الشيمية والزمانية في الذهن العربي
Anticipation and Temporality in the Arab Mind
الملخّص
هذه الدراسة محاولة فهمٍ لكيفية بيان الإنسان العربي في مكانه وزمانه في لحظة انوجاده المعرفي في الكون. الزمانية العربية قوامها فعل الشَّيْم، وهو فعلٌ ماهويٌّ في كينونة الإنسان العربي. وهو ذو بُعدين؛ إذ يحمل إمكان الدخول وإمكان الخروج معًا فهو انشيامٌ وظهور. ومفهوم الحدس الشيمي، هو الذي ربطناه بلحظة زمانيةٍ تأسيسية هي الآن ، والفعل المضارع الحاضر هو الفعل الأصيل زمانيًا، فهو اللحظة الوسط القادرة بحدسيَّتها أن تمكن الماضي والمستقبل من الحضور. عناصر هذه الصورة مكتملة في الزمن الماضي، ولكن إمكان وجودها لا يتحقق إلا بعناصر الزمن المستقبل، والحاضر هو نقطة البداية الدائمة.
Abstract
Abstract: This study is an attempt to understand how Arab people explain their space and time at the moment of the knowledge of their being in existence. Arabic temporality rests on the verb for ‹anticipation› (shaim), an essential verb for the being of the Arab. It has two aspects, since it bears the possibility of entrance and exit simultaneously, and is anticipated and manifest. The concept of the sense of anticipation is what links them with the foundational temporal moment of the now, and the present imperfect verb is the original verb in terms of temporality, for it is the intermediate moment capable through its intuition to enable the past and future to become present. The elements of this image are completed in the past, but the possibility of their existence is only possible through elements of future time, while the present is the constant starting point.
- الشيم
- الحدس
- الكينونة
- الذهنية
- Anticipation
- Intuition
- Being
- Mentality
انوجاده المعرفي في الكون. الزمانية العربية قوامها فعل الشَّيْم، وهو فعلٌ ماهويٌّ في
كينونة الإنسان العربي. وهو ذو بُعدين؛ إذ يحمل إمكان الدخول وإمكان الخروج معًا
فهو انشيامٌ وظهور. ومفهوم الحدس الشيمي، هو الذي ربطناه بلحظة زمانيةٍ تأسيسية هي
الآن، والفعل المضارع الحاضر هو الفعل الأصيل زمانيًا، فهو اللحظة الوسط القادرة
بحدسيَّتها أن تمكن الماضي والمستقبل من الحضور. عناصر هذه الصورة مكتملة في الزمن
الماضي، ولكن إمكان وجودها لا يتحقق إلا بعناصر الزمن المستقبل، والحاضر هو نقطة البداية الدائمة.
مقدمة
لما كان سبرُ اللفظة بالتحليل الدلالي نحوًا لا بد منه في كشف عقليَّة مُنتجها، فإننا نحاول
تلمُّسَ نوعيَّة الفعل العربي في اللغة، أي منهجَ انفتاح العربي في الكونِمعرفةً ووعيًا، وهو
الفعل الذي يتبدَّى بتساوق الفكر مع اللسان في إنتاج البيان، بحيث تصاقبُ الألفاظُ معانيَها. فاللغةُ
مظهرٌ فلسفيٌّ لفاعلها في الكون؛ إذ بها يتمكَّنُ من أشيائه، وفيها يستوطنُ ذاتَه وحراكَه المعيش. في
هذه السيرورة النُّطقية، أدركنا فعل «الشَّيْمِ» في عين محور الحركة المعرفية العربية الشاملة على
مستوى الوجود الأنطولوجي. لذلك، لا بد من أن ندرس علاقة هذا الفعل بأبعاده المرئية على المستوى الوجودي المعرفي بين الذهن والحدث، لنفهم حضوره الواقعي في المعيش. والزمان والمكان هما المجال كما نعرف، وقد خصصنا هذه الدراسة بالزمان، كونه الموجود اللامرئي إلا في أثاراته المكانية؛
أي في ع مااات دالة؛ « أَثارَةٌ في معنى علامة ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم»َ. وانطلقنا
من فهم الشيم أصً من مشكلةٍ زمانية، وهي الآن. فلحظة الآن هي لحظة الشَّيم، لذا ليست محتواةً لا في الماضي ولا في المستقبل، بل فيها تنجمع صورة الزمان. يصف إبراهيم العاني هذه اللحظة بوصف دقيق، من حيث المرئي في تصور هذه اللحظة بحسب مفهومنا نحن لع قااة هذه اللحظة بفعلها الشَّيمي، فيقول: «هي المدخل لفهم ماهية الزمان، ويمكن أن تشبِّهها ب ‹العدسة اللامة› التي
تقرِّب الأشعة بدل أن تفرِّقها، فمشكلة الآن هي تعميق وتركيز شديد للمشكلة الزمانية الأم». وسنرى في ما يأتي بعض التسويغ لهذا الشَّيم، وهو الفعلُ الأصلُ والأثرُ في آن، وذلك على مستوى
العلاقة بالزمان في الذهنية العربية.
فعل الشَّيْم
إن الشَّيم، كما يظهر من المِراس المعيش لهذا الفعل، هو فعلٌ وجودي عند الإنسان العربي، أي إنه يدخل في ماهيته الحضورية في هذا الكون. وما نستنتجه من المقاييس وغيره من المعجمات هو أن
الشَّيم: فعلٌ يشتملُ على إمكان أن يكون حركةَ دخولٍوأن يكون حركة خروج أيضًا، فهو ذو بُعدين،
(((للشيم (الشين والياء والميم) «أص ناا متباينان، وكأنهما من باب الأضداد، إذ أحدهما يدل على الإظهار، والآخر يدل على خ فااه. فالأول قولهم: شمت السيف، إذا سللته، ويقال للتراب الذي يحفر فيستخرج من الأرض: الشيمة، والجمع الشيم؛ ومن الباب: شمت البرق أشيمه شيمًا، إذا رقبته تنظر أين يصوب، [...] والأصل الآخر: قولهم شمت السيف، إذا قربته، ومن الباب
الشيمة: خليقة الإنسان، سميت شيمةً لأنها كأنها منشامة فيه، داخلةٌ مستكنة، والانشيام: الدخول في الشيء، يقال انشام في الأمر
إذا دخل فيه؛ والمشيمة: غشاء ولد الإنسان، وهو الذي يقال له من غيره السَّلَى، وسميت بذلك كأن الولد قد انشام فيها»، انظر: ابن
فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا 95-329 3 ه)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج 3 (دمشق: دار الفكر،
ه 99-197913 م)، ص 7-236 23، مادة «شيم». (((ابن منظور (أبو الفضل جمال الدين، ت. 711 ه)، لسان العرب، ج 4، ط 3 (بيروت: دار صادر، 1414 ه)، ص 7، مادة «أثر.» (((إبراهيم العاني، الزمان في الفكر الإسلامي (بيروت: دار المنتخب العربي، 9931)، ص.167 (((للتعرف إلى مفهوم الزمان ومفهوم الآن عند الفلاسفة والمتكلمين العرب، انظر: المرجع نفسه، وخصوصًا الفصل الرابع المتعلق
ب «مشكلة الآن وأبعاده التاريخية». رأي ابن سينا مثلً: «الآن طرف موهوم يشترك فيه الماضي والمستقبل من الزمان»، ورأي الكندي من قبله أن «الآن يصل الزمان الذي مضى والذي هو مستقبل، ولكن الآن موجود بينهما لا بقاء له، لأنه ينقضي قبل تفكيرنا فيه»، وغير ذلك من الآراء. من هذه التحليلات التأسيسية العميقة نكون المرجعية التحليلية لدراستنا نحن عن مفهوم الزمان الشَّيمي الآني في الإجراء الذهني اللغوي.
وهو تقديرُ نهايةِ ما يبدأ الآن أو مآله، وهو صورة الأصل لحظة انكشافه الأول للناظر إليه، وهو يقين
بحدوث الشيء على الرغم من أنه قرارٌ أوَّلٌ بانتظار حدوثه. إذًا، فيه ظهورٌ على الرغم من الغياب.
فالشَّيمُ هو حركةُ انشيامِ الشائمِ في المشيمةِ من أجل الشَّيمة الظاهرةِ أثارةً وهي نقطة بداية في آن. إن انجماع هذه الأبعاد الدلالية لمعاني الشيم في فعلٍ واحد (شيمَ) لا يُظهر سعة الدلالة فحسب،
بل شموليتها. وكما ذكرنا سابقًا، إن من طبيعة اللفظة العربية أن تستنفذ حيِّزها الفعلي في السماوات
والأرض، أي في الكون المُدرَك إنسانيًا. لذلك نرى في هذا الفعل «شيم» ظاهرةً تستأهلُ النَّظر في
مرجعيتها التصوُّرية التي أبدعتها، لأننا نرى أن الشيم موجودٌ في كل فعلٍ يقوم به العربي. إن ما نحاول
التسويغ له هنا هو أن انجماع الطاقة الإدراكية عند العربي في أثناء قيامه بأي فعل، يُظهِرُ لنا هذا الجانب
الشَّيمي في تصوره وإجراءاته. وفي النتيجة، لا بد من أن ينعكس ذلك في بناء كلامه وألفاظه. إن بنية اللفظة العربية بنيةٌ شَيميَّةٌ أيضًا، من حيث ترتيبُ الحروف وانجماع الجذور واشتقاقاتها، وسنتبيَّن ذلك
في خلال البحث. والكائن الشائم الذي نتحدَّث عنه ليس واحدًا فردًا في الجماعة اللغوية التي نعنى بها، بل إنه كلُّ واحدٍ
من هذه الجماعة. إن الانوجاد العربي في الزمان والمكان هو انوجاد شيمي، وسندلِّل على ذلك من
خلال أثاراتٍ معرفيةٍ نوعية، متحققةٍ في ما هو منجَزٌ في ملَاء الزمان والمكان العربيين، فندرس قصدية
فعل الشَّيم التي حولته إلى ظاهرة في الأداء المعيش لإنسان البيئة العربية، وهو ما تكرَّس لديه في
الأداء اللساني. إذًا، هناك قصديةٌ في احتواء حركة الكونِعبر حركتين متقاطبتين، توجدان معًا في أصلٍ واحد، أي
يقدر الفاعل أن يجريهما واقعًا، كليهما معًا. إن الذي يشيم البَرقَ مثً هو الإنسان المُعاين لكل
عناصر ظاهرة البرق، وهو كائنٌ مجرِّبٌ أصلً، فأي فعلٍ يقوم به لا يمكن إلا أن يكون إظهارًا منه من
حيِّز الإمكان المتحقق في نفسه إلى حيِّز الواقع. وهو يقوم بشيمه في خلال الزمان الجاري وفي حيّز
المكان القائم، فهو يبدأُ انتظارًا لحدوث فعلٍ استنادًا إلى مشهدٍ متحقِّق لحظةَ يقرِّر هذا الإنسانُ أن
ينتظر. وبذلك، لا يكون الشيمُ انتظارًا سلبيًا، بل هو في الواقع المعيش لمضمونهِالوجودي في نفسيَّة
العربي يشكِّلُ الفعلَ المتحقِّقَ الدائم في الحياة. وهذا ما سنسميه انبعاثًا دائمًا في سيرورة الإنسان نحو
المصير، أي إن إمكانَ تحقيق الحدَث المترقَّب حدوثُه هو ليس فعلً إسقاطيًا في الحياة، بل هو أمرٌ
يعيشه إنسانُ البيئة العربية ميقاتًا. وإذا نظرنا في معنى الوقت في لغة العرب نجد أن «الوَقْت: مقدارٌ من الزمانِ، وكلُّ شيء قدَّرْتَ له
حِينًا، فهو مُؤقَّتٌ، وكذلك ما قدَّرْتَ غايَته، فهو مُؤقَّتٌ. ابن سيده: الوَقْتُ مقدار من الدهر معروف،
وأَكثر ما يُستعمل في الماضي، وقد اسْتُعْمِلَ في المستقبل، واسْتَعْملَ سيبويه لفظ الوَقْتِ في المكان،
تشبيهًا بالوقت في الزمان، لأَنه مقدارٌ مثله، فقال: ويتَعدَّى إِلى ما كان وقتًا في المكان، كمِيلٍ وفَرْسخ
وبَرِيد، والجمع: أوقاتٌ، وهو الميقات [...] والميقاتُ: الوقت المضروبُ للفعلِ، والموضع ».
