العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الشر وموقعه ضمن التصور الميتافيزيقي للعالم عند ابن سينا

الشر وموقعه ضمن التصور الميتافيزيقي للعالم عند ابن سينا

Evil and its Place in the Metaphysical View of the World According to Avicenna

محمد الصادقي

Mohamed el-Sadiqi

الملخّص

يظهر الشر للناس فوضويا ومفاجئا ومهددا لخيراتهم، وتشكل طريقة اشتغاله لغزا محيرا بالنسبة إليهم، ما يخلق تضاربا في تفسيراتهم، بين من يلقي باللائمة كلية على الإرادة الإنسانية معتقدا بأن الأمر يتعلق بمشكل أخلاقي لا دخل فيه لا للدين ولا للعلم، وبين من يتهم الطبيعة والظروف والأحوال ظنا منه أن التفسير الفيزيائي يلغي التفسير الميتافيزيقي، وبين من يفوض الأمر بالكامل للإرادة الإلهية ويعفي نفسه من عناء البحث عن قوانين اشتغال الشر في الطبيعة والإنسان. ويشكل هذا البحث فرصة لأن نتساءل مع ابن سينا عن دلالة الشر، والحكمة من وجوده، ونصيب كل من العلم والأخلاق والدين والفلسفة في تفسيره.

Abstract

Abstract: The concept of evil is one that is often portrayed as chaotic, sudden, and a threat to the good. How it operates is generally characterized as puzzling, creating three conflicting interpretations: between those who assign blame for evil to human (will in the belief that the issue is related to a moral problem which has nothing to do with religion or science); those who blame nature and circumstances (in the belief that a material interpretation does away with metaphysical explanations); and those who assign the whole issue to divine will (excusing themselves from the burden of seeking the laws of evil’s operation in nature and upon humanity). This paper uses Avicenna’s notion of the meaning of evil, the rationale for its existence, and the part of science, morality, religion, to explore and critique current concepts of evil and the tension between them.

الكلمات المفتاحية:
  • الإرادة الإلهية
  • المسؤولية البشرية
  • القدرة الإلهية
  • الحكمة الإلهية
Keywords:
  • Metaphysical View
  • the World
  • Avicenna
  • Evil

تقديم

إن وجود الشر في العالم أمر بديهي لا يختلف حوله اثنان، وهو قضية لا تحتاج إلى نظر واستدلال، بل أجمع عليها جميع المذاهب والاتجاهات، حتى تلك التي لا تؤمن بما وراء هذا العالم؛ فالشر يعلن نفسه لكل إنسان في ما يصيبه أو يصيب غيره من أمراض وفقر وكوارث طبيعية، وما يلحق بالمجتمع من تفكك اجتماعي ونزوع نحو العدوان والحرب والاستبداد. ورغم أن وجوده يعتبر أمرًا بديهيًا وواقعًا معيشًا، فإن هذا لا يمنع من أن يظل المفهوم مشكلة، خصوصًا لمن

لا يجعل كل همّه حب الخير وطلبه وبُغض الشر وتجنبه، بل ينشغل بالبحث في معناه بالنسبة إلى

الوجود بشكل عام. يقتضي البحث عن معناه أن يُفسَّر وأن يُربط بأسباب وجوده والغاية من ورائه، بدل الاكتفاء بمعاينته

ظاهرةً واقعية غالبًا ما نكون إمّا طرفًا فاعلً فيها وإمّا ضحية لها؛ فالإنسان لا يعاني فقط عندما يكون

عرضة للشر، بل يعاني أكثر حين يعجز عن فهم معناه، فينظر إليه بوصفه قدرًا حتميًا لا يُرَد ولا يُفهَم:

«تواجه الفلسفة واللاهوت الشر كتحد لا مثيل له، وهذا ما يعترف به كبار المفكرين إلى أي مذهب انتموا»، وهو الأمر الذي ربما يبعث على التشاؤم في مواجهة أمر لا يقبل الفهم ولا الاستئصال، ولا حتى التخفيف من وطأته. إن خاصية عدم الفهم والتفسير التي تميزه، في نظر البعض، مردّها، أولً، إلى عدم الانسجام بين شرور

الطبيعة وغايات الإنسان وتمثلّاته بصدد عالم لا يرغب في أن يسبب له أي ألم، ومردّها، ثانيًا، إلى

أن الشر الصادر عن الإنسان نفسه لا يتناسب مع كائن يفترض فيه أن يكون عاقلً وواعيًا ومسؤولً.

هذا التناقض قد يدفع إلى الاعتقاد بأن الشر غير قابل للفهم والتبرير، وبأنه يشك ل بحق تحديًا للعقل

البشري، لأنه يعكس تلك المسافة بين العقل والغريزة، بين الأنا المثالي ككائن حر ومسؤول، والأنا الواقعي الغارق في أحقاده وحروبه وآلامه، بين الإيمان بخالق حكيم منزَّه عن كل نقص، ومخلوقات تكاد تغلب شرورها خيراتها. وإذا كان وجود الشر في العالم لا يتنافى - في نظر أغلب الف سفة القدماء - مع وجود مبدأ أسمى وخيّر هو المدبّر للموجودات، فإن هناك من المحدثين من ذهب إلى عكس ذلك، معتقدًا

أن «عالمًا يسمح بوجود الشر لا ينسجم مع إله يوصف بأنه عقل أسمى»، متسائ: إذا كان الله

عقً أسمى فكيف يسمح بوجود الشر؟ فالمشكلة بالنسبة إلى المذاهب الدينية والميتافيزيقية هي أن هذه المذاهب تؤمن، إضافة إلى تسليمها بوجود الشر في هذا العالم، بفكرة أخرى مفادها أن

(((بول ريكور، فلسفة الإرادة: الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، ط 2 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008)، ص.218 (((ورد في كتاب لجون نابير ما يلي: «بين أن كل محاولة لعقلنة الشر مآلها الفشل... لأن العقل لا يمكنه أن يفهمه، ويدركه في ذاتيته، ويحدّه في شموليته. بهذا المعنى، لا يمكن أن يكون أبدًا مثل الموضوعات الأخرى، وإن كان في ظاهره يبدو موضوعًا». انظر:

Marc Ballanfat, La métaphysique ,: Jean Pierre Zarader, Les grandes notions de la philosophie (Paris, Ellipses, 2001). (3) Grondin Jean, La philosophie de la religion, 2 édition (Puf et Point delta, Liban, 2012): 60.

لهذا العالم إلهًا حكيمًا، خالقًا الموجودات كلها، مدبّرًا أفعال العباد، رحيمًا بهم، يحب لهم الخير

ولا يرضى لهم الشر. هذا الاعتقاد هو الذي يزيد هذه الإشكالية تعقيدًا؛ فليس موضع الإشكال هو فقط وجود الشر وحجمه وع قااته بالإرادة الإنسانية، بل أيضًا ع قااته بالإرادة الإلهية وبالقضاء الإلهي الذي يقضي بأن جميع الموجودات تحدث وفق ترتيب مسبق من إرادة إلهية خيّرة، حتى

ما يتعلق بأفعال الإنسان الشريرة ونوائب الدهر المؤلمة. فعندما نأخذ البُعد الديني والميتافيزيقي

في المفهوم، تكتمل عناصر الإشكال، وتنتظم التفسيرات بشكل عام ضمن منحيين كبيرين: الأول يعتمد مقاربة وضعية لا اعتبار فيها لما هو مفارق، فيتبنّى تفسيرًا أخ قاايًا وضعيًا صرفًا، ويربط

المفهوم بحرية الإرادة الإنسانية، أو يعطيه تفسيرًا علميًا ضيقًا بردّه إلى قوانين الطبيعة والبيولوجيا،

والثاني يعطيه بُعدًا ميتافيزيقيًا ودينيًا، ويربطه بالتدبير الإلهي للموجودات، وبقضاء الله،

وخطايا العباد. هذا ما يدفعنا إلى التساؤل: أحقًا يُعتبر الشر ظاهرة مستعصية على الفهم والتبرير، أم أنه يقبل تفسيرًا

معقولً، وأن لوجوده معنى في حياتنا؟ هل تعود أسباب وجوده إلى الإنسان بوصفه المسؤول الوحيد عنه، أم أن الإنسان نفسه إن هو إلا ضحية لكوارث الطبيعة ونوائب الزمان، أم أن الإنسان والطبيعة معًا خاضعان لإرادة إلهية يعود إليها وحدها أمر تدبير ما يصيب المخلوقات من خير أو شر؟ من أين

يستمد الشر دلالته: هل ممّا هو أخلاقي أم ممّا هو طبيعي أم ممّا هو ديني ميتافيزيقي؟ وبشكل عام،

ما حقيقة الشر وما دلالة وجوده؟ وما الحكمة من إيجاده في العالم؟ وبأي معنى يُعتبر وجوده جزءًا

من التدبير الإلهي الحكيم للعالم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يخلق الله تعالى عالمًا خاليًا

من كل شر؟ حظي هذا المفهوم باهتمام سائر الفلسفات القديمة والوسيطة، وحتى الحديثة؛ ففي الميثولوجيا الإغريقية، كانت الأساطير تقدم تفسيرًا جاهزًا، فلم يكن الشر موضوع تفكير وتساؤل بقدر ما كان

مجالً للوصف. ومع ف سفة اليونان أُدمج ضمن نظرة فلسفية إلى كون مغلق ومتدرج؛ فكلما انتقلنا من الأعلى إلى الأسفل قلّ منسوب الخير وازداد منسوب الشر في الموجودات. كما ذهبت الثنوية الفارسية القديمة إلى القول بوجود إلهين اثنين، إله للخير وآخر للشر، لأن الفرس

