الخطاب المعرفي-الاجتماعي: بناء الخطاب، الإنتاج الاجتماعي للمعنى
Cognitive and Social Discourse: Constructing Discourse and Producing Social Meaning
الملخّص
ترمي هذه الدراسة إلى تحليل نَمطٍ مُحددٍ من الخطابات، هو الخطاب المَعرفي الاجتماعي من منظور سيميائيات الخطاب. تَتخذُ الدراسة متنًا لها كتابَ المغرب الممكن . وعلى الرغم من أن الخطابَ يحفلُ بالأرقام والمؤشرات الزمنية، فإنه يَستثمرُ مجموعة من عناصر بناء الخطاب، تتمثلُ في الزمن والمكان والذوات الفاعلة والمواقع الطبولوجية وآليات الإقناع وتقنيات بناء أثر الموضوعية و"الحقيقة" والسيناريوهات الخطابية. ستعملُ الدراسة من خلال وصفٍ وتحليلٍ لهذه المكونات الخطابية على الوقوف عند شكل تبلور المعنى الاجتماعي في أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.
Abstract
Abstract: The purpose of this paper is to analyze a specific cognitive and social discourse from a discourse semiotics perspective. The material comes from the book Possible Morocco. While the book is replete with statistics and chronological indices, it contains many components that create a discourse (including tense and spatial structure, agents, and mechanisms of persuasion, and techniques for building the effect of truth). These discourse components are described and analyzed in order to trace how social meaning is developed.
- معطّلات ثقافية
- التفاعل المعرفي
- الوجداني
- Social Discourse
- Semiotics of Discourse
- Social Meaning
بناء الخطاب، الإنتاج الاجتماعي للمعنى
Cognitive and Social Discourse:
Constructing Discourse and the Social Production of Meaning
الاجتماعي من منظور سيميائيات الخطاب. تَتخذُ الدراسة متنًا لها كتابَ المغرب الممكن.
وعلى الرغم من أن الخطابَ يحفلُ بالأرقام والمؤشرات الزمنية، فإنه يَستثمرُ مجموعة من
عناصر بناء الخطاب، تتمثلُ في الزمن والمكان والذوات الفاعلة والمواقع الطبولوجية وآليات الإقناع وتقنيات بناء أثر الموضوعية و«الحقيقة» والسيناريوهات الخطابية. ستعملُ الدراسة
من خ لاا وصفٍ وتحليلٍ لهذه المكونات الخطابية على الوقوف عند شكل تبلور المعنى الاجتماعي في أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.
مقدمة
نهدفُ في هذه الدراسة إلى تحليل الخطاب المعرفي من منظور المفاهيم التي اقترحتها سيميائيات الخطاب. فإذا كانت «السيميائيات السردية والخطابية» قد شَيدت مفاهيمها لاستيضاح شكل المَعنى في الخطاب السردي (الحكاية، المحكي،... إلخ)، فإن تطورَ الدراسة
في هذا المجال جعل هذا البراديغم يُحاول توسيع النموذج النظري لتحليل الخطابات المعرفية
والاجتماعية والعلمية. وقد ساهم هذا التناول في إغناء اللغة الواصفة للسيميائيات، وفي استكشاف مُكونات البناء في هذه الخطابات. سنحاول في هذا السياق تحليلَ نموذج من الخطاب المعرفي -
الاجتماعي، يتمثلُ في كتاب المغرب المُمكنأو «تقرير الخمسينية»، وهو خطاب معرفي حول حالة
المغرب خلال محور زمني يمتدُّ من حقبة الاستقلال سنة 9551، إلى سنة 2000، من حيث تشخيصُ
عناصر التاريخ والمجال والتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، كما أنه يَستشرف إمكانات الحقبة
المُستقبَلية إلى حدود سنة 2025. وعلى الرغم من أن خطاب التقرير يتسمُ بالتشخيص والتقويم، فإنه،
بحسب تصورنا، يمتلكُ مجموعة آليات خطابية تتمثل في التمفصلات الزمنية والمكانية للخطاب والترهينات التلفظية (المتلفِّظ والمُستقبِل) والذوات المُتكلمة والتشاكُت الدلالية وآليات للإقناع
ب «موضوعية» التشخيص والتقويم الذي يقدمُه، والأطروحات التي يَفترضُها ويهدف إلى الإقناع بها. كما نعدّ هذه الآليات التي يَعتمدُها في البناء تُسهِم في الإنتاج الاجتماعي للمعنى، ذلك أن المعنى
لا ينحصر في «الإرسالية» التي يقدمها الخطاب بصورة مباشرة، ولكنه يُبنى استنادًا إلى الأفعال التي
تنجزها الذوات وإلى ع قااات التفاعل فيما بينها من أجل امت ك المواقع، لذلك ستقوم الدراسةُ بتحليل مُكونات الخطاب في علاقتها بالمعنى الاجتماعي الذي تساهم في توليده.
هوية الخطاب في كتاب «المغرب الممكن»
إذا حاولنا أن نقفَ عند هوية الخطاب في كتابالمغرب الممكن أو تقرير الخمسينية من حيث خصائصهُ التجنيسية، يمكن أن ننظرَ إليه بصفته خطابًا معرفيًا - اجتماعيًا.
1) (تتمثل في المدرسة الفرنسية بريادة كريماس، ويتمثل النموذج المرجعي في المسار التوليدي، وهو «الاقتصاد» النظري الذي ينظم المستويات وتمفصلاتها المفاهيمية. انظر:
A. J. Greimas. & J. Courtes, Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage (Paris: Hachette, 1979), p. 157.
ويمكن أن نقدم مثالً للدراسات العربية التي تبنت هذه المدرسة إطارًا نظريًا في التحليل: سعيد بنكراد، السميائيات: مفاهيمها
وتطبيقاتها (الرباط: منشورات الزمن، 2003)؛ محمد مفتاح، دينامية النص (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9871)؛
عبد المجيد نوسي، التحليل السيميائي للخطاب الروائي (الدار لبيضاء: المدارس،.)2002 2) (يتمثل الموضوع العلمي لهذا النموذج في دراسة شروط تحقق المعنى: 3) («سيكون انشغالها الأول (النظرية السيميوطيقية) هو استيضاح، على شكل بناء مفاهيمي، شروط إدراك وإنتاج الدلالة»، انظر:
Greimas & Courtes, p. 345. A. J. Greimas & Eric Landowski, «Les parcours du savoir» in Introduction à l’analyse du discours en sciences sociales (Paris: Seuil, 1979), p. 5.
4) (المغرب الممكن: إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك، تقرير الخمسينية (الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.)2006
أ. خطاب سوسيوثقافي
يُعد تقرير المغرب الممكنخطابًا سوسيوثقافيًا؛ لأن الموضوعَ ينصب على وضعية سوسيوثقافية
مُحددة من خ لاا إطار مكاني وزماني. «تركيب لمجموعة من الدراسات [...] حول تطور التنمية
البشرية بالمغرب، على مدى خمسين سنة من الاستقلال». يتخذُ الخطابُ «التنمية البشرية» موضوعًا له، داخل فضاء يتحددُ طبونيميًا من خ لاا اسم علم
(المغرب)، وزمانيًا نتيجة مُعيِّنات زمنية، تتمثلُ في السنوات التي قطعها المغربُ بعد الاستق لاا.
لذلك، هو، أولً، خطاب سوسيوثقافي، يتمحوُر في موضوعه حول كِيان جُغرافي وتاريخي وثقافي
في إطار مُعَيِّنات زمنية. ينسجم هذا التحديد، أيضًا، مع مفهوم الخطاب الاجتماعي كما اشتغل به
الباحث مارك أنجنو، إذ يعدّه كل ما قيل وكُتب حول مجتمع في حالة معينة، ليس من منظور تجريبي
ولكن بصفته بناءً خطابيًا لموضوع.
ب. خطاب إبستيمي
يمثلُ خطاب المغرب الممكنفي مظهره الثاني خطابًا إبستيميًا؛ لأنه يقوم على فاعِلية التأويل وإصدار
حُكم وإنجاز جزاء بخصُوص هذه الوضعية السوسيوثقافية. يمكن أن تتضحَ طبيعةُ هذه الهوية من
خلال الوحدات المعجمية والمسارات التصويرية التي يَستندُ إليها الخطاب. ويُقدم الخطابُ العمل
بصفته: «ثمرة عمل جماعي [...] من الباحثين والخبراء الوطنيين »[...] و«تركيب لمجموعة واسعة من الدراسات والتأملات حول تطور التنمية البشرية بالمغرب». تُبرز الوحدات (شبكة من الباحثين والخبراء)، أن الخطاب يَتقدمُ بصفته مِحورًا لقطبية تَواصلية بين مُتلفِّظ
يُنجِز الخطاب، ويُعد في الوقت نفسه ذاتًا فاعلة، ومرسَلٍ إليه يستقبلُ الخطاب. ويتضمنُ الخطاب أولً
نظامًا للذات الفاعلة، وهي ذات إجرائية تعتمدُ على مجموعة من الأفعال التي تُحدد الأنشطة الإدراكية
والإبستيمية. فالأفعال «عمل جماعي - تركيب لمجموعة واسعة من الدراسات-التأملات». تحيلُ على فعل مَعرفي تقومُ به ذات فاعِلة إجرائية بناء على أفعال إدراكية؛ فالصور التي يَستثمرُها
المتلفظُ في استه لاا الخطاب، تدلُّ على فعل إبستيمي، تُجسِّده أفعال معرفية مثل الفَحص
والتمْحيص والمقارَنة. تُفضي هذه الأفعال إلى إصدار حُكم حول هذا الكِيان الجغرافي والتاريخي
والثقافي (المغرب) خلال مقطع زمني مُحدد. بناء على هذه الخصائص الإبستيمية، نعدّ المتنَ خطابًا معرفيًا لأنه يُحقِّق الانتقال من حالة اللا-معرفة
إلى المعرفة، لذلك يُمكنُ أن ننظر إلى كتاب المغرب الممكنبوصفه خطابًا مَعرِفيًا اجتماعيًا؛ لأنه
5) (المرجع نفسه، ص.7 6) (إدريس الخضراوي، «السرد موضوعًا للدراسات الثقافية»، تبين، المجلد 2، العدد 7 (2014)، ص.109
(7) Marc Angenton, «Social discourse analysis: Outline of a research project,» The Yale Journal of Criticism , vol. 17, no. 2 (Fall 2004), p. 2.
