الصحافة والحداثة والتمدّن الجديد العرب والغرب في القرن التاسع عشر
Journalism and New Urbanity in the Arab World:
الملخّص
من المتفق عليه أن البداية الفعلية لظهور الصحافة العربية وتطورها كانت بعد الاحتكاك العربي – الغربي، وبالتحديد الاحتكاك العربي – الفرنسي. كما اتفق الباحثون والمؤرخون على أن تلك الصحافة كانت من مظاهر ما سمّوه "التمدّن الجديد"، و ذلك السبب الذي ساعد على قيام النهضة العربية الحديثة. لكن هل كانت تلك البداية ثمرة غزو استعماريٍّ محض وهجوم ثقافي صريح من دون أن يكون للعرب فيها كل الرضا والتسليم لذلك التفاعل الحضاري ورغبة على الانفتاح على العالم الغربي؟ وهل كانت بداية ذلك التمدن الجديد فقط بإرادة خارجية قسرية، أم أنها كانت نتيحة رغبة محلية في التحديث وكانت في طريقها إلى النضج؟ ربما تختلف التأويلات والتفسيرات وتتباين معها التحليلات والتوجهات في علاقة الغرب بالعرب، خصوصًا بعد غزو نابليون مصر. ولعلنا نجد هذا جليًا في كثير من كتابات الكتّاب العرب التي كان واحدًا من أكثرها تأثيرًا كتاب الاستشراق ، لإدوارد سعيد. نطمح من خلال هذا السرد إعطاء القارئ نظرة تاريخية تحليلية مغايرة لتلك الصورة النمطية الغربية التي تشكّلت في أذهان أهل الشرق، ولا سيما بعد رؤيتهم الانبهارية للتقدّم والتطور الغربي، والنظر إلى الحداثة الغربية بنظرة مختلفة، من خلال التمييز بين نوعي تلك الحداثة، وعدم وضع الجميع في مركب واحد، وتقصّي الدور الجوهري لرواد الحداثة الذين كانوا من أشد المتحمسين للتشارك مع الأفكار الغربية، فاستقبلوها بأذرع مفتوحة على الرغم من الأجندة الاستعمارية. توجّهت أقلام المثقف العربي التنويري لخوض حملة من أجل الوصول إلى التقدّم العلمي والتحضر الحديث. تركز هذه الدراسة على الدور الذي أدته الصحافة العربية، في التحولات الحداثية في القرن التاسع عشر نتيجة للتفاعلات العربية والأوروبية، ودورها في تعزيز الفكر الغربي في "التمدن الجديد" في العالم العربي وسط تلك الإمكانات المحدودة لمجتمعاتهم في الأفق والرؤية، والنظر إلى الصحافة من زاوية "التمدّن الجديد".
Abstract
Abstract: It has been commonplace among Arab scholars to look at the relationship with the West, since Napoleon’s invasion of Egypt, as being a continuous struggle against hegemony and colonial interests. In his most influential book, Orientalism , Edward Said provided the foundations and theoretical tools for this prevailing mode of thinking. This dominating trend, however, has obliterated the fact that in the nineteenth century many Arab intellectuals as well as the majority of the public have embraced the West despite their colonial agenda. This paper focuses on the emergence of Arab journalism, as an outcome of the Arab-European interactions, and its agency in the promotion of Western thinking and modern urbanity in the Arab world.
- التمدن
- النهضة
- عرب
- أوروبا
- الحداثة
- Renaissance
- Nahda
- 19th century
- Urbanity
- Modernity
- Journalism
العرب والغرب في القرن التاسع عشر
A View of the Nineteenth Century
تنبّه رواد الحركة الإص حية من المفكرين العرب في المجتمع العربي إلى مسألة الحداثة الغربية، حداثة «عصر الأنوار»، فرحبوا بها وبذلوا جهودهم كلها لاستنباتها على الأرض العربية؛ تلك الحداثة التي أضحت حداثة كونية، ولن تلغي بمجيئها الجوانب المضيئة من الحضارة العربية الإسلامية، وبما أن قيام الدولة المدنية العصرية كان الحلم الذي طالما تمنت النخب الفكرية تحققه، باعتباره البداية لمنعطف تاريخي يعلن قيام عصر جديد. ولئن سبق لنا أن تكلمنا على بدايات ونشوء الصحافة العربية1، ف بد أن يكون للحديث بقية، محاولين تتبّع الإشكالية الشائعة التي ترددت بشأن مفهوم حداثة «عصر الأنوار» من سوءٍ في فهم هذا المفهوم في عالمنا العربي، وارتباط مضمونه عند بعض الناس بأنه التخلي عن الدين والقيم والمعتقدات. سنحاول عبر هذه الدراسة تسليط الضوء، خروجًا على المألوف، على صورة أوروبا التي ورثناها، والتذرع العربي الدائم بالمظالم التي يعانيها بسبب الغرب والحداثة معًا، محاولين إعادة النظر للاستفادة من ذلك التفوق وتلك الحداثة من منظور الإفادة من التقدم والتفوق الغربيَّين، لا النفور من الغازي المحتل، والاستفادة من تجربة الغرب في وصوله إلى هذا التطور، وهو الذي عاش سالفًا، ولقرون عدّة، مرحلة تحوّل أوصلته إلى هذا التفوق؛ ذلك التحوّل الذي أدركه النهضويون العرب في القرن التاسع عشر فحاولوا اللحاق بركب التقدّم الغربي بمجالاته العلمية والفنية والتقنية. بيد أنهم لم ينبهروا بالغرب إلى درجة السذاجة السطحية والاستغراب الخارق، بل تنبهوا إلى نواحي تقدمه ماديًا وتقنيًا وعلميًا وثقافيًا وفنيًا، ف عيب في نقل التجارب والعلوم والاستفادة من معارف الآخر. ستتناول هذه الدراسة الجانب المهم من دور الصحافة في نشرها مفهوم التمدّن الجديد من جهة، وتوضيح دورها الترويجي للنمط الجديد من العلم والمعرفة والحياة الاجتماعية من جهة أخرى. وإذا كان تاريخ نشوء الصحافة العربية قد حظي باهتمام واسع بين الباحثين العرب والأجانب، كما أن الدراسات المتوافرة عن الموضوع كثيرة2، فإن الاهتمام بع قااة الصحافة بمفهومَي
«الحداثة» و«التمدّن الجديد»، كما انتشر في أدبيات تلك الحقبة، بقي محدودًا3، وذلك ليساعدنا في فهم إشكاليات تجربة التحديث، وتصويب بعض التصورات الخاطئة التي لم تقتصر على الغرب، وإنما شملت العرب أيضًا، والتي غيّرت المجتمع تغييرًا جذريًا، ونقلته من حاله القديمة إلى حاله الحديثة.
