نظرية الأنواع الأدبية: تصنيف بيداغوجي أم مواضعة ثقافية؟
The Theory of Literary Genre: Pedagogical Categorization or Cultural Positioality?
الملخّص
هذا البحث عبارة عن تحليل تاريخي لنظرية الأنواع الأدبية في السياقين العربي والغربي، في محاولة لفهم علاقة الأدب والأدبية بالثقافة، هذه الثقافة التي تمأسس الإبداع الأدبي، وتحدد ما يمكن أن يكون أدبا وما لا يمكن أن يكونه، في محاولة للإجابة عن سؤال مركزي، هو: هل يمكن للأدب أن يعيش خارج حدود الأنواع؟ يقسم هذا البحث نظرية الأنواع عند العرب إلى مرحلتين؛ المرحلة الغنائية، حيث هيمنة الشعر وحده على المشهد الثقافي، ثم المرحلة الجدلية، حيث تزعزعت مكانة الشاعر، بدخول الناثر أو الكاتب. أما السياق الغربي، فقد انقسم بدوره إلى مرحلتين: أولهما؛ مرحلة أرثوذكسية تميزت بالتقسيم الواضح والممنهج للأنواع، بدءا من شعرية أرسطو، وثانيهما؛ مرحلة الثورة أو الإيهام بالثورة، التي تميزت بظهور الرواية.
Abstract
Abstract: This study is a historical analysis of genre theory in both western and eastern contexts, as an attempt to understand the relationship between literature and culture. Culture institutionalizes literary creativity, and determines what counts as literature and what cannot. The study attempts to answer a central question: Can literature survive outside genre theory? It divides Arab genre theory into two phases: first, the lyrical phase in which poetry alone dominated the cultural scene; and second the dialectical phase in which the status of poetry was challenged with the emergence of prose writing. The western context also went through two phases; the first is what one can call the orthodox phase which was marked with a clear and programmatic division into genres, starting with Aristotle’s Poetics; and the second is the phase of the revolution or imagining it, and this is the phase that marks the emeregence of the novel.
- الأدب
- الأنواع
- البلبلة
- الثقافة
- المؤسسة
- Literature
- Genre
- Polyphony
- Culture
- Institution
The Theory of Literary Genre: Pedagogical
Categorization or Cultural Positioality?
وهو ضمن محاولةٍ لفهم علاقة الأدب والأدبية بالثقافة التي تُمأسس الإبداع الأدبي، وتحدد ما
يمكن أن يكون أدبًا وما لا يمكن أن يكون كذلك؛ في محاولة للإجابة عن سؤالٍمركزي، هو:
هل يمكن للأدب أن يعيش خارج حدود الأنواع؟ يقسم هذا البحث نظرية الأنواع عند العرب إلى مرحلتين؛ إحداهما المرحلة الغنائية التي هيمن فيها الشعر وحده على المشهد الثقافي. أمّا المرحلة الأخرى، فهي المرحلة الجدلية
التي تزعزعت فيها مكانة الشاعر بدخول الناثر أو الكاتب. وقد انقسم السياق الغربي، أيضًا، إلى مرحلتين: أولاهما؛ مرحلة أرثوذكسية تميزت بالتقسيم الواضح والممنهج للأنواع، بدءًا من
شعرية أرسطو، وثانيتهما؛ مرحلة الثورة أو الإيهام بالثورة، وهي مرحلة تميزت بظهور الرواية.
