"المشاكلة والاختلاف" لعبد الله الغذامي حفريات في اللسانيات النصيّة العربية
Book Review: Similarity and Differences
الملخّص
تتميز كتابات الغذامي بالمغايرة والاختلاف، فهي حفريات عميقة في الثقافة العربية، انطلاقًا من مقترحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي؛ ذلك أنّه يحمل مشروعًا نقديًّا جرى تثبيته في عدد من المؤلفات والكتب. وعلى الرغم من اختلاف عدد من الدارسين معه في كثير من أفكاره وتصوراته، فهو مشهود له بالكفاءة والخبرة والنجابة، ومدافع متمرّس عن مشروعه الفكري والنقدي. وكتابه الذي هو قيد المحاورة والمدارسة يدخل ضمن سياق فاعلية القراءة من أجل بناء نظريات عربية جديدة لا تلغي التراث، وإنما تُماحكه وتُسائله في ضوء النظريات النقدية الجديدة، بخاصة تلك التي ظهرت في فترة ما بعد البنيوية.
Abstract
The writings of al-Ghathami are characterized by change and difference. At the same time, they represent deep excavations of Arabic culture through the lens of cultural studies and cultural criticism. Ghathami has established this critical project through multiple volumes of work, and despite disagreements from many of his peers over the ideas he generated, his competence, expertise, and excellence are not contested. Ghathami remains, furthermore, a staunch defender of his intellectual and critical project. His latest book comes within the context of reading to construct new Arabic theories that do not annul tradition but interrogate it in light of new critical theories, especially those in the post-structuralist period.
- عبد الله الغذامي
- الإختلاف
- المشاكلة
- اللسانيات النصية
- Similarity
- Difference
- Arabic Linguistics
- post-structuralist
عنوان الكتاب: المشاكلة والاختلاف، قراءة في النظرية النقدية العربية و بحث في الشبيه المختلف. المؤلف: عبد الله الغذامي. مكان النشر: بيروت - الدار البيضاء. تاريخ النشر 1.994: الناشر: المركز الثقافي العربي. عدد الصفحات: 921 صفحةً.
مقدمة
يُعَدّ عبد الله الغذامي ع مااةً بارزة في النقد العربي الحديث، يرجع له الفضل في شيوع النقد الثقافي عربيًا، بفضل العديد من كُتبه التي بحثت في الأنساق الثقافية العربية، بخاصة كتابه الذي صدر سنة 2000 النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، فضً عن مؤلفات أخرى لا تقلّ أهميةً، وهو أستاذ في النقد والنظرية في كلية الآداب، بقسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود بالرياض.
قراءة في النظرية النقدية العربية وبحث في الشبيه المختلف
A Reading in Arab Critical Theory and Inquiry into the Dissimilar Similar
تتميز كتابات الغذامي بالمغايرة والاخت ف، فهي حفريات عميقة في الثقافة العربية، انطلاقًا من مقترحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي؛ ذلك أنّه يحمل مشروعًا نقديًّا جرى تثبيته في عدد من المؤلفات والكتب. وعلى الرغم من اخت ف عدد من الدارسين معه في كثير من أفكاره وتصوراته، فهو مشهود له بالكفاءة والخبرة والنجابة، ومدافع متمرّس عن مشروعه الفكري والنقدي. وكتابه الذي هو قيد المحاورة والمدارسة يدخل ضمن سياق فاعلية القراءة من أجل بناء نظريات عربية جديدة لا تلغي التراث،
وإنما تُماحكه وتُسائله في ضوء النظريات النقدية الجديدة، بخاصة تلك التي ظهرت في فترة ما بعد البنيوية.