بدايات «التمدّن الجديد» في السياق التاريخي
قبل الشروع في الحديث عن النهضة الإصلاحية في القرن التاسع عشر وإشكالياتها، علينا أن نضع هذا الوعي بجوانب النهضة ضمن سياقه التاريخي؛ فالعلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي لازمتها صفة الغازي والمحتل تاريخيًا، لكن لا نستطيع مع ذلك إغفال أن الحقبة العثمانية كانت المحطة المهمة في تاريخ العلاقات بين العالمين الأوروبي والعربي، حيث تمتّع الجانبان فيها بظل من أجواء الثقة المتبادلة وبقدر من العلاقات الدبلوماسية الوديّة والأنشطة التجارية في فترات وأمكنة متعددة. شكّل القرن التاسع عشر فترة مفصلية في التاريخ العربي تزايدت فيها الضغوط على الدولة العثمانية من جهة، بينما كانت الجيوش الأوروبية تقوم بالانتشار الميداني على الرقعة العربية من جهة أخرى. إلا أن تعرّض العالم الإسلامي للاحتلال الغربي جدّد صفة المستعمر، خصوصًا بعد الحملة النابليونية على الشواطئ العربية، وهو ما أدّى إلى تشابك ثقافي في العالم العربي، تشكّلت معه تلك العلاقة الإشكالية الملتبسة التي وقف منها المثقفون العرب موقف المفتون بالعلوم والتكنولوجيا الغربية، محاولين التعمق في أفكار الغرب السياسية والحداثة المدنية والعسكرية، وفي النظام الصحي والتعليمي. غير أن ذلك الموقف العربي الغربي شكّل مأزقًا وانقسامًا لدى أولئك المثقفين؛ فكل فئة نخبوية منهم تعاملت مع الانخراط العربي في التمدن الأوروبي بأسلوب مغاير، فمنها من أيّد في كتاباته فكرة الحداثة الأوروبية، معوّلً على تلك الحداثة وتقليد الغرب لتحقيق التقدم، بينما وقف آخرون موقف المعارض المدافع عن الماضي والثقافة العربية، فوجدوا في أوروبا العدو المسيطّر المحطّم للوحدة التاريخية والهوية العربية، في حين كان هناك من حاول تركيز جميع جهوده للفصل بين فكرة المستعمر والاستفادة من ذلك النموذج الحضاري الغربي لإحراز التقدّم العربي. هذا الجدل الفكري بين النخبويين العرب بدأت معالمه تتشكل في القرن التاسع عشر، وإن كان ضبابيًا أحيانًا، حيث لم تبدُ معالم فكرية بارزة، ولا هوية ثقافية واضحة، فتأسس معها اخت ف في التوجهات والرؤى أدى إلى ظهور ذلك الجدل الثنائي الذي قادته مجموعات حملت راية التقليد، بينما حملت مجموعات أخرى راية الحداثة والتجديد.
مفهوم «التمدّن الجديد»
شغل مفهوم «التمدّن الجديد» اهتمام مثقفي اليقظة العربية، وساهم كثيرون منهم بتعريفه وتحديد معناه. وتبين لنا مراجعة بسيطة لأدبيات القرن التاسع عشر، من كتب وصحف ودوريات، أن مفهوم
التمدّن الجديد وممارسته كانا الشغل الشاغل لمفكري تلك الحقبة، وتجلّى ذلك في محاولات حثيثة للتحرر من قيود مجتمع التمدّن القديم. من المناسب أن نشير أولً إلى المقصود بمفهوم «التمدّن الجديد» لدى مفكري تلك الحقبة؛ فقد طرح [أحمد] فارس الشدياق (887-1804 1) في كتابه كنز الرغائب في منتخبات الجوائب أن لفظ «التمدّن» مأخوذ من «المدينة»، ولفظة «المدينة» مشتقّ من «مدَن»، بمعنى «أقام» لا من «دان» كما ورد في القاموس المحيط4. وأضاف أنه «مهما كان الأصل، فإن مرادف التمدّن في اللغات الإفرنجية من معنى المدينة، وهو عندهم في الأظهر عبارة عن استجماع كل ما يلزم لأهل المدينة من اللوازم البدنية والعقلية، فقولهم مثً: هذا رجل متمدّن، ينزل منزلة قولنا: متأدب، كيّس، خبير، وما أشبه ذلك»5. ومقابل التمدّن، بحسب وصف الشدياق، هناك «الحالة الهمجية، وهي الخالية من الترتيب والنظام»6. ولكن الشدياق يعود ليؤكد أن «مفردة التمدّن لم يزل عليها ظلام الالتباس والإبهام»؛ فصحيح أن الرجل المتمدّن «متأدب كيّس خبير. صاحب صنعة»، إلا أن هذا الفهم لا يوضح سوى جانب ضيق من المعنى. أما الأساس اللغوي لمصطلح «التمدن»، فنجده بنظرة عامة إلى المعاجم العربية، من القاموس المحيط للفيروزابادي ولسان العرب لابن منظور، إلى تاج العروسللزبيدي، التي تشير إلى أن مفردة تمَدُّن تعني في الأصل «تمَدُنُّ البَدْوِ»، أي «عَيْشهُمْ عِيشةَ أهْلِ الْمُدنَِوالتَّكَيُّفُ مَع جَوِّهِمْ». أما تمَدُنُّ شَعْبٍ ما، فتعني «دُخولهُ في مَرْحلَةِ الرُّقيِّ والحَضارَةِ والعُمْرانِ» والحضارة، وقد استُعملت مرادفًا من مرادفات التمدّن، شاع فهمها على أنها «الإقامة في الحضر». واعتبرت الحاضرة والحضارة في مقابل البادية، والحضر هم خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي، الذي هو خارج العمران. ومنه نجد ارتباط كلمة التمدّن بمفاهيم التقدّم والعمران والاستقرار الجغرافي، الذي يؤدي بدوره إلى الاستقرار في العلاقات الاجتماعية؛ فتفاعل المصالح وترابطها يؤديان إلى التعاون وإلى تنظيم العلاقات الاجتماعية وتطويرها، فتنشئ الجماعة عمرانها وحضارتها الخاصة بها. وبهذا، فإن التمدّن، بالمعنى اللغوي، هو الانتقال من الحالة البدوية أو الريفية إلى الحالة المدنية، ويرافق ذلك تحوّل وتغيّر في الطبيعة الحياتية من خلال التأثّر بروح المدينة وقيمها وثقافتها. فالتمدّن يوجِد ذلك الفضاء الاجتماعي الذي يبثّ روح العصر، التي هي مركز قوّته (أي قوة التمدّن). امتلك مصطلح «التمدّن الجديد» جاذبية وسحرًا خاصًا دفع بمثقفي القرن التاسع عشر إلى تداوله في كتاباتهم وخطاباتهم بشكل واسع. واستوعب المفكرون العرب في القرن التاسع عشر مفهوم «التمدّن الجديد»، وأدركوا أبعاده ومعانيه؛ ذلك المفهوم نفسه الذي ما لبث أن شوهه العرب أنفسهم لاحقًا، في عصر الأصوليات، مبتعدين عن مفهومه الحقيقي، وناظرين إلى الآخر الغربي نظرة الانتهازي التي لا قيمة لها من الناحيتين العلمية والفكرية؛ فالتمدن الجديد بمفهومه المنهجي والإص حي
لا يعني التخلي عن التراث الإس مااي العريق، بل يعني القيام بغربلة عامة نتخلص من خلالها من أعباء لا جدوى منها بل تعرقل انطلاق العرب نحو الحداثة، وذلك عبر التعرف إلى المنحى الصحيح لأحدث المناهج العلمية والفكرية. تلك الحداثة التي علينا تقبّلها واللحاق بها، والتي ستحوّل تراثنا الحضاري من عامل تأخير إلى عامل تنوير وتحرير. هذا هو المفهوم الذي أدرك المثقفون العرب معناه في القرن التاسع عشر وإن اختلفوا أحيانًا في فهمهم له، فتجاوز عندهم مفهوم «التمدّن» في معناه الشكلي للمدينة، ليتضمن المعنى المعنوي، من البيئة الاجتماعية والفكرية والثقافية؛ فالتمدّن الجديد لم يقتصر على مفهوم urbanity new، ولو أنه تضمنها، وإنما امتد ليعني civility new، أي ممارسة حياتية قائمة على نمط وقيم وثقافة وبيئة مدنيّة جديدة. وهو بذلك مفهوم واسع متعدد الجوانب، إلا أنه تمحور بشكل أساسي حول مفاهيم الحرية الشخصية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية والتعايش الديني، التي روّج لها فكر التنوير الأوروبي؛ تلك المفاهيم التي ألغت المطلق التقليدي، وهمّشت سلطته القائمة على الماورائيات الدينية. ومن خ لاا ذلك الوعي لمفهوم التمدّن الجديد، سعت النخبة المثقفة العربية، الذكورية والأنثوية على حد سواء، إلى تغيير أوضاع مجتمعاتها من خلال نشر ذلك الوعي عن طريق الصحافة. وقد اختزل زيدان مفهوم التمدّن بالتعريف التالي:
البحث في تمدّن الأمة يتناول النظر فيما بلغت إليه من سعة الملك والعظمة والثروة ووصف ما رافق تمدّنها من أسباب الحضارة وثمارها، ويدخل في ذلك تاريخ العلم والأدب والصناعة ولوازمها، كالمدارس والمكاتب والجمعيات، وبسط حال الدولة ومناصبها وما انتهت إليه من الرخاء، وماهو مقدار تأثير ذلك في هيئتها الاجتماعية، وذلك يستلزم وصف عادات الأمة وآدابها الاجتماعية ومناحيها السياسية وإسناد ذلك إلى أسبابه وبواعثه7.
