العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المؤتمر الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر

المؤتمر الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر

The Fifth Annual Conference for the Social Sciences and the Humanities: The Question of Freedom in Contemporary Arab Thought

إبراهيم القادري بوتشيش

الملخّص

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤتمره السنوي الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية بالدوحة، خلال أيام 12 – 14 آذار/ مارس 2016 لبسط النظر، والبحث والاستقصاء في موضوع "سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر"، بموازاة مع موضوع "المدينة العربية: تحديات التمدين في مجتمعات متحولة" . وسينصب مقالنا التقريري على الموضوع الأول الذي هو سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر.

Abstract

The ACRPS held the Fifth Annual Conference for the Social Sciences and the Humanities in Doha from March 12-14, 2016. This year the conference addressed two parallel themes: "The Question of Freedom in Contemporary Arab Thought" and "The Arab City: Challenges of Urbanization in Transforming Societies." This report deals with the first subject.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية
  • المدينة
  • الفكر العربي
Keywords:
  • Transforming Societies
  • City
  • Arab Thought
  • Freedom

Ibrahim al-Qadri Boutchich **

المؤتمر السنوي الخام س للعلوم الاجتماعية والإنسانية

«سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر»

الدوحة، 12 - 14 آذار/ مار س 2016

Report Of the Fifth Annual Conference on the Social Sciences and Humanities

Doha, 12 - 14 March 2016

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية في الدوحة، خ لاا أيام 12 – 14 آذار/ مارس 2016 لبسط النظر، والبحث والاستقصاء في موضوع «سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر»، في موازاة موضوع «المدينة العربية: تحديات التمدين في مجتمعات متحولة». وسينصبُّ مقالنا التقريري على الموضوع الأول الذي هو «سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر.»

بدأت أشغال المؤتمر حول سؤال الحرية بمحاضرة افتتاحية في اليوم الأول، ألقاها المفكر العربي فهمي جدعان تحت عنوان: «أسئلة الحرية هنا...الآن»، انطلق فيها من تحديدات دقيقة لمدلول مصطلح الحرية وفق المستويات الث ثااة التي حددها بول ريكور لمسألة الحرية، بدءًا من المستوى اللغوي المتداول، إلى مستوى التفكير السياسي والأخ قااي الذي هو تفكير في شروط تحقّق الحرية في الحياة العامة، وصول إلى مستوى الفلسفة التأصيلية) Philosophie fondamentale) الذي يختزل خطاب الحرية في سؤال: كيف يمكن الإنسان أن يكون خالقًا لأفعاله؟ وقد حدد المحاضر المستوى الثاني كمجال لاشتغاله، كما حدد في الوقت ذاته الأصناف التي سينأى عن معالجتها، معتبرًا إياها خارج السياقات التي يحتاج إليها الوضع

العربي الراهن، من قبيل المسائل التي شغلت الجبريين والقدريين والتفويضيين، ومسألة الرق والعبودية رغم استمرارها في الحاضر، فضلً عن الأدبيات الفلسفية والمقولات المبتذلة والمكرورة، بحسب تعبيره. وضع جدعان إصبعه على خمس أسئلة اعتبرها من قضايا «الحرية...الآن»، أو داخلة في دائرة الزمن المباشر، بحسب تعبيره، وهي الأسئلة الراهنية التي ينبغي أن يوجه إليها المفكرون العرب النظر بالقول البرهاني، وفي مقدمتها «سؤال الاستبداد». ورأى أن استبداد الدولة الوطنية العربية إرث تاريخي ترسّخ في وجدان الثقافة العربية - الإس مااية من خ لاا فقهاء السياسة الشرعية الذين استنبتوا فيها مبادئ إلزامية الطاعة، وتحريم الخروج عن الحاكم. واستمر هذا المشهد اللاجم حرية الذات العربية من عصر الخلافة إلى نهاية العثمانيين، لتنشأ بعد ذلك الدولة الوطنية العربية المسنودة إلى منظومة الاستبداد بمرجعية مدنية أو علمانية حديثة. وخلص جدعان، بعد تحليل مستفيض، إلى القول إن البحث في جذور الاستبداد لم يعد مطلوبًا، بل المطلوب هو التحرر من الروابط التي تصلنا بتاريخ الاستبداد بعد أن أدركنا أصوله ومنابعه، ثم اتخاذ موقف منه ومناهضته، لأنه يعيق تطور المجتمع العربي. في سياق متصل، طرح المحاضر السؤال الثاني، وهو «سؤال الحرية والعدالة»، وأيهما ينبغي أن يحظى بالأولوية، رافضًا مقولة الحاكم المستبد العادل التي هي توليفة كيميائية هجينة، تأسست عليها فكرة السلطة في التاريخ الإس مااي. وذهب إلى القول بأسبقية الحرية على العدالة، لأن العدل لا يتعايش مع نقيضه الاستبداد، وأن المعادلة الصحيحة تكمن في أن العدل لا ينمو ويتوهج إلا في تربة سليمة هي تربة الحرية بالذات. ثم انتقل المحاضر إلى استحضار «سؤال الحرية الدينية» الذي اعتبره سؤال ملحميًا، وناقش في هذا الصدد التراث الفقهي والفكري الإس مااي، وتطور حرية المعتقد التي وردت صريحة في كثير من النصوص القرآنية، إلا أن الاتجاه الفقهي ذهب إلى إعادة توجيهها وفق ظروف سياسية، فأفتى بالحكم على المرتدّ بالقتل، ولو أن عددًا من المفكرين المسلمين المعاصرين خالف هذا الحكم. أمّا السؤال الرابع من أسئلة الحرية التي يرى جدعان أنها من أسئلة الزمن المباشر أيضًا، فهو «سؤال حرية التعبير»، وهو سؤال ملغم ومتفجر، بحسب تعبيره، لأنه ي مااس المجال الذي يعرف أبشع مظاهر الاستبداد المتمثّلة في الم حقات والاضطهادات ولجم الحق في الرأي المخالف، تحت مبرر الدفاع عن ثوابت الدولة أو المقدس الديني أو النسق الاجتماعي. ولم يفت المحاضر التذكير في هذا الصدد بضرورة ضبط حرية التعبير، حتى لا تتحول إلى إساءات مادية أو مسّ بمشاعر الآخر ومعتقداته... وختم جدعان محاضرته بالسؤال الخامس من الأسئلة التي تتطلبها الحرية الآن، وهو «سؤال الحرية والتعددية والاعتراف»، الذي يحيل إلى سؤال حرية الهويات المهمّشة المطالبة بحقوقها. وأكد ضرورة أن تراعي الدول العربية حقوق الأقليات التي تعيش فيها.

