العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عن موضوعة النكبة: جدلية الجنوسة والقومية والتحرر في خطاب المثقف الفلسطيني في الداخل

عن موضوعة النكبة: جدلية الجنوسة والقومية والتحرر في خطاب المثقف الفلسطيني في الداخل

On the Narrative of the Nakba: The Dialectic of Gender, Nationalism and Liberation in the Discourse of Palestinian Intellect

هنيدة غانم

Honaida Ghanim

الملخّص

يسعى هذا البحث لاستعراض الدور الاجتماعي للمثقف - الشاعر الفلسطيني في الداخل (مناطق 48) وتحليل هذا الدور من خلال متابعة دوره في بناء السردية الفلسطينية للنكبة والثيمات الأساسية التي تمحورت حولها سردية النكبة ورموزها المؤسسة. وهو يتوقف بشكل خاص عند العلاقة المتناقضة بين خطاب المثقف بشأن التحرر والانعتاق والتغيير والبنية الاجتماعية التي يدعو إلى الانعتاق منها. تتكون الدراسة من ثلاثة أجزاء رئيسية، يستكشف الجزء الأول ظهور مفهوم "النكبة" لتصوير حوادث 1948، ومعناه الاشتقاقي، وتأثير هذه التسمية في الذات الوطنية، ويستكشف الجزء الثاني المجازات الرئيسية والمصطلحات والمفاهيم التي استخدمها الشعراء في بناء السردية الفلسطينية لتلك الحوادث. ويستكشف الجزء الثالث العلاقة بين الجنوسة والقومية من خلال شعر النكبة، ويستقصي أثرها في إعادة إنتاج القيم الناظمة للثقافة الأبوية.

Abstract

Abstract:The author looks into the role played by Palestinian intellectuals/poets in the 1948 territory in constructing a Palestinian narrative of the Nakba , and explores key themes around which this narrative and its constituent symbols revolve. The paper pays attention to the contradictory relationship between intellectuals’ discourse of liberation, emancipation and change and the social structure from which they advocate breaking away. The research paper comprises three sections. Giving an overview of the 1948 events, section 1 explores the emergence of the concept of Nakba , its derivative meaning, and its influence on the national self. Section 2 investigates the key metaphors, terms and concepts invested by poets to construct a Palestinian narrative of the 1948 events. Finally, section 3 uncovers the relationship between gender and nationalism through poetry of the Nakba , assessing the impact of the Nakba in reproducing the values regulating patriarchal culture.

الكلمات المفتاحية:
  • المثقفون
  • جنوسة
  • الدور الاجتماعي
  • نكبة
  • فلسطينيو 48
Keywords:
  • Gender
  • Intellectuals
  • Palestinians from the 1948
  • Territory
  • Nakba

جدلية الجنوسة والقومية والتحرر في خطاب المثقف الفلسطيني في الداخل

On the Narrative of the Nakba

The Dialectic of Gender, Nationalism and Liberation in the Discourse of Palestinian Intellectuals in the 1948 Territory

والثيمات الأساسية التي تمحورت حولها سردية النكبة ورموزها المؤسسة، ويتوقف بشكل خاص عند العلاقة المتناقضة بين خطاب المثقف حول التحرر والانعتاق والتغيير والبنية الاجتماعية التي يدعو إلى الانعتاق منها. تتكون الدراسة من ثلاثة أجزاء رئيسية، يستكشف الجزء الأول ظهور مفهوم «النكبة» لتصوير أحداث 9481، ومعناه الاشتقاقي وتأثير هذه التسمية في الذات الوطنية، ويستكشف الجزء الثاني المجازات الرئيسية والمصطلحات والمفاهيم التي استخدمها الشعراء في بناء السردية الفلسطينية لأحداث عام 9481، ويستكشف الجزء الثالث والأخير العلاقة بين الجنوسة والقومية من خلال شعر النكبة، ويستقصي أثرها في إعادة إنتاج القيم الناظمة للثقافة الأبوية.

* باحثة متخصصة بعلم الاجتماع السياسي، المديرة العام للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» رام الله، فلسطين.

(MADAR), Ramallah, Palestine.

مقدمة

في أعقاب نكبة عام 9481 وانهيار المجتمع الفلسطيني ومشروعه الوطني ومؤسساته الثقافية، تحول حوالى 0,00017 من الفلسطينيين إلى مواطنين في دولة إسرائيل التي أقيمت على خرائب وطنهم، وفُرض عليهم حكم عسكري صارم حتى سنة 1966. كان أغلب السكان المتبقين

قرويين غير متعلمين، وقد تُركوا بفعل النكبة أقلية ضعيفة خائفة، بلا قيادة وطنية، مبتورة عن مكونها المديني المهدم والمؤسساتي الذي دمرته الحرب. مر بعد النكبة ما لا يقل عن أربع سنوات من الصمت الثقيل، لم يُنشر خلالها شيء ذو أهمية، ثم بدأت تظهر في سنة 9521 كتابات ثقافية، أغلبها

شعرية ونثرية، لمجموعة جديدة من الشعراء الذين بدأوا يتشكلون تدريجيًا شريحةً مثقفة ذات دور

اجتماعي مرتبط بإنتاج القيم والمفاهيم والرموز الوطنية والجمعية. لم يكن هؤلاء هم المثقفين الوحيدين في المشهد الفلسطيني بعد النكبة، بل نشطت إلى جانبهم في إعادة إحياء الحيز الثقافي

الجمعي شريحةٌ ثقافية مخضرمة وصغيرة بقيت في فلسطين بعد النكبة، وكان أغلب أفرادها منتميًا إلى

الحزب الشيوعي، وعلى رأسهم إميل توما وإميل حبيبي وصليبا خميس، فتولوا الاستمرار في طباعة جريدة الاتحاد (صدرت سنة 9441) التي كانت الصحيفة العربية الوحيدة التي استمرت في الصدور بعد النكبة في إسرائيل، وفي إصدار ملاحق ثقافية شكلت حاضنة الشعراء الأهم. تحولت الكتابة الشعرية خاصة والأدبية عامة مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي إلى القناة الثقافية الوحيدة تقريبًا، التي يجري عبرها صوغ السردية الفلسطينية للنكبة والبقاء

ونشرها، وتشكيل قيم الصمود والتشبث بالأرض والمقاومة التي شكلت عمليًا محور الخبرات اليومية

لفلسطينيي الداخل الذين نجوا من الطرد والدمار سنة.1948 رغم الظروف القاسية تحت وطأة الحكم العسكري الإسرائيلي في الفترة المذكورة، نجح شعراء الداخل، كما أشار إلى ذلك غسان كنفاني في كتابه الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال  1968 - 1948، في تأدية دور أساسي في إنتاج الثقافة القومية الفلسطينية وتطوير قيم المقاومة القومية، سواء في الداخل أو في الخارج، فأصبح شعرهم مرجعية لروح الشعب ومزاجه، ولأساطير القومية الفلسطينية. وتحولت قصائدهم إلى أناشيد وطنية تلهب الحماسة الوطنية وتؤسس مخيال الشعب القومي الجمعي. وبسبب أهمية دورهم ورياديتهم في تشكيل الثقافة القومية الفلسطينية، يأتي هذا المقال لاستكشاف العلاقة المتناقضة والإشكالية لخطابهم ومسائل التغيير الاجتماعي وتبنّي أنماط خطاب أبوية ذكورية تتناغم مع النمط السائد

في المجتمع الفلسطيني.

(((لا بد من الإشارة إلى أن مؤسسات حكومية كالهستدروت، وحزبية كحزب مباي، وصحف كصحيفة دافار، أصدرت صحفًا

بالعربية لتمرير سياساتها ورؤيتها وخطابها. يشار أيضًا إلى أن حزب مبام أصدر صحيفة المرصاد أولً ثم مجلة الفجر لاحقًا. لكن على عكس صحف حزب مباي، اعتُبرت هذه الإصدارات معارضة، وكانت تسمح للكتّاب الفلسطينيين بنشر أشعار تعتبر قومية،

وهو ما يفسر انجذاب بعض المثقفين ممن لم يجدوا في الحزب الشيوعي معبّرًا عن طموحاتهم، وعلى رأسهم الشاعر القومي راشد

حسن، ولاحقًا الكاتب فوزي الأسمر والصحافي محمد وتد، للانضمام إلى صفوف مجلة كمجلة الفجر. للمزيد، انظر: هنيدة غانم،

المثقفون الفلسطينيون وإعادة بناء الأمة (القدس: إصدار ماغنس،.)2009 (((غسان كنفاني، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، 1968-1948 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.)1968

(3) Honaida Ghanim, «Poetics of Disaster: Nationalism, Gender, and Social Change Among Palestinian Poets in Israel After Nakba,» International Journal of Politics , Culture, and Society , vol. 22, no. 1 (March 2009), pp. 23-39.

