العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الخيال العلمي بين محددات النوع واكراهات سياق التلقي

الخيال العلمي بين محددات النوع واكراهات سياق التلقي

Science Fiction

رشا عبد الفتاح جليس

Rasha Abdel-Fattah Jalees

الملخّص

* باحثة مستقلة، حاصلة على الماجيستير في الأدب العربي والنقد الأدبي.

Abstract

Today, the relationship between science and literature seems coherent and effective due to its variables and consequent scientific discoveries. The results of the scientific revolution have thus reflected on the genre, and have also crystallized in the emergence of science fiction. Here, human knowledge is no longer considered as cumulative, but also built on scientific and technological innovation and achievement. This study aims to shed light on the concept and characteristics of science fiction, and tackles its relationship with reality and contingent scientific variables, as well as its association with cinematic art and the concept of myth. Moreover, it investigates the problematic of science fiction in the Arabic context, specifically with regards to the intellectual and practical aspects and the hindrances to its development.

الكلمات المفتاحية:
  • الخيال العلمي
  • الأسطورة
  • السينما
  • الرواية
Keywords:
  • Science-fiction
  • Myth
  • Cinema
  • Novel

بين محددات النوع وإكراهات سياق التلقي

Between Genre Determinants and the Coercive Contexts of Reception

مقدمة

تمثّل الرؤية الاستشرافية المادة الجوهرية التي يتكئ عليها أدب الخيال العلمي، والتي غزت عالمنا الأدبي اليوم بعيدًا عن فانتازيا الأدب، حين قلبت ثورة العلم والصناعة والرقميات موازين القوى الفكرية في العلوم الإنسانية، وبدّلت مفهوم الخلق الأدبي من معادلة الإلهام والخيال الأدبي إلى ميزان القوانين الفيزيائية والنظريات العلمية في الطبيعة المتجسدة في رحلة ذات مغزى عبر السفر اللامتناهي في آفاق الزمن. ولم تعد تلك القصص التي نرويها لأطفالنا عن أناس غزو الفضاء، وسكنوا القمر وحرب النجوم، أو الإيمان بفكرة الحياة تحت الماء، مجرد تصورات ذهنية تروى بغرض التسلية والإمتاع أو تقويم المفاهيم والبنى الأدبية لشريحة من قرائنا المهتمين بحقول الأدب والباحثين عن لذته فحسب، بل بات من الطبيعي أيضًا أن يحتّل الخيال العلمي ساحة الفكر الإنساني لطفولة العالم الآن؛ لأنه صار حاضر الغد وقرين التجربة العقلية في ميدان التطبيق النظري للعلوم الطبيعية. لقد أصبح إنسان حضارتنا المعقدة اليوم يمسك خياله بعصا سحرية، ويوجهها حيثما أراد لتحقيق أمانيه وتطلعاته لاستشراف المستقبل، وخلق كل ما يشطح به خياله إلى واقعية مادية ملموسة، كلما أدرك قدرته الحقيقية في السيطرة على ميكانيزما «المادة» في الطبيعة التي يبلورها في وعيه من دون أن يحده شيء. إنها دليل على الحالة الفريدة التي تمكّن بها الإنسان من الطبيعة، وطوّعها عن طريق

التجربة، بعد تحرر يده وعقله في العصور الأولى من عمر الطفولة البشرية، إلى مراحل تقدمه الهرمي في اتجاه الحضارة والعلم في أعقد صورها. لقد تحوّل العلم اليوم إلى شريعة إنسانية لدى أفراد كثيرين في هذا العالم، وبديل مقنع لهم من