مدخل
يحكي النص الإنجيلي أنّ الإله في عليائه عندما رأى استماتة البشر في بناء برج بابل للوصول إليه، استشعر خوفًا من هذا لاتحاد الذي سيبلغهم السماء ويطلعهم عليه، فقرر أن ينزل الأرض ويبلبل ألسنتهم، وبذلك «فرض الرب تفوقه المطلق منذ اللحظة التي أوجد فيها اختلاط الألسنة». لم يهدم الإله البناء، بل هدم وحدة اللغة، ذلك أنّ البناء نتيجة لسيرورة ذهنية كانت حتمًا
ستتفتق عن أفكار ثورية أخرى تزعجه في سمائه وتفسد عليه راحته التي بدأت منذ اليوم السادس. بلبلة اللغة، إذن، هي سبب القضاء على الثورة من جذورها، وسبب النجاح في تقسيم الأفهام التي ستعيش أبدًا ناقصةً وعاجزةً عن الوصول إلى المعنى الكلّي الذي يمتلكه وحده في عليائه. ومن ثمّ، يتضح أنّ
الإله كان أوّل من طبّق سياسة «فرّق تسُد» التي سرعان ما تبنّاها البشر – فهم في النهاية خلفاؤه على
الأرض - ليبثوا لانقسام والفرقة بين أشياء الوجود وموضوعاته، ويعدّوه قاعدةً قابلةً للتطبيق على كلّ شيء؛ بدءًا من الإنسان (رجل/ امرأة، أسود/ أبيض... إلخ)، وصولً إلى الأدب. ما حدث لكاتب الأدب وقارئه، لا يختلف في شيء عمّا جرى لبُناة برج بابل. فقد قسمت سلطةٌ ما
الأدبَ إلى أجناس Genres وأنواع Types وأنماط Modes، وتُرك القارئ والكاتب ليتخبطَا في هذه
التفريعات، في حيلة غاية في الدهاء تجعلهما يتعقبان أبدًا معنى الأدب (أو الأدبية)، من دون إمكانية
إدراكٍ له أو حتى لاقتراب منه، ليصبح مرادفًا للانفلات، وكما نزل أورفيوس إلى العالم السفلي ليعود بمحبوبته وعاد منه خاوي الوفاض، كذلك ينزل القارئ في كلّ قراءة جديدة إلى باطن النص مفتشًا عن أدبيته ليعود، في النهاية، جارًّا أذيال الخيبة. هذا البحث إذن، هو محاولة لإعادة بناء برج يخترق عباب السماء ويطّلع على تلك السلطة التي بلبلت الأدب إلى أنواع، ثمّ استنطاقٌ لها عن سيرورة نظرية الأنواع الأدبية في السياقَين العربي والغربي،
وهو - أخيرًا - نظرٌ في مدى إمكانية خلق أدب خارج الأنواع.
إله البلبلة الأدبية
صادفتُ «إله البلبلة» أوّل مرة، من دون وعي منّي بهذا اللقاء، في امتحان الشهادة لابتدائية في مادة
الإسلاميات، حيث سُطّر تحت عبارة «متفق عليه» وطُلب منّا شرحها. أجبت عن بقية أسئلة لامتحان
ووقفت حائرة إزاء تلك العبارة متسائلةً عن هوية هؤلاء الذين اتفقوا؟ ولماذا وردت العبارة في صيغة المبني للمجهول؟ ومن أكون أنا حتى أكشف «أولئك» المجهولين؟ لا يكاد الأمر يختلف في ما يخص الأنواع الأدبية؛ إذ إنّ هذه الجماعة المبهمة ما فتئت تقسّم الأدب
بدوره إلى أنواع من دون أن تعرّفنا إلى نفسها، ولكننا على سبيل التقريب، سنكتفي بالقول إنّ «أولئك»
(بصيغة الجمع المذكر الغائب أو المغيب) هم المجتمع أو الثقافة، انطلاقًا من تعريف تزفيتان تودوروف للأنواع الأدبية، إذ يقول: «ليست الأنواع الأدبية سوى مجموعة من لاختيارات ضمن إمكانات خطابية،
(((عبد الفتاح كيليطو، لسان آدم، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال، 0012)، ص.16
يختارها مجتمع ما، ويتفق عليها conventional Made [...] الأنواع الأدبية، كما نرى، لا تنشأ فقط من المواد اللغوية الخام لمجتمع معيّن، ولكن كذلك من التاريخ الذي رسمت الأيديولوجيا حدوده». يشير تودوروف في هذا القول إلى أنّ الأدب هو مجموعة من الإمكانات الخطابية التي تظل ممكنةً أو موجودةً بالقوة، ويختار منها كلّ مجتمع بعض الإمكانات لينقلها إلى الوجود بالفعل، أي إنّه يقوم بتحيينها Actualize في خطاب فرعي يسميه «نوعًا». ولكننا، بفصل المتحقق عن الممكن، نبتعد بدرجة ما عن الحقيقة الكاملة الكامنة في ذلك الممكن، وعندما ينقسم النوع إلى أنواع فرعية أخرى، نبتعد عن الحقيقة بدرجات، ونسقط أكثر فأكثر في المحدود، أي في البلبلة، لنكون بذلك أبعد ما نكون عن منطقة البياض المحملة بالممكنات غير المنتهية، وعن الكتاب المطلق الفارغ من كلّ كتابة، حيث تختبئ الأدبية أو تُخبأ، محميةً بالسّم الذي سيقتل كلّ من يلمس الأوراق البيضاء، على غرار
