سياسة الاعتراف والحرية سجال وإطار نظريّ تحت طائلة السياق العربيّ
Politics of Recognition and Liberty:
الملخّص
يرمي هذا البحث إلى نقاش نقدي لمنظومة سياسة الاعتراف، التي نظر لها كتّاب كُثر في العلوم السياسية، الاجتماع والفلسفة. والتي نتج عنها حقولا معرفية عديدة، أهمها الحقل المعرفيّ الذي يُعنى بالتعدديّة الثقافيّة، كإحدى تعابير الحرية الفردية والجماعية. يقترح البحث الحالي ضرورة التفريق بين سياسات الاعتراف، وبين ما يُمكن أن يُطلق عليه سياسات الاختلاف، بحيث يحاول البحث أن يُميّز، ضمن معايير محددة، بين مفهوم الاعتراف الذي يضمن تكامل عملية بناء الأمة ضمن تعددية ثقافية في إطار الدولة الوطنية والمواطنية، وبين سياسات الاختلاف التي تؤدي إلى تفتيت الأمة وحتى تفكيك الدولة. كما يستعرض العلاقة بين سياسة الاعتراف والنظام السياسي. ويقترح البحث في النهاية إطارا نظريا في السياق العربي وخاصة في المجتمعات المنقسمة داخليا، وذلك بناء على العرض والقراءة الناقدة للسجال النظري في هذا الحقل.
Abstract
Abstract: This paper presents a critical discussion of the perspective of the policy of ‘recognition.’ This concept has given rise to many fields of knowledge, most importantly that concerned with multiculturalism. The study suggests that a need exists to differentiate between policies of recognition and what might be termed ‘policies of difference.’ The study attempts, within defined criteria, to distinguish between the concept of recognition that guarantees the completion of the process of nation building via multiculturalism (in the context of the nation and citizen state), and policies of difference that lead to the fragmentation of the nation and even the disintegration of the state. The paper puts forward a theoretical framework stemming from the Arab context and internally divided societies more broadly. The study is based on on a critical review and reading of the theoretical records in the field.
- سياسات الاعتراف
- التعددية الثقافية
- العدالة، الربيع العربي
- المواطنة
- الدولة الوطنية
- Citizenship
- Nation State
- Arab Spring
- Justice
- Multiculturalism
- Recognition Policies
سجال وإطار نظريّ تحت طائلة الراهن العربي
Debate and Theoretical Framework in the Current Arab Context
ضرورة التفريق بين سياسات الاعتراف، وبين ما يُمكن أن يُطلق عليه سياسات الاخت ف،
بحيث يحاول البحث أن يُميّز، ضمن معايير محددة، بين مفهوم الاعتراف الذي يضمن تكامل
عملية بناء الأمة ضمن تعددية ثقافية في إطار الدولة الوطنية والمواطنية، وبين سياسات الاختلاف التي تؤدي إلى تفتيت الأمة وحتى تفكيك الدولة.. ويقترح البحث في النهاية إطارا نظريا في السياق العربي وخاصة في المجتمعات المنقسمة داخليا، وذلك بناء على العرض والقراءة الناقدة للسجال النظري في هذا الحقل.
مقدمة
يمثّل الاعتراف المؤسساتي والدستوري بهُوية المجموعات الثقافية أحد أهم تجليات النضال
من أجل الحرية في صفوف هذه المجموعات. طورت سياسات الاعتراف مفهوم حق تقرير المصير الذي ظل منحصرًا في النضال القومي من أجل الحرية والاستقلال، إلى حق تقرير المصير
بصفته حقوقًا جماعية تمر عبر سياسة الاعتراف والتعددية الثقافية في الدولة القومية الإثنية من جهة وفي دولة المواطنين الليبرالية من جهة ثانية. يقترح هذا البحث تجاوز سياسة الاختلاف التي تسعى لتسييس النزعة الجماعاتية بأشكالها المختلفة (طائفية، مذهبية، لغوية، قبلية، وإثنية)، وجعلها فوق المواطنة المدنية وحتى الدولة، إلى الاعتراف بها ضمن دولة المواطنين وفي إطارها. في الجهة المقابلة، يتعيّن على الدولة العربية أن تبتعد عن
سياسات الاحتقار أو الازدراء، كما نظ ر لها الألماني أكسيل هونيث، وهي السياسات التي تنطلق من
الازدراء بالتعددية الثقافية بوصفها شكلً من أشكال الحرية. إن سياسات الاخت ف، التي تقودها النزعات الجماعاتية، من جهة، وسياسات الازدراء من جهة ثانية، لا تساهم في إعادة بناء الأمة في السياق العربي، بل إن الدمج بين سياسات الاعتراف في إطار دولة المواطنين كفيل بالخروج من حالة التشظي والتشرذم في الحالة العربية. تنطلق سياسة الاعتراف بزعم أن الخصوصية الثقافية الجماعية للمجموعات الثقافية هي جزء من الحرية الليبرالية؛ فالحقوق الجماعية تُعتبر تطويرًا لمفهوم الحرية الفردية في المدرسة الليبرالية. برز
الاهتمام النظري والبحثي المتعدد معرفيًا (علوم سياسية، علم اجتماع، فلسفة) بسياسات الاعتراف،
في أعقاب صعود المطالب الجماعية للمجموعات الثقافية، كجزء من الحفاظ على الخصوصية والهُوية في إطار الدولة القومية ذات الهيمنة الثقافية الأحادية في المجال العمومي، وانحياز الدولة
إلى المجموعة المهيمنة. لذلك، كان صعود سياسات الاعتراف استئنافًا لانحياز المجال العمومي والدولة معًا لمصلحة مجموعة واحدة. تعمل سياسات الاعتراف على استحضار الخصوصية الثقافية للمجموعات المُشكّلة للمجتمع المدني
في المجال العمومي من جهة، واعتراف الدولة بالهُوية الثقافية للمجموعات فيها من جهة أخرى. وقد
ارتبطت التعددية الثقافية بمسألة المواطنة أيضًا باعتبارها مركّبًا مهمًا من مركّبات الدولة المواطنية التي
تعترف بالثقافات المختلفة بغية تعزيز قيم المواطنية في صفوف أبناء هذه المجموعات، وكجزء من تطويرٍ للحرية يفترض أن الهُوية مركّب من مركّبات الحرية الفردية التي لا يمكن أن تعبّر عن نفسها إلا
في إطار مجموعة ثقافية. طور ويل كيمليكا منظومة التعددية الثقافية الليبرالية تعبيرًا عن هذا الدمج بين الهُ وية
الفردية كجزء من الحريات الفردية الليبرالية، والاعتراف بثقافة المجموعة كإطار يحمي
(((أكسيل هونيث، ازدراء ومنح الاعتراف (تل أبيب: منشورات هكيبوتس هموآحد، 2008). (بالعبرية)
(2) Will Kymlicka, «Multicultural States and Intercultural Citizens,» Theory and Research in Education 1, no. 2 (July 2003), 147-169.