لا بد من الإشارة هنا إلى ث ث نقاط يجب أخذها بالحسبان عند قراءة البحث: أولً، يركز البحث على الشعر ويتعامل معه من منطلق سوسيولوجي، أي بوصفه نصًا اجتماعيًا، مثله مثل الرواية والمقال

الصحافي والحكايا الشعبية، وفي ذلك تكمن مخاطرة تجريده من «خصوصيته» المرتبطة بجمالياته الأدبية، لمصلحة قراءة تقنية تحليلية باردة، وهو ما يعني ممارسة فعل قراءة عنيف على المنتج، يتعمد

التغاضي عن شعريته ومركّباته الجمالية التي تحمل بحد ذاتها أحيانًا طابعًا ثوريًا، كالتحول مثلً من

الشعر العمودي إلى الشعر الحر مباشرة بعد النكبة، وذلك لمصلحة تحليل المضامين الثقافية الخطابية للشعر؛ ثانيًا، إن القراءة السوسيولوجية للشعر لا تتوقف عند القراءة النقدية للنص الشعري، ولا تحاول

تأويله بوصفه نصًا مركّبًا من قراءات واحتمالات عدة، كحال القراءة الأدبية النقدية، بل تتوقف عند

المعاني المباشرة باعتبارها انعكاسًا لنمط ثقافي وذهني، وفي هذا تكمن أيضًا خطورة ممارسة قراءة

تبسيطية لنص شعري يحتمل أكثر من قراءة وأكثر من تأويل، وتبسيطًا لأبعاده الرمزية الكامنة؛ ثالثًا

والأهم هو أن التحليل النقدي لشعر أُنتج في غالبيته في فترة زمنية محددة ونُشر جزؤه الأكبر قبل أكثر من ستة عقود، فيه مخاطرة فرض مفاهيم الحاضر النقدية والتحليلية التي تطورت في سياقات مختلفة مكانيًا وزمانيًا على واقع كانت له دينامياته المغايرة. ولا يعني أخذ هذه النقاط بعين الاعتبار اختزال

المقولات التي أتت في سياقه بل موضعته في إطاره التحليلي الملائم، وهو الإطار السوسيولوجي.

المثقفون، إنتاج الثقافة والهوية القومية

عادة، يكون دور المثقفين (ومنهم الشعراء والروائيون والكتّاب) في خلق هوية جمعية قومية بالغ

الأهمية؛ إذ إنهم يتولون بحكم عملهم في إنتاج الثقافة ونشرها دورًا حاسمًا في إنتاج أساطير متمحورة

حول أمّتهم، وفي حشو مخيالها الجمعي برموز وقيم ورؤى اجتماعية تعبّر عنها، وفي هندسة حدودها

والترويج لهويتها أو التحذير من إشكاليات وقيم تتهددها، وفق السياق الذي يعمل المثقف فيه. يزداد دور المثقف أهمية في حالات الصراع، وفي الحالات التي تخوض الشعوب فيها معاركها من أجل التحرر الوطني، وهو ما يفسر وجود عشرات الأبحاث والمؤتمرات والأوراق التي خصصت في العالم العربي التي جاءت لتفحص دور المثقف العربي ومسألة التحرر وتنقدهما، وتطرح الع قااة بين السلطة والمثقفين وبين المثقف والتغيير. تتمحور مهمة المثقف الأساسية حول «إنتاج الثقافة

(((كُتبت ونشرت عشرات الأبحاث والأوراق عن علاقة المثقف والسلطة ودوره الاجتماعي، انظر، على سبيل المثال لا الحصر:

هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب: عصر النهضة، 1914-1875 م (بيروت: دار النهار للنشر، 9711)؛ محمد عابد الجابري،

المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة، 000 2)؛ علي أومليل، السلطة

الثقافية والسلطة السياسية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)؛ سماح إدريس، المثقف العربي والسلطة: بحث في

رواية التجربة الناصرية (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 9921)؛ جورج قرم، «المثقف والسلطة: بين المعانقة والمفارقة»، محاضرة ألقيت في قاعة المحاضرات في مجمع أبو ظبي الثقافي، أبو ظبي، تاريخ 009/9/252، شوهد في 2016/4/12، في:

http://www.georgescorm.com/personal/download.php?file=5377588.pdf، وصبحي حديدي، «المثقف السوري والانتفاضة:

خمسة أنماط من خيانة الرسالة»، صفحة سوريا حرة الإلكترونية، 2 كانون الأول/ ديسمبر 011:2، في http://souriahouria.com/

%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1% D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9- %D8%AE%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D8%A3%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B7-%D9%85/

وعن التجربة الفلسطينية، انظر: فيصل درّاج، بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1996)،

وغانم، المثقفون الفلسطينيون...

ونشرها»، ويتوقع منهم تزويد شعبهم بتفسير للواقع، وإنشاء معنى للتجربة، وابتكار طرق يمكن مواجهتها بها، ووضع حدود ل«المجتمع المتخيل». ووفقًا لإدوارد شيلز، وعن طريق إنتاج الرموز

التي ينبغي أن تضفى عليها القيمة، ينتج المثقفون أنماطًا وفئات تؤسس وتعيد تشكيل تحولات المعنى في المجتمع. ويشير إدوارد سعيد إلى أن دور المثقفين يتصل ب «قدرتهم على إعادة إنتاج وتجسيد وصياغة رسالة، نظرة، توجه، فلسفة أو رأي»، ويتعدى دور المثقفين في المجتمعات المستعمرة وفي فترات التحرر القومي مجرد إعادة عرض ووصف المواقف أو التعاطف، معها، بل يصبح المثقفون عوامل نشطة في الإنتاج والتدخل الفاعل في البناء الاجتماعي والثقافي، وفي صوغ مستقبل الجماعة المأمول. وكما يقول وولتر بنيامين في مقالته «المؤلف كمنتج»، فإن «للتوجهات السياسية مهما بدا دورها ثوريًا، وظيفة مناهضة للثورية، طالما ظل الكاتب يشعر بأن تضامنه ينحصر فقط في توجهه

الفكري وليس في دوره كمنتج». على عكس المثقفين التقليديين «الذين يؤدون نفس النشاط الثقافي على مر التاريخ الطويل»، فإن المثقف كمنتج للثقافة لا يصف الحياة الاجتماعية ببساطة وفقًا لقواعد علمية، وإنما يعبّر، من خلال لغة الثقافة، عن المشاعر والخبرات التي لا تستطيع الجماهير أن تعبّر

عنها بنفسها، ويسعى إلى التأسيس لتصورات جمعية لحلم المستقبل. يؤدي انهماك المثقف في بناء تصورات الماضي والمستقبل إلى تحوله إلى مثقف عضوي فاعل في الحراك الجمعي. وبالنسبة إلى فرانز فانون، يصبح دور المثقفين في حالة الكولونيالية عضويًا عندما يؤدون دورًا في بناء الثقافة

الوطنية التحررية. ويعرّف فانون الثقافة بأنها «جسم كامل من الجهود التي يبذلها الناس في مدار

الفكر، لوصف وتبرير وامتداح الدينامية التي خلق ذلك الشعب به نفسه، والتي يبقي بها نفسه حاضرًا

في الوجود». خلال القرن العشرين، وخاصة منذ ثورة الفلاحين سنة 1936، أصبح الشعراء الفلسطينيون فئة ثقافية رائدة، يستخدمون الشعر وسيلة لحث أبناء شعبهم على مقاومة الانتداب البريطاني والمشروع

(5) Robert J. Brym, «Sociology of Intellectuals,» in: Neil J. Smelser and Paul B. Baltes (eds.), International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences , 26 vols. (Amsterdam; New York: Elsevier, 2001), p. 1. (6) Karl Mannheim, Ideology and Utopia; an Introduction to the Sociology of Knowledge , with a Preface by Louis Wirth, International Library of Psychology, Philosophy and Scientific Method (London: K. Paul, Trench, Trubner and co., ltd.; New York: Harcourt, Brace and Company, 1936; 1968), p. 11. (7) Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 1983), p. 15. (8) Edward Shills, The Intellectuals and the Powers, and Other Essays , (Chicago: University of Chicago Press, 1972), p. 339.

(((إدوارد سعيد، صور المثقف: محاضرات ريث سنة 1993، نقله إلى العربية غسان غصن؛ مراجعة منى أنيس (بيروت: دار النهار للنشر، 1996)، ص.28

(10) Walter Benjamin, «The Author as Producer,» in: Walter Benjamin, Reflections: Essays, Aphorisms, Autobiographical Writing , Translated by Edmund Jephcott; Edited and with an Introduction by Peter Demetz (New York: Schocken Books, 1986), p. 222. (11) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth , Preface by Jean-Paul Sartre; Translated from the French by Constance Farrington, Penguin Twentieth-Century Classics (New York: Grove Press, 1968), p. 210. (12) Ibid., p. 120.