بعد المحاضرة الافتتاحية، انطلقت جلسات المؤتمر الخاص بموضوع «سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر»، حيث توزعت خريطة الأبحاث المقدمة على عشر جلسات علمية تميزت بالتنوع والتكامل والشمول. تمحورت الجلستان الأولى والثانية حول مدلول الحرية وتطوره في الإنتاج الفكري والفلسفي المعاصر، حيث اشتغلت الأوراق البحثية في الجلسة الأولى على الحرية عند بعض المفكرين العرب المعاصرين، من أمثال راشد الغنوشي الذي كان مركز اهتمام الورقة التي قدمها علي الصالح مولى تحت عنوان: «الحرية في كتابات راشد الغنوشي: بحث في النسق والأصالة»، وهي عبارة عن قراءة نقدية مقارنة لأدبيات الغنوشي ومصادره، استخلص منها صاحبها أن رؤية الغنوشي لم تخرج عن سياق المقدمات النظرية بشأن أصل الخلق ووظيفة العمران ومسؤولية الإنسان في الإس ماا، وأنه لم يشكل بذلك قطيعة مع العقل الإص حي الأصولي، ولا مع المنظور الإخواني للحرية، وبالتالي لم يفلح في تجاوز سقف المنجز حول الحرية في الفكر التونسي، ولا حتى معارضته في حده الأدنى. اعتمادًا على منهج مقارن أيضًا، سعى شاكر الحوكي في بحثه الموسوم ب «مسألة الحرية عند راشد الغنوشي والمنصف المرزوقي» إلى عقد مقارنة بين مفهوم الحرية عند راشد الغنوشي ومواطنه المنصف المرزوقي، ليستنتج اختلافًا جوهريًا بين المفك رين، استنادًا إلى أربعة مؤشرات برزت بوضوح في أثناء وضع الدستور التونسي الجديد وانعكاساته في النقاش العام حوله، وهي المرجعيات والأطروحات المنبثقة عنها والدولة والديمقراطية؛ ففي حين متح الأول أفكاره حول الحرية من المرجعية الإخوانية وموروثها الإسلامي، نهل الثاني تصوّره لها من ثقافة التنوير العقلي، وحقوق الإنسان، ومبدأ التعددية، والتعايش بين الآراء. عالجت الورقة الثالثة، التي قدّمها نابي بوعلي في موضوع «الطبيعة التطورية لمفهوم الحرية من خلال مشروعات التراث والتجديد لحسن حنفي»، مفهوم الحرية عند هذا المفكر المصري، كنموذج للنخبة العربية المعاصرة التي بلورت رؤية فلسفية في بيئة عربية مغايرة للبيئة الغربية. فإذا كانت البيئة التي أنتجت الحرية في الغرب قد جاءت متزامنة مع قيام دولة حديثة، تمجّد الديمقراطية وتقدّس الحرية، فإن مشروع حسن حنفي- كنموذج للنخبة العربية المعاصرة - طرح فكرة الحرية في بيئة عربية متخلفة ومأزومة. ومن هنا تأتي أهمية التساؤلات التي أثارتها الورقة حول آليات ترتيب ضوابط الملاءمة بين فكر عربي تنويري معقلن وبيئة استقبال تعيش تكلسًا عقليًا وانتكاسة حضارية. أمّا الجلسة الثانية التي شكّلت الشق الثاني من تيمة الحرية وتطورها في الإنتاج الفكري الفلسفي المعاصر، فقد تم خلالها تداول ثلاث مداخلات، بدأها عبد الرزاق بلعقروز بورقة حول «حرية المفهوم الفلسفي في الفكر العربي المعاصر: بحث في شروط إمكان العقل الحر»، حاول فيها رصد الصورة المفهومية للحرية التي أنتجها الفكر العربي المعاصر كوصفة للخروج من فوضى الفعل المباشر، إلى نظام الفعل الذي تبسط فيه الذات ماهيتها، مستندًا إلى تقنيات الإنتاج المفهومي التي اشتغل بها كلٌّ من محمد أركون وطه عبد الرحمن وناصيف نصار، ومعتبرًا أن الصناعة المفهومية شرط ضروري لإنجاز الفعل الحر.