حرية الفرد الفردية والثقافية، ويحقق ذاته وحريته في إطار المجموعة الثقافية التي ينتمي إليها. يُعتبر تشارلز تيلور من المنظّرين البارزين بشأن سياسات الاعتراف؛ فهو ينطلق في أبحاثه من أن
الهُوية تتبلور في جزء منها من خ لاا الاعتراف بها أو تغييبها. وفي حالة تغييبها، تعاني المجموعة
الثقافية الشعور بالاضطهاد والقمع بسبب غياب الاعتراف بها والتقدير لها. ويعتقد تيلور أن سياسات الاعتراف تسعى بالذات للاعتراف بتلك الجماعات التي عانت ضروب الاضطهاد التاريخي والتغييب والإنكار، الناتجة من صيرورات تاريخية وسياسية رافقت إقامة الدولة القومية الحديثة. تفترض سياسات الاعتراف إذًا أن مفهومي العدالة والحرية لا يتحققان بالشكل الليبرالي الصحيح من دون استحضار البُعد الثقافي الجماعي فيهما، من خلال تحقيق مطالب الاعتراف للمجموعات
الثقافية؛ فمفهوم العدالة الذي طوره جون رولز غيّب الحقوق الثقافية الجماعية للمجموعات الثقافية،
والمفهوم الرولزي (نسبة إلى رولز) للعدالة ينطلق من اعتبار أن هنالك منظومة واحدة للعدالة تنسجم مع تصور المجتمع تصورًا واحدًا وأحاديًا. في المقابل، يتجاوز مفهومُ الحرية في سياسات الاعتراف
مفهوم الحرية في المنظومة الليبرالية التي تطورت في الفلسفة السياسية الليبرالية، من جون لوك إلى
جون ستيوارت مِل، إلى محاولة تطويرها بحيث تشمل الحقوق الجماعية. تهدف سياسات الاعتراف إلى تطوير مفهومَي العدالة والحرية بما يتجاوز المفهوم الليبرالي التقليدي ولكنه لا يستأنف ضد هذا
الإطار، بل يحاول تطويره من الداخل. لا ينطلق بحثنا هذا من دراسة إمبريقية للواقع العربي الحالي والتاريخي، ولا يستشهد بحالات دراسية من السياق العربي، بل يسعى في هذه المرحلة لاستعراض الأدبيات النظرية ومناقشتها ومقاربتها نظريًا
مع الواقع العربي، بحيث تستعرض خلاصة البحث إطارًا مقترحًا لتوليفة سياسات الاعتراف ضمن
دولة المواطنين الديمقراطية. وهو لا يزعم أن سياسة الاعتراف بديل من دولة المواطنين، بل عليها أن تكون مركّبًا عضويًا فيها، ضمن رواية مدنية واحدة مُهيمنة في المجال العمومي، تستوعب التعددية
الثقافية وتنظمها في الفضاء العام، بما يستدعي لاحقًا تعريف مفهوم الثقافة المقصودة في البحث، وهذا ما سنتطرق إليه في خلاصة البحث. يشتمل البحث الحالي على مقدمة ومبحثين وخلاصة. تستعرض المقدمة باقتضاب السياق التاريخي العربي لنقاش سياسة الاعتراف، بينما يتطرق المبحث الأول لمفهوم سياسات الاعتراف، ويناقش السجال النظري الدائر حوله. ويتناول المبحث الثاني الع قااة بين سياسة الاعتراف والديمقراطية، وأخيرًا تقترح الخلاصة الإطار النظري المقترح في السياق العربي نحو توسيع مفهوم الحرية، حيث
يعترف البحث مسبقًا بأنه بحاجة إلى دراسات مستقبلية ذات طابع إمبريقي تعتمد على الإطار النظري المقترح بالبحث.
(3) Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights , Oxford Political Theory (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1995).
سياسة الاعتراف في سياق اللحظة التاريخية العربية الراهنة
كشفت الثورات العربية، في سعيها لتحقيق الديمقراطية في الدول التسلطية العربية، عن فشل الدولة القطْرية العربية في بناء أمة من المواطنين. وربما يُشكل هذا الفشل (أو كشفه) أحد أهم إفرازات الربيع
العربي؛ فحالة الاستقرار المجتمعي النسبي التي سادت غالبية مجتمعات المشرق العربي كانت نتاج القمع السلطوي، وليس نتيجة انصهار الأفراد والمجموعات في بوتقة واحدة من السردية الوطنية والمدنية نتج منها حالة من الاستقرار السياسي والسلم الأهلي. فالنظام السلطوي لم يقمع الحريات الفردية فحسب، بل قمع التعددية الثقافية في هذه المجتمعات أيضًا، في كونها جزءًا من حرية الفرد في
التعبير عن هويته الخاصة، الدينية والمذهبية واللغوية والإثنية. وتزداد وعورة هذا القمع في حقيقة أن الدولة التسلطية العربية فشلت في بناء هوية وطنية جامعة تذوب فيها هذه التعددية وتنصهر، في إطار بناء أمة مواطنين تستوعب هذه التعددية؛ فالدولة القطْرية فشلت حتى في منطق الدولة القومية الحديثة التي هدفت إلى بناء ثقافة وهوية وطنية مهيمنة في المجال العمومي، وفي السردية التاريخية والمدنية؛ فالهوية الوطنية التي هيمنت على المجال العمومي لم تتشكل نتيجةَ صهر أو تعاقد اجتماعي، بل نتيجة قمع الحريات الفردية والجماعية، وذلك بصرف النظر عن جوهر هذه الهوية وتلك السردية وماهيتهما ومشروعيتهما. لم يستحضر الربيع العربي وثوراته سؤال الديمقراطية فحسب، بل استحضر أيضًا سؤال الهوية
الوطنية والتعددية المجتمعية، وطرح بقوة سؤال دولة المواطنين. ويستوجب ذلك طرح مفهوم الحرية بمفهومها الجماعي، إن صح التعبير، إلى جانب مفهومها الفردي الليبرالي. تبنّت الثورات العربية شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» والانتقال إلى النظام الديمقراطي، ولكن سرعان ما انكشف ظهر الثورات العربية في صعود مهمات أخرى للربيع العربي غير منحصرة في سؤال النظام السياسي وإنما متعدية إلى سؤال المجال العمومي. وظهر ذلك في حالة التشرذم السياسي في مصر، والتشرذم الطائفي والمذهبي في سورية والعراق واليمن، وبروز المسألة الكردية مسألة قومية إثنية ولغوية،
وكيفية التعامل معها، أم ن خ لاا حق تقرير المصير عبر إقامة دولة كردية أم من خ لاا حق تقرير المصير عبر إقامة أتونوميا ثقافية وإدارية؟ وظهر سؤال المجال العمومي في الصراع على ماهيته: هل هي أحادية أم تعددية؟ ومن يحق له التمثيل في المجال العمومي؟ وفي ظل هذه الصراعات كلها تغيب السردية المدنية الجامعة، التي تستوعب الجميع وتعطيهم الحق في عملية بناء الأمة والدولة الوطنية المواطنية. يمكن الديمقراطية الليبرالية أن تتعاطى مع سؤال النظام السياسي والحريات الفردية، ولكن لا يمكن أن تتعاطى، بنجاح كبير، مع سؤال التعددية الثقافية والمجال العمومي في السياق العربي الراهن. ع وااة على ذلك، لا تستوعب اللحظة التاريخية العربية الحالية، التي تتميز بالتشرذم والتشظي وتسييس الهويات، اكتمال مشروع الديمقراطية الليبرالية ثم الانتقال إلى سؤال المجال العمومي والتعددية والاعتراف، وهو ما ميز التجربة الأوروبية، وتمر به حاليًا، وإن ببطء شديد،
التجربة الأميركية، بل عليها مواجهة السؤالين معًا: سؤال النظام السياسي وسؤال المجال العمومي،
وهو ما يجعل اللحظة التاريخية الديمقراطية العربية تحمل عبئًا أكبر من عبء اللحظة التاريخية الديمقراطية والثورية التي مرت بها أوروبا وأميركا، خاصة أن الفضاء العمومي ليس الفضاء العمومي الغربي ذاته الذي نشأت فيه الديمقراطيات الأوروبية، أي الفضاء البرجوازي الغربي المغلق، كما وصفه هابرماس. تعاملت التجربة السياسية مع التشرذم الداخلي، في ظل غياب مشروع دولة المواطنين، من خلال توجه دوغمائي يقع في طرفه الأول تفكيك الدولة الوطنية المواطنية من خ لاا تسييس النزعة الجماعاتية، أو تعزيز الدولة الوطنية التسلطية المهيمنة من خ لاا قمع الهويات الثقافية والفردية. في الطرف الأول هذا تقع تجربة المحاصصة السياسية الطائفية في لبنان بعد اتفاق الطائف، وهي تجربة لا تبني دولة مواطنين مدنية بل دوي ت طائفية، تتقاسم الموارد العامة على شكل محاصصة سياسية في المناصب الرسمية. وفي المحور المقابل، تظهر التجربة التسلطية، التي عملت على قمع الحريات الفردية والثقافية للمجموعات المختلفة. وفي كلتا التجربتين لم تُبنَ دولة مواطنين،
وإنما قُمعت خيارات الفرد باسم الطائفة والمجموعة في التجربة الأولى، وبواسطة التسلطية في التجربة الثانية. تستدعي اللحظة التاريخية العربية الراهنة الخروج من هذا التوجه الدوغمائي إلى توجه وسطي، لا بمعنى نقطة الوسط بين التوجهين، بل بمعنى توجّه يجمع حفظ الخصوصية الثقافية للمجموعات
المختلفة في المجتمعات العربية وتمثيلها في المجال العمومي وفي السردية المدنية للدولة، من جهة، وبناء دولة المواطنين التي تشدد على الحريات الفردية والمواطنة المتساوية، من جهة أخرى،
وهذه إشكالية نظرية تشكّل موضوع المبحث التالي.
