لا ينتمي إلى الصوت كلًّ ولا إلى الكتابة بالمعنى المعتاد، بينما يعيّن الحدود بين الكلام والكتابة، كما يتجاوز الألفة الساكنة التي تشدنا إلى الكلام والكتابة»17. إنه اقتصاد سيرورة الدوال قبل انغلاقها على مدلولاتها، والعلامة قبل إحالتها إلى مرجعياتها، والنص قبل إحالته إلى معنى ما، وإنه الاختلاف بين الموجود ونسق إدراك وجود الموجود. إنه الحركة النشيطة للاختلافات كما يصفها دريدا في قوله: «ومن ثم، فما أعتبره اختلافًا مرجئًا différance‹› هو الحركة اللعوب التي تنتج تلك الاختلافات »différences18. وربما يتبادر إلى الذهن أنه الأصل أو أنه بنيوي أو تاريخي، فينفي دريدا أن يكون ذلك كله، مستخدمًا «لا» التي تسلب الصفات، وهو «الأمر الذي يجعل التفكير فيه أمرًا صعبًا وغير مريح»19. إنه إحياء لمعنى الفعل الفرنسي différer«» الذي يعني أن الشيء غير متماه مع نفسه عبر التسويف والإطالة (temporisation)؛ هذا المعنى الذي أنكرته كلمة différence«»، فيقوم الاختلاف المرجئ بتعويض هذا الكبت وهذا المعنى المفقود20 عبر إرجاء الحضور والحقيقة والمعنى. وهذا ما يفسر كون النص نسيج دوال لا تستقر على مدلولات نهائية قطعية، وعلامات لا تحيل إلى مرجعيات معيّنة، ونص لا ينغلق على معنى أخير؛ ف«النص متعدد المعاني بشكل مطلق، لأنه يستحيل الاتفاق على معنى أو معيار متجاوز، ولذا فإن هناك معاني بعدد القراء، فهو مجرد مجال عشوائي للعب الدوال ورقصها والشفرات المتداخلة»...21، وهنا تتجلى الفرادة التي وردت في المعنى المعجمي، فكل قراءة نسيج وحدها، لا تتكرر. وإن كل فعل قراءة هو فعل اقتفاء لأثر المعنى ليس إلا. ونستحضر هنا المعنى المعجمي الثالث لكلمة «نسيج»، وهو الأثر. وليس الاخت ف المرجئ للمعنى إلا رصدًا لأثر المعنى. ونعاين دقة المعنى المعجمي في تقريب معنى الأثر من خلال صورة الرياح التي تمحو أثرًا مكتوبًا على الرمال؛ فمثل النص كمثل الرمال، لا يرسم غير أثر المعنى. كما أن حركة الرياح التي تمحو الأثر المرسوم على الرمال تعادل حركة القراءة في مكتوب، فكلاهما حركة تفكيك ترصد أثر المعنى وليس أي شيء آخر، وهي اقتفاء لأثر، والأثر ظل النص وضلال المعنى؛ فكما أن الظل موجود وغير موجود، أي إنه أثر للشيء المنعكس وليس الشيء المنعكس في الوقت نفسه، فإن النص بدوره بُنى أثرٍ أيضًا. ولأن المعنى في ضلال مبين، فإن الحركة بُنى للمعنى المرجأ. إذا كان دريدا يحصر وجود النص في اللغة، فإن إدوارد سعيد ينزل بالنص إلى العالم الدنيوي الذي أنتجه، ويعرّف الدنيوية بقوله: «فموقفي هو القول بأن النصوص دنيوية، وهي أحداث إلى حد ما،

  1. المصدر نفسه، ص.193
  2. المصدر نفسه، ص.201
  3. المصدر نفسه، ص.203
  4. المصدر نفسه، ص.197
  5. المصدر نفسه، ص.164