وطرح المنجي السرباجي في ورقته سؤال «ماذا يعني أن نفكر عربيًا في الحرية؟»، باعتباره سؤالً مركزيًا أجاب عنه في مداخلته بالقول إن مباشرة سؤال الحرية يقتضي منهجيًا المرور عبر ث ث مراحل: أولها الانط ق من عق نااية معيارية قادرة على تجاوز الاخت لاا الوظيفي الذي اخترق العقل السياسي العربي بمجرد ما حوِّل إلى تقنية تبرّر السلطة القائمة. وتكمن المرحلة الثانية في تحديد معالم هذه العق نااية المعيارية، بينما تتجلى المرحلة الثالثة في رصد مقومات التنظيم المؤسسي الذي يضمن مساحة واسعة من الحريات، وفي مقدمتها الحياد العقائدي والأخ قااي ضمن دولة القانون. اختُتمت هذه الجلسة بمداخلة عبد اللطيف المتدين: «الحريات الفردية في عالم متغير: الفرد ضد المجتمع»، عرض فيها للنقلة السلبية التي شهدتها الحريات في المجتمع العربي المعاصر، حيث أخذت تنفلت من دائرة قيّم الثقافة الجماعية والموروث الديني، في اتجاه الحرية الفردية اللامسؤولة. وسجلت المداخلة كيف تماهى بعض الشباب مع هذه الحرية السلبية من خ لاا الدعوات إلى الإفطار في رمضان، والشذوذ الجنسي، والدعوة إلى حرية تغيير الدين والمذهب، بتأييد من الغرب ومن منظمات المجتمع المدني التابعة له، وهو ما يطرح التساؤل حول مدى نجاعة الديمقراطية في استيعاب «طغيان» الأقلية المجتمعية التي تفرض توجهاتها على الأغلبية، ومدى الدور الذي يقوم به المشرّع لمراعاة مصلحة السلم الاجتماعي.

وجَّهت الجلسة الثالثة النظر صوب الليبرالية مرجعيةً في مقاربات الفكر العربي للحرية. وقُدّمت خلالها ثلاث ورقات بحثية، بدأت بورقة رجا بهلول في موضوع «الحرية ومعوقات الفعل: التأسيس لمفهوم ليبرالي للحرية في الفكر العربي». والملاحَظ أن هذه الورقة تصدت للدفاع عن فكرة مفادها أن تأصيل المفهوم الليبرالي للحرية في الثقافة العربية يتجلى في أساسها الميتافيزيقي الذي يعرّف الحرية بأنها تجسيد لغياب العوائق أمام الفعل، وأن الحداثة العربية منحت هذا التصور الميتافيزيقي للحرية فرصة للتعبير عن نفسه في الفلسفة السياسية العربية الحديثة والمعاصرة. أعقبت هذه المداخلة ورقة ثانية قدّمها مهند مصطفى تحت عنوان «سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة السياق العربي»، عرض الباحث من خلالها للسجال النظري والأكاديمي بشأن سياسة الاعتراف التي ولّدت حقلً معرفيًا يبحث في التعددية الثقافية بصفتها تعبيرًا عن الحرية الفردية والجماعية. وخلص إلى أن سياسة الاعتراف تهدف إلى تطوير مفهومي العدالة والحرية بما يتجاوز المفهوم الليبرالي التقليدي، ويعمل على تطويره من الداخل. أمّا الورقة الأخيرة في هذه الجلسة، فقدمتها ثناء فؤاد عبد الله حول «الحرية الليبرالية في السياق العربي»، ربطت من خ لااها الحرية في العالم العربي بلحظة النهضة العربية التي أنتجت عقلانية جديدة متماهية مع الفكر التنويري الأوروبي. وتأسيسًا على ذلك، حللت انعكاسات روح النهضة على تخليق تجليات الوعي التحرري العربي وفكرة الوطنية. واقترحت الورقة صوغ رؤية اجتهادية

لنموذج عربي لتكريس مبدأ «العدالة والحرية والمساواة» في التطبيق السياسي العربي، خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي جعلت من الحرية الهدف الأساسي.