سياسات الاعتراف: مقاربة سجالية نظرية
ظهر خطاب سياسات الاعتراف كاستئناف لسياسات الدولة القومية الحديثة من جهة، وسياسات دولة المواطنين الليبرالية من جهة ثانية. يُشكل خطاب الاعتراف أهم المساهمات النظرية في العلوم
الاجتماعية في العقود الأخيرة لدوره في الربط بين العدالة الاجتماعية - الاقتصادية والعدالة الثقافية ومفهمة الحرية والنظام السياسي. ويُعتبر كلٌّ من تشارلز تيلور في نصه «سياسات الاعتراف»،
وأكسيل هونيث في كتابه باللغة الألمانية الصراع من أجل الاعتراف، ونانسي فريزر في مقالها حول «العدالة الاجتماعية في زمن سياسات الهوية»، بالإضافة إلى ويل كيمليكا في مساهمته المهمة بشأن التعددية الثقافية الليبرالية، من المثقفين الذي ساهموا كثيرًا في تطوير هذا الحقل المعرفي في
العلوم الاجتماعية. ظهر خطاب سياسة الاعتراف والتعددية الثقافية ردًّا على سياسات الدولة القومية التي سعت إلى
بناء الهوية القومية والثقافية لمجموعة الأغلبية المهيمنة، وإقصاء ثقافة الأقلية وتهميشها سياسيًا
واقتصاديًا. وتشتمل هذه السياسات، كما أوردها كيمليكا، على، أولً: تبنّي قوانين اللغة الرسمية التي
تعترف بلغة المجموعة المسيطرة على أنها اللغة القومية الرسمية الوحيدة، وبذلك فقط هي اللغة التي
تُستعمل في المجال العمومي؛ ثانيًا: بناء نظام قومي للتعليم الإلزامي ينحصر في السردية التاريخية
والقومية للمجموعة المسيطرة؛ ثالثًا: مركزية القوة السياسية، واستبعاد أشكال السيادة والحكم الذاتي اللذين تمتعت بهما جماعات الأقليات تاريخيًا؛ رابعًا: نشر لغة المجموعة المسيطرة وثقافتها من
خ لاا المؤسسات الثقافية القومية، بما في ذلك وسائل الإع ماا القومية والمتاحف العامة؛ خامسًا:
تبنّي رموز الدولة والاحتفال بتاريخ الجماعة المسيطرة؛ سادسًا: إنشاء نظام قانوني وقضائي موحد،
يعمل من خ لاا لغة المجموعة المسيطرة وتراثها القانوني؛ سابعًا: تبنّي سياسات استيطان وإسكان
لمصلحة الجماعة القومية المسيطرة؛ ثامنًا: تبنّي سياسات الهجرة التي تتطلب معرفة باللغة والتاريخ
القوميين كشرط للحصول على المواطنة؛ تاسعًا: الاستيلاء على المجال العمومي الذي كان السكان الأصليون يملكونه. استوحى تيلور وهونيث من الفلسفة الهيغلية إطارهما النظري والأخلاقي لسياسات الاعتراف، وذلك بناء على تصور تاريخي يعتبر أن المجتمعات تحافظ على استقرارها من خلال صراع المجموعات فيها حول الاعتراف الذي يعرّفه هونيث بأنه «الاحترام المتبادل للمكانة المتساوية والفريدة لآخرين»،
بينما يعرّفه تيلور بأنه «الإقرار بالتباينات ما بين الجماعات وخصوصيات كل منها بصورة رسمية».
ويتفق هونيث وتايلور على أن الاعتراف حاجة أساسية لتقدير الإنسان لذاته ورفاهيته وقدرته على التصرف بحرّية في المجتمع، بينما شددت نانسي فريزر على الاعتراف المؤسساتي وتكافؤ الفرص
والمكانة الاجتماعية؛ ففي حين أشار هونيث وتيلور إلى الاعتراف الذاتي التاريخي والثقافي، شددت فريزر على الاعتراف المؤسساتي. يعتقد موريسون أن الاعتراف الذاتي جوهري للاعتراف المؤسساتي؛ فهو يشك ل «حارس البوابة» لإنجاز الاعتراف المؤسساتي كما طرحته فريزر، ولإلغاء الإقصاء الاقتصادي – الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية. يتضح من قراءة نص تيلور أنه يضع نفسه بين توجهين، التوجّه الأهلي (Communitarian)
الذي يركز على الجماعية من دون حفظ حقوق الفرد، وتوجّه الفردانية الليبرالية التي تهضم الجماعة
حقوقها الثقافية والهوياتية، وهي بذلك تضطهد، من حيث لا تدري، حقوق الفرد في احترام هويته الثقافية.
(((ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة؛ 377، ج 1 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2011)، ص.84-83
(5) Wendy Martineau, Nasar Meer and Simon Thompson, «Theory and Practice in the Politics of Recognition and Misrecognition,» Res Publica 18, no. 1 (2012), 1-9. (6) Axel Honneth, «Recognition or Redistribution? Changing Perspectives on the Moral Order of Society,» Theory, Culture and Society 18, nos. 2-3 (2001), 45.
(((حسام الدين علي مجيد، إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر: جدلية الاندماج والتنوع، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 85 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.109
(8) Charles Taylor, «The Politics of Recognition,» in Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition, by Charles Taylor [et al.]: Edited and Introduced by Amy Gutmann (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994). (9) Nancy Fraser, «Rethinking Recognition,» New Left Review 3 (May-June 2000), 107-120. (10) Zoe Morrison, On Dignity: Social Inclusion and the Politics of Recognition , Social Policy Working Paper; no. 12 (Melbourne: Brotherhood of St Laurence; Centre for Public Policy, 2010).
تحدت سياسات الاعتراف مفهوم المساواة الليبرالي كإطار لتوزيع الموارد في المجتمع، وخرجت ضد حيادية الدولة الليبرالية ثقافيًا، وأعماها اتجاه الانتماءات الثقافية للمجموعات والأفراد. وليس
من قبيل المصادفة أن يخرج منظّرو سياسات الاعتراف من رحم الليبرالية المساواتية، باعتبار الأخيرة مجرد غطاء على الظلم التاريخي لمجموعات مهمَّشة لم تكن قادرة على النهوض في
الإطار الليبرالي الرأسمالي الفردي. وتقترح سياسات الاعتراف تعام متباينًا مع المجموعات الثقافية المكوِّنة للمجتمع، بهدف النهوض ومساواة المجموعات المهمَّشة ثقافيًا وسياسيًا
واقتصاديًا مع المجموعات القوية. تهدف سياسات الاعتراف إلى المساواة، ولكن أدواتها غير
مأخوذة من مخزن الأدوات الليبرالية الفردية المساواتية. والموارد التي تسعى سياسات الاعتراف لتحقيقها للمجموعات المهمَّشة تشمل موارد ثقافية جماعية، مثل السردية التاريخية، وتمثيل ثقافتها
في المجال العمومي، والحفاظ على أنماط حياتها الخاصة، وإعادة الاعتبار إليها في السردية المدنية للدولة. جاءت سياسات الاعتراف في جزء منها ناقدة للتوجه الليبرالي الرولزي الذي شيد إطاره النظري للعدالة على التوجهات الليبرالية الفردانية. وكان فان دييك أول الباحثين الذين أشاروا إلى أعطاب التوجه الرولزي للعدالة، حيث إن رولز أهمل التوجهات الثقافية الجماعية كجزء من العدالة، معتبرًا
أن معايير العدالة واحدة في جميع المجتمعات، وبالتالي ينطوي هذا التوجه الذي ينتمي إليه رولز على عطب نظري بسبب تغييبه الجماعات كما تنظّر لها سياسة الاعتراف؛ فهو ذو تصور أحادي وإقصائي في آن معًا، وهو في رأي هابرماس، يهتم بالوصول إلى إجماع على نمط واحد مع العدالة
في شكل معيّن من أشكال المجتمع. يعتقد تيلور أن السياسة المعاصرة باتت تتشكل من خ لاا مطالبة الأفراد والمجموعات المقموعة أو المهمشة بالاعتراف، معتبرًا الاعتراف حاجة إنسانية جوهرية. في المقابل يزعم هونيث أن للاعتراف
دورًا كبيرًا في تشكيل الهوية الإنسانية، ويشير إلى ث ث حالات من الاعتراف: الحب والاحترام
والتقدير؛ فالحب هو اعتراف دائرة الناس القريبة من الإنسان، وهو يميز المجتمعات القديمة، والاحترام هو اعتراف جماعة المواطنين بحقوق الإنسان، وهو يميز المجتمعات المدنية الحديثة. أما التقدير، فهو الاعتراف بمساهمة الفرد أو الجماعة في إنجاز أهداف المجتمع الجماعية. وهونيث ينقل في كتابه المشار إليه (أي الصراع من أجل الاعتراف) الصراع من مفهومه البدائي من أجل الوجود إلى الصراع من أجل الاعتراف، ويعتقد أن المجتمعات المعاصرة تصارع من أجل نيل الاعتراف والاحترام والتقدير. في مقابل أطر الحب والاحترام والتقدير التي طرحها هونيث، يعتقد تيلور أن سياسة الاعتراف جاءت نتيجة تحوّلين في المجتمع الغربي، أولهما الانتقال من مفهوم الشرف إلى الكرامة، حيث
(11) Vernon Van Dyke, «Justice as Fairness: For Groups?,» American Political Science Review 69, no. 2 (June 1975),
(12) Jurgen Habermas, «Reconciliation Through the Public Use of Reason: Remarks on John Rawls’s Political Liberalism,» Journal of Philosophy 92, no. 3 (March 1995), 109-131.
