Return to Article Details The Problematic of Ethics and the Means to Happiness in the Thought of Ibn al-Haytham

إشكاليّة الأخلاق وسبل تحصيل السعادة في فكر ابن الهيثم

The Problematic of Ethics and the Means to Happiness in Ibn al-Haytham’s Thought

جلال الدريدي

Jalal al-Dridi

الملخّص

إنّ الغرض من هذا البحث هو محاولة الكشف عن وجه آخر من وجوه القول الهيثمي، وتأمّل الأسس المشرّعة لمساءلة –شروط إمكان خطاب عملي في ثنايا القول الهيثمي-. ولذلك إذ اخترنا أن ننظر في هذا الإمكان، فإنّنا اخترنا أن ننظر إليه من خلال هذه العلاقة الملغزة بين الفلسفة والعلم وبين الأخلاق والسياسة وبين السعادة والحكمة. وعلى هذا النّحو بدا لنا أنّ كشوف ابن الهيثم وبحوثه إذ تؤكّد جدارته العلمية، فإنّها تضعه في مرتبة الفيلسوف المشرّع الّذي يشرّع للقيم الإنسانيّة ويضع الأسس والمبادئ على المستويين المنهجي والمعرفي، فضلاً عن الأسس الرامية إلى تدبّر قواعد السلوك فعلاً وممارسة.

Abstract

Abstract: In an attempt to reveal another dimension of Ibn al-Haytham’s thought, this paper reflects on the legislative foundations for accountability, that make it possible to offer a practical discourse on his writings. This is done by looking at it through the enigmatic relationship between philosophy and science, between ethics and politics, and between happiness and wisdom. In this way, it turns out that Ibn al-Haytham’s discoveries and research affirm his scientific seriousness. He can be ranked among the lawmaking philosophers who lay down human values and foundations and principles on the methodological and cognitive levels, as well as the foundations that set out the rules of behavior and practice.

الكلمات المفتاحية:
  • الأخلاق
  • الحكمة
  • السعادة
  • الفلسفة
  • ابن الهيثم.
Keywords:
  • Ethics
  • Philosophy

The Problematic of Ethics and the Means

to Happiness in Ibn al-Haytham’s Thought

المشرّعة لمساءلة شروط إمكان خطاب عملي في ثنايا هذا القول. ولذلك، فإنّنا اخترنا أن ننظر

في هذا الإمكان من خلال هذه العلاقة الملغزة بين الفلسفة والعلم، وبين الأخلاق والسياسة، وبين السعادة والحكمة. وعلى هذا النحو بدا لنا أنّ كشوف ابن الهيثم وبحوثه إذ تؤكّد جدارته العلمية، فإنّها تضعه في مرتبة الفيلسوف المشرّع الذي يشرّع للقيم الإنسانية ويضع الأسس

والمبادئ على المستويين المنهجي والمعرفي، فضً عن الأسس الرامية إلى تدبّر قواعد

السلوك فعلً وممارسة.

مقدمة

ربما لا يُفهم الأخلاقي إلّ بما هو شأن إنساني، يرسم صورة الإنسان بوصفه كائنًا أخلاقيًّا في

علاقته بذاته التي ترنو إلى «حيازة الكمال» وبالآخرين بوصفه شرطًا للاعتدال في جميع أموره معهم؛ في عفّته ضدّ فجوره، وقناعته ضدّ شرهه، وحلمه ضدّ تشرّره، وعدله ضدّ جوره، ووفائه

ضدّ غدره. فلا غرابة إذًا أن ننشد الفضيلة بقدر ما ننبذ الرذيلة، لأنّ الإنسان كما يقول صاحب مقالة الأخلاق: «من بين سائر الحيوان ذو فكر وتمييز. فهو أبدًا يختار من الأمور أفضلها، ومن المراتب أشرفها، ومن المقتنيات أنفسها إذا لم يعادل عن التمييز في اختياره، ولم يغلبه هواه في اتّباع أغراضه وأولى ما اختاره الإنسان لنفسه، ولم يقف دون بلوغ غايته ولم يرْض بالتقصير عن نهاية تمامه وكماله». فإذا كان أوْلى بالإنسان أن يفوز بصورته التامة والكاملة، فبأيّ معنى يكون توقه إلى التمام والكمال أساسًا لجدارته وتعيّنًا لوجوده الفاضل؟ ولكن، أنّى للإنسان بالتمام والكمال وهو المخصوص في

جبلّته بضروب الخلل والنقصان؟ علينا أن نقول بصورة أوضح: ماذا يعني أن يفوز الإنسان بصورته الكاملة ويحوز السعادة الإنسانية والرياسة الحقيقية؟ وإذا استقام له ذلك، فبأيّ الوسائل يصل إلى طلب تمامه؟ بيد أنّ هذه الأسئلة على أهميتها في استثارة ما ينبغي أن يتّصف به الإنسان، فهي تثير سؤالً أوّليًّا في

الفلسفة، إذ يتعلّق الأمر هنا بمعرفة ما يقوّم طبيعة الإنسان وطبعه. لذلك يجدر بنا أن نسأل، هنا، وقبل كلّ شيء: من يكون هذا الإنسان؟ وما الذي يقوّم ماهيته؟

طريق تهذيب الأخلاق

لعلّه من المفيد في البداية، وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة أن نستضيء بموقف ابن الهيثم من الإنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان، المطبوع على الخِلال المذمومة الدنيئة، وتلكم الخصائص بادية فيه «غالبة على أكثر الناس مالكة لهم». ومن هنا، يمكن أن نستوحي من عبارات صاحب المناظر أنّ صفات النقص تحيط بطبيعة الإنسان وتلازمه. ولكن، على الرغم من طبيعة الإنسان الموسومة بالأخلاق الرديئة، المنقادة للشهوات الدنيئة، فإنّ ذلك لا يمنعه من تشوّف الرتب العليا،

والحنين إلى استشراف أفضل كم لاته، وطلب «ما يعظّمه بالحقيقة». ولكن أين يجدر بنا أن نبحث عمّا يعظّم الإنسان بالحقيقة؟ ومن يمتلك شرعية تعيين المعنى المقصود من الكمال؟ أي من له الحق في تحديده؟

(((الحسن بن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، في: دراسات ونصوص في فلسفة العلوم عند العرب، جمع وتقديم عبد الرحمان بدوي (بيروت: المؤسسة العربية، 9811)، ص.108 (((المرجع نفسه، ص.107 (((المرجع نفسه، ص.109 (((المرجع نفسه، ص.144

للإجابة عن هذه الأسئلة، ينبّهنا ابن الهيثم في البداية إلى أنّ طباع الناس مختلفة؛ فهي بين

المحمودة والمذمومة، أو بين المشوبة بالحمد والذم، أو هي خارجة منهما. ونحن نرجع هذا المعنى إلى ما أثبته في رسالته في ثمرة الحكمة بكلامه عن الطرائق الممكنة لسياسة العوام، وعن هذا الأمر أفاد قائلً: «[...]، فلذلك تنقسم العوام الذين تسوسهم ثلاثة أضرب: ضرب يحقّق الوعد والوعيد، ويألفه، ويرضى به، بعاجله وآجله، فيعتمده، ويأخذ نفسه به، كالبهيمة المحمودة الطباع، إذا ردعتها بالتخويف الشديد عن شيء ثبت ذلك في نفسها فلم تعاود إليه، وضرب يحقق ذلك لكن لا يرضى بالآجل، فيطلب العاجل ويوطّن نفسه على ما يكون من عواقبه، فلا يعتمد تحققه، ولا يأخذ نفسه به كبهيمة السوء، كلّما هوّلت عليها بالتخويف من شيء ازدادت انبعاثًا فيه،

وضرب يشك في ذلك ولا يقطع عليه، بأنّه حق، أو باطل، فهو إنّما يأخذ نفسه به لصحبة واعتياد له، وإمّا أن يأخذ نفسه به تغليبا لبطلانه، أو يرضى مع تسلمه بما في عواقبه كالبهيمة التي ليست في رتبة الحمد، ولا في رتبة الذم، من جهة الطباع إذا خوّفتها من شيء أو ردعتها عنه امتنعت منه

تارة، وجرت فيه أخرى». نتبيّن والحال هذه، أنّ التفاوت بين الناس يؤدّي إلى التفاوت في استعدادات الترقّي في التربية

والقدرة على اكتساب الفضائل الخلقية. وهذا يعني أنّه كلّما اشتاقت النفس إلى معرفة الحقائق، وازدادت دربةً وفهمًا للأشياء ارتاضت وتخرّجت في العلوم والآداب والعادات المحمودة. بيد أنّ

هذا لا يتاح إلّ للراسخين في العلم، ذلك أنّ الحق عنده ليس أن يدركه كثير من الناس، لكن أن يدركه الفهم الفاضل منهم. وهكذا الهِمم المتفاوتة التي ينصرف بعضها إلى وجدان الحق، والبعض الآخر إلى ما دون ذلك. ولهذا يقول ابن الهيثم في نص لا يخلو من قيمة تعبيرية متمثّلً في ذلك بجالينوس: « ليس خطابي في هذا الكتاب لجميع الناس، بل خطابي لرجل منهم يوازي ألوف الرجال بل عشرات ألوف الرجال، إذ كان الحق ليس هو بأن يدركه الكثير من الناس، لكن هو بأن يدركه الفهم الفاضل منهم». بيد أنّ الحق ليس يدركه إلّ الفهم الفاضل. وهذا لاختلاف في الإدراك لا يتعيّن بوصفه اختلافًا في