تحوّل اتجاه البحث في سؤال الحرية في الجلسة الرابعة إلى الوقوف على الحرية في البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية العربية، وقدمت خلالها ثلاث أوراق، بدأت بورقة أثارها جواد رضواني تحت عنوان: «هل يمكن الحديث عن حرية فكرية عربية في إطار وجود ثقافة عربية حتمية؟». وقد اقترحت الورقة داخل هذا السؤال المركزي إعادة طرح سؤال مفهوم الحرية إلى الواجهة، والأخذ بعين الاعتبار «البُعد الثقافي» مكونًا أو إطارًا عامًا يحدد فهم الفرد والجماعة لمعنى الحرية. وبناء على ذلك، يمكن رؤية الحرية والثقافة في العالم العربي من باب حدودهما وإمكاناتهما، انطلاقًا من استحضار الماضي وتحليل الراهن وتصور المستقبل. أمّا الورقة الثانية التي أعدّها إبراهيم القادري بوتشيش في موضوع «حرية المرأة بالمغرب في ضوء الجدل والتدافع بين المرجعية الإس مااية والمواثيق الدولية»، فقد عالجت موضوعًا راهنيًا أحدث انقسامًا في الرأي العام المغربي حول حرية المرأة، وخلّف نقاشًا واسعًا بعد صدور مسودة مشروع «الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية»، وهو مشروع رأى الباحث أنه شك ل متنًا خطابيًا طرح الحرية النسائية في المغرب بكثير من الجرأة حين اقتبس مطالبه بشأن تحسين وضعية المرأة من قاموس المواثيق الدولية ومن مفردات الحرية الليبرالية، وهو ما أثار صدامًا بين التيار الإس مااي والتيار الحداثي في المغرب، وصل إلى حد التفسيق والاتهام بالعمالة للأجنبي، وتنظيم المسيرات والمسيرات المضادة، وظهور كتابات يدافع بها كل طرف عن صحة مرجعياته في قراءته لحرية المرأة. ختم هذه الجلسة عبد الله محمد الجسمي بمداخلة عن «الحرية والثقافة»، دافع فيها عن فكرة أن الحرية تتحدد من خ لاا الثقافة السائدة في أي مجتمع. وأبرز في تحليله أن الحرية قيمة وسلوك، وأنها تعتمل ضمن ثقافة أو ثقافات محددة. وحلّل بعد ذلك السمات الثقافية التي يمكن أن تحتضن الحرية، ومنها غياب المسلّمات والبديهيات الفكرية، وعدم احتكار الحقيقة، فضل عن نسبية المعرفة واستقلاليتها، واحتكامها للواقع.

تميّز اليوم الثاني من أشغال المؤتمر بمحاضرة افتتاحية ألقاها المفكر العربي عزمي بشارة حول الحرية في الفكر العربي. وقد رامت هذه المحاضرة الإجابة عن أسئلة الزمن العربي الآني، وتحضير خطاطة لاستيعاب الحرية وتطبيقاتها في الواقع العربي. في هذا السياق أورد المحاضر النقاشات الفلسفية في شأن موضوع الحرية، مبيّنًا أن الحرية ليست معطى طبيعيًا، وأن الإنسان رغم ولادته حرًّا من العبودية، فإنه لا يولد حرًّا فكريًا وجسديًا وإراديًا.

لإعطاء القرائن على صحة مقولته، قام المحاضر بحفريات تاريخية حول الحرية في الفكر القديم، والفكر الغربي والنيوليبرالي الحديث، والفكر النهضوي العربي المعاصر. وخلص، استنادًا إلى منظور نقدي نقاشي، إلى القول إن الحرية لم تؤسس بالمعنى الأنطولوجي ولا الكوزمولوجي، بل كانت تمثّلً للوعي والممارسة الإنسانية، وإنها - في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية - ل مفهومًا لم تشكّ، لأن المفهوم وفق ما هو متعارف عليه علميًا، يقدّم للباحث آلية تحليلية لفهم الظواهر، وهو ما لا يقوى عليه مفهوم الحرية. رغم اهتمام المحاضر بالمقاربة الفلسفية للحرية، فإنه لم يعتبر ذلك لبّ الإشكالية، بل شدّد على أنه ينبغي للفكر العربي أن يفحص ويشخّص المسائل المرتبطة بالحريات في الواقع العربي، وضمنها قمع الأنظمة العربية للحريات العامة. ومن ثمّ لا يمكن تعليق الفشل على مشجب مفكري عصر النهضة العربية، بل ينبغي مواجهة استبداد الأنظمة الحالية، وتأسيس نظام ديموقراطي يحمي الحريات، ويحصّن المجتمعات العربية من أي انفلات أو فوضى تنتج أنظمة استبدادية جديدة. من الأسئلة المهمة التي طرحها عزمي بشارة في سياق المتغيرات العربية الراهنة، سؤال المفاضلة بين الاستقرار وضمان الحياة في ظل الاستبداد، أو اختيار الحرية رغم ما تطرحه من تحديات، فهو يرى أن هذه المفاضلة وهمية، لأن من يعارض الحريات المدنية والسياسية لا يذهب إلى تأييد الظلم والاستبداد، إنما يحاول أن يقابل الحرية بقيمة أخرى من قبيل «الوطنية»، ويوجّه التهمة إلى الحريات المدنية والسياسية بأنها مؤامرة خارجية. ولا تطرح المفاضلة بين قيمة الحرية وقيمة الحياة عند عزمي بشارة إلا حين يصبح مطلب الحريات باهظًا، أو يبلغ أحيانًا ذروة الحرب الأهلية والفوضى. بيد أن للظلم وزنًا ثقيلً على البشر، أكثر من وزن الحياة والاستقرار على المدى البعيد، كما ذهب إلى ذلك المحاضر. من الأسئلة الجوهرية التي أثارتها المحاضرة أيضًا، سؤال العلاقة بين الحريات الشخصية والحريات المدنية والسياسية: فهل يمكن قبول حكم طاغية يجهض الحريات المدنية والسياسية، في مقابل ضمان الحريات الشخصية؟ يرى بشارة أنه لا يصح أي شكل من أشكال المساومة حول قضايا الحرية المتسمة بالشمولية والتكامل. بعد هذه المحاضرة النوعية، تواصلت جلسات اليوم الثاني من المؤتمر بالجلسة الخامسة التي تحوّل الاهتمام فيها إلى تيمة الحرية الدينية وحرية المعتقد، وفيها قدّم معتز الخطيب ورقته في موضوع «الحرية الدينية وقتل المرتد: مدخل لإعادة التفكير في الاجتهاد الفقهي». وقد أبرزت هذه الورقة صورة مفصّلة عن النقاشات المختلفة حول الحرية الدينية والإكراه على الدين في المرحلة الكلاسيكية والمرحلة المعاصرة. كما ألقت الضوء على أبعاد الجدل وقيمة الحرية الدينية، والأسس التي استند إليها القول بأخلاقية الإكراه الديني أو عدم أخلاقيته، وركّ زت على نموذج حكم المرتد لرصد حدود مساحة الحرية الدينية في العالم الإس مااي، والاجتهادات الفقهية التي قدمت في هذا الموضوع.