تشدد الأخيرة على المساواة بين المواطنين وتنفي الترابية والأفضلية بينهم في الحقوق والواجبات، وثانيهما تطور مفهوم الهوية في المجتمعات الحديثة، وحاجة الفرد والمجموعة إلى التقدير والاحترام في إطار الثقافة والهوية المهيمنة لمجموعة الأكثرية. وللتحول الأخير دور في ازدياد شعور الأفراد والجماعات، لا بالحرمان والتمييز الاقتصادي والسياسي والاجتماعي فحسب، وإنما بازدراء ذاتي أيضًا نابع من تهميشهم ودونيتهم. تعود الحاجة إلى الاعتراف إلى الحاجة إلى الحرية، وذلك من خلال فكرة مفادها أن «هوياتنا تُشك ل إلى حد ما بالاعتراف أو بعدم الاعتراف، وغالبًا ما تتشكل بفعل سوء اعتراف الآخرين. لذلك، فإن
شخصًا أو جماعة ما ستعاني ضررًا حقيقيًا وتشويهًا خطيرًا إذا ما كوّن الناس أو المجتمع المحيط بهم
صورة مختزلة أو مُهينة أو مُزرية عنهم ونقلها إليهم في الوقت ذاته. تبعًا لذلك، من الممكن أن يسبب
عدم الاعتراف أو سوء الاعتراف أذى نفسيًا، فيتخذ شكل من أشكال الاضطهاد، وذلك بجعل المرء
حبيس نمط للذات زائف ومشوَّه ومختزل». لا يشير تيلور إلى سياسات الهوية داخل الجماعة من دون علاقة بدولة المواطنين، بل ينظ ر لسياسة الاعتراف؛ فليس ل نإإسان أو المجموعة هوية من دون اعتراف الآخرين بها. لذلك، يمارس الفرد والمجموعة «السياسة» من أجل الاعتراف بالهوية ودور المجموعة في تحديد المصلحة العامة، ومن أجل الوصول إلى القوة في الإطار السياسي القائم. ينسجم توجه تيلور مع توجه هابرماس الناقد لفكرة فوكو بشأن القوة المطلقة، فالإنسان الحديث يحتاج إلى اعتراف الآخرين بدوره في المجال العمومي وتحديد المصلحة العامة. يأخذ جيمس تولي فكرة سياسة الاعتراف، كما طرحها هونيث وتيلور، ويفحصها في السياق التطبيقي في الدول الديمقراطية، معتقدًا أن سياسات الدول الديمقراطية تتجه نحو تبنّي منظومة من سياسة الاعتراف بالتعددية الثقافية والابتعاد عن سياسات الاحتكار الثقافي للمجموعة المهيمنة في المجال العمومي، بجعل الدولة محايدة ثقافيًا، وداعمة في الوقت نفسه للخصوصية الثقافية
للمجموعات الثقافية. يشير تولي إلى ستة توجهات لسياسات الاعتراف: الاعتراف بالأقليات القومية؛ الاعتراف بالمجموعات الإثنية؛ الاعتراف بالمهاجرين؛ الاعتراف بالتوجهات الجندرية أو النسوية؛ الاعتراف بالمجموعات الأصلية أو الأص نااية؛ الاعتراف بالمجموعات فوق القومية. ويزعم أن لهذه التوجهات مميزات ث ثااة: المطالبة بإدارة ذاتية للمجموعة الثقافية؛ تحقيق العدالة من خ لاا إص حات دستورية؛ الاعتراف بكون الثقافة جزءًا لا يتجزأ من العملية السياسية، أو
(13) Taylor, «The Politics of Recognition,» 75-76.
(الترجمة بتصرف من: مجيد، ص.)109 (((1 نسيم كالدرون، تعدديون رغما عنهم (تل أبيب: [د. ن].، 2000). (بالعبرية)
الربط بين الثقافي والسياسي. ويختم تولي زعمه بادعاء أن هذه المطالب جزء من النضال من أجل الحرية. في هذا السياق، لا بد من استحضار التمييز الذي قام به م فالتسر وإمي غوتمان ويولي تمير، كل بطريقته، بين سياسة جماعات المصالح وسياسة الاعتراف داخل الإطار الليبرالي؛ فجماعات المصالح هي، بحسب غوتمان، إطار جماعي يعمل في إطار الديمقراطية الليبرالية من أجل دفع مصالح خاصة بالمجموعة. وما يجمعها هو المصلحة والمنفعة المشتركة، من دون الحاجة إلى إيجاد القواسم الهوياتية المشتركة بين أفرادها، في حين أن ما يجمع الجماعات في إطار سياسات الاعتراف هو الهوية الجماعية حول ميزات اجتماعية، مثل القومية أو اللغة وغير ذلك. ويُطلق فالتسر على
سياسات جماعات المصالح اسم الليبرالية رقم 1، أي ممارسات ثقافية ضمن الدولة الليبرالية بين مجموعات ذات توجهات ليبرالية، تتحول سياساتها الثقافية إلى نوع من سياسات جماعات المصالح (على عكس الليبرالية رقم 2، التي تتحول فيها ممارسات الاعتراف والتعددية إلى سياسات تعددية ثقافية تجاه جماعات غير ليبرالية). وتُطلق عليها تمير اسم تعددية ثقافية رقيقة (Thin)، تصل خلالها الجماعات الثقافية الليبرالية إلى تسويات مؤسساتية متفَق عليها وقابلة للصمود، على عكس التعددية الثقافية الغليظة (Thick). إلى جانب تيلور وهونيث، تُشكل نصوص يانغ مساهمة نظرية مهمة في دراسة سياسة الاعتراف وحقوق المجموعات؛ فيانغ تقترح إطارًا نظريًا حول مكانة المجموعات الثقافية في المجال
العمومي، وتنطلق من نقد التوجهات العالمية القيمية الأحادية التي تحاول، من جهة، احتواء مجموعات ثقافية متعددة بداخلها، وتحاول، من جهة أخرى، إقصاء ثقافتها وخصوصيتها. وتقترح يانغ في المقابل إطارًا عالميًا يضم الجماعات الثقافية المختلفة من دون إقصاء خصوصيتها وضمان
مساهمتها في الحياة العمومية. وتُطلق على إطارها النظري اسم المواطنة التفاضلية (Differentiated Citizenship)، لتشير إلى الحاجة إلى أن تؤخذ بعين الاعتبار الاخت فااات الثقافية والتعددية في بلورة مفهوم المواطنة. وتميّز يانغ في المواطنة التفاضلية بين التعميم والاحتواء؛ فالتعميم يعمل على
بلورة مواطنة تستند إلى مفهوم المساواة الذي تفترض التجانس بين الأفراد والمجموعات، ويقصي خصوصيتهم الثقافية، وهي في جوهرها مواطنة تراتبية تبلورت على أساس الهيمنة لمجموعة ثقافية معينة. أما الاحتواء، فيأخذ بعين الاعتبار مصالح الأفراد والمجموعات. وتعمل المواطنة التراتبية (وهو مسمى أطلقه كاتب البحث ل طإإار الذي تنتقده يانغ) على بناء مجال عمومي مهيمن ينسجم مع
(15) James Tully, Strange Multiplicity: Constitutionalism in an Age of Diversity , John Robert Seeley Lectures (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1995). (16) Charles Taylor [et al.], Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition , Edited and Introduced by Amy Gutmann (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994), 13. (17) Michael Walzer, «Liberalism and the Art of Separation,» Political Theory 12, no. 3 (August 1984), 315-330. (18) Yael Tamir, «Two Concepts of Multiculturalism,» Journal of Philosophy of Education 29, no. 2 (July 1995), 161-172.