لم يستسيغوا أن تُنسب الأفعال الشريرة إلى إله واحد يكون هو نفسه مسؤولً عن الأفعال الخيرة، كما لم يتصوروا إمكانية حصول توافق بين الخير والشر، واعتبروا العالم في صراع دائم بين النور والظلام. أخذ هذا الإشكال في الفكر الإسلامي أبعاده كلها، فرُبط مفهوم الشر عند المتكلمين بدلالات عقدية

وتربوية أخلاقية، وأضاف الفلاسفة إلى ذلك كله الدلالة الميتافيزيقية. لكننا سنركز على عرض مذهب ابن سينا (370 - 427 ه) بحكم ما يتميز به فكره؛ فهو وارث المذهب الأرسطي المشّائي في الفلسفة الإسلامية، ومجتهد في تمثّل قواعده الفلسفية وعقلانيته الصارمة في بيئة ثقافية مغايرة، وهو في الوقت

(((علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج 1، ط 8 (القاهرة: دار المعارف، 1981)، ص.189

نفسه أكثر الفلاسفة محاورة للمتكلمين وانفتاحًا على إشكالاتهم. وقد عمل على إغناء هذا الموضوع، فلم ينظر إليه من زاوية تربوية أخلاقية صرف، ولا من زاوية فلسفية يونانية خالصة، بل أدمج ما هو ديني ضمن ما هو فلسفي ميتافيزيقي. ما أحوجنا اليوم إلى استلهام موروثنا الفلسفي، لعله يساعدنا على وضع مشكلة الشر في إطارها الفكري العام كمشكلة تهمّ العالم ككل، الإنسان والطبيعة على السواء، وننتشلها من

التقديرات العشوائية للذة والمنفعة؛ ذلك أن أحكام الأفراد الأخ قااية بصدد ما هو خيّر وما هو

شرير ستظل نسبية متضاربة، وربما تؤدي إلى تفكك أخ قااي وتمزقات اجتماعية وصراعات سياسية، ما دامت تحكمها اعتبارات أنانية نفعية ضيقة، أو معايير ثقافية متصلبة لا سند لها إلا العادة والعرف.

تعريف ابن سينا للخير والشر

إن من عادة الناس التوسّع في فهمهم ما يُعَدّ شرًا إلى درجة أنهم يعتبرون الفشل في تحقيق أبسط

الرغبات، أو في تخطي أدنى الصعوبات التي تواجههم في أفعالهم، شرًا مستطيرًا. وربما يصيبهم

شقاء عظيم إن لم يحققوا مطالبهم حتى لو كانت كماليات غير ضرورية، أو رغبات تافهة، أو أمورًا مبالغًا فيها وغير واقعية. هذا الفهم صار متسعًا لكل ما يعدّه الناس نقصًا في حياتهم، من

دون تمييز بين نقص ضروري وآخر ثانوي، وبين حكم العقل وحكم الغريزة بشأن حاجتنا إلى شيء ما، ولذلك تبدو الحاجة ملحة لتحديد المجال الذي ينطبق عليه المفهوم قبل تحديد دلالته. وينبّهنا ابن سينا إلى أن ليس كل ما اعتبرناه ناقصًا في حياتنا جاز لنا أن نعدّه شرًّا، فهذا الحكم

في نظره لا يشمل الموجودات كافة، ولا ينطبق إلا على دائرة محددة من النقائص والحاجات. ويذكّ رنا بأن الشر المعتبر لديه هو حرمان الموجود من كماله الضروري وليس الثانوي، لأن الحرمان من بعض الكماليات غير الضرورية يكاد يكون طاغيًا على أكثر الموجودات، مثل حرمان

أغلب الناس من الجمال الباهر والغنى الفاحش، ومن علم الهندسة والفلسفة؛ فجهل أغلب الناس بالفلسفة لا يُعتبر نقصًا في أمر ضروري، لأن المناسب لقرائحهم هو الأساليب الجدلية

والخطابية والشعرية. يمكن أن نميز في المتن السينوي بين تعريفين رئيسيين للشر، يرتبط الأولمنهما بثنائية الوجود والعدم، بينما يرتبط الثانيبثنائية اللذة والألم؛ فالأمور التي يقال إنها شر بحسب التعريف الأول، تكون إمّا

أمورًا عدمية وإمّا أمورًا وجودية: فإن كانت أمورًا عدمية، فإنها تكون عدمًا لضروريات الشيء، أو لأمور

نافعة غير ضرورية، أو لأمور كمالية مستغنى عنها. والشر بالذات هو الذي يُطل ق على القسمين الأول

والثاني، فيقال شر للنقص الذي هو مثل الجهل والضعف والتشويه في الخلقة، والموت والعمى، فهي شرور بالذات وليس لها اعتبار آخر لتكون بحسبه شرًا، لأنه يترتب عنها أن يفقد الشيء كماله

الذي يتوقف عليه في وجوده أو في ماهيته؛ فالعمى يُعَدّ شرًا لأنه مانع للعضو من كماله ومن سلامته

التي هي البصر، وهذا الشر ذاتي وليس بالقياس إلى شيء آخر، «فإن العمى لا يجوز أن يكون إلا في

العين، ومن حيث هو في العين لا يجوز أن يكون إلا شرً» ا. أمّا القسم الثالث من الشرور العدمية،

فإنه ليس في الحقيقة شرًا، لأنه عدم لفضائل يمكن الاستغناء عنها، مثل عدم معرفة عامة الناس

بالفلسفة والهندسة. أمّا إذا كانت الأمور التي نحكم عليها بأنها شر وجوديةً، فالأمر يتعلق بأشياء موجودة في الواقع لا

مجرد إعدام، إلا أن هذه الشرور وإن كانت وجودية فهي «ليست شرورًا بالذات، بل بالعرض من حيث

إنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة»، فما من فعل من الأفعال الوجودية التي يقال لها شر، سواء بالنسبة إلى الموجودات الطبيعية أو إلى الموجودات العاقلة، إلا وهو خير بالنسبة إلى فاعله، لكن تكون له جهة أخرى يكون بها شرًا، تتعلق بمن عرض له أن تضرر بذلك الفعل وفقد بسببه شيئًا

من كمالاته. وما يقال عن ظواهر الطبيعة ينطبق أيضًا على أفعال الإنسان؛ فالأفعال تُعتبر شريرة بسبب كونها إعدامًا

لكمالات وجودية يجب أن تكون ل نإإسان. هذا الشر الإنساني ليس شرًا ذاتيًا مطلقًا فحسب، بل

هو نسبي عرضي أيضًا، فهو شر من جهة وخير من جهة أخرى، «ولا نجد شيئًا مما يقال له شر من الأفعال، إلا وهو كمال بالنسبة للفاعل له، وإنما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له، أو بالقياس إلى فاعل آخر يمنع عن فعله في تلك المادة التي أولى بها من هذا الفعل». مثال ذلك القتل، فإنه

من حيث كون القاتل قادرًا على استعمال آلة القتل يُعَدّ كمالً له، كما يُعَدّ كمالً لآلة، ولكنه شر

للمقتول من حيث إنه يتضمن زوال حياته. وكذلك الاستبداد، فإنه كمال للقوة الغضبية التي يصدر عنها، لأن هذه القوة إنما خُلقت لأجل أن تتوجه نحو الغلبة وتفرح بها، ومتى ضعفت عن التحكم كان ذلك شرًا لها، وإنما عُد شرًا بالنسبة إلى المظلوم لحرمانه من حقوقه، أو إلى النفس العاقلة

لأنه مانع لها عن كمالها الذي هو كسر شهوة التسلط والغلبة، أو لسياسة المدينة لما يفوّته عليها

من خيرات. إن مقياس الشر في الأفعال البشرية مرتبط بمدى الأذى الذي يُلحقه بكمال الإنسان ولقواه العقلية

والنفسية والبدنية؛ فكمال الشهوة هو الخيرات المادية، مثل الملبس والمأكل والمنكح، وكمال القوة الغضبية الغلبة، وكمال العقل يتحقق بنوعين من الخيرات: الخيرات العملية التي ترتبط بتدبير العلاقة بالآخرين داخل المنزل أو المدينة أو الدولة، وبها يكمل العقل العملي، ثم الخيرات الروحية التي يُستكمَل بها العقل النظري، وتشمل سائر المعارف، وبالخصوص تلك المتعلقة بذات الباري تعالى

وصفاته وأفعاله. والنفوس التي حققت الخيرات العقلية المتمثّلة في المعارف والاعتقادات الحقة هي الأجدر بالسعادة، وتلك التي فوّتت هذه الخيرات نفوس شريرة شقية.