النوع، وإنّما هو اختلاف في الدرجة. ومردّ هذا لاختلاف هو قدرة تهيّؤ الإنسان على بلوغ الرتب

العالية. ويترجم ابن الهيثم هذه الفكرة بطريقته الخاصة في موضع آخر من مقالة الأخلاق، فيقول: «وينبغي لمن أراد سياسة أخلاقه أن يجعل غرضه من كل فضيلة غايتها، ولا يقنع منها بما دون الغاية، ولا يرضى إلّ بأعلى درجة. فإنّه إذا جعل ذلك غرضه، كان حريًّا أن يتوسّط في الفضائل ويبلغ منها رتبة

(((الحسن بن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة»، تحقيق عمار الطالبي، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مج 73، ج 2 (نيسان/ أبريل 9981)، ص.310 (((ذلك ما سجّله ابن الهيثم في عبارة صريحة في المقالة التي أفردها للبحث عن كيفية الأرصاد بقوله: «والإنسان ناقص، والكمال

متعذّر، والنفوس مع ذلك تشتاق إلى معرفة الحقائق»، انظر: الحسن بن الهيثم، «مقالة في كيفية الأرصاد»، حقّقها وعلّق عليها عبد

الحميد صبرة، مجلة تاريخ العلوم العربية، مج 2، العدد 1 (أيار/ مايو 9781)، ص.226 (((أحمد بن قاسم بن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق نزار رضا (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، 9651)، ص.558

مرضية إن فاتته الدرجة العالية. فأمّا إن قنع بالتوسط، لم يأمن أن يقصّر عن بلوغه فيبقى في أدون الرتب

ويفوته المطلوب، ولا يطمع أبدا إلى التمام ». وممّا له دلالة، ههنا، أنّ حديث صاحب المناظر عن طبيعة الإنسان الموسومة بالنقص والمطبوعة على الخلال المذمومة، كفيل بتوجيه النظر إلى موضع التشابه بين بحوثه العملية وبحوثه العلمية، لا على صعيد العدّة المفهومية فحسب، بل على صعيد التصورات والرهانات أيضًا. يؤكّد ابن الهيثم هذا الموقف في بيانه المنهجي الذي صدّر به كتابهالشكوك على بطليموسمن منطلق مغاير ولأهداف مغايرة، بقوله: «فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم». وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ العلاج الذي ينصح به ابن الهيثم لا يمكن أن يُستخلص إلّ من التصريح الذي صاغه شرطيًّا، بقوله: «فالمبتدئ في طلب الحكمة يحتاج أن يرتاض أولا بالأصول

الهندسية فيدركها بالبرهان الذي به يُدرك كل حق». فالواجب إذًا، ليستقيم لنا إدراك الدرب الآمنة للحكمة أن نهتدي بهدي الرياضيات. وبهذا الفهم يمكننا أن ندرك كيف أنّ الرياضيات تقوم من الممارسة الفلسفية مقام وسيلة الإنتاج النظري التي لا قيام لها إلّ بها. بيد أنّ صاحب المناظر لا يقول بأنّ الرياضيات هي التي تكشف لنا عالم الحقيقة، ولكن درب الحقيقة غير متاح إلّ لفكر تمرّس بأصولها وارتاض ببراهينها وتمحّل حيلها وتأدّب بآدابها. في ضوء ما سبق، بإمكاننا القول إنّ إلحاح ابن الهيثم على ضرورة تعهّد المواهب والمبتدئين بالأصول الرياضية والحثّ على استخدام النظر البرهاني موصول وصلً صميمًا بالمقصد التربوي والتعليمي.

وبهذا التقدير، فلا بدّ للمتعلم أن «يرتاض بالعلوم الهندسية ومداومة النظر فيها»، معلّلً ذلك بالقول: «ولا يشكّن أحد في فضيلة هذا العلم، وعظيم فوائده ومنافعه، فإنّه علم به يلطف تصور الإنسان، ويجيد فهمه، ويصفو فهمه، ويصفو ذهنه، ويمضي ذكاؤه، وتتهذّب أخلاقه». ولكن إذا كنّا لا نطلب البرهان في كل شيء، فإنّ طلب البرهان واجب في العلوم لتشحيذ الذهن، وكذلك لما تتيحه من إمكانات خصبة للتفطن إلى الشبهات والشناعات. يستدعي الأمر إذًا تهيئة المتعلِّم وإعداده للارتياض أوّلً بالأصول الهندسية، فيدركها بالبرهان الذي به يدرك كل حق. ويبدو هذا السبب كافيًا لتفسير لارتباط الوثيق بين المبحثين التربوي

والتعليمي الذي حملته رسالة ثمرة الحكمة مع تصوّر الكندي الذي جعل من الرياضيات سبيلً

(((ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.136 (((الحسن بن الهيثم، الشكوك على بطليموس، تحقيق عبد الحميد صبرة ونبيل الشهابي، تصدير إبراهيم مدكور (القاهرة: دار الكتب المصرية، 9961)، ص.3 (1((ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة»، ص.291 (((1 ابن الهيثم، «مقالة في كيفية الأرصاد»، ص.11 (((1 ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة»، ص.309

لتحصيل الفلسفة وزمام أمرها، لا سيما أنّ الحكمة كما يقول فيلسوف العرب «لا تُنال إلّ بعلم الرياضيات». وباختصار، يمكن أن نجد عند ابن الهيثم صدى لفلسفة الكندي الذي يتوجّه في «رسالة في كمية كتب

أرسطو طاليس» مخاطبًا طالب الفلسفة لينبّهه إلى وجه الحاجة إلى المِراس في الرياضيات، فهو أمام

خيارين: إمّا أن يبدأ بالرياضيات فيأمل عندئذ أن يصير فيلسوفًا، وإمّا أن يقتصد تلك المرحلة فلا يسعه

أن يصير إلّ راويًا للفلسفة إن كانت له القدرة على الحفظ. ومن هذا المنظور، يمكن عدّ ابن الهيثم قد هيّأ لبناء قول فلسفي جديد بعد أفلاطون والكندي، وهو قول

يقوم أساسًا على معرفة بالرياضيات بوصفها فنًّا عامًا للتفكير والتدبير، هذه المادة التي لا تؤمّن له أساس

الخطاب العقلي المقبول من الجميع فحسب، بل أيضًا ذلك الخطاب المؤهّل لإقامة خطاب برهاني على شاكلة البرهان الرياضي الذي لا يترك حيّزًا للثغرات، مرهونة حركته وكبوته بشروط التفكير، «لأنّ

المقدّمات إذا كانت صحيحة فكلّ ما بُني عليها فهو صحيح موثوق بصحته». وبهذا التقدير يمكن

القول مع الجابري إنّ القول الهيثمي في شأن التدبير العملي إنّما يقع في أفق «هندسة الأخلاق» لأنّه جعلها مثار نقاش بالطرق البرهانية والعلمية. ولكن حين يحدّثنا ابن الهيثم عن «فضيلة علم الهندسة»، فإنّ ما يستوقفنا في النتيجة القائلة: «فلمّا

تبيّنت ذلك أفرغت وسعي في طلب علوم الفلسفة وهي ثلاثة علوم: منطقية وطبيعية وإلهية. فتعلّقت من

هذه الأمور الثلاثة بالأصول والمبادئ التي ملكت بها فروعها وتوقّلت بإحكامها من حيث انخفاضها وعلوها»، هو الفعل «وقل». فما المقصود بالتوقّل في مراس القول الهيثمي؟

سبل توقّل مراقي العلم والمعرفة

إنّه من أجل «ضعف سببنا إلى المعرفة» كما يقول الجاحظ، تبقى الدّرب الموصلة إلى تحصيل ثمرات الحكمة، من منظور هيثمي، هي «الطريق التي شرّعها الحكماء، وأوضحوها وشيّدوا أعلامها،

(((1 ابن أبي أصيبعة، ص.297-285 (((1 أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، «رسالة في كمية كتب أرسطو طاليس»، في: رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق وإخراج محمد عبد الهادي أبو ريدة (القاهرة: دار الفكر العربي، 9501)، ص.370-369 (((1 الحسن بن الهيثم، كتاب في حلّ شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه، مج 11 (فرانكفورت: منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، 9851)، ص.37 (((1 إنّ كتاب الأخ قاا، كما ي حااظ الجابري، يجري على سنن ابن الهيثم في الأسلوب الواضح، وعرضه المستقيم، ومنهجه المنسّق، «ممّا جعل خطابه في ‘تهذيب الأخ قاا’ يميل عن ‘طبّ الأخ قاا’ إلى ‘هندسة الأخ قاا’»، انظر: محمد عابد الجابري،

نقد العقل الأخلاقي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0012)، ص.343 1(((الحسن بن الهيثم، «قول في الهلاليات»، تحقيق رشدي راشد، في: الرياضيات التحليلية بين القرن الثالث والقرن الخامس