أثارت ورقة سعيد أقيور، «حرية المعتقد في العالم العربي من السجال الفكري إلى التنزيل الدستوري»، إشكالية الحرية الدينية في النسق الفكري والسياسي العربي التقليدي الذي دخل زمن الحداثة، فانبرت مع هذا التحول تيارات أيديولوجية تقارب الحرية الدينية بمقاربات مختلفة، أهمها التيار الديني والعلماني. ورغم أن الوثيقة الدستورية العربية رامت التوليف بين البُعدين الديني والمدني بخصوص حرية المعتقد، فإنها لا تزال تثير مجموعة من السجالات الفكرية والتأويلات المتباينة لنصوصها. وختمت محاسن عبد الجليل هذه الجلسة بورقتها البحثية «الحرية في التمثلّات الاجتماعية بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية»، سعت من خلالها إلى إبراز دور الثقافة الشعبية ومساهمتها إلى جانب الثقافة العالمة في تأسيس خطاب الحرية. وقد استندت لتأكيد فرضيتها إلى حالتين تتمثلّان في حالة إعدام الحلاج، ثم اتهام المفكر السوداني محمود محمد طه بالردة والحكم عليه بالإعدام، لتستنتج أن التلاحم أو التضاد بين التمثلّات الشعبية والعالمة يساهم في إثراء حقل التمثلّات الاجتماعية حول الحرية الدينية.

تمحورت الجلسة السادسة من أشغال المؤتمر حول موضوع «الحرية في سياق سؤال الحداثة والنهضة»، قدمت فيها ث ث أوراق: نبّهت ورقة عبد الوهاب الأفندي، «ثمن الحرية: اقتصاديات الحرية والتحرر في صراعات الحداثة العربية»، إلى إشكالية الفهم الخاطئ بشأن وجود حرية فردية في الفكر الليبرالي خارج سياق الضبط، وبيّنت أن مفهوم الحرية الفردية لا وجود له بمعزل عن منظومة اجتماعية، وأن الحرية كونية وليست حكرًا على الغرب. وقدّمت مقترحًا حول «اقتصادية الحرية» في الفضاء العربي، تعكس صورة نقدية لما طرحه البعض حول ضرورة وجود «ليبرالية إسلامية» قد تساهم في حل معضلة الحرية الاقتصادية. تناولت الورقة الثانية «شريعة الحياة: الحرية والتمدّن الجديد في التجربة النهضوية» التي قدمها سامر عكاش، محاولة لتأكيد فرضيتين أساسيتين: أولاهما أن سؤال غياب الحرية في العالم العربي اليوم هو سؤال عن إخفاق المشروع النهضوي العربي في تحقيق أحلامه التنويرية. و ثانيتهما أن سؤال الحرية هو في جوهره سؤال فلسفي كوزمولوجي يخص الإنسان مع الخالق، وليس سؤال إص حيًا، وأن هذا السؤال حُلّت عقدته في الغرب تأسيسًا على ثورة علمية، قبل أن يصبح عقدة إصلاحية خاضعة لصلاحيات الجمهور الفرنسي وثوراته الشعبية. وبناء على ذلك اقترحت الورقة تأسيس مفهوم الحرية في ارتباطه بمفهوم «التمدن الجديد» وتجلياته المختلفة. أمّ ا الورقة الثالثة التي قدّمها عبد الرحيم الع ماا تحت عنوان «التأسيس للحرية من خ لاا كشف نقائضها»، فقد تبنّت مقاربات لابويسي والكواكبي نماذج اعتبرها الباحث آليات للبحث عن الحرية من الداخل، أي من خ لاا الوقوف على نقائضها. واستخلص أن الحافز للاستئناس بفكر الرجلين يتصل بسؤال التغيير والمساحات التي يتيحها في مختلف الأزمنة التاريخية والبيئات السياسية التي تختلف فيها درجات قابلية شعوبها للاستعباد.