وهي فوق كل هذا وذاك قسط من العالم الاجتماعي والحياة البشرية، وقسط بالتأكيد من اللحظات التاريخية التي احتلت مكانها فيها وفسرتها حتى حين يبدو عليها التنكر لذلك كله»22. تتجلى الدنيوية إذن في ث ث كلمات مركزية: الحدث، الانتماء الاجتماعي والبشري، الظرف التاريخي، وهي العناصر التي تشكل مادية أي نص؛ فالحدث يعني ارتباط النصوص بالزمان، والانتماء الاجتماعي يعني أنها جزء من الحراك الاجتماعي في بلد ما، وكونها بشرية يعني دخول إرادة الإنسان، مؤلِّفًا أو قارئًا أو ناشرًا أو داعمًا أو معارضًا في ظهور النص إلى الوجود. وكونها قسطًا من الأحداث التاريخية يعني أنها مرتبطة بالظرف الوجودي للحظة التاريخية التي وجدت فيها، ولا يمكنها أن تتنصل من هذا الظرف أو تتعالى عليه، أي إنها ليست «لا تاريخية.» وإذا كان دريدا يقول: «لا يوجد خارج النص»، فإن إدوارد سعيد يرى أن النص جزء من الخارج، كما أن النص يصور هذا الخارج؛ إنه العالم الذي ينكشف فيه النص ويكشفه في الآن ذاته. وإذا كان دريدا يعتبر النص نسيج علامات لا تحيل إلى أي مرجعيات نهائية، فإن إدوارد سعيد يحتفظ بمفهوم الشبكة كما هو في تعريف بارت للنص، لكنه يمأه بمدلولات سياسية واجتماعية وثقافية؛ فالعالم الدنيوي يشمل شبكة من العناصر السياسية والاجتماعية والثقافية التي تساهم في إنتاج النص الأدبي23، وهي كلها قوى تتدخل في صناعة النص، ونجد آثارها عالقة داخل النصوص أيضًا؛ ذلك أن النص ترابي لا سماوي، بشري لا لاهوتي24. يرمز التراب إلى تجذر النص في دنيا الحياة البشرية، بخلاف السماء التي ترمز إلى التعالي على الشرط التاريخي للبشر، وهذا التعالي سمة أساسية في النصية كما هي عند دريدا، بحسب إدوارد سعيد. يأخذ إدوارد سعيد على دريدا تحييده النص بأكمله عن الظرف الذي أُنتج فيه، واعتباره النص مجموعة من الألعاب المجازية وجمهرة من الخدع البيانية، لا تقر بأي معنى حرفي، ولا تصدر عنه أي حقيقة. وينتقد كون النص إشارات تلمّح من دون أن تصرح؛ فهذا هو مذهب المعرفة الروحية، على حد تعبير إدوارد سعيد25. وإذا كان التفكيك الدريدي يقوم أص على رج التمركزات ال هااوتية، من تعالي المدلول وانغ ق الدال على مدلول واحد أوحد، وأسبقية المعنى على الع مااة، فإن دريدا بدوره يعيد صوغ ال هااوت، لكن بشكل سلبي26، بإصراره على استحالة الوصول إلى بر المعنى مع كل إبحار قرائي في متن النص. إنه ينحو نحو اللاهوتيين، ويقترب من الابتهالات الصوفية، ومن مذهب الباطنيين الذين يحولون النص المقدس إلى رموز لا تحد معانيها. لذلك، نجد إدوارد سعيد ينعت في كتابه العالم والنص والناقد النقادَ التفكيكيين بالقساوسة ورجال الدين.

  1. إدوارد سعيد، العالم والنص والناقد، ترجمة عبد الكريم محفوض (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2000.7) ص
  2. انظر: بيل أشكروفت وبال أهلواليا، إدوارد سعيد: مفارقة الهوية، ترجمة سهيل نجم؛ مراجعة حيدر سعيد (دمشق: دار نينوي؛ دار الكتاب العربي، 2002)، ص.35
  3. انظر: سعيد، العالم، ص.235
  4. انظر: المصدر نفسه، ص.212
  5. انظر: أيان ألموند، التصوف والتفكيك: درس مقارن بين ابن عربي ودريد‬ا، ترجمة وتقديم حسام نايل؛ مراجعة محمد بريري، المشروع القومي للترجمة؛ 1740 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص.67

إذا كان النص بحسب دريدا بلا حد ولا مركز ولا سطح ولا عمق، أي إذا كان هوة بلا قاع ولا قرار، فم هو حد النص عند سعيد؟ ومن يصنع هذا الحد وكيف يصنع؟ يقدم إدوارد سعيد في كتابه العالم والنص والناقد مذهبين شاعا في الأندلس في العصر الوسيط: مذهب الظاهريين ومذهب الباطنيين، أي المذهب الباطني الذي يعتبر المعنى كامنًا في باطن الكلمات ويتطلب تأويلً، والمذهب الظاهري الذي يرى المعنى مرتبطًا بظاهر الكلمات، أي بالظرفين الديني والتاريخي اللذين أوجدهما27. حاول الظاهريون أن ينشئوا نظامًا للقراءة يضيق الخناق على القارئ وظروفه من خ لاا التنظير ل«ما يجب أن يكون عليه النص». ونظرًا إلى كون النص القرآني كتابًا منزل على نبي في عصر محدد، أي إنه يرتبط بمناسبة النزول أو بتاريخية معيّنة، ويتعالى في الوقت نفسه على أي ظرف تاريخي، وجب بحسب النظرة الفقهية وضع حد لا يتجاوزه أي نص قرائي مُنْتَج من القرآن. والحد يعني، كما عند الفقهاء، الحد القواعدي المنطقي ويعني أيضًا التَخْم28. وقد أفاد ابن حزم من مذهب الظاهريين في تحليل صيغ الأمر في القرآن الكريم، فقال إن الذي يحقق بين أمرَي الكتابة والقراءة هو الإتيان بالخبر، أو بما يسمّيه أرلندز الملفوظ énoncé))، وهو التحقق الفعلي لمقصد الدليل، ويرتبط بالنية الفعلية المرتبطة بالآن وبالدنيا لا بالنية السيكولوجية29؛ فالقرآن إذن، كحالة مثالية للغة مقدسة وبشرية، يدمج القراءة والتحدث والكلام، ولا يفصل بين النص وظرفيته. إن نظرية الظاهريين مهمة من وجهة نظر إدوارد سعيد، كونها تبين الخصوصية الحسية للنصوص بالإضافة إلى إمكانها التاريخي. ويستفيد إدوارد سعيد من فكرة الحد السابقة ليقول إن الظرف الذي انبثق في خضمه النص، خاصة النص الأدبي، هو ما يؤكد دنيويته، بل إن النصوص في أسمى وجودها تقع في شراك الظرف والزمان والمكان والمجتمع30. ويستغرب إدوارد سعيد تحييد دريدا الظروف المحيطة بحيوات الكتّاب الذين فكك نصوصهم، مثل روسو الذي لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية الظرف الذي انبثقت منه نصوصه، وكذا القرن التاسع عشر الذي ينتمي إليه روسو. هذا كله لم يأخذه دريدا على محمل الجد في تفكيكياته، مع أن روسو يؤكد في كتابه اعترافات جان جاك روسو أهمية أحداث عصره وظرفه الخاص في صوغ شخصيته الأدبية. كما أن شخصية روسو المؤل ف لا يمكن إنكار حضورها وخصوصيتها بمجرد وضعها بين قوسين، كما فعل دريدا31. هل يعني ربط النص بالظرف الدنيوي أوبة إلى النقد الواقعي كما هو معروف في النظريات الكلاسيكية؟ ما حدود العالم الدنيوي؟ ما حدود النص؟ وما طبيعة العلاقة بينهما؟