8) (المغرب الممكن، ص 3. 9) (المرجع نفسه، ص 7.
(10) Greimas & Landowski, p. 5.
ينصبُّ على حالة المغرب بصفته إطارًا تُسيِّجُه حدود زمانية ومكانية، كما يقومُ الخطاب على فاعلية
التأويل وإصدار حُكم جزائي بخصوص هذه الوضعية السوسيوثقافية.
زمنية الخطاب
يَرتهنُ زمن الملفوظ في الخطاب إلى مجموعة من المُعَيِّنات تحدد الزمنية التي تتأطر داخلها الأفعال الأساسية:
«يعد هذا التقرير حول 50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب، وآفاق سنة »2025. «الأشواط المقطوعة من 9551 إلى »2005. تُشكل هذه المُعَيِّنات الزمنية سياقًا اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا: فالمعيِّنُ الزمني 955 1، يحيلُ على تاريخ الاستق لاا السياسي، أي انفصال المغرب عن الفاعل
السياسي الذي يُجسده المُستعمِر والانخراط في سيرورة زمنية جديدة هي الاستقلال. أما المُعيِّنُ الزمني 2005، فيحيلُ على اكتمال 50 سنة بعد فعْلِ الاستقلال والانفصال عن الآخر، كما
يمثل مؤشرًا زمنيًا يدلُّ على زمنِ تحرير هذا التقرير. يتأطر المُعيِّنُ الزمني 2025، ضمن الزمن المُستقبلي، وهو يُحيل على مقطع زمني يمتد على.20 سنة تُشكِّل هذه المُعيِّنات، إذًا، مراجعَ لتحديد زمنية الخطاب:
يمتدُّ الخطاب على زمنية 50 سنة، وهي تؤسس لزمنية تقترنُ بالمغرب، حيث تجعلُ الخطابَ يرتبط
بكينونة المغرب في عهد الحماية، والمغرب الراهن، والمغرب المُمكن. يحيل عنوان خطاب التقرير، أيضًا، على المغرب الراهن وما بعدَه، ولا شك في أن هذين المفصلين الزمنيين يرتبطان كرونولوجيًا بزمن سياسي وثقافي واجتماعي. إنه سياق الخطاب الذي ننظر إليه
بوصفه الموضوعَ العام الذي تُؤسَّس حوله الإرسالية ويحيلُ عليه المتلفظ. تنطوي هذه الزمنية التي
تمتدُّ على مقطع زمني ومفاصلَ زمنية على معنى التحوُّل وعلى «صيرورة التحول »؛ ذلك أن زمنية
(11) Greimas & Courtes, p. 320.
12) (المغرب الممكن، ص 5. 13) (المرجع نفسه. 14) (هي المعاهدة التي فرضت على المغرب في 30 آذار/ مارس 9121 بعد توقيعها من طرف السلطان المولى عبد الحفيظ،
وامتدت إلى حين حصول المغرب على الاستقلال سنة.1956
(15) Theresa Catalano, «Barack Obama: A Semiotic Analysis of his Philadelphia Speech,» Papers in Communication Studies , Paper 16, 2011, accessed on 7/2/2017, at: http://digitalcommons.unl.edu/commstudiespapers/16
16) (على المستوى السردي السطحي، يعد التحول عملية انفصال أو اتصال بين ذات وموضوع -قيمة. ومن هنا، يمكن أن يعد
الخطاب السردي مسارًا يمكن أن ينتقل بنا من حالة أولية إلى حالة نهائية؛ (جبر) من التحولات هو الذي يسمح باستيضاح هذا
المسار. من هذا المنظور، يظهر الخطاب بصفته متوالية من التحولات. انظر:
Greimas & Courtes, p. 401.
المغرب الراهن يمكن أن تُحدَّدَ بصفتها مفصلً زمنيًا من خلال مجموعة «أفعال» ترسم ملامح كينونة
على مستوى الفِعل السياسي والاجتماعي والثقافي. غير أن هذه الزمنية تُمثل أيضًا مرحلة يُمكنُ عبرها
التحولُ إلى مفصل زمني: المغرب الممكن، بمعنى أن المغربَ بصفته فضاء للفِعل المُمكن يتحددُ
بناء على أفعال المغرب الراهن. ما هي، إذًا، المُحدِّدات الفِعلية لمرحلة المغرب الراهن التي تَستشرفُ المغرب الممكن؟
بنية العوامل في الخطاب: بناء صورة المغرب
يُحيل عنوانُ خطاب التقرير (المغرب الممكن)، على اسم علم، وهو صورة طبوغرافية، بشرية وثقافية،
غير أنها تأخذُ في التشَكُّل بناء على اكتساب مِمااح وسمات من خ لاا ما يُقدمهُ لها الخِطاب من
صُور. ينتهجُ المتلفظ إستراتيجية خطابية تراكُمية، حيث يحدد المغرب صورة رئيسة، ويعمل على
تخصيصها بمراكمة وحدات معجمية، تصف هذا العامل الجماعي من حيث كينونته وفعله وسيرورته الزمنية والأنثروبولوجية، وتسعف المقومات المُستنتجة في بناء صورة العامل الجماعي. «الدولة
الوطنية تجذرت داخل حدود معينة». يحيلُ الملفوظ على العامل بصيغة الجَمع، إذ يَتحدثُ عنه بصفته «عاملً جماعيًا » (الدولة الوطنية)،
ولا يُخصِّصه من خلال أفراد، سواء منهم الذين ارتبطوا بحقل السلطة كيفما كانت المواقعُ التركيبية التي
يَشغَلونها مثل الفاعلين الأساسيين (السلطة الحاكمة) أو المُساهِمين (المعارضة) في مجال السلطة. على مستوى الملفوظ، ن حظ أن الفعل «تجذر» يدلُّ على قِدم هذا العامل مُمثً في الدولة
الوطنية، وعلى مقوم الوحدة الذي يَجمع بين مُكونات هذا العامل الجماعي. لذلك، ترسخ هذه
المقومات مقولة دلالية قائمة على التضاد هي الوحدة/ الانقسام، وتجعل الوحدةَ هي الخاصية
الإيجابية في الزمنية الراهنة. تُشكِّل هذه المقومات الدلالية خاصية أساسية في الخطاب، إذ يُولي
الكيانَ الأهمية، وليس أفرادًا كيفما كانت مواقِعهم داخل حقل السلطة. كما أن تأكيد المُقوم
«الوحدة»، يحملُ دلالة سياسية، إذ يُلغي كلَّ ع ئااق التفكيك والتشَرذم داخل عناصر هذا المُكون
الجماعي. «قدرة المغرب على صون تعدديته [...] من خ لاا التساكن الأزلي لمكوناته المتباينة ومتعددة الأصول». يحيلُ الملفوظ من خ لاا الوحدات التي يتضمنها «مكوناته المتباينة»، «متعددة الأصول»، على أن العامل الجماعي يتشكل من ذوات متعددة، تختلف في أصولها، بمعنى أنه يُذكر بالمكونات التي
17) (المغرب الممكن، ص 23. 18) (حددت السيميائيات السردية في نموذجها النظري العامل في البداية بصفته فاعلً ينجز فعلً، غير أن اهتمامها بخطابات معرفية
مثل الخطاب السياسي أو خطاب الشركات سيجعلها تقترح مفهوم العامل الجماعي الذي يعد تركيبًا لأفراد ينجزون فعلً تركيبيًا. انظر:
A. J. Greimas, Sémiotique et sciences sociales (Paris: Seuil, 1976), p. 98.
19) (المغرب الممكن، ص 23.
(20) Ibid., p. 100.
تجد لها تجسيدًا في السياق السوسيوثقافي وفي الوثيقة الدستورية؛ المكون العربي، والأمازيغي،
والعبري، والحسّاني. لذلك، يتميّز المغرب - بصفته عامً جماعيًا - بأنه عامل أنثروبولوجي؛ لأنه
يجمع مكونات إثنية وثقافية مختلفة. لذلك، ينتقل خطابيًا من صورة طبوغرافية، جغرافية إلى «صورة
بشرية وثقافية ». إذا كان الملفوظ يشير أولً إلى صِيغَة «تكَوُّن » العامِل الجماعي، فإنه يُحدِّد أيضًا صِيغة «الوجود
السيميوطيقي » لهذا العامل، أي جملة الخصائص التي تُشَكِّلُ سُمكَه الدلالي، فالوحدات المعجمية
«التساكن الأزلي»، تدل على التعايُش بين المكونات المختلفة لهذا العامل من حيث القِيم. نلُاحِظ أن
مُقَوم «التعايش»، يَنسجِم مع المُقوم الأول «الوحدة»، إذ يُبرز الخطابُ المغربَ بِصفته عاملً مُحدَّدًا
من خِلال مقولة: الوحدة/ الانقسام، والتعدد/ أحادية الصوت. «موقعه كملتقى جغرافي، وانتماؤه إلى العالم المتوسطي وعمقه المتجذر في كل من الصحراء وأفريقيا وحساسيته المشرقية وارتباطه بما وراء المحيط الأطلسي». تُحيلُ الوحدات التي يَتكوَّن منها الملفوظ «ملتقى جغرافي»، على هوية جغرافية للمغرب، تتميز بالتنوع
والتوسع. لذلك، تسم هذه الوحدات العامل الأنثُروبولوجي بالغنى والتعدد الذي تُجسِّده خاصية
التنوع، كما أن الطبونيمات الجغرافية التي يَستثمرُها الخطاب: «العالم المتوسطي»، «الصحراء»،
تُحيلُ على انفتاح المغرب على عوالم جغرافية تتَميَّز بِبُعد تاريخي وثقافي واجتماعي. لذلك، فإن
الآثار الدلالية التي تُحيلُ عليها هذه الوحدات المعجمية، تُشيِّدُ مقومَ الانفتاح والتواصُل في مُقابِل
الانغِلاق، والغِنى الحضاري في مُقابل الفقر الثقافي: الانفتاح/ التواصل/ الانغلاق.»إن الهوية المغربية
قد تشكلت كذلك بواسطة الكفاح من أجل الاستقلال [...] والقضاء على الاستعمار». إن الوحدات المعجمية التي تميز هذا الملفوظ «الكفاح، الاستقلال، الاستعمار»، تحيلُ على علاقة
التعارض والمُواجهة بين العامل الجماعي والفاعل السياسي «المستعمِر»، الذي كان يهدفُ إلى
إفشال فعل المقاومة. غير أن هذه العلاقة ستنتهي بفشل المُستعمر ونجاح العامل الجماعي في تحقيق
الاستقلال وتكريس نظام الوحدة بالنسبة إلى المكونات المتعددة داخل الكيان نفسه. يتضح أن العامل الجماعي هو الذي يتمحورُ حوله خطاب التقرير، وأنه يتسمُ من خلال الملفوظات
بمجموعة من المُقومات، فالمغرب يتمظهر أولً بصفته صورة طبوغرافية، غير أن الخطاب يُراكم
مجموعة من السمات تحددُ له ملامح صورة دلالية، فالمغرب عامل أنثروبولوجي يقومُ على وحدة
الدولة الوطنية ويتسمُ بسِمات الوحدة والتعدد والغنى.
