Return to Article Details Theory and Translation: Mikhail Bakhtin and Contemporary Arabic Literary Criticism

النظرية والترجمة: باختين والنقد الأدبي العربي المعاصر

Theory and Translation

إدريس الخضراوي

Driss El khadraoui

الملخّص

هذا البحث محاولة لفهم دور الترجمة في رحلة النظرية وانتشارها خارج الحقل الثقافي الذي تكوّنت فيه أول مرّة، وهو يتخذ من الشعرية الاجتماعية التي بلورها الناقد الروسي ميخائيل باختين منذ عشرينيات القرن الماضي أنموذجًا لإجلاء هذا الدور، وذلك من خلال تبئير التفكير بشأن الترجمة التي أنجزها الناقد المغربي محمد برادة في بعض نصوصه، وقد صدرت في كتاب بعنوان الخطاب الروائي: ميخائيل باختين1. ويستخلص الباحث أنّ الإنتاجية التي ميزت تلقي الناقد المغربي محمد برادة لمقترحات باختين المتمثّلة على نحو خاصّ في مفاهيم الحوارية، والتعدد اللغوي، و«الكرونوتوب»، وتعدد الأصوات، قد فتحت للنقد الروائي العربي فرصة التجدد على مستويَي المنهج والممارسة، والخروج من دائرة القراءة المغلقة.

Abstract

Abstract: This paper attempts to understand the role of translation in the transmission and spread of theory outside the cultural field where it was first formulated. To reveal this role, it takes as an example the social poetics formulated by Russian critic Mikhail Bakhtin starting in the 1920s. It focuses on the translations of Moroccan critic Mohammed Barada of some of Bakhtin’s texts (published as Novelistic Discourse in 1987). The paper concludes that Barada’s reception of Bakhtin’s suggestions, particularly the concepts of the dialogic, polyglossia, the carnivalesque, and polyphony, opened up for the Arab novelist-critic opportunities for innovation on the levels of method and practice, so as to emerge from the closed circling of reading.

الكلمات المفتاحية:
  • النظرية
  • الترجمة
  • الحوارية
  • التعدد اللغوي
  • النقد الأدبي
Keywords:
  • Theory
  • Dialogism
  • Translation
  • Polyglossia

ميخائيل باختين والنقد الأدبي العربي المعاصر

Mikhael Bakhtine and Contemporary Arab Literary Criticism

  1. صدر عن دارَي نشر في السنة نفسِها: الخطاب الروائي: ميخائيل باختين، ترجمة محمد برادة (القاهرة والرباط: دار الفكر، ودار الأمان،.)1987

مقدمة

من بين النظريات التي غيّرت مسارات النقد الأدبي العالمي، في النصف الثاني من القرن الماضي، النظرية التي تمكّن ميخائيل باختين (975-18951) من بلورتها في عشرينيات القرن السابق؛ من خ لاا مجموعة أعمال يشغلها هاجس الإدراك الإنساني والع قااات «البينذاتية»، كما تشغلها جماليات الإبداع الثقافي وفلسفة اللغة ونظرية الأدب والكرنفال. وتكاد تكون أعمال هذا المنظّر الروسي، التي تنطوي على محاولة «جادة للوصول إلى فهم أعمق وأخصب للظاهرة الأدبية المعقدة، بكل أبعادها الذاتية والمجتمعية، وبتفاعلها الخلاق مع المجتمع الذي تنتمي إليه في شتى تجلياته ونشاطاته ومؤسّساته»2، من أكثر الجهد الفكري والنقدي انتشارًا بين عدد كبير من النقاد المتميزين في أوروبا وأميركا، وفي الوطن العربي. فقد تبلورت تصوراته في خضم المساءلة العميقة التي وجهتها الشك نااية الروسية للفرضيات القائلة بوجود ع قااة تناظر بين البنية الأدبية والبنيات الاجتماعية يتعين تحديدها والكشف عنها. وفي ذروة هذا الجدل حول إعادة بناء موضوع الدراسات الأدبية وفصله عن تاريخ الأدب، بدَا باختين من خلال الإجراءات المنهجية التي دعا إليها، ناقدًا مختلفًا بالمعنى المنتج لمفهوم الاختلاف3. فهو لم يدرس الظاهرة الأدبية من الداخل فحسب، بل اهتمّ كذلك بتحليل دلالاتها وأبعادها الاجتماعية الملتصقة بالتفاع ت الإنسانية، وما تنطوي عليه من حوارية وتعدد في الأصوات. لهذا اعتبره فلاديمير كريزينسكي «أعظم متفحّص لأسرار الكلام الإنساني، ذلك الكلام الذي إذا ما نظر إليه في بعده التوليدي، ألفيناه قوّةً نابذةً وجاذبةً في نفس الآن»4. ومثل باقي النظريات الرصينة التي تنجحُ في نيل المشروعية، فيقبلُ عليها الباحثون والدارسون لاستثمار أدواتها ومقولاتها، والاستفادة ممّا تقدّمه من ضروب الفهم المتجدد لموضوعها، وما تبذله من جهد في تشييد دعامات تحليل أصيل لعلاقته بالشرط الإنساني، تلقّف العالم في قاراته المختلفة أعمال باختين الباهرة، من منطلق الوعي بما تنطوي عليه افتراضاته الإبستمولوجية من رؤى متفرّدة كفيلة بإخراج النقد الأدبي من الأزمة التي دخلها أواخر الستينيات من القرن العشرين؛ بسبب التوجهات الانعزالية التي عمّقت الفجوة بين النصوص والعالم. وهكذا، أدّى انتشار الفكر الباختيني من خلال اللغات التي ترجم إليها إلى إحداث نقلة عميقة في حقل الدراسات الأدبية المعاصرة، لم يقتصر مفعولها على إضاءة طبيعة الأعمال الأدبية التركيبية وطبيعة العلاقة الجدلية بين الأدب والواقع الاجتماعي، بل تعدّى ذلك إلى المساهمة في نقْل الاهتمام بالأدب من دائرة المقاربة النصية المغلقة إلى الفضاء الرّحب للمقاربة الحوارية المفتوحة على شواغل الإنسان واللغات والعالم.

  1. صبري حافظ، أفق الخطاب النقدي (القاهرة: دار شرقيات، 9961)، ص.95
  2. نستعمل مفهوم الاختلاف بالمعنى الذي وضعه رولان بارت لهذا المفهوم في كتابه S/Z حينما ميّز بين «النص الكتابي» و«النص القرائي». فإذا كان النص القرائي ينتهي بمجرد أن يُقرأ، فإنّ النص الكتابي يدعو القارئ دائمًا إلى إعادة قراءته. وبهذا المعنى، فإن النص الكتابي يتميز بخاصية الاختلاف التي هي نقيض المشابهة والتماثل. انظر: Roland Barthes, S/Z (Paris: Seuil, 1970), p. 15.
  3. فلاديمير كريزينسكي، باختين والمسألة الإيديولوجية، ترجمة حسن بحراوي وعبد الحميد عقّار، علامات، العدد 6 (1996)، ص.12

لقد أبصر الدارسون لأعماله إمكانيات كبيرةً لتطوير البحث الأدبي وإغنائه بمفاهيم وتصورات تُستمدّ من تيارات نقدية أخرى. ومثّل هذا الأمر أهمّ مظهر من مظاهر خصوبة تراثه النظري والنقدي. ولهذا السبب، ربّما اعتبره تزفيتان تودوروف أكبر مُنظِّر ل دأأب في القرن العشرين، وليس ذلك لأنه تمثل التراث الروسي العميق في حقل التنظير ل دأأب فحسب، وإنما لأنه نظّر ل دأأب من موقع مختلف، استند فيه إلى تفكير منهجي في العلوم الإنسانية. فقد أخذ في حسبانه حقولً أخرى غير الأدب، حتى قيل: «إنّ تخصصه، إذا كان من الجائز أن نستعمل مثل هذه الكلمة، هي ألّ يكون متخصصًا»5.

مواقع التلقي: كتابات باختين في السياق الغربي

يتّضح تقدير الإنجاز الأساسي لميخائيل باختين حينما نعاين التأثير الواسع لفكره خارج السياقات التاريخية والثقافية التي تشكّل فيها. وعلى الرغم من الهامشية التي أحاطت بفكره، ما جعل مكانته لم تظهر بروسيا إلا بعد انعقاد المؤتمر الشيوعي عام 9561، فإنّ النقلة التي أحدثتها تقصياته العميقة في الظاهرة الأدبية تجعلنا أمام باحث ظلّ، طوال مساره العلمي، متّسمًا بالجدية والصبر، على الرغم من الأوضاع القاسية التي عاشها. وهذا ما انتبه إليه النقاد الذين حاوروا أعماله، وتلمّسوا فيها إمكانات جدّيةً لكشف ما لم يكن معروفًا من خصائص الرواية كظاهرة عابرة للثقافات والآداب. ففي فرنسا، شهدت الدراسات الأدبية، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، منعطفًا حاسمًا. فعلى الرغم من أنّ هذا البلد لم تتطور فيه النظرية الأدبية إلا حديثًا، أي ابتداء من عام 9501، مع سارتر وبارت وبورديو، إضافةً إلى التأملات التي بلورها بعض الكتاب من أمثال فلوبير، ومالارميه، وبودلير، فإنّ الأعمال النقدية التي ظهرت خلال هذه المرحلة شمل تأثيرها العالم كلّه. ومنذ أن شرعت جوليا كريستيفا وتودوروف في التعريف بميراث ميخائيل باختين وتقديم أفكاره وتصوراته في الحقل الثقافي الفرنسي، انتبه النقاد إلى الملاءمة والراهنية اللتين تنطوي عليهما تقصياته وتحليلاته للظاهرة الأدبية، وهو ما كان له أعمق التأثير في تجديد أدوات النظرية الأدبية، وتوسيع حدود اشتغالها. لقد نشرت كريستيفا سنة 967 1 مقالةً بعنوان «باختين: الكلمة، الحوار والرواية »6، كما أعدّت أطروحةً حول أعماله تحت إشراف لوسيان غولدمان، وقد نُشرت بعنوان نص الرواية7، وفيها طرحت مفهوم التناص L’intertextualité، وقد استفادت في بنائه من مفهوم الحوارية الذي يعدّ مفهومًا مركزيًا في نظرية باختين. فقبل هذه المقالة التي كتبتها كريستيفا، لم يكن لباختين أيّ حضور في الغرب. لهذا، ترى الباحثة كارين زبيندن أنّ الموقع الذي حظيت به كريستيفا والسلطة العلمية التي تمتعت بها أمّنَا لباختين حضورًا مميزًا في الفضاء الثقافي الفرنسي؛ ذلك أنّ التأويل الذي أنجزته هذه الباحثة البلغارية حول مفاهيمه الأساسية، لم يحدث أبدًا أن تعرّض للنقد أو وُضع موضع مساءلة، وهذا الغياب للحوار

  1. تزفيتان تودوروف، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9961)، ص.15
  2. J. Kristeva, «Bakhtine, le mot, le dialogue et le roman,» Critique , vol. 33 (1967), pp. 438-465.
  3. J. Kristeva, Texte Du Roman: Approche Sémiologique D’une Structure Discursive Transformationnelle (Paris: De Gruyter Mouton, 2013).

