العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفلسفة والرغبة

الفلسفة والرغبة

Philosophy and Desire

جان فرانسوا ليوتار

Essaid Labib

الملخّص

إن أول الأسئلة التي يبدأ بها الفلاسفة،وحتى من يريد تعلم الفلسفة،هو التساؤل عما تعنيه لفظة الفلسفة والمجالات التي تعالجها.لكن هذا السؤال حسب ليوتار سؤال فلسفي أيضا،لأنه ينتظر أن نجيب عنه بالعودة إلي بداية الفلسفة وكيف تصورها الأولون،بحيث تشير إلى معنى الحب والرغبة في الحكمة.وعبر تحليل مفهوم الرغبة لابد أن ندرك أنها في العمق بحث عن موضوع غائب،لكنه حاضر كموضوع مرغوب فيه(وهو ما يقرأه ليوتار في نص المأدبة لأفلاطون والبحث عن الزمن الضائع-ألبرتين المختفية-لبروست والتحليل النفسي).بهذا الشكل من يرغب في الفلسفة عليه أن يدرك أنه يرغب في شيء مجهول،والفيلسوف(على نمط سقراط) ليس سوى باحث عن الحكمة وليس مالكا لها.

Abstract

The first question of philosophers, and those who wish to learn philosophy, is to ask what the word philosophy means and the areas it deals with. According to Lyotard, however, this question, is itself a philosophical question, because it expects an answer by returning to the beginnings of philosophy and how it was perceived by the early thinkers, since philosophy means love and desire for wisdom. By means of an analysis of the concept of desire, we must realize that at heart philosophy is the search for an absent subject, yet it is present as a desired subject (which is how Lyotard reads Plato's Symposium and the search for lost times—the Albertine disparue of Proust and psychoanalysis). In this fashion, those who desire philosophy have to realize that they desire something unknown, and that philosophy (in its Socratic form) is no more than the quest for wisdom and not its possession.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة
  • الرغبة
  • سقراط
  • الحضور
  • الغياب
Keywords:
  • Socrates
  • Presence
  • Desire

Translated by Essaid Labib **

ترجمة السعيد لبيب *

(على نمط سقراط) ليس سوى باحث عن الحكمة وليس مالكًا لها.

(((أستاذ الفلسفة بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين -  القنيطرة/ المغرب.

Professor of Philosophy at the Regional Center for Careers Education and Training, Kenitra, Morocco.

هذا النص هو المحاضرة الأولى من أربع محاضرات ألقاها ليوتار على طلبة الدراسات التمهيدية بالسوربون سنة 964.1 وبقيت مخطوطةً إلى غاية أن صدرت مجتمعةً في كتاب لم التفلسف؟ ويختلف هذا السؤال، كما يظهر من صيغته، عن السؤال الدولوزي الشهير « ما هي الفلسفة؟ »، لأنه لا يبحث عن ماهية معينة للفلسفة بقدر ما يحاول التنقيب عن المحرك والباعث للتفلسف، فيتحول التساؤل إلى بحث في الرغبة؛ أي الفلسفة كرغبة لا تشبع أبدًا. وإن كان يلتقي تصور الفلسفة كخلق للمفاهيم، وكإبداع يفترض شخصيةً مفهومةً مثل مفهوم «الصديق»، «صديق الحكمة» وليس الحكيم، مع المنظور الذي يقترحه ليوتار عنها؛ لأن كلاهما (دولوز وليوتار) يعودان إلى الإغريق؛ إلا أن ليوتار يظل سباقًا في طرح السؤال من هذه الزاوية، أي الفلسفة كرغبة منطوية على ذاتها (منفتحًا في ذلك على التحليل النفسي وعلى التاريخ والرواية السيكولوجية)، وهو ما تشهد عليه

هذه المحاضرة التي تترجم اليوم لأول مرة. تعلمون أنه من عادة الف سفة افتتاح تعليمهم بفحص سؤال: ما هي الفلسفة؟ كل سنة وفي كل المؤسسات حيث تُعلّم ويتم توطيدها. أولئك الذين مهمتهم الفلسفة يتساءلون: لكن أين هي الفلسفة، وما هي الفلسفة؟ يصنف فرويد، ضمن الأفعال المخفقة Les actes manqués، الواقعة التي تجري لنا عند «عدم التمكن من العثور على شيء كنا وضعناه في مكان ما». يشبه الدرس الافتتاحي للف سفة، والذي يتكرر، [حالة] فعل مخفق. الفلسفة محرومة من ذاتها، إنها في اضطراب، نذهب في بحث عنها انطلاقًا من صفر، لا نتوقف عن نسيانها، نسيان مكانها. إنها تظهر وتختفي، إنها تحتجب. الفعل المخفق هو أيضًا حجب لشيء أو وضعية بالنسبة إلى الوعي، انقطاع في مجرى الحياة اليومية، إنها تقطع. حينما لا نتساءل عن «ما هي الفلسفة»، لكن عن «لم التفلسف؟»، إنما نركز على انفصال الفلسفة مع ذاتها، على إمكانية أن تغدو الفلسفة غائبة. بالنسبة إلى الأغلبية من الناس، بالنسبة إلى الأغلبية منكم، الفلسفة غائبة عن انشغالاتهم، دراساتهم، حياتهم. وبالنسبة إلى الفيلسوف نفسه، إذا كانت تحتاج دومًا إلى التذكير بها وإلى استعادتها، فذلك لأنها تغرق، لأنها تنفلت من بين أصابعه، لأنها

تنغمر. لماذا إذن التفلسف عوض اللا-تفلسف؟ أداة الاستفهام لماذا تدل، على الأقل من خلال «لام التعليل» الداخلة على بنائها، على كمية من فوارق دقيقة من الصفات والمفاعيل. لكن هذه الفوارق تتسارع كلها إلى الحفرة نفسها، تلك التي حفرتها القيمة الاستفهامية ل دأأاة. تصبغ هذه القيمة على الشيء موضوع السؤال وضعيةً مدهشةً: هو أن هذا الشيء يستطيع أن لا يكون ما هو عليه، أو ألا يكون موجودًا بالمرة. «لماذا» تحمل في ذاتها إفناءً لما تسأل عنه. يُقبل معًا في هذا السؤال الحضور

الواقعي للشيء المستفهم عنه (نأخذ الفلسفة على أنها واقعة، واقع) وغيابه الممكن، يوجد هنا في الآن نفسه حياة وموت الفلسفة، نملكها ولا نملكها.