21) (ورد في التصدير من الدستور: «المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة ت حاام وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية –الإس مااية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية»، انظر: «دستور فاتح يوليو.»2011 22) (المغرب الممكن، ص 23. 23) (المرجع نفسه.
البعد الدلالي للعامل الجماعي
نلُاحِظ أن الخطاب يُحدِّد الخصائصَ العامة للصورة الطبوغرافية، ويعمل بعد ذلك على تخصيصها
من خلال مجموعة سمات:
أ- مقولة: التقليد/ الحداثة
يصف المتلفظ العامل الجماعي: «ما يزال مُتردِّدًا إزاء الحداثة»، يشيرُ الملفوظ إلى أن العامل
الجماعي لم يَستبطن قواعد الحداثة وأن سلوكَه تجاه هذا المنظور من القيم يطبعُه الترددُ. لذلك، يتحددُ
على مستوى القيم من خ لاا مقولة «اثنانية» هي التقليد/ الحداثة؛ إذ يتجهُ مسارُ الفعل الاجتماعي
والثقافي نحو التقليد أكثر منه نحو الحداثة. يصف المتلفظ أيضًا البعد الاجتماعي للعامل: «تبرز الدراسات النادرة التي خصت الشباب على وجه الخصوص عزوفه المقلق عن السياسة». يحيل الملفوظ على خاصية تسمُ أحد مكونات هذا العامل الجماعي؛ هو الشباب، إذ تُشير الوحدة
المعجمية «العزوف» إلى مقوم ابتعاد الشباب عن الانخراط في الفعل السياسي.ِ
ب- بلاغة التعابير
يصف المتلفظ التعابير المستثمرة في حقل التعابير الاجتماعية والسياسية. «بحكم تداخل الدين مع كل من الاجتماعي والثقافي والسياسي، فإن المجتمع المغربي أنتج على الدوام العديد من التعابير التي تخص الشأن الديني في احترام تام للوحدة الثقافية والسياسية». تُبين الوحدة المعجمية «العديد من التعابير» تعددَ أشكال التعامل مع ظاهرة الدين، ذلك أن الخطاب
يُشخِّص هذه التمظهرات من خ لاا وحدات؛ سوق المنتجات الدينية (كتب، أشرطة صوتية، مواقع
إلكترونية، إعلام تلفزي)، غير أن الملفوظ يجعل هذا التعدُّد يُنجَز في سياق احترام «الوحدة الثقافية
والسياسية»، بمعنى أن الملفوظ يُحيل على مقولة «اثنانية» هي التعدد (التعابير الدينية)/ الوحدة
(الثقافية والسياسية)، أي التعدد على مستوى المنظومة الدينية في سياق الوحدة.
ج- العامل الاجتماعي والفاعل السياسي
يحدد الخطاب ع قااة العامل الاجتماعي بالفاعل السياسي: «حصل المغرب على استقلاله بفضل العزم الحاسم للملك والشعب والحركة الوطنية، وما كان بين هاته المكونات من التحام وانسجام». يُحيل الملفوظ على انتصار العامل الجماعي في ع قااته بالمستعمر، يعد هذا الفعل الذي يرسخ،
دلاليًا، تشاكلَ الاستق لاا نتيجة لارتباطِ الذوات السياسية (السلطة، الشعب، الحركة الوطنية).
24) (المرجع نفسه، ص 35. 25) (المرجع نفسه، ص.14 26) (المرجع نفسه، ص 42. 27) (المرجع نفسه، ص 63. 28) (حدد كريماس مفهوم التشاكل لدراسة مسألة الانسجام في الخطاب. يقول: «نعني بالتشاكل عامة شبكة من المقولات -الدلالية الحشوية، المحايثة لخطاب معين»، انظر:
A. J. Greimas, Du sens (Paris: Seuil, 1970), p. 10.
لذلك، تحيل مقومات هذا الملفوظ على تَشاكُل «التعاقد » بين مكونات الفعل السياسي والتوافُق على صيغة لتحقيق الاستقلال. يَكتسي تشاكلُ «التعاقُد»، أهمية وظيفية على مستوى الخطاب السياسي؛ تكمنُ وظيفتُه في الدلالة
على وجود تعاقد بين الفاعلين على طبيعة الفعل السياسي المتمثل أولً في الاستق لاا، وثانيًا في
التعاقد حول صيغة الحكم وممارسة السلطة بعد الاستقلال؛ لأن هذه الأطراف تُدِير الفعل السياسي.
د- مؤسسة السلطة / ثنائية المعارضة والعنف
يشير الخطاب إلى أنه في مواجهة التَّعاقد، تَشكلت بعض الذوات التي تقوم بِفعل مضاد، يتجسد من خلال الملفوظات الآتية: -« معارضة النظام - معارضة مطبوعة ببعض أعمال العنف». تحيلُ هذه الوحدات على أفعال موسومة بالعنف، وهي أفعال يُنجزها «عامل مُضاد » للتوافق الذي
يجمع بين الفاعِلين السياسيين (السلطة، والشعب، والحركة الوطنية)، ويتم التعبير عنه خطابيًا
بالمعارضة. يَرمي فعلُ المعارضة إلى تكسير بنية التوافق بين العوامل. لذلك، يشير هذا الفعل إلى
أن بناء «الثقة »بين العوامل أصبح يتميز - بحسب نظرية الكوارث الرياضية – السيميائية ب «كارثة التشعب » التي تتعدد فيها المسارات والحالات، وهي تغاير الحالة السابقة الموسومة بالاستقرار بين العوامل. لذلك؛ لم يعد الخطاب السياسي قائمًا على التَّوافق والاستقرار، ولكنه أصبح مُتميزًا
بأزمة «الثقة » بين الذوات السياسية الفاعلة خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، وهي تهدد استقرار النسق السياسي. غير أن الخطاب يحيل على إمكان المحافظة على استقرار المواقع. «بالرغم من هذه الأحداث المؤسفة [...] فإن هذا الأخير ودولته المستقلة الفتية، قد عرفا كيف يحافظان على التماسك الوطني». يتحول الخطاب من حالات متغايرة، فمن «التعاقد » إلى أزمة بناء
«الثقة» إلى «الاستقرار»، ذلك أن فعل المعارضة يُشيِّدُ بنْية «جَدلية» على مستوى الخطاب من خلال
فِعل المعارضة/ السلطة. غير أن هذا الفعل لا يُهدِّد صرح التوافُق، لذلك فإن الخطاب يحيلُ على
29) (المغرب الممكن، ص 65.
(30) Denis Bertrand, «Confiance politique et fiducie,» Métiers de la sémiotique (Limoges: Pulim, 1999), p. 48.
31) (حددت نظرية « الكوارث الرياضية » نمطين من الكوارث، كوارث المواجهة وكوارث التشعب. تَحدُث كوارث المواجهة حين
وجود عنصرين غير مُتَحللين (م 1، م 2) على نفس المستوى بوظيفة كامنة (ف). تستقرُ هذه الوضعية بصيغتين: إما أن يهيمن م 1 على
م 2 أو العكس. وتُصورِن كارثة المواجهة على مستوى التركيب العاملي الذي يُحدِّد العلائق بين الذوات الفاعلة علاقة المواجهة بين
عاملين عا/1 عا 2، وبين برنامجين، يُحاول فيهما كل واحد الاستحواذَ على موضوع ثمين، ويمثلُ هنا في مجال التحليل السلطة
السياسية التي تعدُّ مجالا للتنازُع. تَحدثُ، على العكس من ذلك، كارثة التشعب، حينما يَنصهِر عنصر (م) في حده الأدنى لوظيفة كامنة (ف)، مع عُنصر في حده
الأقصى، ثم يندثر أو يَتحلَّل. تؤول كارثةَ التشعب طبولوجيا بصفتها علاقة بين الحضور والغياب لموقع، وتُمثِّلُ على مستوى التحليل
غيابَ فاعل سياسي معين أو حضوره، علمًا أن حضورَ موقع المعارضة والمكون العسكري، يُحيلُ ضمنيًا على غياب السلطة. انظر:
A.J. Greimas & J. Courtes, Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage , Tome 2 (Paris: Hachette, 1986), pp. 29, 51.
32) (المغرب الممكن، ص 65.
استمرار هذا التعاقد. إن الوحدات الخطابية: «التماسك الوطني» تحيلُ على مقومات «الترابط بين الأجزاء»، إذ ترمي هذه المقومات إلى ترسيخ تَشاكُل الوحدة والتوافق بين مكونات العامل الجماعي.