المجموعة المهيمنة، بينما تعمل المواطنة التفاضلية على بناء مجال عمومي مهيمن ولكنه مشترك لكل المجموعات الثقافية. إلى جانب مساهمة يانغ، طورت فريزر سياسة الاعتراف باتجاه تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية وليس الثقافية فقط. وطرحت سياسات الاعتراف كجزء من العدالة الاجتماعية، إلى جانب العدالة التوزيعية، أو إعادة توزيع الموارد. وبذلك طورت مصطلح العدالة الاجتماعية وع قااته بالاعتراف من خ لاا الربط بين العدالة الثقافية (الاعتراف) والعدالة الاقتصادية (إعادة توزيع الموارد الاقتصادية). كما أنها أكدت أن الهوية الجماعية حلت محل المكانة الطبقية للفرد والمجموعة كأداة تجنيد سياسي. في مقابل فريزر، تقترح يانغ أن الاعتراف هو الوسيلة للحرية والمساواة الاجتماعية والاقتصادية. جاء نقد فريزر بسبب تغييب الفوارق الاقتصادية في سياسة الاعتراف؛ فمثل، ركز كيمليكا في كتاباته على الحقوق الثقافية الجماعية، وفرّغ منها الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المجموعات المختلفة،
واعتبر أن خيارات الفرد تتعلق بخياراته الثقافية فقط. غير أن فريزر تنتقد اختزال النقاش حول سياسة الاعتراف إلى بُعده الثقافي وإقصاء الجوانب المتعلقة بتوزيع الموارد الاقتصادية، وتقترح الربط بين
الصراع على الاعتراف والصراع على توزيع الموارد، وتعتقد أن لا اعتراف ب إعادة توزيع الموارد (No Recognition without Redistribution). يحمل موقفها هذا كثيرًا من الوجاهة النظرية
والتطبيقية؛ فربما تؤدي سياسة الاعتراف دورًا في تكريس الفوارق الاقتصادية واستمرار التمييز في
توزيع الموارد بين المجموعات المختلفة، فيشكل الاعتراف بذلك بديل من المساواة أو حتى تعويضًا عنها. لذلك سعت فريزر إلى تطوير إطار نظري للعدالة يجمع بين توزيع الموارد والاعتراف. وهي تشير إلى مفهوم قلة الاعتراف أو غيابه (Misrecognition) بالنسبة إلى الهويات الثقافية، والذي يُشكل غيابًا للعدالة. يشمل مفهوم غياب الاعتراف على ث ثااة مركّبات: سيطرة ثقافية تتعلق
بعداء لثقافة المجموعة وإخضاعها لتفسيرات الثقافة المهيمنة؛ عدم الاعتراف الذي يشير إلى عدم حضور الثقافة بواسطة أدوات سلطوية متعددة؛ قلة الاحترام التي تسبب مواقف نمطية سلبية من ثقافة المجموعة. تختلف فريزر عن سابقيها من منظّري الاعتراف والتعددية الثقافية في أنها خرجت عن الإطار الليبرالي الذي نظم السجال النظري حول حرية الفرد والمجموعة في منظومة سياسة الاعتراف، فحرصت في جميع نصوصها على الربط بين الاقتصاد والثقافة ودراسة العلاقة بينهما.
(19) Iris Marion Young, «Polity and Group Difference: A Critique of the Ideal of Universal Citizenship,» Ethics 99, no. 2 (January 1989), 251-274. (20) Nancy Fraser, Social Justice in the Age of Identity Politics: Redistribution, Recognition, and Participation (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996). (21) Fraser, «From Redistribution to Recognition?,» 72. (22) Nancy Fraser, «A Rejoinder to Iris Young,» New Left Review 223 (May-June 1997), 126-129.
إلى جانب النقد الذي وجهته فريزر إلى سياسات الاعتراف، وهو نقد لا ينفي الاعتراف كما نظ ر له تيلور، ولكنه يعتبره قاصرًا من دون إعادة توزيع الموارد إلى جانب الاعتراف، ظهر نقد يحاول الخروج
كليًا على سياسات الاعتراف، ويعتبرها هادمة لأمة المواطنين بواسطة تعزيز الجوية (Sectarianism)؛
فمثلا اعتبر الباحث الأميركي تود غيتلين، متأثرًا بالتجربة الأميركية في عملية بناء الأمة، أن الحفاظ
على الوحدة (Commonality) أهم كثيرًا من الاخت ف. ويتفق مع غيتلين الباحثُ المعروف
بريان باري، الذي وجّه نقدًا شديدًا إلى سياسة الاعتراف والتعددية الثقافية، من خ لاا الإطار
الليبرالي للمساواة. يقول باري: «لم تكن الثقافة هي المشكلة... في كثير من الحالات، ليست هناك مشكلة في المقام الأول، لذلك ليس هنالك حل مطلوب، فبقدر ما يتعلق الأمر بمعظم الجماعات المتمايزة ثقافيًا، نجد أن هناك إطارًا من القوانين الليبرالية المساواتية يترك لهم الحرية في السعي
وراء أهدافهم، سواء بصورة فردية أو باشتراك بعضهم مع بعض، وأنصار التعددية الثقافية هم من يخترعون المشكلة من لا شيء بافتراضهم أن المعاملة المتساوية للأقليات هي مجرد نقطة تعسفية على سلسلة متصلة بين المعاملة السيئة الخاصة والمعاملة التفضيلية الخاصة، وليس للحياد أي صلة بالأمر». تُنتج سياسات الاعتراف صراعًا م زاامًا لها؛ فمن جهة، يحتاج الاستقرار الاجتماعي إلى الاعتراف
بالمجموعات الثقافية المهمشة في المجتمع التعددي، ويحتاج من جهة أخرى إلى الحرص على الحفاظ على الحقوق الفردية التي قد تُنتهك جراء سياسات الاعتراف في مجموعات ثقافية تتبنّى
سلوكيات قامعة للفرد، وهو صراع حاول كثير من المنظ رين الإجابة عنه، ولا يزال، في اعتقادنا، يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة النظرية والتطبيقية.
الديمقراطية وسياسات الاعتراف
يبقى هنالك حاجة إلى نقاش مسألة الع قااة بين الديمقراطية والاعتراف، وهو ينحصر عادة في ضمان التمثيل السياسي للمجموعات الثقافية المختلفة في نظام الحكم، إما من خ لاا نظام المحاصصة، على غرار النظام اللبناني، وإما من خ لاا نظام التحصين البرلماني داخل الأحزاب أو البرلمان، على غرار نظام الكوتا ل قأأباط في مصر، أو تحصين تمثيل المرأة على غرار المعمول به في البرلمان الأردني. وتُعتبر أشكال الع قااة بين الاعتراف والديمقراطية تعزيزًا لتمثيل جميع فئات المجتمع في نظام الحكم، بما يضمن استقراره وتعزيز شرعيته وزيادة الثقة فيه. ويشير جيمس تولي إلى أن الدساتير الغربية باتت تتبنّى توجهات تعددية تحمل في طياتها سياسات اعتراف بالتعددية في المجتمع وتبتعد عن الأحادية الثقافية القومية التي ميزت الدولة القومية الحديثة في بداية عهدها.
(23) Todd Gitlin, The Twilight of Common Dreams: Why America Is Wracked by Culture Wars (New York: Henry Holt and Company, 1996), 34.
(((2 بريان باري، الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية ، ترجمة كمال المصري، عالم المعرفة؛ 383، ج 2 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2011)، ص.268
(25) Tully, Strange Multiplicity.