لا يمكن فهمه ببساطة على أنّه نوع من سخرية القدر بالنسبة إلى منظّر الحوارية الذي كثيرًا ما شدّد على أهمية الجدال والحوار والتعقيب، وإنما هو، على العكس من ذلك، ما أمّن لكريستيفا سلطةً في هذا المجال8. إضافةً إلى جهد كريستيفا، نهض تودوروف بدور محوري في تقديم فكر باختين والكشف عن التعدد الذي يسِمُه، وانطلق في ذلك من معرفة عميقة بالسياق التاريخي والأيديولوجي الذي تشكّلت في إطاره أطروحاته الأساسية. وقد تجلّى هذا الدور في قيامه بجمع أهمّ نصوص باختين في كتاب المبدأ الحواري9، إذ ساعدته قراءته الحوارية لهذه النصوص على طرح مفهوم «النقد الحواري» في كتابه نقد النقد10. وفي هذا السياق، يرى الناقد السعودي معجب الزهراني أنّ «ميخائيل باختين لم يتحدث عن «النقد الحواري»، فهذا المفهوم - كما نتداوله اليوم - يجد مرجعيته القريبة والمباشرة في كتابات تودوروف في مرحلة «ما بعد البنيوية» وقد تمثّلت ذروتها الفكرية في كتابيه فتح أميركا، ونحن والآخرون، في حين بلغت ذروتها المعرفية - النقدية في كتابيه باختين: المبدأ الحواري ونقد النقد11. والواقع أنّ الشهرة والتداول اللذين حظيَ بهما فكر باختين يعود الفضل فيهما إلى الجهد الكبير الذي نهض به هذان الناقدان البلغاريان، إذ أمكن لأفكاره أن تُتَداول خارج الإطار الضيق لدراساته حول رابلي، وأن تشغل موقعًا ملائمًا ومشروعًا بين الدعامات النظرية التي ينهض عليها التحليل الداخلي للنص الأدبي12. لنَقُل إنّ التأويل الذي نهضت به كريستيفا إلى جانب تودوروف مهّد السبيل للاتصال بفكر باختين وباحثين آخرين من دائرته؛ من بينهم فولوشينوف، وميديفيديف، في مرحلة كان الوصول فيها إلى فكره مسألةً إشكاليةً، نظرًا إلى الصعوبات التي تنطوي عليها مقولاته، إضافةً إلى طابعها التجريدي. ونعتقد أنّنا نَلمس في خلفية هذه المساعي، وهي مساعٍ تهدف إلى وصْل الحقل الثقافي الفرنسي بأفكار هذا المنظّر ذي الأعمال النقدية الأصيلة، ذلك الحدس المتعلّق بدور فكره في اللغات التي يترجم إليها، وفي التخفيف من وطأة الأزمة التي شهدتها الدراسات الأدبية، بعد انحصار مدّ البنيوية؛ بسبب الانتظارات المختلفة لجيل جديد من النقاد والمثقفين أكثر ميً إلى ربط الأدب والفن بالسياسة. وهكذا، دفع فكر باختين باحثين كثيرين إلى مساءلة الأبنية التي شيّدوها خ لاا الستينيات باسم النزعة العلمية. ويُعَدّ رولان بارت مثالً حيًّا على التأثير العميق الذي أحدثه النص الفكري الباختيني. ففي كتابه S/Z، انتقد التوجهات التي انخرطت في مسعى جعل النقد ممارسة علميةً تستهدف بناء نماذج وأنساق عامة للنصوص، مشددًا على أنّ الأدب يتعيّن جوهريًا بالاختلاف والتناص، ولا يتعيّن

  1. Karine Zbinden, «Du Dialogisme À L’intertextualité: une relecture de la réception de Bakhtine en France (1967-1980),» Siavica Occitania , no. 17 (2003), p. 209.
  2. T. Todorov, Mikael Bakhtine, Le principe dialogique , suivi de: écrits du cercle de Bakhtine (Paris: Seuil, 1981).
  3. T. Todorov, Critique de la critique (Paris: Seuil, 1984).
  4. معجب الزهراني، «نحو التلقي الحواري: مقاربة لأشكال تلقي كتابات ميخائيل باختين في السياق العربي»، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة البحرين، العدد  3 (شتاء 2000)، ص.153-152
  5. Richard Hodgson, «Mikhail Bakhtine et la théorie littéraire contemporaine, Liberté,» vol. 37, no. 4 (1995), p. 49.

بالتماثل والمشابهة. كما أنّ أطروحات جيرار جونيت حول «التناص»، و«التفاعل النصي»، تُعدّ من أكثر الإنجازات النقدية المعاصرة - في حقل السرديات - دلالةً على تأثير الفكر الباختيني في النقد الفرنسي خلال حقبة ما بعد البنيوية. وقد برز هذا التأثير منذ كتابه مدخل إلى جامع النص13، ليظهر بقوة في أعماله اللاحقة، ومن بينها عتبات14Seuils، وتطريسات15. Palimpsestes في هذا السياق، لا يمكن تجاهل المنافذ التي استطاع الناقد بيير زيما أن يفتحها أمام سوسيولوجيا الأدب على نحوٍ عامّ، والنقد الاجتماعي على نحوٍ خاصّ، من خلال القراءة الرصينة التي تناول بها العدّة النقدية لميخائيل باختين. وتكفي العودة إلى كتابيه موجز النقد الاجتماعيوالنص والمجتمع، لتتبيّن لنا الأبعاد والدلالات العميقة التي اتخذتها المفاهيم الأساسية الناظمة لشعرية باختين؛ كالحوارية، والتعدد اللغوي، وتعدد الأصوات، والكرنفال، والازدواجية القيمية. فبخلاف المقاربات الاجتماعية التي شُغلت بالتقصّي في مضامين الأعمال الأدبية، وجّه بيير زيما بوصلة النقد الاجتماعي نحو التفكير في الكيفية التي تتمفصل بها المشكلات الاجتماعية والرهانات الخاصة بالطبقة الاجتماعية، في المستويات الدلالية والتركيبية والسردية، إذ جعل مفهوم الوضعية الاجتماعية اللسانية أساسًا لما اعتبره نظريةً في علم اجتماع النصوص الأيديولوجية والنظرية16. إذا كان باختين قد عُرِفَ في الوسط الثقافي الفرنسي بعمليه الموسوعيين عن دوستويفسكي ورابليه، فإنّ فكره في الولايات المتحدة الأميركية سيأخذ في الثمانينيات أبعادًا جديدةً، من خ لاا جهد كثير من الباحثين الذين فكروا بمفاهيمه في إشكاليات وقضايا أوسع من الأدب؛ مثل مساءلة الحدود بين الفروع المعرفية، إضافةً إلى أسئلة الهجنة والتعدد والاختلاف والآخرية والترجمة الثقافية والهويات المنقسمة على ذاتها17. ومن المعروف أنّ استقصاءات هذا الناقد الروسي مثّلت محاولةً لمّاحة لتجديد تاريخ الرواية ونظريتها. فكتابه قضايا شعرية دوستويفسكي، وقد نُشر أول مرة سنة 9291، يسائل على المستوين اللساني والأدبي، وحدة جنس الرواية واكتماله. فالفكرة الأساسية الناظمة لهذا الكتاب هي مسألة «البوليفونية»؛ أي وجود أصوات عديدة في الملفوظ الواحد. إذن، ليس غريبًا أنّ الجدة التي تنطوي عليها مقترحاته هي التي ستشكّل قوّةً جاذبةً للنقاد في الولايات المتحدة الأميركية؛ مثل فاديم ليابينوف، وكاريل إيمرسون، وهيلين إيزوولسكي، وواين بوث، ولاديس ف ماديجكا، وفيرن مغي، وليندا هيتشون، ودافيد هايمان، وآخرين. فهؤلاء تلقوا أعماله عبر الترجمة إلى اللغة الإنكليزية، أو من خلال ممارسة النقد التحليلي. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الجهد الكبير التي قام به الباحثان كاترينا كلارك

  1. 1جيرار جونيت، مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمان أيوب (الدار البيضاء: دار توبقال،.)1986
  2. Gérard Genette, Seuils (Paris: Seuil, 2002).
  3. Gérard Genette, Palimpsestes (Paris: Seuil, 1982).
  4. 1بيير زيما، النص والمجتمع آفاق علم اجتماع النقد، ترجمة أنطون أبو زيد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص.50
  5. 1في هذا السياق، يمكن العودة إلى الأعمال المتميزة للناقد ميشال هولكيست. انظر: Michael Holquist, Dialogism: Bakhtin and His World (London: Routledge, 1990).