آليات الإقناع في خطاب «المغرب الممكن»
يُحاول الخطاب انط قااًا من أنه يتوجه إلى متلق، يقدم له مجموعة تشاكلات دلالية تُكَوِّن أطروحة
سياسية حول المغرب داخل تمفصلات زمنية تمتد من الخمسينيات إلى الحاضر ثم إلى المستقبل، أن يُشيِّدَ على مستوى تمفصلاته «أثرًا للحقيقة »، يجعلُ منه خطابًا يَتسم ب «الموضوعية » وذلك
لإقناع المتلقي بالأطروحة التي تتخذُ مظاهر متعددة تُحدِّدها التشاكلاتُ الدلالية المختلفة: الوحدة/
التجزيء، التوافق/ الاختلاف، لكي يكون الخطابُ فاعلً على المستوى التداولي، أي المستوى الذي
يتمُّ فيه الإنتاج والتلقي. يستندُ الخطاب لتحقيق هذا الأثر إلى إستراتيجية خطابية تجعل المتلقي
يؤولُ الخطاب على أساس أنه خطاب «موضوعي» و«حقيقي»، وكل ما يقدمه من أحكام وتأويلات يتلونُ بهذه السمات؛ لأنها هي التي تبرز «فعالية» الخطاب ونجاعته الإقناعية. لذلك فإن هذه الآليات الخطابية تمثل «مظاهر الاستدلال » في الخطاب من أجل تشييد نظير «الموضوعية».
1 - التلفُّظ
يَستند المتلفظ في الخطاب إلى ترهين خطابي خال من كل سمات التذويت، إذ يمثلُ السردُ غيرِ
المباشر خاصية أساسية في كل مقاطع وتمفصلُات الخطاب. ويرمي هذا الاختيارُ الخطابي إلى إقناع
المتلقي بأن الأطروحة التي يُشَيدُها الخطاب تتميز بالموضوعية، بحيث لا تصدُر عن السلطة العمومية
بصفتها ترهينًا تلفظيًا. تعدُ هذه الإستراتيجية السبيلَ الأمثل لتحقيق مقصدية أعم هي اعتقاد المتلقي
«موضوعية» الخطاب، ومن ثمّ اعتقاد التصورات التي يَطرحها حول حالة المغرب.
2 - الخطاب التقريري
يَرتكز الخطاب على مجموعةٍ من الملفوظات التقريرية التي تُشيدُ سمة «الموضوعية» على مستوى
الخطاب: «نقاشات عميقة اتسمت بتنوع المقاربات التي كانت ميزاتها المشتركة الالتزام بالدقة العلمية والصرامة الثقافية، دون محاباة». يَستثمرُ المتلفظُ وحدات معجمية ذات دلالة إبستيمية ومعرفية لوصف الفعل المعرفي مثل «نقاشات
عميقة، المقاربات، الالتزام بالدقة العلمية»، ليَدلَّ على أن الطابع الأكاديمي والعلمي هو الذي يُميِّز
الخطاب المعرفي الذي يَتناول حالة المغرب خلال 50 سنة من الاستقلال، بإنجازاتها في مجال التنمية
البشرية. ويرمي خطاب «الموضوعية» إلى الإقناع بعناصر التشخيص والتقويم. كما أن الوحدات المعجمية «بدون محاباة»، تحيل دلاليًا على التزام الحياد الأكاديمي والصرامة في التشخيص والحُكم.
(33) Greimas & Courtes (1979), p. 417.
34) (محمد همام، «العنف اللغوي في الخطاب السياسي المغربي»، تبين، المجلد 4، العدد 15 (2016)، ص.93 35) (المغرب الممكن، ص 8.
تدلُّ هذه الوحدات على مقومات دلالية مثل المصداقية، الموضوعية والتعدد. تُؤسِّسُ هذه المقومات
على مستوى الخطاب تشاكلً دلاليًا هو تشاكُل الموضوعية. إن التشاكلات الدلالية التي نتجت من التراكم القسري لمجموعة من الوحدات المعجمية تحددُ
خطابَ الموضوعية الذي يَهدفُ إلى إقناع المُتلقي بموضوعية الخطاب لذي يُنتجه، وهي التوافق
والوحدة والتعدد والعراقة والانسجام، الانغلاق/ التواصل والخصائص السوسيوثقافية التي تميِّز حالة
المغرب خلال خمسين سنة من الاستقلال. تعود إستراتيجية الخطاب الكامنة في ترسيخ هذا التشاكل الدلالي إلى كون أن الذي يَقوم بالتسخِير
في الخطاب، أي إنتاج الخطاب واستحضَار المُتلقي وإقناعه والتأثير فيه، هو السلطة السياسية، لذلك
فإن الترهين المنتج للخطاب يَنفي عنه صفات «الخطاب الرسمي «الذي يُقدمُ تقويمًا للفعل السياسي
خلال مرحلة، ويُشَيد بينه وبين الخطاب مسافة قوامُها الموضوعية والمصداقية في الرُؤية والتناول.
منظومة القيم في الخطاب
يولي المتلفظُ أهمية لتحديد «موضوع – القيمة» على مستوى الخطاب، وهو الذي يكونُ «محورَ
رغبات » الفاعلين في أي خطاب لأنه هو الذي يفسر كينونتهم السيميوطيقية وأفعالهم من أجل التحول إلى حالات إيجابية والحصول على قيم تكون ثمينة وذات قيمة. «وهذا ما يجد تفسيره في الأهمية التي أعطيت لإرادة فتح وإغناء نقاش خصب». يُحيلُ المتلفِّظ على «موضوع – القيمة» الذي يؤسِّسُه الخطاب، وهو المساهمة في «النقاش العام»، أي
النقاش داخل الفضاء العمومي والحقل السياسي بصفته فضاءً يَجمع بين كل المُكونات التي تشكل
هذا الفضاء. يحدِّد المتلفظ «موضوع – القيمة»، غير أنه ينتهج إستراتيجية تجعل المقطع الخطابي الذي يقترن بالموضوع يشمل مجموعة وحدات تصويرية تبرز ذخيرة القيم التي يتكون منها الموضوع، ذلك أن الوحدات «معطيات ذات مصداقية، الالتزام بالموضوعية، تعددية الأفكار والحساسيات»، تشير إلى أن النقاش سيتسم ببُعد دلالي، مقوماته هي المصداقية، وتعددية الأفكار والحساسيات.
لذلك، يحيل الخطاب من خلال هذه القيم على أن الخطاب المعرفي يحتضنُ تعدديةَ الترهينات التي
تُحقق على مستوى «منظومة-القيم» التعدد السياسي والسوسيوثقافي. تشير هذه المقومات إلى أن الخطاب المعرفي لا يستندُ في إنجاز النقاش العام داخل الفضاء العمومي
إلى مقاربة يؤطرها ترهينٌ خطابي واحد، ولكن يُعَدُّ الخطاب نتيجةً لمساهمة ترهينات مُتعددة تُترجِمُها
أصوات سياسية وثقافية متعددة؛ السلطة، ومُكونات المجموعة العلمية، والخطاب السياسي السائد داخل
36) (حينما يحدد الخطاب تشاكلً دلاليًّا بصفته إطارًا عامًّا، يعملُ على تخصيصه من خلال التراكم القسري للوحدات التي تولد
المقومات الدلالية نفسها وترسخ الانسجام الدلالي. انظر:
A. J. Greimas, Du sens II (Paris: Seuil, 1970), p. 59.
37) (التسخير هو عملية التأثير من أجل إقناع ذات فاعلة بإنجاز فعل. نجد في معجم السيميوطيقا هذا التحديد: «يتخصص التسخير
بصفته فعلً للإنسان حول إنسان آخر، يرمي إلى جعله ينجز برنامجًا معينًا»، انظر:
Greimas & Courtes (1979), p. 220.
38) (المغرب الممكن، ص 8.
الفضاء العمومي (الأحزاب السياسية). لذلك، فإن مقومَ «المشاركة» يُضفي أثرَ الموضوعية على الأطروحة
التي يرمي الخطاب إلى تحقيقها، وهي فتحُ النقاشِ داخلَ الفضاء العمومي. ويعدُّ مقومُ «المشاركة» رئيسًا
على مستوى الخطاب المعرفي في تقرير الخمسينية؛ لأنه يجد مرجعية له في تصدير النص الدستوري، بحيث يظلُّ هذا العنصر حاسمًا في تشييد « الثقة» بين السلطة السياسية والفاعل المدني.
سيناريوهات الخطاب المعرفي
سنحاول استنادًا إلى عناصر التحليل السابقة (التشاك ت الدلالية والتركيب العاملي الذي يُحدد
العلاقة بين الذوات الفاعلة) أن نحللَ سيناريوهات الخطاب المعرفي، ذلك أن الخطاب سَيتطورُ وفق
سيناريوهات منها سيناريو التوسع الذي يناقضُه سيناريو الصعود والتوتر، غير أنه سيميلُ في النهاية إلى ترسيخ سيناريو التهدئة.
1 - المحسوس والمعقول
سنقوم بتحليل سيناريوهات الخطاب في ضوء مفاهيم الاقتراحات النظرية «للسيميائيات التوترية» كما اقترحها جاك فونتني في كثير من الدراسات. إن إدراكَ شيء ما حسب جاك فونتني (صورة من صور العالم الطبيعي أو مفهوم أو شعور عاطفي
ما) قبلَ التعَرُّف إلى انتمائه لعالَِم من العوالم، يدلُّ على إدراكِنوعٍ من الحُضور، أي أنه إدراكٌ أولي.
والحضورُ هو حين يحتلُّ شيءٌ ما موقعًا له علاقة نسبية بموقعِنا الخاص، وله امتدادٌ، ويؤثرُ فينا بكثافة
مُعينة. يُمثل الحضور صفةً محسوسةً. ولذلك يعد تمفصلا سيميائيًا أوليًا للإدراك. أما التأثير أو الكثافة التي تُحدِّدُ علاقَتنا بالعالم، فهيَ القصد. أما الموقعُ والامتدادُ، فإنها عناصر تمثل
حدود مجال الملاءمة، أي القبض، القبضُ على المعنى.