الاستعماري الصهيوني. ومن بين الشعراء الوطنيين، كسبت ث ثااة أسماء شهرة خاصة: أبو سلمى الكرمي (1907 - 9801)، وإبراهيم طوقان (1905 - 9411)، وعبد الرحيم محمود (1913 - 948.)1 وكان الشعراء الثلاثة ملتزمين إلى حد كبير بقضية شعبهم القومية، ودفعوا ثمنًا شخصيًا لقاء توجهاتهم

الوطنية. ومن بينهم، سيتذكر الفلسطينيون بشكل خاص عبد الرحيم محمود، «الشاعر الشهيد» الذي يشكل نموذجًا للمثقف الملتزم ويقرن الكلمة بالسيف؛ ففي سنة 1936، ترك محمود عمله كمعلم

مدرسة، وعائلته وأصدقاءه، وانضم إلى الثوار الفلسطينيين. وفي سنة 9481، استشهد بينما كان يقاتل دفاعًا عن قرية الشجرة الفلسطينية في الجليل. إلى جانب الهزيمة الفلسطينية الوطنية سنة 9481، وخصوصًا مع تدمير المدن الساحلية، تمزق المجال

الحيوي الثقافي الفلسطيني، فأُغلقت الصحف التي كانت تنشر في تلك المدن، وظلت فقط جريدة

الاتحاد الحيفاوية والناطقة باسم الحزب الشيوعي في قيد الصدور، وأُغلقت المدارس وحلقات الدرس

أبوابها، ودُمّرت المواقع الثقافية، مثل دور السينما والمسارح، تدميرًا تامًا، وقُوضت النهضة التي كانت

قد بدأت قبل سنة 948.1 وغادر أغلب مثقفي المدن فلسطين، وفقد حقل الشعر شعراءه الرئيسيين الذين إما قتلوا (محمود) وإما هُجّروا (الكرمي الذي انتقل إلى دمشق)، وإما تُوفوا لأسباب طبيعية (طوقان). ظهرت ثلاث مجموعات سياسية فلسطينية نتيجة لحرب 948:1 الفلسطينيون اللاجئون، والفلسطينيون الذي يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، والفلسطينيون الذين أصبحوا مواطنين في إسرائيل. وسيركز هذا البحث على المجموعة الثالثة، وتفحص دور شعراء فلسطين في مواجهة النكبة وفي إعادة تخليق هوية وطنية فلسطينية، إلى جانب الديناميات التي قرنت بين أمزجة الشعراء للرواية الوطنية وظروفهم الاجتماعية والثقافية. وتتصل أهمية هذه الفئة بحقيقة أن غالبية الشعراء المنتمين إليها جاءت من خلفيات ريفية ف حية، وعاشت في ظل حكم عسكري إسرائيلي صارم (1948 - 1966). ورغم أن هؤلاء كانوا يعيشون مقطوعين عن بقية المجتمع الفلسطيني والعالم العربي، وفي ظل غياب أي مراكز ثقافية حضرية، فإنهم أصبحوا بالتدريج عوامل رئيسية في إعادة خلق ثقافة قومية فلسطينية موحدة وعابرة للحدود السياسية القسرية. وباستكشاف ثيماتهم الرئيسية وتحليلها، وكذا وصورهم وتمثيلاتهم التي صاغوا بها الحدث، يتبين أنهم أنتجوا رواية قومية متناقضة تتراوح بين سعيهم لإحداث تغيير اجتماعي من خلال نقد القائم السياسي والثقافي والقومي، وبين بقائهم رهائن أمزجة وأنماط خطابية أبوية وتقليدية من جهة أخرى. تتكون هذه الدراسة من ثلاثة أجزاء رئيسية: • يستكشف الجزء الأول ظهور مفهوم «النكبة» لتصوير حوادث 9481 ومعناه الاشتقاقي، وتأثير هذه التسمية في الذات الوطنية؛ • يستكشف الجزء الثاني المجازات الرئيسية والمصطلحات والمفاهيم التي استخدمها الشعراء في بناء السردية الفلسطينية لحوادث سنة 9481؛

(((1 للمزيد، انظر: http://www.barghouti.com/poets/ / مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية والإبداع، عبد الرحيم محمود شاعرًا

ومقاتلً (الناصرة: الحكيم للطباعة والنشر، 9911)، ص 12 -.16

• يستكشف الجزء الثالث العلاقة بين الجنوسة والقومية من خلال شعر النكبة، ويستقصي أثرها في إعادة إنتاج القيم الناظمة للثقافة الأبوية.

1948: في تسمية «النكبة»

تسببت إقامة إسرائيل في سنة 9481 بإلحاق كارثة وطنية هائلة بالمجتمع الفلسطيني، وأدت إلى تدمير مؤسساته وبناه المجتمعية وتفتيت مشروعه القومي وتحطيم مدنه التي شكلت حاضنة الثقافة الناشئة والطبقة الوسطى. خلال حرب 9481 أبعدت القوات الصهيونية ما بين 750,000 - 900,000 فلسطيني عن ديارهم وأراضيهم بشكل منهجي، وهُدم حوالى 531 قرية بشكل متعمد وسُوّيت بالأرض لمنع

سكانها من العودة إليها. وتحول هؤلاء الفلسطينيون إلى لاجئين في كلٍّ من الأردن وسورية ولبنان ودول أخرى، فيما وجد حوالى 0,00017 فلسطيني (قرابة 01 في المئة من السكان الفلسطينيين) أنفسهم تحت حكم دولة إسرائيل الجديدة. كان المفكر القومي قسطنطين زريق أول من أطلق اسم النكبة على ما حدث في سنة 9481، وذلك في كتابه معنى النكبة الذي صدر في بيروت في آب/أغسطس 9481، أي بعد أسابيع قليلة من إقامة دولة إسرائيل. وفي هذا الكتاب كتب زريق:

ليست هزيمة العرب في فلسطين بالنكبة البسيطة، أو بالشر الهيِّن العابر، وإنما هي نكبة بكل

ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما ابتلي به العرب في تاريخهم الطويل، على ما فيه من محن ومآس.

وأضاف أن تراجيدية النكبة تكمن في أنها أثرت حتى في التركيبة الثقافية والنفسية: «إن مئات الآلاف من أهل هذا البلد المنكوب لم يشردوا من بيوتهم ويهيموا على وجوههم فحسب، بل إن أفكارهم وآراءهم وأفكار أبناء وطنهم في شتى منازلهم قد شردت أيضًا وهامت».

(((1 سلمان أبو ستة، «حق العودة: مقدس وقانوني وممكن»، الدستور، 997/9/31؛ The Ethnic , Pappe Ilan؛ 3/9/1997

Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld , 2006); Salman H. Abu - Sitta , « Palestinian Refugees and the Permanent

Status Negotiations ,» Policy Brief, no. 7, Center for Policy Analysis on Palestine , Washington , DC , 1999, and Walid

Khalidi (ed.): All that Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948 , Research and

Text Sharif S. Elmusa and Muhammad Ali Khalidi (Washington , DC: Institute for Palestine Studies , 1992); « Plan

Dalet: The Zionist Master Plan for the Conquest of Palestine ,» Middle East Forum , vol. 37, no. 9 (November 1961),

pp. 22-28, and « Why Did the Palestinians Leave ,» Middle East Forum , no. 24 (July 1959), pp. 21-24. Reprinted as:

« Why Did the Palestinians Leave Revisited ,» Journal of Palestine Studies , vol. 34, no. 2 (Winter 2005), pp. 42-54.

وأيضًا حول تغييرحول تغيير معالم فلسطين وتهويدها، انظر: Sacred Landscape: The Buried History of , Benvenisti Meron

the Holy Land since 1948 , Translated by Maxine Kaufman - Lacusta (Berkeley: University of California Press , 2000). (15) Charles Keyiman, «After the Disaster: The Arabs in Israel State 1948-1950,» Mahbarot lemahkar webekurt (10 December 1984) [Hebrew].

(1((قسطنطين زريق، معنى النكبة (بيروت: دار العلم للملايين، 9481؛ 9941)، ص.11 (((1 المرجع نفسه، ص.17

وفي سنة 949 1، نشر الشاعر الفلسطيني برهان الدين العبوشي كتابه شبح الأندلس: مسرحية عن نكبة

فلسطين ومعركة جنين الكبرى، متخذًا النفي من الأندلس والنفي من فلسطين أبعادًا متساوية عنده،

فكانا حدثين يشتبك فيهما الوطني والديني. وفي منتصف الخمسينيات، نشر المؤرخ الفلسطيني عارف العارف بحثه الموسوعي والمكون من ستة مجلدات ضخمة تحت عنوان النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود 1955-1947:، تناول فيه، وبشكل تفصيلي، تطور الحوادث منذ قرار التقسيم في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 9471، مرورًا بالمعارك الضارية

في سنة 9481 ونتائجها حتى سنة 1955. كتب العارف في مقدمته ضرورة إطلاق تسمية النكبة على ما حل بالعرب عامة والفلسطينيين خاصة، بدءًا من قرار التقسيم: «وكيف لا أسميه (النكبة)؟ وقد نُكبنا نحن معاشر العرب عامة والفلسطينيين خاصة، خ لاا هذه

الحقبة من الزمن، بما لم ننكب بمثله منذ قرون وأحقاب: فسُلبنا وطننا، وطُردنا من ديارنا، وفقدنا

عددًا كبيرًا من أبنائنا وأفلاذ أكبادنا، وأُصبنا فوق هذا وذاك بكرامتنا في الصميم ». على الرغم من ذلك، يستدعي مصطلح النكبة مزيدًا من الإضاءة؛ فوفقًا لتعريف لسان العرب، معجم اللغة العربية الفصحى، فإن النكبة هي مصيبة من مصائب الدهر. ومع ذلك، نجد التعريف في المعجم يأتي متبوعًا بملاحظة صغيرة إلى جانبه «حمانا الله منها»، وهو ما يعني أن النكبة كارثة ذات أبعاد هائلة

تحل بالإنسان أو المجتمع أو الطبيعية. وإلى جانب معناه الحرفي المباشر، يُستخدم المصطلح عادة

لتوصيف كوارث مفاجئة تصيب فردًا أو جماعة، تاركة إياهم ب حول وغير قادرين على المقاومة،

حيث لا يستطيع المصاب بالكارثة عمليًا أن يتحكم في مصيره أو يغير تداعيات الكارثة، حتى لو

صدر عنه رد فعل، كما يحدث في حالات الفقدان والشلل والاستلاب والكوارث الطبيعية. وفي هذا السياق، كان العرب يصفون الريح العاتية بالنكباء، في إشارة إلى ما تلحقه من أذى وضرر غير قابل لإصلاح. تبعًا لذلك، يتم من خ لاا التسمية عمليًا تحميل الحادث مضامين رمزية ذات أبعاد قومية، فتُسوَّغ

بواسطتها الهزيمة الوطنية وتعقلَن وبالتالي يُعفى (بشكل غير مقصود على الأغلب) الفلسطينيون من

أي مسؤولية تاريخية عن حدوث النكبة - فالكارثة الطبيعية تعريفًا هي ما لا يمكن مقاومتها - وهي فوق طاقة البشر ولا تتعلق بأفعالهم وخططهم.