الإطار العام للكتاب
درج الناقد السعودي عبد الله الغذامي في معظم مؤلفاته وكتبه النقدية على اختيار «إستراتيجية الاخت ف» في تناول القضايا النقدية والب غااية واللسانية العربية، ومردُّ هذا الاخت ف- في تصوّرنا - هو الاشتغال في محفل نقدي مختلف عمّ ا أَلفَته الدراسات العربية في كلّ ما يتعلق بالنص والقراءة والتأويل والتلقي والنقد والتنظير، وغير ذلك من الحقول المرتبطة بثقافتنا العربية. يقول الغذامي في كتابه تأنيث القصيدة والقارئ المختلف: «لعل القارئ يجد نفسه مفتوحةً ل خت ف معي ومزيد من الاخت ف» (ص 03.)1 وإنّ ما نعنيه حقًا، من خ لاا هذه الإستراتيجية التي تبناها الناقد منذ بواكير البداية، متمثّل في طرائق الاشتغال والحفْر في الذاكرة النصّية الأدبية ممّا هو قمين بأحداث خلخلة في المفاهيم والتصورات. والكتاب الذي نحن بصدده لا يخرج عن رهان الاخت ف والمغايرة في مشروع الغذامي النقدي، علمًا أنه مشروع نقدي بدأت إرهاصاته الأولى منذ عام 9851؛ أي تاريخ أول إصدار له، وهو كتاب الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق، مرورًا بعدة أعمال نقدية قيّمة، وصولً إلى كتابه المثير للجدل النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. وإنّ ما نرمي إليه هو أنّ قراءة هذا الكتاب لن تستقيم إلا في ضوء تصورات وآراء هذا الناقد، ذلك أنّ هناك مشروعًا نقديًّا يجري بناؤه على أُسس من المفارقة والاخت ف والمغايرة؛ من أجل الوصول إلى أعمال بحثيّة تتجاوز السائد والمستهلك. تتشكّل الأطروحة العامة للكتاب من ثنائية «المشاكلة والاخت ف»، وتتفرّع منها مجموعة من القضايا والتصورات حول الثقافة العربية، وفي تناول ذلك، تحقيق لمجموعة من الأهداف، نذكر منها: تجسير الع قااة بالتراث النحوي واللساني العربيين، من خ لاا استلهام رموزه وأع مااه واستنطاق بعض الشواهد بغية بناء نظرية عربية جديدة. مساءلة التراث في ضوء المعارف الجديدة، والمساهمة في تحريك مياه البحث والتتبع والتقصي لمصادره الكبرى، في أفق المحاورة والتثاقف مع الغرب. مراجعة تاريخ الدرس النحوي العربي، والكشف عن أنساقه وبنياته وأكوانه الدلالية.
الأطروحتان الأساسيتان للكتاب
يتكوّن الكتاب المذكور من مقدمة وقسمين، ثمّ يتطرق المؤلِّف في القسم الأول منه إلى ثنائية «المشاكلة والاخت ف» التي شغلت حيزًا مهمًّا من التفكير النحوي العربي، بخاصة عند النقاد والدارسين العرب القدامى؛ من أمثال عبد القاهر الجرجاني، وابن رشيق، وأحمد بن محمد الجرجاني، وغيرهم. ومن ثمّ، شكلت هذه الثنائية العصب الأساسي في تكوين الدرس البلاغي والنقدي والنصوصي واللساني العربي. ومن خ لاا قراءة متأنية لمفاصل الكتاب وأطروحاته، يمكننا القول إنّ جدلية اللفظ والمعنى، شكّلت النواة الأساسية التي
يُبنى عليها، وإنّه يتفرّع منها مجموعة من الدوال الصغرى، هي:
1 - المشاكلة والاختلاف
يقول عبد القاهر الجرجاني: «مفاتيح العلوم مصطلحاتها»1، وهو يعني بذلك أنّ التدقيق في المفاهيم والمصطلحات من شأنه الفهم والتدبر والتأطير. والمشاكلة، بوصفها مفهومًا ب غاايًّا، تدلّ على المماثلة والمشابهة والمطابقة، وهي كلّها مفاهيم تعني «ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا»2، وهو مفهوم اتسع عند المحدثين ليشمل اللفظ المضاد أو المناسب. والمشاكلة نوعان: لفظية، وهي تظهر تحقيقًا في الألفاظ والمفردات كقوله تعالى: ﴿ تَعْلمَُمَا فِ