لا مناص هنا من الإشارة إلى جذور استخدام رواد اليقظة العربية شقيّ مفهوم «التمدّن الجديد» المعنوي والمادي اللذين كان للصحافة اليد الطولى في التعريف بهما، وضرورة تحقيق التناسب والتوازن بينهما. فالشق المعنوي مثّل عند المثقفين العرب التطورات المجتمعية المعنوية بجوانبها كافة، من عدالة ومساواة وحريات، وجميع القواعد التي تحدد سلوك الأفراد في المجتمع تجاه الآخرين. أما الشقّ المادي، فركّز المثقفون فيه على الجوانب الطبيعية من البيئة المبنيّة للمدينة الحديثة، وجوانب اختلافاتها عن المدينة القديمة من حيث التوسع الحضاري والبنياني وطرق البناء الجديدة، واعتماد ذلك «التمدّن الجديد» على تقنيات جديدة من طرق مواصلات وأشكال بناء وخدمات وعمران. ساهم كثيرون من مفكري رواد النهضة في الترويج لمفهوم «التمدّن الجديد»، وذلك من خ لاا تجاربهم في المجتمعات الأوروبية التي عاشوا فيها وعاينوها. ونجد ذلك جليًّا في كتاباتهم من دون مواربة. ويُعتبر رفاعة الطهطاوي (873-18011) من أوائل من استخدموا مفهوم «التمدّن الجديد» في كتاباته، إذ تبنّى الفهم الفرنسي في تفكيك المصطلح وتقسيمه إلى شقين مادي ومعنوي. وباعتبار الطهطاوي شيخًا أزهريًا، فإنه كان على دراية تامة بما يعترض موقف الاقتباس من الغرب من حساسيات وإشكاليات، فحاول تبديد تلك الهواجس والمخاوف. وما قاده إلى إيضاح المفهوم هو التجربة
التي أتيحت له عبر الاط عاا على المدنية الأوروبية عن قرب. وحاول بعد عودته من باريس تعريف التمدّن بالمعنى الشمولي للمفهوم: «[إن] للتمدّن أصلين، معنوي، وهو التمدّن في الأخلاق والعوائد والآداب، ويعني التمدّن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدّنة التي تسعى باسم دينها وجنسها للتميز عن غيرها. والقسم الثاني تمدّن مادي، وهو التقدم في المنافع العمومية»8. وبيّن أن الشق المادي في مقومات المدينة الجديدة الأوروبية يتمثّل في أفضل أحواله في عمران مدينة باريس التي مكث فيها؛ فهي في نظره «من أعمر بلاد الدنيا، ومن أعظم مدائن الإفرنج.... الأمة الفرنساوية ممتازة بين الأمم الإفرنجية بكثرة تعلّقها بالفنون والمعارف، فهي أعظم أدبًا وعمرانًا»9. وكانت حالة الطهطاوي تلك مقترنة بالإعجاب حينًا وبالدهشة أحيانًا بفعل ما شاهده من المظاهر المادية، وما شملته من جوانب المدينة الجديدة من العمارة وتخطيط الشوارع ووصف للمتنزهات ووسائل النقل وأنواعها: «الأمنيبوسة معناها لكل الخلق، وهي عربات كبيرة تسع كثيرًا من الخلق مكتوب على بابها أنها تمشي إلى الحارة الفلانية»10. ولا يبتعد نهج الشدياق عن موقف الطهطاوي في تفسيره الشقّ المادي من مفهوم «التمدّن الجديد»، موثقًا مشاهداته عن باريس ولندن. ذكر الشدياق معرض لندن الدولي سنة 8511، وجناح إنكلترا «كريستال بالاس»، ثم وصف نهر التيمس قائلً: «هذا النهر مبني عليه عدة جسور، أحدها وهو أول ما يراه القادم إلى لندره، الجسر الذي يقال له جسر لندن. مبني من حجر صلب ويشتمل على خمس قناطر. عنده عامود [عمود] شاهق من حجر وتمثال للملك وليم الرابع من رخام»11. كما حظيت المدينة بشوارعها وتقسيم طرقها وأنماطها اهتمامًا كبيرًا من الشدياق؛ ففي وصفه مدينة باريس، أورد اللفظ الفرنسي «البلفار» كما استعمل «الشانزليزي»، وقدّم مقارنة لمظاهر المدينة من شوارع واسعة وما يحيط بها من أشجار تحيط بجوانب مدينة باريس، وما يماثل تلك الأماكن في لندن. وبحسب رأيه، يتميز «البلفار» الموجود في باريس من لندن بحدائق مستديرة مخصوصة. وربط جرجي زيدان (1861 - 9141) بدوره الشق المادي لمظاهر التمدّن الجديد بطرق تزيين المدينة، واصفًا البُعد الفني والجمالي لشوارع لندن: «لا يستطيع المار في شوارعها وساحاتها غير الإعجاب بما يراه منصوبًا هناك من التماثيل الفخيمة»12، بينما رأى عبد الله نديم (1842 - 1896) أن «العربيّات» وجه من الأوجه لتحسين العمران: «إن العربيات، إنما تُركب في الشوارع والحارات، وهي من محسنات العمران»13.
وجد آخرون من رواد النهضة أن من أهم دعائم «التمدّن الجديد» هي البُعد المعنوي؛ فبطرس البستاني (1819 - 8831) ركّز على مفاهيم «الوطن» و «الوطني» و «الحريات»، وغيرها من العبارات والدلالات المعنوية والمستعارة من التجربة الأوروبية والتي دعا إليها من بعده أديب إسحق (1856 - 8851) واعتبر أن الابتعاد عنها ما هو إلا «علة التأخر وداعية البلاء وسبب العناء والشقاء»، وهو بحسب وصفه سبب تأخر الشرق: «ما تأخر الشرق إلا به ولا تقدم الغرب إلا بزواله». أما شبلي شميل (1850 - 9171)، فرأى الجانب المعنوي لمفهوم «التمدّن الجديد» عبر تلقّي العلوم الطبيعية الكفيلة وحدها بتحقيق تقدم الإنسان والمجتمع؛ ف«العلوم الضارة» هي، في رأيه، معوِّقة للتقدم، ولا تقدم عمرانيًا من دون تطور علمي. فتقدّم أوروبا يرجع إلى تقدّمها في «العلوم الطبيعية»، في حين أن تأخُّر الشرق وفقره عائدان إلى «الجهل والدين»، فالتقدّم العمراني مربوط بالتخلي عن القديم الموروث: «مهما يكن من أمر هذه الحقيقة العمرانية، فهو اليوم مضطرب جدًا للتنافر الشديد بين القديم الموروث الراسخ فيه، والجديد الحادث وصعوبة التوفيق بينهما للاستقرار فيهما»14. بعد هذا التعمّق البسيط في تفصيلات أبعاد مفهوم «التمدّن الجديد» كما ارتآها المثقفون العرب في كتاباتهم في القرن التاسع عشر، نجد مدى إدراكهم جوانب الحداثة الغربية، وإن كانت محاولاتهم التنويرية ليست بالمحاولات الكافية، لكن علينا أن نعترف بأنها كانت محاولات ريادية أدركوا فيها مدى أهمية هذا التحول في المركزية نحو الغرب، محاولين عبر كتاباتهم نشر وعي جديد وحلول جديدة، بينما نجد أنفسنا اليوم مبتلين بمواجهة حملة غوغائية كبرى تتذرع بحماية التراث من الناحية التبجيلية له فحسب. هذه الحملة متواطئة مع الفكر الأصولي صراحة حينًا، وضمنًا حينًا آخر، متناسية أهمية ما أدركه الرواد العرب الأوائل في اللحاق بما فاتهم من ركب العلم والحضارة، ومحاولاتهم الحثيثة للتحرر من التراكمات التراثية المنغلقة التي ستوصل في القريب العاجل إلى معركة فكرية محتومة بين الطرفين.