النكبة: بين الخاتمة والبدء من جديد

رغم ما يحمله صوغ النكبة من إحالة إلى كارثة طبيعية، وبالتالي تسويغ للهزيمة، فإن صوغ الحادث بلغة الكوارث الطبيعية يحمل في الوقت ذاته بُعدًا آخر عادة ما يغيب عن البال ويتعلق

1(((علي الخليلي، الورثة الرواة، من النكبة إلى الدولة (عكا، فلسطين: مؤسسة الأسوار، 0012)، ص.99 1(((عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود 1955 – 1947:، 6 ج (بيروت: دار الهدى، 9801)، ص.3 (2((المرجع نفسه، ج 1، ص.3 (((2 حسن خضر، «صور المكان»، الكرمل، العدد 60 (9981)، ص.50-43

بالذات بإمكانية البدء من جديد رغم الخراب، وبإضفاء الألفة على الحادث رغم فداحته، وهو ما يعني اعتبار الكارثة خاتمة وليس نهاية؛ إذ إن تاريخ البشر مثقل بالكوارث الطبيعية وبالقصص التي تسردها وتحكيها، فالزلازل والعواصف تحضر حوادثَ حسية مجسدة، وهي ليست ع قااة غيبة أو روحانيه مجردة حتى لو حُملت أبعادًا دينية باعتبارها عقابًا إلهيًا في بعض الأحيان، وتحضر قصص

الكوارث لتحكي عن خواتم مراحل أكثر مما تحكي عن نهايات. هكذا هو الأمر حتى بعد «طوفان نوح» الذي لم يكن ليبدأ أي عهد جديد بعده لو لم يُحمل نوح سفينته «ورثة» من العهد السابق.

في هذا السياق يمكن أن نفهم النكبة بأنها خاتمة عهد ربما، لكنها في الوقت نفسه نقطة البداية

لإعادة البناء من جديد، لغدٍ أفضل على الأقل، حسبما صورها الشعراء الفلسطينيون، وإن يكن البدء بعهد جديد لا يتم إلا بعد المرور بطقوس المحاسبة الذاتية وتبديد السذاجة التي وسمت العهد الذي سبقه. تحمل قصيدة سميح القاسم «قصيدة لم تتم» التي نشرها في مجموعته الثانية، أغاني الدروب نموذجًا مهمًّا لعملية الختم والبدء من جديد؛ فهي تحيل من جهة إلى دمار الفردوس- الوطن، في

الوقت الذي تشير فيه إلى إمكانية البدء من جديد. يكتب القاسم:

شرذمة من الصلال... تسربت تحت خباء ليل إلى عشاش دوحها في ملتقى الدروب أبوابها مشرعة لكل طارق غريب وسورها أزاهر وظل وفي جنان طالما مر بها إله تفجرت على السلامة زوبعة هدت عشاش سربنا الوديع وهشمت حديقة ما جددت سدوم ولا أعادت عار روما الأسود القديم

تستدعي كلمات القاسم صورًا وادعة للوطن مفتوحًا للغرباء وآمنًا، تمامًا كفردوس آدم الأول،

حتى تتسرب شرذمة من الص لاا إلى المكان وتتفجر زوبعة تحيل الفردوس إلى خرائب ودمار. وفيما يحيل توصيف الوطن بالعشاش المشرعة للبراءة والسذاجة الطفولية التي تسم جميع الع قااات الحميمية في الفردوس الأصلي - قبل اقتراف آدم وحواء الخطيئة - فإن توصيف دخول «العدو» (بالإشارة إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين) بأنه فعل «تسرب» يحيل إلى سلوك المستعمر المراوغ والمضلل الذي قام من خ لااه باستغلال «وداعة» الضحية ليتسرب إلى حياتها، ليكون بذلك المستعمر عمليًا صنو الشيطان الذي أسقط بمكره البشرية من الفردوس السماوي

إلى الأرض المدنسة.

(((2 سميح القاسم، القصائد، مج 1 (كفر قرع: دار الهدى، 9911)، ص.25 (((2 للمزيد انظر: خضر، «صور المكان»، ص 50-43

حالة الخراب:

درويش في قصيدته «ولادة»:

(((2 المرجع نفسه، ص.26 (((2 محمود درويش، الديوان، 4 (عكا، فلسطين: مؤسسة الأسوار، 9881)، ص.97

تربك الزوبعة القاسم كما يربك السقوط من الفردوس آدم وحواء؛ فتحْت وطأة «الزوبعة»، يعاني

النظام الاجتماعي صدمة عميقة، ويتحول المجتمع من «بناء المواقف» إلى حالة زئبقية سائبة ب هيكل وبناء، وفي هذه اللحظة الصادمة لا يجد الفلسطيني الكلمات المناسبة لتوصيف

ويلاه إن قدرتي تخونني وفكرتي تضيع وينتهي هنا.. أمر ما سمعت من شعار قصيدة صاحبها مات ولم تتم... لكنني أسمع في قرارة الحروف بقية النغم اسمع يا أحبتي بقية النغم

يظهر أرخيتيب البدء من جديد بشكل مكثف في شعر الفلسطينيين في الداخل بعد النكبة، ويشكل عمليًا مجاز الجذر أحد أهم تجلياته، حيث تكمن أهميته في ما يحمله من معان تحيل إلى القدرة على

الاستمرار والتجدد رغم العواصف والكوارث، ويظهر أيضًا عبر استخدام مجاز العنقاء التي تخرج من بين الرماد في كتابات محمود درويش وتشير إلى القدرة على الانبعاث رغم الدمار، هكذا يكتب

إن قصفت عاصفة في تشرين.. ثالثهم، فجذور التين، راسخة في الصخر.. وفي الطين تعطيك غصونًا أخرى.. وغصون!

تتعدى أهمية استخدام أرخيتيب الجذور في الشعر الإحالة إلى التجدد والتشعب وفتح الأفق عمليًا

للبدء من جديد بعد النكبة، وتتعلق أيضًا بالعلاقة التي يحيل إليها بين المستعمِر والمستعمَر وبين

عنصر المكان الذي تشكل الأرض الملموسة محوره وعنصر الزمان الذي يشكل التاريخ محوره. فقد شكلت الأرض عمليًا لب الصراع مع الحركة الصهيونية، وتعدت محورية الأرض في سياق

الكولونيالية الصهيونية أهميتها بوصفها مكونًا ملموسًا وماديًا تحتاج إليه الصهيونية من أجل إقامة دولة

لليهود، إلى التنظير لأهميتها في إعادة إنتاج اليهودي الجديد، الذي لا يتشكل على صورته المرادة إلا من خلال ممارسة عمل فلاحي جسدي ينقض صورة اليهودي «الرخو» في أوروبا الذي لم يعمل فيها. وفي هذا السياق، زخر الأدب الصهيوني بكتابات تتغنى بالأرض وبالحنين إليها باعتبارها الوطن المفقود، وتثمن العودة إليها بعد طول انتظار في المنفى. من الناحية العملية، وكما أشار كثير من

الباحثين، كان هذا يعني تحويل زمن التوراة الأسطوري والديني إلى زمن سياسي حقيقي قابل للتطبيق والممارسة وليس فكرة سماوية، بما يعنيه هذا من تحويل لأسطورة إلى برنامج سياسي وما يعنيه هذا، كما كتب سلفيو جيجك، من الخروج من الزمن الرمزي بمفهومه اللكانياني إلى الزمن الأول البدئي الحسي الذي يترافق الدخول إليه بإعادة بعث مكبوتات النفس وظلالها التي جرى قمعها وتشذيبها. إن الترجمة السياسية لتحويل أساطير التوراة إلى برنامج عمل هو محو «الحاضر» واستحضار التاريخ المتخيل بوصفه مستقبل آلامه الوحيد، فيما تعني الترجمة الثقافية إنتاج المثقف الصهيوني للقيم التي تثمن العودة إلى الأرض وتتغنى بخلاصها وبجمالها ورائحتها وباليهودي العائد إليها بعد دهور من الانتظار في المنافي. لم تكن الرواية الصهيونية التي تتشابك فيها «العودة والجذور والأرض والمنافي والحنين» غريبة عن الفلسطيني الذي تعمّد بالنكبة وشب في ظل الحكم العسكري وسياسات القمع والمحاصرة،