نَفْسِ ولَ أ عْلمَُمَا فِ نَفْسِكَ﴾ (المائدة: 611)،
وعقلية، وهي تُفهم بالعقل، ويكون فيها المعنى مقدَّرًا كقوله تعالى: ﴿ صِبغْةَ اللَّ﴾ (البقرة: 381)؛ أي التطهير والغسل بالإيمان. وفي هذه الحال يمكن استحضار طقس المعمودية الشائع في الديانة المسيحية، ويتمّ هذا الاستحضار للقرينة والتوافق والمصاحبة. يخوض هذا الكتاب في هذه القضية انطلاقًا من تصورات الدارسين القدامى حولها؛ من أمثال الجرجاني، وابن رشيق، وابن طباطبا، وأحمد بن محمد الجرجاني، وغيرهم. وقد أدرج الباحث لهذا الأمر شواهد شعريةً للكشف عن آراء الدارسين وتصوراتهم. وفي هذا السياق، تمّ التمثل ببيتين للشاعر الجاهلي امرئ القيس، هما: كأنّي لم أركب جوادًا للَِذّة ولم أتبطَّن كاعبًا ذات خلخال ولم أسبأ الزق الرويّ ولم أقُل لخيلي كري كرّةً بعد إجفال3ما نستشعره من خلال هذين البيتين، بالنسبة إلى قضية المشاكلة في المعنى، هو حالة الانقسام بين الدارسين ودور الألفاظ في هذا المجال اللساني اللغوي النقدي. فقد رأى ابن طباطبا، مثً، أنّ البيتين حَسنين، لكن لو وُضع مصراع كل واحد منهما في موضع آخر لَكان أشكلَ وأمتنَ نسجًا؛ ونعني بذلك الجمع بين الشيء وشكله، ومن ثمّ يمكننا إعادة صوغ البيتين على النحو التالي: كأنّي لم أركب جوادًا ولم أقُل لخيلي كري كرّةً بعد إجفال ولم أسبأ الزق الرويّ للَِذّة ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال تقع المشاكلة من خ لاا الجمع بين الجواد والكرّ في بيتٍ، ثمّ الجمع بين الخمر والنساء في بيت آخر على أساس عقلي. في حين يذهب رأي آخر إلى المشاكلة اللفظية البيانية الذوقية، وهو ما تنبّه له الجرجاني حين قال بمبدأ الجمع بين شدة الاخت ف وشدة الائت ف. إننا أمام مبدأين في القراءات النصوصية، واحد يقول بإمكانية الجمع بين الشيء وشكله، أي «منطق المعنى»، وهو يتجسد من خ لاا التوافق في الألفاظ (الجواد والكرّ) في بيت واحد، ثمّ (النساء والخمر) في بيت آخر، لتتحقق المشاكلة على أساس استواءٍ في النسج. ولو أنّ ناقدًا، مثل ابن رشيق، حاول تبرير قول امرئ القيس عن طريق الاحتجاج ب «مستعمل العادة»، كأنْ نُفسر مثًالصيد باللذة، وهذا ما جرى عليه لسان العلماء، فإنّ هذا القول - بحسب الغذامي - غير صائب، لأننا أمام مشكلة تركيبية دلالية لا يجوز فيها اللجوء إلى مستعمل العادة. أمّا الجرجاني، فقد تبنى خيار
الجمع بين المتنافرات كفعل قرائي يحفز على النظر إلى اللغة والتركيب والفكر ومشك ت المعنى في النص الأدبي. وبناءً عليه، فإنّ المبدأ الأول يأخذ بمنطق المعنى، والمبدأ الثاني يأخذ بالأثر، والمعنى سابق للنص، في حين أنّ الأثر لاحق به وناتج منه. إنّ القضية مرتبطة أساسًا بمشك ت المعنى وتجلياته في النص الأدبي من جهة، ثمّ ببنية اللغة والتركيب الدلالي من جهة أخرى، صحيح أنّ ظاهرها جمالي ب غااي نصوصي، لكنها تتغلف بما هو تركيبي دلاليّ لسانيّ (نجد بذرتها الأولى في المتون العربية)، على أنّ الجرجاني طوّرها، مستعملً في ذلك أدوات قرائيةً جديدةً. فهو قد قام بتحويل الدلالة من واقعها المعطى المعروف إلى دلالة توالدية توليدية تؤدي إلى المشاكلة بين المختلفات.