إذًا، إن سمةَ الوقتِ هي التحديد. والتحديدُ هو الذي شكَّلَ في الوعي صورةً لربط الزمنِ في ذهنية
(((ابن منظور، ج 2، ص 071، مادة «وقت.»
الإنسان العربي بين الماضي والمستقبل بشخصه الحاضر الآن. فالوقتُ هو تحديدٌ لزمان مضى أو
زمان سيأتي، وكذلك لمكانٍمضى أو مكان سيأتي. وبما أنه استخدامٌ للفعل والموضع، فهو تكريس
لأثر الزمان في سيرورة العيش الحاضر. فالزمان ليس منتظرًا بل إنه موقوتٌ محدَّدٌ، سواءٌ في مستقبلهِ
أم في ماضيه، والأساس في الحركة هو الحاضرُ الذي يشكِّل لحظةَ الوعيِ المُثلى لإمكان الوجود زمانًا
ومكانًا. وبالنتيجة، لا إمكان لانتظارٍ أعمى ولا لعودة مستحيلة، بل كلُّ ما يمكنُ تحقيقهُ هو الشَّيْمُ
والترقب، وبعثُ الرؤيةِ من طريق الحدس. وسنوضح ذلكَ تباعًا.
(((الحدس Intuition: قبل أن نعرض للمعنى المعجمي العربي للحدس، نضع بعض التعريفات الفلسفية للحدس والتي تعطي
التسويغ التطبيقي لهذا الإجراء الذهني الأصيل؛ يورد أندريه لالاند في موسوعته تحليل مفصلً للمصطلح بحيث يناقش آراء كل من ديكارت وكانت وشوبنهور وبرغسون وغيرهم، ويخرج بخلاصة نقدية مفادها «[...] إن معرفة علمية ودقيقة للوقائع هي الشرط الأولي للحدس الميتافيزيقي الذي يخترق مبدأها»، انظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، مج 1، ط 2 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 0012)، ص.10 وقد ورد في الموسوعة البريطانية في مقدمة التعريف بمصطلح الحدس: «بعض الحقائق الأولية، على سبيل المثال القضايا المنطقية أو الرياضية، يمكن الاستدلال عليها أو استنتاجها منطقيًا، الواحدة من الأخرى. لكن ليست كل تلك القضايا قابلة للاستنتاج، فهناك
من هذه القضايا ما لا يقبل الاستدلال (كالمسلمات مثلً). أضف إلى ذلك أن السمة الرابطة لمثل هذا النظام، نظام استدلال القضايا من المسلمات، يفترض قبليًا قوانين الاستدلال. وذلك أن حقيقة المسلمات وسريان مفعول قوانين الاستدلال لا يمكن لهما أن يبرهنا
ذاتيًا بقوانين الاستدلال، لأن الاستدلال نفسه يفترضهما قبليًا، وكذلك الملاحظة ليس بإمكانها برهنة الحقائق الأولية، هذه الحقائق
يمكن أن نعتبرها مادة الحدس»، انظر:
«Intuition», Encyclopedia Britannica , accessed on 29/11/2016, at: http://bit.ly/2gARZ4R
وكتب عبد الحميد الصالح في الموسوعة العربية: «الحدس intuition) (لغةً، هو الظن والتخمين والتوهم والنظر الخفي، أما اصطلاحًا فهو شكل خاص من أشكال النشاط المعرفي، أو المقدرة على فهم الحقيقة مباشرة دون استدلال منطقي تمهيدي. حيث
يدرك به ما هو معقول وما هو وراء العقل (meta-reason)، أي ما هو منطقي وما هو غير منطقي. ويطلق الحدس على عملية اطلاع النفس اطلاعًا مباشرًا على ما يمثله لها الحس الظاهر أو الحس الباطن من صور حسية أو نفسية، أو على كشف الذهن عن
بعض الحقائق بوحي مفاجئ لا على سبيل القياس ولا على سبيل الاستقراء أو الاستنتاج، ولكن على سبيل المشاهدة التي ينبلج فيها الحق انبلاجًا. ويمكن الحديث عن حدس تجريبي وحدس عقلي وحدس فلسفي وحدس صوفي»، انظر: عبد الحميد صالح،
«الحدس»، الموسوعة العربية، الفلسفة وعلم الاجتماع والعقائد، شوهد في، في 016/11/29:2 http://bit.ly/2fLUAYx ويقول التهانوي: «هو تمثل المبادئ المرتبة في النفس دفعةً من غير قصد واختيار، سواء كان بعد طلب أو لا، فيحصل المطلوب. وهو مأخوذ من الحدس بمعنى السرعة والسير. ولذا عرف في المشهور بسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطلوب، بحيث كان حصولهما معًا. وفيه تسامحٌ إذ لا حركة في الحدس، ولذا يقابل الفكر كما يجيء. والسرعة لا توصف إلا بالحركة فكأنهم شبهوا عدم
التدرج بالانتقال بسرعة الحركة وعبروا عنه بها»، انظر: التهانوي (محمد بن علي ت. 58 11 ه)، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق علي دحروج، تقديم رفيق العجم، الترجمة من الفارسي: عبد الله الخالدي، الترجمة من الأجنبية: جورج زيناتي، ج 1 (بيروت: مكتبة لبنان - ناشرون، 9961)، ص.626 ونعرض تفسيرًا صوفيًا حديثًا للحدس وهو لمفكر صوفي هندي اسمه أوشو (990-19311)، وقد فسر فكرة الحدس في كتاب
كامل سماه الحدس، وقد ربط فكرة الحدس بسيرورة زمنية عند الإنسان تبدأ من الغريزة وهي تساوي الماضي وتتوسط بالعقل وهو الحاضر وتنتهي بالحدس وهو المستقبل، فيقول: «يفتح الحدس أبوابه عبر التأمل. والتأمل هو بكل بساطة الاقتراب من مشارف الحدس. والحدس في حالة جهوزية دائمة. إنه لا ينمو؛ وهو موروث من الوجود. الحدس هو شعورك، هو كينونتك. إن الفكر هو العقل. والغريزة هي الجسد. وكما أن الغريزة تقوم بوظائفها على أكمل وجه لصالح الجسد، فإن الحدس يعمل بصورة مثالية في مجال الشعور. والفكر هو الجسر بين الغريزة والحدس»، انظر: أوشو، الحدس أبعد من أي حس، إعداد مريم نور، ترجمة رياض خليل حسن، ط 3 (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 0112)، ص.21 أما المعنى المعجمي للحدس، وهو ما يمكن أن يبني الرؤية الأصلية في فهم حيوية المصطلح في اللغة المعيشة، فنأخذه مما جاء في
المقاييس، مثلً، وقد ورد المعنى كالآتي: «حدس: الحاء والدال والسين أصلٌ واحدٌ يشبه الرمي والسرعة وما أشبه ذلك. فالحدس الظن، وقياسه من الباب أنا نقول: رجم بالظن، كأنه رمى به. والحدس: سرعة السير، قال: كأنها من بعد سير حدس. ويقال حدس به الأرض حدسًا، إذا صرعه، قال: [...] ترى به. من القوم محدوسًا وآخر حادسًا. ومنه أيضًا حدست في لبة البعير، إذا وجأت في لبته، وحدست
الشيء برجلي: وطئته، وحدست الناقة، إذا أنختها. وحدست بسهمي: رميت»، انظر: ابن فارس، ج 2، ص 33، مادة «حدس».
إذًا، إن صورةً لزمان ومكانٍبَعديين ليسا متحققين لحظةَ الشَّيم هي التي تحدِّدُ صورةَ الزمان والمكان
الموجودين الحاضرين أصلً، كما إن صورةً لزمانٍومكانٍقبليين هي التي تحدِّد صورةً لزمان ومكان بَعديين، إذ لا مجال للتوقع خارج نطاق مُدَّخرات المخيِّلة والذاكرة. تأويل حركة الشَّيمِ ليس قفزةً إلى الأمام، تحقِّقُ انسلاخًا عن حالٍوانسياخًا في أخرى، بل هو انشيامٌ
يبدو في قرارة الوعي، أي لحظةَ الهجس بالفعل. وقد قلنا «يبدو» ولم نقل «يظهر»، لأن بدُوَّ الشيء
بداوةً يتم في مرحلةِ أوَّلِما يبدو منه، فهذا الأولُ إذًا متحقق وليس عدمًا بطبيعة الحال. لذلك، يفرضُ
علينا هذا الواقع المعيش أن ندرس أبعادَه الحَيْزِية، إذ يجب أن نحدد اتجاهَ الزمن عند الإنسان العربي،
كما إننا يجب أن نحدِّد مكانَ المكان، وكذلك إمكان الانوجاد الذاتي باللغة، وهذا ما سيتوضح تباعًا. إذًا، فالهدف هو تتبُّع انبناء الوعي، بوصفه ظاهرةً تحقق قيمةَ الوجود. وشكل الوعي يظهر في السلوك، فتتمُّ
عملية إدراك الواقع وتحويله إلى فكرة، أي صوغ رؤية الإنسان فيه، وبالنتيجة إعطاؤه قيمةَ الوجود والتأثير. وإننا نقوم بتفسير ظاهرة الفعل المعيش من خ لاا ظاهرة اللغة، وذلك من باب التعامل مع الواقع كما
هو، أي إننا نحاول معاينةَ ظاهرة «الإنسان متكلِّمًا»، بحيث تكون هي السبيل في تعريفنا بحالةٍ أخرى هي
«الإنسان فاعلً». وإذا ما اهتدينا إلى نوعية الرَّبط بين الكينونتين، ندركُ معنى «الكيان الإنساني»، أي إمكان
الإشغال الدائم للنفس بحركةٍ تملأ الحضور الظاهر في الكون، بما يوفر حالً من التعرف الدائم والاكتشاف الدائم والملاحظة الدائمة؛ أي حال الوجود الفاعل. وكل ذلك مقترنٌ بهمٍّ أساسٍ هو همُّ البقاء والاستمرار
في الوجود، وهو همٌّ مادي ضروري، فلا لَبْسَ إن قلنا صراحةً إن أكبر معرفةٍ يتوصل إليها الإنسان تكون في
سبيل الأكل ولذة الجسد ومتعة النفس الفردية، فأساس الرَّحابةِ في الرؤية هو إمتاع الإنسان نفسًا وجسدًا،
وما اللغة إلا طريق المتعة الإجبارية من جرَّاء التواصل الطبيعي بين الإنسان والأشياء. لذلك لا بد من تتبُّع إمكانات اللغة وأدواتها، فالبنى الصَّرفية نظامٌ للكينونةِ والتحقُّق، من شأنه أن يُبقي
الإنسانَ على خط الإبداع بين نقطتي الوجود (النفس والكون). وإبداعُ الإنسانِ وجودًا هو البيانُ،
و«بينَ: الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بُعْدُ الشَّيْءِ وَانْكِشَافهُ، فَالْبَيْنُ الْفِرَاقُ؛ يُقَالُ بَانَ يَبِينُ بَيْنًا
وبَيْنُونَةً [...] وبَانَ الشَّيْءُ وأبَانَ إِذَا اتَّضحَ وَانْكشفَ». والبيان يكون باللسان بيانًا لهذا اللسان، لأن
اللسان لا يبين بذاته، أي اللغة لا تبين بذاتها فصيحةً واضحة، بل هي تتوضَّح وتنكشف بالبيان. ومعنى
اللسان من «لسنَ: اللَّمُ وَالسِّينُ وَالنُّونُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ، يَدلُّ علَى طُولٍ لَطِيفٍ غَيْرِ بَائنٍ، فِي عُضْوٍ
أَوْ غَيْرهِ. مِنْ ذَلكَ اللِّسَانُ [...] وَاللَّسَنُ: جَوْدَةُ اللِّسَانِ وَالْفصَاحَةِ. وَاللِّسْنُ: اللُّغَةُ، يُقَالُ. لكُلِّ قَوْمٍ لِسْنٌ
أَيْ لُغَةٌ. وقَرأَ نَاسٌ: ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُ ولٍ إِلَّ بلِسْنِ قَوْمهِ». فالوجود البياني هو استثمار الإنسان للطول اللطيف غير البائن (اللسان) في تحقيق الانكشاف البعيد الواضح البائن (البيان)؛ البيان عملُه في اللسان لَسْنًا، أي تجويدًا وإفصاحًا لتحقيق البينونة؛ وهي البُعد المنكشِف الواضح البيان. والبيان
في المكان، كما سنرى في مرحلةٍ متقدمة من البحث، سيكون تحقيقًا للبينونة اللِّسْنيَّةِ في الكينونة
المعيشة. فبينونة الكينونة هي الظهور الحقيقي للكائن، وإذا ما راقبنا حركة الظهور والكمون على
(((ابن فارس، ج 1، ص 8-32732، مادة «بين.» (((المرجع نفسه، ج 5، ص 6-24524، مادة «لسن.»