وتعلم في مدارس إسرائيلية تضع منهاجها وزارة التعليم الإسرائيلي، وكان بالتالي يعرف عن قرب شعر أحاد هعام وشلونسكي وغيرهما، ويعي تمامًا أن إنكار وجود الفلسطيني - ليس ككائن حي

بل ككائن سياسي – هو لب الخطاب الصهيوني. في هذا السياق، كان خطاب الفلسطيني بمثابة

رد على ادعاءات المستعمِر وتبريراته، وجزء من مواجهة الخطر الوجودي الذي يتعرض له في ظل استمرار التهديد بمصادرة ما تبقى له من أرض وهوية. وبما أن الحرب تدور رحاها حول العلاقة مع المكان - الأرض وتاريخ هذه العلاقة وحول حق الوجود، جاء رد الفلسطيني مطعَّمًا بمفردات تشدد

على العلاقة المتداخلة منذ الأزل بين الفلسطيني والأرض التي يقف عليها، كما في قصيدة درويش «بطاقة هوية»:

جذوري.. قبل ميلاد الزمان رست وقبل تفتُّح الحقب وقبل السرو والزيتون قبل ترعرع العشب

في استحضار الجذر وتحويله عمليًا إلى حضور فوق تاريخي - قبل ميلاد الزمان رست وقبل تفتح

الحقب - يعيد درويش إعادة صوغ العلاقة بين الزمن – التاريخ - والفلسطيني، ويحول هذه العلاقة

إلى فوق زمنية ليرد بذلك على خطاب المستعم - الذي عمل على تحويل الزمن السماوي إلى زمن ر أرضي - وعلى ادعائه أنه «عائد من المنفى إلى وطنه» الذي يقول إنه عاش فيه وفق أسطورته قبل ألفي

عام، ويبني شرعية مشروعه الاستعماري بناء عليه. ويسخر درويش بردّه من ادعاء المستعمِر ويتحداه،

وهو يفعل ذلك من خلال لغة المكان - الأرض، حيث تصور العلاقة الحميمة والمباشرة مع الأرض التي لا تتوسطها أساطير العودة من المنافي ولا تشكل أداة لإعادة بناء جسد اليهودي الجديد كما نظر إليها المستعمر، بل علاقة عضوية متشابكة بحياة الفلسطيني اليومية. ويمضي درويش:

((2(المرجع نفسه، ص.75-74 (((2 المرجع نفسه.

يا أصول».

الظهور، فإن ظهورها متقطع واعتباطي»، يكتب توفيق زياد:

الصدمة بين الخاتمة والبدء من جديد

النغم وتتجدد الجذور.

2(((توفيق زياد، ديوان توفيق زياد، الأعمال الشعرية الكاملة (بيروت: دار العودة،.)2000 (2((المرجع نفسه.

أبي من أسرة المحراث لا من سادة نجب وجدي كان فلاحًا

بلا حسب ولا نسب.. يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب وبيتي، كوخُناطورٍ من الأعواد والقصب.. فهل ترضيك منزلتي؟ أنا اسم بلا لقب!

بين الجذر والأرض علاقة مباشرة تحيل إلى العلاقة الحميمة بين الوطن والساكن الأصلاني في مقابل العلاقة المصطنعة للغريب. وعندما يعمل المستعمر على إحداث القطيعة بين الاثنين، يكون الجذر حصن المقاومة ومعقلها لأنه بحكم طبيعته قادر على التشبث والضرب عميقًا في الأرض، كما كتب الشاعر الشيوعي توفيق زياد في قصيدته «هنا باقون»: «يا جذرنا الحي تشبث/ واضربي في القاع

على محور الزمن يتربع الجذر بلا خوف، واثقًا من ديمومته المستمدة من قدرته على التجدد المستمر، يواجه الحالة العابرة والموقتة للعاصفة التي تدمر وتخرب لكنها تنتهي إلى زوال. وحتى لو عاودت

وطني مهما نسوا مر عليه ألف فاتح ثم ذابوا.. مثلما الثلج يذوب

بالعودة إلى دلالات الخاتمة والبدء في بناء النكبة ككارثة طبيعية، ودلالات ترميزها كالسقوط من الفردوس إلى الأرض، يمكن القول إن ختم مرحلة السذاجة بعد النكبة لا يتم إلا عبر المرور بفترة انتقالية، يسميها فيكتور ترنر العتبة أو مرحلة «البين بين»، وهي في سياق النكبة تحيل إلى الصدمة من هول الكارثة والمتموضعة زمكانيًا [زمانيًا/مكانيًا] بين مرحلة الخرائب والمرحلة التي تعلو فيها بقية

تكمن أهمية هذه المرحلة الانتقالية في كونها لحظة الاصطدام بين الواقع والمتوقع ولحظة الاصطدام بين حسابات الفلسطيني والواقع الموضوعي الذي غاب عن حساباته. وهي بذلك

أيضًا تتشكل في سردية النكبة الشعرية بوصفها لحظة تكشف الحقيقة وتبدد الوهم الذي سيشكل انكشافه لبنة في إنتاج الفلسطيني المقاوم والثائر لاحقًا ومرحلة حاسمة كي يتمكن بعدها من البدء من جديد. يكتب عارف العارف في مقدمة كتابه الموسوعي النكبة الفلسطينية والوطن المفقود بعضًا مما يمكن أن يضيء أسباب الصدمة: «وقد يذكر التاريخ غدًا أن حفنة ما كان يؤبه لها من شذاذ الآفاق تغلبت على أربعين مليونًا من العرب». يتناغم هذا الاقتباس من العارف مع ما كان كثيرون من

الفلسطينيين يعتقدون به قبل كارثة 948 1، وهو أنهم يستطيعون إلحاق الهزيمة بعدوهم، أولً بسبب تفوقهم العددي في مقابل «شذاذ الآفاق»، ناهيك عن الدعم الذي توقعوه من الجيوش العربية، وثانيًا، وربما الأهم من ذلك كله، بسبب إيمانهم بأن الحق والعدل لا بد أن ينتصرا في نهاية المطاف.

نجد انعكاس لهذا الاعتقاد في رواية إسحاق موسى الحسيني مذكرات دجاجة التي كتبها سنة 943.1 تقدم الرواية فكرة العدالة كما يراها الفلسطينيون بشكل مجازي، من خ لاا قصة دجاجة ضربتها المفاجأة عندما اكتشفت أن غرباء تسللوا إلى خمّها وألقوا بها خارجه. لكن الدجاجة لم

تستسلم، وبدأت نضالها السلمي الذي تحققت العدالة في نهايته. غير أن المنطق الذي يقف وراء هذا الإيمان الفلسطيني بالنصر انهار في سنة 9481، فكان أن تحول الشعر إلى أداة لإعادة عقلنة وتفسير الكارثة التي ستكون بمثابة لقاء صادم بين البراءة والعدوان. يكتب سالم جبران في قصيدته «ليل النكبة»:

كان ليل النكبة الأسود لا إشعاع فيه.. غير إشعاع القنابل وهي تنصب على رأس قرى ليست تقاتل «ولماذا» يا بلادي قالت الأعين في رعب ولم تفهم تفاصيل القضية من خلال الألم المشبوب قالت ثم ألقينا البنانير على الأرض الشقية ورجعني للبيوت

تكشف المفاجأة وعدم القدرة على المقاومة من جهة، ووضع العيون المرعوبة أمام القنابل من جهة أخرى عمق الصدمة، لكنها تكشف أيضًا التمثيلات الأساسية التي تم من خلالها عمل الفلسطينيين على عقلنتها، حيث يصور الفلسطيني بوصفه ضحية طفولية بريئة إلى حد بعيد بلا حول. والأهم هو أن هذه السذاجة الطفولية لا يمكن، بحكم تعريفها، إلا أن تكون كلية وشاملة، تمامًا كسذاجة الطفل التي تنتهي

عندما يبدأ نضج الأخير بعد اكتشاف الواقع وتعقيداته. من هنا، لا يبدأ الفلسطيني في مرحلة النضج

(3((العارف، ص.3 (((3 إسحق موسى الحسيني، مذكرات دجاجة، إقرأ؛ (القاهرة: مطبعة المعارف، 9431)، ص.8 (((3 وردت في: عبد الرحمن رباح الكيالي، الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9751)، ص.372

في قصيدة «يا ويلي»:

بالمفارقات، كما سيجري التوضيح لاحقًا.