وميشيل هولكيست في إعادة بناء سيرة باختين الذهنية عبر تتبع المحطات الأساسية لفكره من خلال الرّجوع إلى الأرشيف الخاص به في موسكو، أو عبر الشهادات الشفوية التي قدّمها أشخاص يعرفونه. وفي كتابهما الذي كان بعنوان ميخائيل باختين18 ناقشَا مجمل أعماله التي نشرت أو التي لم ترَ النور بعدُ، كما أبرزَا المفارقات التي أحاطت بصورته داخل الاتحاد السوفياتي سابقًا وخارجه. من الواضح أنّ انتشار فكر باختين بين النقاد الأميركيين يتمّ من خ لاا عدد من مفاهيمه الأساسية. فمفهوم الحوارية لا تنحصر تداوليته بين المشتغلين بالدراسات الأدبية، بل إنّه يُستثمر من باحثين في مجالات أخرى؛ مثل حقل «الدراسات الترجمية». وهنا يمكن الإشارة إلى جهد الباحث أميت كومار الذي نبّه في كتابه باختين ودراسات الترجمة19 إلى أهمية نظرية باختين في إخصاب الدراسات المعنيّة بالترجمة، وتعميق منظوراتها حول عدد من القضايا والإشكالات التي تطرحها الترجمة الثقافية، منظورًا إليها كفعالية حوارية، ما يؤسس جسورًا بين الثقافات واللغات ويوفر إمكانًا لظهور الأصوات المتعددة والرؤى المختلفة. يُضاف إلى هذا أنّ مفهوم الكرنفال المفعم بدلالات المقاومة والفضح والتعرية التي تتعرّض لها السلطة الرّسمية وثقافتها من قِبل الطبقات الشعبية واحتفالاتها العفوية، وهو المفهوم الذي يلتقي فيه بأطروحات المنظّر الماركسي أنطونيو غرامشي، ليس بعيدًا عن ظهور تيارين نقديين كبيرين يُعدَّان من أكثر الاتجاهات النقدية تأثيرًا في الدراسات النقدية المعاصرة. فالاتجاه الأول يتعلق ب «دراسات ما بعد الكولونيالية» التي عنيت بتفكيك أنساق الهيمنة والتراتبات التي تنطوي عليها العلاقات بين المركز والأطراف. وقد أنجب هذا التيار عددًا من الباحثين والمنظّرين المبرزين الذين جعلوا من التهجين النصي والنظري أفقًا أساسيًّا لكل فكر تحرّري، أمثال إدوارد سعيد، وهومي بابا، وغياتاري سبيفاك. أمّا الاتجاه الثاني فهو تيار «النقد الثقافي» الذي يستفيد من التقليد الذي عُرف في إنكلترا باسم «الثقافة والمجتمع» Culture and Society، وقد أرسى أسسه الباحث البريطاني ريموند وليامز. ومن أهمّ النقاد الذين انضووا إلى هذا الأفق ستيوارت هول، وفرانكو موريتي، وإدوارد سوجا، وبيتر بيرجر. وعندما نراجع الأبحاث والدراسات التي تستلهم فكر هذا المنظّر الروسي، يتبيّن لنا أنّ الاستقبال الأميركي لأعماله لا يناظره من حيث الإنتاجية إلّ استقبال المثقفين الأميركيين لتيارات ما بعد البنيوية، بخاصة كتابات فوكو، ودريدا، وألتوسير، وبارت، وغيرهم من المنظّرين الذين ينضوون إلى ما يعرف ب «النظرية الفرنسية». وقد أبرز الباحث فرانسوا كوسي سياقات هذا التلقي ومفارقاته على نحوٍ لمّاح. فإذا كان ذلك الجهد لما بعد البنيوية قد ظلّ مطموسًا في الحقل الثقافي الفرنسي، فإنه سيشهد توهجًا وميلادًا جديدين في الحياة الثقافية الأميركية خلال حقبة الثمانينيات20. وهذا بالتحديد ما حدث لفكر باختين. فعلى الرغم من الهامشية التي أحاطت به في روسيا، فإنّ الرحلة الطويلة التي قطعتها أعماله

  1. Katrina Clark & Michael Holquist, Mikhael Bakhtine (Cambridge: Belknap Press, 1986).
  2. Amith Kumar, Bakhtin and Translation Studies, Theoretical Extentions and Connotations (UK: Cambridge scholars publishing, 2016).
  3. François Cusset, French Theory: Foucault, Derrida, Deleuze & cie et les mutations de la vie intellectuelle aux États-Unis (Paris: la découverte, 2005).

بين القارات والثقافات المختلفة، ألقت ضوءًا كثيفًا على جهده النظري، ما جعله واحدًا من أكثر النقاد تأثيرًا في القرن العشرين.

تأثير باختين في النقد العربي

إنّ الدارس للنقد العربي في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وهي الحقبة التي شهد فيها محاولات عميقةً لتمثّل التيارات النقدية الحديثة، سي حظ الدور الكبير الذي نهض به المرجع الباختيني في تعميق النقد وتوسيع رؤيته لموضوعه. ففي هذه المرحلة التي اتسع فيها فعل المثاقفة، كما برز لدى الناقد الأدبي أهمية استحضار سياق المعرفة النقدية وتجلياتها التطبيقية، ستمثّل تنظيرات باختين سلطةً مرجعيةً شديدة الحضور في إنتاج الناقد العربي، سواء كان ذلك استنادًا إلى مفاهيمه وأجهزته النظرية في ممارسة النقد، أو من خلال ترجمة نصوصه وأعماله الأساسية. وليس في الأمر أيّ تزيّد إذا قلنا إنّ اكتشاف النقد العربي لباختين قد دفع عددًا كبيرًا من الباحثين إلى استثمار مقولاته - بخاصة الحوارية وتعدد الأصوات - والتفكير من خلالها إلى حدّ صار فيه الإمساك بما تعنيه هاتان المقولتان أمرًا مستعصيًا. لعل من أقوى العوامل التي تفسر الاستقبال الذي حظيت به أطروحات باختين، من عدد من النقاد العرب، أنّ أعماله تتيح إمكانًا لفتح منفذ لمسارات جديدة ترتاد بتنظير الرواية العربية أفقًا آخر غير أطروحات لوكاش التي يرى محمد برادة أنها «ضيقت الأفق بدلً من أن تفسح أرجاءه، لأنّ النقد العربي لم يقرأ لوكاش قراءةً كاملةً في سياقه وتطوره على ضوء الطرف المناقض له، أي من خلال المبدعين الذين كان يمثلهم برتولد بريشت في خصومته الجدالية مع لوكاش»21. إنّ باختين يتميز بتصوراته التي تجمع بين التحليل الداخلي والخارجي للأدب، وترفض الفصل بين الشكل والمضمون، وتشدّد على حوارية النصوص وتفاعلها، فضلً عن افتراض هوية متعددة للمتكلم داخل النص. لذلك يمكن وصف مقاربته بكونها شكلانيةً من جهة بحثها في جماليات الأدب، كما يمكن اعتبارها مقاربةً اجتماعيةً لانشغالها بالدلالات التي ينطوي عليها الخطاب الأدبي. وهذا ما ألمع إليه الباحث ريشارد هودسون حينما لخّص المساهمة الباختينية في إغناء النظرية الأدبية المعاصرة في نقطتين أساسيتين: أولاهما وقوع فكر باختين من الناحية النظرية في نقطة تقاطع التيارات الكبرى للنقد الأدبي: الأسلوبية، والسيميائيات، وتاريخ الأفكار. أمّا الثانية فمفادها أنّ الأطروحات التي بناها مؤلف جمالية الرواية ونظريتها، استمدها مباشرةً من حقل العلوم الإنسانية. فاستنادًا إلى منظور مركب يستفيد من علوم مختلفة، استطاع باختين أن يهتم في الوقت نفسه بالتحليل النصي منظورًا إليه كشكل متميّز لتحليل الخطاب، وبتاريخ الأجناس والأشكال الأدبية22. تعدّد جهد النقاد العرب الذين تفاعلوا مع أعمال باختين ونهلوا من مضامين تفكيره من منطلق الوعي بما تنطوي عليه مفاهميه من إمكانات لتجاوز القصور في الدراسات السابقة ونقد ثوابتها ومرتكزاتها،

  1. محمد برادة، «رواية عربية جديدة»، في: مجموعة مؤلفين، الرواية العربية واقع وآفاق (بيروت: دار ابن رشد، 9811)، ص.10
  2. Hodgson, p. 50.

وخصوصًا ارتهانها بمبدأ انغلاق النص وغياب المرجع، و«إعادة الاعتبار» للخطاب الأدبي من منفذ اللغة التي هي المادة الأولى في الأدب. وفي هذا السياق، تبلورت أبحاث كبيرة الأهمية، عملت على إبراز راهنية فكر باختين في السياق النقدي العربي الذي كانت تهيمن فيه التوجهات البنيوية، وهي توجهات تفصل بين بنية الأدب ودلالته عبر - اللسانية، بين الخطاب الأدبي والأبعاد الاجتماعية التي تتدثر بها مكوناته المختلفة. ويمكن أن نذكر من بين هؤلاء النقاد فيصل دراج، وجمال شحيد، ومحمد برادة، ويوسف ح ق، وفخري صالح، ويمنى العيد، وحميد لحمداني، وبشير قمري، وغيرهم. والملاحظ أنّ نشاط هؤلاء الدارسين توزّع بين الترجمة أو الأبحاث النظرية التي تشرحُ فكره ومفاهيمه الأساسية، أو الدراسات التطبيقية التي توظف مقولاته وإجراءاته المنهجية في قراءة النص الروائي العربي. ونعتقد أنّ الخصوبة التي طبعت تمثّل هؤلاء النقاد للشعرية الاجتماعية الباختينية، سواء كان ذلك في مستوى التنظير للرواية العربية وقضاياها «الجنس – أدبية»، أو على مستوى تحليل مكوناتها السردية واللغوية، تتجلى، أساسًا، على مستوى الخلفية النظرية والممارسة المنهجية. وفي هذا الجانب، يظهر نضج النقد العربي في هذه المرحلة وقدرته على بناء جسور بين المقاربة الداخلية التي تسائل بنيات النص التركيبية والفنية والمقاربة الخارجية التي تهتمّ بالدلالة. نظرًا إلى تنوع الجهد النقدي العربي الذي انخرط في مسعى تمثّل مفاهيم باختين وافتراضاته الإبستمولوجية، أو مهّد لنشر فكره، أو حاور منظوره الحواري ونبّه إلى أهميته الاستثنائية في إرهاف الوعي بالنص الرّوائي العربي، بعيدًا عن نظريات لوكاش، أو غولدمان، أو بيير زيما، فإننا سنحاول إبراز أهمّ هذه المساهمات، بخاصة جهد فيصل دراج، ويمنى العيد، وحميد لحمداني؛ لأننا نلمس عند هؤلاء النقاد جملةً من المفاهيم النظرية والإجرائية التي تعمّق التفكير في أسئلة الرواية العربية وقضاياها، انطلاقًا من شعرية باختين. في هذا السياق، يؤكد جمال شحيد في المقدمة التي وضعها للترجمة العربية لكتاب ميخائيل باختين الملحمة والرواية23 أنّ فيصل دراجيُعدّ أول ناقد عربي كتب مقالةً قيّمةً عن باختين؛ وهي بعنوان «العلاقة الروائية في العلاقات الاجتماعية (الرواية ونمط الإنتاج»)24. والمطّلع على الجهد النقدي لهذا الباحث الفلسطيني والدور الكبير الذي نهض به في تعميق الوعي النظري بالرواية العربية، يدرك الأهمية التي يكتسيها باختين في المنظور النقدي الدرّاجي. فقد أعاد دراج نشر هذه المقالة ضمن كتابه دلالات العلاقة الروائية25. كما أفرد فصً خاصًّا بعنوان «ميخائيل باختين: الكلمة، اللغة، الرواية »، ضمن كتابه نظرية الرواية والرواية العربية26. ومن المهم القول إنّ الإحاطة الواسعة لفيصل درّاج بنظريات الرواية، ولا سيما التأملات التي أنتجها فلاسفة؛ من أمثال هيجل ولوكاش وغولدمان، ومعرفته العميقة بالانتقادات التي