تلك التصورات الدينية الموروثة التي انبثقت من فكرة الآلهة، وبات من الطبيعي جدًّا عدّه س ح المعرفة والقوة والدليل الجوهري على الوجود الإنساني وحقيقته وكينونته. ويبدو على الأغلب أنّ العلم والأدب وجدا طريقهما إلى المصالحة والانسجام اليوم في عالم معولم ومنفتح ومتحرر من سلطة الدين والسماء باتجاه سلطة الإنسان نفسه، بل أكثر من تلك الهدنة التي يحاول الكثيرون عقدها بين العلم والدين للسعي في التوفيق بينهما دومًا. إنّ أهم ما يخصب قصص الخيال العلمي انفتاحه الكامل على القوانين الفزيائية الطبيعية المؤطّرة بالخيال ال مااحدود، والقدرة المفتوحة واللانهائية على خلق العالم الغرائبي والعجائبي في البنية الروائية القائمة على التنبؤ والتخمين، في حدود ال مااعقول لمحاولة تحويله إلى احتمال المعقول والتبشير به في المستقبل البعيد، وتحويله إلى واقع فعلي متحقق أمام ناظرنا. ولذا ينظر تيرّي أبتر

إلى حقيقة الخيال العلمي نظرة مفارقة ومنطقية، لكونه ينطوي على عالم الاحتمال لا عالم التقدير

(((يطلق مفهوم الفنتازيا الأدبية على مجموعة القصص التي كانت تشيع في العصور الوسطى في أوروبا؛ إذ تتناول حكايات الجن والأساطير والسحر والقصص الخارقة الخارجة عن الواقع، وهو ما يجعله يختلف عن الخيال العلمي الذي ينطلق من الواقع عبر التجربة العلمية.

(2) Julie Elizabeth Czerneda, No Limits: Developing Scientific Literacy Using Science Fiction (Toronto: Trifolium Books, 1999), p. 3.

المطلق؛ فيفترض أنه أقصى ما يبلغه الإنسان في الرواية العلمية التي هي منظومة فكرية تندرج داخل حدود عالم الشك الذي تنعدم فيه الحقيقة المطلقة؛ لأنّ كل ما هو حقيقي في الخيال العلمي هو عبارة عن فرضية. ويبدو أنّ ما يحفز انتشار أدب الخيال العلمي في عالمنا اليوم هو غزارة الاختراعات المادية المتتالية بين الدول العظمى، بغرض التنافس والسيطرة والحروب العسكرية التي تغذي الابتكارات والإنجازات العلمية التي تحملها أخيلة الكتّاب في أدمغتهم العلمية. «فمن يعترف للكاتب الفرنسي جول فيرن

مثلً، ببراءة اختراعه للغوّاصة النووية في كتابه عشرون ألف فرسخ تحت سطح البحر، أو للبريطاني

هربرت جورج ويلز بأنه أول من اكتشف الطاقة الذرية، واتهامه، تاليًا بأنه وراء مقتل ملايين البشر في

هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين؟».

في أي فلك تدور العقلية العربية؟

على الرغم من كون هذا الفن المبهر يلفت أنظار الكبار قبل الصغار في صالات السينما وشاشات

التلفزة وعبر صورنا المتخيلة عند مطالعتها، فإنّ حضوره العربي مختفٍ في حقول أدبنا الحديث؛ فبقدر ما هو مغيب عن عالمنا العربي، فإنه يسير باطراد مستمر وكثيف في عوالم أخرى متغيرة بجوارنا. ولا تظهر مشكلة أدب الخيال العلمي في الواقع العربي في العجز العلمي عن الابتكار والاختراع الميكانيكي الذي يضع وطننا العربي في دائرة تصنيفية للعالم النامي الذي فشل في اللحاق بركب الحضارة المادية فحسب، بل يتجاوز كل هذا بتخبط أعمق داخل جذور العقلية العربية التي تشكّل أساس معوقات الانط ق الحضاري والعلمي أيضًا؛ وذلك لأنّ الفكر العربي اليوم ما زال يخضع لمنطق القياس على الماضي وفجوة الموروث في حضارة اليوم، بما يجعله عاجزًا عن تحقيق التوازن بين مفاهيم الأصالة والحداثة والتقدم. وبما أنّ الخيال العلمي أصبح لغة العصر وأحد المساقات التدريسية في التعليم للأطفال في مناهج الدول المتقدمة، فإننا ما زلنا نبذل قصارى جهدنا في خلق طفل عربي يمتلك قدرة أكبر على صناعة ذاكرة عميقة له تعينه على الحفظ. وفي المقابل، ننسف محاولة بذل الجهد في امت ك أطفالنا مهارات صقل الخيال، والتفكير الناقد، والابتكار، والعقلية المستكشفة، وآليات البحث العلمي. وتعتقد سعاد العبد أنّ أهمية تقديم هذا النوع الأدبي ل طأأفال تكمن في أنه يعمل على ابتكار الحلول للمشك ت الحياتية بطريقة إبداعية، وذلك باستفزاز وشحذ خيال الأطفال في الجانب الأيسر من الدماغ، وتطوير قدرات الذكاء لديهم. وهو ما تفتقره وسائلنا التعليمية في المدارس