أثيرت في الجلسة السابعة ع قااة الحرية بالمشروعية السياسية والتحرر الوطني من خ لاا ث ث مداخلات، استُهلت بمداخلة محمد الحاج محمد في موضوع «دلالة مقصد الحرية على المشروعية السياسية في الإس ماا». وقد أوضحت الورقة أن علم مقاصد الشريعة وعلم مصطلح الحديث هما الآليتان اللتان تعكسان حرص الشريعة الإس مااية على تحصين الحرية الفعلية لجمهور الناس عبر منظومة عقدية تلزم المكلفين بالتفكير، ومنظومة تشريعية تحث المكلفين على تصحيح إرادتهم باتجاه مقاصد الدين وقيمه الخلقية العليا. وفي سياق ع قااة الحرية بالتحرر الوطني، نبّهت ورقة سامية إدريس «خطاب الحرية والتحرر في السياق الكولونيالي: حالة الجزائر» إلى ضرورة إدراك السياق الكولونيالي الذي ولدت مفاهيم الحرية من رحمه؛ فخطابات الحركة الوطنية الجزائرية المناهضة للاستعمار الفرنسي تواترت فيها مفردات الحرية والتحرر والاستقلال بدلالات مختلفة، بعضها مستوحى من الإس ماا، وبعضها مستوحى من النهضة العربية أو من قيم الثورة الفرنسية، وهو ما يستدعي مجموعة من التساؤلات، أبرزها يتجسد في فهم كيفية تفعيل تلك المفاهيم ضمن الخطاب القومي التحرري في الجزائر. واختُتمت هذه الجلسة بمداخلة تحت عنوان «الدستورانية المغربية في العقد الأول من القرن العشرين وإشكال الفصل بين السلط» قدّمها خالد العسري من خلال مقاربة تاريخية بصدد أول محاولة لتأسيس دستور في المغرب قبل الحماية. وقد استنتج الباحث أن الشروط التاريخية لأول محاولة دستورانية مغربية لم تكن قد نضجت بعدُ، وأن الحرية لم تكن لتتحقق إلا من خ لاا بنية دستورية تقوم على أهداف رباعية تتجسد في تقوية الدولة ضد التحرشات الاستعمارية، والحد من السلطوية المخزنية، وتفكيك ارتباط الدولة بالقبيلة، وتضمين الحقوق في الوثائق الدستورية.

انتقلت الجلسة الثامنة من أشغال المؤتمر إلى دراسة الحرية في علاقتها بالإنتاج الفكري والإبداعي في الفضاء الإلكتروني والافتراضي. في هذا المنحى، عالجت ورقة محمد مريني موضوع «الحرية وسياسات الرقابة على وسائط الاتصال في الفكر العربي الحديث» من زاويتين: أولاهما تتعلق بمجريات التحولات الحالية في الوطن العربي التي أثبتت صحة قاعدة أن من يمتلك زمام وسائط الاتصال و«الرقابة»، يملك مفاتيح التغيير، في حين أن الزاوية الثانية تتخذ بُعدًا عالميًا تجسده مقولة آل غور بأن وسائط الاتصال تُعَدّ أحد المحركات الستة للتغيير العالمي، وهو ما ينطبق على العالم العربي، في المشهد الذي عبّر عنه الباحث بتطبيق «المصفاة» على وسائل الإعلام، و«الرقابة الذاتية» على الشبكة المعلوماتية. في موازاة علاقة الحرية بالمجال الافتراضي، سعى عبد الحق هقي من خ لاا ورقته البحثية، «على جدار الوطن: التغريد بالحرية: تجليات الحرية في الإبداع التفاعلي»، إلى الإجابة عن كيفية تناول «الأدب التفاعلي» موضوعات الحرية وشروطها لدى المبدع والمتلقي في العالم الافتراضي، ليصل إلى الاستنتاج القائل إن الأدب التفاعلي استطاع أن يكسر القوالب الأجناسية التقليدية، واختراق

التابوهات، والتحرر من قيود اللغة وسطوة التراث، ولكنه لم يفلح – مضمونًا - في الانفتاح على الوعي بالحرية تناولً وممارسة. واختُتمت هذه الجلسة «الافتراضية» بورقة «الحريات والإنترنيت وسياط التشريعات» التي قدمها جوهر الجاموسي، وفيها طرح – في أفق توسيع وتنظيم الحريات - إشكالية بناء تشريع قانوني خاص بالتواصل الإلكتروني، والحد من الجريمة الإلكترونية بهدف تحقيق مشروع ثلاثية «الحريات والإنترنيت والتشريعات» في المجتمعات العربية، منبّهًا إلى ضرورة التحرز من تحوّل هذا التشريع القانوني المنظّم للتواصل الإلكتروني إلى سوط يجلد الحريات.