مستوى اللسان ومستوى البيان تمكَنّا من حدْسِ الوعي، أي من إدراك حركة الفكر بين النفس والكون؛
وهي حركة ابتعادٍ واقتراب، وانكشاف وغموض، أي حركة شَيْمٍ تترصَّد انبعاث الكائن في الكون،
أو كما قلنا: انبعاث البينونة في الكينونة.
الحدس الشَّيْمي
من خلال التسويغ لفعل الشَّيم، نحاول أن نقف على ديمومة الفعل في المنتج اللفظي، لعلنا نستنبطُ ديمومةَ الانوجاد في المنتج المعيش، لذلك سندرس بدايةً اتجاه الزمان. ونقول «اتجاه» لعلنا نتمكن من تحديد أبعاد وأحياز تضبط لنا نقطة البداية ونقطة الغاية. وما الشَّيمُ في أثناء اللفظ إلا الحدسُ
الضروري لإبداع الرؤية، لذلك سنستخدم مصطلح الحدس الشَّيْمِيلتوضيح مقاصدنا في فهم قيمة
الزمن في حركة الكائن في ألفاظه، فيكون انشغالنا بالزمان معبَرًا لفهم نوعية الحضور المؤثر للإنسان
في الأشياء، فنمهِّد لفهم الكيفية التي يصوغ بها الإنسانُ العربي فعلَه لفظًا أو لفظَه فعلً. وهنا وجدنا من الضروري استعراض فكرة الزمان في الفلسفة، وبالخصوص في الفلسفة المنشغلة
بماهية الكائن الكلية، بوصفها موضحةً لأدائه المعيش، فنمهِّد بذلك لفهم مقصودنا ب الحدس الشَّيْمِي،
بوصفه إجراءً أصيلً في إبداع اللفظ، وبالنتيجة في البناء الصرفي الدلالي لتركيب الحروف وجمْعِها. إن البحث في الزمان هو السؤال عن قدرة الكائن على اكتشاف حدوده في الكون، لذلك نجد السؤالَ
الفلسفي يمَسُّ أساسيات الوجود من زمان ومكان وذات ومجتمع. كما إن كل تأليفٍ بين هذه العناصر
ينتج رؤيةً على مستوى النظام الكلي، تسمح بتأويل حركة العيش وتفسيرها في الواقع، أي يتيح لنا في كل مرة إنتاج مركَّب تصوُّري يتحدَّد فيه الفعل والفاعل والمفعول. وفقَ هذه النظرة نعاين رؤية هيدغر للزمانية، كي نسوِّغَلفكرتنا نحن عن الزمان وفعل الزمن العربي في
سيرورة الوجود المعرفي البياني في هذا الكون. وما يدفعنا باتجاه هيدغر هو أن رؤيته المعرفيَّة تنطلق
من همٍّ أساس هو «إن ‹ماهية› هذا الكائن تكمن في أن عليه - أن - يكون»، أي إن الحضور الحقيقي
في الوجود لا يتم إلا إراديًا، والمهم هنا أن الماهية ليست محددةً مسبقًا، بل ستكون من إبداع الكائن
لنفسه، فالكائن هو من يبدع ماهيته في الوجود. من هنا وجدَ هيدغر حاجةً إلى المنهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) في كشف الأنطولوجيا الحقيقية للكائن. وهذا ما أبدعه في سؤاله المتجدد داخل سيرورة الفلسفة، ونقول «المتجدد» لأن طبيعة الفلسفة أن تسأل عن ماهية الكائن، لكن جديدَ هيدغر هو سؤال
الكون بالكائن نفسه في اللحظة التي تستدعي السؤال، وليس ضمن أي معطيات كاملة مسبقًا، متنازلً عن كل الأحكام الجاهزة في هذه المسألة. وقد أوضح هيدغر ذلك في مقدمة الكينونة والزمانوكذلك في كتابه الإشكاليات الأساسية في الفينومينولوجيا The Basic Problems of Phenomenology الذي هو محاضرة في الأساس، ألقاها سنة 9271، إذ يشرح الفرق بين الفلسفة العلمية التي يدعو إليها بوصفها رؤية العالم world-view
(((مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 0122)، ص.111 (1((راجع في المرجع نفسه مقدمة الترجمة العربية التي فصل فيها فتحي المسكيني بالشرح والتوضيح مصطلحات الفلسفة الهيدغرية ومتعلقاتها في تاريخ الفلسفة، بما يتيح استيعاب أفق المصطلح الفلسفي عند هيدغر وعند غيره.
والفلسفة التقليدية، فيقول: «إذًا، إن شرحًا ل شإإكاليات الأساسية في الفينومينولوجيا هو بمثابة
التجسيد المبدئي لفكرة أن الفلسفة هي علم الكون وهي البرهنة على ذلك أيضًا [...] الفلسفة هي التفسير النظري المفهومي للكون، لبنية الكون وإمكاناته. الفلسفة [التقليدية] أنطولوجية [...] بالمقابل، إن رؤية العالم وضعٌ لمعرفة بالكائنات ووضع لموقف منها؛ إنها ليست أنطولوجية بل
أنطيقية [حقيقية]». إذًا، فالفلسفة ليست تفسيرًا يتموضع بين تفسيرات أخرى لأحداث الواقع المعيش، بل هي البحث
المبدئي الأصولي الذي يسأل عن الكون بحد ذاته. لذلك نجد اختلافًا جذريًا بين رؤية كارل ياسبرز
Karl Jaspers ورؤية هيدغر معاصر ياسبرز وصديقه في الوقت نفسه؛ ويوضح ياسبرز رأيه في مفهوم رؤية العالم في كتابه علم نفس رؤى العالم Psychologie Der Weltanschauungen، بوصفه تحقيقًا لثقافة الاختلاف diversity، فالكل في نظره يملك الحقيقة، ويقول: «في الفلسفة، أجدني مدفوعًا إلى التحدث بإلحاح، وإلى الانفتاح على الآخر بشدة، ولكن إذا كان ذلك سيدفعه ليتَّبعني، سأكون خاسرًا
[...]، التفكير الفلسفي يريد بعثَ الإمكان فحسب، ولا يريد الإذعان أو التقليد». وهنا الاختلاف بين الاثنين، فرؤية العالم بحسب هيدغر لا ترى الآخر ولا تحسب حسابه، بل ترى سؤال الحقيقة بحد ذاته، ويشرح ستيفن غولدمان ذلك، فيقول: «المشكلة ليست في احترام براهين الآخر على القلق المفترض، ف شيء في هذا يستدعي الاحترام. الأساس هو أن نقضي على عدم الاكتراث، وهذا شيء يقتضي كلَّ واحد منا أن يقوم به، أنا بحسب قراءتي وأنت بحسب قراءتك. فلا احترامي يساعدك ولا احترامك يساعدني». إذًا، مع هيدغر تبدو جذرية رؤية العالم في العودة إلى سؤال الأصل، بحيث يكون كل واحد منا قادرًا
على صُنع ماهيته، فمعرفة الكون لا تخضع لمعايير الواقع، بل لقدرة الذات. وعلى خطى معلمه
هوسرل اعتمد هيدغر المنهج الفينومينولوجي ليتمكن من تأصيل السؤال الفلسفي الكوني عنده.
وهوسرل ضِمن الرؤية الفينومينولوجية يفسر معنى الشيء الظاهر ومعنى الظهور والذات الظاهرة، إذ يختم تقديمه لكتابه فكرة الفينومينولوجيا بجملة وجدناها توضح المنهجية التحليلية للفينومينولوجيا العامة للعقل، فهي «تحليل الماهية في دائرة البداهة المباشرة». إن ما يعنينا من هذه الفلسفة، في بحثنا في الصرف العربي والحدس الشيميالذي اقترحناه سبيلً لبناء اللفظة، هو الوقوف على منهجية إبداع الكينونة التي اقترحها هيدغر، وما يسميه «استشراف النفس» هو الأساس في إبداع الماهية، من طريق أفعال أصيلة يقوم بها الكائن، من ضمنها ما سميناه نحن في استشفافنا لمكوِّنات الشَّيم وعناصره الكلام الضروري أو متعة اللغة الإجبارية مثلً، كما تحدثنا عنهما
(11) Martin Heidegger, The Basic Problems of Phenomenology , Albert Hofstadter (trans.), (Indiana: Indiana University Press, 1988), p. 12.
(((1 انظر:
Steven Goldman, «The Psychology of Worldviews: Jaspers/ Heidegger,» in Presencing EPIS (A Scientific Journal of Applied Phenomenology & Psychoanlysis), vol. 1, no. 1, p. 34, accessed on 29/11/2016, at: http://bit.ly/2grqvfj (13) Ibid., p. 40.