(((أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، تقديم ماجد فخري (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1985)، ص.321 (((فخر الدين محمد بن عمر الرازي، كتاب المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، ج 2 (طهران: مكتبة الأسدي، 1966)، ص.520 (((ابن سينا، كتاب النجاة، ص.324

يرسم الشيخ الرئيس تعريفه هذا للشر انط قااًا من هذه الأرضية التي تحصر مجال الشر في النقائص الضرورية والإعدام المؤكد ضررهما، والتي من شأنها أن تُلحق اضطرابًا بيّنًا وضررًا

مؤكدًا بسير الموجودات التي خلقها بارئها لأجل غاية محددة هي أن تبلغ كمالها، فيأتي الشر ليحول دون ذلك. الشر ليس أمرًا وجوديًا و«لا ذات له، بل هو إمّا عدم جوهر أو عدم

ص ح حال الجوهر ». وحاصل هذا التعريف هو تحديد الخير بأنه هو الموجود، والشر بأنه هو العدم؛ فحيثما كان هناك إمكان أو وجود بالقوة، فإن الموجود يفقد قوته الوجودية، ويكون إلى التغير والفساد أقرب وعن الثبات والخلود أبعد، «الشر هو العدم، كما أن الخير هو الوجود». الأصل في الأشياء هو الخير، وكل شيء يحصل له، بحكم نوعه وطبيعته، كمال يستحقه، مثل البصر للعين، وهذا الكمال هو كمال ضروري نوعي يتوقف عليه الوجود الشخصي للشيء، والكمال للشيء يكمله في وجوده الواجب له، وفي صفاته الذاتية والعرضية، وكل شيء بحكم طبيعته يبتهج بالخير ويشتاق إليه: «خير كل شيء ما يشتاقه ويبتهج به من كماله». لكن يحصل أن يعدم الشيء كماله، فيسمّى شرًا من

حيث هو عادم للكمال الواجب له، وعليه، فإن «الشر بالذات هو العدم، ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته». لذلك، لا يلحق الشر الأشياء التي ليس لها وجود

بالقوة، أي تلك الموجودة في كمالها الأقصى، مثل الباري تعالى، والعقول المفارقة، وذوي الف طَر الكاملة من الناس (الأنبياء.) في الأحوال كافة، لا يصيب الشرُّ إلا الأشخاص (زيد أو عمرو)، وفي أوقات محددة، أمّا الأنواع

(الإنسان) فمحفوظة. كما أن هذا الشر لا يمكن أن يتجسد في موجود بعينه، لأن العدم المطلق لا وجود له، ولذلك ليس للشر المطلق وجود، لأنه لو وجد لكان ضد نظام الطبيعة وضد الإرادة الإلهية التي تهب الكمال لكل ما من شأنه أن يكون مستعدًا له بحكم إمكانه، ولا يجوز في حقها أن تمنعه عمّا كان ممكن الوجود وحضرت الشروط الضرورية المهيئة لحدوثه. بناء على هذا التصور، تترتب الموجودات بحسب خيريّتها وشريّتها من أكملها وجودًا إلى أخسها

في الوجود، بدءًا بواجب الوجود تعالى الذي هو الخير المطلق، بل هو الخير ذاته: «واجب الوجود

بذاته فإنه خير محض وكمال محض... يجب أن يكون لذاته مفيدًا لكل وجود، ولكل كمال وجود، فهو من هذه الجهة خير أيضًا، لا يدخله نقص ولا شر»، لأنه هو الموجود الوحيد الذي يجب وجوده بذاته ولذاته، ولا يتوقف في وجوده على غيره، وليس فيه أي شكل من أشكال النقص،

(((المصدر نفسه، ص.265 (((ابن سينا، التعليقات، ص.21 (((1 محمد مهدي بن أبي ذر النراقي، شرح الإلهيات من كتاب الشفاء، باهتمام مهدي محقق (طهران: [مؤسسة مطالعات إسلامي دانشكاه مك كيل]، 1985)، ص.128 (((1 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.321 (((1 المصدر نفسه، ص.265

بل هو الكمال المطلق، وكل ما في عالم الممكنات من الوجود مجرد فيض عنه وتجل لجوده، «فهو الأحق باسم الخير المطلق وبالذات». ثم العقول المفارقة التي هي واجبة الوجود بغيرها ممكنة الوجود لذاتها، ليس فيها إمكان مادي، وهذا يجعلها مبرَّأة من الشر الذي يلحق الموجودات

الطبيعية، ولكن فيها إمكانًا عقليًا يضعها في رتبة أقل من واجب الوجود. ثم في المرتبة الأخيرة عالم

الموجودات ما تحت فلك القمر، عالم الكون والفساد، حيث تُعتبر المادة المسؤول الأول عن الشر الموجود في هذا العالم، وتجعل هذه الموجودات رهينة للنقص الدائم، وتمنعها من أن تصل إلى كمالها الأخير. أمّا التعريف الثاني للشر، فيرتبط عند الشيخ باللذة والألم، ويفسر به سبب حدوث الشر في الأفعال

الإنسانية الاختيارية، حيث يربط الخير باللذة وما يكون وسيلة إليها، والشر بالألم وما يكون وسيلة إليه. يقول في الإشارات والتنبيهات: «اللذة هي إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك، والألم هو إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر»؛ فالشر في هذا التعريف الثاني يحمل أيضًا معنى وجوديًا عرضيًا غير ذاتي: فهو وجودي لأن الآلام ليست

معاني عدمية مثل الشرور بالمعنى السابق، لأنها تحدث عن شيء مؤلم، وتُحدث إدراكًا وجوديًا

غير م ئاام، مثل الظلم الذي يؤذي المظلوم والنار التي تحرق الجسد، حيث إن المتألم لا يتألم لفقده شيئًا، بل لإدراكه شيئًا وجوديًا مؤذيًا. وهو عرضي لأن الشيء المؤلم ليس شرًا في نفسه، بل

بالقياس إلى المتألم به، فإن النار تُعَد شرًا بالنسبة إلى من يتأذى بها، لكنها في ذاتها ليست شرًا،

فإنها وإن صارت شرًا بالقياس إلى المتألم بها، فإن لها جهة أخرى تكون بها غير شر، وهي فعل

الإحراق الصادر عنها، ففي قوّتها أن تحرق، وبالتالي يُعَ دّ الإحراق خيرًا وكمالً بالنسبة إليها،

وإنما هو (أي الشيء المؤلم) شر بالنسبة إلى من فقد س مااته بسببها. وبهذا يعود هذا المعنى الثاني للخير والشر إلى المعنى الأول، فإن إدراك الم ئاام، أي اللذة والخير، إنما هو في حقيقته كمال وجودي للمدرك، وكذلك إدراك غير الم ئاام، أي الألم والشر، إنما هو في أصله عبارة عن عدم الكمال. هكذا ربط ابن سينا مفهوم الشر في ك التعريفين بمعيار موحد يسري على جميع الأفعال والموجودات، بدءًا بالباري تعالى حتى آخر الموجودات الهيولانية؛ فكل ما يحقق الكمال واللذة

والإدراك المناسب يُعَدّ خيرًا، وذلك هو الوجود، وكل ما يُعَدّ نقصًا ويسبب ألمًا وإدراكًا غير مناسب

يعتبر شرًا، ويحسب على العدم «المراد بالخير: الموجود، وبالشر: العدم». ويكاد يكون مفهومه

للخير متطابقًا مع مفهوم الوجود، «فالوجود خيرية... والوجود الذي لا يقارنه عدم... بل هو

(((1 النراقي، ص.128 (((1 ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، في: فخر الدين محمد بن عمر الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، ج 2، مقدمة وتصحيح علي رضا نجف زاده (تهران: دانشكاه تهران، 2005)، ص.566 (((1 علي بن محمد سيف الدين الآمدي، كشف التمويهات في شرح الرازي على الإشارات والتنبيهات للرئيس ابن سينا، ويليه لباب الإشارات والتنبيهات تأليف الإمام العلامة فخر الدين الرازي؛ تحقيق وتعليق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2013)، ص.309

دائم بالفعل، فهو خير محض»، وهما معًا على طرفي نقيض مع مفهومي الشر والعدم: «وما

احتمل العدم بوجه ما، فليس من جميع جهاته بريئًا من الشر والنقص». ومتى كان الوجود تامًا

(واجب الوجود) كان الخير مطلقًا، ومتى كان الوجود ناقصًا، كان الشر لازمًا. هذا يذكّ رنا

بالتصور الأف طوني الذي يميز بين عالم الوجود المطلق (عالم المثل) حيث الخير الأسمى، والعالم المحسوس مسكن الشر حيث يختلط الوجود بال وااجود، والخير بنقيضه، ويذكّرنا أيضًا بديكارت الذي اعتبر خطايا الإنسان نتيجة طبيعية لتموقعه ضمن نقطة وسط بين الله والعالم؛ إذ لا يوجد بحق أي شيء في ذاتي ممكن أن يقودني إلى الخطأ، بما أن الكائن الأعظم أبدعني، ولكن إذا اعتبرت نفسي مشاركًا بشكل ما بالعدم أو بال وااجود، أي بما أني لست الكائن الأعظم، أجدني معرَّضًا لما لا نهاية له من الإخفاقات بحيث ينبغي ألا أندهش

عندما أُخطئ. هذا المعيار جعل تصور ابن سينا للشر شامً سائر المجالات، فالوجوه التي يقال عنها أنها شر تضم: الأفعال المذمومة: مثل الظلم؛ مبادئها من الأخلاق، كإرادة الظلم؛ الآلام والهموم وما يشبهها، كالاحتراق بالنار؛ نقصان كل شيء عن كماله وفقدانه ما من شأنه أن يكون له، مثل الجهل والضعف والتشويه في الخلقة. بناء عليه، يمكن أن نميز، مع ابن سينا، في الشر بين: - الشر الطبيعي، ويتعلق بما يؤذي الإنسان ويُلحق ضررًا بسلامته الجسدية وبحاجاته ورغباته، ووسيلتا

الإنسان لتمييزه هما اللذة والألم. - الشر الأخلاقي، ويتعلق بما يراه العقل العملي ضارًا أو مؤذيًا من الأفعال التي تقع باختيار الإنسان. - الشر الميتافيزيقي، ويتعلق عمومًا بالنقص الذي يمس الموجودات الممكنة ويمنعها من أن

تصل إلى الكمال الواجب لها. وهذا النقص أصيل في الطبيعة والإنسان، وهو من صميم ماهية هذه الموجودات. إن تعريفه هذا يجعل منظوره للخير والشر مرتبطًا بالضرورة بالاعتبارات الميتافيزيقية؛ فواجب الوجود هو المصدر الأول لكل كمال يلحق الموجودات الممكنة، وكل ما فيها من خير إنما هو فيض لخيره المطلق، وكل ما فيها من شر فالباري منزَّه عنه. هذا المنظور هو الذي ظل مهيمنًا حتى بداية العصر الحديث «يرى التقليد الفلسفي الذي بلغ أجلى مظاهره مع ليبنتز، أن محدودية المخلوقات هي فرصة الشر المعنوي، وكونها فرصة للشر المعنوي، فإن هذه المحدودية تستأهل حتى اسم الشر

(((1 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.265 (((1 المصدر نفسه، ص.265

(18) Platon, La république , traduction George Leroux (Paris, Flammarion, 2004).