في المقابل، يعترف كيمليكا بعدم امتلاكه نظرية متكاملة حول التعددية الثقافية الليبرالية وتعبيراتها المؤسساتية، يقول: «ولسوء الحظ، أنا لا أعتقد أننا نملك بالفعل نظرية يمكن العمل بها للتسلسل المناسب للتعددية الثقافية الليبرالية، والواقع إنني لا أعتقد أننا لدينا الأساس العملي المطلوب لبناء مثل تلك النظرية، ونحن ببساطة لا نعرف أي الشروط المسبقة التي نحتاج إليها لتمكين العملية الناجحة ذات الجوانب المختلفة من التعددية الثقافية الليبرالية من أجل أنواع مختلفة من جماعات الأقلية». في جميع الأحوال، يدفعنا نقاش العلاقة بين سياسة الاعتراف والديمقراطية إلى طرح سؤال المجال العمومي والديمقراطية، باعتبار أن التعددية الثقافية وسياسة الاعتراف تزدهران وتُمارَسان في
المجال العمومي. يُعتبر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس المُنظّر الحقيقي للعلاقة بين المجال العمومي والديمقراطية.
وقد بحث في تشكُّل الفضاء العمومي البرجوازي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وسبقته إلى ذلك هانّا أرندت التي تؤكد أنه «لا وجود للحرية خارج هذا الغياب للفضاء العمومي، ما دامت الحرية هي أساس هذا الفضاء، بما هو فضاء عمومي مشترك يتحقق فيه الالتقاء والإجماع والحرية بواسطة القول والفعل. أي إن الفضاء العمومي هو شرط إمكان الحرية والحقيقة ونمط التفكير». وجّهت فريزر نقدًا إلى مفهوم المجال العمومي الذي طرحه هابرماس، وانطلق نقدها من القاعدة
النظرية ذاتها لسياسة الاعتراف الناقدة للمفهوم الليبرالي الفرداني. وهي تعتقد أن مفهوم هابرماس للمجال العمومي ما عاد واقعيًا في أعقاب التحولات السياسية والاجتماعية في العقود الأخيرة. تقول
فريزر في هذا السياق:
لنأخذ أولً تأويل هابرماس للتحولات البنيوية للفضاء العمومي كتجمع لأشخاص خصوصيين يجتمعون للصراع حول المصلحة العمومية أو المصلحة المشتركة. تمتلك هذه الفكرة قوتها وواقعيتها في بداية أوروبا الحديثة مع تأسيس الفضاء العمومي البرجوازي الذي شكل القوة النقيض والمعادية للدولة المطلقة. وفي المقابل فهي تفتقد لأية مصداقية في واقع اليوم، لأن الجماهير العريضة غير المرتبطة بالبرجوازية هي التي صارت تلعب اليوم أدوارًا هامة في اللعبة السياسية، وهي التي تحرص على الخدمة العمومية وتطالب بها حينما تفتقدها، ناهيك عن كون الدولة المعاصرة قد قننت العديد من الحاجيات التي كانت مجرد مطالب في التاريخ الحديث... وهؤلاء العموم مدعوون لخدمة الوسيط بين المجتمع والدولة ورافضين أن تكون الدولة مسؤولة أمام المجتمع بواسطة العمومية.
(((2 ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية، مصدر سبق ذكره، ج 2:، ص:.169 (((2 رشيد العلوي، «الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر،» دلتا نون، العدد 2 (كانون الثاني/ يناير 2015:)، في http://bit.ly/2bhuY18. (((2 مقتبس من: المصدر نفسه.
يحاول سايمون طومسون أن يترجم النقاش النظري المطروح سابقًا إلى أطر إجرائية للع قااة بين سياسة الاعتراف والمجال العمومي والديمقراطية. وفي هذا الصدد، يبرز عدد كبير من إشكاليات هذه العلاقة الإجرائية بين سياسات الاعتراف والديمقراطية، فيركز طومسون بشأن هذه العلاقة تحديدًا على سؤالين: هل تمثيل المجموعات في النظام السياسي يضمن أيضًا تمثيل المواطنين وخياراتهم الفردية الحرة؟ وهل تضمن سياسات الاعتراف، في ما يتعلق بالتمثيل السياسي للجماعات المختلفة، الإنصاف في مخرجات النظام السياسي، إلى جانب الإنصاف في العملية الإجرائية الديمقراطية التي تتمثل في مجرد التمثيل السياسي للأفراد على أساس الانتماء الجماعي؟ وينجم عن هذين السؤالين إشكال جديد في بحث العلاقة بين الاعتراف والديمقراطية، وهو: هل للديمقراطية سلطان وأولوية على الاعتراف، أم أن للاعتراف الأفضلية على الديمقراطية؟ تجرنا هذه التساؤلات إلى طرح أسئلة أخرى، منها: هل الإجرائية في الديمقراطية، التي تتمثل في الاعتراف، تسبق جوهر الديمقراطية وأساسها الليبرالي؟ وهل يمكن إيجاد التوازن بينهما من دون الوصول إلى نقطة صراع يخسر من خ لااها المجتمع السياسي المدني الديمقراطية والاعتراف معًا؟ يُظهر هذا الإشكال إمكانات مختلفة حول العلاقة بين الاعتراف والديمقراطية، يشير أحدها إلى أفضلية
الديمقراطية على الاعتراف، وهي توجُّه ينطلق من مقولة أن الاعتراف يهدد جوهر الديمقراطية
الليبرالية التي تضع الفرد في مركز الفكر الليبرالي، لذلك فإن الحفاظ على الحرية والديمقراطية هو أولوية على الاعتراف بالمجموعات، حيث إن كل نضال ديمقراطي من أجل الاعتراف يحمل في ثناياه خرقًا ل جإإماع الوطني والعدالة. أما التوجه الثاني الذي يمثل أولوية الاعتراف على الديمقراطية، فينطلق من اعتبار أن الديمقراطية تطمح إلى تحقيق الاعتراف، إذ ليس للديمقراطية قيمة مجردة مستقلة بذاتها، وإذا لم تحقق مبدأ الاعتراف، كقيمة جوهرية، فإنها تفقد جوهرها. وينطلق هذا التوجه من ادعاء أنه لم يكن للع قااة بين الديمقراطية والعدالة تأصيل سابق أو تماثل بينهما، لا بل قد تظهر صراعات بينهما. لذلك، فإن ل عااتراف لدى هذا التوجه أفضلية على الديمقراطية لتحقيق جوهرها، وهو العدالة. وإذا اصطدمت الديمقراطية بالعدالة، فالأفضلية تكون ل خأأيرة حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بالديمقراطية، لأن الديمقراطية ليست القيمة المثالية بل هي أداة لتحقيق العدالة. أما التوجه الثالث، فينطلق من اعتبار أن الديمقراطية والاعتراف يمث ن القيمة ذاتها بالنسبة إلى العدالة والإنصاف والحرية؛ فمشروعية الاعتراف لا تتحقق إلا من خ لاا صيرورة منصفة من الديمقراطية التداولية (Deliberative Democracy). يسمى هذا التوجه «الأحيازَ المنفصلة»،
(29) James Tully, «Struggle Over Recognition and Distribution,» Constellations, vol. 7, no. 4 (2000), 469-482. (30) Philippe Van Parijs, «Justice and Democracy: Are they Incompatible?,» Journal of Political Philosophy 4, no. 2 (June 1996), 101-117. (31) Simon Thompson, «On the Circularity of Democratic Justice,» Philosophy and Social Criticism 35, no. 9 (November 2009), 1079-1098.