(((1 إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجيا، ترجمة فتحي إنقزو (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0082)، ص.45
سابقًا. يقول هيدغر: «إن الالتزام- بما - يمليه - الضمير هو، من حيث هو فهمٌ للنفس ضمن مستطاع
الكينونة الأخص، طريقةٌ في انفتاح الدَّازين. وهو انفتاح يستمد قوامه، فضلً عن الفهم، من الوجدان والكلام. أما الفهم الوجودي فهو يعني: أن نستشرف أنفسنا على الإمكان الواقعاني الأخص لمستطاع - الكينونة - في - العالم في كل مرة». إذًا، إم ءاا الضمير هو مادة الفهم لأجل تحقيق النفس، وهذا ما يستطيعه الكائن إذا أراد التمكن من وجوده في الكون. وإذا كان الوجدان هو سماع نداء الضمير «على نحو أصيل» وكان كلام الضمير هو «الكلام الصامت»، فإن ما يقترن بالاستشراف في أثناء «الانفتاح» هو «الاعتزام»، أي « استشراف النفس الصامت المتأهب لقلقه، جهة الكينونة - المذنبة الأخص لنا ». ما يميِّز هذه المرحلة التكوينية لماهية الكائن عند هيدغر هو تناسق الأفعال، أي جدلية الربط التي
يقيمها هيدغر بين الإنسان وذاته، بحيث إن التمظهر في الواقع لا يتم إلا باستكناه الضمير كليًا. فالقلق
والعزم والانفتاح والاستطاعة أفعالٌ تعمل في نطاق تحرُّك عناصر الظاهرة الوجودية داخل النفس
الإنسانية، أي الضمير والفهم والكلام والوجدان، وهذا يشي لنا، ضمنيًا، بأن شدَّة التأمل في تصرُّف
الذات الإنسانية في الواقع المعيش هي السبب في العودة إلى دراسة الأدوات والإمكانات والمؤهلات الذاتية التي أنتجت هيئة لنظام عيش ما. وبما أن الهدف هو إبداع كينونة الكائن وليس استيعاب ما هو موجود، فإن أصالة الطرح تتمثَّل في النقطة التي يبدأ منها الفهم لظاهرة الوجود. وما دراسة هيدغر
للزمانية وربطه الكينونة بالزمان إلا ليدرك حجم المسافة بين النيَّة والفعل.ِ وهنا نتوقف عند تفصيل هيدغر للزمانية، لنعرف نقطة البداية عنده «فإن الزمانية هي ‹الخارج -عن - نفسه› الأصلي في ذاته ولذاته. ومن ثمة فنحن نسمي ظواهر المستقبل والكانية والحاضر مواجيد الزمانية ». وما يلفتنا هنا، هو أن الزمن يكون بالكائن والعكس، بمعنى إن الذات الإنسانية عندما تقرر الحضور في العالم فإنها ستتجه نحو ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، فهي تحدد الموقف الذي تعتزم الحضور به في هذا الكون، وفق ع قااات تحكمها سيرورة التفكير بالانوجاد الحقيقي، أي التفكير بتحديد الحاجة من الزمان لإثبات الكينونة. لذلك يقول هيدغر: «إن زمانية الكينونة - في - العالم، التي تبرز للعيان على هذه الشاكلة، إنما تنكشف بوصفها أساس المكانية النوعية للدَّازين»، يعني إن تمكُّن الذات يكون في انفتاح الإنسان بقدر ما يستطيع أن يضع ذاته في موقف من الزمان والمكان، بحيث يتمكن من استشراف ذاته، أي معرفة إمكانات وجوده الحقيقية، وفق معطيات العلاقة بين الوجدان والفهم والكلام، وبالنتيجة فإن تمكنه من الزمان هو الذي يمكنه من المكان وهو الذي يصنع له ذاته الفاعلة في هذا الوجود.
(1((هيدغر، ص.520 (1((المرجع نفسه، ص.522 (1((المرجع نفسه، ص.573 1(((المرجع نفسه، ص.583
إن الإنسان الذي يسعى لتحقيق كينونته في الوجود لا يتعامل مع الزمان في جهةٍ منه دون أخرى، بل أساس الزمانية عند هيدغر هو التزمُّن، يقول: «لا يعني التزمُّن أي ضربٍ من ‹تتالي› المواجد.
فالمستقبل ليس أكثر تأخرًا عن الكانية [من الفعل كان الذي مصدره «كونٌ أو كينونة»] وهذه ليست
أكثر تقدمًا من الحاضر. إن الزمانية تتزمّن بوصفها مستقبلً- يستحضر - بقدر - ما - هو - قد - كان». إذًا، فالحاضر لحظة زمنية ليست موجودة بذاتها، بل هو ليس مُدَّة كاملة يكون فيها الإنسان. وهذا
طبيعي، إذا ما رأينا أن الإنسان يحاول أن يوجِدَ نفسه بوصفه ذاتًا فاعلة، فالهدف عند هيدغر، كما يبدو لنا، هو الذات وليس الأشياء الأخرى الموجودة، فالذات ليست واحدةً من الموجودات الساكنة
كي تكون ظاهرةً في لحظةٍ دون أخرى. إن الذات في الحاضر تجمع الزمان، فهي تتزمَّن الماضيَ
والمستقبلَ معًا في نقطة الحاضر. والزمان ظاهرة واحدة، يتبدَّى في نوعيَّة وجود الذات الإنسانية في
الواقع. لذلك ليس هناك زمانٌ متأخر عن زمان أو زمان متقدم على زمان، لأن الأساس هو الحاجة إلى الوجود، وهذه الحاجة هي التي تحدد الموقف الذي يكون فيه الإنسان في الواقع، وهذا الموقف يحدد حجم الزمان ماضيًا وحاضرًا ومستقبلً في الآن الذي قرر فيه الإنسان أن يصنع كينونته. وهذا ما يسميه هيدغر، في شرحه لانشغال الكائن بالزمانية، ب الموقوتية؛ بحيث تبدو الذات قدرةً تتمكن من الوجود في الزمن، بما يحقق لها ماهيتها المرجوَّة، وليس وجودها العادي، لذلك إنه «في
‹عندئذٍ› يعبِّر الانشغال عن نفسه متوقعًا، وفي ‹وقتئذٍ› حافظًا وفي ‹الآن› مستحضرًا». هذه المنظومة المعيشة التي وضعها هيدغر لفهم طبيعة الوجود الحقيقي للإنسان في الزمان، تحاكي لدينا ما نسميه فعلَالشَّيْم لجهة ما يتضمن من إمكانات التحييز والتحديد لأمداء التوقع والاستحضار
والوجود في نفس الإنسان. إلا أن المختلِفَ في الشيميَّة العربيَّة عن انفتاح الكينونة الهيدغري هو بَعثيَّة
الحضور في لحظة الآن. وما نعنيه بلحظة الانبعاث في الذهنيَّة الشيمية العربية، هو القدرة الدائمة على
إبقاء الفاعل موجودًا حتى لو كان مفعولً به زمانيًا ومكانيًا؛ ذلك أن هناك أفعالً وجوديَّة هي التي تميِّز
كينونة العربي، كفعل الخلق مثلًالذي يتحكَّمُ بالفعليَّة العربية من نقطة البدء حتى انفلات الخلود.
فانفتاح الكينونة الهيدغرية، لئن كان ممكنًا بقرارٍ من الإنسان في رصد كينونته الزمنية وفق رؤية للذات بما هي عليه في الوجود الظاهر، فإن العربي، كما سنرى، يعدّ الكونَ والكائن والمكوِّن عناصر لا
يمكن أن تكون مجهولةً إذا ما أراد الحضور، بل هي فقط في حال السيرورة البيانية نحو الكون، أو
ما سمَّيناه في تفسير اللِّسْنِ، وهو فعل اللغة، انبعاثُ البينونة في الكينونة؛ فهو الفاعل المضارع لفعله
الوسط الأصل، وهو الماضي إلى مستقبله لأنه حاضر الآن، وليس لأن هناك مستقبلً موجودًا بذاته أو
معدومًا بذاته، فلا شيء في الكون من دونه، لذلك إن الفاعل بفعله حالٌ دائمة. العدم غير موجود في
ذهن العربي، كي ما يقرِّر هو متى يبدأ الكون، كل ما في الأمر هو أن الوجود حاصل، والأصالة تكون
في وعي حضوره، وسنثبت ذلك.
(1((المرجع نفسه، ص.606-605 (2((المرجع نفسه، ص.693
وسنعاين الذهنية الشيميَّة العربية، وفق نظرة إلى الإنسان العربي بأنه كائنٌ انبعاثي؛ أي إنه إنسانٌ يعتبر
الزمان هو الفاعل الوجودي المضاد له، وما عليه لكي يوجد إلا أن يكون فاعلً متمكِّنًا بالبيان، مصارعًا
حالة المفعولية، لكي يبرز في الكون بأفعاله. إن الفعل العربي لا يمكن إلا أن يكون إبداعًا، فلا
تكرار ولا انعدام في سيرورة الفعل، بل هناك صيرورة دائمة للمعنى، بحيث ينبعث المعنى من حال إلى حال، فيبقى الفاعل قادرًا على الوجود، أي قادرًا على الفعل في أحداث الحياة وتصاريفها،
كما سنرى. وزيادةً في استقراء المُعطى الفلسفي التأسيسي للشَّيم، والذي نراه فعً في بنية التفكير الإنساني
المشغولِبالكون، نذهب إلى كنط، إذ إن تأسيسية الفاهمة عنده قوامها التخيُّل والترقب. وقد استخدم
موسى وهبة في ترجمته نقد العقل المحض مصطلح الشَّيم ترجمةً لdas schema «وهو الصورة
الحسية القبلية التي تجعلنا نتعرَّفُ إلى متنوَّع المعطى الحسي في شكلٍ واحد رغم الاختلاف من حالةٍ
إمبيرية إلى أخرى». وقد نقله غانم هنا إلى العربية بصيغته الأجنبية، وصرَّفهُ بما يخدم الشرح داخل
سياق النص، فقال شِيْمَا وشِيْمَائية وشِيْمَات، لكن مضمون الشرح لم يختلف بن الترجمتين، إلا
أن ما نفحَ به موسى وهبة المصطلح schema من خلال ترجمته باللفظ العربي «الشَّيْمُ»، هو المعطى
الحركي لفعل التخطيط الأفهومي، أي هو لم يكتف بالقول إن المفهمةَ أو الأفهمةَ الترنسندنتالية كما يسميها هي إجراء تخطيطي، بل أضاف معاني الترقُّب والانتظار. الشَّيم الكنطي إن صحَّ القول يخدمُ فلسفيًّا وصفَ الحال المتوسِّطةِ بين الحس والعقل، فهو الرابط
الفعلي للكائن بكينونته الظاهرة «فإن الشِّيم ليس أصً سوى الظاهرة أو الأفهوم الحسي لموضوع، من حيث يتوافق مع المقولة»، فهو يعالج الحالة المعرفية للكائن لحظة المفهمة، أما الشَّيمُ العربيُّ
الانبعاثيُّ الذي نبتغي الكشفَ عن أُسِّيته في كينونة اللفظ العربي؛ أي في كينونة الفاعل العربي المتصرِّف
بالزمان والمكان بلغته المعيشة بيانًا وجوديًّا، فهو لغةُ الكائن الشائم نفسُه الذي يصرِّفُ الكونَ مُحدِّدًا
أحيازَه في لغة هذا الكون، فينحو في اللفظ موجِدًا نفسَه، والنحو هو القصد، ما يحاكي نحوَ الذات
إلى الحياة، أي قصدية الإنسان الفاعل إلى الواقع بفعله. هذه القصديَّة اللفظية هي نحوُ اللفظ المَشيمُ
بفعل الإنسانِفي الوجود، من هنا يتضمَّن الكلامُ أحياز المتكلِّم وأثارات حركته في الكون، فيتصرَّفُ؛
أي يظهر بحسب مواجيده فعلً وفاعلً ومفعولً. فشيمية كنط تخدم سؤال إمكان الترقب للمفهوم بحد ذاته، أما الشيمية التي نتحدث فيها فهي إمكان الكشف عن منتوج الترقُّب في اللفظ، أي إمكان البيان في اللغة عبر تحييز الإنسان في اللفظ، إذ يتحدد حجم الوجود ونوعه، أي تضبط الفاعلية.