2 - البنية التوترية
يُوجهُ جاك فونتني في سياق تقديمِه لمفهوم البنيةِ التوترية، نقدًا للبنية الأولية للدلالة كما صاغها
كريماس. يعدّ الجمعَ بين التقابلُات المختلفة (التضاد/التناقض) من أجل تشييد خُطاطة مُتماسكة،
يُفضي إلى تقديم الخطاطة بصفتها كُلًّ مُنجزًا بصيغة نهائية، وهو ما يُفقِدها كلَّ إمكان على الانفتاح
على التلفُّظ بصيغتهِالحيَّة والدينامية، بمعنى أن الخطاطة لا تظلُّ مرتبطة بأية علاقة مع الإدراكِأو
مع المقاربةِ المَحسوسة للظواهر.
39) (نجد فيتصدير دستور المملكة المغربية لسنة 2011 (يُشكل هذا التصدير جزءًا لا يتجزأ من هذا الدستور): «إن المملكة
المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة». 40) (هي البنية التي شيدت السيميائيات السردية عل أساسها نموذج المسار التوليدي، ويَقتضي تشكُّلها تَوفُّرَ عنصرين: س/1 س 2،
توجد بينهما علاقة تضاد. كما تُعد هذه البنية الأولية للدلالة أساس المربع السيميائي الذي يسعف نظريًا في استيضاح شكل تمظهر
الدلالة في تمفصلها الاختلافي، انظر:
A. J. GREIMAS, Sémantique structurale (Paris: Larousse, 1966), p. 18. (41) Jacques Fontanille, Sémiotique du discours (Limoges, PULIM, 1998), p. 64.
هناك خاصية أخرى، وهي أن الخ طابات تُفاجِئنا باستمرار بأشكالها المزدوجة وبصورها المختلطة؛ِ
فهي أشكالٌ مُركبة ومتداخلة. لذلك، فإن الانط قَ كما يتمُ عادة من الأشكال البسيطة في اتجاه
الأشكال المُركبة، يجبُ أن يُسْتكملَ بِمقاربة أخرى تَسمحُ لنا باستيعاب الأشياء كما تتَحقَّق على
مستوى الخطابات، أي بصفتها «أشكالً مركبة». لذلك، يستوجب تشييدُ بنية أولية، بعض الشروط؛
فالنموذج المقترحُ يجِب أن يُفضِي إلى نسقٍ من القِيم، كما يجبُ أن يأخذ النموذجُ في الاعتبار تَعددَ
الأساليب الخاضِعة للمَقولة.
3 - أبعاد المحسوس
يعدّ فونتني أي موضوع (كيفما كانت طبيعته)، بالنسبة إلى ذات الخطاب، أولً وقبل كل شيء،
حضورًا محسوسًا. يتمُّ التعبيرُ عن هذا الحضور من خ لاا عُنصري الكثافة والامتداد، ذلك أن كلَ
موضوع يتسمُ بصفة الحضور المحسوس يجمعُ بين خاصيتين: درجة معينة من الكثافة، وموقع معين
أو خاصية ما داخل الامتداد.ِ
سيناريوهات الخطاب
يهدفُ تشييدُ الخُطاطات والنماذج إلى تَحقيق التَّرابُط بين المَحسوس والمَعقول، أي بين المُستوى
الأول للإدراكِالمُقترِن بالكثافة والتأثيرِ والمستوى الثاني المُقترِن بالانتشارِ داخلَ الامتدادِ والفهمِ. تُعدُّ الخُطاطات التركيبيةُ مثل «مُتغَيرات تَوازن» بين هذين البُعدين؛ المحسوس والمعقول. تؤدي هذه المُتغيرات إلى سَبيلين: إما إلى تَنميَّةِ التَّوتُّر، وإما إلى انبِساطٍ إدْراكِي. تقترح السيميائيات التوترية في هذا السياق أربعة سيناريوهات؛ إذ يحدد وَصْف الخطاطات الخطابية
ب «مُتغيرات توازن»؛ بأنها حركات مُوجَّهة نحو التوتر أو نحو الانبساط. وتقترنُ هذه الحركات بنُمو
الكثافة أو بانخفاضِها، وبانتشار الامتداد أو تقلصِه. وقد اقترحت في سياق هذا التصورِ أربعةَ أنماط من الحركة يمكن أن نستثمرها في تحليل الخطاب.
1 - سيناريو التوسُّع
يتميزُ هذا السيناريو بالتدَرج؛ إذ ينطلقُ من مستوى أدنى من الكثافة إلى مستوى نقطة أقصى من
الكثافة، وأيضًا، إلى مُستوى واسعٍ من الامْتداد. يشبهُ هذا السيناريو البناءَ الموسيقي في السمفونيات؛
إذ تتدرجُ الموسيقى من النَّغمةِ التي تكادُ تُسْمع إلى الصَّوت القوي. سنبرز، تحليليًا، كيف يتحقق هذا
السيناريو على مستوى الخطاب من خلال التشاكلات الدلالية المستنتجة.
(42) Ibid., p. 64. (43) Ibid., p. 65. (44) Ibid., p. 103. (45) Ibid.
لاحظنا من خلال تَحليل التشاكلُات الدلالية أن الخطاب يَتميز في بداية تكَوُّنه بحالة الاستقرار التي
تُجسدها المقوماتُ الدلالية؛ الوحدة/ الانسجام/ الاستقرار؛ إذ تُؤسسُ هذه القيم لموقع طبولوجي
على مستوى الخطاب؛ هو الاستقرار. تتحقق الحالة الأولى التي تُميز الخطاب بناء على تراكم جُملة
من المقومات: «الدولة الوطنية [...] بقيت رغم تغيراتها واضحة المعالم قبل الفترة الاستعمارية». تحيلُ صور الملفوظ «واضحة المعالم» على أن الذات الجماعية التي يُبئِّرها الخطابُ ظلت متميزة
بمقوم «وضوح السمات الجغرافية للدولة الوطنية»، ويدلُّ هذا المقوم على أهمية استمرارِ وضوحِ الحدود الجغرافية بالنسبة إلى العامل الجماعي، ذلك أن الوحدة الجغرافية لم تتعرض للتفكيك والتجزيء»الشعور بالانتماء الوطني، التساكن الأزلي». تحيلُ هذه الصور (الانتماء الوطني) على ارتباط الفواعل التي يَتكوَّنُ منها العاملُ الجماعي بالوطن،
بصفته عاملا جماعيًا، يشملُ كلَّ المُكوِّنات الفرعية الجزئية، ويَرْمي هذا المُقومُ إلى التأكيد الاعتزاز
الذي يُوجد لدى الأفراد بالوطن. على مستوى منظومة القيم، تُحايثُ هذا الاعتزازَ قيمٌ سوسيوثقافية
مثل الوطنية والتشَبت بالوحدة. أما صورُ»التساكن الأزلي»، فتحيلُ أولً على القدرة على التعَايُش بين ذَوات مختلفة. لذلك فإن
الصورة تُرسِّخُ مقولةَ الوحدة التي تنطوي ضِمنيًا على التَّعدد، لأنها وحدة ضامنة لذوات متعددة. كما
أن الصورة «الأزلي» تؤشرُ على مُقوم زمني، وتؤكد الاستمرارية داخل الزمن لِمقوم «الوحدة».ِ يمكن آثارَ المعنى المُختلفة التي تحيلُ عليها الصور أن تُخْتزلَ إلى مقولة دلالية؛ الوحدة/ التعدد، وهي
مقولة تَسمُ النظام السيميائي للعامل الجماعي، من حيث الوحدة عبر تشكُّله التاريخي، على الرغم
من تعدد المُكَونات البنائية؛ الوحدة الجغرافية والوحدة البشرية. تُبرِزُ هذه المقومات على المستوى
السياسي أن الدولةَ الوطنيةَ تشكَّلت وظلت مُحافظة على الوحدة. فالهوية المغربية قد تشكلت كذلك
بواسطة الكفاح من أجل الاستقلال [...] ومن أجل استكمال القضاء على الاستعمار. إن الصور (الكفاح من أجل الاستق لاا، القضاء على الاستعمار) تُحيلُ على مُقومات الوحدة في
مواجهة الآخر؛ المستعمِر، من أجل تحقيق الاستقلال، كما تُبرِز أن الذات الفاعلة المضادة لم تستطع
أن تُحدِث شَرخًا في نظام الوحدة.»حصل المغرب على الاستق لاا بفضل العزم الحاسم للملك والشعب والحركة الوطنية، وما كان بين هاته المكونات من التحام وانسجام». نلاحظُ أن الملفوظ يشير إلى ثلاثة فواعل سياسية رئيسة في الخطاب؛ أعلى هرم السلطة (الملك)؛ والشعب (فاعل جماعي)، والحركة الوطنية (فاعل سياسي). ويُحددُ الع قااة بين هذه الفواعل من
46) (المغرب الممكن، ص 23. 47) (المرجع نفسه. 48) (المرجع نفسه، ص 25. 49) (المرجع نفسه، ص 63.
خ لاا صور وصفية (الالتحام، الانسجام)، وهي صور تُرسخُ مقوم «الترابط بدل الاخت ف». يحيل
مقومُ «الترابط السياقي» على دلالة سياسية؛ هي انسِجام مكونات الفعل السياسي بالمغرب غداة
الاستقلال وخُلو الفضاء السياسي العمومي من علائق التضاد. تُشيِّدُ المقومات الدلالية؛ «الوحدة/ التعدد»، «الوطنية»، «الوحدة»، «التعايش»، على مستوى الخطاب
سيناريو التوسع، ذلك أن كلَّ المُقوِّمات تُرسخُ مقولةً دلالية هي الاستقرار. يتميزُ هذا السيناريو بالتدرُّج،
إذ ينتقل من الكثافة إلى الامتداد، من المعنى المدرك إلى المعنى المُعَقلن متمفصِ على شكل
مقومات، يتجسدُ ذلك في المقومات الدلالية التي يُولِّدها الخطاب؛ إذ تبدأ بمقوم «وضوح السمات
الجغرافية»، وهو يشير إلى الكينونة الموحَّدة وغير المنفجرة. إنها الدلالة المتميزة «بالكثافة». ينتقل
الخطاب، بعدها، إلى الامتداد عبر مُقومات، مثل الوطنية، والتشَبُّث بالوحدة، والتعايش بين ذوات
مختلفة والاستمرارية داخل الزمن لمقوم الوحدة، وتُرسخ كلها مقولة دلالية عامة؛ «الوحدة/ التعدد».