  1. انظر: سعيد، العالم، ص.34
  2. التخوم: مفرده التخْمُ وهو الفصل بين الأرضين من الحدود والمعالم، أي الحد الذي تنتهي إليه ولا تتجاوزه، كما ورد في لسان العربلابن منظور.
  3. سعيد، العالم، ص.36
  4. المصدر نفسه، ص.30
  5. المصدر نفسه، ص.221

يقف النص في تصور إدوارد سعيد موقف الاعتدال بين التفريط البنيوي الذي يلغي العالم الخارجي والإفراط الواقعي الذي يجعل اللغة مرآة عاكسة للخارج ليس إلا؛ فكلا التصورين يقوم على الفصل بين الخارج والداخل وفق طريقته، بينما يقوم تصور إدوارد سعيد على عدم الفصل بينهما، بسبب «أن النص غير موجود خارج العالم، مثلما هي التضمينات في كل من الموقفين الواقعي والبنيوي، بل هو جزء من العالم الذي يتحدث عنه، وهذه العالمية هي نفسها حاضرة في النص على أنها جزء من تشكله»32. إن النص الأدبي هو، بحسب إدوارد سعيد، حدث احتمالي يكتسب إمكانية حدوثه من خ لاا ظرفه الدنيوي، لكنه في الآن ذاته يسمو عن حرفية الحدث إلى فضاء التعبير الشعري. كما أن شعبًا ما ينجم عن الحراك الاجتماعي، لكن هذا الحراك يضفي جمالية معينة على الأحداث الاجتماعية في الوصف والسرد. على الرغم من أن إدوارد سعيد ينتصر لوظيفة الشعر المعاصر الاجتماعية في قوله «نحتاج لمعرفة ع قااة ذلك بالحاضر ثم نتمسك به. ما هو العادل؟ لماذا هو عادل؟ ولماذا علينا أن نتمسك به؟ نحن في حاجة إلى القصائد عوض أن تتغنى بالدم أو الأساطير أو البنايات المجتثة أو الميتة، أو تبكي عليها، تعتني بالأحياء وبالأوضاع الواقعية33، فإنه ينتصر أيضًا للتواتر المستمر بين الجمالي والاجتماعي كما طرحه تيودور أدورنو (Th. Adorno)34، وإن الجمع بين الوظيفتين الاجتماعية والجمالية لعملٌ جليل وجميل في الوقت نفسه. إن الفن صور، بحسب أرسطو. والصورة تختلف عن الهيولى إذا استخدمنا المصطلحات الفلسفية؛ فعلاقة القصيدة الشعرية بالواقع على سبيل المثال، تشبه علاقة الهيولى بالصورة. والهيولى هي المادة الأساسية التي تُصنع منها الصورة، كمادة الخشب مث، أمّا الصورة، فهي الشكل الذي يُصنع من الهيولى، كالطاولة مث. تشترك الطاولة مع الخشب في المادة، وتختلف معه في الصورة؛ أي إنها الخشب وليست الخشب في الآن نفسه. والأمر ذاته بالنسبة إلى القصيدة التي تمتاح خصائصها من الواقع، وتتسامى عنه من خ لاا التصوير الفني، أي من خ لاا الشكل الأسلوبي الذي تتخذه المادة الواقعية، أو بتعبير آخر: القصيدة ترابية المادة وسماوية الطريقة، أي خيالية التصوير والتشكيل. إن الحبال المادية لأي نص أدبي هي، بحسب إدوارد سعيد35، حالة المؤلف، اللحظة التاريخية، شروط النشر، الانتشار والاستقبال، القيم المصوغة، القيم والأفكار المفترضة، مخطط الافتراضات ذات الإجماع الضمني... إلخ، تصنع النص ويصنعها النص في الآن ذاته.