وهو ينطلق من مقولات ث ث: صيرورة منصفة للديمقراطية التداولية لا تتم إلا من خ لاا تشكيل قواعد الاعتراف؛ قواعد الاعتراف لا تتم إلا من خ لاا صيرورة ديمقراطية تداولية منصفة؛ بناء على المقولتين السابقتين، يتعيّن على العلاقة بين الاعتراف والديمقراطية أن تكون حميمية ومركّبة
في آن معًا. لا تعتقد يانغ أن ديمقراطية التعددية الثقافية تهدف إلى تشرذم المجتمع، بل تهدف إلى إنتاج ثقافة مشتركة تمثّل جميع المجموعات في المجال العمومي المشترك وتتميز بالشراكة والتعددية في الوقت نفسه. أما غوتمان، فتعتقد أن الموقف من سياسة الاعتراف حين يُبنى إطار مؤسساتي
سياسي يتعاطى مع سياسات الاعتراف، يجب أل يكون موقفًا قيميًا، مع هذه السياسة أو ضدها
بالمطلق، وإنما هنالك حاجة إلى فحص كل حالة بشكل منفصل ومدى تأثيرها في العدالة والنظام الديمقراطي. في المجمل، تشدّد الدول الديمقراطية التي تتبنّى سياسات الاعتراف على التربية المعنية بالديمقراطية والمواطنة في مناهجها الدراسية، بحيث تكون الأخيرة موحدة ومشتركة بين جميع المجموعات، لتعزيز قيم الديمقراطية وثقافتها للمواطنين كافة. تهتم نظريات الاعتراف وتوجهاته، بشكل خاص، بالتربية المواطنية، وتطلق عليها، عادة، التربية للديمقراطية؛ ففي أدبيات التعددية الثقافية، تشك ل التربية للديمقراطية نواة المنهاج التعليمي المشترك للجماعات الثقافية المختلفة في الدولة، فالدولة إذ تحرص على منح المجموعات الثقافية الحق في الثقافة، تحرص أيضًا على فرض التربية للديمقراطية منهاجًا مشتركًا وموحّدًا بين المجموعات كلها، وهو منهاج غير محايد، لا من الناحية الثقافية بل من
الناحية الديمقراطية، حيث إنه يسعى لتعزيز القيم الديمقراطية والقيم المدنية المشتركة بين المجموعات الثقافية المختلفة، وذلك في إطار سردية مدنية ديمقراطية مشتركة، إلى جانب التعددية الثقافية. تشكّل التربية المدنية والتربية المواطنية عاملً مشتركًا بين الدول الليبرالية ودول التعددية الثقافية؛ ففي الحالتين، تحرض الدول على فرضهما على الأفراد والمجموعات الثقافية، في حين أن الدول القومية التقليدية التي لم تمر بصيرورة انتقال تعريف الأمة فيها من أمة إثنية إلى أمة إقليمية -مواطنية، تبقى الدول الوحيدة التي تدمج بين التربية المواطنية والتربية الوطنية.
خلاصة: نموذج مقترح - الاعتراف في إطار المواطنة المدنية
استعرض هذا البحث السجال النظري حول سياسات الاعتراف، وذلك بهدف توسيع مفهوم الحرية المتداول عربيًا من بُعده الفردي السياسي- الاجتماعي- الاقتصادي إلى بُعده الجماعي
الثقافي. وهو يفترض أن نفي السياسة العربية سياسات الاعتراف يمس بحرية الفرد. والسجال
(32) Iris Marion Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990). (33) Taylor [et al.], Multiculturalism.
(((3 انظر، على سبيل المثال: 169 - 147 Kymlicka, «Multicultural States,». (((3 ناصيف نصار، في التربية والسياسة: متى يصير الفرد في الدول العربية مواطنًا؟، فلسفة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2005)، ص.18-17
هذا يجري في الإطار الليبرالي للحرية لا من خارجه، وهو ناتج منه وليس ضده. ولا يهدف السجال النظري حول الحقوق الجماعية الثقافية إلى تصديع المواطنة المدنية الفردية أو تقويض دولة المواطنين، بل يرمي إلى تدعيم دولة المواطنين، وخاصة في المجتمعات المنقسمة ثقافيًا - قوميًا - دينيًا - طائفيَا. صحيح أن السجال النظري وتعبيراته التطبيقية في الدساتير الغربية والسياسات العامة والجماهيرية جاءا بعد تدعيم دولة المواطنين المدنية في السياق الغربي الديمقراطي عمومًا والأوروبي- الأميركي
خصوصًا (لذلك، ليس مصادفةً مجيء غالبية منظّري سياسة الاعتراف والتعددية من الجانب
الشمالي للقارة الأميركية)، إلا أن السياق التاريخي الذي بُنيت فيه الدولة المدنية القومية سياق
مختلف عن السياق التاريخي الحالي عمومًا، ولا سيما في المنطقة العربية؛ فخطاب الاعتراف وما
نتج منه من أطر مختلفة للتعددية الثقافية لم يكونا سؤالً حاضرًا في سياق تشكّل دولة المواطنين
المدنية، وبالتالي لم يتعاط الفكر السياسي الحديث معه، بل ركز على مفهوم العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة، وعلى حقوق الفرد السياسية وبناء الدولة الوطنية المدنية. ولم يسطع نجم هذا السجال إلا في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وخاصة في العقود الث ثااة الأخيرة، لا كترف فكري نظري فحسب، بل كحاجة أملتها التحديات السياسية والاجتماعية للدولة الحديثة؛ ذلك أن الإنتاج النظري في هذا الموضوع لم يكن نتاج تطور نظري في مفهوم الليبرالية الفردانية فقط، بل كان أيضًا نتاج سؤال فرضه السياق التاريخي حول حدود ومحدودية التوجهات المساواتية للفكر الليبرالي. اقترح البحث ضرورة التفريق بين سياسة الاعتراف وسياسة الاختلاف، بحيث تشكل الأولى مركّبًا من
دولة المواطنين في الدول العربية وتدعيمًا لها، بينما يتم نفي الثانية بصفتها الجهوية التي ترمي إلى
تصديع دولة المواطنين من الداخل. يحدد الفيلسوف دريدا مفهوم الاخت ف في معنيين: المختلف عن الآخر، والابتعاد عنه أو رفضه. إن دمج المعنيين ينتج ذاتًا تتميز باختلافها وابتعادها عن المركز. وعلى الرغم من أن بعض الأدبيات النظرية لا تفرق بين الاخت ف والاعتراف، فإن البحث يزعم أن الاعتراف يهدف إلى بناء خصوصية للذات الفردية والجماعية، هدفها الاقتراب من المركز والمشاركة في تحديد المصلحة العامة من خلال حضورها في المجال العمومي، بينما تعمل سياسات الاختلاف على بناء خصوصية ذاتية وجماعية تبتعد عن المركز ولا تشارك في بلورة المصلحة العامة، وتخلق حالة من الجهوية منسجمة مع سياسات الاحتقار أو الازدراء التي تقوم بها الدولة من خلال إقصاء الحريات والحقوق الجماعية والفردية. في هذا السياق، لا بد من التمييز بين سياسات الاعتراف، التي تتلخص في مطالبة المجموعات الثقافية باعتراف الدولة بخصوصيتها الثقافية وما يترتب على ذلك من تخصيص موارد لازمة للتعبير عن هذه الثقافة في المجال العمومي، وسياسات الهوية التي تقوم على تسييس الهويات
التي تأتي من حيث التراتبية فوق المواطنة المساواتية الجوهرية في الدولة المدنية. ويزعم هذا البحث أن سياسات الهوية مدخل مهم لسياسات الاخت ف التي تؤدي إلى تصدع مفهوم المواطنة والدولة الوطنية. يطرح سجال سياسة الاعتراف، كمحاولة لتوسيع مفهوم الحرية المتداول عربيًا، سؤال بالغ الأهمية: إذا
كانت سياسة الاعتراف ترمي، من بين ما ترمي إليه، إلى الاعتراف بالخصوصية الثقافية للمجموعات، فهل المجتمعات العربية متعددة الثقافات المتباينة، أم أن الثقافة العربية واحدة؟ وهل يعني ذلك أن لكل مجموعة مذهبية أو قومية أو لغوية أو إثنية في العالم العربي ثقافة منفصلة تحتاج إلى الاعتراف والتقدير؟ يدفعنا هذا السؤال، في سياق طرح سياسة الاعتراف عربيًا، إلى استدعاء سؤال الثقافة
ومفهومها، وهو ليس موضوع هذا البحث. ولكنني أزعم أن على سياسة الاعتراف عربيًا أن تحدد
موضوع الاعتراف لكل مجموعة تنادي بالاعتراف بها وتقديرها، وهو ما ذهبت إليه ماريون يانغ، في أهمية فحص كل حالة على حدة في معرض التعاطي مع الاعتراف للمجموعات المختلفة، مع تأكيد أن سياسة الاعتراف تهدف أساسًا، في رأينا، إلى استحضار المجموعة في المجال العمومي، كما
تشير إلى ذلك فريزر، كجزء من أمة المواطنين. بكلمات أخرى، تعمل سياسة الاعتراف على تدعيم أمة المواطنين لا تقويضها، وذلك من خ لاا تمثيل المجموعات المختلفة في المجال العمومي. لذلك، فإن سياسات الاعتراف تختلف في جوهرها بين مجموعة وأخرى، ويجب الحفاظ على لغات المجموعات اللغوية والاعتراف بها، والاعتراف بمذاهب المجموعات المذهبية وتقديرها وضمان حريتها، وهكذا. فإن سياسة الاعتراف لا ترمي إلى تصديع الثقافة العربية بل إلى تحويلها إلى دينامية، بتعبير الفيلسوف الأميركي رورتي. ويحدد جوزيف راز جوهر الحق في الثقافة في ثلاثة مركّبات: الحق في ممارسة الثقافة في المجال العمومي من دون تقييد وتضييق ولا المس بحقوق الآخرين؛ الاعتراف بالثقافة وممارساتها في المجتمع الواسع؛ توزيع الموارد ودعم الثقافة بما يضمن بقاءها وحيويتها في المجال العمومي. بناء على ذلك، يقترح البحث نموذجًا نظريًا يشمل أربعة مركّبات: - الاعتراف بالخصوصية الثقافية التي ترى كل مجموعة أهمية تقديرها واحترامها في المجال العمومي، كما نظ ر هونيث وتيلور وكيمليكا، وهو المجال الذي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية المختلفة في الكيان السياسي. ويمثل هذا الاعتراف السردية التاريخية الخاصة لكل مجموعة. - بلورة رواية مدنية مواطنية تمثّل جميع المواطنين، وتعترف بمساهمة المجموعات كلها في بناء الدولة، وموقعها في أمة المواطنين. تمثل هذه السردية رواية الدولة الجامعة والمحايدة أيديولوجيًا.