(3) Terri E. Apter, Fantasy Literature: An approach to Reality (London: Macmillan, 1982), p. 2.

4) («أدب الخيال العلمي العربي يحتاج تقدمًا تقنيًا ينتج لغة مغايرة »، الغد الأردنية، 006/2/212، شوهد في 016/11/27:2، في

http://bit.ly/2gLwZsN

(((سعاد العبد، «قصص الخيال العلمي كمدخل للتدريس»، ينابيع، العدد 4 (آذار/ مارس 0132)، ص.46

التي تحوّل علاقة الطفل بالواقع إلى علاقة منفية مستسلمة، بدل من خلق حالة التحدي والمواجهة

لمعوقات الواقع. إنّ عملية الاستخفاف والتهكم من خلق أي بذرة للخيال العلمي في فكرنا أصبحت هي ردّة الفعل

الطبيعية التي تخرج من أفواهنا حين نستمع لفكرة خيالية أو نطرحها على أحدهم؛ ما يكشف عن حالة تكبّل العقل الخيالي العربي الذي نمارس قمعنا عليه، حتى في أبسط صوره الشفوية. وعلى صعيد أدبي فالأزمة تنغلق أكثر؛ لأنّ أدب الخيال العلمي مادة مغمورة وغير معروفة في مكتباتنا العربية، وإنّ كل ما يتصل بنا في الخيال العلمي يصدّر من الثقافة الغربية ويستنسخ منها، عبر الصورة البصرية الجاهزة التي ننجذب إليها بغرض التسلية والإمتاع السينمائي؛ إذ ما زال واقعنا الأدبي يعاني شحًّا واضحًا في إنتاج قصص الخيال العلمي أو حتى ضعف الإنتاج نفسه إن وجد. فغالبًا

ما تكون الروايات العلمية ركيكة وغير متمكّنة من النظرية العلمية المبنية عليها، إضافة إلى افتقادنا أهم النظريات العلمية المستجدة والطارئة في العلوم، والتي تستدعي حركة التواصل والديمومة بين الأدب والعلم، أضف إلى ذلك كله فقدان أصحاب الاختصاص الأدبي والعلمي المتبحرين في ميدان التأليف والإنتاج والحركة النقدية، ما يجعله فنًّا سطحيًّا لا يحقق أي قيمة مستفزة للخيال ومؤثرة فيه. وتزيد الأمور سوءًا، إذا ما اقترن الإنتاج الأدبي للخيال العلمي بمميزات تجعل تطوره تحديًا كبيرًا

يواجه الدول النامية ويعوق حركته. ويتركز ذلك بقدرة الدولة الهائلة على توفير البيئة العلمية والتقنية وليس المعرفية فحسب للفرد، ليبقى على تماس مباشر مع الابتكار والتجديد العلمي؛ إذ يحتاج الإبداع الأدبي في الخيال العلمي إلى دعم البحث العلمي ومؤسساته وتعزيزه بمصادر التكنولوجيا والرقميات، ما يعني إيجاد تكاليف باهظة على دول ما تزال تزحف على قدميها اقتصاديًا أو لدول

أثقلت ويلات الحروب كاهلها. وإذا كانت صورة واقعنا الأدبي الحديث مأزومة إلى هذا الحد في حقل الخيال العلمي، فحريّ ببالنا

السؤال عن إمكانية وجود تمثلّات وجذور أدبية في تراثنا القديم، تنعكس فيه قصص الخيال العلمي. ويبدو أنّ الحكم المتسرع على وجود هذا الجنس الأدبي أو نفيه من تراثنا من دون تقصٍ شديد أمر يوقعنا في مغالطات كبيرة؛ فارتباط القصة الخيالية العلمية بالأسطورة الموجودة في التراث الشرقي السامي