دور الصحافة في التمدّن الجديد
في السنة الأولى لمجلّة اله لاا التي صدرت في أواخر القرن التاسع عشر، نشر مؤسس الجريدة، الأديب والمؤرخ الشهير جرجي زيدان، مقالة قصيرة بعنوان «الجرائد العربية في العالم»، تحدّث فيها عن أهمية الصحافة في ما درجت تسميته آنذاك «التمدّن الجديد» أو «التمدّن الحديث»، فاستهلّ مقالته بقوله:
لم يكن للجرائد أثر في التمدّن القديم على ما نعلم، أما في التمدّن الحديث فنراها عنوان الحضارة، ودليل المدنيّة، فإذا رسخت قدم جماعة في المدنيّة، كثرت جرائدهم وتعدّدت مواضيعها. ولما كان الغرب مهد التمدّن، كان هناك منشأها، ومرتع صباها، منذ مئات السنين، أما في بلادنا العربية فلم تشرق شمسها إلا في هذا القرن15.
تثير مقولة زيدان كثيرًا من التساؤلات عن وعي مثقفي القرن التاسع عشر مفهوم «التمدّن الحديث» وطبيعته ونقاط اخت فااه عن التمدّن القديم، وأهمية دور الجرائد في تحقيقه. وقد هدف زيدان من خلالها إلى بيان الع قااة الوثيقة بين مفهوم «التمدّن الحديث» وأحواله وظهور الصحافة وانتشارها الواسع، وذلك الانفتاح المتزايد بين رواد النهضة العربية على التقدّم الغربي لما سمّي «التمدّن الحديث» ذا الصبغة العالمية، التي انصهرت فيها جميع الحضارات تحت سقف مشترك من القيم والمبادئ الإنسانية، فاستُخدمت صفحات الصحافة التي تيسر عبرها آنذاك تقديم نمط جديد لصناعة المعرفة وتداولها؛ نمط سهّل وصول المعلومة إلى الجماهير، وكسر احتكار النخبة المتعلّمة لها. فكانت الجرائد ومهنة الصحافة الأداة والوسيلة للتحرّر الفكري واﻟﺴﻴﺎسي ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وأصبح انتشار الجرائد، ليس بحسب رأي زيدان فقط، وإنما بحسب رأي كثيرين من معاصريه من مثقفي تلك الحقبة أيضًا، عنوان «التمدّن الحديث»؛ فكلّما ازدادت الصحف وتنوّعت وانتشرت رقعتها، تكرست عنوانًا للتقدّم والحضارة والمدنية. وقدم زيدان في مقالته التي نشرها على صفحات اله لاا قائمة بأسماء الجرائد العربية وموضوعاتها ومكان صدورها، وبيّن من خ لااها انتشار الصحف في عدد كبير من الب داا العربية، وأهمها على الإط ق مصر وسورية ولبنان، بالإضافة إلى الأستانة وقبرص وإيطاليا وفرنسا ولندره (لندن) ومالطا والهند وأميركا. ويقول زيدان إن عدد الجرائد العربية التي ظهرت من أول أمرها إلى وقته في سائر المدن قارب المئة وخمسين جريدة، تناولت موضوعات متنوعة، سياسية وعلمية وطبية وحقوقية وأدبية وزراعية، وحتى ماسونية16. هذا الإدراك لأهمية «التمدّن الجديد» قاد رواد النهضة، بمن فيهم زيدان ورفاقه، إلى وعي بأن الجرائد هي عنوان المدنيّة الجديدة، وهي أحد المقاييس الأساسية للتقدّم والتحول نحو التمدّن الحديث؛ ففي مقالة نشرها الأديب الصحافي عبد الله النديم تحت عنوان «الجرايد»، قال: «كلما كثرت الجرائد في دولة كثرت المدنية فيها وتربت الأفكار في مدرسة التهذيب والعلم بأخبار العالم أجمع»17. وعلى الرغم من تناقص عدد الجرائد وإغ ق عدد منها، بسبب قسوة القيود وكثرة التعسفات التي ميزت الحكم العثماني التركي، فإن زيدان افتخر بزمانه الذي انتشرت فيه الصحافة بشكل غير مسبوق، وأكّد تميّز عصره بصعود نجم الصحافة، واقتراب مجتمعه من صرح المدنيّة الجديدة. فكتب يقول: «ولا مشاحة في أن هذا الزمن أكثر سائر الأزمان زهاءً بالجرائد والمجلات العربية. إذ لم يتفق أنها بلغت مثل هذا العدد دفعة واحدة في زمن غير هذا. ولا ريب في أن ذلك دليل على انتشار العلوم والمعارف بين ظهرانينا، واقترابنا خطوة أخرى من صرح المدنية»18. من خ لاا طرح مثقفي تلك الحقبة، يتبادر إلى الذهن سؤالان: الأول، لماذا اعتُبرت الصحافة المعيار والصفة الرئيسية في التمدّن الجديد؟ والثاني، ما هي الأمور والمزايا التي قدّمتها تلك
الصحافة حتى نقلت الحياة الاجتماعية من التمدّن القديم إلى التمدّن الجديد؟ الإجابة عن السؤال الأول تتطلب منّا أولً تحديد معالم التغيير التي ميزّت بين المجتمعين القديم والجديد لمعرفة دور الصحافة وتقييمه في ذلك التغيير، حيث يمكننا اختزال ذلك التغيير في صفتين رئيسيتين ومتلازمتين: تنامي الحريات الفردية والجمعية، وانهيار هرمية السلطتين الدينية والسياسية، وت شي قدرتهما على احتكار المعرفة والحكم. كان للصحافة دور محوري في تحقيق هاتين الصفتين، ولهذا ربط زيدان وغيره من مثقفي القرن التاسع عشر ظهورها بالتمدّن الجديد، ورأى فولتير أن الصحافة «آلة يستحيل كسرها، وستعمل على هدم العالم القديم، حتى يتسنى لها أن تنشئ عالمًا جديدًا»19، وقال السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بعد خلعه: «لو عدت إلى يلدز، لوضعت محرري الجرائد كلهم في أتون كبريت»20. أدركت السلطة قوة الصحافة وتأثيرها، فلاحقتها وحدّت من حرياتها. وقد عرفت الصحافة العربية ظاهرة الهجرة المبكرة لكثرة القيود المفروضة عليها وافتقادها الحريات. الحرية إذًا – بجميع أشكالها الفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية – كانت عنوان التمدّن الجديد الذي وقفت ضده الكنيسة في عصر الظلام الأوروبي، محارِبة جميع أوجه الحداثة باعتبارها كفرًا وانتهاكًا للمقدّسات الدينية. وبالعنف نفسه نجد موقف المتشددين الإس ماايين وهجومهم على أوجه التمدّن الجديد الآتي من أوروبا والذي أخذ المثقفون الأوائل يسلكون طريقه وإن كانت شرارته الأولى قد التمعت عبر استخدام أدوات جديدة لنشر أفكارهم، من أبرزها الطباعة21. فحققت الثورة الجديدة من خ لاا صفحات الصحافة انتصارًا لمجموعة من المفكرين ضد السلطة الدينية، بما حملوه من أفكار كانت جديدة وصادمة في تلك الحقبة، مطالبين بتحريرهم من الاستعباد الديني. وذكر عبد الله نديم في مجلة الأستاذ أن على العرب، إن أرادوا تحقيق التمدّن في الشرق، أن يتبعوا نهج أوروبا التي تخلّت عن العلوم الدينية المنفصلة ومزجتها بالعلوم المدرسية، فكتب في مقالة «تربية الأبناء» يقول:
التمدّن موقوف على تقليدهم والأخذ بطريقتهم، والهمجية لا توجد إلا في مخالفتهم والعمل بغير آرائهم. ولا بدّلنا معاشر الشرقيين من مجاراة الأمم المتمدّنة، للخروج من مضيق التوحش المنسوب إلينا ما دمنا على تعاليم أسلافنا ولا نصل إلى هذا المقصد إلا بالوسائل التي اتخذتها أوروبا، وكلها محصورة في طرق التعليم، وهي أنهم خلطوا التعليم الديني بالتعليم المدرسي وصيروهما طريقة واحدة22.