للهجرة، ترجمة محمد يوسف الحجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، ج 2 (بيروت: منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، 0112)، ص.149 (1((ابن أبى أصيبعة، ص.553 1(((أبو عثمان الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد الس ماا محمد هارون، ج 1، ط 2 (مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 9651)، ص.85

وأصول ومبان رتّبوها وأحكموا ترتيبها، ترتيبًا يتلو بعضها بعضًا، لا يمكن الوقوف على الثاني منها

حتّى يوقف على الأوّل»، فالسبيل إلى الحكمة إذًا، إنّما هو ثمرة جهد مبدع وخلّق يثبت حق العقل في توقّل مراقي المعرفة، والتدرج به في مدارج النشوء ولارتقاء، إلى الدرجة التي تدنو به من مراتب «استشراف الكمال». تحملنا هذه لاعتبارات على اقتفاء أثر الفعل «وقل» الذي يقال في معنى الصعود والتدرّج ولارتقاء. لذلك فإنّ التوقّل في مراس القول الهيثمي هو الذي سيرسم طبيعة العلاقة الممكنة بين مستويات المعرفة. وبهذا المعنى يظهر ابن الهيثم كما الكندي على شاكلة من يستنجد بالأسبق طلبًا لما به يستعين

على مشاق تدبّر سبل تحصيل ثمرات الحكمة. وهذا يعني أيضًا أنّ الإنسانية لها في ذاتها أو ماهيتها ما يجعلها تتغلّب على الصعوبات التي تعترضها، شريطة أن يتوافر النظر الفاحص الذي يستطيع وجدان الحقّ والعمل به. ولكي نمتحن إذا كان هذا المصطلح لفظة جارية أو مصطلحًا تقنيًا دقيقًا، علينا أن نشير إلى بعض

من تحدّث عن هذا، وليس عرضًا أن يكون ابن الهيثم استعمل هذه العبارة بالمعنى الذي نجده عند فيلسوف العرب. وربما لا نتعجب أيضًا إذا وجدنا لعبارة «توقّل» في لغة صاحب المناظر ما يعادلها في فلسفة ديكارت عبارة «التدرج و لارتقاء» escalade. وليس أدل على ذلك من قول صاحب قواعد لتوجيه الفكر: «إلا أنّ كثيرًا من الناس لا يدركون ما تمليه هذه القاعدة أو أنّهم

يجهلونها تمام الجهل، أو أنّهم يدّعون أن لا حاجة لهم بها، وغالبًا ما يتناولون المسائل الأكثر

صعوبة تناولً قليل النظام، فيبدو لي كأنّهم وجدوا في أسفل بناية وحاولوا بقفزة واحدة أن يصلوا إلى أعلاها. وذاك إمّا لأنّهم لم يأخذوا في اعتبارهم درجات السلّم المعدّ للصعود، وإمّا لأنّهم لم يتفطنوا إليها». في هذه الخاصيات التي تحيط بفعل وقل، ربما يجوز أن نقول بأنّ فنون المعرفة لا تمثّل أنواعًا متمايزة فيما بينها، وإنّما هي درجات من جنس واحد، هو ذا الكل المعرفي الموسوم بالحكمة. ويمثّل هذان المعنيان للفظ الحكمة درجات لشيء واحد، فالدرجة الأولى تحدّد طبيعة التفلسف بما هو فعل عقلي محض، في مقابل الحكمة في معناها العملي بما هي سبيل للعمل، وبذلك يتّضح نوع من التواشج الجدلي بين تلك المستويات من المعرفة انطلاقًا من أنّها جميعًا معرفة بالحق والعمل بالعدل.

2(((ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة »، ص.290 (((2 ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.142 (((2 من معاني التوقّل في لغة العرب، التدرّج، وكلمة: «وقل يقل وقً، بمعنى رفع رجً وأثبت أخرى في الأرض، ووقل في

الجبل: صعد فيه والوقْل من الخيل هو الصاعد، والوقل الحجارة، والكرب الذي لم يستقص فبقيت أصوله بارزة في الجذع فأمكن

المترقّي أن يرتقي فيها»، ابن منظور، لسان العرب، ج 15، ط 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 9991)، ص 76.3 (((2 الكندي، «رسالة في الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد»، رسائل الكندي الفلسفية، ص 612.-215 (((2 رينيه ديكارت، قواعد لتوجيه الفكر، ترجمة وتقديم سفيان سعد الله (تونس: دار سراس للنشر، 0012)، ص.48-47

تحتوي هذه القاعدة على أهمّ سر في عقيدة ابن الهيثم المنهجية، على الرغم من أنّها تبدو كأنّها لا تعلّمنا شيئًا جديدًا؛ فهي تعلّمنا فعلً كيف نجعل من العلوم «جسدًا متضامنًا» بعبارة لديكارت، وكيف يمكن أن نرتّب الأشياء وفقًا لسلاسل متنوعة، لا من جهة كونها تتعلق بجنس من أجناس الكائنات كما كان الأمر مع أرسطو ومن حذا حذوه حذو النعل بالنعل، بل من جهة أنّ المعرفة بعضها يمكن أن يترتب عن معرفة البعض الآخر، وأنّ العلوم تركّب من بعضها البعض وتصحّ وتتمّ ببعضها البعض، «ولعلّ هذا ما سهّل عليه تجاوز لاختلاف بين أصحاب التعاليم (الصورة) وأصحاب فلسفة الطبيعة (مادّة المعرفة) في علم المناظر، ليرى الحق في الجمع بين النظريتين». بعبارة أخرى، أمسى ممكنًا بفضل هذه البنية النظرية، التركيب بين الطبيعي والتعاليمي (في الإبصار، وفي المبصرات، وفي الضوء ومختلف ظواهره العلوية كالقوس والهالة والشميسات). ومن ثمة، ربما لا نجازف بالقول إذا قرّرنا أنّ لاعتبارات التي أخذها ابن الهيثم في الحسبان في شأن التدبير العملي، إنّما تتحرّك انطلاقًا من هذا الفهم ذي الطابع المركّب. وغير خفيّ ما في هذه لاعتبارات من إشارة إلى أنّه، سواء أتعلّق الأمر بما يمكن أن يعلمه الإنسان ويتشوّفه من فضائل فكرية ليبلغ من المعرفة أسمى مباديها، أم بما يمكن أن يرتاض به ليبلغ من الفضائل العملية أرقى معانيها، أي الوجه الذي يكون فيه الإنسان مدبّرًا لذاته أو للحق، إنّما يحتاج إلى أن يرشد «إلى طريق التدرب والتعمّل للعادات المحمودة حتى يصير إليها على التدريج»، وذلك بالقدر الذي يحتاج فيه أهل النظر في المباحث العلمية إلى الترقّي «في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب» للوصول إلى «الغاية التي عندها يقع اليقين [...] ويزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات». وبهذا الضرب من التمييز نقف على بعض أوجه التماثل بين الجانب النظري وضروب تحصيل الفضائل الفكرية، والجانب العملي وضروب حيازة الفضائل الخلقية. بيد أنّنا لا ينبغي أن نأخذ الأمور، ههنا، على سبيل المماثلة فقط، وإن كانت المماثلة لها دلالة في هذه الأمور لأنّها تعطينا إشارات عن الطرائق الهادية في القول الهيثمي، بل إنّ الأمر يتعدّى إقامة التناظر نحو تحديد حقيقة ما يقوّم ماهية الفعل الجدير ب لاحترام، فضلً عمّا يكفي الإنسان حاجته لنيل ما تسمو إليه نفسه لكي تحوز الكمال اللائق بها. وإذا استقام في أذهاننا هذا الملمح الفريد من ملامح القول الهيثمي، أمكننا أن نقول إنّ «منهج

(((2 رينيه ديكارت، حديث الطريقة، ترجمة وتقديم عمر الشارني (تونس: دار المعرفة للنشر، 9871)، ص.52 (((2 محمد بن ساسي، ابن الهيثم العالم الفيلسوف (تونس: منشورات نيرفانا، 0162)، ص.24

(27) Gérard Simon, Archéologie de la vision , l’optique, le corps, la peinture (Paris: Seuil, 2003), pp. 121-168.

(2((ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.110 2(((الحسن بن الهيثم، كتاب المناظر، المقالات الث ثااة الأولى في الإبصار على الاستقامة، تحقيق وتقديم عبد الحميد صبرة (الكويت: منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9831)، ص.62 (3((المرجع نفسه.