(ملحمة جلجامش) أمر لا بدّ من الالتفات إليه جيّدًا. كما تشكّل بعض النماذج الخيالية في قصص ألف

ليلة وليلة (البساط السحري) شكلً بسيطًا وأوليًّا يقترب إلى حد ما من مفهوم الخيال العلمي، بينما يرى

بعضهم في قصة حي بن يقظانلابن طفيل ملامح ولادة الخيال العلمي في التراث العربي. وعلى الرغم من بروز الروائي المصري نهاد شريف بصفته أحد أبرز أعلام الخيال العلمي على الساحة الأدبية الحديثة، وكان ذلك في أول إنجاز له في رواية قاهر الزمانعام 9961 التي تحولت إلى فيلم سينمائي لاحقًا، سبقته بعض التجارب الأدبية لتوفيق الحكيم ومصطفى محمود في خمسينيات القرن الماضي، فإنّ الحديث عن استقلالية هذا الفن واكتماله في الأدب العربي الحديث ما زال متعثّرًا جدًّا

في الواقع العربي، خصوصًا أنّ هذا الإنتاج العظيم تراهن عليه الدول الاقتصادية المتقدمة التي تتسابق

في حجم إنجازها التكنولوجي ومقداره في كل يوم؛ إذ إنها تقف على أرضية علمية مهيأة للتطبيق العملي والأدبي، وهو ما تفتقره دولنا العربية.

سينما الخيال العلمي

لم تعد الرواية الأدبية اليوم فنًا يقتصر على النخبة من أصحاب الثقافة والاطلاع، بل غدت أكثر انفتاحًا

وتداخً بحياتنا الواقعية وحياة الشباب والناس، وتحولت إلى متطلب من متطلبات التقدم العلمي

الذي يأخذنا إليه أكثر. ولذا، لم يكفِ القارئ اليوم قراءة الروايات الأدبية وتجارب الآخرين على الورق ليشبع الصورة الأدبية في خياله، إنه اليوم يلجأ إلى السينما والصورة البصرية ليجسد ما يقرأ لما يمكن أن يفعل بقدر كبير من اختراق الرواية ذاتها ونقل ما لا تستطيع الرواية نقله بحروفها. لقد دخلت السينما اليوم حقل التجربة الأدبية بصفة مدهشة جعلت الأعمال الأدبية خالدة في الذاكرة البصرية أيضًا. وامتلكت القدرة على نقل اللحظات الواقعية ل حأأداث ورسم الشخصيات، عبر دمج طاقات الإنتاج السينمائي الباهظة، وتحويله إلى عروض ضخمة تفوق ضخامة القارئ الفرد الذي يصنع جزءًا منه بخياله الفردي البسيط، ويصبح إنتاجًا خياليًا جمعيًّا هائلً من منتجين وممثلين

ومخرجين للعمل كاملً. وتأتي الكتابة السينمائية في مقدمة العوامل المؤثرة في انتشار قصص الخيال العلمي وجلب الشعبية والجمهور إليه أكثر من عملية القراءة، لا سيما إذا اتبعها جهد مالي كبير ينفق على قطاع إنتاج هذا النوع من الأفلام لدعم الفكرة العلمية له وإمكانية التطبيق التكنولوجي كذلك. ومع تفوق السينما اليوم ومنافستها للراوية، يرى بعض الروائيين أنّ الرواية «لا تزال هي أساس الإبداع السردي الذي يستمد قيمته وجمالياته من خلال لغة أدبية وتقنية كتابة وبنية روائية بين دفتي كتاب، تلك القيم والجماليات التي لا بد أن تختل فيما لو تحول الكتاب إلى وسيط آخر كالسينما أو الفيديو».