مع الجلسة التاسعة، تحوّل اهتمام المؤتمرين نحو علاقة الحرية بالتنمية والرفاه والعدالة الاجتماعية، حيث قُدّمت ثلاث أوراق بحثية، استهلها محمد أوريا بورقة حول «الحرية في إطار العدالة الاجتماعية كإنصاف: هل المنظور الرولزي صالح للفكر والممارسة؟»، وفيها طرح إشكالية اللَّبس الذي يلفّ مفهوم الحرية في الوطن العربي، عكس نظيره في الفكر الغربي الذي تمّ تنزيله للواقع، كما أنه تبنّى مقولات رولز نموذجًا لذلك. ومن ثم ذهب الباحث إلى أن الحريات الأساسية ال زاامة لاستقرار المجتمع في الفكر الرولزي، يمكن أن تُتَّخذ معيارًا للحكم على قدرة المجتمع على قبول الاختلافات من خلال عدالة اجتماعية. في الورقة الثانية التي قدمها إبراهيم المرشيد حول «الحرية السياسية والحرية الاقتصادية والرفاه في العالم العربي: تحليل على منوال الع قااات السببية»، ذهب الباحث إلى تأصيل نوعية الع قااة بين الحرية السياسية والاقتصادية والرفاه الاجتماعي في الوطن العربي وتحليل أبعادها، موظفًا في ذلك مقاربة «غرانجر» لتحديد اتجاهات السببية في إطار نموذج متجانس للبيانات المجمّعة، واستخلص أن الرفاهية الاقتصادية والحرية الاقتصادية في العالم العربي مترابطتان، على عكس العلاقة بين الرفاهية الاقتصادية والحرية السياسية والحرية الاقتصادية التي تنعدم فيها السببية. واختُتمت هذه الجلسة بورقة بحثية لخباب النعمان تحت عنوان «التنمية حرية: دراسة في تنازع نماذج الحداثة الآسيوية والغربية وظلالها على الراهن العربي في حقبة ما بعد الثورات»، وهي ورقة سعت لفتح نقاش حول مقاربة أمارتيا سِن بشأن العلاقة بين الحرية والتنمية، وما إذا كان العالم العربي في حاجة إلى إنتاج حداثة تنهل من التجربة الغربية، أم تستفيد من النقاش الجاري حول القيم الآسيوية. وانتهت الورقة إلى خلاصات مركزية، أهمها أن نموذج التنمية المفترضة للعالم العربي الإسلامي يقوم على إعلاء روح التحديث على التغريب، على عكس الحالة الآسيوية التي تمتح من القيم الغربية مثابة ورشدًا.

اختُتمت أشغال جلسات سؤال الحرية بالجلسة العاشرة التي اتخذت تيمة أزمة فكر الحرية في البلاد العربية قضية مركزية على مائدة البحث، وتم خلالها تقديم ث ث أوراق بحثية، استهلّها فريدريك

معتوق بمداخلة حملت عنوان «العصبيات آكلة الحريات السياسية»، طرح فيها إشكالية الحرية في علاقتها بمقولة العصبية التي وجدت بيئة ملائمة في الحياة السياسية واليومية للمواطن العربي، وساهمت في إحداث صدام مع منظومة الحرية. واستنتج من خلالها استنتج أن «الاستنفار العصباني» - بحسب تعبيره - يؤدي إلى تعطيل الوعي بالحرية، وإلى انعدام التكامل مع الآخر، وهو ما يشكل تهديدًا لمطالب الحرية العمومي. تلت هذه الورقةَ مداخلةُ شمس الدين الكيلاني بشأن «جدل الحرية والمساواة في ميزان فكر النهضة العربية»، وقدّم فيها قراءة تاريخية لمفهوم الحرية في الفكر النهضوي العربي، حيث ارتبط مفهوم الحرية بالمساواة عند الجيل الأول من رواد النهضة العربية، مباشرة بعد «صدمة» وعيهم بتفوق الغرب وتخلّف العرب، فاتخذوا استراتيجيا دفاعية تقوم على الاقتباس من الحرية الغربية بما لا يتعارض مع القيم الإسلامية، بينما أضاف الجيل الثاني، الذي تعرّف عن كثب إلى المدنيّة الغربية، قيم الحداثة إلى جانب الحرية والمساواة، معتبرًا استنساخ التجربة الغربية نموذجًا لتحقيق النهضة والتقدم. اختُتمت الجلسة العاشرة بورقة أحمد مفلح في موضوع «غياب الحرية في ‹عالم الفكر› العربي». وقد انصبت هذه الورقة حول سؤال: هل الحرية موضوع مفك ر فيه بما فيه الكفاية من الناحية الفكرية؟ ول جإإابة عن ذلك، انطلقت الورقة من دراسة تحليلية لمجلة عالم الفكر الكويتية، مستندة إلى إحصاءات تبيّن من خلالها أن موضوع الحرية لم يطرق في أعداد المجلة المذكورة إلا بنسبة 1 في المئة من مجموع الأبحاث المنشورة فيها، وأن ثمانية أبحاث فقط من هذه النسبة هي التي استقصت بعمق تيمة الحرية، وهو ما يعكس واقعًا عربيًا مأزومًا يتحدث كثيرًا عن الحرية، ولكنه يزهد في الكتابة حولها.