  1. أشكروفت وأهلواليا، ص.36
  2. خالد الشاوش، «حول دور المثقفين والكتاب وثنائية السلطة والثقافة عند إدوارد سعيد،» بصمات، ص.98
  3. انظر: إدوارد سعيد، خيانة المثقفين: النصوص الأخيرة، ترجمة أسعد الحسين (دمشق: دار نينوي، 2011)، ص.289
  4. انظر: أشكروفت وأهلواليا، ص.40

فمن يتكلم داخل النص: المؤلف أم القارئ؟ ومن أي زاوية يعود المؤلف في النقد الإدواردي؟ وأي شراكة إنتاجية ممكنة بين الاثنين؟

إنتاجية المعنى بين المؤلف والقارئ

النص هو، بحسب دريدا، نسيج علامات لا تحيل إلى أي مرجعية، كما فصّلنا سابقًا. ومهمة المؤلف تنتهي بمجرد إنهائه كتابة العمل الأدبي؛ فهو يختم عمله من جهة ويكتب شهادة وفاته بختمه هذا، ويولَد القارئ لحظة وفاة المؤلف. ألغى التفكيك دور قصدية المؤلف في إنتاج معنى النص؛ لأن النص يتمرد على مقاصد صاحبه، والتعبير سيرورة فارغة «تعمل بشكل كامل دون أن تكون ثمة ضرورة لكي تمأ بشخص المتخاطبين. فالمؤلف لسانيًا، لم يكن قط أكثر من ذلك الذي يكتب»36. لهذا نجد بارت يسمّي المؤلف الناسخ الذي يولد مع فعل القراءة وليس قبله، لأن اللغة تعرف الفاعل وليس الشخص، والفاعل هو القارئ والشخص هو المؤلف؛ أي إن الأداء الفعلي للغة يكون في فعل القراءة لا في فعل الكتابة. ارتبط موت المؤلف عند دريدا وأتباعه بالخروج من سلطة الصوت الأوحد المعروف في النقد التقليدي. وما دام النص المكتوب يتعالى على حضور المؤلف، ويستمر حضوره حتى بعد مماته، فإن تحرير النص من قصدية المؤلف واجبة، ولن تتحقق القصدية إلا بتحرير ثان للقراءة من قيد التحديد والحساب. بهذا التحرير المزدوج يغدو النص متحررًا من أي مرجعية أو من أي معنى محدد؛ ف« النص الآن له حياة تخصه، وينطوي على سلسلة لا نهاية لها من المعاني الممكنة التي لم تعد تخضع الآن لأي تحكم أو ضبط سواء من جهة أفعال المؤلف وقراراته ومقاصده أو من جهة قواعد اللغة وأعرافها»37، وإن هذا النهج الذي يتّبعه دريدا في تفكيكياته لنصوص فلاسفة وروائيين ولغويين، يستنطق دومًا ما أغفله فكر هؤلاء، مثلما هي الحال في قراءته روسو ودي سوسير وهوسرِل... إلخ. ينتقد إدوارد سعيد هذا النهج ويتساءل: هل دريدا يأتي بنصية جديدة أم يخترع نصانية من عنده؟ أي هل يستفسر عن مصدر المعرفة الذي يطرحه عن النص: أهو موجود في النصوص أم هو من إبداعه؟ ويذكر إدوارد سعيد أن دريدا بحد ذاته يتساءل في كتابه de la Grammatologie   (عن الغراماتولوجيا)38، في معرض قراءته مقالة روسو، عن أصل اللغات: أما كان مفرط ا في تقدير الأمور؟ ومع ذلك فهو يستنطق «مقال أصل اللغات» لروسو وبعض النُتَف المجهولة التاريخ عن هذا الفيلسوف، نُشرت

  1. انظر: بارت، ص.78
  2. جون إليس، ضد التفكيك، ترجمة حسام نايل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012)، ص.159
  3. صدر مترجَمًا عن المركز القومي للترجمة تحت عنوان في علم الكتابة (2008)؛ للاطلاع عليه، انظر: جاك دريدا، في علم الكتابة، ترجمة أنور مغيث ومنى طلبة (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٨٠٠٢.)