ما بين الأسطورة والخيال العلمي

ما زالت قضية البحث في جذرية الأصناف الأدبية المبتكرة أمرًا لا مفرّ منه في حقول البحث الأدبي

المهتم بالموروثات السردية الماضية، للتنقيب عن جذور فنية لصيقة بنتاجنا الحديث، ليكون نموذجًا

حاضرًا عن كل ما هو طارئ في عالم القصة والرواية اليوم. ويميل بعضهم إلى التركيز على البعد

الأسطوري في محاولة ربط سرد الخيال العلمي بالفكر الميثولوجي القديم الذي بني لهدف ديني ميتافزيقي صرف، وقدّم بأرقى مستويات اللغة الأدبية. وعلى الرغم من تلك التقاطعات المائزة التي تربط الأسطورة بقصص الخيال العلمي، ومن أبرزها اختراق الواقع بأبعاد عجائبية، وصناعة المستحي ت، والمعجزات، وإط ق العنان للصورة التخيلية التي انبثقت من فكرة الآلهة داخل

(((خليل الجيزاوي، «الرواية العربية والسينما: إشكالية الأدب والهوية في السينما العربية»، الرافد، العدد 881 (نيسان/ أبريل 0132)، ص 53-52.

الأسطورة، فإنّ ك منهما يتباين بجوانب ثابتة تتعلق بالبنية الأدبية المرتبطة بمفهوم السرد (القص) أو التعبير الذاتي/ الجماعي في الأسطورة الذي لجأ إليه الإنسان منذ القدم إلى الآن. فما زلنا نقصّ

على الآخرين في كل يوم ما يحدث معنا من أحداث بفعل انتهاء زمنها، وهو ما يغاير مفهوم القصة الفنية الذي تبنى عليه القصة أو الرواية اليوم بوصفه فنًا أدبيًّا مستقلً، لكنه يشترك مع الأسطورة في

عامل السرد. علاوة على ذلك، فإن ما يميز الأساطير هي تلك الأحداث الواقعية التي تفسر بالأخيلة والخوارق المتجاوزة للعقل الطبيعي إلى ما وراء طبيعته، فيما تبقى قصص الخيال العلمي منسوجة داخل القدرة الطبيعية؛ لأنّ الأساطير تنبثق من نماذج بدائية في المجتمع، وتكون غير ممثلة في أفراد مبدعين، بل في جماعات أو قبائل تمارس الشعائر والطقوس نفسها، ولا تخضع للتغيير عبر الزمن. وبتعبير آخر، إنّ الخيال العلمي يتكئ على الموهبة الفردية ذات الحسّ الأدبي الممزوج بالمنهجية

النظرية الذي يعيد تمثيل الواقع بقدر عال من التحرر والانفلات. كما تقوم الأسطورة على فكرة أساسية في رأي فرانكفورت، وهي معرفة الأنا بالأنت وأنّ طبيعة هذه المعرفة «تتراوح بين الإدراك الفعال وبين ‹تسلم الانطباع المنفعل»›؛ لأنّ الفكر الأسطوري أساسًا

غير قادر على الفصل بين الذاتي والموضوعي في تفسير مشخّصات الكون والظواهر الطبيعية والاجتماعية فيه، وهذا في رأيه أهم ما يجعل المقولات الأسطورية غير خاضعة لمعيار المنطق والعقل التجريبي، وتجعلها تبدو سخيفة من منظورنا الحديث. من جانب آخر، يقوم عماد سرد الخيال العلمي على استلهام القوانين والنظريات العلمية والكونية (النظرية النسبية، ونظرية الكم، والنظريات البيولوجية) أساسًا للانطلاق المعرفي المتداخل بحقول

الأدب. وهذا يعنى قدرة أكبر على الخلق الفني في التصور الذهني للفكرة الجوهرية في الخيال، وتكاملها في الشخوص واللازمانية واللامكانية في تسلسل مترابط للأحداث ومتوازن بين فنية العمل (الأسلوب) والثيمة العلمية (الفكرة/ النظرية التي تبنى عليها). ولذلك لن يكون سهلً على أي كان الخوض في ذلك الحقل الكتابي، مع الأخذ في الحسبان أنّ بعضهم يرى هذا النوع الأدبي مقتصرًا