التدرّج» هو من سيرسم خط الفصل بين النقص والتمام وبين الجهل والعلم، لأنّ «الإنسان الجاهل يؤثر أن يعلم، والعالم يؤثر أن يزداد علما، لذلك لزم أن يكون الإنسان مهيأ لطلب المأثور». وفي أفق هذا الضرب من لاعتبار، بإمكاننا القول إنّ الفكر إنّما يتقوّم في سياق القول الهيثمي كقدرة

على تسديد جهد البشر نحو الفعل العادل والفهم الفاضل، أي وجدان الإمكان الأخص بهم، بما هو كمال لنفوسهم، أي في ما يعيّن إنسانيتهم بالفعل لأنّ «الإنسان الحكيم هو الإنسان بالفعل». وهذا

يعني بعبارات أخرى، أنّ «طريق التدرّج»، من حيث هو تصوّر لما يمكن أن يكونه الإنسان، لا يتعيّن

فقط بوصفه مشكلً أخلاقيًّا أو مشكلً معرفيًّا، بل هو يتعيّن في صميمه بوصفه مشكلً إنسانيًّا، لأنّه

يمتحن أحد حقوق الإنسان الأساسية، لا سيما أنّه يشير عنده إلى طبع الرئاسة فيه بما هي تشريع ذاتي لنفسه، أي من جهة ما تجعله «بالإنسانية متحققًا، وللرياسة الذاتية مستحقًّا». هذا بإيجاز بعض داللت التدرّج في مراس القول الهيثمي، فسواء انطلقنا من الممارسة النظرية أم من الممارسة العملية، فإنّنا نصل في كلتا الحالتين إلى إثبات العقل صورة نوعية للإنسان، أي ذلك الإنسان الذي تعلّم كيف يعتني بنفسه ويعتصم بفنون التفكير والتدبير حتى يتسنّى له الفوز بصورته الطبيعية الكامنة فيه. ولذا، فإنّ الحكمة إنّما تتقوّم، هنا، بوصفها صناعة يستفيد منها الإنسان في تحصيل ما به

تشرف نفسه وتستكمل إنسانيته، لأنّ «كلّ علم وكلّ تعلّم فله غاية هي ذروته التي يُرتقى إليها، وهي التي تسمو نفوس الراغبين فيه والمجتهدين في طلبه إلى الوصول إليها ولاقتدار عليها». وبهذا التقدير، أفلا يمكن القول بأنّ الإنسان مندرج في الوجود يتعلّم من خلاله باستمرار، فإذا هو يرتقي بلا هوادة نحو ما يحرّره من طبيعته الساذجة؟ ولكن، إزاء الحكمة وسبل تحصيل ثمراتها، وإزاء الأخلاق وطرائق

تهذيبها، ما تكون مهمّة الفيلسوف؟

مهمّة الفيلسوف

إنّ مهمّة الإنسان هي انخراط في تجربة بحث عن الأفضل والفاضل، وعن الكمال الممكن للموجود. وربّما يجد هذا لانخراط نفسه مسؤولً عن إدانة من يدّعي امتلاك الحقيقة الوحيدة والصحيحة للجميع، في الآن الذي يجد نفسه مسؤولً عن أن يدخل الحكمة في صميم الوجود الإنساني، لتنظيمه وفقًا للقواعد التي يقرّرها النظر الإنساني حتى يصبح الفهم المشترك ممكنًا ومستساغًا ومطلوبًا لذاته

على أرضية الحكمة لا على أرضية الظن. وبذلك تتأكد هذه المهمة باستدعاء الناس إلى المشاركة في تدبّر الحكمة وتدبيرها. وهذه الدعوة ليست سوى دعوة للإنسان للتدرب على توسيع حدود الممكن

(((3 ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.136 (((3 ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة »، ص 2.88 (((3 المرجع نفسه. (((3 ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.130 (((3 المرجع نفسه، ص.115 (((3 ابن الهيثم، «مقالة في التحليل والتركيب»، في: الرياضيات التحليلية بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، ج 4، ص 3.03

لديه. وبهذا المعنى، فإنّ الحاجة إلى الحكمة وليدة الحاجة إلى ما به تشرف نفس الإنسان المؤثر للعلم، والمتقدم أبدًا نحو ما به تسمو نفسه، وهي تمامه وكماله، لتحسم بذلك أمر إنسانيته. ومن وجهة نظر الحكمة هذه، ومن أجلها، جاءت دعوة ابن الهيثم الإنسان ليسلك طريق البرهان ضدّ طريق الظن. ويمكن شرعيًّا القول إنّ تصريح أفلاطون القائل: «لا يدخلنّ علينا من لم يكن هندسيًّا» هو

عين ما وجّه عالمنا الفيلسوف في رحلته مع البحث والنظر، ولا يمكن أن نرقى إلى إدراك ذلك الأمر ما لم نهتد بهدي الرياضيات، أو ما لم تقدّم لنا منه نموذجًا يحتذى. وهو نموذج يندرج في صلب الفصل عند ابن الهيثم بين المعارف الدالة على التحقيق التي معيارها النظر البرهاني، والمعارف الدالة على لاستعارة التي معيارها الطرق الإقناعية. وانطلاقًا من هذه الإحداثية النظرية الموجّهة، أن تكون الرياضيات مدخلً للحكمة، معناه أن تجعلها ممكنة، ولذلك أمكننا أن نقول إنّها تمثّل شرط إمكانها النظري بها يكون قوامها وتتحقق ماهيتها. وبحكم طرح هذا النوع من المسائل على هذا النحو، فإنّ المعرفة ستكون بالضرورة معرفة برهانية، ومن هنا، فإنّ الحكمة تكون في أزكى معانيها تدربًّا على النظر البرهاني. وعلى هذا النحو، لا يكون العلم شرطًا من شروط نشأة الفلسفة فحسب وإنّما شرطًا من شروط إمكانها وتنوّعها أيضًا. والحقيقة، إنّ هذا التداخل العضوي بين المعرفتين الرياضية والفلسفية ليس وقفًا على القدامى وحدهم بل هو ظاهرة امتدت حتى عند من عُدّوا مفجّري الحداثة وصانعي الأنوار من أمثال ديكارت وكانط،

لذلك لعلّه من الأفضل لالتفات من هذا المنظور إلى صاحب نقد العقل المحض الذي لم يفتأ يلحّ،

على غرار أفلاطون وابن الهيثم وديكارت على ضرورة تعهّد المواهب ورياضتها بالأصول الرياضية، لأنّه لا يمكن للمرء بحال أن يصبح فيلسوفًا، محبًّا للحكمة، من غير معرفة علمية دقيقة وصارمة

وبديهية. وللاقتناع بذلك يكفي أن نورد التمييز الأفلاطوني الشهير بين الفيلسوف Le philosophe ومحبّ الظن أو الدعيLe philodoxe بحيث يقول أفلاطون على لسان سقراط الذي يتوجه بكلامه

إلى أديمانتوس «لقد كانت تلك الصفة لأساسية، كما تذكر، هي التعلّق بالحقيقة التي يجب أن يتّخذها رائدًا ويضعها نصب عينيه دائمًا وفي كل الأمور، وإلا كان دعيًّا ليس له في الفلسفة نصيب». وبالعودة إلى التصوّر الكانطي، فإنّ كانط يسمّي داء الجهل بالعلوم ميزولوجي misologie أي «كراهية

العلم»، فمن كره العلم وتعلّقت مع ذلك همّته بالحكمة كان ميزولوجيًّا، وتلك ظاهرة مرَضية تشير

(3((إنّ الرياضيات كما يقول ديكارت: «تعوّد الفكر على معرفة الحقائق، لأنّه توجد في الرياضيات استدالالت مستقيمة لا يمكن

العثور عليها في أي موضع آخر [...] إنّ الرياضيات تعوّد الفكر على التمييز بين لاستدالالت الحقيقية البرهانية ولاستدالالت

لاحتمالية الخاطئة؛ إذ إنّ الذي لا يعتمد في الرياضيات إلّ على ما هو احتمالي ينتهي إلى الإخفاق والخيبة»، ديكارت، حديث

الطريقة، ص.72

(38) Emmanuel Kant, Logique , L. Guillermit (trad.) (Paris: J. Vrin, 1970), p. 26.

3(((أف طااون، الجمهورية، دراسة وترجمة فؤاد زكريا، الكتاب السادس (الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2004)، ص.374

(40) Kant, Logique , p. 27.

إلى كراهية «المنهج العلمي»La méthode scientifique وكراهية استعمال العقل استعمالً علميًّا

في مقابل «استعماله العامي». ولذا، فإنّ الذين يرفضون طريق النظر البرهاني أو قُل المنشغلين بشؤون المعرفة على «ضيق فطنهم عن أساليب الحق»، ماذا يفعلون؟ إنّهم كمن «يحوّل اليقين إلى ظن وحب الحكمة إلى حب الظن». وباختصار، إنّ ما نحتاج إليه هو تعميق البحث في حدود الممكن الإنساني، وذلك باستدراج ما يضمن منطق الفكر وصرامته، ولذا فإنّ الطريق إلى الحكمة تبدأ حين يبدأ استخدام العقل استخدامًا برهانيًّا، بحيث يمكن أن نؤسّس عليه شروط إمكاننا، وشروط النظر في خواص موجودات العالم من حولنا. فكأنّما جدية «البداية الفلسفية» كما يقول هوسرل Husserl تلزم صاحبها بأن يتعلّم كيف يبدأ قبل أن يبدأ فعلً. وبهذا المعنى، فإنّه يمكننا نحن البشر أن نذهب فيما أبعد من النظر البرهاني ولكن بواسطة النظر البرهاني وحده. ولكن، إذا كانت السعادة هي آثر وأعظم ما يمكن أن يحصّله الإنسان، فكيف يلزم من آثر تحصيلها لنفسه أن يكون له السبيل والأمور التي بها يمكن الوصول إليها؟ أو بعبارة أوضح، أيّ فضيلة تلك التي تقرّب الإنسان من السعادة الحقيقية؟ وهل أنّ سعادة الحكيم هي ذاتها سعادة من دونه؟