  1. ميخائيل باختين، الملحمة والرواية، ترجمة جمال شحيّد (بيروت: معهد الإنماء العربي، 9821)، ص.7
  2. نُشرت في مجلة الطريقسنة 9811، باختين.
  3. فيصل دراج، دلالات العلاقة الروائية (بيروت: دار كنعان،.)1992
  4. فيصل دراج، نظرية الرواية والرواية العربية (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)1999

وُجِّهت إليها، من العوامل التي مكّنته من تقدير الإضافات التي تنطوي عليها أطروحات ميخائيل باختين، بخاصة في ما يتعلق بتشييد أسلوبية جديدة للنثر الرّوائي، تنطلق من مفاهيم وأدوات ومنظورات يؤطرها الوعي بخصوصية الرواية واختلافها عن الشعر. تبرز مظاهر الإنتاجية التي طبعت تمثّل فيصل دراج لفكر باختين في اشتغاله بأدواته ومفاهيمه بشأن إعادة قراءة الرواية العربية ضمن السياق الثقافي الذي يحيط بها. ففي القسم الثاني من كتاب نظريات الرواية والرواية العربية، أعاد دراج التفكير في نشأة الرواية العربية وتحولاتها، مستفيدًا من المقترحات الباختينية التي شدّدت على عتاقة الرواية والتحامها بالآداب الشعبية، وبالمهمَّشين الذين يجدون فيها فرصة للكلام و«إعادة الاعتبار» لذواتهم المغيّبة خلف التراتبات الاجتماعية والأنساق الثقافية الأحادية والمتمركزة. وانطلاقًا من هذا الوعي، يفسر دراج تكوّن الرواية العربية عبر تحليل الحقل الاجتماعي والثقافي الذي تغيب فيه النسبية والتعددية اللتين اعتبرهما باختين ضروريتين لازدهار النثر الروائي. وإنّ غياب هذا الوعي التعددي جعله يَعُدّ نشأة الرواية العربية نشأةً معوقة27. وإذا كان دراج لا يقدّم تفسيرًا نهائيًا، أو ناجزًا، لنشأة الرواية وتحولاتها، فإنه يفتح بهذا التمثّل العميق لمفاهيم باختين أفقًا لإعادة النظر في تاريخ الأدب العربي الحديث عمومًا، وتاريخ الرواية خصوصًا، عبر ربط النص بالمجتمع والحقل الثقافي الذي يتشكّل فيه. وفي هذه النقطة، يلتقي بباختين الذي انتقد النظريات التي وصلت بين الرواية والطبقة البرجوازية، إذ ردّ أصولها إلى الأزمنة القديمة التي انتشرت فيها نصوص تتميز بالحوارية؛ مثل الهجائيات المنيبية والكرنفال والحوارات السقراطية. ضمن هذا الأفق الحواري المنتج يمكن الإشارة إلى مساهمة الناقدة اللبنانية يمنى العيد التي تميّز خطابها النقدي على صعيد الوعي النظري والمنهجي؛ بالنظر إلى تشبعها بنظريات النقد المعاصرة، ولا سيما التيارات التي استندت إلى منظور سوسيولوجي موسّع للتفكير في الأدب وعلائقه بالنصوص والخطابات واللهجات الاجتماعية. ويمكن أن نلاحظ تأثّر يمنى العيد بباختين منذ كتابها في معرفة النص 983(1)، على أنّ هذا التأثر سيزداد تعمّقًا وإنتاجيةً في أعمالها اللاحقة بخاصة الراوي والموقع والشكل 986(1)، والرواية العربية المتخيل وبنيته (2011). وقد نقلت يمنى العيد إلى العربية، بالاشتراك مع الباحث المغربي محمد البكري، كتابًا أساسيًا لباختين بعنوان الماركسية وفلسفة اللغة28. ولئن لم تعرض في أعمالها السابقة نظرية باختين على نحوٍ مفصل، فإنّنا نستشف أثر هذا المفكر الروسي قويًا في منظورها النقدي، وفي تناولها لجدلية العلاقة بين الأدب والمجتمع، كما نستشف في أعمالها قدرةً على تجاوز افتراضاته ونقدها وإظهار نسبيتها29. يظهر تأثر يمنى العيد بباختين في كتابها الرواي: الموقع والشكل، بخاصة المباحث التي تناولت فيها النقد والقراءة، والتعبير ومسألة الواقع، والكتابة والتحولات الاجتماعية. ففي ما يخصّ مفهوم النقد، ن حظ أنها تشدّد على ع قااته بالقراءة كنشاط ذهني يتقصّد قراءة النصوص وفهمها وإنتاج

  1. المرجع نفسه، ص.148
  2. ميخائيل باختين، الماركسية وفلسفة اللغة، ترجمة محمد البكري ويمنى العيد (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.)1986
  3. يمنى العيد، الرواية العربية المتخيل وبنيته (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.30–15

المعنى بصددها. غير أنّ هذا النشاط الذهني يكتسب قيمته من خلال التقاطع والتفاعل والحوارية مع الموقع الاجتماعي؛ لأنّ الناقد ليس معزولً عن العالم. ومن هنا يمكن أن نلاحظ أنّ ربط يمنى العيد بين النقد وعلوم العصر، أي اللسانيات التي تطورت تطورًا كبيرًا منذ ستينيات القرن الماضي، ليس المقصود به إبعاد النقد عن أيّ مؤثرات خارج النص؛ لأننا نجدها تؤكد أنّ ارتباط النص (موضوع النقد) بالقارئ الذي يحمل إلى النص أسئلة الحياة والعالم الذي يعيش فيه يجعله متعدد الدلالات والمعاني، مفتوحًا على التحول والتبدل؛ بالنظر إلى قيمه، ومن حيث هي قيمٌ فنية، إذ تقول: «في هذا التحول تعيش النصوص تاريخيتها، أي تعبّر عن اجتماعي ثقافي لها، يتحوّل بتحوّل مفاهيم الثقافة وقيمها»30. وتضيف أنّ هذا التحول الذي يطاول مفاهيم الثقافة وقيمها ليس سوى «اندراجها في العلاقات الاجتماعية بين الناس، وفي ما هو رؤاهم وأحلامهم وصراعهم من أجل حياة أفضل، لهم فيها حرية العيش والتعبير وفرحهما»31. هكذا يحاور مفهوم الموقع عند يمنى العيد المرجع الباختيني وينأى عن الفكر النظري المتبلور ضمن التصور البنيوي الذي تحكّم في منظور النقد ل دأأب، إذ يدلّ هذا المفهوم على وجهة النظر أو التبئير، وهي متصورات تتصل بالسارد وع قااته بما يرويه. في حين تتحدث يمنى العيد عن موقع اجتماعي أيديولوجي منه يتحدث الراوي والكاتب والقارئ والناقد. وهي فكرة مركزية عند باختين؛ لأنّ اللغة والكلام اجتماعيان. لهذا اعتُبر أنّ ما يهمّ في دراسة الرواية هو المتكلم وكلامه. وإنّ ما يهمنا في هذا السياق ليس إبراز مظاهر تخلّل فكر باختين لخطاب يمنى العيد النقدي، وإنما الإلماع إلى أهمية تقصياتها للنظرية الأدبية المعاصرة، ولنظرية باختين وأثرها في النقد العربي في مرحلة هيمنت فيها الدراسة البنيوية وتصوراتها بخصوص الأدبية، كما ظهرت فيها محدودية مقترحات لوكاش التي ارتهنت بالفصل بين الشكل والمضمون، والمطابقة بين النص الأدبي والواقع، ما غيّب خصوصية الأدب الجمالية وقدرته على خلق عالم جديد. وبهذا المعنى، نرى أنّ جدية تصورات يمنى العيد ورصانتها تكمنان في سعيها لتجديد علاقة الناقد بالنص عبر فتح وعيه عن الأسئلة الاجتماعية والثقافية الضاغطة في واقعنا العربي، وهي أسئلة لا يمكن للناقد الأدبي أن يستبعدها من دائرة الاهتمام باسم نزعة علمية مزعومة. إذا انتقلنا إلى الحديث عن جهد الناقد المغربي حميد لحمداني، لاحظنا أنّ المقترحات التي قدّمها لتعميق الوعي النقدي بالرواية وبخصوصيتها الأسلوبية والدلالية، استفاد فيها كثيرًا من نظرية باختين. فإذا كان لحمداني في كتابه من أجل تحليل سوسيوبنائي للرواية32 قد سعى للمواءمة بين المقاربة البنيوية التكوينية والشعرية الاجتماعية مستفيدًا من الانتقادات التي وجهها لهاتين المقاربتين، فإنه عبّر في كتابه أسلوبية الرواية عن طموح كبير إلى تشييد أُسس دراسة أسلوبية للرواية تنطلق من مراعاة خصوصيتها الأجناسية، وطبيعة الوعي اللغوي فيها. فقد لاحظ هذا الباحث مفارقات مثيرةً مفادها «أنّ كثيرًا ممن مارسوا النقد القصصي والروائي في العالم العربي إلى منتصف هذا القرن كانوا يدرسون