على أصحاب العلوم والاختصاص في النظريات الطبيعية فقط. وإن كان هذا الكلام غير دقيق؛ لأنه يحفزك على إشباع فكرتك العلمية بمعرفة أساسية في العلوم الطبيعية. ذلك أنّ نقطة الانط ق في الخيال العلمي متجذرة في بناء الفكرة العلمية المنسجمة مع العناصر السردية، ولكنّ الأهم من

ذلك أن تمتلك خيالً خلاقًا للقدرة على البناء الفني والمعرفي في آن معًا، لتجسيد تلك الفكرة في

صورة بصرية وحركية داخل الوعي الإنساني، ومدى قدرتها على التوقع والتنبؤات العلمية ثمّ مدى

إمكانية الاستجابة لتحويلها إلى تجربة فعلية وممارسة حقيقية على أرض الواقع، بمراعاة حالة التكامل والتوازن بين الفكرة (النظرية المستلهمة) من جهة والمستوى الأدبي الموازي له من جهة ثانية.

(7) Scholes Robert & Eric S. Rabkin, Science Fiction History, Science, Vision (New York: Oxford University Press, 1977), p. 5.

(((هنري فرانكفورت وآخرون، ما قبل الفلسفة: الإنسان في مغامرته الفكرية الأولى، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9801)، ص.14

(9) Spinrad Norman, The Other Side of Realism Ohio: Bowling Green University Popular Press, 1971), p. 181.

الأهم من هذا كله أننا حينما نتعامل مع هذا الطرح الجديد في الأدب سنظل في حالة ترقّب ومتابعة لمسار التقدم التكنولوجي الذي يبقى حاضنة هذا النوع الأدبي ومثريًا حقيقيًّا له؛ والحديث عن

روايات الخيال العلمي وقصصه لم يكن ليتحقق ويخرج إلى النور إلّ بفعل الثورة الصناعية التي بدأت في القرن التاسع عشر. والجدير ذكره أنّ رائعة الكاتب الإنكليزي هربرت ويلز الشهيرة، آلة الزمن، كتبت عام 8661، مثّلت أول إنجاز روائي دقيق في روايات الخيال العلمي. كما سبقتها رواية جول فيرن الفرنسي رحلة إلى جوف الأرض، عام 864.1 وما زالت إلى اليوم تقدّم أعظم الأعمال الخيالية التي تحولت إلى مواضيع سينمائية مستقلة وعروض مرئية، تكتسح الفضاء بكم هائل من الخيال والابتكار. ومما زادها إخصابًا وغزارة في الإنتاج توهج الثورات الرقمية والعالم المحوسب

في عصر العلم والمعرفة الآن، وأصبحت قدرته الهائلة على تطويع محيطه الحيوي باستخدام مفهوم

«الآلة» الذي علينا أن نعترف أنّ ثمنه كان باهظًا أمام هذا القدر العظيم من التحدي والمواجهة بين الإنسان والإنسان، بحيث دفعته البشرية كاملة حين قتل مفهوم الإنسانية فيها بحروبه وصراعه المعقد الذي أعلن عن حالة الاحتضار الروحي في حضارة إنسان القرن الواحد والعشرين؛ حضارة العلم والتكامل المعرفي. References

المراجع

العربية

الجيزاوي، خليل. «الرواية العربية والسينما: إشكالية الأدب والهوية في السينما العربية». الرافد. العدد 881 (نيسان/ أبريل.)2013 العبد، سعاد. «قصص الخيال العلمي كمدخل للتدريس». ينابيع. العدد 4 (آذار/ مارس 2).013 فرانكفورت، هنري وآخرون. ما قبل الفلسفة: الإنسان في مغامرته الفكرية الأولى. ترجمة جبرا إبراهيم جبرا. ط.2 بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1980

الأجنبية

Apter, Terri E. Fantasy Literature: An approach to Reality. London: Macmillan, 1982. Czerneda, Julie Elizabeth. No Limits: Developing Scientific Literacy Using Science Fiction. Toronto: Trifolium books, 1999. Norman, Spinrad. The Other Side of Realism. Ohio: Bowling Green University Popular Press, 1971. Robert, Scholes & Eric S. Rabkin. Science Fiction History, Science , Vision. New York: Oxford University Press, 1977.

(10) Ibid., p. 204.