في أوصاف الإنسان التام والسبيل إلى تحصيل السعادة

لم يقدّم ابن الهيثم حدًّا واضحًا للسعادة كما فعل مع الخلق أو الفضيلة. بل قدّم تصوّرًا لما من شأنه أن يحقّق سعادتنا. والسبيل إلى تحصيل السعادة هو الحرص على طلب الحكمة، أو بالأحرى الحرص على ما يؤثر لأجل ذاته، وما يؤثر لأجل ذاته هما «العلم بكلّ حق بعد الجهل به، والعمل بكل نافع بعد الإلغاء له، [...] والعلم بكل حق، والعمل بكل نافع هما جزءا الحكمة». وفي ثنايا هذه الصورة، ينبّهنا ابن الهيثم إلى أنّ الإنسان له راحتان: راحة من ألم وراحة من غير ألم؛ فالراحة من الألم هي التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان، مثل الشبع فإنّه راحة من ألم الجوع، وكذلك سائر ما يفيده الإنسان بالقوتين: الشهوانية والغضبية. أمّا الراحة من غير ألم فهي التي تكون بخاصة في الإنسان دون سائر الحيوان. ولأنّ العلم والعمل إنّما هما علم وعمل مقارنة بالجهل والإلغاء، ولأنّ الجهل والإلغاء ليسا بمؤلمين، فلذلك لزم أن يكون الإنسان فقط مهيّأ لطلب الحكمة بعلمه وعمله، ومن ثمّة نحو حيازة السعادة الإنسانية.

(41) Emmanuel Kant, Critique de la raison pure , Temesaygues & Pacaut (trad.), (Paris: P.U.F, 1962), p. 570. (42) Kant, Logique , p. 28.

(((4 أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 9481)، ص.103

(44) Kant, Critique de la raison pure , p. 27.

(((4 ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة »، ص.288

بعبارة أوضح، إذا صحّ أنّ الإنسان الحكيم هو الإنسان بالفعل، فمعنى ذلك أنّ الشوق إلى إدراك الحكمة هو عينه الشوق إلى إدراك السعادة. وعلى هذا النحو، فإنّ السبيل إلى تحصيل السعادة هو أن تتحرّك النفس في هذه الجهة، أي إلى جهة الحكمة، وتحرص على العلوّ ولارتقاء في مدارج الكمال،

لأنّه من كمل له هذا كلّه، كان سعيدًا تام السعادة، وإلّ كان حظه منها بمقدار حظه من تلك الأمور. وإنّه من أجل أنّ السعادة هي «الخير على الإطلاق» أو «الغاية القصوى» التي من أجلها كون الإنسان، لزم من ذلك أن تهيّئ له الحكمة أسباب حيازة السعادة، لأنّه طالما أنّنا لسنا سعداء، فنحن أحوج

ما نكون إلى تحصيل ثمرات الحكمة بوصفها ثمرة المعرفة بحقائق الموجودات. إنّ هذا لاستثمار الهيثمي للعلاقة بين الحكمة والسعادة جاء في الإفادة التي يقول فيها: «فالإنسان يتمّ معنى الإنسانية فيه باستكماله إنسانًا، وهو أن يدرك ما إليه تتشوّق النفس الناطقة، وهو السعادة التي ذكرنا أنّها الراحة من غير ألم، وهذا إنّما هو الحكمة تكون ثمرة ذلك له أن يعلم حقائق الموجودات، ومبادئها وعللها وأسبابها، ويتشبّه في أفعاله بالله تعالى ذكره، وهو استعمال فعل العدل الذي هو الخير المحض». إنّ الحكمة بهذا المعنى لا تنفصل عن الفلسفة من حيث هي معرفة بحقائق الموجودات الأولى، وكذلك من حيث هي استنهاض لهمّة الإنسان نحو ارتياد ما به يستكمل المقدور الذي بحوزته. هذا هو الموقف الذي عبّرت عنه مقالة الأخلاق بالقول: «فأمّا الطريقة التي توصله إلى التمام وتحفظ عليه

الكمال فهي أن يصرف عنايته إلى النظر في العلوم الحقيقية، ويجعل غرضه الإحاطة بماهيات الأمور الموجودة وكشف عللها وأسبابها وتفقّد غاياتها، ولا يقف عند غاية من علة إلا ورمى بطرفه إلى فوق الغاية». وهكذا، إذا كانت السعادة هي أوّلًالكمال الأقصى الذي لأجله كون الإنسان، فإنّ مقادير السعادة تتفاوت وتتفاضل بحسب الغاية التي تسمو نفسه إليها، لذلك لا يمكن للمرء أن يكون سعيدًا دون أن يكون كاملً أو أن يكون كاملً دون أن يكون سعيدًا، أي إنّه لا يمكن أن يكون كاملً وسعيدًا إلا إذا كان إنسانًا بالفعل، أي إنسانًا عالمًا عاملً. وفي ضوء ما تقدّم، ربما يمكننا أن نفهم أنّ الكمال لا يحدث كيفما اتّفق؛ أي إنّ مجال الكمال لا يدلّ على انعتاق لا محدود للإرادة، بل هو في صميمه مفهوم إنساني لا يمكن استخدامه إلا على أرضية ما «يظفر به الصابر على التأمّل». وعلى هذا النحو، يمكن أن نفهم أنّ حدود هذا الكمال هي ذاتها حدود ما تتشوّفه النفس من الحق، وما تفعله من العدل. ولكن ربما يُعترَض على هذا الأمر، فيقال: ما هي الحدود الممكنة للحق وللعدل اللذين من شأنهما أن يحقّقا كمال الإنسان وسعادته ويجعلا منه إنسانًا بالفعل؟ يجيبنا ابن الهيثم بالقول: «إنّ العلم على التحقيق ليس يكون إلا

(((4 المرجع نفسه، ص.289 (4((ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.137 4(((ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة »، ص.283

لعالم». وبهذا المعنى إذا كان الكمال لا يكون إلا بمقدار التشبّه بالله، فإنّه مع ذلك يبقى مشدودًا

في الآن ذاته إلى حسبان الإنسان وعلمه، أي إنّه يبقى مشدودًا إلى أرضية نظرية يستمدّ منها مبرراته ومسوّغاته الإنسانية. وتأسيسًا على هذا المعنى، فإنّ الكمال حتى إن كان سعيًا للتشبّه بالإله، فإنّه مع ذلك يبقى بعيدًا عن

أن يكون خارجًا عن دائرة المعقول الإنساني أي ما يمكن أن يؤثره الإنسان ويعلمه. وبالمثل، فإنّ

السعادة حتى وإن تعيّنت في كونها الغاية القصوى التي يمكن أن يتشوّفها الإنسان، فهي تبقى موضوع

نظر إنساني يحدّدها ويؤسسها ويتعقّلها من جهة مبادئها وغاياتها. أمّا النتيجة المهمة من هذا لاعتبار

فهي أنّ موضوع السعادة لا يتوقّف عند كونه موضوع اتعاظ واعتبار على ما يراه الجاحظ ومسكويه، أو موضوع فحص جدالي أو نظر منطقي على ما يراه ابن عدي، أو موضوع كشف وذوق على ما يراه الغزالي وابن عربي، بل هو في صميمه موضوع علم واقتدار إنسانيين. واستلهامًا من هذا النزوع والتوجّه، ربما يسعنا القول إنّ السعادة من منظور ابن الهيثم، باتت قريبة بذلك إلى المباحث الإتيقية

أكثر من أي مبحث أخلاقي على ما سنتبين ذلك لاحقًا. وأمّا في ما يتعلّق بالعدل، فهو يتعيّن في القدرة على «استعمال فعل العدل الذي هو الخير المحض».