  1. يمنى العيد، الراوي: الموقع والشكل (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9821)، ص.15
  2. المرجع نفسه، ص.16
  3. حميد لحمداني، من أجل تحليل سوسيو بنائي للرواية (الدار البيضاء: مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، 9841)، ص.19

الرواية بالمقاييس البلاغية المأثورة، وهي مقاييس نشأت أساسًا من خلال تأمّل ودراسة الظواهر الجمالية في الشعر والنثر الفني، واعتمدت بشكل جوهري على رصد الظواهر الجمالية الجزئية»33. وهذا ما جعل نقاد الشعر يخفقون في تقدير المنزلة الأدبية للرواية، فنظروا إليها نظرة ازدراء وتحقير على أساس أنها ليست من الأدب، لأنّ المفهوم السائد للأدب يتسم بالتقليدية والانشداد إلى الرؤية البلاغية للشعر. من الواضح أنّ تأثر لحمداني بباختين يبدو من خ لاا دعوته إلى أسلوبية جديدة للرواية، ما يعكس وعي الباحث بالقيمة التي تكتسيها نظريته بالنسبة إلى النقد الروائي العربي في مرحلة تُعدّ حاسمةً ومفصليةً في تاريخ الثقافة العربية الحديثة. يتجلى ذلك في الفصلين الثاني والسادس. فقد اهتم الباحث بدراسة الأسلوب في نطاق الحوارية والمونولوجية، وهما مفهومان مركزيان شيدهما باختين انط قااًا من دراساته لروايات دوستويفسكي، وقد تميزت بالخاصية الحوارية التي هي نتاج لنهج جمالي تمكّن الروائي الروسي من ابتكاره مستجيبًا لإيقاع التحولات التي كانت تعتمل في المجتمع الروسي في ذلك الوقت. كما توقف عند تحليل وجهة نظر باختين بخصوص مفاهيمه الأساسية؛ كالتهجين، والعلاقة المتداخلة ذات الطابع الحواري بين اللغات، والحوارات الخالصة. وهنا يمكن أن نسجل مدى تمثّل لحمداني واستيعابه للعدّة الباختينية على الرغم من طابعها التجريدي. فقد حرص على تقديم أمثلة من متْن الرواية يوضح من خلالها مفاهيم باختين، ويقرّبها من مدارك القرّاء. لا شك في أنّ الأعمال النقدية العربية التي نهلت من معين نظرية باختين كثيرة تصعب الإحاطة بها، لأنها تتطلب دراسةً خاصةً، وهو ما ليس متاحًا بالنسبة إلى هذا البحث المعنيّ بتقصّي دور محمد برادة. ومن ثمّ، لا يمكن اختزال هذا التلقي في الجهد السابق على الرغم من أهميته وقيمة إضافاته، لأننا نجد أعمالً أخرى حفرت أثرها عميقًا في النص النقدي العربي؛ مثل الترجمة التي قام بها جمال شحيد لكتاب الملحمة والرواية (9821)، مع أنّ هذه الترجمة تمّت انطلاقًا من لغة وسيطة هي اللغة الفرنسية. وقد يُفسّر هذا الأمر بالحضور الذي حظيت به النظرية الفرنسية في المجال الأدبي العالمي منذ النصف الثاني من القرن الماضي، باستثناء ترجمة يوسف حلاق لكتاب الكلمة في الرواية 987(1)، وترجمة جميل نصيف التكريتي لكتاب شعرية دوستويفسكي (9861) اللتين تمّتا انطلاقًا من اللغة الروسية. ومن الملاحظ أنّ كل المترجمين لم يُعْنَ بأسباب نزول هذه الترجمة، ولا بإظهار أهميتها بشأن النقد العربي، ما يفوّت على القارئ إدراك أهمية هذين العملين بالنسبة إلى سياق الأدب والثقافة العربيين34.

مساهمة محمد برادة في تقديم باختين في السياق العربي

لمناقشة المنعطف الذي أحدثه المرجع الباختيني في النقد العربي المعاصر، سنركز على الدور الذي نهضت به الترجمة في نشر مقولاته وإجراءاته المنهجية من خ لاا الجهد الذي نهض به الناقد

  1. حميد لحمداني، أسلوبية الرواية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 9891)، ص.5
  2. حسن الطالب، «ترجمة النظرية الأدبية قراءة نقدية تحليلية»، في: النظرية الأدبية والمنهج النقدي، تنسيق محمد مساعدي وآخرين (فاس: منشورات مختبر اللغة والأدب والتواصل، 2017)، ص.142

المغربي محمد برادة. ومن المعروف أنّ الترجمة ظلّت من أهمّ مظاهر الصلات بين النقد الأدبي العربي والنظريات الأدبية الحديثة؛ ولذلك فهي تمثّل مادةً خصبةً للاقتراب من أسئلة النقد الأدبي والأدوار التي ينهض بها في الحقل الثقافي. ولمّا كان المترجم ينجز عمله الترجميّ ضمن أفق يتيح لدارس الترجمة التعرّف إلى تلك الثوابت اللغوية والأدبية والثقافية والتاريخية - وهي ثوابت تُوضّحُ طرائق إحساس المترجم وعمله وفكره35 - أمكن أن نفهم الأهداف والمقاصد الواقعة في صميم ترجمة محمد برادة لميخائيل باختين في لحظة تاريخية محددة، ولا سيما عندما نستحضر أنّ باختين قد تمخض جهده الفكري عن نظرية للعلامة جعلت منه رائدًا من رواد السيميائيات المعاصرة، إذ تعدّ تأملاته من أخصب المحاولات التي تمّ استثمارها في بناء «شعرية اجتماعية» ضمن إطار علم شامل للأيديولوجيات36. يُعدّ محمد برادة من أشد المدافعين عن المقاربة السوسيولوجية ل دأأب، وهو لم يلجأ إلى تمثّل هذا المنهج بكيفية اعتباطية، بل انطلق في ذلك من موقف فكري محدد، ومن وعي عميق بأسئلة الثقافة العربية واشتراطاتها التاريخية والاجتماعية، وما لها من ظلال وتحويرات في مضامين وأشكال الرواية، بل في جميع الأجناس الأدبية أيضًا37. وإنّ هذا الانضواء ضمن المقاربة الاجتماعية يفسر القيمة الكبيرة التي حظيت بها ترجمته لنصوص باختين، في سياق اتصف بالانسداد الذي بدأت تعرّفه الدراسات البنيوية في النقد العربي المعاصر؛ بسبب مغالاتها في عزل النص الأدبي، وقطع علاقته بالواقع الاجتماعي الذي يحدث فيه. ومن هنا نعتقد أنّ أهمية هذه الترجمة تنبع من كونها جاءت من ناقد يُعدُّ من أبرز الدارسين الذين انخرطوا في مسعى التعريف بميخائيل باختين، وبنظريته النقدية التي تنطوي على فهمٍ متجدد، ملائم للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الأدب العربي المعاصر في لحظة مفصلية من تطور الثقافة العربية الحديثة؛ ذلك أنّ النص الأدبي العربي الجديد خاض مغامرةً صعبةً متناميةً على الرغم من السياق المعاكس38، كما بدا فيها النقد العربي ينوس بين مقاربات تلفيقية تستدعي مناهج متنابذةً إبستمولوجيًا وإجرائيًا، ومقاربات انغلاقيةً ضيّقت من مجال الرؤية للموضوع الأدبي، فركّزت على البنيات اللغوية والشكلية بدعوى العلمية. ومن ثمّ يكون الاتصال بفكر باختين - من خلال الترجمة - محاولةً لربط الناقد الأدبي العربي بمرجع قمين بتجديد رؤيته للرواية، وتعميق الفهم لعلاقتها بالتراث والحاضر، بخاصة أنّ الرواية بوصفها نوعًا تعبيريًا حديث العمر «هي أقدر على استيعاب كل الأجناس الأدبية وسلكها في حواريات تظهر تصارع اللغات والبنى الخيالية وجدلية الفضاءات والأزمنة»39. الملاحظ أن الدور الذي قام به محمد برادة لم يقتصر على ترجمة نصوص أساسية لباختين نشر بعضها في مجلتي الكرمل، وفصول، قبل أن يجمعها في كتاب صدر عن دارَي نشر في السنة نفسها، بعنوان

  1. عبد الكبير الشرقاوي، الترجمة والنسق الأدبي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2009)، ص.88
  2. Mikhail. Bakhtine, Esthétique et théorie du roman , Daria Olivier (trans.), (Paris: Gallimard, 1978), p. 12. وانظر أيضًا مقدمة ميشال أوكوتيريي، ص.12
  3. برادة، ص.5
  4. محمد برادة، «الناقد العربي، النص، السياق: مفارقات»، الثقافة المغربية، العدد 29-28 (حزيران/ يونيو 2005)، ص.16
  5. برادة، «رواية عربية جديدة»، ص.8