(2) Jean-François Lyotard, Pourquoi philosopher? (Paris: PUF, 2012).

إلا أن سرَّ وجود الفلسفة هو ربما بالذات في هذه الوضعية المتناقضة المتباينة. من أجل فهم هذه

الع قااة المحتملة بين فعل التفلسف وبنية الحضور -الغياب، من المفيد فحص، حتى ولو كان ذلك بعجالة، ما معنى الرغبة. لأنه في الفلسفة توجد المحبة Philein، أن تحب، أن تكون محبًا،

أن ترغب. أريد أن أدلكم على موضوعتين فقط في ما يتعلق بالرغبة: أولً: لقد جرت العادة بالنسبة إلينا، وبالنسبة إلى الفلسفة ذاتها، بما أنها تقبل نمطًا معينًا من طرح

الأسئلة، أن تفحص مشكل الرغبة مثلً خلف زاوية الذات والموضوع، تحت زاوية ثنائية من يرغب وما هو مرغوب فيه. هكذا يتحول سؤال الرغبة بسرعة إلى سؤال معرفة إن كان المرغوب فيه هو الذي يستثير الرغبة أو العكس. أي أن الرغبة هي التي تخلق المرغوب فيه؛ إن كنا نحب امرأةً لأنها محبوبة، أو إن كانت محبوبةً لأننا نحبها. علينا أن نفهم أن هذه الكيفية في طرح السؤال تتعلق بمقولة السببية (المرغوب فيه يكون سببًا للرغبة أو العكس)، وتنتمي إلى رؤية ثنائية للأشياء (هناك من جهة الذات،

ومن جهة أخرى الموضوع، لكل طرف ميزات خاصة)، وهي بذلك تمنع مقاربةً جدية للمشكل. لا تضع الرغبة ع قااةً بين السبب والنتيجة كيفما كان نوعهما، لكنها حركة شيء ما، يسير صوب آخر كشيء ينقصه. هذا يعني أن الآخر (أو لنقل إذا شئنا الموضوع؛ ولكن أحقًا هل الموضوع المرغوب فيه ظاهريًا مرغوب فيه فعلً؟) حاضر عند من يرغب فيه، وحاضر عنده في شكل غياب. فمن يرغب

يملك ما هو محروم منه، ومن دون هذا الحرمان لن يرغب فيه، ولا يملكه، ولا يعرفه، وإلا فلن يرغب فيه كذلك. هكذا تُظهِر حركة الرغبة، منظورًا إليها من زاوية مفهوما الذات والموضوع، أن الموضوع

المزعوم كشيء ما، موجود سلفًا في هذه الرغبة ذاتها، من دون أن يكون موجودًا فيها على الرغم من ذلك «بلحمه ودمه»، وأن الذات المزعومة كشيء ما غير محددة، غير مكتملة، وتحتاج بذلك إلى هذا الآخر من أجل أن تتحدد، أن تكتمل؛ الشيء الذي لا يحدده سوى هذا الآخر، وهذا الغياب. إذن ففي كلتا الجهتين، توجد البنية المتناقضة نفسها، بل والمتماثلة؛ بحيث يوجد لدى «الذات»، غياب المرغوب فيه، الحرمان منه، في عمق حضوره الخاص، ال-كائن في الكائن الذي يرغب. ويوجد لدى «الموضوع» حضور، حضور للراغب (الذاكرة، الأمل) في عمق الغياب، لأن الموضوع يوجد هنا كمرغوب فيه، انطلاقًا من هنا كشيء ممتلك. ثانيًا: من هنا تشتق تيمتنا الثانية، بحيث يوجد أساس الرغبة في هذه البنية التي تمزج الغياب بالحضور.

لكن المزج ليس عَرضيًا؛ إنه بقدر ما الحاضر غائب عن ذاته أو الغائب حاضر، توجد رغبة. الرغبة حقًا

ناجمة، مشكلة من طرف غياب الحضور، أو العكس، شيء ما يوجد هنا لكن لا يوجد هنا ويريد أن يوجد هنا، يريد أن يتطابق مع ذاته، أن يتحقق، والرغبة ما هي إلا هذه القوة التي تجمع معًا الحضور

والغياب، لكن من دون أن تخلطهما. يحكي سقراط في «المأدبة» كيف أن راهبة مانتيني Mantinée، ديوتيم Diotime، وصفت له ميلاد الحب، إيروس Eros هكذا:

«إنها قصة طويلة جدًا، تجيب ديوتيم. لكن على الرغم من ذلك سأحكيها لك. يلزم معرفة أنه في اليوم الذي ولدت فيه أفروديت، كانت الآلهة تحتفل. من بينهم. يوجد ابن ميتيس Métis، بوروس Poros. والحال أنه حينما انتهت المأدبة، وصلت بينيا Pénia، التي أتت لتتسول كما جرت العادة في كل مأدبة فاخرة، وكانت تقف على الباب. في حين أن بوروس، الذي أسكره الرحيق، لأن الخمر لم يكن يوجد بعد في هذه الفترة، خرج يتجول في حديقة زوس Zeus، وحينما أثقله السكر، نام فيها. وعليه، فكرت بينيا وهي تعيش العوز، في أن تنجب ابنًا من بوروس تمددت قربه وأصبحت حبلى بإيروس. فإذا كان إيروس تابعًا لأفروديت وخادمها، فلأنه قد حبلت به يوم الاحتفالات التي خصصت لميلاد الإلهة، وإذا كان، في الوقت نفسه، وبالطبيعة

محبًا للجميل، فلأن أفروديت جميلة» (Platon, le banquet, Trad. L.Brisson, 203bc.).