بعد وفاته، بطريقة يعرّي فيها معاني متوارية. يتساءل إدوارد سعيد: هل قصدها روسو فعل أم كانت له النية في قولها عن اللغة39؟ ثم إن دريدا يتجاهل ما يسمّيه ميشيل فوكو «الجانب الإبستيمي»، أي النظام الذي يحكم الفكر الغربي خلال القرن الثامن عشر، وهو ما لا يمكن تجاهل تأثيره في كتابات روسو أو غيره. ولأن «النقد هو فن التمييز Art de discrimination)) بين مواصفات فريدة يتصف بها كاتب عظيم، وبين مواصفات أخرى يتصف بها كاتب آخر»40، مثلما أن الأسلوب خاص بهذا الكاتب دون آخر، هو العلامة الفارقة التي تؤثر في القارئ أو في العالم بأكمله، باعتباره توقيعًا لطريقة كتابة صاحبها41، فإن من غير الممكن– إذ - إنكار كتّاب أثبتوا براعتهم عبر التاريخ الأدبي، مثل جوزيف كونراد وروسو، ا وهذا ما يلغيه دريدا بجرة قلم، لأن التفكيك الدريدي لا يعير الأهمية للفرادة والخصوصية، بل يضع النصوص على قدم المساواة، رديئها وجيّدها، وهو ما ينتقده إدوارد سعيد. يقوم القارئ، بحسب دريدا، بإنتاج المعنى في نص مكتوب محرَّر من السلطة الأبوية لكاتبه؛ فهذا القارئ لم يعد مجرد مستهلك للمعنى اللاهوتي الذي يسوقه المؤلف تقليديًا، وفق قوانين اقتصادية تتطلب موضوعًا سلطويًا، بل أصبح منتجًا ومبدعًا للمعنى في قراءات متعددة، ينسجها من معين الثقافات المتعددة التي تعتبره، فيعبّر عنها في كتابات تتعارض في سخرية حادة، ولكن «ثمة مكان تجتمع فيه هذه التعددية. وهذا المكان ليس الكاتب، كما قيل إلى الوقت الحاضر. إنه القارئ»42. انتقل التفكيك الدريدي من معنى النصية التقليدية التي يَعْني فيها النص ما يَعْنِيهِمؤلفه، إلى نصية جديدة لا تقر سوى بميزة اللعب والحرية في العلامات التي تنسج النصوص، أي إنه انتقل من النقيض إلى النقيض43؛ فالدوال المكتوبة لا تنغلق على مدلولات نهائية، وينجم عن ذلك اللعبُ العشوائي للعلامات النصية، من دون ضابط قرائي، فالقارئ عبثًا يحاول الحد من هذه اللعبة العشوائية، ما دام ليس له يد في منطقها، بل قد يقع في فخها مثلما تقع الحشرة فريسة نسيج العنكبوت: أليس الاختلاف المرجئ للمعنى متجاوزًا كل منطق؟ كل تأويل مغلوط فيه، بحسب التفكيك الدريدي، محمود، لأنه يفتح الأبواب على معان لا نهائية. والأكثر من ذلك هو أنه يسمح بقبول قراءتين متناقضتين، لأن منطق اللعب الذي يتحكم في اشتغالية النص يفرض تأويلات متعارضة ومتنازعة وساخرة. يعارض إدوارد سعيد فكرة دريدا بشأن لا نهائية الدلالة وإرجاء المعنى، مع أنه يوافقه في خفض التراتبية التقليدية بين الكلام والكتابة؛ إذ قال بتزامن الكلمات الملفوظة والمكتوبة استنادًا إلى أمثلة

  1. انظر: سعيد، العالم، ص.218
  2. إليس، ص.179
  3. انظر: سعيد، العالم، ص.26
  4. بارت، ص.83
  5. انظر: إليس، ص.164

حية من الرواية الغربية المعاصرة كما هي عند كونراد44، إلا أنه لم يوافق دريدا في إطلاق يد القارئ كي ينسج ما يشاء من القراءات؛ إذ لا بد من ضابط – بحسب إدوارد سعيد - يميز القراءات الصائبة من التي جانبت الصواب. إن هذا الضابط هو، في نظر إدوارد سعيد، الشروط الدنيوية التي تجعل علاقة القارئ والمؤلف علاقة تشاركية في صناعة حدث النص. هي العلاقة التي يقترب فيها هيكل النص من هيكل العالم، ف «بدل أن تكون النصوص انفصالً عن العالم، أو عن الك ماا، تعلن عن ارتباطها بالفعلية »45، ويساهم المؤلف في صنع هذا التقارب بموقعيته وآلياته السردية كما يساهم القارئ بوعيه النقدي. وتتجلى هذه العلاقة التفاعلية بين النص والعالم والمؤلف والقارئ من خلال خصائص روائية معاصرة عدة، بحسب إدوارد سعيد، منها:

معاصرة الملفوظ للمكتوب

يعمد التفكيك الدريدي إلى تدمير التراتبية التي يمتاز بها النسق الفلسفي للميتافيزيقا الغربية، خاصة أسبقية الك ماا على الكتابة؛ فاستهدف خفض هذه التراتبية من خ لاا تحرير الكتابة من مقصدية المؤلف، أي من مركزية الصوت الواحد، وتحويل النص إلى فضاء لتعدد القراءات والأصوات، ولا يُحَد معه النص بقراءة أخيرة، فجعل المكتوب ذا سلطة لا تضاهيه حتى سلطة الكلام. يحدث انقلاب الكتابة على الكلام - بحسب دريدا - بمعزل عن المؤلف، ويتم ذلك في زمن القراءة الذي يُعَدّ زمن الكتابة الحقيقية للنص. إن ما يتجاهله دريدا، بحسب إدوارد سعيد، هو أن الكاتب يتعمد ربما استخدام تقنية الجمع بين الملفوظ والمكتوب، ويكون بقصد من الراوي ومن الرواية بحد ذاتها. ويضرب مثال على ذلك من نصوص الروائي كونراد التي تدمج في متنها بين الك ماا الملفوظ والك ماا المكتوب؛ إذ تنبني على متحدث وجمهور مستمعين، كما أنها نصوص غير مكتملة الدلالة في حالة تشك ل مستمر. ولكونها منسوجة من حياة كونراد، فهي تسرد في كثير من الأحيان مواقفه من حياته الخاصة وما عاناه. هذه العناصر كلها تصنع دنيوية نصوص كونراد، وبالتالي تجبر القارئ على العودة إلى حالة المؤلف والأخذ بها في صناعة المعنى، لأن «نصوص كونراد تقدم نفسها على أنها غير منتهية ولا تزال تحدث، ظاهرة لا تزيد فقط في إلحاحية النصوص وتشد الرابطة بين الكاتب والقارئ، بل أيضًا تجعل المفهوم بأكمله لبناء نصي ثابت إشكاليًا تمامًا»46.