(((2 انظر ترجمةً عربيةً للمصطلح schema، على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي: «نموذج، قالب، خطة، ترتيب، رسم بياني، وزن،
روتين لا يتغير، مخطط أولي»، انظر: جوتس شراجله، قاموس ألماني - عربي، بالتعاون مع فهمي أبو الفضل وآخرون (بيروت/ لندن: مكتبة لبنان/ مكدونلد وإيفانس ليمتد، 9771)، ص 997، مادة schema» «. (((2 عمانوئيل كنط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة (بيروت: مركز الإنماء القومي، 9901)، ص.12 (((2 انظر كتاب: إيمانويل كنت، نقد العقل المحض، ترجمة غانم هنا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0132)، وبخاصّة الفصل
الأول وعنوانه «من العلم الترانسندنتالي لملكة الحكم (أو أنالوطيقا المبادئ) في شيمائية المفاهيم المحضة للفهم» من الكتاب الثاني المعنون «من الأنالوطيقا الترنسندنتالية أنالوطيقا المبادئ»، ص 5-237.24 يقابل هذا الفصل بابٌ وعنوانه في ترجمة موسى
وهبة ما يأتي: «في شيامة الأفاهيم الفاهمية المحضة»، ص.122-117 (((2 كنط، ص.121
من هنا، نكرِّسُ ما استقيناه من كلا تجربتي هيدغر وكنط الشيميَّتين للمعرفة، ومدى الثقابة في الإمساك
بمفاعل المعرفة لحظة الفهم، لنوضح مفهومنا نحن للشَّيم العربي، ونؤكد صفة العربي لفعل الشيم، لأننا ننفي عنه صفة أن يكون ترجمةً للفظ schema الأجنبي، بل هو فعلٌ عربي أصيل، يأخذ حيِّزًا
في الكينونة التأسيسية للفاعلية العربية. فنحن لا نبني ترسيمة فكر ولا نخطط فحسب، بل نترقب ونترصد ونتذكر ونتخيل ونستلُّ ونغمد ونحفر ونظهر في الآن نفسه لندرك الكينونة الفاعلة؛ فعل وفاعل ومفعول، وهي المشيمةُ في بنية كل حركة.
الذهنية الشيمية
نتبيَّن في هذا المبحث الذهنيةَ الشيمية للإنسان العربي، لنطبقها لاحقًا في فهم البنى الصرفيَّة. وكي
نتبيَّن إجراءات العقل الشيمي؛ لا بد لنا من ربط التسويغ المنطقي للفكرة بالواقع الاجتماعي والنفسي
الذي كوَّن البنية الأنثروبولوجية للفظة العربية. إذًا، إن قيمة الزمان تحددُها قيمةُ الإنسان في الوجود، لذلك لا بدَّ لنا من معرفة مكانة الزمان في نفس الإنسان العربي، لنتعرَّف عندَه إلى ما سميناه سابقًا اتجاه الوعي. وإن حضور ابن البيئة العربية في
الكون يتبدَّى من خ لاا استقراره الإبداعي على مثلَّث الزمن، في مساحة استشرافيَّة تطلُّ على زوايا
الإمكان الوجودي التي يقدر على إحاطتها في حياته وسلوكه. وهذه الفسحةُ الحرَّة هي التوسط الدائم
بين الرَّجعة والقفزة، بحيث تتوسط الرغبة قُطبي الإحساس، فتصنع تصوُّرًا ضروريًا لشكل الآن، أي
لحقيقة الأنا في الزمان. ذلك أن استنباط التصوُّر الزمني للوجود، يحيلنا بنحوٍ منطقيّ على معالجة
كيفيةِ بناء اللفظ استجابةً للذهنية. ونقول «الذهنية»، نظرًا إلى أن هناك اعتمالً في بنية الذهن يبقيه
راهنًا في سيرورة الحياة. هذا الاعتمال هو جريان الشَّيْمِ انبعاثًا في الزمان؛ فاللحظة الشيميَّة هي ذات
قدرة بَعثيَّة على مستوى الكائن في لحظة تقديره لنوعيَّة وجوده في الزمان والمكان، أي في لحظة
حضور كينونته واقعًا. والعلاقة بين الذهنية والزمانية أمرٌ حتميٌّ في طبيعة الإنسان، لذلك إن صياغات الذهن مهما اتسع حجمُها
الكمِّي لتشمل كلَّ أشياء الكون، تبقى أصغر من الإنسان، لأنه هو الذي يُبدعُها. فالإنسانُ هو صاحب
الفعلِ، وبالنتيجة فأي إجراءٍ يقوم به يكون بالبداهةِ خاضعًا له، أي لا يمكن للفعلِ أن يتفوَّق على الفاعل
مطلقًا، بل إن الفاعل يبقى هو المتحكِّم، مهما اشتدَّ تأثير الفعلِ المُنتَجِ على الإنسان والأشياء معًا. ما هي إشكالية الزمن إذًا؟ وأين يجول الذِّهن العربي في رحلته الوجودية؟ لماذا يفكِّر في الأصل؟ ولماذا يشيمُ ذاتَه دائمًا؟ ما نوعية اهتمامه بالزمن؟ هل يعنيه الماوراء أم الظاهرة؟ نعود هنا إلى الطاقة الاستيعابية لفعل الشَّيم، فهو يحمل الإظهارَ والإخفاءَ والتقديرَ معًا، ومما تبديه
الضِّديَّةُ في المعنى؛ إظهار/ إخفاء أو غمد/ استلال أو حفر/ دفن، ينتجُ الأثر الحسيَّ الأول وهو الفَرْقُ،
فع مااة الشيم هي المخالفة (السوادُ) مثً على صفحة بيضاء أو حتى خروج الخضرة من اليباس
في الأرض، أما الشقُّ الثاني من المعنى فيحتوي التقديرَ والقصد والنظر والترقب وهو ليس منفصلً
بالمعنى عن ثنائية الإخفاء والإظهار، بل هو امتداد لهذه العقلية، ولكن بصورة أشدّ تجريدًا. إن التقدير
هو القضاء والحكمُ على مبلَغِ الشيء وكنههِونهايته، إذًا هو إحكام السيطرة الزمانية على سيرورة
الشيء من البداية حتى النهاية، وهذا لبُّ الفعل الشيمي، ومحورُ الحَدسِ في إجرائه. وإذا ما ابتغينا تعرُّفَ العقليةِ الشيمية تاريخيًا، فإن أفضلَ ما نطبِّقُ عليه هذا الفعلَ التأسيسيَّ للزمانية
في الذهن العربي هو تتبُّع أحد مفاهيم الزمن المعيش، ككلمة «سنَةٌ» مثلً. ففي فصل عن «الإنسان
وحساب الزمن» يشرح علي الشوك بعض المفاهيم كاليوم والوقت والزمن والآخرة وغيرها، ومن ضمن ذلك كلمة «سنة»، فأجرى مقارنة بين لغات المنطقة لتقصي جذر الكلمة، «ولا أدري إن كانت لكلمة ‹وقت› العربية صلة بكلمة akitu) (البابلية التي تقال لعيد رأس السنة، وللمعبد الذي تمارس فيه طقوس ذلك العيد. والكلمة من A-KI-TI) (السومرية، وتعني بالأصل استنزال المطر »، أما خزعل الماجدي في كتابه كتاب إنكي، فيورد شرحًا وافيًا لفوزي رشيد حول كلمة أكيتو، «وكلمة (آكيتو)
البابلية ذات جذر سومري لأن أقدم صيغةٍ لها جاءت بحدود 0024 ق.م. وعلى شكل آ- كي- تي، الع مااة (آ) تعني الماء ومجازًا المطر و (كي) تعني الأرض و (تي) فعلٌ بمعنى يقرّب، فيكون بذلك
معنى الكلمة كاملً (تقريب الماء إلى الأرض) أي الاستسقاء». ويذكر خزعل الماجدي ما يجري في الأكيتو بتفصيلٍ يوضح لنا تصور «بداية الزمن» في هذا الطقس، فيذكر ما يقوله مارسيا إلياد عن هذا الحدث التاريخي، «إن الصراع بين فريقين من المشخصين لا يحيي ذكرى القتال البدئي بين تيامت ومردوك وحسب، وإنما كان يكرِّر ويخلق فعلَ ولادة الكون، أي
الانتقال من العماء إلى الكون». ما يعنينا من كل هذا المشهد الأسطوري التاريخي هو الذهنية التي تحكم سيرورة الحدث المعيش، فالزمان ليس ماضيًا فحسب وليس مستقبلً فحسب، بل هو لحظة الآن أو لحظة ال آ وال كيوال تي،
أي اتحاد الماء بالتراب من أجل بعث الحياة. هذا الاتحاد الذي لا يخلو من صور الخراب حينًا ومن
صور الخَلْقِ أحيانًا، لكن المهمَّ هو التجدد الزمني، بحيث إن نقطة الأكيتو هي البداية القادرة على
محْقِ الماضي من أجل خلق جديد. مع العلم أن كل ما يجري فيها، كما يبدو، هو اشتغالٌ بما جرى
لاستحضار ما يجب أن يكون. إن هذا الاعتبار ل «الآن» في تحقيق البداية هو الفعل الزمني الحقيقي،
لأن صورة (تقريب الماء إلى الأرض) هي المظهر التقديري الذي يُمكِّن من الاستحواذ على مجال
الزمن المطلوب للوجود الفعلي.