حالة، مصير إيروس ناجم طبعًا، إذا ما آمنا بما تقوله ديوتيم، عن وراثته [البيولوجية]:

إذن ما دام إيروس ابن بوروس وبينيا، فإنه بذلك يوجد في الوضع التالي. أولً، هو دومًا فقير،

والأمر يحتاج إلى الكثير لكي يكون رقيقًا وجميلً، كما يعتقد أغلبية الناس، وعلى العكس، فإنه فظ، متسخ، متشرد وبلا مسكن، ينام دومًا على الأرض العارية. ينام في العراء، بلا غطاء، على عتبة الأبواب وعلى جوانب الطرق، لأنه يتقاسم مع أمه الفاقة. لكن، وعلى مثال والده، يترصد فرص كل ما هو جميل وما هو طيب، إنه فحل، صارم، متقد، وقناص خطير، إنه لا يتوقف عن حَبْك الألاعيب، ومولع بالمعرفة وخصب بالحيل. يقضي كل وقته في التفلسف،

إنه ساحر ماهر بارع وخبير. يلزم أن نضيف أنه لا هو بفانٍولا خالد. في اليوم نفسه، تارةً يكون مزدهرًا، مليئًا بالحياة، وتارةً أخرى يحتضر: ثم يعود إلى الحياة حينما تنجح حيله. نظرًا إلى

طبيعة ما ورثه عن أبيه. لكن ما تمده به حيله ينفلت من بين يديه على الدوام، بهذا فإيروس لا يوجد أبدًا لا في الفاقة ولا «في الغنى» (banquet, 203 c-e).

إن قصة ديوتيم، أسطورة ميلاد إيروس، هي بالتأكيد خصبة جدًا. يمكننا على الأقل أن نستخلص منها ما يلي: أولً: التيمة التي حسبها قد حبلت بإيروس في اليوم نفسه الذي أتت فيه أفروديت إلى العالم، إلهة الجمال، والتي هي موضوع إيروس عمومًا، هناك نوع من ميلاد - مشترك Co-naissance بين الرغبة

والمرغوب فيه. ثانيًا: وهي فكرة أن طبيعة إيروس مزدوجة، فهو ليس إلهًا، ولا إنسانًا، إنه يستمد الألوهية من أبيه

الذي كان على مائدة الآلهة والذي كان مولعًا بالسُكْر الإلهي للرحيق، إنه فان من خ لاا أمه التي

تتسول، والتي لا يمكنها أن تلبي حاجياتها. إنه إذن حياة وموت، ويلح أفلاطون على تناوب الحياة والموت في حياة إيروس. إنه مثل طائر العنقاء: «إذا مات ذات مساء في الصباح ينبعث من جديد»

). يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك: ولأن Apollinaire, «chanson du mal-aimé», Alcools, 18 (

الرغبة معسرة، لذلك عليه أن يكون حاذقًا، في حين تبوء اكتشافاته دومًا بالفشل. هذا يعني أن إيروس

يبقى تحت قانون الموت، العوز، إنه دومًا في حاجة إلى الهروب منه، لإعادة إبداع حياته، أساسًا لأنه

يحمل الموت معه. ثالثًا: الرغبة هي رجل وامرأة في الوقت نفسه الذي فيه حياة وموت. هذا يعني أنه في نص أفلاطون، الزوج المتباين حياة-موت، على الأقل إلى حد ما، متماه مع الزوج المتباين ذكر-أنثى. يرمز أب إيروس إلى ما يقرب في الرغبة الحب من موضوعه، [إنه يرمز إلى] وحدتهما، في حين أن أمه، الفاقة، تجسد ما يحافظ عليهما متباعدين. في هذا النص الانجذاب ذكوري، والنفور أنثوي. لا يمكننا الآن تعميق هذه النقطة، لكن يلزمنا أن نتذكر على الأقل أن إيروس على الرغم من أنه من جنس ذكر، فإنه في الحقيقة رجل وامرأة. حدد سيرجي لوك راا Serge Leclaire، تلميذ الدكتور لاكان Lacan، في مداخلة في الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي (Mai 1956, La psychanalyse, 2, 139 sa) عرَض الهستيريا بالتساؤل

«هل أنا رجل أم امرأة؟»، في حين يرى أن عرَض الهوس قد يتجلى في سؤال: «هل أنا ميت أم حي؟». هكذا نجد في التأويل الحديث للعُصابات نفس الغموض المزدوج الذي تستقصيه ديوتيم في إيروس،

ذاك المتعلق بالحياة، والجنس. يعمل المرض على كشف هذا ال يااقين: فالمريض لا يستطيع أن يموقع ذاته هنا أو هناك، أن يصطف في الحياة أو في الموت، في الرجولة، أو الأنوثة. والانكشاف الذي يأتي لنا به المرض، لا يقدم فقط البرهان على راهنية أف طون، ولا يكشف فقط إلى أي حد التنقيب الفرويدي هو صدى للمشاكل المركزية في الفلسفة: إنه يجعلنا نفهم أن «نعم» و«لا»، أن الزوج المتباين، كما يقول لوك راا، الزوج الذي يتباعد قطباه في العصاب، يُسَيِّرُ حياتنا (وليس فقط