المعنى الحرفي المقصود للكلمات

لم يقتصر تفجير الدلالات اللامتناهية في التفكيك الدريدي على النصوص الأدبية لمالارميه وروسو، بل شمل النصوص اللغوية كما فعل مع دي سوسير، والنصوص الفلسفية كما فعل مع ديكارت

  1. انظر: سعيد، العالم، ص.38
  2. أشكروفت وأهلواليا، ص.33
  3. المصدر نفسه، ص.37

وهوسرل. وبدا ولع التفكيك بكشف المتواري وراء المعاني الحرفية استراتيجيا مقصودة في ذاتها في كثير من النصوص. تجاهل دريدا، بحسب إدوارد سعيد، خصوصية النص التي تجعل من توظيف السرد وسيلة توضيح ليس إلا، كما عند أف طون أو روسو؛ فالكلمات ترتبط في النصوص الفلسفية بمسائل جدية، في حين يولي دريدا أهمية لأسلوب بالدرجة الأولى، ويخلط بين الأدب والفلسفة47؛ ففي كتاب Logical Investigations (بحوث منطقية) الصادر في بحر -1900 1901، «يسعى هوسرل من خ لاا عمله الفينومينولوجي إلى تحديد المعنى بشكل جذري، بينما يبحث دريدا عن استنطاق المعاني المتوارية وتحويل النص إلى رموز»48. إن تحويل النصوص كلها إلى خزان من الرموز لا يستنفد معانيها هو ازدراء لمقصدية الف سفة ولخصوصية النصوص، ونَسْف لموضوعية القراءة، وهذا ما دفع جون إليس (Ellis J.) إلى اعتبار هجوم دريدا على ميتافيزيقا الحضور هجومًا على مجموعة جديدة من الكلمات لا مجموعة جديدة من الأفكار49؛ وأن دريدا عاشق للعبة الكلمات ليس إلا، ويصلح ذلك في مجال الأدب لا في مجال الفلسفة، لأن المعنى الفلسفي حدده أصحابه بمفاهيم ومصطلحات دقيقة لا تقبل التأويلات الطائشة.

النص الدنيوي والقوة

كثيرًا ما استرعت علاقة دريدا بأحداث عصره انتباه النقاد؛ فالرجل لم يبد رأيه في ما يخص القضية الفلسطينية مثلً، ولا قضية الغزو الأميركي للعراق، ولا قضايا دولية أُخرى عادلة. أقلقت هذه العلاقة إدوارد سعيد كثيرًا، فعبّر عن الأمر في أكثر من مرة في كتابيه العالم والنص والناقد والثقافة والإمبريالية، واستغرب تحاشي نظرية دريدا الأفق السياسي مع أن عصرنا يكشف عن تأثير القوة في صوغ المعرفة، وكذا ارتباط الإمبريالية الغربية بالثقافة الغربية. فما أنتجه الغرب من روايات بالتزامن مع المد الغربي الاستعماري في الأقاليم المختلفة، يكشف أن السرد الروائي ارتبط، وبشكل مباشر، بالرغبة في التوسع والسيطرة50، فعج ب فاستغرب إدوارد سعيد لعدم اهتمام دريدا بالأفق الإمبريالي الذي صنع الثقافة الغربية وأثّر فيها. إن ما يتجاهله دريدا هو كون النصوص عناصر قوة قبل أن تكون عناصر تكافؤ، بحسب مقولة نيتشه51؛ أي إنها ترتبط بقوى تساهم في إظهارها وبروزها في العالم على حساب نصوص أخرى، أيًّا تكن هذه القوة، سياسية أو إعلامية أو اقتصادية أو قوة المؤلف أو النشر أو الإشهار. ويورد إدوارد سعيد استعارة بليغة عن التاريخ باعتباره جغرافيا أرضية مصنوعة من أقاليم عدة متداخلة ومتشابكة.