تمكنت أقلام المثقفين الوطنية، وعلى الرغم من جميع العوائق، من نشر مطالبهم بالإصلاح والتعليم والعدالة الاجتماعية والسياسية. كما أتاحت الصحافة فرصة الانق ب على المفاهيم التقليدية بنشر موضوعات حيوية تدعو إلى التجديد، مطلقة العنان للتعبير عن مشاريع وأفكار تنويرية، ومتيحة الفرصة لأقلام دعاة التجديد، فأصبحت الصحف المنابر التي نشروا منها أفكارهم. وأضحت الصحافة، أو «صاحبة الج لااة»، كما وصفها بطرس البستاني، المكان الأنسب والأجدر للترويج لقيم التمدّن الجديد ومبادئه، حيث كتب يقول:
لا يخفى ما للصحافة صاحبة الجلالة من الأثر البليغ في نهضة الشعوب وتقدّمها، قد كان لها يد بيضاء على البلاد العربية إبان يقظتها، فهي التي قاومت الاستبداد والمستبدين، وآزرت الحرية والأحرار، وبعثت الروح الوطني في صدور الشعوب الشرقية الخاملة المتواكلة، وهي التي ربطت الشرق بالغرب، وأطلعت المشارقة على حضارة الأوربيين وعلومهم وفنونهم واختراعاتهم وسياساتهم وأحوالهم، فاستفاد منها العالمِوالجاهل، وشكلت بفضلها الخاصة والعامة، فإذا هي نعم الأستاذ والمربي والمرشد والمنير23.
أدرك المثقفون في تلك الفترة دور الصحافة المهم في تحفيز حرية التعبير، والتشجيع على طرح الأفكار الجديدة، وتزويد العامة بالحقائق والمعلومات، وتأثيرها الفعال في تشكيل الرأي العام. كان تفعيل الرأي العام أحد أهم إنجازات الصحافة في التمدّن الجديد، حيث طرح زيدان في مجلتهالهلال سؤالً يشير إلى أهمية الرأي العام في حياة المجتمع الحديث: «هل يكون الرأي العام في جانب الإصابة دائمًا؟»24، وأهمية السؤال تكمن في قدرة الرأي العام على رسم اتجاهات وسياسات معيّنة بشأن قضايا المجتمع، وبشأن بناء مؤسساته الجديدة ضمن نظام عصري بعيد عن الاستبداد والفردية؛ فمن خ لاا الرأي العام يصبح الفرد شريكًا فاعلً في إدارة المجتمع بعد أن كان مجرد فرد من رعايا السلطان، وبالتالي ساهمت الجرائد في تهذيب الفكر العربي وتنويره وتفعيله. يقول فرنسيس مراش
كثر عدد الجرائد في نهاية القرن الثامن عشر، عقب ثورة الفرنسيين الشهيرة، فانطلقت حينئذ حرية صحف الأخبار في جميع أوروبا، وصارت تنشر العلوم والتهذيب وكل فنون الأدب وجميع أحوال السياسة وأخبار الدنيا، كما نرى الآن وهكذا نشأ التمدّن وكل أدواته وخفق علمه على المغرب ولم يزل الشرق عقيمًا من الجرائد المفيدة، إلى أن برزت الجوائب وظهر الجنان. وأخذت أنوارهما تجلي ظلمات المشرق وتستطلع صباح التهذيب على الخصوص والعموم25.
أدخلت حركة التنوير الأوروبي العالم العربي عتبة مرحلة تاريخية جديدة، لا يمكن أن يجري فيها حصر أدوار المثقف التنويري في بثّه أفكار التمدّن الجديد من دون الرجوع إلى الصحافة؛ فدوره
كان جليًا وواضحًا منذ بدايات النهضة الحديثة التي شهدتها الأقطار العربية، عبر انفتاح أفقه من دون تقييد، ورغبته في مجاراة العالم، بما فيه من فنون المدنيّة والترقي، وهو ما أعطاه الدفعة لخوض معركة الإص ح، ضمن خطة تجسّد أهداف تلك الصحف وذلك التنوير، فأصبحت كلّ صحيفة منبرًا لنشر معرفة وثقافة العلوم الحديثة في شتى المجالات الأدبية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، ففتحت أبواب المعرفة والتثقيف الواسع أمام أفواج من الأجيال، وطرحت المسائل السياسية والقضايا الفكرية، وعالجت الهموم والمشكلات الفردية والاجتماعية، محاولة بموضوعاتها إحداث اندماج اجتماعي وانصهار ثقافي بين قرائها. فتثقيف العقول عبر الصحافة ما هو إلا مقدّمة لمجتمع يسعى نحو الحداثة عبر كشفها المستور وإظهارها الحقائق وتثقيف العقل وتهذيبه بأنواع المعارف.
الصحافة الكونية (الكوزموبوليتان)
اختلف التمدّن الجديد عن التمدّن القديم في نقطة أساسية هي كونية المدنيّة المعيشة (cosmopolitansim) وتركيزها على الثقافة العالمية، حيث ظهر اهتمام غير مسبوق بأخبار العالم. وكانت الجرائد والمجلات بالطبع الوسيلة الأمثل القادرة على إيصال تلك الأخبار على تنوعها إلى القارئ العربي. فعلى سبيل المثال، إذا راجعنا العدد من مجلة الهلالالذي نشر فيه زيدان مقالته عن «الجرائد في العالم»، نجد أن بعضًا من مقالاته خُصص لأخبار المحلية، «الحوادث المصرية»، ثم تلاه قسم لأخبار العالمية ف «الحوادث الأجنبية». وفي هذا القسم نجد أخبارًا متفرقة تخص كلًّ من مراكش وروسيا وتركستان وإنكلترا وإسبانيا ولندره وجنوا، وفيها معلومات متنوعة عن الخلاف الذي وقع بين سفير إنكلترا وسلطان مراكش حول المعاهدات التجارية التي بينهما، وعن مقاطعة بأمير الواقعة في أقصى تركستان ودخول الروس إليها لقربها من سيبيريا، وعن سقوط وزارة المحافظين في إنكلترا وتشكيل الوزارة الجديدة برئاسة المستر غلادستون، وعن انتشار وباء الكوليرا، وعن مؤتمر اللغات الشرقية في لندره، وعن المؤتمر الجغرافي الدولي في جنوا. هذه الموضوعات كلها منشورة في صفحات معدودة. ثم ت هااا قسم المتفرقات الذي قدّم تفصي ت عن كلٍّ من «معيشة المستر غلادستون في بيته»، واختراع شاب إيطالي قنبلة جديدة، ومعرض شيكاغو، والسكّة الحديد بين مصر وسورية، والبحث العلمي، ونعوم أفندي متصرف جبل لبنان، وأعظم تلسكوب في معرض باريس. هذا التنوع الكبير في نوعية الأخبار ومصادرها، والتي لا رابط بينها سوى أنها أحداث عالمية ومحلية لها أهمية ما وقت نشرها، أخرجت الفرد من محيطة المحلي الضيق إلى العالم الأوسع بشكل غير مسبوق. وكانت تلك المعلومات استهلاكية بطبيعتها، غالبها لا يعني شيئًا للفرد سوى أنها موضوعات جديدة للحديث في المجالس الاجتماعية. يصف خليل سركيس (914-18421) تغيير واقع الحال، قائلً عبر صفحات جريدته:
استطاعوا عبر القلم، أن يستبدلوا التقليد بالعلم، وأن يحتلّالأفندي صاحب الطربوش مكان الشيخ المعمّم، وأن تحتل طرق التعليم الحديث، بدلعن الكتّاب، والشيخ، والتعليم الديني. منذ نصف قرن كان اللباس طربوشًا، معصوبًا وقنبازًا، وشروالوحذاء من صنع
محلي، تبقى بكل قناعة على جسد صاحبها سنة من الزمن. فبدأ التأرجح، وخلع السروال الوطني، والحذاء المتواضع المريح الجميل اللون أخذ يتوارى، والقنباز الفضفاض النظيف، لم يعد يتناسب ومقام التاجر الحديث والأفندي والموظف والوجيه والمتفرنج. فأهملت المصنوعات المحلية وكسد سوقها، وذهبت ثروتنا ثمنًا لجلود وخِرق مخاطة [مخيطة] في الخارج، وحلّت الهيئة الإفرنجية محل الشكل الشرقي26.