(((1 انظر: ريكور، ص.27

الميتافيزيقي». في مقابل المنظور الحديث الذي يسير تدريجيًا في اتجاه تجريد الشر من بُعده

الديني والميتافيزيقي وحصره في بُعد أخ قااي أحادي، «نقر على الدوام بأن الطبيعة لا هي

تتحمل الذنب عنه (حين يكون شريرًا)، ولا هي لها الفضل عليه (حين يكون خيرًا)، بل الإنسان

ذاته هو صاحبه والمتسبب فيه». لكن هذا التعريف يطرح في الوقت عينه على الشيخ إشكال الع قااة بين الإرادة الخيّرة لواجب الوجود، والشر الكامن في الموجودات الممكنة

الخاضعة لتدبيره.

عرضية الشر في العالم

لكي يحدد الشيخ ابن سينا موقفه من ع قااة الشر بالإرادة الإلهية، عمل على التمهيد له أيضًا بتحديد حجم وجوده وموقعه ضمن سائر الموجودات الخيّرة الأخرى؛ فنظرته بشأن حجم

وجود الشر في العالم ومدى جوهريته تقوم على مقدمتين: الأولىهي أنه ليس للشر وجود

أصيل في هذا العالم، لأنه إمّ ا أن يُطل ق على أمور عدمية ليس لها وجود حقيقي، بل هي مجرد

سلب لما هو ضروري أو نافع أو كمالي، وإمّ ا أن يُطل ق على أمور وجودية لكنها غير حقيقية بل

عرضية طارئة. و الثانية هي أن الشر مرتبط بالمادة؛ ذلك أن الموجودات إمّا أن تكون لا مادية

وإمّ ا أن تكون مادية، والأولى لا قوة فيها، ف نقص يعتريها، فهي معصومة من الشر، «ف يكون

فيها شر أص»، أمّا الثانية، فهي كونها «في معرض الشر» مادية يجعلها موجودة بالقوة

ومعرّضة للنقص. بناء على هاتين المقدمتين، تكون الاحتمالات الممكنة بخصوص حجم وجود الشر في الموجودات عند الشيخ كما يلي: «الموجود إمّ ا أن يكون خيرًا من كل الوجوه، أو شرًا من

كل الوجوه، أو خيرًا من وجه وشرًا من وجه. وهذا الأخير على ث ثااة أقسام: فإنه إمّا أن

يكون خيره غالبًا على شره، أو يكون شره غالبًا على خيره، أو يتساوى شره وخيره، فهذه

أقسام خمسة». أمّا القسم الأول، فقد وجب وجوده في نظر ابن سينا، لأن الخير هو الموجود، والموجود الذي يكون

خيرًا من كل وجه ومنزَّهًا عن كل شر، إمّا أن يكون خيرًا لذاته وهو واجب الوجود تعالى، إذ هو الخير

المطلق وغيره خير بالنسبة إليه: «الوجود الذي لا يقارنه عدم... فهو خير محض، فإذن ليس الخير المحض إلا الواجب الوجود بذاته»، وإمّ ا أن يكون خيرًا لغيره، وهو العقول المفارقة والأف ك

(((2 المصدر نفسه، ص.199 (((2 إيمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل، نقله إلى العربية فتحي المسكيني (بيروت: جداول، 2012)، ص.69 (((2 الرازي، كتاب المباحث المشرقية، ج 2، ص.520 (((2 المصدر نفسه. (((2 المصدر نفسه، ص.521 (((2 ابن سينا، الشفاء. الإلهيات، ص.381

السماوية. الموجودات المفارقة لهذا العالم كاملة منزَّهة عن النقص، فلا شر يعتريها، «وجميع الشر،

إنما يوجد فيما تحت فلك القمر». أمّا القسم الثاني، فإنه لو وجد لكان شرًا مطلقًا، ولكن لمّا

كان الشر م زاامًا للعدم، والعدم المطلق يقتضي نفي كل موجود، فقد استحال وجود هذا القسم

«ولا خير عن عدم مطلق إلا عن لفظه، فليس هو بشر حاصل ولو كان له حصول ما لكان الشر العام». وكذلك القسم الثالث الذي يكون شره غالبًا، والرابع الذي يكون شره مساويًا لخيره، يؤكد

الشيخ بأنه لا يمكن إيجادهما، لأنهما لو وج دا لكان وجودهما منافيًا للحكمة الإلهية التي خلقت

الموجودات على وجه يمكّنها من أن تبلغ الكمالات التي تجب لها بحكم ما فيها من إمكانات؛

فالشر مغلوب، وينبغي أل يكون طاغيًا في الموجودات، فلئن كثر العمى مثلً فإن البصر أكثر. أمّا

القسم الخامس الذي يكون خيره غالبًا على شره، فيعترف بوجوده، إلا أنه يؤكد محدودية شرّه مقارنة

بخيره الغالب، فهذا الشر «طفيف بالقياس إلى سائر الوجود»، لأن الشر منتشر في هذا العالم ولا يمكن إنكاره، والجود الإلهي يعم سائر الموجودات بفيضه إلا أن البعض منها حُرِم مع ذلك

الكمالاتِ الضرورية التي تجب له بحكم نوعه، مثل الحريق الذي يأتي على غابة فيحرم النباتات نموَّها الطبيعي. لكن إذا كانت غلبة الخير على الشر تبدو مقبولة في عالم الطبيعة، فماذا عن عالم الإنسان؟ يردّ ابن

سينا على من يقول: إن الغالب على أكثر الناس هو الجهل وطاعة الشهوة والغضب، أي الجهل بالاعتقادات الحقة والخلو من الأخ ق الفاضلة، الأمر الذي يوجب الشقاوة في الدنيا والآخرة. ويؤكد أن القاعدة أع هاا تسري على البشر في الدنيا كما في الآخرة، فالغالب عليهم في نظره هو السعادة الدنيوية والأخروية، أمّ ا الشقاوة فتبقى أقلية. ويشبه حال النفس بحال الجسد، فكما أن

أحوال البدن في الصحة والجمال ث ث: إحداها حال الفائق الجمال والصحة، والثانية حال المتوسط، والثالثة حال القبيح والمريض، كذلك هي أحوال النفس في الخلق والاعتقاد: إحداها حال البالغ فضيلة العقل والخلق، والثانية حال النفس الخالية من فضائل العقل الحقة والباطلة، ومن الأخ ق الجيدة والرديئة، والثالثة حال النفس الخالية من الاعتقادات الحقة والأخ ق الفاضلة، بل مكتسبة نقيضهما. للصنف الأول الدرجة القصوى في السعادة الأخروية، والثاني من أهل الس مااة في الآخرة، وينال

حظًا ما من الخيرات العاجلة، والثالث من أهل الشقاوة: «وكل واحد من الطرفين نادر، فالوسط فاش غالب، وإذا أضيف إليه الطرف الفاضل صار لأهل النجاة غلبة وافرة الوجود». جعل ابن سينا أهل السعادة أكثر رغم إقراره بأن الفئة المتوسطة، التي هي الغالبة، خالية من العلوم الحقة والأخ ق الفاضلة. ويوضح ذلك بالقول إن السعادة الأخروية ليست نوعًا واحدًا،

(((2 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.321 (((2 المصدر نفسه، ص.321 (((2 المصدر نفسه، ص.322 (((2 ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، في: الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، ج 2، ص.551

ولا تُنال بالعلم وحده، فالذي يقتضي العذاب المخلد في النار هو في نظره العقائد الباطلة. أمّا

الأخ ق الرديئة، فإنها توجب العذاب مدة ثم تتخلص النفوس إلى سعة من رحمة الله، عكس

المعتزلة الذين يقولون بتخليد مرتكب الكبيرة في النار. كما يوضح أن ليس كل خُل ق رديء

موجبًا للعذاب، بل الخُل ق الموجب للعذاب هو المتمكن من النفس تمكنًا بالغًا: «ولا تصغ إلى

من يجعل النجاة وقفًا على عدد، ومصروفة عن أهل الجهل والخطايا صرفًا إلى الأبد، واستوسع رحمه الله». السعادة في نظر ابن سينا غير قاصرة على من عرف الحق بالبراهين، أو من كان خاليًا من الكبائر كما

يقول المعتزلة، بل إنها شاملة أيضًا النفوس الخالية من العقائد الباطلة، وحتى تلك التي اقترفت أخلاقًا رديئة ستنتهي أيضًا إلى السعادة. وبهذا سيكون أهل السعادة والخير أكبر من أهل الشقاوة والشر، ويكون الخير غالبًا على الشر في الآجلة كما هي الحال في العاجلة؛ فالشر بشكل عام موجود ولكن

حجمه محدود، ومغلوب من الخير، ثم إنه غير مقصود لذاته بل لغيره (الخير)، فهو عارض طارئ غير أصيل.