حياتنا الغرامية)، أنه حتى حينما نكون أمام وجه الأشياء، ذواتنا، الآخرين، الزمن أو الكلام، لا يتوقف قفاها عن أن يكون حاضرًا لدينا: «كل ع قااة بالحضور تتحقق في عمق الغياب (» Lacan). هكذا

فالرغبة التي في جوهرها تتضمن هذا التعارض في جمعه، تكون سيدنا. فهل مازال من الضروري أن نتساءل عما يلزم فهمه من [مفهوم] الرغبة، وبماذا يتعلق الأمر حينما نتحدث عنها؟ لقد فهمتم أنه مازال ينبغي علينا التخلص من هذه الفكرة السائدة، المقبولة؛ أنه يوجد مجال خاص بإيروس، بالجنسانية، مستقل عن المجالات الأخرى، على أننا نملك حياةً عاطفيةً بمشاكلها الخاصة، حياةً اقتصاديةً بخصوصياتها، حياةً فكريةً مخصصةً لأسئلة نظرية... إلخ. من المؤكد أن هذه الفكرة لم تأت من فراغ، وسنعمل على تفسيرها فيما بعد. لكن إذا كانت مثلً أعمال فرويد بالتحديد قد أحدثت، ولا تزال، كل هذا الصدى الذي لم يتوقف أبدًا والذي تعرفونه، فليس لأنها وضعت الجنسانية في كل مكان من دون شك، مثلما من الغموض أن نضع الاقتصاد في كل مكان كما فعل بعض الماركسيين. لكن لأنها بدأت وضع تواصل بين الحياة الجنسية والحياة العاطفية، والحياة الاجتماعية، والحياة الدينية. لأنه أخرج الحياة الجنسية من حيزها المعزول (الجيتو)، وهذا ليس في اختزال باقي الأنشطة في الليبيدو، لكن في تعميق بنية السلوكات وفي البدء بالكشف عن رمزية ربما مشتركة بينها جميعًا.

يمكننا، من أجل الاقتصار على موضوعتنا التي هي ع قااة الرغبة بتباين الانجذاب والنفور، تقديم العديد من الأمثلة. إذن، ولكي نبقى أكثر قربًا من تيمة إيروس، ومن أجل التأثير في الأكثر تخصصًا في

الأدب بينكم، لنبدأ مما يرويه بروست Proust في Albertine disparue هو الرغبة لكن بإشارة خاصة، الرغبة في أفولها، إنه إيروس باعتباره ابنًا للفاقة، ثقل الموت في الرغبة. ما يصفه بروست ويحلله، هو ذروة الفراق، الفراق المضاعف؛ ذاك الذي يعود إلى موت ألبرتين Albertine والذي ينضاف له ذاك الذي تصونه الغيرة، بين مارسيل والشابة حينما كانت حيةً. خلقَ موت ألبرتين تعريفًا خاصًا للرغبة

الذي هو الحداد، لكنه لا يعدمها لأن الغيرة تستمر في ممارسة الشك حول المتوفاة، والحال أن الغيرة نفسها نوع من قتل المرأة الحية، من وضعها بعيدًا عن حضورها. خلف المرأة الحاضرة، أرى نفس المرأة مرة أخرى، أعدم حضورها وأنحت صورةً لها لا أعرفها. يتضاعف الغياب الذي كان مسبقًا غيابًا

لألبرتين الحاضرة [في الذاكرة]، بسبب شك مارسيل، يتضاعف بالغياب الذي ينجم عن الموت والذي يحافظ عليه من خلال الحضور الملح للشابة. هذا، إذا ما أردتم، توضيحًا مباشرًا ومثالً واضحًا بصدد سؤال الرغبة. لكن من الواضح أن كل الكتاب،

كل «البحث عن الزمن الضائع» يتموضع في النور الآفل نفسه، ليس امرأةً فقط هي التي لم نتمكن من أن نحافظ عليها بدمها ولحمها، بل أيضًا حتى المجتمع الذي يكون في حالة تفكك؛ الآخرون الذين يجعلهم العمر مجهولين، وقبل ذلك زمن يفتت لحظاته أكثر مما يحافظ عليها مجتمعةً. لنترك الأفول، الدرس الذي يريد، بلا شك، أن يمنحه لنا بروست من خلال كتابه، ولنبقي على أحد تيماته، ذاك الذي يهم أولئك المهتمين أكثر بالتاريخ من بينكم، هذه التيمة التي حسبها التاريخ والمجتمع يحتويان أيضًا على تعاقب الانجذاب والنفور، ويتعلقان من ثمّ بالرغبة. لأنه لن نغامر كثيرًا إذا قرأنا تاريخ الغرب، على الأقل كحركة متناقضة، تبحث فيها تعددية الوحدات

الاجتماعية (الأفراد، أو الجماعات، مثلًالطبقات الاجتماعية) عن وحدتها، تلك الوحدة التي تفقدها. يتميز هذا التاريخ إلى غاية اليوم بتعاقب التشتت والتوحيد، في داخل المجتمعات كما فيما بينها، وهو تعاقب يماثل بكيفية عميقة ذاك المميز للرغبة. وبالشكل نفسه الذي يحتاج فيه إيروس لكل الحذق الذي ورثه عن الآلهة، عبر أبيه [بوروس]، كي لا يسقط في الفاقة، فذلك لأن الحضارة مهددة بالموت، يعني بعوز القيم، والمجتمع مهدد بالتشرذم، وانقطاع التواصل بين أجزائه، فإنه لا وجود لمكتسبات وأن الأول والثاني يحتاجان دومًا أن يتمالكا نفسيهما، أن يكونا معًا مجتمعين في هذه الوثبة التي، كما