أدرك الإص حيون في القرن التاسع عشر أن التمدّن الجديد أصبح حداثة كونية لا هوية حضارية معينة له، بل هويته الأنسنه والعلم الحديث أينما وُجدوا، فسعوا من أجله بنظرة عالمية وبإقبال عليها ورغبة فيها، فأرادوا أن يلبسوا ثوب التمدّن الجديد، مستفيدين من جميع أوجه علومه والأخذ من أفضل تقنياته، وما يعايشه ذلك المجتمع من أنواع الحريات والعدالة الاجتماعية والانفتاح على روح العصر. كل ذلك كان نتيجة حتمية واستجابة لرغبة العرب وما تطلعوا إليه. وقد دفعت عملية انفتاح المجتمعات المغلقة في مصر وسورية في القرن التاسع عشر، من خ لاا الطباعة والصحافة، إلى إيجاد مقومات جديدة ل «الكوزموبوليتانية» بدأت من خلال ما نشرته الصحف أولً فى اسطنبول ومن ثم تبعتها الولايات العربية، فامتلكت الصحافة العربية القدرة على اجتذاب القرّاء، من خلال الدعوة إلى ضرورة التعمّق في دراسات أوروبا ومعارفها، مستفيدة من أهمية الكلمة المكتوبة في تشكيل ثقافة عربية جديدة. هذه الكلمة فتحت باب النقاش والتساؤل عند الجمهور المتلقي، فلم يجد مفكرو ذلك القرن، مع اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم، أي حرج في عقد تلك المناظرات والتساؤلات العلمية على صفحات الجرائد، وعلى الصعد كافة وفي شتى المجالات، منها ما نشره فرح انطون (922-18741) من حوار فكري بينه وبين مفتي الديار المصرية، الشيخ محمد عبده (905-18491)، كان في هيئة مناظرة، حيث بادل الإمام محمد عبده، فرح أنطون، مناظرته مفنّدًا ما طرحه أنطون من أسئلة، ضمن واحد من أرقى وأغنى السجالات التي أعطت بُعدًا لمفهوم الدولة المدنيّة من منظور عالم دين، مؤكّدًا - بحسب وجهة نظره - العلاقة بين العلم والدين، وضرورة العقل للدين، فهو «ينبوع اليقين وذلك، للنظر في الغايات، والأسباب والمسببات، والفرق بين البسائط والمركّ بات»27. كتب أنطون عن النصرانية والإس ماا، موازيًا في طرحه بينهما، ومتحدثًا عن الاضطهاد الديني في النصرانية والإس ماا، والعلاقة بين العلم والدين، وداعيًا إلى الفصل بين العلم والدين، الدين الذي يوضع في القلب، أمّا العلم، فيوضع في دائرة العقل، إذ هو قائم على المشاهدة والتجربة والاختبار، وبرهان العلم العقل، وبرهان العقل التجريب، وهذا ما يخالف برهان القلب. العلم متجدد لا ينضب، وهو متغيّر متطور، بينما الدين ثابت وجوهره خالد وباق. فلا بد إذًا من التسامح، أو ما سمّاه التساهل، لكي يعيش العلم والدين جنبًا إلى جنب، في وئام على هذه الأرض، من دون أن يرهب أحدهما الآخر28. ورأى فرح أنطون أن المدنية الجديدة ستكون من خلال ما سمّاه «النبت الجديد في الشرق»؛ ذلك النبت المتمثّل في روح الوعي والفكر الأوروبي الذي تنشره صفحات الصحافة، فدعا إلى الكشف عن الهوّة العميقة
التي تفصل مجتمعنا العربي عن الحضارة الغربية، محاولًاللحاق بركب الغرب ومدنيته التي أضحت حداثة عالمية.
إشكاليات الخطاب بين الكونية والخصوصية
على الرغم من رغبة المجتمع الواضحة التي تمثلت في كتابات الإصلاحيين في القرن التاسع عشر للخروج من إطارهم المحلي، والانفتاح على الثقافة العالمية، كان ثمة اختلاف قد نشأ بين الثقافتين المحلية والعالمية، وهو ما أدى إلى نشوء إشكالية في كتاباتهم بين الهوية الإس مااية وتطلعهم إلى الهوية العالمية. وهُم وجدوا أنفسهم يتأرجحون بين الهوية الدينية والإسلامية تارة، والهوية الوطنية والقومية تارة أخرى، فتنوعت التيارات الإصلاحية لدن أصحاب الإص ح الديني أو أصحاب الفكر الليبرالي أو الفكر العلمي العلماني. كان جمال الدين الأفغاني (897-18381) واحدًا من الذين ناقشوا إشكالية «التمدّن الجديد»، معتبرًا أن «المدنية الغربية هي مظهر من مظاهر المدنية الإسلامية، ولا تتحقق المدنية الجديدة دون العقيدة الدينية. فالمدنية منشأها بحسب رأيه فكرة دينية بالأساس، ولا بدّ كي تتحقق من التمسك بالأصول واتباع خطا [خطى] الأجداد، للوصول إلى أقصى غايات المدنية»29. فرض اختلاف الرؤيا بين المثقفين في تلك الحقبة حدوث متغيرات قسرية في المجتمع العربي، فما كتبه الأفغاني واحد من مظاهر تلك الانشقاقات والاختلافات في الرؤيا بين المثقفين. وقد تأرجح بعض الآراء بين المحافظة على الخ فااة الإس مااية واستبدالها بمجتمعات قومية علمانية. تلك الاشكالية المعقدة التي طُرحت باستمرار وسط مخاوف بعض من النخب الفكرية بين التمسك بالهوية الإسلامية واستبدالها بالهوية العالمية. فتقبّل بعضهم صدمة تحوّل مجرى التاريخ من مركزيتهم إلى المركزية الغربية، بينما عارض الفكرة