البُعد الديني والميتافيزيقي للشر

إذا كان الشر موجودًا في هذا العالم، سواء نُسب إلى الطبيعية أو إلى الإنسان، فحتى لو سلّمنا بأن

وجوده عرضي وأقلي، فإن دلالة وجوده داخل المملكة الخاضعة لواجب الوجود تعالى، الموجود الخير في ذاته والمنزَّه عن كل شر، تبعث مع ذلك على النظر والتساؤل، خصوصًا بصدد ما إذا كان

مبرر وجوده ينحصر في حرية الإرادة، فيكتسي بذلك دلالة أخلاقية خالصة، أو يندرج ضمن تدبير إلهي شامل، فيكتسي بذلك بُعدًا دينيًا وميتافيزيقيًا. يميل الفكر الحديث والمعاصر، بشكل عام، إلى تجريد هذا المفهوم من دلالته الميتافيزيقية

بتفسير الطبيعة تفسيرًا ميكانيكيًا لا غائية فيه، مستبع دًا بذلك كل تأثير لقوة متعالية من شأنها

أن تضفي على حوادث الطبيعة معنى يجعلها إمّا في خانة الخير وإمّ ا في خانة الشر. ويعمل في

موازاة ذلك على حصر دلالته الدينية إلى أقصى الحدود، وذلك بفصل الأخ ق عن الدين، وربطها بقوانين العقل البشري التي توكل إليها مهمة ترسيم الحدود بين ما هو خيّر وما هو شرير.

فإذا كانت الأخ ق مع كانط مثً تقود إلى الدين، فإنها على الأقل في تأسيس واجباتها تستقل بذاتها: «فإن الأخ ق لا تحتاج أبدًا فيما يتعلق بذاتها إلى الدين بل بفضل العقل العملي هي مكتفية بذاتها». لكن عندما يتعلق الأمر بفيلسوف من العصر الوسيط الإس مااي مثل ابن سينا، فإنه وإن أقر بنصيب ما لمسؤولية الإنسان الأخ قااية، لم يستطع أن يفصل مفهوم الشر عن دلالته الميتافيزيقية والدينية، بل ربطه بالإرادة الإلهية وبتدبيره تعالى للعالم، وعمل على حصر وجوده إلى أدنى درجة ممكنة،

(((3 المصدر نفسه، ص.558 (((3 كانط، ص.45

مع تحويله إلى مجرد وجود عرضي طارئ وغير أصيل، حتى يتناسب حجم وجوده مع وجود إرادة إلهية خيّرة خلقت الموجودات من الأساس لأجل أن تبلغ كمالها الواجب لها، لكن من دون أن

يجعل الباري سببًا مباشرًا أو فاعً له، أو متصفًا به؛ ذلك أن الله تعالى لم يخلق موجودات شريرة

شرًا مطلقًا ولا شرًا ذاتيًا («والشر لا ذات له»)، ولم يخلق عالمًا يهيمن عليه الشر ولا حتى يتساوى

خيره مع شره، بل خلق عالمًا يغلب خيره شره، كما لو أنه قصد ابتداء أن لا يخلق إلا الموجودات

الخيّرة، لكن الضرورة اقتضت أن لا توجد هذه الموجودات وأن لا تدوم خيريّتها إلا بأن يعرض عنها

بعض الأفعال الشريرة، وتترتب على وجودها آثار سلبية غير مقصودة بالقصد الأول؛ فالله تعالى مريد للشر لكن بالعرض وليس بإرادة ابتدائية، وهو مقدر له وراض عنه لكن بالعرض، «فالشر داخل في القدر بالعرض، كأنه مثً مرْضي به بالعرض »، وبهذا المعنى يسمح الباري بوجود الشر،

«فهو يريد الخير إرادة أولية ويريد الشر أيضًا على الوجه الذي بالعرض، إذ علم أنه يكون ضرورة فلم يعبأ به». الله تعالى غير مسؤول عن الشرور، لأنه إنما خلق موجودات هي في ذاتها خيّرة وتساهم في كمال

باقي الموجودات، ولكن وجودها هذا ما كان ليتم من دون أن تصدر عنها بالعرض بعض الآفات والشرور. وإنما تعود المسؤولية الذاتية في وجود الشرور إلى المادة التي تقبل العدم، وتوجد دائمًا

وجودًا بالقوة، وتقبل المتناقضات، ولا تسمح بوجود موجودات كاملة كمال تامًا: «وأمّا الشرور

فوجودها لضرورة الهيولى». وهذا الشر لا يمكن أن يرتفع بشكل نهائي، وبالخصوص من وجهة نظر فيلسوف يؤمن بأن الإمكان الذي بموجبه تكون المخلوقات ممكنة كامن في القابل (المادة) وليس في الفاعل (الخالق). بل يذهب ابن رشد إلى حد ربط نظام اشتغال الشر بقانون السببية بعيدًا عن أهواء الناس ومتمنياتهم، ولو جاز في نظره أن تنقلب الشرور الواقعة من هذه الموجودات خيرات (حتى يكون العالم خاليًا من كل شر) لانهارت السببية، ولجاز أن ينقلب كل شيء إلى نقيضه:

«يمكن أن ينقلب الخير شرًا والشر خيرًا ف يكون ها هنا حقيقة أصً، حتى يمكن أن يكون الخير

كله في ترك عبادته والإعراض عن اعتقاد تعظيمه»؛ فحتى حدوث الشر تحكمه قوانين صارمة لا تنفصل عن قوانين عالم الكون والفساد. وهذا ما أكده أيضًا لايبنتز لاحقًا، معتبرًا أن «النزوع نحو

الشر في المخلوقات أمر ضروري، رغم أن نشأته تظل عرضية، بمعنى أنه من الضروري أن تكون الشرور ممكنة».

(((3 أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي؛ تحقيق سليمان دنيا، ج 4، ط 3 (القاهرة: دار المعارف 1980)، ص.305 (((3 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.325 (((3 أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، حققه وقدم له عثمان أمين (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1958)، ص.162 (((3 المصدر نفسه، ص.164

(36) Gottfried Wilhelm Leibniz, Sur l’origine radicale des choses (1697); La Cause de Dieu, défendue par sa justice, elle-même conciliée avec toutes ses autres perfections et la totalité de ses actions (1710) , introd. et commentaires par Pierre-Yves Bourdil; trad. par Martine Etrillard et Pierre-Yves Bourdil, profil. Hatier, 712 (Paris: Hatier, 1990), 65.

الأصل إذًا في الموجودات هو الخير، وجميع الموجودات الخيرة مرادّة للباري بمقتضى كونه حكيمًا

جوادًا تفيض عنه الموجودات على الوجه الأكمل، أمّا تلك التي يعرض لها نوع من الشر، مثل النار

والظلم والمرض، فإنها أيضًا صادرة عن الباري بمقتضى إرادته ورضاه، لكنها لا تصدر عن إرادته بالقصد بل بالعرض فقط؛ فالخير مراد مرْضي به، والشر مراد مكروه، فهو من حيث أنه شر مكروه، إلا

أنه صار مرادًا لكونه من لوازم الخير المطلوب بالذات، فهو «مكروه بالذات مراد بالعرض»، لأن ليس من الحكمة الإلهية أن تترك خيرات كثيرة لأجل شرور قليلة، «فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأغراض شرية أقلية، فأريدت الخيرات الكائنة عن هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال إن الله تعالى يريد الأشياء، ويريد الشر أيضًا على الوجه الذي بالعرض، إذ علم أنه يكون ضرورة فلم يعبأ به، فالخير مقتضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض، وكل بقدر». الشر مضاف إليه

تعالى على العموم، كقوله تعالى: ﴿ اللَّ خَالِقُ كُلّ

شَيْء ﴾، وقوله: ﴿ خَلقَكُمْومَا تَعْمَلونَُ﴾،

والخير مضاف إليه على الخصوص، كقوله تعالى: ﴿بِيدِكَالخَْيرُْۖ إِنكَّ عَلىَٰكُلّ

شَيْءٍ قدِيرٌَ﴾؛

فالله تعالى يقضي، بحسب الفلاسفة المسلمين المشّائين، بالشر ويقدّره على العباد، ولكن ليس بأن يريده أو يصدر عنه مباشرة، بل بأن يصدر عن الموجودات التي خلقها والتي هي بحكم مادتها وماهيتها ناقصة. ولذلك يعترضون على النظرة الأشعرية، التي تقدم تفسيرًا لكيفية اكتساب العباد أفعالهم الشريرة

وارتباط ذلك بتكوينهم النفسي والبيولوجي، لكنها مع ذلك تتشبث بأن تردَّ كل أفعالهم، خيرها وشرها،

إلى إرادة الباري المدبِّر الوحيد والأوحد للكون: «أحكام الشر هي من الجهل والشيطان بخلاف الله

سبحانه وتعالى وقدره فإنه فاعل للخير والشر معًا ومقدرهما إذ لا فاعل سواه». لذلك، يعلّق ابن

رشد على من يربط الشر بإرادة الباري، بالقول إنه يلزمه نسبة الظلم للباري تعالى عن ذلك: «يلزمهم ضرورة أن يجوّروه». وهكذا نرى كيف أن الشيخ يميل، عندما يتعلق الأمر بتفسير سببي لوجود الشر في العالم، إلى التنزيه التام لله تعالى «الصادر عنه ليس بِشَر»، مع إيمانه بأن الحكمة الإلهية اقتضت وجوده، فمن يتحمل إذًا مسؤولية حصوله؟ رغم صدور الشر بموجب القضاء الإلهي، فإن المسؤول المباشر عنه ليس العلة الفاعلة (الباري تعالى) بل العلل القابلة؛ فالشر لازم لأشخاص الموجودات وطباعها واستعداداتها الكامنة في

(((3 فخر الدين محمد بن عمر الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، ج 3: في ذكر الصفات الايجابية وهي كونه سبحانه قادرا،