(2((ابن فارس، ج 5، ص 63-62 مادة «قدر،.» 2(((علي الشوك، جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ط 2 (دمشق/ بيروت: دار المدى، 9991)، ص 80.1 ويفصل الكاتب في المقارنة بين اللغات حول الجذر «سنة»، فيقول في موضع آخر من الكتاب نفسه: «بالأكدية ‹ساتي›، و‹سناتي›، وبالأوغاريتية ‹شنت›، وبالسريانية ‹شاتو› وهي من شنو› بمعنى تحرك، وبالعبرية ‹شنه›. والظاهر أن أصل هذه الكلمة يرجع إلى مفهوم التكرار والحركة والتعاقب الذي نجده في الفعل العربي ‹ثنى›، والسرياني ‹تنا›. و‹شنه› بالعبرية يعيد، يكرر. وكلها ترجع، على ما يبدو إلى الرقم ‹اثنين› [...]»، انظر: المرجع نفسه، ص.185 2(((خزعل الماجدي، كتاب إنكي، ج 1 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0132)، ص.271-270 (2((المرجع نفسه، ص 72.2 وانظر أيضًا في شرح الكلمة نفسها ما قاله علي الشوك: «وفي بابل كانوا يحتفلون برأس السنة الجديدة akitu كل عام لعدة أيام (11 أو 12 يومًا). في أثناء هذه الاحتفالات تتلى قصة الخليقة وتمثل معركة بين الآلهة ينتصر
فيها أنليل على تعامت التي تمثل قوى العماء. وفي بداية السنة الجديدة يبدأ الملك حكمه، لأن رأس السنة هو بمثابة بداية الحياة والولادة: بداية الزمن»، انظر: الشوك، ص.177
مفهوم الآن
وما الشَّيمُ إلا هذا الترقُّبُ المستندُ إلى تصوُّر كاملٍ للمآل والنهاية، فهو انبعاث رؤيةٍ استنادًا إلى
رؤية متحققةٍ بالفعل. هذه الرؤية المتحققة لم تعد قادرةً على البقاء في لحظة الزمن والتي هي لحظةُ ال «الآن»، وهذا ما يستوجب الحدسَ الشيمي لإنقاذ سيرورة البقاء في الوجود. فتكون الرؤية الجديدة
هي الرؤية المتحققة بالفعل، بدلً من تلك التي كانت متحققةً قبلها، وأصبحت إثرَ وجودِها حدثًا
ماضيًا. إذًا، فالزمن بحسب الأكيتو، هو منالآنإلى المستقبل، وهو بدايةٌ وخلقٌ لأنه فعلً لا يقدر أن
يبقى في مرحلةٍ قبل الآن، أي لا يقدر على عيش لحظةٍ مضت، بل على استحضار الزمن إلى لحظة الفعل الآن. ولكي نزيد في توضيح صورة الآن؛ أي كَمُّ هذا الآن وكيفُه بحسب مقياس الزمن، فإنه لا بد من أن
تتوضَّح لدينا نوعيَّة الأثارة المعرفية المتحصِّلة من جرّاء التقاء أطراف الزمن في لحظة الحضور (الآن).
إن الزمان في نظر العربي زمانٌ شيميٌّ أيضًا، فهو إنسانٌ يؤمن بالانبعاث تحرُّرًا من الموت الدائم
للأشياء، استنادًا إلى تجربة مستمرة لا تمكِّنه من تحقيق الثابت الدائم الماثل أمامه، لذلك يبقى هو دائم الرغبة بتحقيق أمنياته، فيتحدَّى أثر الزمن في كيانه من خلال تجاوز التجربة المعيشة الآنية التي
تبقى تتكرَّر أمامه في مشهدِ التحوُّل والإفناء لأشياء موجودة. إذًا، هناك تحدٍّ لأثر الزمان في الإنسان، يتبدى من خلال استحضار أبعاد الزمان إلى لحظة الحضور
الآن، وبالنتيجة إقصاء مآلات هذا الزمان المعروفةِ عن لحظة الوجود حاضرًا، أي لحظة الفعل الآن.
فالسيطرة على الزمن عند العربي لا تكون إلا بتجاوز نقاط الانتهاء فيه. وإذا كان الموت لحظة النهاية التي لا بد منها، فإن الوجود العربي يتجلّى في تجاوز لحظة الموت القادمة مستقبلً، بما يقوم به الآن حاضرًا من فعلٍ يتعالى به على هول النهاية، فيصبح بإنجازه متخطِّيًا لها. إن الأهميةَ عند العربي تكون
للفعلِ وقوَّته في إحداث الأثر واقعًا مشاهدًا، فيكون الآنُهو زمن التجلِّي الحقيقي لهذا الإنسان. لنأخذ مشهدًا من فهمِ العربي للزمان بأنه ندٌّ يصارع الذات على البقاء، ولذلك يكثر تعامل العربي مع الزمان على أنه الدهر، وليس المسار الطولي للوقت. يقول عنترة في إحدى قصائده: عرَكتُ نَوائبَ الأَيّامِ حَتّى
عرَفتُ خَيالَها مِن حَيثُ يَسري
وذلَّ الدَهرُ لَمّا أَن رَآني
ألُاقِي كُلَّ نائِبَةٍ بِصَدري إذا طبقنا الرؤية الشيمية على موقف عنترة، فيمكننا أن نستنتج البُعدَ الزمني في هذه اللحظة الشعرية،
والذي يحيلنا مباشرةً على مضمون الوعي الوجدانيلمفهوم الزمان عنده. أولً، سنستند في تحليلنا إلى أهمية الزمن الماضي في شحن الزمن الحاضر لاستيعاب الزمن المستقبل عند عنترة؛ فنجد رصيده في التجربة الزمنية السابقة للحظة الحضور مكوَّنًا من أربعة أفعال ماضية، هي: (عركت، عرفت، ذلَّ،
رآني). اثنان من هذه الأفعال له، هما: عركتُ وعرفت، والاثنان الآخران للدهر، وهما: ذلَّ ورآني. أولً:
(2((الخطيب التبريزي (أبو زكريا يحيى بن علي 502-421 ه)، شرح ديوان عنترة، تحقيق مجيد طراد (بيروت: دار الكتاب العربي، 1412 ه - 9921 م)، ص.82
إن ما يجب أن يقرَّ في بالنا هو أن الفعل الماضي «هو الدَّال على اقتران حدث بزمانٍقبل زمانك »،
أما الفعل المضارع والذي تحتوي أبيات عنترة هنا على فعلين منه، هما: (يسري، ألاقي)، فهو كما يورد الزمخشري أيضًا «يشترك فيه الحاضر والمستقبل». ما يعنينا هنا هو إثباتُ الحدسِ الشيميفي موقف عنترة من الزمن، وسنتدرج فيه بحسب المعطيات
التي افترضناها سابقًا لتحقيقه؛ أولً، الترقُّبُ المستندُ إلى تصوُّر كاملٍ للمآل والنهاية، وهذا ما تفترضه
المنظومة الزمنية لكلام عنترة، والتي اقتضت استخدام الماضي والمضارع من الأفعال لتحقيق الإحاطة
بالزمن المعيش ماضيًا وحاضرًا ومستقبلً. ثانيًا، إن الحدس الشيميَّ هو انبعاث رؤيةٍ استنادًا إلى رؤية
متحققةٍ بالفعل، فالرؤية الجديدة للدهر عند عنترة هي أنه «ذلَّ»، وهذه ما لم تكن فكرةً معيشةً في ذهنه
قبلَ شيمِ مستقبل وجودِ الذات بالنسبة إلى الدهر ومستقبل وجود الدهر بالنسبة إلى الذات. وقد تمكَّن
من هذا الإجراء الذهني عبرَ عركِالنوائب «عركتُ نوائب الأيام» ومعرفة مضمون «خيالها من حيث
يسري»، و«السُّرَى: سير اللَّيل، يقال سرَيْت وأسريت»، فكأن الشاعر يريد أن يؤكد دقَّة سبرِه لمجرى
النوائب في حياته، فقد تتبَّعها ليلً. ولما كانت الرُّؤية المتحققة للدهر في ذهن العربي هي أنه يهلِكُ
الناس، والأمثلة على ذلك كثيرة، فإنها لم تعد قادرةً على البقاء في لحظة الزمن الحاضر لعنترة، وهي لحظة «ألاقي كل نائبة بصدري»، والتي هي زمنُ ال «الآن». أما الحدس في ك ماا عنترة فهو الحركةُ الخفيَّة التي اعتملت في ذاته لحظة القول، فحرَّضت الذهنَ
والوجدان معًا. وهو ما يبدو من الصورة الاستعارية نفسها التي مكّنته من صوغ كلامه بهذا على هذا
الوجه، فاستحضار هذه الأفعال بتصريفاتها التي خدمت المعنى ليس سوى مظهر الحدسِ في سيرورة الفعل، وذلك من حيثُ دلالةُ هذه التصريفات ودقتها في توضيح صورة الزمان والمكان في بنية القول. وقد ارتبط الحدسُ عند عنترة بالشَّيم فأنتج رؤيةً للدهر حقَّقها انبعاثًا في مجرى الحدث؛ والانبعاث
هو الفعل الحادث استنادًا إلى المعطى الشَّيمي الأصلي، بحيث يكون حضور الفاعل في الحدث فعلً
إبداعيًا لصورة الحدث. فالدهر لم يعد قائمًا بذاته، بعد أن ذلَّ لعنترة. إذًا، فالزمانُ بحسب عنترة صار
الدهرَ الذي «ذلَّ» منالآنإلى المستقبل، كما أسلفنا، وهنا نرصدُ بدايةً وخلقًا لمظهرٍ معاينٍ للزمان،
وليس استعادةً لأي تجربة معيشةٍ معه، إلا بقدر ما أنها لم تعد تجربةً ممكنةً لحظة هذا التعريف الجديد للدهر. فالدهر اقترن بحضور ذات عنترة وشعورِه «ألاقي كل نائبة بصدري»، فلم يعد بالإمكان
عيشُ لحظةٍ مضت، بل إن الممكنَ هو استحضار الزمن إلى لحظة الفعل الآن. ولئن كان سائدًا أن يقال إن الزمان العربي هو الدهر في الجاهلية، وهو الذي لا يُستكمَل ببعث، نظرًا
إلى أنه يُفني بالموت، فإن هذا لا يلغي في نظرنا سمةَ أن يكون الانبعاث سِمَةً جوهرية في الوجود
العربي. بمعنى أن العربي لا يتعامل مع الدهر بجبرية القدرِ المحتوم عليه، فيقف منتظرًا ما يحلُّ به.
(3((الزمخشري (أبو القاسم جار الله محمود، ت. 538 ه)، المفصل في صنعة الإعراب، تحقيق علي بو ملحم، ج 1 (بيروت: مكتبة الهلال، 9931)، ص.319 (((3 المرجع نفسه، ص.321 (((3 ابن فارس، ج 3، ص 541، مادة «سرو».
إن العربي لا ينتظر ولا يعود، بل إنه ينبعث، فالأساس عنده الحاضر كما بدا مع عنترة، وإن كان مسلِّمًا
بأن هناك لحظة نهاية طبيعية هي الموت، فهذه الدورةُ لا توقع تصوُّره للزمان بالعبثية، بل العكس
هو الصحيح، إنه منشغلٌ دائمًا بإثبات ذاته في الزمان، فينبعثُ في لحظة التبدِّي المباشرة وهي الآن. وهناك من يفسِّر مشهدَ الدهر بأنه الزمانُ الدوري، مستندًا إلى التحليل اللغوي كسعيد الغانمي مثلً،
فهو يقول: «لقد أطلق العرب على الزمان اسم ‹الدهر›، وهي كلمة مشتقة من ‹الدور›، أي التكرار. بل إن ألفاظ الزمان الطبيعي تقلِّد هذا الزمن الأولي وتتبع مساره. فالسنة مشتقة من ‹سن› (القمر)، والشهر من شهر (الهلال)، والتاريخ من ‹ورخ›... إلخ».