إضافة إلى مقومات الترابط والانسجام بين مُكونات الفِعل السياسي (السلطة/ الحركة الوطنية). تُخصِّصُ هذه الدلالة، زمنيًا، تاريخَ المغرب غداة الاستقلال (955.)1 تُعد السيناريوهاتُ «متغيراتِ
توازن» كما يقول فونتني، ويمكن أن تؤدي إلى تنمية التوتُّر أو إلى الانبساط، لذلك يَحملُ سيناريو
التوسُّع على مستوى الخطاب دلالة سياسية رئيسة؛ مُفادُها أن الحقل السياسي المغربي غداة الاستقلال
وبصفته تَفاعلً بين ذوات السلطة، المجتمع، الرأي العام؛ يتميزُ بالاستقرار بين هذه المكونات، بمعنى أن العلاقة بين الحاكمين والمحكومين هي علاقة تَوازن.
2 - سيناريو الصعود
تمثلُ هذه الخطاطة سيناريو الصعود. ويتميزُ بتقلُّصِ الامتداد، وتقوية الكثافة وتوسعها. لذلك
يُفضِي إلى تَوتُّر نهَائي قوي. الكثافة خطاطة الصعود (القصد)
الامتداد (القبض)
(50) Ibid., p. 104.
إن تشكلَ السيناريو السابق على مستوى الخطاب لا يعد نهائيًا. ذلك أن المتلفظ يقدمُ صورًا جديدة
على مستوى الخطاب؛ تُبرز إمكانية حُدوث تصدُّع مغاير لسيناريو التوسُّع، وقد تجلى ذلك في تعاقُب
حالات وتحولات مُتسمة بالتنافر والتعارض، تُجسد ذلك الملفوظات الآتية: - «معارضة النظام». - «معارضة مطبوعة بأعمال العنف». - «الأحداث المؤلمة». تحيل صور الملفوظات (معارضة، أعمال العنف، الأحداث المؤلمة)، على ظهور علاقة «جدلية» بين الفواعل الأساسية في الخطاب؛ العامل السياسي (السلطة)، والعامل السياسي المضاد (المعارضة)، غير أن هذه العلاقة لا تتَّسمُ بالبُعد الجدلي وحسب، ولكن الأفعال التي ينهضُ عليها الملفوظ تتميز
بخاصية «العنف»؛ بمعنى أن العلاقة تعدّ قائمة على التنافر والمواجهة. تُشيدُ علاقة التنافر والمواجهة كارثة التشعب، أي تشعب السيناريوهات؛ إذ لم يعد سيناريو التوسُّع الوحيد على مستوى الخطاب.
يتضح ذلك من خلال التوارُد القسري للوحدات التي تُرسخ نفس التشاكل: - «صراعات عنيفة على النفوذ والسلطة». - «مرجعيات أيديولوجية ومصالح سياسية مطبوعة بالاختلاف والتباين». إن الصور (صراعات، الاختلاف، التباين)، تحيلُ على أن مسار العلاقة بين الفواعل؛ السلطة، المجتمع، السلطة المضادة (المعارضة) اتسمَ بالمواجهة؛ ما أدى إلى تشعُّب المسارات. يُفضي مقوم المواجهة
إلى تَشكُّل سيناريو «الصعود» على مستوى الخطاب، وهو يُفضي إلى التوتُّر القوي بين الذوات
المتعارضة؛ السلطة السياسية الحاكمة /المعارضة. يدُل سيناريو الصُّعود على أن الحقلَ السياسي
المغربي سيعرفُ بعد سيناريو الاستقرار، «حالة التشعب» القائمة على المُواجَهة، وسيفرز سيناريو
الصعود مسارين؛ مسار السلطة، مسار السلطة المضادة. غير أن الخطاب يُخصِّص هذا التشعب ولا يَجعله مرتبطًا بهذين المسارين وحسب، ولكنه يُدمج
صورًا تؤسسُ لذات فاعلة أخرى داخل حقل العلاقات السياسية التفاعلية: «وهكذا، فقد مر المغرب
بفترات من التشنج السياسي، وبأعمال أو محاولات عنيفة ضد النظام، وبمحاولتين انقلابيتين في سنتي 1971، »1972.
51) (المغرب الممكن، ص 65. 52) (المرجع نفسه. 53) (المرجع نفسه. 54) (المرجع نفسه، ص 64. 55) (المرجع نفسه. 56) (المرجع نفسه، ص 70.
تتميزُ كارثة التشعب بظهور فواعل جديدة، تشملُ عناصر جزئية، يظهر ذلك في المُكون العسكري
(محاولتين انق بااِيتين)، لذلك فإن التشَعُّب يتقوى ب «التحلُّل » للعناصر المُكوِّنة للعامل الجماعي.
إن المواجهة لم تعد بين السلطة السياسية والسلطة المضادة، ولكنها انتقلت إلى داخل حقل العامل الجماعي، أي حقل السلطة. وهو ما يبرزُ أن التشَعُّب يَتحقق بالتحول من المواجهة إلى بداية التحلل
داخل بنية السلطة السياسية، وهي الحالة الكارثية التي يقعُ داخلها الانشِطار، إذ يتحلل عنصر ليحل
محله الفاعلُ المناهض. لقد حاول الفاعلُ العسكري داخل هذه العلاقة اكتسابَ مَوقع السلطة السياسية.
3 - سيناريو التهدئة
يتَّسمُ هذا السيناريو بالهُبوط العام للعناصِر الأساسية لمحْوري الخُطاطة. وتتمثلُ بتَدنِّي القُوة داخِل
الخطاب، أي تلَشي التَّوتُّرات، واختزالِمدى الامتداد. يُفضي هذا الفتور الذي يُميز هذه العناصر،
إلى حالةِ انبساط عامة تتَميزُ بانخفاضٍ عام، وهو ما يُجَسِّد سيناريو التهدئة. كيف يتبلور هذا المتغير
للتوازن على مستوى الخطاب؟ في مقابل علاقة التوتر، سيعمل الخطاب في نموه على تجاوز التشعُّبات للعودة إلى الحالة الأولية.
نلاحظ ذلك من خلال هذه الصور: - «فإن هذا الأخير ودولته المستقلة [...] قد عرفا كيف يحافظان على التماسك الوطني». - «السيادة الداخلية والخارجية». - «الاستقرار السياسي». - «وحاصل القول، وبعد نهاية مطاف طويل وشاق دام نصف قرن، فقد تمكنّا من تحقيق إجماع واسع حول المؤسسات وحول الاختيارات الأساسية للبلاد». - «إلا أن البلاد ظلت على العموم مستقرة ومتمسكة باختياراتها السياسية». يُؤسسُ الخطاب ل «مسار تصويري » وظيفي تتراكم داخله مجموعةٌ من الصور وفق آلية «التداعي
القسري ». يتضح ذلك من خلال الصورة–النواة التي تمثل «مركزَ جذب»؛ «التماسك الوطني». وتحيلُ على الترابط بين مجموعة عناصر، أي تَرابط الذوات الفاعلة المكوِّنة للحقل السياسي داخل
الوحدة التي هي الوطن. يتم ترسيخُ هذه المقومات الداخلية بجملة صور أخرى متقاربة ومترادفة لكونها تُحيل على الدلالة نفسها.
57) (المرجع نفسه، ص 65. 58) (المرجع نفسه. 59) (المرجع نفسه. 60) (المرجع نفسه، ص 69. 61) (المرجع نفسه، ص 70.
- تحقيق إجماع واسع ← توحيد الرؤية بين الذوات المختلفة. - حول المؤسسات والاختيارات ← توحيد الرؤية حول المؤسسات والمنطلقات. - البلاد مستقرة ومتماسكة ← تحيل على مقومات الترابط وإلغاء التشعُّبات. ن حظ أن المقومات التي تحيل عليها الملفوظات تجعل الخطاب ينتقلُ من كارثة التشعب التي تنهض على المواجهة بين الذوات الفاعلة داخل حقل السلطة، إلى العودة إلى الموقع الطبولوجي المرتبط بالاستقرار. فالمقومات (توحيد الرؤية، الترابط، إلغاء التشعبات) تؤسسُ على مستوى الخطاب
سيناريو جديدًا؛ هو سيناريو التهدِئة، ويتميُز بتدني القُوة داخل الخطاب، أي تلَاشي التوتُّرات واختزالِ
مدى الامتداد وتحقيق الانبِساط والهبوط العام لعناصر الخطاطة المُكوَّنة من الكثافة والامتداد. يَكتسي
هذا السيناريو أهمية خاصة عل مستوى الخطاب المعرفي؛ فهو يدل، تداوليًا، على أن الفِعل السياسي
بالمغرب يَؤُول في النهاية إلى الاستقرار على مستوى المؤسسات وعلى مستوى العلاقة بين الذوات
الفاعلة (السلطة السياسية والمعارضة).
4 - سيناريو النزول
يتميز هذا السيناريو (كما تبين ذلك الخطاطة أدناه) بالانتقال من لحظة هي نقطة الكثافة، يمكن أن
تَكون صَدمة انفعالية أو لحظة تأثير، لكنها سرعان ما تُسرِع في الانخِفاض نحو الانبساط، وهو انبساطٌ
ناتج عن انتشارٍ على مستوى الامتداد. ويعد الوصولُ إلى الانبساط إدراكًا، يكونُ ناتجًا من الاستيضاح
والفهم. يُصطَلح على هذا السيناريو ب «خطاطة النزول».
خطاطة النزول الكثافة (القصد)
الامتداد (القبض) يؤسس الخطاب لنموذج آخر من السيناريوهات يصفُ نمط الع ئااق في تحولها بين السلطة والمعارضة.