النكبة: لحظة تكشف الحقيقة

الله»، فيكتب في قصيدته:

«الله لاجئ» يكتب راشد حسين أن الله نفسه أصبح لاجئًا:

(((3 القاسم، ص.25 (((3 راشد حسين، الأعمال الشعرية (الطيبة: مركز إحياء التراث العربي، 9901)، ص.173 (((3 المرجع نفسه، ص.389

إلا من خلال اكتشاف وهم معتقداته السابقة، من قبيل الإيمان بأن الجيوش العربية ستهزم المستعمِر، وبأن الإخوة سينصرونه، وهو ما يفسر تقديم الفلسطينيين أيضًا بوصفهم «ضحايا مخذولين» لزعماء الدول العربية و«جيش الإنقاذ» الذي فر من ساحة المعركة بشكل مخجل. هكذا كتب الشاعر سميح القاسم

«يا ويلي» عسكر «الإنقاذ» خرفان تولي للشمال عسكر «الإنقاذ» يلقون البنادق في الخنادق وعلى الوحل يزتون النياشين وشارات القتال عسكر «الإنقاذ» يا عار الرجال!

في هذا السياق يمكن التلخيص بأن النكبة لم تكن فقط هزيمة مُرّة، بل الأهم من ذلك أنها كانت لحظة

الخروج من البراءة والطفولة الساذجة التي سبقتها والدخول بمرحلة النضج القاسية التي لا تتم إلا عبر معاناة اكتشاف الحقيقة وزوال الوهم لا عن الجيوش العربية التي تظهر مثل «قطيع خراف» فحسب، بل أيضًا عن مجمل البناء الثقافي، بما فيه المعتقدات الدينية - الثقافية التي يعاد تمثيلها خرافات تغص

في سنة 9541، كتب راشد حسين قصيدته «الخيمة الصفراء» التي وصف فيها الحياة البائسة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات. يعلن حسين في قصيدته بنغمة درامية ويائسة «موت

وتمددت أُمي كعاصفة ممزقة الحشايا لتلم أشلاء الأمومة في الأزقة والزوايا فرأيتُ أن الله زال ومات في قلب البرايا

أكفانه حلل الدماءِ وقبره جُثث الضحايا

تظهر الحقيقة للفلسطيني إذًا في زمن الكارثة، ويتبدد وهم أن هناك من يناصره أو يقف إلى جانبه؛ فحتى القدرة الكلية التي يمثّلها الخالق تتكشف عن خيبة كاملة؛ فالله «عاجز» في مواجهة الدمار والضرر اللذين لحقا بالفلسطينيين عندما كانوا في حاجة إليه، وهو ما يترتب عنه فقد شرعيته بعد أن أصبح بلا نفع، وكأنه مجرد إنسان مماثل للفلسطيني الذي لا يجد الحماية في الحرب. وفي قصيدته

الله أصبح لاجئًا يا سيدي وبعِالكنيسة فهي من أم كااه واطفي ذُبالات النجوم فإنها هكذا يصبح الله الكلي القدرة مجردًا من غموضه وهالته، ومجرد لاجئ آخر يمكن أن تصادَر أملاكه هو أيضًا. يجدر أن نتذكر هنا أن الدين الشعبي كان يهيمن على الثقافة الفلسطينية السائدة. وفي هذا السياق، لم يكن التشكيك في قدرة الله «هرطقة» فحسب، وإنما كان أيضًا تصريحًا مناقضًا للنظام

الاجتماعي القائم. إن النظام الذي نجم في أعقاب النكبة لم ينطو بالنسبة إلى الشاعر على ضرر لحق بالوضع الوطني الجمعي فقط، وإنما شكل كذلك انهيارًا لتلك القوة الفائقة التي لم تعد قادرة

بدورها على النجاة من الفوضى القائمة. وبقوله «بع الكنيسة»، وهي التي ترمز إلى الله في الأرض، يثير حسين الشكوك في قدرة القيمة المطلقة التي تتركز حولها الثقافة العربية الإسلامية. لقد فقدت تلك القوة الفائقة التي كانت مركز التراث شرعيتها فعليًا. وعندما يقف الله هناك مراقبًا ب حول،

فإنه لا يصبح ب نفع فحسب، وإنما غير مرغوب فيه أيضًا. يقول حسين في قصيدته «إع نااات لسكان السماء»:

قل للسماء ولا تماطل، قل لها، قل للسماء:

قد ملَّتِ الأعشابُ شربَ دمِ الصغار الأبرياءِ؟ فإلى متى تتفرجين بغير أجر أو كراء؟ هيا ادفعي حقي وإلا غادري جوَّ الفناء

وخذي النجوم إلى فضاءٍ آخر، هذا فضائي!

لم تكن السماء وما تمثله فقط هما ما طالب الشعراء بنبذهما، وإنما طالبوا أيضًا بنبذ تلك المعتقدات الزائفة والقيم غير العادلة التي كانت تشكل أساس مجتمعهم وثقافتهم. في قصيدة «التعاويذ المضادة للطائرات» يكتب سميح القاسم:

كنت طفلً آنذاك علموني أن مجرى الأرض، في كف السماء علموني أنه، سبحانه يحيي ويفني ما يشاء علموني أن أطيع الأولياء دون أن أسأل من كانوا؟ وماذا صنعوا للتعساء؟ علَّموني الدَّجلَ والرقص على الحبل، وإذلال النساء

((3(المرجع نفسه، ص.43 (((3 القاسم، ص.313-312

صادر إذن حتى بساط المسجد وبعِالمؤذن في المزادِالأسودَ ستضيءُدرب التائه المتشرِّد

إن «التعاويذ» بوصفها كناية عن «اللاعقلانية والوعي الزائف» لا تستطيع أن تهزم «الطائرات» التي تمثل تقنية الآخر وحداثته. ويكرر القاسم في قصيدته «أطفال سنة 948»1 المنشورة في أغاني الدروب ذات الفكرة التي تحمّل الآباء مسؤولية ما آل اليه الوطن بقوله:

يا إخوتي/ آباؤنا لم يغرسوا غير الأساطير السقيمة/ واليتم.... والرؤيا العقيمة/ فلنجن من غرس الجهالة والخيانة والجريمة/ فلنجن من خبز التمزق...نكبة الجوع العضال.

وكي يتم عمليًا إحداث قطيعة مع ما تسبب من نكبة وفقدان، لا يبقى أمام القاسم إلا أن يطرح عنه

القيم «المتخلفة» التي يحملها والده المهزوم وأمه الذليلة:

يا أبي المهزوم، يا أمي الذليلة، إنني أقذف للشيطان ما أورثتماني من تعاليم القبيلة

لا بد من التنويه هنا أن هؤلاء الشعراء متأثرون كثيرًا بالأفكار الشيوعية عن ثنائية التقدم/التخلف،

كما باعتقاد ماركس القائل بأن «الدين أفيون الشعوب»؛ فقد انتقد الشعراء الفلسطينيون القيم الثقافية والدينية التي اعتقدوا أنها أخضعت مجتمعهم لظروف الرجعية وجلبت عليهم الهزيمة.

النكبة والقومية والجنوسة

يخصص هذا الجزء من البحث لسبر الع قااة بين خطاب المثقف والتغيير؛ اذ رغم تعبير خطاب الشعراء عن رغبتهم في البدء من جديد، ورفضهم ما اعتبروه قيمًا رجعية وغيبية، وندائهم لتحرير

المجتمع من «تعاليم القبيلة»، ظل الشعراء رهائن لغة أبوية وذكورية تستمد مفرداتها من القيم الثقافية والبنى الاجتماعية ذاتها التي نادوا بتغييرها. لا يختلف الشعراء الفلسطينيون في هذا الإطار عن غيرهم من الشعراء القوميين في العالم عامة، وفي المجتمعات التي ناضلت للتحرر من المستعمر خاصة؛ إذ عادة ما تحضر المرأة والوطن/ الأرض في الأدب القومي بوصفهما صنوين، فيما يحضر الرجل بوصفه صنو الدولة، ناهيك عن أن أرخيتيب الأرض، بحسب علم النفس اليونغياني، تشكل كأرخيتيب أنثوي يحيل إلى «المادي والجسدي والحسي والملموس». وتظهر المرأة في السرديات القومية بدور «المؤشر والمرمز» للوطن وحدود الجماعة، وتؤدي صور «المرأة» المتخيلة دورًا مهمًّا في تكوين صورة الأمة لذاتها. وقد شكلّت الرابطة

الرمزية القائمة بين فكرة المرأة وفكرة الأمة واستخدام الحركات التحررية المرأة رمزًا لأمة أمرًا

بالغ الأهمية في جنسنة الانتماء إلى الجماعات القومية، واقترن استخدام «المرأة» هذا بفرض أشكال من المراقبة السلوكية على المرأة باسم الأمة وباسم التقدم. ويبدو هذا جليًا في فرض أسلوب لباس

(3((سميح القاسم، في: الكيالي، ص.441

(39) Erich Neumann, Mystical Man (Tel Aviv: Resling, 2007). [Hebrew], p. 20. (40) Julie M. Peteet, Gender in Crisis: Women and the Palestinian Resistance Movement (New York: Columbia University Press, 1991).