الجدير بالتنويه أن جلّ جلسات المؤتمر كانت تعقبها مناقشات علمية رصينة، ساهمت في إثراء الأفكار وتعميقها، أو اقتراح مراجعات أو مسارات فكرية جديدة، وهو ما شك ل بحق واجهة ثانية لتألق المؤتمر، وتوليده أسئلة جديدة، وورشًا فكرية قابلة للبحث والتنقيب. ومن خ لاا قراءة فاحصة لهذه الجلسات العلمية، يمكن تسجيل مجموعة من الانطباعات أختزلها، بسبب ضيق المجال، بما يلي: - إن سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر الذي طرحه المؤتمر الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية لا يكتسي أهميته من قيمته الإبستيمولوجية فحسب، بل أيضًا من حضوره المكثف في متون الفكر العربي المعاصر، وارتباطه بوجودية الإنسان، وقيمة ككائن اجتماعي، ناهيك عن راهنية الموضوع، وتجسيده إحدى الع مااات البارزة في ثالوث احتجاجات الربيع العربي المتجسدة في شعار: «خبز- حرية- كرامة.» - يتبيّن متابع سؤال الحرية ما يعتريه من محدودية وابتسار وندرة، إن لم نقُل ما يعتريه من نقص مهول على مستوى التراكم المنجز كما أكدت ذلك إحدى المداخلات المدعمة بالإحصاءات. وبالتالي، فإن

سؤال الحرية لا يحتاج إلى تراكم بحثي نوعي يسدّ الفراغ الذي ينوء تحت وطأته فحسب، بل يحتاج إلى تحيين Actualisation)) مستمر، نظرًا إلى تسارع الأحداث المفاجئة التي تفرض إعادة ترسيم مفهوم الحرية باستمرار، واستنباط خيوط جديدة مركّبة، وسبك أسئلة مفتوحة على جميع الاحتمالات والعوالم الممكنة، وفق معايير علمية دقيقة ومقاييس موضوعية رصينة. - أتاح هذا الملتقى العلمي المتميز للباحثين والأكاديميين فرصة للنبش في ملف الحرية من جديد، وإعادة قراءته وفهمه في ضوء المتغيرات الثقافية، والتحولات السياسية التي يشهدها عالم متعولم، ومن مواقع ورؤى متعددة، وبمقاربات وأدوات منهجية متكاملة، ناهيك عن إثارته أسئلة لم تُسبر أغوارها بشكل عميق ودقيق من قبل، وما قدّم من إجابات حول سؤال الحرية، يمكن أن يفتح ورشًا بحثية جديدة ويجعله سؤالً متجددًا ومفتوحًا. - اتسمت أوراق المؤتمر بالتنوع والتكامل، وأحسب أنها وضعت سؤال الحرية على محك الدرس والفحص والمراجعة انط قااًا من مقاربات فلسفية ودينية وقانونية وتاريخية، مع تفكيك وتحليل للبيئات الثقافية والاجتماعية العربية المستقبلة للحرية، ورصد دقيق لتمثلّاتها في عصر النهضة، ومسح لتاريخيتها ومساراتها الأساسية، ناهيك عن فحص دقيق للمحلي والوافد من تمظهراتها المتنوعة، وسبر لخطوط تماسها مع ثالوث الحداثة والدين والمجتمع. - لا نبالغ في القول إن أبحاث المؤتمر تمكنت من استكشاف جزء من مضمرات سؤال الحرية، وهو الجزء الخفي الذي لا يظهر على السطح من خ لاا طرق مجموعة من التابوهات والقضايا غير المفكَّر فيها، وتجاوز مساحات المألوف، ومحاولة إيقاظ القضايا «النائمة» ذات الصلة بالحرية. كما أنها اتسمت بالتنوع والثراء اللذين أفرزا هذه الجلسات التي كانت صاخبة في مناقشاتها، مفيدة في نتائجها، دسمة في أفكارها وتوجهاتها، الأمر الذي جعلها تقدِّم حصيلة علمية محترمة، امتدت عبر مساحات معرفية متباينة ومتشعبة، واستندت إلى النصوص الكلاسيكية والمتن الفلسفي الحديث، والسياق الاقتصادي والقانوني المؤطر، وأرشيفات التاريخ الحاضر (présent du L’histoire)، وكلها حقول معرفية نحسب أنها تحفّز على إيجاد مخارج فكرية، وتصورات واقعية تستشرف المستقبل، للانتقال بالمجتمع العربي من مجتمع الاستبداد إلى مجتمع يحترم الحرية ويدرك قيمتها. - رغم تنويهنا بأهمية الأوراق المقدمة في المؤتمر، فقد طغت على بعضها الفرضيات أكثر من توجهها نحو صوغ نتائج دقيقة، وأسئلة إبداعية جديرة بالدرس مستقبل. كما أن بقدر ما كانت بعض الأوراق غنية بالمفاهيم، كانت تقنياتها ومناهجها تفتقر إلى الوضوح والتطبيق، وتماهت مع الإسقاطات المفاهيمية، والتنميط المغلق لبعض المفاهيم الفوقية التنظيرية. - ومن القضايا التي أحسب أن أوراق المؤتمر لم تعمل على إشباعها، ندرة الأبحاث بشأن الحرية في صيغة المؤنث؛ فرغم أن المرأة تعدّ أكثر الضحايا تعرضًا للاستبداد وانعدام الحرية، فإن الموضوع لم ينل حظه الكافي في جلسات المؤتمر.