- «كما لم ينقطع الحوار الرسمي أو غير الرسمي أبدا بين السلطة والمعارضة». - «هيئة الإنصاف والمصالحة». - «المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان». بعد ترسيخ سيناريو التهدئة خطابيًا ودلاليًا، يُقدم الخطاب مجموعةً من الصُّ ور تؤسس
لسيناريو خطابي آخر. إن الصورة «لم ينقطع الحوار»، تُحيل على «التواصل التَّشارُكي » بين
الذوات، وهو مقوم دلالي، يدلُّ على انتفاء حدود التضاد والصراع، ويبرز أن التواصُل بين
المكونات أصبح تَشارُكيًا، يتغذى بالأصوات المختلفة؛ السلطة بصفتها مُرسًِ ولكن، أيضًا،
المعارضة بصفتها مستقبًِ فاعً. إن التواصل التشارُكي المُمَ يز للع قااة بين المكونين في
المقطع الزمني الأخير (2000-1990) هو الذي يؤدي إلى توليد صُور خطابية جديدة؛ «التوافق
حول الدستور». وهي صورة تدلُّ على الانتقال من ع قااة الجدلية إلى ع قااة التَّوافق حولَ نص الدستور الذي يُعدّ
سيميائيًا «البرنامجَ السردي » الجديد الذي يَضبِطُ الفعل السياسي بين الذوات المختلفة. تشير الصورة «التناوب الحكومي »1998، إلى فعل جديد يَرتبط بالتناوب على السلطة في
سياق الع قااة الجدلية بين السلطة السياسية والمعارضة. تترسخُ هذه الدلالة باعتماد المتلفِّظ على مسار تصويري من الوحدات؛ «تقاسم السلطة، التناوب»، وتحيلُ هذه الوحدات على أن الع قااة بين العامل الجماعي (السلطة والمعارضة)، انتَفت فيها ع قااة التعارُض واتجهت نحو
التوافُق من خ لاا التواصل التشارُكي، تبرز ذلك صورة «اقتسام السلطة والتناوب» التي تبرز
أن الفعلَ السياسي داخل الحقل العُمومي لم يعد مُ ؤطرًا من خ لاا ذات واحدة مُهيمِنة. ينمو
هذا المسار التصويري بصُور أخرى؛ «هيئة الإنصاف والمصالحة» - «المجلس الاستشاري
لحقوق الإنسان». إنها تضيف فواعل جديدة على مستوى عدد الفاعلين الذين يُشير إليهم الخطاب؛ إذ يتعلقُ الأمر
بفواعل مُؤسساتية. تدل هذه الوحدات على تأكيد مُقوم «التوافق»، الذي يُحيل على انتفاء علاقة
الجدلية وظهور علاقة التواصُل التشَارُكي؛ إذ لم يعد موقِع السلطة هو العامل الذي يَحتكِر المبادرات،
ولكن الفواعل السياسية الأخرى أصبحت تُسهم في التدبير السياسي للسلطة (المعارضة)، وفي المصالحة (انخراط الفاعلين السياسيين الذين عاشوا تجربة الاعتقال في السبعينيات في سيرورة المصالحة، لتحقيق العدالة الانتقالية).
62) (المرجع نفسه، ص 70. 63) (المرجع نفسه. 64) (المرجع نفسه، ص 73. 65) (المرجع نفسه، ص 71. 66) (المرجع نفسه.
نلاحظ أن الخطاب - وعلى الرغم من أنه يُكرس سيناريو التهدِئة في شموليته- يخصصُ العلاقة بين
الدولة/ المواطن، ذلك أن التَّعاقد الذي يدل عليه سيناريو التوسُّع وهو استرجاع الحرية في بداية
الاستقلال، تَعرَّضَ للاختلال خلال مرحلة السبعينيات التي تميزت بانبثاق سيناريو التشعُّب والصعود
بسبب غياب الحوار. غير أن الخطاب وهو يذكرُ بعناصر الاخت لاا، يَنطلق من هذه الملفوظات
الجزائية ليجعلَ الخطاب ينفتحُ على سيناريو آخر هو سيناريو المغرب المُمكِن، ويُحدد مجموعة من
العوالم الممكنة.
سيناريو المغرب الممكن: بناء الخطاب المعرفي ورهانات المستقبل
يَتحدَّد سيناريو المغرب الممكن من خ لاا الخصائص التي تُميز المغرب خ لاا المفصل الزمني
الأخير الذي يمتد من بداية 2000 إلى 2025 وما بعدها، ذلك أن العوالم الممكنة في هذا السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي تُشيَّد استنادًا إلى ما تتميزُ به حالة المغرب في بداية 2000. إن
السيناريو المهيمِن هو سيناريو التهدئة، غير أن تميز الخطاب بمجموعة من الملفوظات الجزائية التي تحيل على انفراط عقد الثقة والتعاقد بين الدولة والذات الفردية، يحيلُ على اندماج فعل جديد
هو فعل يُنجٍزه عامل مؤسساتي هو «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية»، عبر «مغرب 2005، مغرب
كل الانتقالات». يحددُ المؤشر الزمني 2005 زمن الخطاب بالنسبة إلى الذات الجماعية (المغرب). إن الوحدة المعجمية
«الانتقالات»، تُبرز أن هذه المرحلة من زمن الخطاب تتميزُ بتحولات من حالة سوسيوثقافية؛ سياسية واجتماعية وثقافية إلى حالة جديدة مُغايرة. تبين الوحدة أن هذه المرحلة تضعُ قطيعة مع مرحلة ما
قبل سنة 2000، لذلك فإن العامل المؤسَّساتي «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية»، سيفضي إلى تشييد
سياق آخر هو العالم الممكِن الذي سيكون تثمينُه إيجابيًا مقارنة بالسياق – المُنطلق (قبل سنة). 2000
يتميزُ العامل المؤسساتي «التنمية البشرية»، بسمات هي التي تُحددُ استثماره الدلالي (المشاركة،
التخطيط، التقويم، المحاسبة، اتخاذ القرار).
1 - تشييد العوالم الممكنة: المغرب الممكن
سنستثمر في تحليل هذا العنصر مفهوم «العوالم الممكنة» كما بلوَره نظريًا إمبرتو إيكو. يندرج هذا
المفهوم في سياق مقولة التعاون التأويلي، ذلك أن التأويلَ يَتم داخل الزمن؛ على الرغم من أن
الحكاية تبدو منتهية بالنسبة إلى المؤلف، فإنها تُقدم، بالنسبة إلى القارئ، النموذجَ داخل المستقبل.
فهو الذي ينقلُ، من القوة إلى الفعل، مجموعةً من الاقتراحات القَضوية، إنه يتنبأ بمجموعة من
67) (المرجع نفسه، ص 217.
(68) Umberto Eco, Lector in Fabula ou la coopération interprétative dans les textes narratifs , l’Italien par Myriem Bouzahar (trad.), (Paris: Bernard Grasset, 1985), p. 160. (69) Ibid., p. 146.
الحالات. لقد استعار إمبرتو إيكو مفهومَ العوالم الممكنة من المنطق «الجهوي» ليدمجه في سياق
سيميائيات النصوص السردية وذلك بهدف استيضاح بناء الحكاية. فالقارئ أو المحلِّل يكون في حالة انتظار، هذا يعني أنه يُنجز مجموعة من التنبؤات. إن القارئ مدعوٌّ إلى الإسْهام في تطوير الحكاية
بالقيام بإجراء الاستباق لحالات مُتعاقبة. تأسيسًا عل هذا التصور، يقترحُ إمبرتو إيكو الاصط ح على ما هو مُصَور من لدن القارئ بواسطة
التنبُؤات بالعوالم المُمكنة. لا يُعد مفهوم العوالم الممكنة من وجهة نظر السيميائيات النصية «مجموعة فارغة»، على العكس
من ذلك، إنه عالَم مُمتلئ أو بعبارة إمبرتو إيكو «عالم مُؤثَّث»، بمعنى أنه لا يَجب أن نتحدثَ عن
عوالم مُجردة، لا تتوفرُ على قوائم للأفراد، ولكن عن عوالم تشمَلُ مجموعةً من الأفراد والخصَائص،
لذلك يحدِّد إمبرتو إيكو العالمَ الممكن بصفته «حالة من الأشياء» يتم التعبيرُ عنها بصفتها مجموعةً
من القضايا.
2 - اشتغال العالم الممكن
سنبرز كيف يشتغل هذا المفهوم على مستوى الخطاب من أجل تشييد سيناريو المغرب الممكن. يعدّ إمبرتو إيكو العوالمَ الممكنة نوعين: العوالم الممكنة التي تكون مُوافِقةً لمواقفنا القضَوية، أي أنها تكون مُنسجمةً مع تصوراتنا ومواقفنا
حول الواقع والأشياء والكون. العوالمُ الممكِنة التي لا تكونُ مُوافِقة لمواقِفنا القضوية، أي أنها لا تَنسجمُ مع تَصوراتنا ومواقفِنا
حول الكَون والأشياء التي يَنتظِمُ من خلالها. إن الالتزام - بحسب هذا التحليل - تجاه عالم ممكنٍ مُعين مرتبط بمجموعةٍ من المواقِف القضوية،
يمثلُ واقعة «أيديولوجية»، أي أنهُ يمثلُ الالتزامَ بمواقف وتصورات، ومن هنا يتخذُ بعدًا أيديولوجيًا. في ضوء هذه العناصر النظرية والمنهجية، نلُاحظ أن المُعيِّن الزمني 2005 يحددُ الخصائص الجوهرية
للسياق الذي يَستلهمُه الخطاب. يُعدّ فعل «التنمية البشرية» من الخصائص الجوهرية للسياق الحاضر،
لذلك يُسهِم هذا الفعل في تحديد خصائص السياق في المستقبل، إنه يرسمُ العوالمَ الممكنة. يتضمن ملفوظ التنمية البشرية الفعل الرئيس الذي يُميز السياق الثقافي للخطاب المعرفي: «المبادئ
والعمليات المهيكلة للتنمية البشرية: المشاركة، والتخطيط، والتقويم، والمحاسبة واتخاذ القرار».
(70) Ibid., p. 174. (71) Ibid., p. 149. (72) Ibid., p. 161. (73) Ibid., p. 174.
74) (المغرب الممكن، ص 237.