والخير هو ذلك الذي يكون على الدوام مطلوبًا لذاته وليس البتة من أجل شيء سواه. ولمّا كانت

السعادة هي غاية الغايات وأكمل الخيرات، فهي تبقى دومًا مبلغ علم الحكيم وقصده، وهو صاحب الحكم الأعلى في أمرها. وفي هذا القول نعثر ضمنيًّا على المسعى الذي علينا نشدانه: إنّه مسعى

الحياة الفاضلة، لأنّه يمثّل السبيل الذي به تسعد النفس ومن أجله تشرف، وبحسبه تكتمل. وعلى هذا النحو من لاعتبار، فمن أوتي استكمال نفسه بهذين الجزأين من الحكمة فقد استحقّ أن يسمّى حكيمًا،

وأن يسعد السعادة التامة. وفي أفق هذا الضرب من لاجتهاد، ربما نستطيع أن نبحث عن تفسير لهذه لاعتبارات لدى أرسطو بوصفه مرجعًا أصليًّا لمبحث السعادة عند صاحب المناظر، فقد أوضح المعلّم الأوّل أنّ «السعادة على

التحقيق شيء نهائي كامل مكتف بنفسه ما دام أنّه غاية جميع الأعمال الممكنة للإنسان». فمن أراد أن تكتمل إنسانيته فليحصّل هاتين الصناعتين، أي جزأي الحكمة النظري والعملي ليحصل له حقائق الأمور بالجزء النظري ومحاسن الأفعال بالجزء العملي. وعلى هذا النحو، فإنّ الفيلسوف الكامل هو الذي يحصل على العلم الكلّي ويكون له القدرة على استعماله. وعلى أيّ حال، يبدو أنّ هذا الضرب من النظر من شأنه أن يجعل الحكيم متألّهًا أو متشبّهًا به، وهذا

يعني أنّ النموذج الذي يضعه ابن الهيثم معيارًا لمعايرة الخير المحض هو مقتضى الحكمة الذي يعني إدراك الأمور على ما هي عليه عارية ممّا يلابسها واضحة جلية، وهي طريقة الفيلسوف في البحث

4(((ابن الهيثم، «مقالة في المعلومات»، في: الرياضيات التحليلية، ج 4، ص.467 5(((أرسطو، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة أحمد لطفي السيد، ج 1 (القاهرة: دار الكتب المصرية، 9941)، ص.192 (((5 ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.145

والنظر. ولذا، يمكن أن نفهم أنّ حدود النقص والتمام هي ذاتها الحدود التي تفصل بين الجهل والعلم بالحقائق. ويدلّ هذا على أنّ الكمال هو في صميمه معرفة بالحقائق وسعي مقصور إلى أقصاها. وملاك الأمر في مسعى ابن الهيثم من هذا الجانب، هو أن يضطلع الإنسان بمهمّته بما هو إنسان؛ أي

أن يعود إلى نفسه ويستفرغ الوسع في طلب تمامه لأنّه الكائن الوحيد الذي ينطوي كيانه على همّ استكمال نفسه. ولأنّه لا إحسان أفضل من إحسان من جاد بالأفضل، ولا شيء أفضل للإنسان ممّا

يصيّر به ذاته على أفضل أحوالها، فالواجب إذًا ليستقيم له ذلك أن يجتهد كلّ لاجتهاد في تكميل نفسه

حتّى يكون جديرًا بإنسانيته. ولهذا نجد ابن الهيثم يقول حين يختم مقالته في الأخلاق: «وقد قدّمنا

ما يجب تقديمه من سياسة الأخلاق وتهذيب النفوس، فما أولى من نظر في هذا القول وتصفّحه، وفهم مضمونه وتدبّره، أن يأخذ نفسه باستعمال ما بُيِّن من فصوله وسبك أخلاقه بالطريق الذي بُيّن

في تضاعيفه، ويجتهد كلّ لاجتهاد في تكميل نفسه، ويستفرغ غاية الوُسع في طلب تمامه. فما أقبح

النقص بالقادر على التمام، والعجز بالممكن من الكمال. وهذا حين نختم القول في الأخلاق. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله». ولكن ما الذي يميّز فضيلة العوام عن

فضيلة الحكماء؟

في ماهية الوجود الفاضل أو في التمييز بين فضيلة العوام وفضيلة الحكماء

لعلّ من نتاج هذا السعي، أنّ القول الهيثمي استطاع أيضًا أن يميّز بين فضيلة العوام وفضيلة الحكماء.

فإذا كانت فضيلة العوام عادةً ما تكون مشروطة بالثواب والعقاب، فإنّ الحكيم يدرك أفضل الأشياء وأكملها بغير امتنان ولا اعتداد ولا طلب جزاء ولا استحماد، ولهذا يقرّر ابن الهيثم أنّ «الحكيم إنّما

تحدوه الحكمة أن يفعل الخير لذات الخير، لا لطلب المجازاة عنه، وتمنعه من فعل الشرّ لذات الشر،

لا خوفًا من المعاقبة عليه»، بينما يحتاج العامّي «إلى أن يحثّ على فعل الخير، بأن يوعد بالمجازاة

التي تكون عنه، ويرى الشرّ إنّما يجب ترك فعله خوفًا من المعاقبة عليه». وإذا تبيّن أنّ لكلّ إنسان فعلً يخصّه، فإنّ مقصود الحكيم من الفعل الفاضل هو الخير بالذات، أي

بما يكون «مطلوبًا لذاته»لأنّ الخير الأصيل هو الخير المنزّه، في حين أنّ مقصود العامي هو الخير الذي به ينال غيره. ولأنّ الحكيم إنّما غرضه الفضيلة على الحقيقة، ولأنّ «كلّ مطلوب لذاته فليس يعنى طالبه غير وجوده»، فهو يدرك أفضل الأشياء وأكملها، ومن ثمّ، فإنّه يحتكر صفة الإنسان التام والكامل من حيث أنّه يلمّ بغايات الأمور وأشرفها لا سيما الخير المحض، غاية الغايات. وتلك النتائج

(5((المرجع نفسه، ص.145 (((5 ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة »، ص 13.0-309 (((5 المرجع نفسه، ص.310 (((5 ابن الهيثم، الشكوك على بطليموس، ص.3 (((5 المرجع نفسه.

ما كانت لتغيب عن المعلّم الثاني الذي أكّد، على إثر أرسطو، أنّ «السعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلً ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منها». وهنا يجب أن نستحضر أنّ ابن الهيثم قرّر بوضوح في عنوان المقالة التي نحن بصددها أنّ مطلب

السعادة يجب ألّ يقترن بأعراض زائلة وبنظرة قاصرة كالسعي إلى بلوغ المجد أو نيل حظوظ الدنيا، لأنّ هذه المطالب من شأنها أن تشوّه غاية الإنسان الشريفة التي هي كماله، وهذا ما صرّح

به حين قال: «فليس يتفاضل الناس على الحقيقة بالأموال والأعراض، وإنّما يتفاضلون بالآداب والمحاسن الذاتية. [...] كذلك الفاضل النفس المهذّب الأخلاق، فإنّ مدار رئاسته بفضائله. وفضائله غير مفارقة له. فهو رئيس ما دام معظّما لذاته لا لشيء آخر». ويبرّر ابن الهيثم موقفه

هذا بأنّ تلكم المطالب تبقى مطلوبة بالعرض لا بالذات، ولذلك «ينبغي لمن طلب الرياسة التامة أن يستهين بالمال ويحتقره وينظر إليه بالعين التي يستحقها، فإنّ المال إنّما يراد لغيره وليس مطلوبًا

لذاته». ولنتبيّن أهمية هذا التقدير الهيثمي لفضيلة الحكماء وجب ألّ نغفل الترجمات التي حفظت لنا سيرته،

لا سيّما تلك المتعلقة بعلاقته بطلاب العلم. وحسبنا أمارة على ذلك أنّ أحدًا من أمراء سمنان يقال

له سرخاب قصده متعلّمًا فقال له أبو علي: «أطلب منك للتعليم أجرة، وهي مئة دينار في كلّ شهر،

فبذل ذلك الأمير مطلوبه، وما قصّر فيه، وأقام عنده ثلاث سنين. فلمّا عزم الأمير على لانصراف قال

أبو علي: خذ أموالك بأسرها فلا حاجة لي إليها وأنت أحوج إليها منّي عند عودتك إلى مقرّ ملكك

ومسقط رأسك، وإنّي قد جرّبتك بهذه الأجرة، فلمّا علمت أنّه لا خطر ولا موقع للمال عندك في طلب

العلم، بذلت مجهودي في تعليمك وإرشادك. واعلم أن لا أجرة ولا رشوة ولا هدية في إقامة الخير. ثم ودّعه وانصرف». إنّ العبرة من هذا الموقف أنّه ينبغي للحكيم أن يرمي وراءه مظاهر لاستعراض ووجوه الشقاء والإسفاف، ويتمسك بالمبادئ وصون الحق من كل أشكال التزييف، ويحصّن نفسه من المزايا والهدايا، وعندئذ

يمكن عدّ الغرض من هذه العبرة هو الوفاء للحقيقة علمًا وعملً. والحاصل من كل هذا، يبدو أنّ لانشغال بالفضيلة على الحقيقة هو الذي من شأنه أن يرفع الفيلسوف إلى مقام المُشرِّع للمبادئ التي يحتاج إليها هو، ولمن هم دونه. وهو الوحيد القادر على تجسيد

الحكمة في أرقى معانيها طالما أنّه ملك اقتدارًا خاصًّا على التخلّق بأوصاف الإنسان التام والسعيد. ولكن، إذا ما تساءلنا عمّا هو مسموح به إنسانيًّا أي عمّا يمكن هضمه بوصفه سعادةً من الناحية

5(((الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، قدّم له وعلّق عليه ألبار نصري نادر، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9861)، ص.106 (5((ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.130-129 (5((المرجع نفسه، ص.139 6(((ظهير الدين البيهقي، تتمّة صوان الحكمة، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم (بيروت: دار الفكر اللبناني، 9941)، ص.85-84

الإنسانية، نجد أنّ ابن الهيثم لا يقصر السعادة على الحكماء، أي إنّه لا يختزلها في الخير المحض. فما هو ذلك الإمكان؟ من أجل أن يعي ابن الهيثم أنّ وجود هذا الإنسان أمرٌ على غاية من الصعوبة من أجل استيلاء النقص