آخرون. وفي جميع الأحوال، لا شك في أن العرب، مسلمين أكانوا أم مسيحيين، كانوا الرواد الأوائل في ثقافة التغيير؛ فعلى اختلاف مشاربهم ومدراسهم، اتفقوا على ضرورة اللحاق بالركب الغربي والانخراط معه في مواكبة الحداثة، معلنين القطيعة لعصر الانحطاط الحضاري. رأى محمد عبده أن ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟ ﺪ ﻳني واحد من اﻟﺘ ﻄ ﻠﻌﺎﺕ التي ﺗﻌﻜ ﺲ رغبة ﺃﻣّﺔ ﺍﻟﻌرب في اكتساب ﻣﻨﺠ ﺰ ﺍﺕ ﺍﻟﻌﺼ ﺮ، فرأى أن نهضة المجتمع الإس مااي هي بالالتزام بالشريعة كنظام للحياة: «طبيعة مؤسسة الخ فااة التي يستند عليها نظام الحكم الإس ماايّ مدنيّة، وليست دينية وأن الخليفة حاكم مدني كما يتضح من أداء الجمهور للبيعة بعد تولي الخليفة لمقاليد الحكم، وحقهم في عزله في حالة عدم التزامه بأحكام الشريعة»30. اعتبر محمد عبده أن ﺍﻟﺘ ﺮ ﻛﻴ ﺰ ﻋﻠﻰ ﺍلهوية الإسلامية ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃلا يكون من خلال إنكار الهوية ﺍﻟﻌﺎلمية، بل بإيجاد الفكر المبدع بين الشرق والغرب، وهو ما لن يتم إلا من خلال الاعتراف بالمفاهيم ﺍﻟﻌﺎلمية ﻭإعطائها ﺍلمشروعية. وإذا كان ﻫ ﺬ ﺍ لن ﻳﺘﺤﻘ ﻖ ﺇﻻ ﻣ ﻦ ﻼﺧﻝ ﻧﻈﺮﺓ ﺷﺎﻣﻠﺔ، فإن الإسلام يدعو – بحسب رأيه - إلى إرساء حكم مدني، «ليس في الإسلام سلطة دينية
سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم»31. أدرك المثقفون في القرن التاسع عشر أن ثقافة الغرب ليست بغريبة عنهم؛ فجميع الأديان والعلوم بدأت في ديارهم. كما أدركوا أن تاريخ العرب لا يبدأ مع الإسلام، وليس مقترنًا بتاريخ الأصنام والوثنية كما تعلّم بعضهم على يد علماء الأزهر، بل هو تاريخ عالمي لمجتمع من الحضارة والمدنية كي يتواصل مع حضارات سابقة وأخرى لاحقة، وما اختزله علماء الدين من تاريخ الدعوة والشريعة في عالم الإس ماا لم يعد التاريخ العالمي عند المفكرين، بل جزء مهم منه، لذلك كان لا بدّ لهم من اكتشاف باقي تلك الأجزاء من العالمية وتقديمها ليتعرف إليها باقي المجتمع، عبر اكتشاف للعالم بقديمه وحديثه. هنا يخطر في الذهن السؤال التالي: هل النهضة الأوروبية، التي اعبترها العرب في القرن التاسع عشر نموذجًا للنهضة العربية، هي خلق إبداعي أحادي، أم أنها نتاج حضارات عدة كانت الحضارة الإسلامية واحدة منها عندما أبدعت العلوم وقامت على أسس العقل والطبيعة؟ يرى جرجي زيدان أنها نتاج حضارات عدة وليست خلقًا إبداعيًا أحاديًا؛ فهو يعتبر أن عصر الإس ماا ليس إلا حلقة الاتصال الفعلي بين العصر الوسيط والعصور الحديثة، فيقول: «تاريخ الإسلام من أهم التواريخ عامة. هو حلقة موصلة بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث، فيه انتهى التمدّن القديم، ومنه أشرق التمدّن الحديث»32. وكما أن جزءًا من الغرب يقوم على الأرض المسلمة، نجد على الطرف الآخر المقابل، أي الغرب، كثيرًا من المسلمين. وكما كانت الأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا وغيرها من المدن الأوروبية جسرًا عبرته الحضارة العربية الإسلامية نحو الغرب الأوروبي، فإن الشعوب الغربية نهلت من علوم الرازي وابن رشد وابن سينا وغيرهم حتى نهايات القرن الثامن عشر، أكان بترجمة تلك العلوم والمعارف أم بإرسال البعثات الدراسية والتجارية إلى البلدان العربية، معتبرة آنذاك أن تلك العلوم والمعارف طوق النجاة للخ ص من تسلّط حكّامها والتحرر من سلطة رجال الدين في غمرة صراع استمر عقودًا بالتوازي بين الفكر التنويري والفكر الظ مااي في أوروبا، بين تعصب ديني وطائفي قابله إص ح علمي وديني وفكري، متوّجًا رحلته الشاقة أخيرًا بنهضة أوروبية شاملة. لم يقف الغرب موقف المعادي للحضارة الإس مااية، فالموضوع ليس حربًا بين الحضارات، والع قااة بين الغرب الأوروبي والعالم الإس مااي في عالمنا الذي أضحى معولمًا ع قااة محتومة لا محالة. ومهما كان رأي الإسلاميين متشددًا تجاه الآخر، فإن اللقاءات الراهنة بين الحضارات تتداخل وتتشابك في ما بينها ل نااتفاع بعلوم أوروبا المتنوعة، وعلوم بلدان الشرق الأقصى وأفريقيا، وربما روسيا، وحتى أميركا ال تااينية؛ فعند التطلع إلى الع قااة بين العالم الإس مااي والعالم الغربي، علينا أن نعتمد في رؤيتنا ذلك التشابك في التحليل، مدركين تداخل وعمق تلك الص ت التاريخية التي من الصعب فصلها بعضها عن بعض. لذا وجب علينا إعادة صوغ رؤيتنا ل خآآر الغربي، وإلغاء تلك النظرة
العدوانية له، فننتقل بذلك من مرحلة الصراع والتبعية وجدلية المستعمِر والمستعمَر، إلى مرحلة العقل والحكمة.