يتضمنُ الفعل الرئيس مجموعة من الأفعال الجزئية: فِعل المُشاركة: ويحيل على مقوم دلالي «البُعد التشارُكي»، ويدلُّ على أن الفعل الجزئي سَيستشرفُ
منهجًا جديدًا يقوم على إلغاء الاتجاه الفردي في تدبير القرارات السياسية والاجتماعية على
مستويات القرار السياسي المحلي والوطني. إن العمل بالبُعد التَّشاركي يجعلُ القرار في بعده
السياسي والاجتماعي نتيجة لتعاقد تشاركي، أي أنه يُسهم في تشييد تشاكُل توسِيع المشاركة. فِعل التخطيط: ويتجسد داخل الخطاب من خلال الوحدات: «وإنه لمن النادر جدا أن يتم إدراج السياسات العمومية المعتمدة في نطاق الزمن». تُحيلُ عناصر الملفوظ على مُقوم الزمن، أي على ضرورة أن تندرجَ السياساتُ العمومية داخل الزمن
استنادًا إلى رؤية تَستشرفُ الزمنَ وتتملَّكُه بخلاف المقاربات التي تَعتمد على تغيير القرارات بحسب الظرفيات والطوارئ، ولا ترسُم حدودًا داخل سيرورة الزمن للقرارات والأفعال والإنجازات. يجبُ أن
يصبح مقومُ الزمن عنصرًا في تَخطيط البرامج من حيث المدى والأفق الذي تُنْجزُ فيه ولا تكون رهينةَ
ظرفيات تتغيرُ على الدوام. أما الوحدات الأخرى التي يَتضمَّنها الملفوظ «منظومة اتخاذ القرار، دراسة استكشافية»، فتحيل على
مقوم المعرفة، الذي يفترضُ أن فعلَ اتخاذ القرار في مجال السياسات العمومية يجبُ أن يكون مستندًا
إلى المعرفة العلمية التي تتَحصَّلُ نتيجة دراسات استكشافية. إن إدراجَ مقوم المعرفة في تخطيط
السياسات العمومية، يهدفُ إلى عَقلنة القرارات ويضفي عليها النجَاعة، كما يُسهمُ في خلق الثقة
بين السلطة والمواطن الذي يُعدُّ هدفا للفعل السياسي. إن مقومات «الزمن والمعرفة»، تحيلُ على
بنية قيمية إيجابية لفعل التخطيط بصفته فعلً جزئيًا يتفرعُ عن الفعل الرئيس «التنمية البشرية»، الذي
يُحدِّدُ معالمَ العالمِ المُمكِن؛ العالمِ المُشيد من خلال الخصائص الجوهرية للعالم الواقِعي للمغرب
سنة.2005 يمثلُ التقويمُ فعً جُزئيًا يرتبطُ بالفِعل الرئيس والمُحوِّل؛ التنمية البشرية، يتجسد من خ لاا
مجموعة من الوحدات والصُّور المعجمية؛ «ثقافة التقويم والتعاقد »، و«الحق في المطالبة
بمحاسبة المضطلِعين بمهام عمومية». تدلُّ وحدة «التقويم» خطابيًا عل فعل «الجزاء» الذي يُقدم حكمًا حول حالة فاعل أو حول فعل.
لذلك فإن فعل «التقويم» ينصبُّ على مُجمل الأفعال التي يُنجِزها الفاعلون السياسيون في مجالات
المسؤولية التي يتحملونها. ويكون هذا الحُكم إيجابيًا أو سلبيًا وفق سيرورة الإنجَاز، وهو ما يسمحُ
75) (المرجع نفسه، ص 238. 76) (المرجع نفسه، ص 239. 77) (المرجع نفسه. 78) (محمد الداهي، سيميائية السرد (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2009)، ص.51
بخلق «رَأي عام » يُمكِن أن يُقدِّم حُكما حول الفِعل السياسي الذي يكون فيه الفعل مُلزما بتسريعِ
الإنجازات وتَجويدِها. تقترنُ وحدة «التقويم» بالوحدة الأخرى في ملفوظات الخطاب، وهي «المُحاسبة»، وتنطوي على
فعل تأويلي، يَقوم بموجِبه المؤولُ بتأويل فِعل الذات في الحَقل السياسي العُمومي، أي الذوات
التي تضعُ السياسات العمومية في مجالات التعليم والتربية والاقتصاد والسياسة الاجتماعية
وتضْطلِع بإنجازها. يمكن لآليات الجزاء والتأويل والحُكم على أفعال الفاعلين السياسيين، أن تُفضي إلى خلق رأي عام
يواكب السياسات العمومية وأفعال الفاعلين السياسيين ويراقب الحقل السياسي العمومي، ويشيد
ثقافة النقد والتأويل والحكم. وتسهمُ هذه الآليات في تحويل نظام الفعل السياسي؛ إذ يصبح فعلً
مرتبطًا بتعاقد اجتماعي بين المواطنين والفاعلين السياسيين، وتُصبح الاستشارات الشعبية في هذا السياق فضاء للحُكم على البرامج والأفعال.
خاتمة
قمنا في هذه الدراسة بتحليل خطاب معرفي- اجتماعي؛ يتمثل في خطاب تقرير المغرب الممكنبهدف استيضاح شروط «تحقق المعنى» الاجتماعي. لذلك نظرنا إليه بصفته خطابًا
يتمفصلُ إلى ثوابت كلية مثل التزمين والتفضية وآليات التخطيب والذوات الفاعلة. وقد ارتكز التحليل على إستراتيجية الخطاب والأفعال وع ئااق التفاعل الدينامية بين الذوات الفاعلة (السلطة /المعارضة). لقد أبرز لنا تحليل تشاك ت الخطاب طبيعة السيناريوهات التي قام عليها الخطاب في بعده الاسترجاعي والاستشرافي. ولقد كرسَ الخطاب على المستوى الدلالي تشاكُل التعاقد. يحملُ
هذا التشاكل دلالة على مستوى الخطاب السياسي؛ فهو يُظهر أن الأطراف التي تساهم في الفعل
السياسي يوجد بينها تعاقد حول النظام السياسي. يترسخُ هذا التشاكل استنادًا إلى المقومات الدلالية
«الوحدة، الترابط، الانسجام». تحددُ هذه الدلالة على مستوى الخطاب سيناريو التوسع، الذي يرتبطُ
بالتدرج والانبساط. غير أن بروز ذوات أخرى (المعارضة، الفاعل العسكري) جعلَ الخطاب يتسم بسيناريو الصعود، وهو يجسدُ التوتر القوي بين هذه الذوات إلى الحد الذي كادت فيه السلطة السياسية تفقدُ موقعها التركيبي لفائدة المكونات الأخرى. في سياق نمو الخطاب، تُحدد آلياتُ التداعي والتسلسل القسري مجموعة مسارات تصويرية تُولد مجموعة مقومات دلالية؛ توحيد الرؤية، الترابط، إلغاء التشعبات بين الذوات الفاعلة (السلطة السياسية، المعارضة)، وهي مقومات تُؤسس لسيناريو جديد هو سيناريو التهدئة، ويقوم على إلغاء التوتُّرات وتكريس الانبساط.
(79) Eric Landowski, La société réfléchie (Paris: Seuil, 1989), p. 22.
تُسعف المسارات التصويرية المتنامية في تشييد «سيناريو المغرب الممكن » الذي يقوم على البُعد
التشاركي وتوسيع المشاركة. ويهدفُ سيناريو المغرب الممكن إلى الإقناع بدلالة محددة، وهي أن المغرب تجاوز سيناريوهات التوتر والصعود وكذلك التهدئة، وبدأ يعيش مرحلة سيناريو المغرب الممكن منذ سنة 2000، وهو سيناريو الاستقرار الدائم الذي انتقل من التعاقد إلى التعاقد «التشاركي» والمشاركة الواسعة وتَملُّك الزمن وتجاوز الظرفيات. نلاحظ أن خطاب الخمسينية يُولد دلالة بناء على آليات السيناريوهات الخطابية تحيل على أن التعاقد
الذي يدل عليه سيناريو التوسع والذي ارتبط بالتحرر في بداية الاستقلال، قد تعرض للاختلال خلال حقبة السبعينيات بانبثاق سيناريو التشعب والصعود. وتعد مرحلة المغرب الممكن مغايرة لهذا السياق لأنها تتأسس على المشاركة الواسعة. لذلك، فإن هذه المقومات السياقية والمقولات الدلالية تسهم
في التثمين الإيجابي للمفصل الزمني والسياسي الموافِق للمغرب الراهن والممكن وتُفسر إلى حد ما بواعث وخلفيات إنتاج الخطاب. References
المراجع
العربية
بنكراد، سعيد. السميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. الرباط: منشورات الزمن،.2003 الخضراوي، إدريس. «السرد موضوعًا للدراسات الثقافية». تبين. المجلد 2. العدد 7.)2014(الداهي، محمد. سيميائية السرد. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2009 المغرب الممكن: إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك. تقرير الخمسينية. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.2006 مفتاح، محمد. دينامية النص. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1987 نوسي، عبد المجيد. التحليل السيميائي للخطاب الروائي. الدار البيضاء: المدارس،.2002 همام، محمد. «العنف اللغوي في الخطاب السياسي المغربي». تبين. المجلد.4 العدد).2016(15
الأجنبية
Angenot, Marc. «Social discourse analysis: Outline of a research project.» The Yale Journal of Criticism. vol. 17. no. 2 (Fall 2004). Bertrand, Denis. «Confiance politique et fiducie.» Métiers de la sémiotique. Limoges: Pulim, 1999. Catalano, Theresa. «Barack Obama: A Semiotic Analysis of his Philadelphia Speech.» Papers in Communication Studies. 2011.
Eco, Umberto. Lector in Fabula ou la coopération interprétative dans les textes narratifs. l’Italien par Myriem Bouzahar (trad.). Paris: Bernard Grasset, 1985.
Greimas, A. J & E. Landowski. Introduction à l’analyse du discours en sciences
Greimas, A. J & J. Courtes. Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage.
________. Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage. Tome 2 (Paris:
Fontanille, Jacques. Sémiotique du discours. Paris: PUF, 1998.
sociales. Paris: Seuil, 1979.
Paris: Hachette, 1979.
Hachette,1986). Greimas, A. J. Du sens. Paris: Seuil, 1970. ________. Du sens II. Paris: Seuil ,1983. ________. Sémantique structurale. Paris: Larousse, 1966. ________. Sémiotique et sciences sociales. Paris: Seuil ,1976.