  1. انظر: عطية، ص.249
  2. انظر: سعيد، العالم، ص.225
  3. انظر: إليس، ص.192
  4. انظر: إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، نقله إلى العربية وقدم له كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1997)، ص.58
  5. انظر: أشكروفت وأهلواليا، ص.38

وعلى الأرض لا في السماء، وفي تربة المجتمع يتقاطع الكثير من الحركات المتصارعة على السلطة أو على حقول الامتيازات المتنازع في شأنها52، وهذا ما تجليه نظرية التناص التي يستند إليها النقد التفكيكي، والتي تعرِّف النصوص بأنها مجرد علاقات تناص بين نصوص سابقة وأخرى لاحقة، تأتي من مكان سابق على القارئ والمؤلف معًا، من مكان ذي ألف بؤرة، وهو ما يجعل النص «مصنوعًا من كتابات مضاعفة. وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ومحاكاة ساخرة، وتعارض»53. إن دنيوية النص تعني اندراجه ضمن أحداث عصره وظروفه السياسية والاجتماعية والثقافية التي أنتجته وعبّر عنها. وإن أي استبعاد لعنصر القوة في إظهار نص ما يحول التحليل النقدي، كما هو في التفكيك، إلى مجرد معرفة باطنية، وهو وجه آخر للاهوت، ألا أنه اللاهوت في شكله السلبي. ويعلمنا التحليل النفسي أن أي موضوع مكبوت يستعيد ممارسته من خ لاا البنية اللغوية للنص، في شكل استعاري، ربما يشترك مع الموضوع المكبوت في سمات تشابه كثيرة54، وهو النهج ذاته الذي يتّبعه التفكيكيون؛ فهم يثورون على القراءة اللاهوتية التقليدية، وفي الوقت عينه يشتركون معهم في فرض لاهوتية نصية جديدة.

خاتمة

إن الدنيوية التي تعلن نفسها في أي نص بحسب إدوارد سعيد ليست منهجًا يقف على طرف النقيض من التفكيك الدريدي، بل هو قراءة متزنة تراجع الكثير من المفاهيم التفكيكية، وتحاول استصلاحها، ما دامت النصوص أقاليم تنغرس فيها المفاهيم، بحسب المنظور الإدواردي. وقد اضطلع مفهوم الدنيوية بدور المفهوم الإدواردي الذي يستصلح القصور في الاخت ف المرجئ الدريدي. ونحن استجلينا حركة الاستص ح في تربة النص من خ لاا العناصر الآتية: مفهوم النص، دور المؤلف والقارئ معًا، علاقة النص بالقوة. ليس النقد الدنيوي نكوصًا إلى مركزية المؤلف كما في النقد الك سيكي، ولا إط قااًا ليد القارئ بصفة غير مقيدة كما في النقد التفكيكي. كما أنه ليس اختصارًا للمؤلف في مجرد وظيفة لغوية، ولا للقارئ في مجرد مكان تجتمع في جسده النصوص الآتية من ألف بؤرة من بؤر الثقافة، كما هو في النقد التفكيكي. وليس النص «برج بابل» لأصوات متعددة تتكلم لغات متعارضة ومتشابكة، غير قابلة للحسم، كما في النقد التفكيكي. الدنيوية تتخذ لها موقعًا برزخيًا، موقعًا وسط ا، موقعًا عادلً، بين الإفراط البنيوي في الاعتداد بداخلية المعنى والتفريط الواقعي في الاعتداد بالمعنى الخارجي. إنها حضور لهذا وذاك وللعالم، كما انكشف في لغة النص، وكما هو في الواقع الذي يساهم ظرفه التاريخي وكذا عنصر القوة في بروز النصوص وظهورها. وتنشأ برزخية الدنيوية من اقتراب هيكل العالم، من هيكل النص، ومن علاقة إنتاجية بين المؤلف والقارئ، لا يقصي طرف الطرف الآخر، بل