2 - اللغة والفكر والبنية
تُؤسَّس الب غااة العربية في كلّياتها على ثنائية «اللفظ والمعنى»، وقد توقف الباحث عند هذه الإشكالية على امتداد مفاصل الكتاب، إذ جرى الدرس النحوي والبلاغي في نقاش طويل حول ذلك، وإن كان الجرجاني، من خ لاا نظريته المتعلّقة بالنَّظْم، قد حلّ هذه الإشكالية عبر «توخي معاني الكلم»4. فليس النظم شيئًا آخر سوى «توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه في ما بين معاني الكلم»5. ظاهريًّا، يبدو أنّ هناك تغليبًا للفظ على المعنى، لكنّ «توخي المعاني» يجعل الألفاظ بالضرورة تابعةً للمعاني، لاحقةً بها، وهذا ما صرح به الجرجاني في أكثر من موضع حين جعل المعاني هي الأولى والألفاظ خدمًا لها. غير أنّ هذا الانحياز إلى المعاني لدى الجرجاني، ينتج منه نوعٌ من التصدع، انط قااًا ممّا تناولناه في النقطة السابقة، وهي تتعلق بأنّ النص له الأسبقية، في حين أنّ المعاني تأتي في المقام الثاني، وبناءً على ذلك، فإنّ النظرية الجرجانية حاولت - قدر الإمكان - تغليب المعاني على الألفاظ إلى درجة السيطرة على الفكر واللغة والتركيب والدلالة، ومن الجليّ القول إنّ مسألة اللغة والفكر قد سيطرت على تفكير العلماء، عربًا وغير عرب، في تناول القضايا اللسانية والب غااية والنحوية، على أساس أنّ الألفاظ أوعية للمعاني، وهي من دون شك تتبع المعاني في مواقعها. ومن ثمّ، فإنّ الجرجاني في نظريته حول النظم، يتوخى «ترتيب المعاني في النفس ثمّ النطق بالألفاظ على حذوها»6. وهذه المهيمنات لم يتخلص منها إلا حين هجس بفكرة «معنى المعنى»، أو الأثر والدلالات التي تنتج من النص. إنّ هيمنة المعنى هو أحد تجليات التفكير في التصور اللغوي القديم، وقد اتُّفق في أنّ اللغة وعاءٌ للفكر، وتعبير عنه، مع الإقرار أنّ مفهوم اللغة يتطور بتطور النظريات، على نحوٍ انتقلت فيه من مفهومها النفعي التواصلي إلى مفهوم تفاعلي تكاملي مع الفكر؛ إذ لا يمكن الفصل بينهما، ولا وجود لفكر من دون لغة، كما أنّه لا وجود للُِغة من دون فكر. غير أنّ هذه العلاقة التكاملية تستوجب بنيةً لسانيةً تُحدّد هذه اللغة بما هي «أصوات دالة بتواطؤ»7 بتعبير الإمام الغزالي. وهنا، نتحدث عن البنية الصوتية، ومنها تقوم الكلمات في شكل بنية معجمية. وهناك بنية ثالثة تتمثّل في تأليف الكلمات في جُملٍ نحوية؛ هي البنية التركيبية، ويتمخّض عن
ذلك كلّه بنية دلالية، هي مفرزات السياق من مَعانٍودلالات.
تركيب
في هذا الكتاب، يسعى الباحث إلى مقارعة الرأي بالرأي، والفكرة بالفكرة من أجل الوقوف عند إبدالات اللسانية النصيّة العربية، بخاصة على مستوى بناء المعنى ومشك ت التركيب في النحوية العربية، مركزًا تركيزًا كبيرًا على مساهمات الجرجاني في هذا المجال، ذلك أنّ هناك قضايا وتصورات تجري في مصطرع لغوي وب غااي يتحرك باستمرار، فضً عن إمكانيات الاسترفاد من نظريات الدارسين القدامى بغية تحقيق نوع من التواؤم بين القديم والمحدث. لقد أشرنا في البداية إلى أنّ هذا الكتاب لا يمكن تجزئته أو فصله عن السياقات الأخرى. فهناك مشروع يتشكّل ويتطور وفق إستراتيجية الاختلاف في فهم الثقافة العربية في كل تجلياتها وأنساقها. صحيح أنّ قضية اللفظ والمعنى قد أخذت مساحةً شاسعةً من الدرس النحوي والب غااي
المراجع
الآفاق الجديدة،.1982 الثقافي،.1985
ط 5. بيروت، دار الكتب العلمية،.1980 المسدي، عبد السلام. مباحث تأسيسية في اللسانيات. تونس: مطبعة كويتب،.1997 العربي، غير أنّ ذلك لا يمنع من الخوض فيها بطريقة مغايرة وجديدة ومُثرِية للنقاش، وما هذا الكتاب إلا محاولة للتحاور مع مفرزات القدامى والرغبة في تأسيس نظرية جديدة.
الهوامش
References البوشيخي، الشاهد. مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين للجاحظ. بيروت، منشورات الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق محمد رشيد رضا. بيروت: دار المعرفة،.1978
ديوان امرئ القيس. ضبط وتصحيح مصطفى عبد الشافي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2004
الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق. جدة: النادي الأدبي القزويني، الخطيب. الإيضاح في علوم البلاغة. شرح وتعليق وتنقيح محمد عبد المنعم الخفاجي.