على جملة البشر، فإنّه يقرِّر أنّ هذا الكمال لا بدّ أن يكون بحسب «طاقة الإنسان»، أي إنّه لا بدّ أن

يكون بحسب ما تسمح به ملكات الإنسان واقتداراته، وبحسب قصده وتعمّله. وهذا يعني أنّه ليس بوسع كل الناس أن يستغنوا عن الخيرات الخارجية كلّها، أو أن يفعلوا الخير مجرّدًا من كلّ حافز. ففي

طائفة من الأفعال يبقى الإنسان في حاجة إلى هذه الخيرات كالذكر الجميل، وحسن الثناء على سبيل المثال، ومن أجل ذلك يمكن أن يُمدح الرجل العادل والرجل الشجاع، وبالجملة كلّ امرئ خيّر من

أجل أعماله الفاضلة «لأنّ الممدوح يُسرُّ إذا ذكر المادح محاسنه ونشر فضائله. فإنّه إذا وجد أخلاقه

مدوّنة في الكتب، موصوفة بالحسن، كان ذلك داعيًا له إلى لاستمرار على سيرته والإصرار على

طريقته». وثمّة أشياء أخرى ربما يكون الحرمان منها مفسدًا سعادة المرء الذي تعوزه تلك الأشياء. ولأمر كهذا، يقرّر عالمنا الفيلسوف أنّ الإنسان يسرّه أن يقابل فعله بالتبجيل والتعظيم والثناء الجميل. وفي لائحة

الأخلاق التي تكون في بعض الناس فضيلة، وفي بعض الآخر رذيلة، يشير ابن الهيثم إلى أنّ مجازاة المادح جيدة للملوك وأمّا الزهد فلا. وهذا الخلق محمود في الأحداث والصبيان «لأنّ محبّة الكرامة

تحثّهم على اكتساب الفضائل. وذلك أنّ الحدث والصبي إذا مُدح على فضيلة تُرى فيه، كان ذلك داعيًا

له إلى لازدياد من الفضائل». نتبين والحال هذه، أنّ السعادة التي ستجد في العقل والحكمة أساسًا لها في ميزان القول الهيثمي، هي المقابل للسعادة في معناها الصوفي أو الإشراقي. إنّها تحدث بعبارة للفارابي «باكتساب من الإنسان». والإنسان من هذا المنظور صانع لنفسه ولأفعاله. وإذا كان الإنسان صانعًا لنفسه من تلقاء ماهيته بما هو كذلك، فهو ليس شيئًا آخر غير لاستعمال المشروع لقدراته التي تنهض للحق وللخير طوعًا من تلقاء ما أفرد به من فكر وتمييز. فلا غرو إذًا إن احتلّ العلم منزلة أساسية في تحصيل السعادة وحيازة الرياسة. هذا هو الموقف الذي يؤكّده ابن الهيثم باستحضاره بيتين لأبي القاسم بن الوزير أبي الحسن علي بن عيسى، قالهما ووصّى أن يُكتبا على قبره: ربّ ميّت قد صار بالعلم حيّا

ومبقى قد مات جهلً وغيّا

فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودًا ا

ل تعدّوا البقاء في الجهل شيّا

(((6 ابن الهيثم، «كتاب ثمرة الحكمة »، ص.289 (((6 ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.139 (((6 المرجع نفسه، ص.127 (((6 الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين (بيروت: دار المنهل، 9851)، ص.108 (((6 ابن أبي أصيبعة، ص.558

وفي أفق هذا الضرب من لاجتهاد، يمكن أن نقول إنّ المبحث الأخلاقي الهيثمي لا يقترب من طرح إشكالية الأخلاق في علاقتها بالخير والسعادة، إلا بقدر ما يعيد طرح إشكالية معنى الحياة وما يجعلها جديرة بأن تُعاش. ولعلّ ابن الهيثم من أجل ذلك سيضرب بهذه لاعتبارات موعدًا مع ما بات يُصطلح عليه حديثًا ب «الإتيقا» Ethique، بخاصة أنّ المشكل لا يُطرح في أفق مفارق عن وجود الإنسان، بل هو في صميمه مشكل إتيقي متعلّق بالوجود والفعل أو بالوجود وكيفية الوجود أو بالكيفية المحددة للحياة الجيدة. و»الإتيقا» على هذا النحو من لاعتبار، إنّما هي عند ابن الهيثم شهادة على قدرة الإنسان على أن يصير ما به يكون إنسانًا؛ أي على ما به يستولي على الممكن الذي فيه، وتلك هي إحدى مسلّمات التجربة الإتيقية إذا عنينا بالتجربة الإتيقية السؤال عن الكيفية المحددة للوجود الفاضل. ولكن، هل يجدر بنا أن نفهم من هذا أنّ صاحب المناظر يشرّع لفضيلة الفرد بمعزل عن الآخرين؟ أم لسعادة الإنسان دون

سعادة الإنسانية؟ لو أمعنّا النظر في متون ابن الهيثم من هذا الجانب لوجدناه يقرّر أنّ الشرائط التي وجب أن يتوسّلها

الإنسان لا بدّ أن تتجاوز التمثلات لتصير أفعالً لها تأثيرات في أمثاله وأغياره من الخلق في تطلعاتهم ومصائرهم، لأنّه «ينبغي لمحبّ الكمال أيضًا أن يعوّد نفسه محبة الناس أجمع والتودّد إليهم والتحنّن

عليهم والزلفة منهم والرحمة لهم، فإنّ الناس قبيل واحد متناسبون تجمعهم الإنسانية». ويعني هذا بعبارة أخرى، أنّ الفضائل ليست تمثلّات يعتنقها الإنسان فحسب، بقدر ما هي تدابير عملية متّصلة بالحياة وبالآخرين، بل قُل إنّ النفس لا يمكن أن تحوز تمامها وكمالها وتستولي على الممكن الذي فيها إلا بقدرتها على تجسيد تلك القيم الإنسانية في صميم الحياة حتى لا تقع فريسة وهْم إمكان لاستغناء عن الأفعال بالألفاظ. ويفترض هذا ضمنيًا لاعتراف بقيمة لاجتماع الإنساني وضرورته،

وبحاجة الناس إلى بعضهم بعضًا. ومن أجل ذلك، فإنّ الفضائل ليست صورًا ثابتةً وصيغًا نهائية، بل بواعث إلهام، ودواعي توجيه والتزام، لا قيمة لها إلا إذا أضحت أفعالً ومعانيَ حيّة متأصلة في صميم

الواقع الإنساني، متحققة فيه. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ الفضائل لا تتقوّم في صميمها بوصفها قدرة على تحقيق كمال

الإنسان وسعادته فحسب، بل بوصفها أيضًا عاملً للوحدة ولانسجام في إطار اجتماع إنساني فاضل وحكيم، أي إنّها لا يمكن أن تحوز شرفها الأسنى إلا إذا يمّمت وجهها شطر ما يفيد الإنسان في امتداد صلاته وفي تنوّع مصادره، وبذلك لا تتناقض الفضائل مع واقعية الحياة، ومع واقعية شعورنا بها. وهنا إذ يؤكّد ابن الهيثم وحدة الجنس البشري وضرورة تلاحمه وتآزره وتعاونه، فلكي يبرز خطورة عوامل الفرقة والتباعد والتنافر. فلا عجب إذًا في أن تكون الغلبة دائمًا للالتقاء بالوداد والمحبة، ويكون الوهن من نصيب دواعي التنافر. غير أنّ هذه الإنسانية التي تضطرّنا إلى لاعتصام بالوداد والمحبة لا

(((6 ابن الهيثم، «مقالة في الأخلاق»، ص.141

ينبغي أن تلغي لاختلاف، بل هي التعبير الأرحب عن تقابل الأضداد وائتلافها في أفق ما يوحّدهم،

لأنّ البشر في ما يرى ابن الهيثم وإن كانوا «بالأشخاص كثير»، أي إنّهم وإن تباينوا واختلفوا فإنّهم «بالحقيقة شيء واحد [...] فواجب أن يكونوا كلّهم متحابين متوادين». ومن جرّاء هذه الوحدة،

فإنّ التعامل بين الناس من خلال مختلف العلاقات التي تنشأ بينهم بسبب هذا لاجتماع أمر لا يمكن التغافل عنه. وأشدّ ما يحتاج إليه الناس لتمتين أواصر اللقاء وتوثيق عرى لاجتماع هو المحبة، لأنّ الناس كما يقول ابن الهيثم: «إنّما يكونون فُضلاء أو نقصاء: فالفضلاء يجب عليه محبتهم لموضع فضلهم، والنقصاء تجب عليه رحمتهم لموضع نقصهم فبحقّ يجب لمحبّ الكمال أن يكون محبًّا