تقول ديوتيم عن ابن بوروس «تذهب نحو الأمام بكل ما أوتيت من قوة». نعيش أيضًا، باعتبارنا كائنات اجتماعية Socialité وتاريخانية، في عمق الموت وننتمي أيضًا إلى الرغبة. يلزم أن يكون واضحًا إذن

أننا نعني بكلمة رغبة العلاقة التي في الوقت نفسه، توحد وتفصل بين عناصرها، تجعل أحدهما في الآخر، في الوقت نفسه الذي تضع فيه أحدهما خارج الآخر. يبدو لي الآن أنه يمكننا أن نعود إلى الفلسفة وأن نفهم بشكل أحسن كيف أنها محبة philein، حب، ونخضع فيها لفحص السمتين اللتين استخلصناهما بصدد الرغبة.

في آخر «المأدبة»، سينطق ألسيبياد، وهو مخمور (وكما يقول هو نفسه: الحقيقة في الخمر) بمديح لسقراط الذي أتى لينام بقربه في هذا البورتريه، هناك مقطع يستحق انتباهنا، نحن الذين نبحث عن فهم لماذا التفلسف. إنه المقطع حيث يروي ألسيبياد ما يلي: قرر، وهو مقتنع أن سقراط يعشقه، مادام الفيلسوف يبحث بمثابرة عن صحبة الشباب الجميل، أن يمنحه فرصة للاستسلام. سيشرح له

سقراط إذن، أمام هذه الفرصة، وضعيتهما على الشكل التالي: إجمالً، يقول سقراط، لقد اعتقدت

أنك وجدت فيَّ جمالً أكثر عظمةً من ذاك الذي فيك، جمالً من نوع آخر، مختف، روحي، وتريد أن

تقوم بتبادل، تريد أن تمنحني جمالك من أجل أن تحصل على جمالي، ستكون صفقةً ممتازةً بالنسبة

إليك، إذا كنت مالكًا حقًا لهذا الجمال المختفي الذي يخطر ببالك. إلا أن هذا غير مؤكد، يلزمنا أن نفكر فيه معًا. اعتقد ألسيبياد أن سقراط قبل الصفقة، فغطاه بمعطف واستلقى بالقرب منه. لكن على

امتداد تلك الليلة، لم يحدث أي شيء، يروي ألسيبياد، لا شيء أكثر عظمةً من: «كما لو أنني نمت بقرب أبي أو أخ أكبر مني»، ويضيف: «النتيجة هو أنه لا حيلة لي لكي أستاء وأن أتوقف عن الاختلاف إليه، ولا أن أكتشف عبر أية وسيلة يمكنني أن أجره نحو غاياتي [...]؟ لم أجد أي مخرج، لقد كنت عبده بعبودية لم يسبق لأحد أن عاشها. فلم أفعل شيئًا من غير أن أحوم حوله كأنني قمر تابع له»

. (Le banquet, 219 d-e)

يمنحنا ألسيبياد من خ لاا هذه الحكاية خلاصة اللعبة، لعبة الرغبة، ويكشف لنا ببراءة ثمينة وضعية الفيلسوف في هذه اللعبة. لنفحص كل هذا عن قرب. يعتقد ألسيبياد أن سقراط عاشق له، لكنه هو نفسه يرغب في الحصول من سقراط: «أن يقول له كل ما

يعرفه» (Ibid., 217a). يقترح ألسيبياد تبادلً: سيهب هباته لسقراط، الذي سيقايضها بحكمته. ما الذي سيفعله سقراط، المُهاجَمُ بهذه الإستراتيجية؟ إنه سيحاول إبطال مفعولها، وكما سنرى، فإن

هذا الهجوم المضاد يبقى غامضًا جدًا. لم يرفض سقراط اقتراح ألسيبياد، لم يُفند حجاجه. ف وجود لتهكم يمس فرضية، المعتدة بنفسها

حتمًا، أن سقراط عاشق لألسيبياد، ولا وجود لنقمة ضد مشروع تبادل، فقط مجرد تهكم خفيف اتجاه

«حس الأعمال» عند ألسيبياد. ما يقوم به سقراط، هو فقط مساءلة «الصفقة الذهبية»، وسيتساءل بصوت مرتفع أين يوجد هذا الذهب: هذا كل شيء. يريد ألسيبياد أن يقايض المرئي، جماله، باللامرئي، حكمة سقراط. إنه يخاطر كثيرًا:

لأنه يمكنه ألا يحصل على أي شيء مقابل هباته، حينما لا تكون هناك حكمة. هذه الصفقة الذهبية مراهنة، ليست براءة الذمة أو ربح مضاعف، لكنها في أفضل الحالات براءة ذمة، في أسوء الحالات

خسارة جافة. إنها مُغامِرة. ترون أن كل هذا يحدث كما لو أن سقراط يحمل في يديه الأوراق التي يلعبها ألسيبياد، بعد أن كشف أوراقه وبين له أنها (أوراق ألسيبياد) لا تسمح له بأن يفوز يقينًا. أن الوضعية ليست وضعية صفقة