الخطاب الروائي: ميخائيل باختين؛ وهو ما يفسر التلقي الواسع الذي حظي به هذا العمل بين الباحثين والدارسين المهتمين بالرواية ونقدها، وإنما تجاوز اهتمامه بباختين فعل الترجمة إلى أفق التطبيق، ذلك أنّه فكّر بمفاهيمه الأساسية، كالحوارية والتعدد اللغوي وتعدد الأصوات والكرونوتوب، في جماليات الرواية العربية وفي التحولات التي أنتجتها منذ سبعينيات القرن الماضي. وهذه المزاوجة بين فعل الترجمة واستثمار المفاهيم الأساسية للنظرية الباختينية من منطلق الوعي بمدى فعاليتها في تقصّي مكونات الظاهرة الأدبية، خاصة ما له علاقة بالمستويات التي تناولها ميخائيل باختين بالتحليل، يكشفان علاقة الترجمة بالسياق الثقافي واللحظة التاريخية التي تتحقق فيها، ما ييسّر التغلّب على حقائق الاختلاف وصعوبات التوطين. إنّ هذا الرهان الذي خاض فيه محمد برّادة، من أجل تجديد النقد المغربي والعربي، يؤكد في الوقت نفسه حاجةً ماسةً إلى المثاقفة، وأهمية الوعي بما تنطوي عليه من مشك ت وعوائق تحتم على الناقد تنسيب المناهج والنظريات التي يحاورها، وتمثّل خلفياتها الأيديولوجية حتى تساهم في إثراء الممارسة النقدية في الثقافة التي ينتمي إليها. يتضمن كتاب الخطاب الروائيلميخائيل باختين جزءًا بعنوان «عن الخطاب الروائي»، وهو منشور ضمن الترجمة الفرنسية لكتاب40Esthétique et théorie du roman. ويتكون هذا الكتاب من الدراسات التالية: «الأسلوبية المعاصرة والرواية»، و«الخطاب الشعري والخطاب الروائي»، و«التعدد اللغوي في الرواية»، و«المتكلم في الرواية»، و«خطان أسلوبيان للرواية الأوروبية». وإضافةً إلى هذه الدراسات، يتضمن الكتاب كذلك تحليل باختين لرواية البعثلتولستوي، وهو تحليل منشور ضمن كتاب41Le principe dialogique، وقد جمع فيه تودوروف أهمّ نصوص باختين. ويلاحظ القارئ أنّ هذه النصوص المختلفة تقدّم فكرةً جليةً عن النظرية التي شيّدها ميخائيل باختين حول الرواية، والموقع الذي تشغله اللغة ضمن مشروعه النقدي؛ ذلك أنّه دائمًا يؤكد خصوصية الوعي اللغوي عند الروائي وتميّزه، مقارنةً بالوعي اللغوي عند الشاعر، ما يفرض بناء أسلوبية للرواية ترتكز على الأسس التي تميزها بوصفها جنسًا أدبيًا منفتحًا ومتحولً باستمرار. وهذا ما ألمع إليه محمد برادة في سياق تحديده للموقع الذي يشغله باختين قياسًا على الشكلانيين الروس والأسلوبيّين المتأثرين بألسنية دوسوسير عندما قال: «ينطلق باختين من موقع نظري مغاير لذلك الاتجاه: من داخل الفلسفة الماركسية، وباط عاا جيد على الألسنية وأبحاث الشك ناايين والأسلوبيين، وبوعي أيضًا لسلبيات الوثوقية الأيديولوجية التجريدية، طرح باختين مسألة شعرية الخطاب الروائي بطريقة مغايرة لمفهوم الخطاب الشعري السائد آنذاك. وبالنسبة لباختين لا يمكن فصل الألسنية والأسلوبية عن جذور ومبادئ فلسفية تسندهما وتوجّه دفتهما»42.

  1. Bakhtine.
  2. Mikhail Bakhtine, Le principe dialogique (Paris: Seuil, 1981).
  3. 4محمد برادة، «موقع باختين في مجال نظرية الرواية»، في: ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (الرباط: دار الأمان، 9871)، ص.11-10

من هذه الزاوية، نرى أنّ قيمة هذه النصوص، بالنسبة إلى القارئ العربي، تكمن في ما يلمسه فيها من ع مااات مائزة للجهد الرائد لهذا الباحث الروسي. ويتمثل هذا الجهد أساسًا في قاعدة نظرية ومنهجية ثرية للرواية تكون طَموحًا ومجددةً، ورؤية إلى العالم يسكنها هاجس التغيير والثورة. كما أنها تكشف عن المقاصد الكامنة في صميم عملية الترجمة وضرورتها بالنسبة إلى السياق الثقافي العربي خ لاا المرحلة التي ظهرت فيها؛ لذلك يمكن أن ن حظ أنّ محمد برادة لم يكتفِ بترجمة هذه النصوص النظرية، وإنما وضع لها مقدّمةً نقديةً ضافيةً تُعدّ من أهمّ النصوص النقدية العربية الراسخة التي فتحت الباب أمام الباحثين والقرّاء لتلمّس الإضافات التي تنطوي عليها أفكار هذا المنظّر الروسي. فقد عمل على وضع باختين في السياق الثقافي والفكري العالمي الذي واكب أسئلة الرواية وقضاياها النظرية والتحليلية، بهدف فهم خصوصية تصوراته وإدراك الدلالات والأبعاد الأنثروبولوجية العميقة التي تنطوي عليها. كما عرّف بأهم المصطلحات التي اشتغل بها ميخائيل باختين؛ كالصوغ البارودي، والتهجين، والأسلبة، ونقل الك ماا، والتنضيد، وغيرها من المصطلحات التي تُيسِّر الدخول إلى عالمه النقدي، على الرغم ممّا يتسم به من ضروب التجريد. ولا شكّ في أنّ القارئ لهذه الترجمة يدرك وعي محمد برادة بأنه يقدّم ناقدًا وفيلسوفًا مختلفًا تميزت أعماله بأنّها تأسيسية، ما يتطلب الإلمام بالأسئلة التي تؤطر مشاغله وتصوراته، وبيان حدودها مقارنةً بالجهد النقدي الذي سبقه أو الذي عاصره. وهذا دور أساسي ينبغي أن يكون منوطًا بالناقد؛ ذلك أنّ دوره لا يقتصر على تحليل النصوص ودراستها والحكم عليها، بل يتعدى ذلك إلى «شق القنوات الثقافية والحضارية التي يجب أن تتدفّق فيها التيارات الفكرية المتجددة صوب آفاق العصر»43. لا شك في أنّ هذه المسألة تُعدّ حيويةً بالنسبة إلى الثقافة العربية التي تراهن منذ النهضتين الأولى والثانية على أن تجعل من استقبال الآخر، ومن تمثل مناهجه ونظرياته النقدية جسرًا للانتقال بالدرس النقدي العربي إلى أُفق أكثر أصالةً وتجددًا وإنتاجيةً. فجزء من المشكلات التي يتخبط فيها النقد العربي، والتي تَحُدّ من فاعلية المثاقفة في الارتقاء به إلى أفق المساهمة في النظرية النقدية العالمية، يكمن في القصور الذي يستحكم بالقراءة العربية للنص الفكري الغربي، بخاصة في ما يتصل بإدراك حدود هذا النص والشروط التي تشكّل في إطارها. ولقد نبّه إلى هذه المشكلة المترجم السوري ثائر ديب في إحدى دراساته القيّمة التي كرّسها لبحث التلقي العربي ل «الدراسات الثقافية» و«نظرية ما بعد الكولونيالية»، حينما توقّف عند ما يعتري الجهد المتحقق من ضروب القصور التي تحدّ من مفعول هذه التيارات الجديدة في الحقل الثقافي العربي، خصوصًا عندما يكون المترجم أمام نص له دور تأسيسي في الثقافة المنقول إليها، فلا يبذلُ ما يكفي من الجهد لوضع هذا العمل في السياق الفكري والمعرفي الصحيح44.

  1. 4نبيل راغب، موسوعة النظريات الأدبية (القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، 2003.)، ص أ
  2. ثائر ديب، «عن العدة والعتاد في ترجمة 'الدراسات الثقافية' و'نظرية ما بعد الكولونيالية'»، في: ريتشار جاكمون (محرر)، ترجمة العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2008)، ص.24

لتحديد موقع باختين في مجال التفكير النظري في الرواية، انطلق محمد برادة من تفكيك الجهد التي سبقه (هيجل، ولوكاش، والرومانسيون الألمان)؛ وذلك بهدف تلمّس التقاطعات والاختلافات، والمنافذ التي تمكّن ذلك المنظّر الروسي من فتحها في مجال دراسة الرواية والتنظير لها. ولإنجاز هذه المهمة شدّد مترجم الخطاب الروائيعلى ضرورة مراعاة مسألتين أساسيتين: أولاهما، استحضار تعدد المقاربات المنهجية والإبستمولوجية إلى درجة تسمح بالحديث عن تاريخ نظريات الرواية، واستكناه صورة لمختلف المفهومات التي وجّهت كُتّاب الرواية في فترات وسياقات وآداب مختلفة، على أنّ هذا لا يعني، بالنسبة إلى برادة، نفي وجود عناصر مشتركة تسند النص الروائي وتتيح وصفه واستخلاص خصائصه الاستدلالية، وإنما هو تأكيد لنسبية تنظير الرواية بوصفه تنظيرًا يبنيه مفكرون وأدباء؛ انط قااًا من أسئلة تُحاور ثقافةً معينةً، وتتفاعل مع حقول ومناهج ودوائر معرفية. أمّا الثانية فتتمثل في تجنب اختزال النصوص الروائية إلى مقولات ومصطلحات واردة في نظرية الرواية، وإفساح المجال أمام النصوص لكي تغتني النظرية وتصبح أداةَ تحليل وإضاءة، بدلً من أن تتحول إلى معايير ثابتة عاجزة عن التجدد والاتساع45. عندما ننطلق من هاتين المسألتين يتبينُ لنا أن محمد برادة يمتلك وعيًا عميقًا بنظريات الرواية، وبتعدد الروافد التي تمتاحُ منها لفهم الرواية وإدراك علائقها بأسئلة الفرد وشواغله في المجتمعات الحديثة. وإذا كان هذا الوعي يضفي المشروعية العلمية على الدعوة إلى تنسيب أطروحات باختين؛ بهدف المساهمة في تطويرها وتعميقها والإضافة إليها، فإنه يؤكد، من جهة أخرى، قابلية هذه النظرية للترجمة والانتقال من فضائها الثقافي إلى فضاءات أخرى يمكن أن تنخرط في مسعى تغذيتها؛ من خلال التفكير بأدواتها في آداب تخلّقت ضمن شروط ثقافية واجتماعية مغايرة. فليس مهمًّا بالنسبة إلى السياق النقدي العربي ما تقوله نظرية باختين، بل إنّ الأهمّ هو ما يمكن أن يفتحه التلقي العربي لهذه النظرية من مساحات وآفاق تتيح لفكر باختين أن يتجلى على نحوٍ آخر. وبهذا الشكل تتطور الممارسة النقدية، وتغتني من خ لاا المنابع الفكرية والنظرية التي تستمد منها أدواتها ومفاهيمها الإجرائية، لفتح منافذ إلى مسارات جديدة في النصوص التي تقرؤها. ويكفي العودة إلى كتب محمد برادة التي شُغل فيها بالتفكير في الرواية العربية وتحليل نصوصها المتميزة، بخاصة أسئلة الرواية: أسئلة النقد، وفضاءات روائية، والرواية ورهان التجديد، والرواية ذاكرة مفتوحة، لتظهر للقارئ مستويات مختلفة من تمثّل هذا الناقد لنظرية ميخائيل باختين، وقدرته على أن يستكشف بِعدّتها مساحات غير مطروقة في النص الروائي العربي الحديث، ولا سيما ما يتصل بتحليل مستويات التعدد اللغوي وفكر الرواية. وبهذا المعنى، تتعين الترجمة ردًّا قويًّا على الدعوات التي تختزل أزمة النقد العربي في غياب نظرية عربية، في وقت تضطلع فيه بدورها كاملً لخلْق تثاقف متوازن يُبنى على الاغتناء المتبادل، لا على الإلغاء والتفاضل46. ثمّة تصور سائد مفاده أنّ التفكير في نظريات الرواية، يفرض على الناقد أن يظل مشدودًا إلى الفضاء الثقافي الغربي الذي تكونت فيه الرواية خ لاا العصر الحديث، وهو تصور يحتاج إلى تمحيص