لجميع الناس، متحنّنًا عليهم رؤوفًا بهم». إذًا، لكي يحظى السلوك بسمة «الأخلاقية» بتعبير كانطي يجب أن يثبت جدارته بالمحبة والوداد لا بالحقد والتنافر ما دامت الأخلاق لا تنجز هويتها إلا حين تنصف الناس في رباط لانتماء إلى الإنسانية. ولعلّ هذا ما يجعل المحبة من بين المقتضيات المحددة للفعل الفاضل إلى جانب العدل، بخاصة حينما يتعلق الأمر بمجال الأفعال والمعاملات، غير أنّ المحبة بما هي انتصار للحياة على إرادة الجور والقساوة، هي تجسيد لفعل لالتزام. فعلى قدر ما يصون الإنسان هذا المقتضى، تأتي أحكامه ملائمة للفعل الفاضل. ومن ثم، فإنّ الإنسان الذي يقترن وجوده بالكمال، لا بد أن يجعل هذا الكمال يليق بمقام انتمائه إلى الإنسانية. وإذا صحّ أنّ الأمر كذلك، يمكن أن نستنتج أنّ دراسة ابن الهيثم مشكلة الأخلاق قد اقتادته في نهاية

الأمر إلى القول بضرب من الإتيقا الإنسانية التي تمثّل مستوى خاصًّا من الخبرة يصبح معها الكمال ضربًا من القدرة على التساكن والتعايش الحكيم في إطار اجتماع إنساني فاضل يقوم على أساس العدل والمحبة. ويكشف هذا التعايش الحكيم بطريقة ما عن جوهر الفعل الأخلاقي في فكر ابن الهيثم الذي يشير إلى إنتاج عقلاني أو مطابق للعقل، كما يشير إلى غائية هذا الفعل التي تنشد ضربًا من «التآنس» بعبارة لابن خلدون. ولكن هنا يقفز إلى الذهن سؤال أساسي: ما الذي وقع في الأثناء بحيث صار الناس يحتاجون إلى بلورة فهم جديد من أجل تدبير شأنهم المدني أو في ارتسام قيم غير مسبوقة في وجودهم العملي؟ لعلّ ما حمل ابن الهيثم وهو الذي اشتغل بالوزارة في أوّل أمره فترة إقامته في البصرة، للكتابة في أمر الأخلاق والسياسة محاولته التعبير عن هموم الإنسان المستلب في سلوكه وعلاقاته، ووقف نزيف قد أتى على الأساسي من المجتمع والأفراد والأفكار بعد أن ابتليت الخلافة العباسية خلال حقبة حكم الدولة البويهية بصراعات دموية واضطرابات في الأحوال لاقتصادية ولاجتماعية والسياسية والإدارية،

(6((المرجع نفسه. (6((المرجع نفسه. (6((المرجع نفسه. (7((عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 9611)، ص.57

بخاصة بعد أن تفاقمت نزعات الشعوبية، وتحوّلت المدن إلى ساحات فتن مستمرة بين المذاهب والأقوام والعصبيات، ولانهماك في تحصيل ثمرات الملك في ظل القوى النازعة إلى لاستيلاء على السلطة. وهكذا، فبإزاء هذا الواقع المغترب الناشز والمتنافر القائم على أزمات التفسخ والتعفن كانت الحاجة إلى وعي أخلاقي وسياسي أكثر نضجًا وأوسع مدى، يذهب أبعد من اللحظة التاريخية التي تولَّد فيها، بحيث تمّ تنشيط فكرتي الأخلاق والسياسة اليونانيتين لتؤدّيا دورًا غير مسبوق في النقاشات العملية عصرذاك، بوصفهما تعبّران عن رغبة لدى هذا الإنسان التائق إلى كسر طوق الحجر الأخلاقي وضروب

لاستبداد السياسي وأصناف القمع لاجتماعي وأعرافه المرهقة. ما حدث إذًا، هو أنّ الشأن العملي قد أخذ يصف مسارًا جديدًا لم يعرفه العرب، وذلك بفضل دخول الفلاسفة والعلماء على خط التفكير في إشكاليتي الأخلاق والسياسة، بخاصة في ما يتعلق بالسؤال حول شرعية السلطة القائمة وعلاقتها بأحوال العباد وطرائق تدبير شؤونهم. ولعلّ هذا ما يفسّر لانتقال من الدفاع عن الشرعية في المدينةإلى البحث عن شرائط إقامة العدل فيها بالقدر الذي يكون فيه العدل معقولً في ماهيته وداللته، وشروط تحقّقه في الواقع. ومن رحم هذه النقاشات خرجت معاني العدل ولاعتدال، والنقص والتمام، والعمل والنظر، والطبع والتدرّج، وغيرها.

خاتمة

ملاك الأمر في هذا كلّه، إنّ ما يجدر بالفيلسوف إذًا أن يقترحه بحسب ابن الهيثم هو تمرين الناس على إتيقا إنسية حقًّا، حق الإنسانية في الحياة والوجود، وذلك بالدفاع عن العدل والمحبة بوصفهما قيمتين ثابتتين في الوجود الإنساني، وحفظ الصلة بالحكمة، بما يعنيه ذلك من مدّ التفكير نحو لانتماء الجذري إلى النوع الإنساني، وفي ذلك علامة حكمته. وعلى هذا الأساس، بإمكاننا القول مع ابن الهيثم، إنّ الكمال ليس فقط نتيجة العقل وأثره الأقصى وكأنّه نقطة النهاية، ذلك أنّ الكمال لا ينكشف بحق إلا عبر الفعل والممارسة، وبذلك، فهو لا يجد قوامه في النص المكتوب أو في ضروب النظر، وإنّما في تجربة بناء الواقع. وعليه، فإنّ سموّ الإنسان الكامل يؤهّله لأن يكون مثالً يُحتذى ويمارس تأثيرًا في الأفراد من خلال أفعاله ممّا يعني أنّ لاجتماع الإنساني يظلّ الحقل الذي فيه تمتحن أفعال

الإنسان التام أو بالأحرى أفعال ذلك الإنسان المؤثر للتمام. فإذا كان الأمر يجري على هذا النحو حقًّا، أليست الدعوة إلى الحكمة وإيثار الكمال هي المهمة الإتيقية للفيلسوف؟ References

المراجع

العربية

ابن أبي أصيبعة، أحمد بن قاسم. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. شرح وتحقيق نزار رضا. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة،.1965

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1961 ابن ساسي، محمد. ابن الهيثم العالم الفيلسوف. تونس: منشورات نيرفانا،.2016 بدوي، عبد الرحمان. دراسات ونصوص في فلسفة العلوم عند العرب. بيروت: المؤسسة العربية،

ابن الهيثم، الحسن. كتاب المناظر، المقالات الثلاثة الأولى في الإبصار على الاستقامة. تحقيق وتقديم عبد الحميد صبرة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، السلسلة التراثية (4)،.1983 _________. كتاب في حلّ شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه. مج.11 فرانكفورت: منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية،.1985 _________. الشكوك على بطليموس. تحقيق عبد الحميد صبرة ونبيل الشهابي. تصدير إبراهيم مدكور. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية،.1996 _________. كتاب في شرح مصادرات إقليدس. تحقيق وفهرسة أحمد عزب أحمد. مراجعة أحمد فؤاد باشا. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية،.2005 _________. «كتاب ثمرة الحكمة». تحقيق عمار الطالبي. مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. مج

_________. «مقالة في كيفية الأرصاد». حقّقها وعلّق عليها عبد الحميد صبرة. مجلة تاريخ العلوم العربية. مج.2 العدد 1 (أيار/ مايو 1).978 أرسطو. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: دار الكتب المصرية،

أفلاطون. الجمهورية. دراسة وترجمة فؤاد زكريا. الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،.2004 البيهقي، ظهير الدين. تتمة صوان الحكمة. تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم. بيروت: دار الفكر اللبناني،.1994 الجابري، محمد عابد. نقد العقل الأخلاقي: دراسة تحليلية نقديّة لنظم القيم في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 الجاحظ، أبو عثمان. كتاب الحيوان. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط.2 مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي،.1965 ديكارت، رينيه. حديث الطريقة. ترجمة وتقديم عمر الشارني. تونس: دار المعرفة للنشر،.1987 ________. قواعد لتوجيه الفكر. ترجمة وتقديم سفيان سعد الله. تونس: دار سراس للنشر،.2001

الفارابي، أبو نصر. آراء أهل المدينة الفاضلة. قدّم له وعلّق عليه ألبار نصري نادر. ط.2 بيروت: دار المشرق،.1986 _________. التنبيه على سبيل السعادة. تحقيق جعفر آل ياسين. بيروت: دار المنهل،.1985 الكندي، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق. رسائل الكندي الفلسفية. تحقيق وإخراج محمد عبد الهادي أبو ريدة. القاهرة: دار الفكر العربي،.1950 _________. كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى. تحقيق أحمد فؤاد الأهواني. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.1948 راشد، رشدي. الرياضيات التحليلية بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة. ترجمة محمد يوسف الحجيري. مراجعة يوسف نزيه المرعبي. بيروت: منشورات مركز دراسات الوحدة العربية،.2011

الأجنبية

Kant, Emmanuel. Logique. L. Guillermit (trad.). Paris: J. Vrin, 1970. __________. Critique de la raison pure. A. Tremesaygues & B. Pacaut (trad.). Paris: P.U.F, 1962. Simon, Gérard. Archéologie de la vision , l’optique, le corps, la peinture. Paris: Seuil,