ناجزة، لكن وضعية صفقة بقرض، حيث المدين، سقراط، في هذه الحالة، غير قادر على السداد. لقد كشف سقراط أوراقه، بل إنه في الحقيقة «لا يملك أية أوراق». بالنسبة إلى إستراتيجية ألسيبياد، لا شيء يمكنه أن يحدث فيما بعد، لأن هذه الإستراتيجية تقوم على تبادل الجمال مقابل الحكمة ولأن سقراط يعلن أنه غير متأكد من القدرة على منح المقابل. لكن ألسيبياد يُؤَوّل هذا الإع ن كمراوغة،

لذلك فهو يكرر، من خلال الحركة هذه المرة وليس عبر الكلام، اقتراحه الأول، في حين أنه لا يصادف تحت العباءة عاشقًا، لكن، كما قال: مجرد أب! يبقى إذن سقراط في حالة ترقب، وألسيبياد في الخطأ. نرى أن ألسيبياد يستمر في الخطأ إلى نهاية الحكاية، حينما يؤول من جديد موقف سقراط كإستراتيجية متسامية على تلك التي له: كان يريد غزو الفيلسوف، فغُزِي، كان يرغب في الهيمنة عليه (لأنه سيملك جماله الخاص وحكمة سقراط)، إلا أنه في الأخير كان هو العبد. لقد كان سقراط أكثر مكرًا، لذلك

تمكن من ألسيبياد. غدت الأدوار التي أسندها الأخير لنفسه ولسقراط في بداية اللعبة الآن معكوسة: العاشق ليس هو سقراط، بل ألسيبياد. بل يمكننا حتى المجازفة بالقول إن ألسيبياد وهو يقدم القصة بهذا الشكل في حضور سقراط، حيث تحديدًا كان نائمًا قرب الأخير، كما كانت الحالة إبان الليلة التي يرويها، لا يقوم إلا بتكرار نفس التيه

الذي دفعه إلى تقديم اقتراحه الأولي. ذهب أبعد من ذلك قليلً، لكن مع الحفاظ على الإستراتيجية

نفسها، أَفْهمَ سقراط أنه قد انهزم تمامًا، وأنه بلا دفاع ومن ثم لا يشكل خطرًا عليه، وأنه لم يعد لسقراط

شيء يخشاه وأنه سيربح كل شيء في [عملية] التبادل. إنه مثل تاجر السجاد الذي يهرول خلف المشتري العنيد في عرضه ل 50,000 من أجل أن يقول له: «خذ سأضحي لك به ب.»55,000 لكن هذه المقارنة التي أتت عفويًا تفرض علينا التفكير في هذا: هل هذا فعلً خطأ، تيهان من لدن

ألسيبياد؟ أو أنه بتكرار النهج نفسه يبطل ألسيبياد اللعبة السقراطية؟ على كل حال، إن العبد هو سيد السيد (هيغل). وإنها اللعبة، أفضل لعبة للشغف أن يغزو بأن يهدي نفسه إذا لم يستطع أن يحصل على شيء بالامتلاك. في الحقيقة، حينما يلعب ألسيبياد لعبته، وفي مجاله، فإنه يلعبها بشكل جيد. لأن سقراط في الأخير قد فشل، لأنه لم يتمكن من جعل ألسيبياد يقبل إبطال التأثير الذي اقترحه عليه. ما الذي يريده الفيلسوف إذن؟ حينما يعلن أنه ليس متأكدًا من امتلاكه الحكمة، هل فقط من أجل

اجتذاب أكثر لألسيبياد؟ هل سقراط فقط فاتن أكثر إتقانًا؛ لاعب أكثر حذقًا ودقةً والذي يدخل في

منطق الآخر ويهيئ له شِرْكًا حيث يتظاهر بالضعف؟ هذا هو ما اعتقده ألسيبياد، وما يحاول، كما

قيل آنفًا، القيام به. وهو ما سيعتقده الأثينيون أيضًا، الذين لا يريدون أن يقتنعوا أن سقراط لم يكن له هدف آخر غير مساءلتهم بصدد أنشطتهم، فضائلهم، دينهم، مدينتهم، الذين [على الرغم من ذلك] سيشككون في أنه أدخل تحت معطفه آلهةً جديدةً لأثينا، والذين سيقررون موته. يعرف سقراط جيدًا ما يعتقده الآخرون، بدءًا بألسيببياد، لكنه هو نفسه لا يعتبر نفسه لاعبًا جيدًا. أن

يعلن، كما فعل، أن الحكمة تنقصه ليس بالنسبة إليه تمويهًا. بل بالعكس، فرضية التمويه هذه، هي التي

تؤكد إلى أية درجة هناك نقص في الحكمة، وهي التي تفترض في مكرها الساذج، أن الفيلسوف حقيقةً

حكيم وأنه لا يقول العكس إلا من أجل إثارة الحيرة والمناورة (في المعنيين معًا لكلمة intriguer). في حين الاعتقاد أن سقراط يملك الحكمة ويمكنه أن يبادلها، بكثرة، هذا هو الجنون بعينه الذي يهاجمه [الفيلسوف]. بالنسبة إلى سقراط إبطال منطق ألسيبياد هو الهدف الوحيد المنشود، لأن هذا الإبطال يعني، إذا ما نجح، أن ألسيبياد قد فهم أن الحكمة ليست موضوعًا للمقايضة. ليس لأنها أثمن ولا يمكن من ثم أن نجد لها بديلً، بل لأنها ليست متأكدةً من ذاتها، دومًا ضائعة وعلينا دومًا أن نبحث عنها، كل مرة،