عالما، حيًا، تحقيق أحمد حجازي السقا (بيروت: دار الكتاب العربي، 1987)، ص.281 (((3 ابن سينا، كتاب النجاة، ص 324-.235 ((3(القرآن الكريم، «سورة الزمر،» الآية.62 (((4 المصدر نفسه، «سورة الصافات،» الآية.96 (((4 المصدر نفسه، «سورة آل عمران،» الآية.26 (((4 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار الجيل، [د. ت.])، ص.158 (((4 ابن رشد، ص.164 (((4 نصير الدين الطوسي، شرح الإشارات والنبيهات، في:بن سينا ا، الإشارات والتنبيهات، ج 4، ص.305

مادتها، وإلا فإن المخلوقات التي تتعالى عن حركة الزمان ولا تلتبس بالمادة والشهوة تكون منزَّهة عن الشر، كما هو الشأن في الأنواع والأجناس والعقول والنفوس المفارقة: «الشرور فيجب إضافتها إلى الأشخاص والأزمان والطباع، وأنه متى حصل نقص في آحاد نوع ما، كان ذلك النقص عائدًا إلى ضعف في القابل وقصور في المستعد». كما يلزم الشر بسبب كثرة المبادئ والأسباب، فإن الموجودات لم تصدر كلها مباشرة عن واجب الوجود، بل صدرت على سبيل الترتيب والوساطة، وكلما كثرت الوسائط قلَّ منسوب الخير وزادت حظوظ الشر. كما أن الكثرة يلزم عنها التضارب والمصادفة، فلم يكن بالإمكان مث أن يكون الماء سبيً لكل هذه الخيرات من دون أن تحصل عنه عرضًا هذه الشرور القليلة: «الخير الغالب لما كثرت مبادئه وتباينت أسبابه لزم من ذلك التباين والكثرة شر ما على سبيل المصادفات»، فالخير لازم للوحدة والشر لازم للكثرة. وللشر عمومًا

سببان رئيسيان: الأولهو المادة التي لا تقبل أبدًا الكمال المطلق، وسيظل الشر صادرًا عنها وملازمًا للإمكان والقوة

والنقص الكامن فيها: «وإنما يلحق الشر ما في طباعه ما بالقوة». ويلحق الشر المادة بسببين: إمّا

أن بعض الأسباب أثر في المادة في ابتداء تشكّلها، فصارت رديئة المزاج ولم تعد مهيأة لتقبّل شكل

وقوام مناسب، فتشوهت الخلقة، لا بسبب أن الفاعل حُرم بل لأن المنفعل لم يقبل، وإمّا أن أسبابًا

خارجية طارئة تمنع عن الموجود كماله، مثل البرد الشديد الذي يمنع النبات من أن يحصل له كماله في وقته. والثانيهو الفاعل، فإنه لما كان خالقًا لهذا العالم المادي، وكانت المادة لا توجد إلا بأن تقبل العدم والتناقض، استحال أن يدبر الباري هذه الموجودات نحو الغرض المقصود (الخير) من دون أن يحصل عنها، ما هو غير مقصود (الشر.) فالشر لا ذات له، وليس في ذاته أمرًا وجوديًا صادرًا عن الباري، بل الباري لا يصدر عنه إلى الوجود،

والوجود كمال، ولكن الموجودات تتلقاه بحسب استعداداتها المتفاوتة؛ فالشر حاصل في الحقيقة عن امتناع الموجود عن تلقّي الوجود، وعجزه - بحكم مادته - عن قبول الفيض الصادر عن واجب الوجود «وإلا فالفيض عام من غير بخل به ولا منع منه». إن ما يقال عن الطبيعة يسري على الإنسان، فغرائز الجسد وهوى النفس يُعتبران في الغالب مصيدة

تُوقع الإنسان في شرَك الشر، لكن من دون أن يعني هذا أن الإنسان شرير بالكامل، لأن هذا الشر

عينه يصير دافعًا ل نإإسان لطلب السعادة التي فيها خيره الأقصى؛ إذ لو كان الناس متخلصين كلية

(((4 أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الرسالة العرشية في حقائق التوحيد وإثبات النبوة، تحقيق وتقديم إبراهيم ه لاا (القاهرة: جامعة الأزهر، 1988)، ص.39 (((4 المصدر نفسه، ص.41 (((4 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.321 (((4 ابن سينا، الرسالة العرشية، ص.39

من المادة والشهوة لصاروا عقولً مفارقة تعيش في سعادة أبدية، فجسمانيتهم وإن انحطت بهم إلى درجة أقل، لم تمنعهم من بلوغ درجة السعادة إن هم انشغلوا بتحصيل الخير لأنفسهم. وكل من يشتاق إلى خير فهو إلى مفيض الخير أكثر اشتياقًا، فحق على كل موجود ممكن أن يكون بجبلّته مشتاقًا إلى الخير المطلق، «وواجب الوجود بذاته خير محض، والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء».

الشر والحكمة الإلهية

إذا سلّمنا بوجود الشر في المملكة الخاضعة ل رإإادة الإلهية، فأي حكمة في إيجاده؟ يعتقد الشيخ ابن سينا أن وجوده لا يتنافى والحكمة الإلهية التي اقتضت وجود عالم هو أكمل العوالم الممكنة في درجة كماله وخيريّته: «هذه الشرور الحاصلة غير خالية عن حكمة تامة بها يكون قوام العالم»،

والحكمة الإلهية اقتضت ألا تمنع أي موجود من كماله الذي يستحقه، ولا يجوز أن تحرم موجودًا

كمالً يستحقه بحكم الشروط التي تهيأت له. بناء عليه، يمكن القول إن هذا العالم أفضل العوالم الممكنة وأكثرها خيرًا وأقلها شرًا إلى درجة أن ابن سينا يعتبر صدوره عن الباري واجبًا، وأنه لم يكن

بالإمكان أن يصدر عنه إلا هذا العالم، وما كان ممكنًا أن يصدر عالم غير هذا العالم، وإلا فإنه سيكون أقل خيرية وأكثر شرًا، وهذا لو حصل لكان عبثًا في حق الباري تعالى: «يظهر إثبات الحكمة الإلهية

في وجود هذه الموجودات، وأنها وجدت على أكمل ما يمكن أن يكون، وأنه لم يتخلف عنها شيء من كمالها الممكن لها في نفس الأمر، ولو كان في الإمكان وجود أكمل مما هي عليه لما وجدت على غيره». إن الشر صادر بموجب هذه الحكمة الإلهية وليس مجرد أمر منفلت؛ ففي وجوده حكمة يتوقف صدور الموجودات عليها، ولئن كان غير مقصود لذاته، فإنه مقصود لأجل السير العام للموجودات، ولو لم يحصل لما حصلت ربما الموجودات على كمالها الواجب لها؛ فالخير ذاته هو علة حصول الشر: «الخيرات هي مبادئ الشرور»، فغرق الناسِ في الماء مثل هو نتيجة عارضة ولكنها لازمة لانتفاع سائر الموجودات الحية به، ولا يليق بالحكمة الإلهية أن تمنع وجوده نهائيًا لأجل ألا يغرق

فيه أحد؛ فوجود الشر في العالم ليس جائزًا فحسب، بل ضروري أيضًا، وهو نتيجة طبيعية لحركة الموجودات ولجدلية الوجود والعدم، والكمال والنقص، ولو انتفى من العالم كلية لانتفى الخير نفسه، ولذلك لا يليق بالحكمة الإلهية ترك الخير الكثير تجنبًا للشر القليل: «فإن وجود ذلك الشر في

الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير».

(((4 ابن سينا، الشفاء. الإلهيات، ص.380 (((5 ابن سينا، الرسالة العرشية، ص.38 (((5 المصدر نفسه، ص.38-37 (((5 المصدر نفسه، ص.38 (((5 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.322

وما يؤكد عدم تنافيه مع الحكمة الإلهية، بل واندراجه ضمن تدبير إلهي محكم، هو أنه لا يصيب إلا أشخاصًا، وفي أوقات، أمّا الأجناس التي تتشكل منها ماهية الأشخاص، فهي محفوظة ولا يمكن أن

يصيبها شر؛ إذ إن الإرادة الإلهية رتبت الأجناس والأنواع ترتيبًا دقيقًا وحفظتها، ولو انقرضت نهائيًا

لحرمت الموجوداتِ الممكنةَ كمالاتها وماهياتها إلى الأبد، ولاختل نظام العالم. المخلوقات آمنةِ، على الأقل من الشرور الكبرى التي تهدد كينونتها، من قبيل انقراض النوع الإنساني كلية، أو انقلاب الطبيعة البشرية إلى طبيعة شريرة في الأصل، أو من قبيل توريث خطايا الأجيال المدبرة ل جأأيال المقبلة. صحيح أن الفرد عندما يخرج إلى الوجود يجد نفسه في مواجهة عوامل النقص الكامنة في جسده وشهواته وإغراءات محيطه، لكنه مع ذلك يكون في كنف عناية إلهية حكيمة وهبته الإرادة وهيأت له جميع أسباب السعي نحو الكمال. الشر في الموجودات قليل، وإذا كان كثيرًا فإنه ليس بأكثري، وهو محصور في الأشخاص والجزئيات

دون الكليات، وفي الضروريات دون الكماليات. وحتى هذا النوع من الشر المعترف به يعمل على تبرير وجوده بجعله حافزًا للموجودات للسعي نحو الكمال؛ ذلك أن الحكمة الإلهية تقتضي في نظره وجود هذا النوع حتى تبلغ الموجودات الطبيعية - التي ي زاام النقص طبيعتها - كمالها، فكل طلب للكمال هو تخلص من شر. والإرادة الإلهية اقتضت أن تسير الموجودات سيرًا حثيثًا نحو

الكمال، ولذلك قضت بأن لا يوجد الشر إلا بقدر معلوم حتى لا يسيطر على الخير فيمنع الموجودات من طلب كمالها، ويختل نظام العالم بأكمله، ويفوّت على الجنس البشري المقصد الأسمى الذي

لأجله خُلق. في المحصلة، يبدو حجم الشر وخطورته ودوره في المملكة الخاضعة للتدبير الإلهي أمرًا معقولً

ومقبولً، لأن في حصول الشر مفسدة قليلة وخيرًا كثيرًا، وفي عدم حصوله عكس ذلك: «وتحمل

أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما من مقتضيات الحكمة، وهو المراد من قولهم: إن في أن لا يوجد الخير

الكثير تحرزًا عن الشر القليل، شرًا كثيرًا»؛ فعند مقارنة مصالح النار بمفاسدها مثل، تبدو خيريّتها

جلية مؤكدة، فالنار كائن خير، ووجودها في العالم ليس عبثًا بل ضرورة، لأنها تساهم في حُسن

سير الموجودات الأخرى، وتكون سببًا لأن تبلغ كمالاتها الضرورية، ولذلك لا يمكن الشر العارض

من وجودها أن يكون مبررًا ل رإإادة الإلهية لأن تمنع وجودها عن العالم، بل إن إيجادها هو عين

الحكمة والجود.