خاتمة
لا شك في أن مفهوم التمدّن الجديد، بمعالمه الفكرية والسياسية والاجتماعية، نشأ بعد الاحتكاك بالحضارة الأوروبية، والاطلاع على أنماط الحياة الجديدة في مدنها، وخاصة في العواصم ذات الثقافة العالمية، مثل باريس ولندن وروما وفيينا. وقد حرّك في متنوري العرب هذا الاطلاع والرغبة الصريحة لمجاراة التجربة الأوروبية ومحاكاتها، على الرغم مما يمكن أن تثيره تلك الرغبة من إشكاليات في المواجهة بين القديم والجديد من جهة، والشرق والغرب من جهة أخرى؛ فقد عاين مثقفو القرن التاسع عشر التقدّم الذي وصلت إليه أوروبا، فانطلقوا بتأثرهم عبر حركات إصلاحية شملت العالم العربي، وكان شعارها التجديد لبناء حضارة حديثة. وكانت المواجهة بين عالم عربي يعاني الجمود والتقليد، وعالم أوروبي تتحرَّك في ركابه المدنية الجديدة، فكانت حركة التمدّن الجديد ك«السيل الجارف»، بحسب وصف خير الدين التونسي (889-18201)، الذي سوف يمتد بنفوذه ليصل أرجاء العالم. لذلك، كان لا بدّ من الأخذ بأسباب التمدّن، والتماس الطرق المؤدية إلى تحسين حال الأمة وأسباب تمدّنها، عبر إدراك ركب المدنية الحديثة واللحاق بها. يقول التونسي: «التمدن الأورباوي تدفق سيله في الأرض، ف يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية فيمكن نجاتهم من الغرق»33. فرض التمدن الجديد مجموعة من المتغيرات كان للصحافة اليد الطولى فيها، وكان خلط الثقافات واحدًا من تلك التغييرات التي جرت من خ لاا دمج الثقافة العربية بمظاهر المدنية الجديدة، من عق نااية وحرية، وعدالة وتحرير التاريخ والإنسان العربي من أسطورة التبعية، والتي كان من أهم وجوهها خطاب تحرير المرأة الذي كان من أصعب الخطابات التي مرّرها مثقفو القرن التاسع عشر وسلطوا فيه الضوء على دور المرأة المهم والبارز في صناعة المدنيّة الجديدة، فكانت بالتجربة الجريئة الواعدة التي كسرت واقع مجتمعات تقليدية تريد الحفاظ على القديم وتستنكر التجديد34. أوقد التمدّن الجديد في نفوس المثقفين العرب الرغبة في الانفتاح على الثقافة المغايرة للمدنية الشرقية التي كانوا يعيشونها، فرفعوا من وتيرة اختلاطهم بالغرب ورغبوا في التعرّف أكثر إلى المدنية الغربية المختلفة عما يعيشونه في المدنية الشرقية، للوصول إلى تمدّنٍجديد، خصوصًا بعد أن عاينوا التطور العلمي والتكنولوجي الذي وصل إليه الغرب، فقامت صفحات الصحافة بدور المعرّف على تلك المدنية الجديدة، وساهمت بشكل كبير في تحول حضاري لكسر السلطة السياسية والدينية،
ولخلق واقعٍ جديد، عبر الانتقال من مرحلة احتكار المعرفة إلى مرحلة تبادل المعرفة، وصولً إلى الديمقراطية، فبثت عند الشعوب العربية الوعي بأن تدبير شؤونهم وأمورهم ليس حكرًا على السلطة السياسية، ولم يعد قاصرًا على العلماء أو محصورًا في الدائرة الدينية أو دائرة الأزهر، بل أصبحت الصحافة نافذة التعبير عن حرية الرأي والمعتقدات التي لا بد من رعايتها لبناء مجتمع متضامن وحضاري. انعكس الاندفاع نحو التمدّن الجديد في كتابات المفكرين العرب، الذين طالبوا بحرية الإنسان، كونه هو من يصنع قدره وتاريخه، وهو الوحيد المسؤول عن اختياره، فذهبت القداسة عن أنظمة الحكم والسلطة بعد أن سيطرت قرونًا طويلة، بدعوى أن السلطة تستمد تلك القداسة من السماء. ففي التمدّن الجديد، أصبحت السلطة شأنًا خاصًا دنيويًا وإنسانيًا، وأصبح الإنسان وحده قادرًا على اختيار أفضل ما يناسبه من أنماط الحكم، ومالكًا الحق في تغييره إن رغب. تلك هي العلاقة العقلانية التي لا يكون لها معنى إلا إذا خدمت التحرر والحقوق والديمقراطية، وهي التي ترسخها صفحات الصحف من خ لاا فتح أفق الالتقاء الثقافي مع العالم المتقدّم كلّه، وعبر تقديم أفكار إبداعية إلى المتلقي العربي ليخرج من عزلته، متعرّفًا إلى العالم المتقدّم، فالصحف كانت الطريقة الجديدة في تبادل المعرفة، وتمدّن الب داا ورقيها ارتبطا بحرّية التعبير وانتشار صحافتها، فكانت الصحف عماد التمدن الجديد. References
المصادر والمراجع
العربية
الكتب
أبو عرجة، تيسير. دراسات في الصحافة والاعلام. عمّان: دار مجدلاوي،.2000
الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده. تحقيق وتقديم محمد عمارة. 5 مج. بيروت: دار الشروق، الأفغاني، جمال الدين ومحمد عبده. العروة الوثقى والثورة التحريرية الكبرى. القاهرة: دار العرب، أنطون، فرح. ابن رشد وفلسفته. تقديم طيب تيزيني. بيروت: دار الفارابي،.1988
باروت، محمد جمال. حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: حلقة حلب: دراسة ومختارات. دمشق: وزارة الثقافة، 994.1 (قضايا وحوارات النهضة العربية؛ 17)
البستاني، بطرس. أدباء العرب والأندلس وعصر الانبعاث. بيروت: دار نظير عبود،.1985
التونسي، خير الدين. اقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. تونس: الدار التونسية،.1889
حمزة، عبد اللطيف. قصة الصحافة العربية (في مصر) منذ نشأتها إلى منتصف القرن العشرين. بغداد: مطبعة المعارف،.1967
رضا، محمد رشيد. تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسير المنار. 12 مج. ط.2 القاهرة: المنار،.1947 الرفاعي، شمس الدين. تاريخ الصحافة السورية. القاهرة: دار المعارف، 1969. (دراسات صحفية) زيدان، جرجي. تاريخ آداب اللغة العربية. القاهرة: مطبعة الهلال،.1922
________. تاريخ التمدّن الإسلامي. القاهرة: مطبعة الهلال،.1908
________. تراجم مشاهير الشرق القرن التاسع عشر. 2 ج في 1 مج. ط.3 القاهرة: مطبعة الهلال، ________. رحلة إلى أوروبا، 1912. القاهرة: مكتبة الاسكندرية،.2002
سوريال، رياض. المجتمع القبطي في مصر في القرن 19. تقديم الأنبا عزيعوريوس وعزيز سوريال عطية. القاهرة: مكتبة المحبة،.1984
الشدياق، أحمد فارس. كنز الرغائب في منتخبات الجوائب. 7 ج في 3 مج. الأستانة، تركيا: مطبعة الجوائب،.1881-1871
________. الواسطة في معرفة أحوال مالطة وكشف المخبا عن فنون أوربا. ط.2 قسطنطينة: مطبعة الجوائب،.1881
شميل، شبلي. آراء الدكتور شبلي شميل. تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب. القاهرة: مطبعة المعارف،.1912
شيخو، لويس. الآداب العربية في القرن التاسع عشر، ج 3: تاريخ الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين. طبعة ثانية، مصححة مع زيادات شتة. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1926
الصلح، عماد. اعترافات الشدياق في كتاب الساق على الساق. بيروت: دار الرائد العربي،.1982
طرازي، فيليب دي. تاريخ الصحافة العربية. 2 ج. بيروت: المطبعة الأدبية،.1933-1913
الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة: مكتبة المرغنى،.1905
________. كتاب مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية. ط.2 القاهرة: مطبعة الرغائب،.1912
عبده، محمد. الإسلام دين العلم والمدنيّة. دراسة عاطف العراقي. القاهرة: دار مصر المحروسة،.1988 ________. دراسات في الصحافة الأوروبية: تاريخ وفن. ط.2 القاهرة: مكتبة دار الآداب،.1952 غالب، عبد الرحيم. مئة عام من تاريخ الصحافة: لسان الحال. بيروت: جروس برس،.1988
فافر، لوسيان وهنري جان مارتان. ظهور الكتاب. ترجمة محمد سميح السيد. دمشق: دار ط س، القباني، عبد العليم. نشأة الصحافة العربية بالاسكندرية، 1882-1873 م. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 973.1 (المكتبة الثقافية؛ 25)
النصولي، أنيس. أسباب النهضة العربية في القرن التاسع عشر. بيروت: دار ابن زيدون،.1985
مقالات الدوريات
زيدان، جرجي. «مسائل تحتمل وجهين وفيها مجال للبحث». الهلال. العدد 1 (أيلول/ سبتمبر 1).892 ________. «مقالة الجرائد العربية في العالم». الهلال. العدد 1 (أيلول/ سبتمبر 1).892
السمارة، كندة. «حرية المرأة وخطاب النهضة العربية: قراءة في تاريخ التمدن العربي في القرن التاسع عشر». التراث العربي. العدد 136 (شتاء.)2015
______. «محطات في تاريخ الصحافة العربية في القرن التاسع عشر». الموقف الأدبي. العدد 5 05 (أيار/ مايو.)2013
نديم، عبد الله. «مقالة تربية الأبناء». الأستاذ. العدد 9 (تشرين أول/ أكتوبر.)1892
_________. «مقالة الجرايد». الأستاذ. العدد 9 (تشرين أول/ أكتوبر.)1892
الأجنبية
Hartmann, Martin. The Arabic Press of Egypt. London: Luzac and co., 1899.