كحضورٍ لغيابٍ، وخصوصًا لأنها هي نفسها وعي بالتبادل، تبادل واع، وعي بأنه لا وجود لموضوع تبادل، لكن لتبادل فقط. هكذا يبحث سقراط عن إثارة هذا التأمل عبر تعليق منطق ألسيبياد، الذي يقبل الحكمة كملك، كشيء، res une، المنطق التشييئي عند ألسيبياد وأيضًا عند الأثينيين. لكن لا يمكنه أن يكسر الحوار هنا [في هذه اللحظة]، أن ينعزل عن الجماعة واللعبة، لأنه يحتاج من الآخرين أن يعترفوا بهذا الغياب. يعلم سقراط جيدًا أن كونه على حق لوحده ضد الكل، يعني أنه على غير حق، أنه أحمق. إنه يريد، وهو يفتح فراغه الخاص، أمام مهاجمة ألسيبياد، أن يحفر لدى الأخير الخواء نفسه، ويريد أيضًا، وهو يقول لمتهميه أن كل حكمته هي معرفة أنه لا يعرف شيئًا، الحث على التأمل. ويظهر لي أننا نملك شهادةً كافيةً على أن ذلك هو منطق سقراط، لعبته في لعبة الآخرين: هو أنه قبل شرب سم الشوكران. لأنه إذا لم يتوِّه الخصم إلا من أجل التحكم فيه جيدًا، والسيطرة عليه، ما

كان ليقبل الموت. لقد مات طواعيةً، ليمنحهم فرصة التفكير في أنه في الحقيقة لا يملك شيئًا يضيعه، وأنه لا يملك شيئًا في لعبته. ما يرغبه الفيلسوف، ليس هو أن تُهزم الرغبات وتُشبع، لكن أن تنكفئ على نفسها، وأن ترتد إلى ذاتها. بقوله إنه لا يعرف شيئًا، في حين أن الآخرين لا يعرفون، لكنهم يعتقدون أنهم يعرفون ويمتلكون، وبموته من أجل هذا، فإنه يريد أن يقدم شهادةً على أن في الطلب، في طلب ألسيبياد مثلً، شيئًا أكثر من الطلب، وهذا الأكثر هو نقص، لا شيء مطلقًا. وأن إمكانية الرغبة نفسها تعني في الحقيقة حضور غياب، وأن الحكمة كلها، تقوم ربما على فتح الآذان لهذا الغياب والمكوث قربه. عوض البحث عن الحكمة، وهو ما يعد حمقًا، كان من الأفضل أن يبحث ألسيبياد (وأنا وأنتم أيضًا) في الدافع إلى البحث. التفلسف لا يعني الرغبة في الحكمة، إنه الرغبة في الرغبة [...] لذلك فالطريق الذي وُضع فيه ألسيبياد التائه لا يقود نحو أي مكان، إنه طريق موصدة Holzwege، كما يقول هايدغر؛ «الطريق التي يتركها إلى غاية طرف الغابة، الخشب الذي يأتي به الحطاب منها»، اصعدوا هذه الطريق: إنه سينثركم في قلب الغابة.

(((تعني هذه الكلمة في معجم لاروس ومعجم روبير معنيين أساسيين وهما التحيير المثير للفضول والمناورة؛ أي أن سقراط يريد أن يثير دهشة ألسيبياد وحيرته ويناور منهجه ثانية ضد كل إمكانية لمقايضة الحكمة بشيء آخر.

هذا لا يعني أن سقراط لم يكن عاشقًا. لقد قلتها لكم، لم ينف مرةً واحدةً أن جمال ألسيبياد مرغوب

فيه. لم يُشِد إطلاقًا بالتعفف، بالتخلص من الأهواء، بالتجرد من العصر. على العكس يوجد الحب في

الفلسفة، إنه موردها، وسيلتها. لكن الفلسفة توجد في الحب كأنها توجد في [وضعية] عوز. ليست للفلسفة رغبة خاصة، إنها ليست نظر في تيمة أو في مجال منفصل، في الفلسفة أهواء الجميع، إنها ابنة عصرها، كما يقول هيغل. لكن أعتقد أننا سنكون أكثر توافقًا مع ما تم للتدليل عليه لو قلنا

أولً: إن الرغبة هي التي تملك الفلسفة مثلما تملك أي شيء آخر [...] الفيلسوف ليس إنسانًا بسيطًا يستيقظ ويقول لنفسه «إنهم نسوا التفكير في الرب، أو في التاريخ، أو في الفضاء، أو في الوجود، [لذا] يلزمني أن أهتم بذلك». ستعني هذه الوضعية أن الفيلسوف هو الذي يخترع مشاكله، وإذا كان الأمر كذلك، لا أحد سيجد ذاته، ولا شيئًا جوهريًا في ما يمكن أن يقوله هذا الفيلسوف. في حين، حتى لو

كانت العلاقة الاشتقاقية بين الخطاب الفلسفي وما يقع في العالم منذ قرون ليست واضحة في الحين، نعلم جميعًا أن التهكم السقراطي، الحوار الأف طوني، التأمل الديكارتي، النقد الكانطي، الجدل

الهيغيلي، الحركة الماركسية لم تتوقف عن تحديد مصيرنا وهي هنا، مترابطة إحداها مع الأخرى، في طبقات سميكة، في أرض ثقافتنا الحاضرة. نعلم أن كل واحدة من هذه الأنماط في الكلام الفلسفي كانت لحظة حيث كان يبحث الغرب عن أن يعبر عن ذاته ويستوعب نفسه في خطابه. نعلم أن هذا الكلام عن الذات، هذه المسافة مع الذات ليست سطحيةً، مجرد إضافة، ثانوية، في علاقتها مع حضارة الغرب، لكن كانت عكس ذلك نواتها، اختلافها، وأخيرًا نعلم أن هذه الفلسفات الماضية لم