(36) Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1989). (37) Joseph Raz, Ethics in the Public Domain: Essays in the Morality of Law and Politics (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1994).
- إعادة توزيع الموارد العامة في الدولة بناء على معايير متَّفَ ق عليها وتشكل إطار العدالة الاقتصادية والاجتماعية بين الأفراد والمجموعات، كما أكدت ذلك فريزر في ربطها بين سياسة الاعتراف وإعادة توزيع الموارد، بما يضمن تحقيق مفهوم للعدالة الجوهرية ثقافيًا
واقتصاديًا - اجتماعيًا. - التربية المدنية المواطنية، وذلك عبر صوغ مناهج تعليمية موحدة وواحدة لتدريس التربية المدنية والمواطنة والديمقراطية للمجموعات كلها بلا استثناء. تتعدد التقسيمات النظرية لتدريس التربية المدنية والمواطنية، حيث تندرج التربية المدنية في منظومة التفسير الأدنى (Minimal Interpretation)، والتي تتضمن تعليمًا رسميًا للنظام السياسي ومعرفة حقوق
المواطنين وواجباتهم، وهو تفسير ذو بُعد تعليمي محض، مع حيز ضيق للفاعلية والمشاركة المدنية والسياسية، بينما تندرج التربية المواطنية في منظومة التفسير الأقصى (Maximal Interpretation)، وتحتوي على مركّبات منهجية وغير منهجية للتربية للمواطنة، مثل المشاركة المجتمعية والمناظرات السياسية والتفكير النقدي، وتركز على القيم المواطنية لا على المعرفة فقط، كما هي الحال في التربية المدنية. وفي السياق نفسه، يميز ماك لاغلين (1992) بين ث ثااة أنماط من التربية المواطنية: التربية حول المواطنة والتربية من أجل المواطنة والتربية من خ لاا المواطنة؛ فالتربية حول المواطنة تركز على إكساب الط ب المعرفة السياسية والإحاطة بالتاريخ الوطني للنظام السياسي ومبنى الحكم، وهي تنسجم في مضمونها مع المنظومة الدنيا للتربية المدنية. والتربية من أجل المواطنة تُكسب الطلاب المعرفة من خلال ممارسة الفعل السياسي المحلي. أما التربية من خلال المواطنة، فتشدد على دمج مركّبات المنظومتين التربويتين السابقتين، أي الدمج بين المعرفة وممارسة المواطنة، إذا استحضرنا في هذا السياق مقولة إيزين - نيلسين بشأن فعل المواطنة. References
المصادر والمراجع
العربية
باري، بريان. الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية . ترجمة كمال المصري. ج.2 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2011. (عالم المعرفة؛ 383) العلوي، رشيد. «الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر». دلتا نون، العدد 2 (كانون الثاني/
يناير 2015:)، في http://bit.ly/2bhuY18.
(38) T. H. McLaughlin, «Citizenship, Diversity and Education: A Philosophical Perspective,» Journal of Moral Education 21, no. 3 (1992), 235-250. (39) Engin F. Isin and Greg M. Nielsen, eds., Acts of Citizenship (London; New York: Zed Books, 2008).
كيمليكا، ويل. أوديسا التعددية الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع . ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. ج 1. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2011 (عالم المعرفة؛ 377) مجيد، حسام الدين علي. إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر: جدلية الاندماج والتنوع. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010. (سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 85) نصار، ناصيف. في التربية والسياسة: متى يصير الفرد في الدول العربية مواطنًا؟. ط 2. بيروت: دار الطليعة، 2005. (فلسفة)
العبرية
كالدرون، نسيم. تعدديون رغما عنهم. تل أبيب: [د. ن].،.2000 هونيث، أكسيل. ازدراء ومنح الاعتراف. تل أبيب: منشورات هكيبوتس هموآحد،.2008
الأجنبية
Fraser, Nancy. «From Redistribution to Recognition? Dilemmas of Justice in a ‹ Post- Socialist › Age.» New Left Review 212: Equality and Deconstruction (July-August
______. «A Rejoinder to Iris Young." New Left Review 223 (May-June 1997): 126-129. ______. «Rethinking Recognition.» New Left Review 3 (May-June 2000): 107-120. _______. Social Justice in the Age of Identity Politics: Redistribution, Recognition, and Participation. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996. Gitlin, Todd. The Twilight of Common Dreams: Why America Is Wracked by Culture Wars. New York: Henry Holt and Company, 1996. Habermas, Jurgen. «Reconciliation Through the Public Use of Reason: Remarks on John Rawls's Political Liberalism.» Journal of Philosophy 92, no. 3 (March 1995):
Honneth, Axel «Recognition or Redistribution?: Changing Perspectives on the Moral Order of Society.» Theory, Culture and Society 18, nos. 2-3 (2001): 43-55. ______. The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Translated by Joel Anderson. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1996. (Studies in Contemporary German Social thought) Isin, Engin F., and Greg M. Nielsen, eds. Acts of Citizenship. London; New York: Zed Books, 2008.
Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1995. (Oxford Political Theory) ______. «Multicultural States and Intercultural Citizens." Theory and Research in Education 1, no. 2 (July 2003): 147-169. Martineau, Wendy, Nasar Meer, and Simon Thompson. «Theory and Practice in the Politics of Recognition and Misrecognition." Res Publica 18, no. 1 (2012): 1-9. McLaughlin, T. H. «Citizenship, Diversity and Education: A Philosophical Perspective." Journal of Moral Education 21, no. 3 (1992): 235-250. Morrison, Zoe. On Dignity: Social Inclusion and the Politics of Recognition. Melbourne: Brotherhood of St Laurence; Centre for Public Policy, 2010. (Social Policy Working Paper; no. 12) Raz, Joseph. Ethics in the Public Domain: Essays in the Morality of Law and Politics. Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1994. Rorty, Richard. Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1989. Tamir, Yael. «Two Concepts of Multiculturalism." Journal of Philosophy of Education 29, no. 2 (July 1995): 161-172. Taylor, Charles. «The Politics of Recognition." In Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition , by Charles Taylor [et al.]; Edited and Introduced by Amy Gutmann, 25-75. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994. ______ [et al.]. Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition. Edited and Introduced by Amy Gutmann. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994. Thompson, Simon. «On the Circularity of Democratic Justice.» Philosophy and Social Criticism 35, no. 9 (November 2009): 1079-1098. Tully, James. Strange Multiplicity: Constitutionalism in an Age of Diversity. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1995. (John Robert Seeley Lectures) ______. «Struggle Over Recognition and Distribution.» Constellations 7, no. 4 (2000):
Van Dyke, Vernon. «Justice as Fairness: For Groups?.» American Political Science Review 69, no. 2 (June 1975): 607-614.
Van Parijs, Philippe. «Justice and Democracy: Are they Incompatible?.» Journal of
Walzer, Michael. «Liberalism and the Art of Separation.» Political Theory 12, no. 3
______. «The Politics of Difference: Statehood and Toleration in a Multicultural
Young, Iris Marion. Justice and the Politics of Difference. Princeton, NJ: Princeton
______. «Polity and Group Difference: A Critique of the Ideal of Universal Citizenship.»
Political Philosophy 4, no. 2 (June 1996): 101–117.
(August 1984): 315-330.
World.» Ratio Juris 10, no. 2 (June 1997): 165-176.
University Press, 1990.
Ethics 99, no. 2 (January 1989): 250-274.