معيّن على النساء في فترة الانتفاضة الأولى، أو في تحوّل لباس الحجاب إلى شكل نضالي في إيران

والجزائر، فيما استخدم الوطنيون والإص حيون والقادة، من أمثال قاسم أمين، المرأة لبناء صورة متخيلة لمجتمعاتهم. وقد ذهب أمين إلى أن من مصلحة «الأمة» تعليم المرأة وتوظيفها في سوق العمل، وتغيير هندامها، وإشراكها رمزيًا في العملية السياسية كشعار للحداثة. وفيما أن جنسنة الوطن لا تُعتبر ميزة خاصة بالأدب الفلسطيني، خاصة - إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأدب العبري يزخر بهذه الجنسنة - يبقى من المهم الوقوف على أهم تجلياتها، وعلى العلاقة بين التجنيس ودور الشاعر كوكيل اجتماعي لتغيير أو لتكريس القيم المهيمنة، ولا سيما في ظل محورية القيم المتعلقة بالسلوك الجنسي للمرأة في النظام الأبوي التقليدي، مثل قيم العرض والشرف والعيب والعار. في هذا السياق، يشير بيتر دود إلى أن من الممكن فهم غالبية التشك ت التنظيمية للعائلة

العربية عبر فهم مفهوم «العِرض» كقيمة للمراقبة الاجتماعية وشرعنة بنية العائلة العربية الأبوية.

ويشير أيضًا إلى أن العِرض قيمة اجتماعية سابقة على الإس ماا وليس نتاجًا له، وما زالت كذلك

حتى يومنا هذا. وتُترجَم كلمة «الع رض» إلى الإنكليزية ب Honor، غير أن هذه الترجمة تثير

حفيظة بعض الدارسين؛ فقد اعتبر أحمد أبو زيد أن هذه الترجمة مشكلة، لأن Honor أقرب

إلى الشرف منه إلى العِرض؛ ف«العِرض» شكل معيّن من أشكال الشرف، ويتأثر فقط بسلوك

المرأة الجنسي، وهو بالتالي قيمة يمكن خسارتها فقط ولا يمكن اكتسابها أو استردادها. في المقابل، يرتبط الشرف بسلوكات الرجل والمرأة، ولا يقتصر على أيٍّ منهما، وهو عادةً قيمة قابلة ل كااتساب. إن سلوكات معينة أو نجاحات مهمة تجلب لصاحبها الشرف أو تشرفه، في حين أن

العِرض من الممكن خسارته فقط عن طريق قيام المرأة بسلوك «غير متزن»، وما إن يُفقَد العِرض

حتى يتعذر استرداده. تعتبر ليلى أبو لُغد أن الشرف شيفرة تحليلية وسلوكية معًا، أي إنه ذو مركّبات عقلية وعملية.

إنه في حالته الأولى منظومة قيم وتعريفات ورموز ومفاهيم تحدد الظاهرة وتفسرها. أما في حالته الثانية، فهو يوجه الفعل الاجتماعي ويحركه، وينتظم عبر مفاهيم وصيرورات وآليات مراقبة ومعاقبة. إن من أكثر الآليات أهمية في فرض النظام الاجتماعي المنظم حول العرض والشرف هي المراقبة العامة ووضع المرأة عادةً تحت منظار المجتمع. ومما لا شك فيه أن ما يسمى «حكي الناس»

(41) Leila Ahmed, Women and Gender in Islam: Historical Roots of a Modern Debate (New Haven, Conn.: Yale University Press, 1992), p. 142. (42) Peter C. Dodd, «Family Honor and the Forces of Change in Arab Society,» International Journal of Middle East Studies , vol. 4, no. 1 (January 1973), pp. 40-54. (43) Ahmed Abu-Zeid, «Honour and Shame among Bedouins of Egypt,» in: J.G. Peristiany (ed.), Honour and Shame: The Values of Mediterranean Society , Nature of Human Society Series (London: Weidenfeld and Nicolson, 1966), p. 256. (44) Lila Abu-Lughod, Veiled Sentiments: Honor and Poetry in a Bedouin Society (Berkeley, CA: University of California Press, 1986).

و«السمعة» هما من أدوات المراقبة العامة والمستخدمة من أجل معاقبة المرأة في حالة خروجها عن السلوكات المفروضة. تشير يفانا حداد إلى أن عِرض الرجل لا يتعلق بأعمال الرجل الذاتية بل بقدرته على السيطرة على النساء ومراقبة سلوكهن. والعرض قيمة خارجية للرجل لأنه منوط بسلوك النساء في عائلته - المحافظة على العذرية والحشمة. إن المساهمة الكبرى للمرأة في الحفاظ على «الشرف» هي عدم فعل أي شيء باستثناء الحفاظ على عذريتها. ولكن بحسب كيتي فرنوك، لا يعطي الرجال المرأة حتى الحق في الحصول على تقدير نجاحهن في الحفاظ على العرض لأنه مفهوم ضمنًا. يميز أبو زيد بين العار والعيب بالقول إن «العار» هو الدرجة الأعلى من الخزي، في حين أن «العيب» هو الدرجة الأدنى؛ العار مفهوم عربي كلاسيكي يتعلق بخرق المرأة حصرًا سلوكات مرتبطة بالفعل الجنسي،

تتبعه إسقاطات على الفرد والجماعة. وفي المقابل، يقابَل العيب برد فعل مباشر اتجاه الفرد الذي قام

به، من دون أن يكون لذلك تأثير في التأنيب والتوبيخ، ويهدف إلى رد الفاعل عن فعله. أما الخروج الصريح عن السلوكات الاجتماعية المقررة للمرأة في كل ما يتعلق بفعلها الجنسي، فهو «عار» عقابه حاد وعنيف، ويصل أحيانًا إلى درجة القتل الفعلي أو الرمزي (مثل حبس المرأة أو منعها من الخروج أو تعنيفها جسديًا). تكفي نظرة سريعة إلى الشعر الفلسطيني كي نلحظ حضور الوطن بوصفه امرأة تقدم بشكل متبدل كمحبوبة أو أمٍّ أو خطيبة حينًا، أو كخائنة وبغي وفاسقة وغير مخلصة في أحيان أخرى. ويقدم حسين

في قصيدته «هي الأرض» حوارًا متخي بين رجل باع أرضه من الصهونيين من أجل دفع مهر

خطيبته. وفي صور مليئة بالتشابك بين الأرض والأنثى، يقدم حسين شرف الأرض وكأنه شرف امرأة أهينت على المستوى الجنسي عندما بيعت من الصهيونيين:

سحبتَ الحواكير من شعرها وبعت جدائل زيتونها وأرخصت في السوق عرض السهول وخنت وفاء بساتينها ومزقت حلمات ليمونها وبعت جدائل زيتونها أتفضح والدة أرضعتك لتستر عرضي؟ وتترك هذي البيادر جوعى

(45) Yvonne Yazbeck Haddad, «Palestinian Women: Patterns of Legitimation and Domination,» in: Khalil Nakhleh and Elia Zureik (eds.), The Sociology of the Palestinians (London: Croom Helm, 1980), p. 51. (46) Kitty Warnock, Land before Honour: Palestinian Women in the Occupied Territories (New York: Monthly Review Press, 1990), pp. 23-24. (47) Abu-Zeid, p. 246.

(4((حسين، ص.475

ليشبع روضي؟ أمن وجع الأرض.. تصنع أفراح قلبي الحزين؟ أعري البيادر يا نذل يلبسني ياسمين؟

وفيما قدم شعراء يهود حرب 9481 بأنها فعل تحرير للحبيبة، قدم العرب سقوط فلسطين على أنه فعل «اغتصاب» أو فعل «خيانة» و«فسق» قامت به الأرض «المومس» وجلب العار الجماعي على الأمة كلها. ويعبّر طه محمد علي عن صور الوطن المصطبغة بالجنس والمرأة غير المخلصة، فيكتب في

قصيدته عنبر:

الأرض خائنة/ الأرض لا تحفظ الود/ والأرض لا تؤمن/ الأرض مومس/ أخذت بيدها السنين/ تدير مرقصا/ على رصيف ميناء/ تضحك بكل اللغات/ وتلقم خصرها لكل وافد. /الأرض تتنكر لنا/ وتخدعنا/ والثرى يضيق بنا/ يتذمر منا ويكرهنا

ويستمر طه في القصيدة نفسها:

أرضنا تغازل البحارة/ وتتجرد أمام الوافدين/ أرضنا تتوسد فخذ المغتصب/ وتتهتك بشتى اللهجات/ ولا يبدو عليها ما يربطنا بها.

وقد وصف محمود درويش خيانة الأرض وتحولها إلى «لعوب» في قصيده «الحزن والغضب»

التي يتوجه من خلالها إلى «عاشق» الأرض الجديد، متسائلً ومستنكرًا:

«أتحبها؟ أحببت قبلك، وارتجفتُ على جدائلها الظليلة كانت جميلة لكنها رقصت على قبري، وأيامي القليلة وتخاصرت والآخرين.. بحبلة الرقص الطويلة وأنا وأنت، نعاتبُ التاريخَ

والعلَم الذي فقد الرجولة

من نحن؟

في عملية الرقص على قبر الحبيب، والتخاصر الفاضح مع الآخرين، تتحول الإهانة المرافقة لعملية الخيانة إلى مأساة مضاعفة: لأن الفلسطيني لا يفقد شرفه الشخصي فحسب عندما تصبح محبوبته عشيقة عدوه، بل يفقد رجولته أيضًا لأنها تفعل ذلك بنوع من الاحتفالية المطردة،

4(((طه محمد علي، القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى (الناصرة، فلسطين: مطابع الحكيم،.)1983 (5((درويش، ص.59

والتهتك الفاضح! بهذا المعنى لا تكون مشاريع تحرير الوطن مشاريع من أجل طرد العدو فقط، بل تكون أيضًا جزءًا من مشاريع إعادة ترميم الرجولة التي هُتكت بعد فقدان الجماعة شرفها الجمعي

في النكبة.