تُلْغَ لأننا نستمر في سماعها وفي الجواب عنها [اليوم]. لا يخترع الف سفة مشاكلهم، ليسوا حمقى، على الأقل بمعنى أنهم قد يتحدثون لوحدهم. ربما هم كذلك، لكن ليسوا أكثر من أي أحد آخر بمعنى آخر هو أنه «تشاء الأشياء من خ لااهم»، أن بهم مسًا. مسكونين من طرف نعم ولا. إنها حركة الرغبة التي، مرة أخرى، تجمع ما قد انفصل،

أو تفصل بين ما يسير مزدوجًا. إن هذه الحركة هي التي تعبر الفلسفة، إنه بالانفتاح على هذه

الحركة ومن أجل الانفتاح عليها، نحن نتفلسف. يمكننا أن نترك هذه الحركة تغمرنا تبعًا لطرق ولوج

مختلفة جدًا: يمكننا أن نتفهم أن اثنين واثنين يشكلان أربعةً، أو أن رجً وامرأةً زوجًا، أو أن عددًا

كبيرًا من الأفراد يشكل مجتمعًا، أو أن لفيفًا من اللحظات يشكل مدةً، أو أن تعاقبًا من الكلمات

يشكل معنى، وأن سلسلةً من التصرفات تشكل حياةً، وفي الوقت نفسه أنه لا أحد من هذه النتائج يكون نهائيًا. إن وحدة الزوج أو الزمن، أو الك ماا أو العدد، تبقى منغمرةً في العناصر التي تشكلها

ومعلقةً على مصيرها باختصار، يمكن أن ينهال علينا التفلسف انط قااًا من أية قمة من قمم بوصلة اتجاهات الرياح. لا توجد إذن رغبة خاصة بالفيلسوف. يقول ألآن Alain «بالنسبة إلى الفلسفة يكون كل موضوع جيدًا بشرط أن يكون غريبًا!» لكن توجد طريقة خاصة بالفيلسوف لمصادفة الرغبة. هذه الخصوصية،

نعرفها الآن، مع الفلسفة تنكفئ الرغبة على ذاتها، إنها ترتد إلى ذاتها، إنها ترغب في ذاتها. وبهذا تثير السؤال: لماذا نرغب؟ لماذا يبحث الاثنان عن تشكيل واحد، ولماذا يحتاج الواحد إلى الآخر؟ ولماذا

تمتد الوحدة في التعدد ولماذا التعدد معلق على الوحدة؟ لماذا تمنح الوحدة دائمًا في الانفصال؟

لماذا لا توجد الوحدة الخالصة، الوحدة المباشرة، لكن دائمًا وساطة الأول عبر الآخر؟ لماذا يكون

التعارض، الذي يفصل ويوحد في الوقت نفسه، سيد كل شيء؟ هكذا، الجواب عن «لماذا التفلسف؟» يوجد في السؤال الذي يعد حتميًا: «لماذا نرغب؟» الرغبة

التي هي الفلسفة، لا تقل في خضوعها للكبح عن أية رغبة أخرى، لكنها تتضاعف وتتساءل في حركتها بالذات. لا تلقي الفلسفة أسئلتها تجاه الأشياء، إلا من الواقع. ويظهر لي أن محايثة التفلسف للرغبة توجد ابتداءً من أصل الكلمة، إذا ما انتبهنا لجذر مصطلح صوفيا Sophia (أي الحكمة):

الجذر «صوف» Soph هو نفس الجذر كما نجد في اللسان اللاتيني sapere - sap، وللفرنسية «معرفة» savoir، والتلذذ savourer. من يعد حكيمًا sophon، هو ذاك الذي يعرف كيف يتذوق، في حين

يفترض التلذذ معنى التذوق dégustation للشيء وأيضًا الانفصال عنه. إننا نترك الشيء يدخل ذاتنا، نختلط به، وفي الوقت نفسه ننفصل عنه من أجل القدرة على قوله، الحكم عليه. نحتفظ به في خارج هذا الداخل الذي هو الفم (الذي هو أيضًا مكان الكلام). التفلسف هو أن نخضع كليةً لحركة الرغبة، أن نكون موجودين داخلها، وفي الوقت نفسه أن نحاول احتواءها من دون الخروج عن مجراها. ليس إذن عرَضًا أن تكون الفلسفة الإغريقية الأولى، أولئك الذين نسميهم بشكل غريب ما

قبل - السقراطيين، تقريبًا كما نسمي التولتيك، والأزتيك والإنكا بالحضارات ما قبل - الكولومبية، كما

لو أن سقراط قد اكتشف القارة الفلسفية. وكما لو أننا أدركنا أن هذه القارة كانت قد احتلت من طرف أفكار مليئة بالقوة والعظمة (كما يقول Montaigne عن العواصم الهندية، كيزكو Cuzco ومكسيكو). فليس صدفة إذن أن تكون كل هذه الفلسفة الأولى، التي قد لا تكون فلسفةً في معنى سقراط ومعنَانَا

نحن، مهووسة بسؤال الواحد والمتعدد، الذي هو سؤال الرغبة، في الوقت نفسه الذي كانت منشغلةً فيه بمشكل اللوغوس، الكلام الذي هو مشكل تأمل الرغبة لذاتها؛ لأن التفلسف هو أن نترك أنفسنا تذهب صوب الرغبة، مع الحرص على استقبالها، وهذا الاستقبال يسير ملازمًا للكلام. اليوم، حينما

نُسْأَل «لماذا التفلسف؟»، يمكننا دومًا أن نجيب متسائلين: «لكن لماذا الرغبة؟ لماذا توجد في كل

مكان حركة الشيء ذاته الذي يبحث عن الآخر؟» ويمكننا دومًا القول، في انتظار الأفضل «نتفلسف

لأنه هذا الشيء فينا يرغب».