الشر والعناية الإلهية

لقائل أن يقول: إذا كانت الموجودات تقع بإرادة الله وحكمته، فلماذا لم يخلقها عارية عن كل شر

ابتداء، حتى لا تكون في الأصل محتاجة في بلوغ خيريّتها إلى هذا الشر القليل، كأن يخلق النار مثلً

عندما تكون سببًا للخير، ويمنع وجودها عندما تكون سببًا للشر، وبذلك يكون عالمنا مملكة خالية

من كل شر؟ إن الشيخ في رده على هذا السؤال أجاب بأنه لو خلقها كذلك لكان هذا هو القسم الأول

(((5 الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، ج 2، ص.549

من الموجودات، أي ذلك الذي يكون خيرًا تامًا، وليس ذلك إلا لواجب الوجود المتفرد بالخيرية

المطلقة. نعم ذلك ممكن في عالم غير عالمنا الطبيعي، عالم السماء والعقول المفارقة، فإنه تنزّه عن الشر وإن لم يصل إلى درجة الكمال المطلق في الخيرية، «وذلك مما فاض عن المدبّر الأول

ووجد في الأمور العقلية والنفسية والسماوية». أمّا عالم الإنسان والطبيعة، عالم المادة والتغير

والجهل والنفس الشهوانية والرغبات الحسية، فقد ظل مح لكل شر، بل ما كان ليكون ممكن الوجود إلا بأن يكون ناقصًا عاريًا عن الكمال الواجب لواجب الوجود، وشرّيته ليست شيئًا آخر

غير هذا النقص المتأصل في ماهيته. لكن لو كان كله شرًا أو لو كان شرّه طاغيًا على خيره لما

كان ممكن الوجود أصً، لأن الباري تعالى بحكم جوده وعنايته يمتنع في حقه أن يخلق عالمًا

مثل هذا، إذ الشر لا ذات له. أمّ ا وأن العالم كان واجب الصدور عن الباري، بناء على الاعتقاد

في قِدمه، وأن الباري موجب غير مختار في صدور الموجودات عنه، ولم يكن بالإمكان أن يكون العالم مطلق الخير ولا مطلق الشر ولا حتى أن يكون شره غالبًا، فلم يبق إلا أن يكون خيره غالبًا

على شرّه. الشر واجب الوجود في أفعال الإنسان والطبيعة على السواء، لكن من دون أن يكون متعارضًا مع العناية الإلهية، بل أن يكون منسجمًا معها؛ إذ إن العناية اقتضت أن يصدر العالم عن الله على

أحسن نظام وأفضل كمال بحسب الإمكان: «العناية هي كون الأول عالمًا بما عليه الوجود من

نظام الخير وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان، وراضيًا به، فيفيض أتم تأدية إلى النظام

بحسب الإمكان». ولو لم يكن الشر موجودًا لما كان لسعي الموجودات الممكنة نحو الخير معنى؛ «فالخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء في حده ويتم به وجوده»، فهو الدافع لها لأن تتخلص من النقص والعدم، بحيث تصير مسيرتها بشكل عام هي ذلك الجهد الدائم للتخلص من النقص، والسعي نحو كمال الوجود، وأغلب أفعال الموجودات في هذا الاتجاه؛ فما إن يوجد الموجود أو يوجد له أحد كمالاته حتى يكون قد تخلص من العدم الذي كان يعوق أحد الكمالات الواجبة له بحكم ماهيته، ذلك أن الشر م زاام لحالة الوجود بالقوة، أمّا الخير فم زاام لحالة الوجود بالفعل.

والعدم، وإن كان متأصً في المخلوقات، يظل حالة استثنائية ومشكً ينبغي التخلص منه، «والعدم من حيث هو عدم لا يتشوق إليه، بل من حيث يتبعه وجود أو كمال للوجود». وهكذا، لا يتنافى الشر والعناية الإلهية بالعالم، بل لا يمنع أيضًا أن يصدر عن الباري أفضل العوالم الممكنة خيرية.

(((5 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.323 (((5 المصدر نفسه، ص.320 (((5 المصدر نفسه، ص.323 (((5 المصدر نفسه، ص.380

المنطق يقضي، بحسب الف سفة الميتافيزيقيين والملّيين، عدم التداخل والخلط بين عالمين مختلفين تمامًا في درجة كمالهما؛ عالم مفارق كامل منزَّه عن كل شر، وآخر مادي ناقص لا

مفر من أن يساكنه الشر: «النقص الحاصل في أفعال المخلوقات إنما مرده إلى الحرمان من الكمال، ويتولد عن محدودية أصلية تتسم بها المخلوقات بحكم ماهيتها... لأن ما كان منزَّهًا

عن كل حد لن يكون مخلوقًا بل خالقًا». أمّا أن نريد من هذا العالم أن يبقى على طبيعته،

ومن الإنسان أن يظل مزدوج الطبيعة (العقل والحيوانية) ومع ذلك يكون عالمنا منزَّهًا عن كل شر، فهذا عين التناقض التي تأباه مبادئ العقل البديهية: «إمّا ألا توجد هذه الأشياء التي يلحق

وجودها شر ما، فيكون ذلك أعم شرًا، وإمّ ا أن توجد بهذه الحال، إن كان لا يمكن في وجودها

أكثر من ذلك». إننا لسنا مختارين في هذا العالم الخاضع للعناية الإلهية بين عالم تام الخير وآخر ناقص، بل بين عالم أكثر شرًا وآخر أقل شرًا. ولما كان الباري تعالى منزَّهًا عن العبث، اقتضت إرادته هذا العالم

الكثير خيره والقليل شرّه؛ فلو افترضنا عالمًا خاليًا من كل شر، لكان كامل الوجود، ولكان بالتالي ندًّا

لواجب الوجود تعالى، فوجود مثل هذا العالم إذن ممتنع، وبالمقابل لا يبدو وجود الشر ممكنًا فقط، بل يبدو واجبًا أيضًا، لا بحكم الطبيعة الناقصة للإنسان والكون فحسب، بل بحكم خضوعهما للتدبير

الإلهي أيضًا. يبدو الشر غير مفهوم وغير مستساغ لو نظرنا إليه فقط من زاوية عاطفية غير عقلانية هي زاوية طموحات الإنسان وأمانيه، أو من زاوية علمية تجريبية بحتة لا تأخذ في الحسبان غائية الطبيعة، أو من زاوية أخلاقية وضعية لا تراعي إلا حرية الإرادة. ولكن عندما ندرج الكل ضمن رؤية ميتافيزيقية، تنضبط الدلالة وتزول التناقضات.

خاتمة

يظهر الشر للناس فوضويًا ومفاجئًا ومهددًا لخيراتهم، وتشكل طريقة اشتغاله لغزًا محيرًا بالنسبة

إليهم، وهو ما يُحْدث تضاربًا في تفسيراتهم، بين من يلقي بال ئاامة كلية على الإرادة الإنسانية،

معتقدًا أن الأمر يتعلق بمشكل أخلاقي لا دخل فيه لا للدين ولا للعلم، ومن يتهم الطبيعة والظروف والأحوال، ظنًّا منه أن التفسير الفيزيائي يلغي التفسير الميتافيزيقي، ومن يفوض الأمر بالكامل للإرادة الإلهية ويعفي نفسه من عناء البحث عن قوانين اشتغاله في الطبيعة والإنسان. غير أن الشيخ الرئيس ابن سينا حاول، بتفسيره طريقة اشتغاله وحدود انتشاره، أن يضفي عليه معنى متوازنًا ومتكامل، فلم ينظر إليه من زاوية أخلاقية صرف، ولا من زاوية طبيعية ضيقة، ولا من زاوية ميتافيزيقية مفارقة، بل أدمجه ضمن رؤية ميتافيزيقية شاملة، بحيث أدمج ما هو طبيعي وأخ قااي ضمن ما هو ميتافيزيقي،

(59) Leibniz, Sur l’origine , 65.