  1. برادة، «موقع باختين»، ص.4
  2. 4رشيد برهون، «الترجمة ورهانات العولمة والمثاقفة»، عالم الفكر، العدد 1 (تموز/ يوليو 2002)، ص.172

أدواته ومراجعة مسلماته، لأنه ينطوي على غَمط الجغرافية الروائية الواسعة حقَّها في المساهمة والإضافة والإغناء. فالتفكير الأصيل في تجربة الرواية التي تشكّلت خارج نطاق الثقافة الغربية، وفي آداب قومية مغايرة؛ كالآداب الآسيوية، والأفريقية، والعربية، يستدعي من منظور الناقد الفرنسي جون بيسيير الانط ق من دراسات مقارنة تعيد إلى هذه الأعمال ذات السياقات الثقافية المتنوعة دورها في التعميق والتوسيع لنطاق الأسئلة التي يبلورها التنظير للرواية47. وإنّ هذا المنظور غير المتحيز الذي يصدر عنه جون بيسيير في مراجعته لنظريات الرواية، ومساهمته في بلورة أسئلة جديدة تسمح بتوسيعها؛ حتى تأخذ في الحسبان الجغرافية الواسعة ل بإإداع الروائي على المستوى العالمي، نجد علاماته كامنةً في فكر ميخائيل باختين الذي لم يقصر أصول الرواية على ثقافة دون أخرى، بل تأملها بوصفها جنسًا أدبيًا عابرًا للثقافات، ضاربًا بجذوره في أعماق التراث الإنساني، وفي ثقافات المجتمعات التي انتقلت من الإقطاعية التي طورت الفن الملحمي إلى الرأسمالية التي أوجدت لها فنًّا متميزًا هو الفن الروائي. لقد قدّم باختين مقترحات كبيرة الأهمية بخصوص نمذجة تاريخية للرواية، استنادًا إلى المبادئ الأساسية لصورة البطل الأساسي وع قااته بالزمن. فهو قد تابع مسيرة الرواية منذ القديم إلى العصر الحديث من خ لاا أربعة مغايرات: رواية السفر (الرحلة)، ورواية الاختبار، ورواية البيوغرافيا (السيرة الذاتية)، ورواية التعلم48. وإنّ هذا المنظور الذي يقرن تاريخ الرواية بثقافات وعصور مختلفة، ويشدّد على بنيتها الحوارية التي تتيح لها الانفتاح على السج ت، والأجناس والنصوص المختلفة، يشكّل كذلك نقطة ارتكاز أساسية في مختلف الأبحاث والدراسات التي تناول فيها محمد برادة أسئلة الرواية ونظريتها. فهو يؤكد ما تتيحه التجارب الروائية العالمية من إمكانات أمام نظرية الرواية حتى تتطور وتغتني تأملاتها في المشهد الرّوائي العالمي. يقول محمد برادة: «ما نودّ التأكيد عليه في هذا السياق، هو عراقة متح الرواية من بقية الأجناس والخطابات التي كانت قائمةً عندما كتبت تلك النصوص المتأبية عن التصنيف الأرسطي. وبخصوص هذه المسألة أجدني متفقًا مع ما ذهب إليه الباحث بيير جريمال [...] عندما أوضح أنّ عناصر الرواية موجودة في مجموع الأدب الإغريقي: عند هوميروس وهيرودوت، وفي خلفيات الكوميديا والتراجيديا كما في الميثولوجيا [...] لكن إذا كانت جميع الأجناس التعبيرية الإغريقية ملونةً بالرواية، فإنّ الرواية الإغريقية بدورها استعارت منها عناصر مميزةً، فأخذت من الملحمة العجيب والانغمار في الماضي، ومن التراجيديا ربط المصائر بالقدر واللجوء إلى التعرّف وسوء التفاهم والمواقف القصوى التي تحلّ بكيفية سعيدة، ومن التاريخ استثمار الشخوص التاريخية»49. بهذا المعنى الذي تتعين فيه نظريات الرواية، بخاصة أطروحات هيجل ولوكاش وغولدمان التي تربط بين ظهور الرواية والمجتمع البرجوازي، بوصفها مستودعًا لكثير من التحيزات ضد ثقافات وآداب

  1. Jean Bessière, Questionner le roman (Paris: PUF, 2012), p. 35.
  2. 4محمد برادة، «الرواية أفقًا للشكل والخطاب المتعددين»، في: محمد برادة، فضاءات روائية (الرباط: منشورات وزارة الثقافة، 2003)، ص.28-27
  3. المرجع نفسه، ص.26

مختلفة، تكتسب ترجمة هذه النصوص النقدية لباختين قيمتها وراهنيتها بالنسبة إلى الناقد العربي؛ من حيث إنّها تولّدت ضمن أفق الوعي بحاجة الخطاب النقدي العربي إلى توسيع مداخله وتنويع مرجعياته وخلفياته النظرية، حتى يستوعب الفورة الروائية، ويصغي لمقترحاتها الخطابية والجمالية. وهذا ما تقصّد إليه محمد برادة عندما تحدّث عن محدودية المقاربات التي تختزل النصوص من خلال تبئير القراءة في مقولات محددة، كما تفعل القراءة البنيوية التي تحلل البنيات اللغوية والتركيبية للنصوص على أساس أنها ما يحقق للأدب أدبيته. لكنّ هذه القراءة الانغ قااية سرعان ما تعرّضت للنقد والرّفض أمام ما حملته استقصاءات باختين النقدية من فرضيات جديدة فلسفية وفكرية حول الإنسان وك مااه. يقول محمد برادة: «بالنسبة إلى الرواية العربية ونقدها، فإنّنا نعتقد أنّ تنظيرات باختين وكتاباته يمكن أن تكون محطةً مهمّةً في مسارها نحو التطور والتجدّد، ذلك أنّ ميخائيل باختين، ابتداءً من عشرينيات القرن السابق، واجه نفس الأسئلة التي بدأت ثقافتنا العربية تواجهها منذ الستينيات، وما تزال، عبر التعرّف - المتأخر دائمًا - على المناهج الألسنية والبنيوية والسيميائية والشكلانية [...] ومن موقعه داخل ثقافة لها خصوصيتها، وفي سياق مجتمعي معيّن، قدّم أجوبةً نقديةً وفكريةً على جانب كبير من الأهمية، نستطيع أن نتفاعل معها وأن نحوّلها إلى خميرة لتفكير نقدي مخصّب»50. لعل من أهمّ هذه الأجوبة التي قدّمها ميخائيل باختين، فلسفته الحوارية التي شدّدت على استرداد الإنسان لإنسانيته، ومجّدت الصيرورة والدينامية في مقابل الثبات والجمود، كما أنّها احتفت بالمختلف والمغاير على حساب الشبيه والمماثل. ومن المؤكد أنّ هذه المقولات التي تفتح الأفق أمام النقد الأدبي، نلمسُ تأثيرها بارزًا في النص النقدي البرّادي من خ لاا تبنّيه «النقد الحواري» الذي يزاوج فيه الناقد بين الاهتمام بالنص والكشف عن جمالياته، استنادًا إلى السرد واللغة والفضاء والشخصيات، واستنطاق الع قااات التي تشدّه إلى المجتمع والثقافة اللذين تكوّن في رحمهما. وفي هذا السياق، تتجلّى تلك الإنتاجية المائزة لتلقيَ باختين في النص النقدي البرّادي الذي يجترح موقعًا للحوار بين غولدمان وباختين، مقتنعًا «من الناحية المنهجية بفعالية المزاوجة بين الإطار العام للبنيوية التكوينية، وبين المصطلحات الإجرائية المستخلصة من شاعرية الخطاب الروائي»51، كما يقيم جسورًا بين باختين ونقاد آخرين، بخاصة الذين اشتغلوا بالرواية، انطلاقًا من اللغة وفكرها كالباحثة جيليان لان ميرسي52 التي عنيت بدراسة إشكالية الحوار في الرواية انطلاقًا من مرجعية نظرية تستفيد في بنائها من السرديات واللسانيات التداولية، والناقدين فيليب دوفور53وتوماس بافيل54.

  1. برادة، «موقع باختين»، ص.18-17
  2. محمد برادة، «الرؤية للعالم في ثلاثة نماذج روائية»، في: مجموعة مؤلفين، الرواية العربية واقع وآفاق (بيروت: دار ابن رشد، 9811)، ص.130
  3. Gillian Lane-Mercier, La Parole romanesque (Paris: Klincksieck, 2003).
  4. فيليب دوفور، فكر اللغة الروائي، ترجمة هدى مقنص (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011
  5. Thomas Pavel, La Pensée du roman (Paris: Gallimard, 2003).