خلاصة

تأثر تشكُّل الخطاب الثقافي الفلسطيني بعد النكبة بالإطار الزمكاني [الزماني/المكاني] الذي صيغ فيه، ومن خصوصية موقع الفلسطينيين الجيوسياسي في الداخل، حيث تحولوا إلى «مواطنين» في الدولة التي أقيمت على أنقاض شعبهم وعلى خرائب حلمهم القومي. في سياق تجربتهم هذه، عاش الفلسطينيون المعنى المباشر للنكبة، وخبروا عن قرب إزاحة المشهد الفلسطيني، واحتكوا مباشرة بالمستعمر بتمثيلاته المختلفة البيروقراطية والرمزية والتجارية... إلخ، كما واجهوا سياساته المستمرة التي تستهدف إحكام السيطرة عليهم وتفريغ هويتهم القومية، والأهم هو الاستمرار في استلاب ما بقي لديهم من أرض من خلال إجراءات المصادرة. في هذا السياق، كانت كتابة الفلسطيني ابنة هذا المناخ، فشكلت في جزء منها ردًا على سياسات المستعمر وادعاءاته، وفي جزء آخر رافعة رمزية للمقاومة والتحشيد لرفض سياسات المستعمر، وتحولت بالتدريج إلى أحد أهم روافد الهوية القومية الفلسطينية وثقافة المقاومة الجمعية. ورغم تصوير النكبة بأنها شكل من أشكال الكوارث الطبيعية واعتبارها بمنزلة خروج من الفردوس وما يعنيه ذلك من خسارة البراءة، فإن الشعراء سعوا أيضًا لتمثيلها بوصفها لحظة تكشف الحقيقة، وباعتبارها خاتمة عهد السذاجة وبداية عهد نضج جديد مفتوح على الأمل بالتحرر وعلى مشاريع المقاومة. لكن المشكلة كانت في أن صوغ «النكبة» كان يجري أيضًا من خلال الركون إلى توصيفات أبوية كلاسيكية وذكورية تقليدية، يكون معها مشروع البدء من جديد بحد ذاته إعادة إنتاج للفكر ذاته الذي سبق أن رفضوه أصلً. References

المصادر والمراجع

العربية

كتب

إدريس، سماح. المثقف العربي والسلطة: بحث في رواية التجربة الناصرية. بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع،.1992 أومليل، علي. السلطة الثقافية والسلطة السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1996 الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة،.2000

حسين، راشد. الأعمال الشعرية. الطيبة: مركز إحياء التراث العربي،.1990 الحسيني، إسحق موسى. مذكرات دجاجة. إقرأ؛ 8. القاهرة: مطبعة المعارف،.1943 الخليلي، علي. الورثة الرواة، من النكبة إلى الدولة. عكا، فلسطين: مؤسسة الأسوار،.2001 درويش، محمود. الديوان. عكا، فلسطين: مؤسسة الأسوار،.1988 زريق، قسطنطين. معنى النكبة. بيروت: دار العلم للملايين، 9481؛.1994 زياد، توفيق. أشد على أيديكم، عكا: مطبعة أبو رحمون،.1994 سعيد، ادوارد. صور المثقف: محاضرات ريث سنة 1993. نقله إلى العربية غسان غصن؛ راجعه منى

أنيس. بيروت: دار النهار للنشر،.1996 شرابي، هشام. المثقفون العرب والغرب: عصر النهضة، 1875 - 1914 م. بيروت: دار النهار للنشر،.1971 العارف، عارف. نكبة فلسطين والفردوس المفقود: 1955 – 1947. بيروت: دار الهدى،.1980 6 ج. غانم، هنيدة. المثقفون الفلسطينيون وإعادة بناء الأمة. القدس: اصدار ماغنس،.2009 القاسم، سميح. القصائد. مج.1 كفر قرع: دار الهدى،.1991 كنفاني، غسان. الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، 1968-1948. بيروت: مؤسسة الدراسات

الفلسطينية،.1968 الكيالي، عبد الرحمن رباح. الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات

والنشر،.1975 محمد علي، طه. القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى. الناصرة، فلسطين: مطابع الحكيم،.1983 دراج، فيصل. بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية. بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع،.1996 مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية والإبداع، عبد الرحيم محمود شاعرًا ومقاتً، الناصرة: الحكيم

للطباعة والنشر،.1991

دورية

خضر، حسن. «صور المكان». الكرمل. العدد 1).998(60

مراجع على الانترنت

حديدي، صبحي. «المثقف السوري والانتفاضة: خمسة أنماط من خيانة الرسالة». صفحة سوريا حرة الإلكترونية، 2 كانون الأول/ ديسمبر 0112، في: 7 A 8% D /% com. souriahouria:// http

% D 9%84% D 9%85% D 8% AB % D 9%82% D 9%81-% D 8% A 7% D 9%84% D 8% B 3% D 9

%88% D 8% B 1% D 9%8 A -% D 9%88% D 8% A 7% D 9%84% D 8% A 7% D 9%86% D 8% A

A % D 9%81% D 8% A 7% D 8% B 6% D 8% A 9-% D 8% AE % D 9%85% D 8% B 3% D 8% A 9-

% D 8% A 3% D 9%86% D 9%85% D 8% A 7% D 8% B 7-% D 9%85/ قرم، جورج. «المثقف والسلطة: بين المعانقة والمفارقة». محاضرة القيت في قاعة المحاضرات في مجمع أبو ظبي الثقافي، أبو ظبي، تاريخ 009/9/252، شوهد في 2016/4/12، في: http://www.

georgescorm.com/personal/download.php?file=5377588.pdf،

الأجنبية Books

Abu-Lughod, Lila. Veiled Sentiments: Honor and Poetry in a Bedouin Society. Berkeley, CA: University of California Press, 1986. Ahmed, Leila. Women and Gender in Islam: Historical Roots of a Modern Debate. New Haven, Conn.: Yale University Press, 1992. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso, 1983. Benjamin, Walter. Reflections: Essays, Aphorisms, Autobiographical Writing. Translated by Edmund Jephcott; Edited and with an Introduction by Peter Demetz. New York: Schocken Books, 1986. Benvenisti, Meron. Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land since 1948. Translated by Maxine Kaufman-Lacusta. Berkeley: University of California Press, 2000. Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Preface by Jean-Paul Sartre; Translated from the French by Constance Farrington. Penguin Twentieth-Century Classics. New York: Grove Press, 1968. Khalidi, Walid (ed.): All that Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948. Research and Text Sharif S. Elmusa and Muhammad Ali Khalidi. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1992. Mannheim, Karl. Ideology and Utopia; an Introduction to the Sociology of Knowledge. With a Preface by Louis Wirth. International Library of Psychology, Philosophy and Scientific Method. London: K. Paul, Trench, Trubner and co., ltd.; New York: Harcourt, Brace and Company, 1936; 1968. Nakhleh, Khalil and Elia Zureik (eds.). The Sociology of the Palestinians. London: Croom Helm, 1980. Neil J. Smelser and Paul B. Baltes (eds.). International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences. Amsterdam; New York: Elsevier, 2001. 26 vols.

Neumann, Erich. Mystical Man. Tel Aviv: Resling, 2007. [Hebrew] Pappe, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford: Oneworld, 2006. Peristiany, J. G. (ed.). Honour and Shame: The Values of Mediterranean Society. Nature of Human Society Series. London: Weidenfeld and Nicolson, 1966. Peteet, Julie M. Gender in Crisis: Women and the Palestinian Resistance Movement. New York: Columbia University Press, 1991. Shils, Edward. The Intellectuals and the Powers, and Other Essays. His Selected Papers; 1. Chicago: University of Chicago Press, 1972. Warnock, Kitty. Land before Honour: Palestinian Women in the Occupied Territories. New York: Monthly Review Press, 1990.

Periodicals

Dodd, Peter C. «Family Honor and the Forces of Change in Arab Society.» International Journal of Middle East Studies. vol. 4, no. 1 (January 1973), pp. 40-54. Ghanim, Honaida. «Poetics of Disaster: Nationalism, Gender, and Social Change Among Palestinian Poets in Israel After Nakba.» International Journal of Politics , Culture, and Society. vol. 22, no. 1 (March 2009), pp. 23-39. Khalidi, Walid. «Plan Dalet: The Zionist Master Plan for the Conquest of Palestine.» Middle East Forum. vol. 37, no. 9 (November 1961), pp. 22-28. Khalidi, Walid. «Why Did the Palestinians Leave.» Middle East Forum. no. 24 (July 1959), pp. 21-24. Reprinted as: «Why Did the Palestinians Leave Revisited.» Journal of Palestine Studies. vol. 34, no. 2 (Winter 2005), pp. 42-54.

Documents

Abu-Sitta, Salman H. «Palestinian Refugees and the Permanent Status Negotiations.» Policy Brief, no. 7, Center for Policy Analysis on Palestine, Washington, DC, 1999.