  1. المصدر نفسه، ص.227
  2. بارت، ص.83
  3. انظر: لاكان، ص.33

يتحاور الطرفان ويأخذ هذا من ذاك، ويتبادلان الأدوار، مثلما هو الأمر في الرواية الغربية المعاصرة، خاصة عند كونراد، الذي تضطر طبيعة نصوصه المنسوجة من حياته القارئَ إلى أن يعود إلى المؤلف لفهم النصوص. بل إن كونراد يتعمد أن تظهر نصوصه في شكل «كلام موجَّه إلى مستمعين، يتزامن فيها الملفوظ والمكتوب، يتحاور فيها القارئ مع الكاتب...إلخ»، وهو ما يجعل هذه التقنيات مقصودة من المؤلف والرواية، وليست خارجة عن وعي المؤلف، كما يذهب النقد التفكيكي إلى ذلك. إن النقد الدنيوي يكشف النص الأدبي، وهو أهم النصوص التي تثير جدال الماهية، كحدث احتمالي، يمثّل الظرف التاريخي جزءًا منه، ويندرج ضمن الحراك الاجتماعي لأمة ما؛ وفي الوقت نفسه يسمو النص الأدبي عن حرفية الحدث عبر جمالية الفن. وإن التواتر بين الاجتماعي والجمالي هو ما يصنع النص الأدبي، وإدوارد سعيد يرى ذلك متأثرًا بالفيلسوف أدورنو. وهذا ما يقف على طرف النقيض من النصية كما هي عند دريدا، وهي النصية التي تعزل النص الأدبي عن سياقه المنتج وظرفه التاريخي. أبرز إدوارد سعيد الاضطراب المنهجي للتفكيك الدريدي من خلال أقوال دريدا ذاته؛ فدريدا يتساءل إن كان مفرطًا في استنطاق ما قاله روسو عن «أصل اللغات» لكنه لا يجيب، فتأتينا الإجابة من إدوارد سعيد الذي يرى أن التفكيك الدريدي قوّل روسو ما لم ينوِ قوله، وهو النهج ذاته الذي اتبعه دريدا مع أدباء وفلاسفة ولغويين. ومن هنا تقف مسألة الحد كما هي في عُرف الظاهريين الإسلاميين حلًّ أمثل يضبط القراءة ويحد من طيشها. ليس النص مجرد تناص لنصوص متزامنة ومتكافئة لحظة القراءة كما في النقد التفكيكي، بل هي عناصر قوة، فتساهم القوة في بروز نص على حساب نصوص أخرى، أكانت قوة سياسية أم قوة الناشر أم قوة القارئ أم قوة المؤلف أم قوة الإعلام... إلخ، وهو ما يتجاهله دريدا في تفكيكياته. إن الاختلاف الجوهري بين النقد التفكيكي والنقد الدنيوي اختلاف في تصور العلامة، بين الاختلاف المرجئ الذي ينكر حتى مبدأ العلامة السيميائية، ويكشط إمكانية إنتاجها، والنقد الدنيوي الذي يقر بالاخت ف الذي قال به دريدا، ولكنه في الآن ذاته يأخذ بالمدلول السياسي والاجتماعي والثقافي في إنتاج العلامة وانتشارها، أو لنقُل بمصطلحات بارت: إن الاختلاف قائم بين مفهوم «فراغ العلامة» وامتلاء العلامة؛ التفكيك يفرغ العلامة والنص من أي معنى، والدنيوية تعيد ماء المعنى بألوانه المختلفة. References

المصادر والمراجع

العربية

ابن منظور، أبو الفضل محمد بن مكرم. لسان العرب. مج 1. بيروت: دار الفكر،.2008

أشكروفت، بيل وبال أهلواليا. إدوارد سعيد: مفارقة الهوية. ترجمة سهيل نجم؛ مراجعة حيدر سعيد. دمشق: دار نينوي؛ دار الكتاب العربي،.2002

ألموند، أيان. التصوف والتفكيك: درس مقارن بين ابن عربي ودريد.‬ا ترجمة وتقديم حسام نايل؛ مراجعة محمد بريري. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011. (المشروع القومي للترجمة؛ 1740) إليس، جون. ضد التفكيك. ترجمة حسام نايل. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2012

أوكان، عمر. مدخل لدراسة النص والسلطة. ط 2. الدار البيضاء، المغرب: إفريقيا الشرق،.1994 بارت، رولان. هسهسة اللغة. ترجمة منذر عياشي. حلب، سورية: مركز الإنماء الحضاري، 1999. (الأعمال الكاملة؛ 5)

الخويلدي، زهير. معان فلسفية. دمشق: دار الفرقد،.2009

دريدا، جاك. صيدلية أفلاطون. ترجمة كاظم جهاد. تونس: دار الجنوب، 1998. (لزوميات المقال).______ الكتابة والاخت ف. ترجمة جهاد كاظم؛ تقديم محمد ع لاا سيناصر. ط 2. الدار البيضاء: دار توبقال،.2000

______ [وآخرون.] مداخل إلى التفكيك (البلاغة المعاصرة). تحرير وترجمة حسام نايل؛ تصدير محمد بدوي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2013

سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية، نقله إلى العربية وقدم له كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1997)

.______ خيانة المثقفين: النصوص الأخيرة. ترجمة أسعد الحسين. دمشق: دار نينوي،.2011.______ العالم والنص والناقد. ترجمة عبد الكريم محفوض. دمشق: اتحاد الكتاب العرب،.2000 عطية، أحمد عبد الحليم. جاك دريدا والتفكيك. بيروت: دار الفارابي،.2010

لاكان، جاك. اللغة: الخيالي والرمزي. إشراف مصطفى المسناوي. الجزائر: منشورات الاختلاف، 2006. (بيت الحكمة)

الأجنبية

1. Adorno, Theodor Wiesengrund. Dialectique négative. Traduit de l’allemand par le

Groupe de traduction du Collège de philosophie; postface de Hans-Günther Holl.

2. ______. Paralipomena; Introduction première: Autour de la «Théorie esthétique».

Traduit de l’allemand par Marc Jimenez et Éliane Kaufholz. Paris: Klincksieck,

3. Derrida, Jacques. De la Grammatologie. Paris: Éditions de Minuit, 1967.

5. ______. L’Ecriture et la différence. Paris: Éditions du Seuil, 1967. (Tel quel)

Paris: Payot, 1978. (Critique de la politique)

1976. (Collection d’esthétique; 25)

4. ______. La Dissémination. Paris: Éditions du Seuil, 1972. (Tel quel)