على سبيل التركيب

أمام الصعوبات العديدة التي تعترض عمليات التثاقف والترجمة بالنظر إلى خصوصية العناصر الاجتماعية والثقافية التي تميز المجتمعات، وبالنظر إلى التعدد الذي تنطوي عليه هذه العناصر داخل المجتمع الواحد، يتعيّن على المترجم المكين الذي يريد استضافة نصّ في ثقافة أخرى أن «يكون رجل عبور بين لغة وأخرى وبين ثقافة وأخرى، أيْ أن يكون مكوكًا ينشئ لحمة بين الكاتب وقارئه. ويُفترض فيه أن يكون رجل انفتاح ليستطيع أن يتأقلم مع المختلف والمتباين والمغاير»55. لا نقصد من وراء هذا الاستشهاد حسم دلالة الترجمة، بل تأكيد حضور هذه الخ لاا في ترجمة محمد برادة للنظرية الأدبية، وهذا ما يمكن تلمّسه من ترجمته لنصوص ميخائيل باختين، ونهوضه بترسيخ مفاهيمه في الحقل النقدي العربي، وحفز الباحثين على الاشتغال بها واستثمارها في قراءة النص الروائي؛ بهدف الكشف عن عالمه المتعدد الأصوات واللغات والرؤى، وعن وظيفته النقدية التي يفصح عنها من خ لاا الدلالات الاجتماعية والأيديولوجية. وهكذا يمكن القول إنّ ما تميزت به ترجمة محمد برادة لبعض نصوص هذا المنظّر الروسي من فهمٍ خاص لمقترحاته، ومن جهدٍ مبذول في الاستدلال على أهمية هذه الترجمة بالنسبة إلى الحقل النقدي العربي، إضافةً إلى الاهتمام بالمصطلح الأدبي، كل ذلك لا يتيح لنا أن نتعرّف إلى مدى قابلية النظريات والنصوص للترجمة والانتقال عبر البيئات والسياقات الثقافية، فحسب؛ كما أبرز ذلك إدوارد سعيد56،، بل يسمح لنا، كذلك، بفهم العوامل التي أمّنت للعمارة النقدية لصاحب محمد مندور وتنظير النقد العربي57 أن تظل بمنأى عن التكرارية والسطحية في التفاعل مع النظريات واستسعافها لمقاربة الأدب. فقد ظل النقد الأدبي عنده ملتصقًا بالأسئلة العميقة التي تحفّ بوجود الأدب، فضلً عن التفكير في نطاق فعالية النقد ومراجعة وظائفه وأدواته وآلياته، وتهيئة المناخ الذي يمكّن من تعميق قدرة القارئ على التعامل مع النصوص، وتلمّس دلالاتها وما تنطوي عليه من أبعاد جمالية وفكرية. تمثّل محمد برادة على نحو جيد مقولات باختين، كما أنّه أدرك الجدة والمفاجآت التي تنطوي عليها بالنسبة إلى الرواية العربية ومشروع قراءتها، وهي تجتاز مرحلة صارت فيها موقعًا لصراع اللغات والأصوات والمنظورات. وهذا ما عبّر عنه بوضوح عندما قال: «وفي اعتقادنا أنّ نظرية الرواية التي حدّد معالمها ومنهجية التفكير فيها، ميخائيل باختين، تقدّم لنا إطارًا م ئاامًا لاستخ ص م مااح الرواية العربية واستشراف آفاقها في ضوء الأسئلة الباختينية الممتدة من ماضي الإنتاج الروائي إلى حاضره ومستقبله»58. ولعل من النتائج الأساسية المتعلّقة باستقبال الناقد العربي لمقولات هذا الناقد الروسي ول جإإراءات المنهجية التي دعا إليها، تشكّل ما يمكن اعتباره خطًا ينتظم كل التيار الأدبي

  1. جمال شحيد، «الصعوبات الاجتماعية/ الثقافية في ترجمة العلوم الإنسانية»، العربية والترجمة، العدد 9 (ربيع 2011)، ص.48
  2. إدوارد سعيد، «إعادة النظر في ارتحال النظرية»، في: إدوارد سعيد، تأم ت حول المنفى (بيروت: دار الآداب، 2004)، ص.283
  3. محمد برادة، محمد مندور وتنظير النقد العربي (القاهرة: دار الآداب للنشر والتوزيع،.)1986
  4. محمد برادة، أسئلة الرواية: أسئلة النقد (الدار البيضاء: شركة الرابط، 9961)، ص.60

الرّاهن، بخاصة في حقل الرواية، ومن سماته التعدد اللغوي وتعدد الأصوات والحوارية، إضافةً إلى استدعاء القطيعة بمختلف أشكالها. ومن أجل ذلك، لا نغالي إذا قلنا إنّ دور المترجم لا يُعدّ أساسيا في تبلور هذا التيار الأدبي الذي يحثّ على المغامرة في مسالك جمالية غُفل، وعلى بناء عالم يظل في حاجة إلى البحث والاكتشاف فحسب، بل إنّه يُعَدّ كذلك في الاستجابة السلسة التي عبّر عنها النقد العربي إزاء المضامين والأبعاد الفكرية والمعرفية التي تشيعها مقولات ميخائيل باختين ومفاهيمه الأساسية. References

المراجع

العربية

باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. القاهرة والرباط: دار الفكر، ودار الأمان، ________. الماركسية وفلسفة اللغة. ترجمة محمد البكري ويمنى العيد. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1986

________. الملحمة والرواية. ترجمة جمال شحيّد. بيروت: معهد الإنماء العربي،.1982

برادة، محمد. «الناقد العربي، النص، السياق: مفارقات». الثقافة المغربية. العدد 29 - 28 (حزيران/ يونيو.)2005

________. فضاءات روائية. الرباط: منشورات وزارة الثقافة،.2003

________. أسئلة الرواية: أسئلة النقد. الدار البيضاء: شركة الرابط،.1996

________. محمد مندور وتنظير النقد العربي. القاهرة: دار الآداب للنشر والتوزيع،.1986

برهون، رشيد. «الترجمة ورهانات العولمة والمثاقفة». عالم الفكر. العدد 1 (تموز/ يوليو).2002

تودوروف، تزفيتان. ميخائيل باختين: المبدأ الحواري. ترجمة فخري صالح. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1996

جاكمون، ريتشار (محرر). ترجمة العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية،.2008

جونيت، جيرار. مدخل لجامع النص. ترجمة عبد الرحمان أيوب. الدار البيضاء: دار توبقال،.1986 حافظ، صبري. أفق الخطاب النقدي. القاهرة: دار شرقيات،.1996

دراج، فيصل. نظرية الرواية والرواية العربية. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1999

________. دلالات العلاقة الروائية. بيروت: دار كنعان،.1992

دوفور، فيليب. فكر اللغة الروائي. ترجمة هدى مقنص. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011

راغب، نبيل. موسوعة النظريات الأدبية. القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان،.2003 زيما، بيير. النص والمجتمع آفاق علم اجتماع النقد. ترجمة أنطون أبو زيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013

سعيد، إدوارد. تأملات حول المنفى. بيروت: دار الآداب،.2004

شحيد، جمال. «الصعوبات الاجتماعية/ الثقافية في ترجمة العلوم الإنسانية». العربية والترجمة. العدد 9 (ربيع.)2011

الشرقاوي، عبد الكبير. الترجمة والنسق الأدبي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2009

العيد، يمنى. الراوي: الموقع والشكل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1982

________. الرواية العربية المتخيل وبنيته. بيروت: دار الفارابي،.2011

كريزينسكي، ف داايمير. باختين والمسألة الإيديولوجية. ترجمة حسن بحراوي وعبد الحميد عقّار. علامات. العدد 1).996(6

لحمداني، حميد. أسلوبية الرواية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.1989

________. من أجل تحليل سوسيو بنائي للرواية. الدار البيضاء: مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، مجموعة مؤلفين، الرواية العربية واقع وآفاق. بيروت: دار ابن رشد،.1981

معجب الزهراني، «نحو التلقي الحواري: مقاربة لأشكال تلقي كتابات ميخائيل باختين في السياق العربي». مجلة العلوم الإنسانية، جامعة البحرين. العدد 3 (شتاء.)2000

النظرية الأدبية والمنهج النقدي. تنسيق محمد مساعدي وآخرين. فاس: منشورات مختبر اللغة والأدب والتواصل،.2017

الأجنبية

Bakhtine, M. Esthétique et théorie du roman , Daria Olivier (trans.). Paris: Gallimard,

Barthes, Roland. S/Z. Paris: Seuil, 1970.

Bessière, Jean. Questionner le roman. Paris: PUF, 2012.

Clark, Katrina & Michael Holquist, Mikhael Bakhtine. Cambridge: Belknap Press,

Cusset, François. French Theory: Foucault, Derrida, Deleuze & cie et les mutations de

la vie intellectuelle aux États-Unis. Paris: la découverte, 2005.

Genette, Gérard. Palimpsestes. Paris: Seuil, 1982.

________. Seuils. Paris: Seuil, 2002.

Hodgson, Richard. «Mikhaïl Bakhtine et la théorie littéraire contemporaine, Liberté.»

vol. 37, no. 4, (1995).

Holquist, Michael. Dialogism: Bakhtin and His World. London: Routledge, 1990.

Kristeva, J. Texte Du Roman: Approche sémiologique d’une structure discursive

transformationnelle. Paris: De Gruyter Mouton, 2013.

________. «Bakhtine, le mot, le dialogue et le roman.» Critique , vol. 33 (1967).

Kumar, Amith. Bakhtin and Translation Studies, Theoretical Extentions and

Connotations. UK: Cambridge scholars publishing, 2016.

Lane-Mercier, Gillian. La Parole romanesque. Paris: Klincksieck, 2003.

Pavel, Thomas. La Pensée du roman. Paris: Gallimard, 2003.

Todorov, T. Critique de la critique. Paris: Seuil, 1984.

________. Mikael Bakhtine, Le principe dialogique, suivi de: écrits du cercle de

bakhtine. Paris: Seuil, 1981.

Zbinden, Karine. «Du Dialogisme À L’intertextualité: une relecture de la réception de

Bakhtine en France (1967-1980).» Siavica Occitania , no. 17 (2003).