مجال الزمان
وتتوضَّح صورة الحدس الشَّيمي مع القرآن الذي يكرِّس مفهوم الزمان الانبعاثي في ذهنية العربي،
وخاصةً في صورةِ المابعد الذي يسعى الإنسان إليه. إن صورة المابعد زمنيًا، هي مظهر الخلود المرتبط
بتصورين مكانيين هما الجنة والنار. والمهم في تحقُّق هذا المصير أننا لا ننتظر إمكان حدوثه أو عدمه، بل إننا نتصرَّف في حياتنا استنادًا إلى حيثيَّة أننا متأكدون من حدوث هذا المصير، ونحن نشيمُ
أفعالنا في الآنالذي نحن فيه، بحيث ربطنا أثرَ التغيُّر الدائم في حياتنا وتبدُّل أحوال عيشنا بفكرة
الخلود الأبدي. وفي القرآن تكريس لفكرة الزمن الخالد، من خ لاا ما طرحته الآيات من مفاهيم
تحاكي سيرورة وعي الإنسان بنوعيةِ وجوده وفعله في هذه الحياة، مثل: الجنة، النار، الدنيا، الآخرة، العمل، التفكر، النظر، الوعد، الدهر، الأبد، الفوز، الخير، الشر... إلخ. ولمَّا كان الزمانُ والمكانُ مفهومين بشريين، فإن الكلام عليهما لا يكون من خارج نطاق المعقول بشريًا،
بل أكثر من ذلك نقول إن منظومة «الإنسان، الزمان، المكان» هي تجربة بشرية قائمة لم يتجاوزها الإنسان، لذلك لا يمكن للغته أن تخرق منظومة عيشه، فهو لا يفهم إلا ضمن هذه المنظومة، فأحيازُ العقل داخلها، لا فوقها ولا تحتها. إن المكان حجارة ورمال وأنهار وإن الزمان يمضي ويأتي ويحضر، وهكذا. ويشير المرزوقي إلى أن فكرة الزمان في القرآن ليست مفارقةً لما نعرفه عن مفهوم الزمان في حياتنا العادية، لذلك إن ك ماا الله على الزمان يحاكي الناس بما يفهمونه عنه: «فجميع ذلك أجري لأوقات مؤقتة لمعان قدرها الله تعالى على أحوال رتبها ومراتب صورها فمنها ما هو أطول، ومنها ما هو
(((3 يقول حاتم الطائي واصفًا الدهر: هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد
كذاك الزمان بيننا يتردد يرد علينا ليلةً بعد يومها
ف نحن ما نبقى ولا الدهر ينفد لنا أجلٌ إما تناهى إمامه
فنحن على آثاره نتورد انظر: حاتم الطائي (ت. 64 ق.ه - 605 م)، ديوان حاتم الطائي، شرح وتقديم أحمد رشاد (بيروت: دار الكتب العلمية، 06-14 ه 9861 م)، ص.13
وقد ورد في القرآن الكريم آية توضح تصور العرب للدهر من هذه الناحية، يقول تعالى: ﴿ وقَالوا مَُا هَِإِلَّ حيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَ يَا ومَا
يُهْلِكُنَا إِلَّ الدَّهْرُ ۚ ومَا لهَُم بِذَ ٰلِكَ مِنْعِلمٍ ۖ إِنْهُمْإِلَّ يَظنُّونَ﴾ (الجاثية:.)24
(((3 سعيد الغانمي، ملحمة الحدود الكبرى (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0002)، ص 8.4 وانظر أيضًا الفصل الأخير المعنون ب «ملحمة الزمن الدوري»، ص.165-157
أقصر، على حسب آماد الأمور المقدورة فيها، فمثّل كل بما تقرِّر به النفوس غايتَه وأمدَه ومقدارَه وموقعَه
مما كنا نعرفه ونألفه ونشاهده ونتصرف فيه». إذًا، يمكننا اعتمادًا على مفهوم الحدسِ الشَّيمي أن
نقول إن القرآن ليس حاجةً إضافيةً على الحياة العربية، بل هو صورةُ هذه الحياة في الكون. نأخذ مثلً
مَّا الَِّينَسُعِدُوا ففِ الَْنَّةِ خَالِينَفِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ
من القرآن صورة الجنَّة الخالدة، ففي الآية ﴿ وَأ
وَالْ
رضُْ إِلَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عطَاءً غَيْ مَذُْوذٍ﴾ (هود 08:.)1 نجدُ في هذا التحديد للخلود بأنه باقٍبقاءَ
السماوات والأرض، أوضحَ صورة عن المخيال العربي في تصوُّر الأبدية. ذلك أن مجال التفكير في
الحياة والبقاء هو مشهد الكون (السماء والأرض)، وقضيةُ الوجود عندَ الإنسان العربي هي استمرار هذا المشهد أمامَه إلى الأبد، وذلك لأنه خَبِرَ وعاينَ زمان السماوات والأرض ومكانهما في عيشه اليومي.
فالإنسانُ لحظة يوجد في هذا الكون، يتكوَّن لديه موقفٌ من الأشياء والكلِّ المحيط. وإن اقترانَ خلودِ الجنة ببقاء السماوات والأرض ليس تناقضًا في سيرورة الزمن في القرآن، إنما هو تعبير عن كيفية الحدس الشيمي عند العربي للزمان. فالقرآن الكريم يحاكي التصور العربي للزمان، وإن صورةَ الجنة الآتية يشيمُها العربي في وعيه الآنمن خ لاا ما هو عليه من مستوى معرفيٍّ في
الكونِ، فمفهوم الخلود المتكوِّن لديه من تراكم أثارات الزمن في مخياله الحدسي لا مجال لتصريفهِ
إلا في مشهدٍ أمداؤه السماوات والأرض. وهذا ليس عجزًا عن مرتبةٍ أعلى في العقل والتدبُّر، بل إنه
استنفادٌ كاملٌ لما في فطرة الإنسان وطبيعته من إمكانٍللمعرفة. ويوضحُ أبو العباس ثعلب سياق
استخدام العرب لمقولة ما دامت السماوات والأرض، فيقول: «مقدار ما كانت السماوات والأرض [...] العرب تقول: لا آتيك ما أن في بحرٍ قطرة، ولا آتيك ما دامت السماءُ سماء، ولا آتيك ما السماء
سماء، ولا آتيك ما سمر - وأسمر - ابنا سمير، يعنى الليل والنهار. ولا آتيك هبيرة بن سعد، ولا آتيك القارظ العنزي، أي قد ذهب ذا فلا آتيك. قال: يضعون هذا موضع أبد الدهر».
مكوِّنات الزمان العربي
إذًا، إن مكوِّنات الزمان في الذهن، هي مكوِّنات الواقع، وما قدرةُ العربيِّ على تصوُّر قيمتي الانبعاث
والخلود في كينونَته، بحيث يكون قادرًا على التفكير في الجنة والنار، إلا نتيجةً مؤكدةً لممارسة
الحدس والشيم معًا على مسطَّح الزمان عنده. إن هذا الإنسان يتراوح بين نقطتي وجودٍ، لا يمكن
الفصلُ بينهما غالبًا، بل دائمًا ما تبقى العلاقة جدليةً بينهما، وهما الماهيَّة والإنيَّة على مستوى الشيء
الموجود. فماهية الشيء: «ما به الشيء هو هو وهي من حيث هي هي، لا موجودة ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص ولا عام، وقيل منسوب إلى ما، والأصل المائية قلبت الهمزة هاءً لئلا
يشتبه بالمصدر المأخوذ من لفظ ما والأظهر أنه نسبةً إلى ما هو، جعلت الكلمتان ككلمة واحدة»، أما الإنيّة، فهي قد وردت عند الجرجاني بصيغة الآنية، وهو جائز الاستخدام في الفلسفة العربية،
3(((المرزوقي (أبو علي أحمد، ت. 421 ه)، الأزمنة والأمكنة (بيروت: دار الكتب العلمية، 9961)، ص.105-104 (3 ((ثعلب (أبو العباس أحمد بن يحيى 91-200 2 ه)، مجالس ثعلب، تحقيق عبد الس ماا محمد هارون، ق 1، النشرة الثانية
(مصر: دار المعارف، 9601)، ص.321 (3((الجرجاني (علي بن محمد 816-740 ه)، التعريفات (مصر: المطبعة الخيرية المنشأة بجمالية مصر، 0613 ه - 8891 م)، ص.84 3(((انظر في هذا الصدد: الكندي (أبو يوسف يعقوب بن إسحاق 56-185، تحقيق محمد عبد الهادي 2 ه، رسائل الكندي الفلسفية
أبو ريدة، ط 2 (القاهرة: دار الفكر العربي، 978 الهامش (2)، من ص 1)، 62 إلى ص 0.3 يورد المحقق شرحًا وافيًا للمصطلح، من
حيث الأصل العربي والترجمة من اليونانية والسريانية، وطريقة رسم المصطلح وتداوله في الفلسفة العربية.
ويقول الجرجاني: «الآنية: تحقق الوجود العيني من حيث مرتبته الذاتية» وهو يوافق ما قاله أبو البقاء في كليَّاته، «إن: بالكسر والتشديد، هي في لغة العرب تفيد التأكيد والقوة في الوجود، ولهذا أطلقت
الفلاسفة لفظ الإنية على واجب الوجود لذاته، لكونه أكمل الموجودات في تأكيد الوجود وفي قوة الوجود». أما نشوان الحميري فيقول: «وقالوا: لن يكون شيء موجود إلا وله أنية ومأنية، وعلمك بالأنية غير علمك بالمأنية، وذلك أن تسمع الصوت، فتعلم أن له مصوتًا، ويجهل ما هو، فعلمك بما هو، غير علمك بأن له مصوتًا». إذًا، بين الماهيَّة والإنِّية يمكننا أن ندرُسَ مكوِّنات الزمان، ذلك أنه عندما نبدأ التجوال في الذهن
بفكرة، فنحنُ إنما نقوم بتحديد وضعيتها بذاتها وإزاء العالم، وهنا نسبيةُ الرؤية إلى الأشياء. إذ إنه
بمقدار ما تتصوَّرُ النفسُ أن لها علاقةً متحقِّقةً بالشيء الذي تعاينُه، فإنها تمنحهُ، بحسب قُدرتها على
التصور والفهم طبعًا، وجودًا ثابتًا أُسيًا في هذا الكون المُدرَك. من هنا، نرى أن تفاوتًا قِيميًّا يحصلُ
على مستوى الحضور الظاهر المعاين ل شأأياء، فنوعيةُ الوجود ليست واحدةً، بل إن مقياسها هو
القوة في الوجود على صعيدي الجوهر والعيان. والزمانُ ليس سوى التصوُّر المبني على قيَمِ الممكِن
والواقع من الأحداث. إذًا، بين الماهية والإنية يمكننا أن ندركَ طريقة تفكير الإنسان العربي بالخلود والانبعاث والجنة والنار، فالزمان مقياسه الحضور والغياب على مستوى الوجود. إذ إن المتحقق من الزمان يقاس عليه الغائب
منه، والغائب بنوعيه ماضٍومستقبليصبحُ مُتصوَّرًا بحسب إمكانات الآن، وبالنتيجة مُدركًا بطريقةٍ
تلائم التفكير الإنساني وليست من خارج نطاق مدركاته. وهنا لا نقول إن الإنسان يتنبأ بالغيب، بل كل ما نؤكده أن الإنسان في سلوكه اليومي يشيم زمانه في المستقبل انطلاقًا من معطيات هذا الزمان في
الحاضر. فتصوره للآتي من الزمان كلُّه متشكِّلٌ مما يقدرُ هو على استيعابه في حياته الحاضرة الآن. ولو نظرنا إلى أفكار عودة الماضي أو انبعاث الحاضر أو رؤية المستقبل من وجهة نظر فيزيائية، فإنه بإمكاننا التسليم بأن فيزياء الكون في ذهنية الإنسان ليست ثابتةً في كل الأزمنة والعصور، بل إن ما
فكَّر به على أنه حدثٌ من الزمن الماضي، قد يكون هو فكرة المستقبلِ في لحظةٍ أخرى من الزمن. وهذا ليس توقعًا عشوائيًا، بل إن رغبات الإنسان وطرائقه في العيش والتفكير منصبَّة دائمًا على التغيير
في شكل الكونِالموجود في سبيل الإنسان وبقائه، ليكون أكثر متعةً وسعادة وهناءً في عيشه. لذلك،
تتغيَّر النظرة إلى الشيء من حيث الماهية الثابتة له، ومدى تحقيق الاستقرار الزماني، أي استمرار نوعٍ
من الآلية الحركية في صورة الزمان، من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، بحيث لا يفوتُ الإنسانُ
لحظةً إلا ويدركها، فيكون ممسكًا بمصيره، ولكن هذا الإمساك الكلِّي هو ما لا يحدث طبعًا للإنسان،
لأن وجودَه لم يسبق الزمانَ ولم يجاوزه، فهو كائنٌ في الزمان. وبما أنه محدود القدرة في تحقيق الاستقرار الزمني، تبقى إمكانات الشيم والحدس هي القدرات المُثلى لديه في استيعابه هذا العالم.