(((6 ابن رشد، ص 162 -.163

وأخذ بعين الاعتبار مسؤولية الإنسان والأسباب الطبيعية وربطهما بالإرادة الإلهية في إطار من التناغم والانسجام. لقد أراد الشيخ منا أن نأخذ بعين الاعتبار في أحكامنا الأخلاقية المعيار الميتافيزيقي المرتبط بنظرة شاملة لعالم في حركة دؤوب نحو الكمال؛ فلو اعتمد الناس على تقديراتهم الشخصية في الحكم، لكانت جميع أحكامهم نسبية ربما، ولصارت أفعالهم متضاربة ومتصادمة بصدد ما هو خير مطلوب وشر مهروب منه. والفرد الذي يقيّم الأشياء من زاوية لذته ومنفعته الشخصية فقط سيسقط حتمًا

في أحكام نسبية ظرفية؛ فالعملية الجراحية مؤذية للجسد ولكنها منقذة للحياة، والشمس الساطعة

ممتعة لسائح مزعجة لفلاح ينتظر سقوط المطر، والزلزال مهلك للزرع والنسل مفيد لاستكمال تشك ل الأرض لبنيتها الجيولوجية. أمّا عندما نضع الأشياء في إطار نظرة شاملة، يأخذ الخير والشر معناهما

الحقيقي، وهكذا، فإن العملية الجراحية والشمس الحارقة والزلزال المدمر، التي اعتبرها شخص ما شرًا خالصًا، تبدو شرًا عرضيًا، بل هي في ذاتها خيّرة، إذ إنها شر لمن تضرر منها وخير لمن حقق عبرها

كماله الذي يخصه. كما أن الشيخ جعلنا متفائلين بصدد خطورة الشر في عالم الطبيعة والإنسان معًا، لأن السير العام

للموجودات الطبيعية سير إيجابي في اتجاه الكمال والتطور، وكل حركة أو فعل ليسا ع مااة على التدهور والانحطاط والفساد كما اعتقد أف طون، بل هما على العكس من ذلك، سعي حثيث نحو كمال الخيرية، ومن شأن ذلك أن يخفف من القلق الوجودي على مصيرنا في عالم تحكمه التقنية والمصلحة وتهدده الحروب، لأن الشر رغم قبحه لا يمنع الموجودات من الارتقاء الدائم نحو الخير، كما يرى ابن سينا، ما دام واجب الوجود هو الضامن لأن يظل الخير يفيض على الموجودات، وفيضه لا يحجب عن أي منها. رغم إلحاق الأخ ق والفيزياء معًا بالميتافيزيقا، فإن ابن سينا لا يعفي الإنسان من واجبه الأخلاقي

بالسعي لاكتساب سيرة جميلة، وإعداد الشروط الكفيلة بحصول الخير وتجنب الشر. ومهمة الفرد ليست أن يكون علة فاعلة مستقلة للخير، بل أن يهيئ في الأساس الشروط لكي يفيض عليه الخير من واجب الوجود؛ فالإنسان يُعتبر في نظره العلة المهيِّئة لوجود الخير الأخ قااي، بينما يعتبر

واجب الوجود العلة الفاعلة، لأن صدور الفعل عن الفاعل واجب عند الف سفة متى حضرت جميع الشروط. لكن فلسفة الشيخ تجعلنا في الوقت نفسه نعي محدودية معركتنا ضد الشر، وتمنعنا من الإفراط في التفاؤل ومن وهْم القضاء النهائي عليه، لأنه متأصل في العالم وفي حقيقة الموجودات؛ فما دامت الموجودات

بحكم ماهيتها ممكنة، فإنها ستظل ناقصة، خصوصًا تلك التي تكون المادة أو الغريزة جزءًا مقومًا

لحقيقتها: «والممكن الوجود بذاته فليس خيرًا محضًا، فذاته بذاته تحتمل العدم، وما احتمل العدم بوجه

ما فليس من جميع جهاته بريئًا من الشر والنقص»؛ فما من موجود ممكن إلا وله جهة بها يكون ناقصًا،

(((6 ابن سينا، كتاب النجاة، ص.381

ويمكن أن تنزع به نحو الشر خصوصًا إن كان هذا النقص يهم الكمالات الضرورية، وله في المقابل

جهة بها يكون كاملً وترقى به نحو الخير. بناء عليه، سيظل الشر، أو على الأقل النقص، ملازمًا للإنسان

والطبيعة على السواء، ولا أمل في الخلاص التام بالنسبة إلى الإنسان إلا في عالم آخر بعد أن تفارق النفس البدن. لكن هل معنى هذا أن كل موجود ممكن شرير بالضرورة؟ من المؤكد أن كل ممكن ناقص، وكل نقص هو نقص في الخير، ولا يصل الخير إلى كماله إلا في واجب الوجود «وواجب الوجود بذاته خير محض». لكن لا يلزم من هذا أن الممكنات كلها في معرض الشر، لأن الشر لا يُطل ق في الحقيقة

إلا على النقص الحاصل في الكمالات الضرورية، والحال أن الجزء العلوي من العالم لم يُحرم أيًّا من

هذه الكمالات، فهو منزَّه عن الشر وإن لم يبلغ درجة الخيرية المطلقة، فكل شر هو عدم خير، ولكن ليس كل عدم للخير شر. وقد أجاب الشيخ عن المفارقة المتعلقة بوجود الشر في العالم وصِلته بالإرادة الإلهية الخيّرة؛ فهو وإن

اعتبره عارضًا وأقليًا، لم ينكر وجوده، ولم يجعل تدبيره خارج هذه الإرادة، كما ذهبت إلى ذلك الثنوية

الفارسية القديمة، لكنه عمل في الوقت ذاته على عقلنته وبيان طريقة اشتغاله، وأدمجه ضمن النظام العام للموجودات، في مقابل المذهب الأشعري الذي ربطه بالمشيئة الإلهية المطلقة. إلا أن عقلانيته لم تذهب به مع ذلك مذهب المعتزلة، الذين ذهبوا إلى حد إنكار الشرور المرتبطة بالموجودات الطبيعية، واعتبروا الكل خيرًا، حيث اعترف بهذا الشر وذهب في اتجاه البحث عن قوانين اشتغاله في

الطبيعة أيضًا. كما أنه لم يجارِهم في تفسيرهم الشرَّ البشري فقط بالإرادة المستقلة للعباد عن الباري

تعالى، ومال إلى التقصي عن أسباب ذلك في الطبيعة الغريزية للإنسان. وحاول الشيخ أن يستجيب في تناوله هذه الإشكالية لمقتضيات العقيدة الإس مااية التي تربط الكل بالإرادة الإلهية وتُرجع الخير والشر معًا إلى قضاء الله النافذ في عباده، وإلى مقتضيات العقل الفلسفي

بالبحث عن آليات اشتغال الشر. فإلى أي حد نجح في ذلك؟ وإلى أي حد ساهم في مساعدة الإنسان على فهم العالم المحيط به، وفهم جزء مظلم من ذاته وعالمه، وعلى تحقيق واجب أخلاقي بشري في انتصار الخير على الشر؟ وهل المقاربة الميتافيزيقية الناظمة التي تبنّاها تشكّل بحق تفسيرًا في

إطار الإرادة الإلهية، أم إنها مجرد تبرير لظاهرة تتحكم فيها قوانين المادة والبيولوجيا؟ هل يشك ل الشر ظاهرة أقلية وعرضية؟ أليس الألم والشر غالبين على أحوال الناس في هذا العالم؟ References

المصادر والمراجع

العربية

ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون. بيروت: دار الجيل، [د. ت.].

(((6 المصدر نفسه، ص.380

ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد. تلخيص ما بعد الطبيعة. حققه وقدم له عثمان أمين. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده،.1958 ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله. الإشارات والتنبيهات. مع شرح نصير الدين الطوسي؛ تحقيق سليمان دنيا. ج 4. ط 3. القاهرة: دار المعارف.1980.______ الرسالة العرشية في حقائق التوحيد وإثبات النبوة. تحقيق وتقديم إبراهيم ه لاا. القاهرة: جامعة الأزهر،.1988.______ كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية. تقديم ماجد فخري. بيروت: دار الآفاق الجديدة،.1985 الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. شرح الإشارات والتنبيهات. مقدمة وتصحيح علي رضا نجف زاده. ج 2. تهران: [دانشگاه تهران،.]1964.______ كتاب المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات. ج 2. طهران: مكتبة الأسدي،

.______ المطالب العالية من العلم الإلهي، ج 3: في ذكر الصفات الايجابية وهي كونه سبحانه قادرا، عالما، حيًا. تحقيق أحمد حجازي السقا. بيروت: دار الكتاب العربي،.1987 ريكور، بول. فلسفة الإرادة: الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، ط 2. الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2008 سيف الدين الآمدي، علي بن محمد. كشف التمويهات في شرح الرازي على الإشارات والتنبيهات للرئيس ابن سينا. ويليه لباب الإشارات والتنبيهات تأليف الإمام الع مااة فخر الدين الرازي؛ تحقيق وتعليق أحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2013 الطوسي، نصير الدين. شرح الإشارات والنبيهات، في: ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله. الإشارات والتنبيهات. مع شرح نصير الدين الطوسي؛ تحقيق سليمان دنيا. ج 4. ط 3. القاهرة: دار المعارف،.1980 كانط، إيمانويل. الدين في حدود مجرد العقل. نقله إلى العربية فتحي المسكيني. بيروت: جداول،

النراقي، محمد مهدي بن أبي ذر. شرح الإلهيات من كتاب الشفاء. باهتمام مهدي محقق. طهران: [مؤسسة مطالعات إسلامي دانشكاه مك كيل]،.1985 النشار، علي سامي. نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. ج 1. ط 8. القاهرة: دار المعارف،.1981

الأجنبية

Grondin, Jean. La Philosophie de la religion. 2ème éd. mise à jour. Paris: Presses universitaires de France; Beyrouth: Point Delta, 2012. (Que sais-je?: Philosophie; 3839) Leibniz, Gottfried Wilhelm. Sur l’origine radicale des choses (1697); La Cause de Dieu, défendue par sa justice, elle-même conciliée avec toutes ses autres perfections et la totalité de ses actions (1710). Introd. et commentaires par Pierre-Yves Bourdil; trad. par Martine Etrillard et Pierre-Yves Bourdil. Paris: Hatier, 1990. (Profil. Hatier, 712) Warin, François [et al.]. Les Grandes notions de la philosophie. Paris: Ellipses, 2001.