(3((الجرجاني، ص.17 (4((أبو البقاء (أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، ت. 094 1 ه)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري (بيروت: مؤسسة الرسالة، 9141 ه - 9981 م)، ص.190 (((4 الحميري (نشوان بن سعيد، ت. 573 ه)، الحور العين، تحقيق كمال مصطفى (القاهرة: مكتبة الخانجي، 9481)، ص.148
إن الفيزياء المعاصرة منشغلةٌ أيضًا، بالتفكير في الزمان والخلود والمصير، فميشيو كاكو مثل، يطرح في كتابه فيزياء المستحيلعددًا من التساؤلات، انط قااًا من فكرة أن «أي شيء غير مستحيل هو
ممكن»، فيتحدَّثُ في خمسة عشر فصً عن إمكانات السفر عبر الزمن واستبصار المستقبل ونظرية كل شيء ووجود أشياء سرعتها أكبر من سرعة الضوء. وهو يشير إلى المستحيل حاليًا، على
أنه هو الممكن أن يتحقق مستقبلً، فيقول: «تتسق آلة زمانٍتأخذنا نحو المستقبل مع نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين. ولكن ماذا عن السفر رجوعًا نحو الوراء في الزمان؟». وهذا يؤكد لنا فكرة
الحدس الشيميالتي تحاول دائمًا ربط الماضي والمستقبل بالآن، لعلَّ الإنسان يرسم الصورة الكاملة
للاستقرار الزمني. وهو لن يقدر على ذلك.
خاتمة
قمنا في هذه الدراسة بمحاولة فهمٍ لكيفية بيان الإنسان العربي في مكانه وزمانه في لحظة انبثاقه
النطقي المعرفي الوجودي؛ أي في وعيه كينونته الفعلية الحاضرة دائمًا في الكون. واعتبرنا أن الزمانية
العربية قوامها فعل الشَّيم. وهذا الفعل فعلٌ ماهويٌّ في كينونة الإنسان العربي. وبعد أن عرَّفنا فعل
الشيم بأنه فعلٌ ذو بُعدين؛ إذ يحمل إمكان الدخول وإمكان الخروج معًا فهو انشيامٌ وظهور، وجدنا أن
مجال هذا الفعل هو الوجود الإنساني المعيش. ولما كانت مظاهر العيش تُفهَم بأثاراتها أي العلامات الدالة عليها، فلاحظنا أن الزمان الماضي يحتوي
كل شيء متحقق زمنيًا، من هنا تكون الرغبةُ في استرجاعه دائمةً. ولمَّا كانت طبيعة الإنسان لا تسمح
له بالعودة إلى الخلف، بل هي تسمح بالتقدم إلى الأمام فحسب، فإن النشاط البشري التفكيري مجاله
أن يعملَ في المستقبل، استنادًا إلى صورة مرئية تقرُّ في المخيلة. من هنا، درسنا ما سمَّيناه الحدس الشيمي الذي ربطناه بلحظة زمانيةٍ تأسيسية هي الآن، إذ في هذه
اللحظة يتمكن الإنسان من الترقب والرصد والغمد والاست لاا في الكل الزماني الكمي الذي يوجد فيه. وبالنتيجة يكون حضوره كيفيًا. ووجدنا أن الفعل المضارع الحاضر هو الفعل الأصيل زمانيًا، ومن
خ لاا استيعاب قيمة الحدس في الحاضر، تمكنا من تأكيد قيمة معيشة زمنيًا في المراس الحدسي
الواعي للزمن وهي الانبعاث في الرؤية المعيشة، فالقرار في المعرفة ليس لحظةَ عيشٍ آسنة، بل هو لحظةٌ حيَّة منبعثةٌ فاعلة؛ فهو اللحظة الوسط القادرة بحدسيَّتها أن تمكن الماضي والمستقبل من
الحضور. عناصر هذه الصورة مكتملة في الزمن الماضي، ولكن إمكان وجودها لا يمكن إلا بعناصر الزمن المستقبل، والحاضر هو نقطة البداية الدائمة. ولا يحقق هذه السيرورة الحُلمية إلا الشَّيم. وميزنا
خلال الدراسة بين قصدية هوسرل والرؤية إلى العالم عند هيدغر وشيمية كنط التأليفية القبلية والشيمية العربية، مستندين إلى ما يثبت فرادة هذا المفهوم في مكوِّنات المعرفة الذاتية العربية. من كل ذلك علمنا الربط بين الذهنية والشيمية في الحضور الوجودي للإنسان العربي، وإن أي خللٍ في هذه المنظومة الزمنية الفاعلة في ذهنية العربي، يؤدي إلى خللٍ حتمي في المنظومة الوجودية.
(((4 ميشيو كاكو، فيزياء المستحيل، ترجمة سعد الدين خرفان، سلسلة عالم المعرفة، العدد 993 (نيسان/ أبريل 0132)، ص.14 (((4 المرجع نفسه، ص.249
ثم درسنا أهمية الحضور ولحظة الآن في حياة العربي، إذ إن الحضور هو الزمان الحقيقي، فلا ماضي ولا مستقبل بلا وعي للآن، والإنسان يحقق هذا الحضور إذا حقق فاعليَّته على الزمان، فيصبح الزمان
مفعولً به وليس العكس. وبعد أن استوضحنا ما نريده من مفهوم الزمان وعلاقته بمفهوم الشيم، أردنا أن نعرف مجال الزمان العربي، فدرسنا صورة الزمان وعلاقتها بصورة الخلود في الذهن العربي المعيش. وتطرقنا إلى هذا المفهوم في النص القرآني. ووجدنا بالنتيجة أن مجال الزمان هو السماوات والأرض، لذلك هو خاضع لإمكان الشيم والحدس معرفيًا، أي إن عناصره إنسانية بامتياز. ولا يمكن هذا الإنسانَ أن يستقر، لذلك لم يقبل صورة الموت. إن الإنسان العربي لا يموت، وهذا ما يتبدّى
فعلً في بنية اللغة العربية التي لا تتضمن تصوُّرًا للسكون بأنه نهاية، بل هو بدايةٌ دائمة، حتى إن القاعدة
اللغوية تحرِّك أحد طرفي الكلمة، إذا اقتضى الظرفُ حال السكون في آخر كلمة أو في بداية أخرى، منعًا
لالتقاء الساكنين. وقولنا إن السكونَ بدايةٌ دائمة، يفيد ضِمنًا أنه لا يمكن المكوث به، إذ لا استقرار في البدايات، بل الحركة هي التي تحدد حجم هذا السكون بالنسبة إلى حجم الفعل في الزمان والمكان. لذلك درسنا مكوِّنات الزمان العربي من خلال طريقة العربي في التعامل مع الأفكار من حيث حضورها
الماهوي والإنِّي، أي بإزاء ذاته وبإزاء العالم من حوله، وحاولنا تفسير حركة الوجود من خلال فكرة سعي الإنسان إلى الاستقرار الزمني، فلمسنا أن تحقيق مثل هذا الاستقرار لا يمكن إن بفعل الشيم
القادر على تحقيق استيعابيَّةٍ ذهنية لسيرورة الزمان، بحيث يتوسَّط الإنسان أنطولوجيًا المجرى الزماني،
بين الماضي والمستقبل، فيعي حاضرَه، كي يكون. References
المراجع
العربية
أبو البقاء (أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، ت. 094 1 ه). الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري. بيروت: مؤسسة الرسالة، 9141 ه -.9981 م أوشو. الحدس أبعد من أي حس. إعداد مريم نور. ترجمة رياض خليل حسن. ط.3 بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2011 التبريزي، الخطيب (أبو زكريا يحيى بن علي 502-421 ه). شرح ديوان عنترة. تحقيق مجيد طراد. بيروت: دار الكتاب العربي، 4121 ه -.9921 م التهانوي (محمد بن علي، ت. 58 11 ه). موسوعة كشاف اصط حات الفنون والعلوم. تحقيق علي دحروج. تقديم رفيق العجم، الترجمة من الفارسية: عبد الله الخالدي، الترجمة من الأجنبية: جورج زيناتي. بيروت: مكتبة لبنان - ناشرون،.1996 ثعلب (أبو العباس أحمد بن يحيى 91-200 2 ه). مجالس ثعلب. تحقيق عبد السلام محمد هارون. مصر: دار المعارف بمصر،.1960
الجرجاني (علي بن محمد 816-740 ه). التعريفات. مصر: المطبعة الخيرية المنشأة بجمالية مصر، 0613 ه -.8891 م الحميري (نشوان بن سعيد، ت 573 ه). الحور العين. تحقيق كمال مصطفى. القاهرة: مكتبة الخانجي،
الزمخشري (أبو القاسم محمود 538، ت ه). المفصل في صنعة الإعراب. تحقيق علي بو ملحم. بيروت: مكتبة الهلال،.1993 الشوك، علي. جولة في أقاليم اللغة والأسطورة. ط.2 دمشق/ بيروت: دار المدى،.1999 الطائي، حاتم (ت. 64 ق. ه - 605 م). ديوان حاتم الطائي. شرح وتقديم أحمد رشاد. بيروت: دار الكتب العلمية، 0614 ه -.9861 م العاني، إبراهيم. الزمان في الفكر الإسلامي. بيروت: دار المنتخب العربي،.1993 الغانمي، سعيد. ملحمة الحدود الكبرى. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2000 الكندي (أبو يوسف يعقوب بن إسحاق 185 - 56 2 ه). رسائل الكندي الفلسفية. تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط.2 القاهرة: دار الفكر العربي،.1978 كنط، عمانوئيل. نقد العقل المحض. ترجمة موسى وهبة. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. تعريب خليل أحمد خليل. ط.2 بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2001 الماجدي، خزعل. كتاب إنكي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2013 المرزوقي (أبو علي أحمد، ت. 421 ه). الأزمنة والأمكنة. بيروت: دار الكتب العلمية،.1996 ميشيو كاكو. فيزياء المستحيل. ترجمة سعد الدين خرفان. سلسلة عالم المعرفة. العدد 3 99 (نيسان/ أبريل.)2013 هوسرل، إدموند. فكرة الفينومينولوجيا. ترجمة فتحي إنقزو. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 هيدغر، مارتن. الكينونة والزمان. ترجمة فتحي المسكيني. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،
الأجنبية
Heidegger, Martin. The Basic Problems of Phenomenology. Albert Hofstadter (trans.). Indiana: Indiana University Press, 1988. Presencing EPIS (A Scientific Journal of Applied Phenomenology & Psychoanlysis), at: http://bit.ly/2grqvfj