كتاب الحكيم دوبان في ألف ليلة وليلة. تكمن الأدبية، إذن، في البياض؛ بياض يعمي الأبصار أحسن المجتمع، أو الثقافة، أو السلطة، خلقَه وتحصينَه بسمّ يقتل كلّ من يقترب منه؛ ومن ثمة تكون الأدبية شبيهةً بالضوء الذي يراه الإنسان لحظة
اقترابه من الموت experience death Near، أو ما تسميه الأفلام الأميركية the of end at light The «. tunnel » يبدأ إنجيل يوحنا بالعبارة المشهورة «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ». والكلمة، في ارتباطٍ بموضوعنا، هي الأدبية التي طمسها عن أعيننا ال «إله»/ «الثقافة»؛ ذلك أنه من شدة امتلاك الإله للكلمة تماهى معها وأصبح هو الكلمة، ومن ثمة كان كشف الكلمة «السر» كشفًا له هو شخصيًا، وما دامت الكلمة الواحدة أقرب إلى القبض عليها Reachable، فقد تمّ تشظيتها إلى ثنائيات؛
من قبيل «الظلمة والنور»، و«الخير والشر»، و«السماوات والأرض»... إلخ. قرر فولدمورت، أيضًا، تقسيم روحه إلى سبعة أجزاء ليضمن الخلود، ووضع كلًّ منها في أشياء متعددة Horcruxes (من بينها كتاب أبيض فارغ من أيّ كتابة)، وبذلك تكون الأنواع الأدبية شبيهةً
ب «هوركروكسات» فولدمورت التي تشظت إلى أجزاء منعتنا من القبض على الأدبية أو الصورة المكتملة picture bigger The، وهو ما وضحه تودوروف عند بحثه عن تعريف ملائمٍ للأدب ليخلص، في النهاية، إلى أنّ كلّ التعريفات كانت تنطلق من نوع واحد لتعممه على الأدب كلّه؛ وبذلك جرى تلخيص تعريفات الأدب (أو الأدبية). إمّا في كونه تخييلً (انطلاقًا من السرد) أو جميلً وخاليًا من
(2) Tzvetan Todorov, Genres in Discourse , Catherine Porter (trans.), (Cambridge: Cambridge university press, 1990(, p. 10
(((« الكتاب الحقيقي يرتبط ببياض الكفن، بمحو العلامة وارتهان المعنى، وبالحبسة المطلقة للموت.. 'الكتب الحقيقية'، تلك
التي لم تُكتب بعد. فغيابها هو الذي يحقق كمالها لأنّ صفحاتها لم تشوهها أية كتابة، ومن ثمّ فهي تحبل بإمكانات لانهائية ووعود
غير مستنفذة». انظر: عبد الفتاح كيليطو، العين والإبرة: دراسة في ألف ليلة وليلة، ترجمة مصطفى النحال (الدار البيضاء: الفنك، 9961)، ص.54 ((((يوحنا، الإصحاح:1.)1
الفائدة (انطلاقًا من الشعر)، وهو ما أسقط الباحثين في ما سقطت فيه شخصيات قصة جلال الدين الرومي «الفيل»، حين وقفت في الظلمة وتحسست فيلً؛ إذ قال ذلك الذي لمس الخرطوم إنّ ما يدعونه فيلً ليس سوى أنبوب مياهٍ. أمّا الذي لمس أذنيه فقال إنه مروحية. وأمّا آخرهم الذي لمس قدميه، فقد ردّ على صاحبيه بأنّ ذلك الشيء الذي يسمّونه فيلً ليس، في النهاية، سوى عمود. ومن ثمة، يتضح أنّ الظلمة أو البياض (كلاهما شيء واحد لأنّ وظيفتهما هي التعمية ومنع الرؤية) التي خلقتها تلك الجماعة الضبابية التي نسمّيها «مجتمعًا»، فهي التي أسقطت مفهوم الأدب (أو الأدبية) في الجزئية والنقص لتمنعنا من الوصول إلى كنهه، ولعل نظرةً في تاريخ الأدب العربي تفيدنا، في تتبع خيوط هذه الحيلة.
العرب ونظرية الأنواع الأدبية: من الغنائية إلى الجدلية
تميزت نظرية الأنواع في السياق العربي بتاريخ مثير؛ إذ إنّ المواضعة الثقافية عند العرب لم تستخدم إستراتيجية التشظية فحسب، بل أضافت إليها إستراتيجية لاعتراف/ الإقصاء. فقد اعترفت - قبل العصر العباسي - بالشعر وحده وجعلته محور تنظيرها، لتنتقل بعد ذلك إلى لاعتراف بالنثر، وتدخله في مقارنة بالشعر. وهذه المقارنة التي ما كانت لتخطر على بال ثقافة غنائية، تماهت مع شاعرها حتى غدَا لسانها الذي تنطق به.
1. المرحلة الغنائية وقيود الخطاب
لم يكد النقد العربي الكلاسيكي في بداياته يلتفت لنوع أدبي غير الشعر. وفي وقت تصادم فيه النقاد حول ثنائيات؛ من قبيل: «اللفظ والمعنى»، و«القديم والمحدث» و«التقليد والتجديد» و«الشكل والمضمون»، وغيرها من القضايا الشعرية، ظل النثر خارج التصنيف ليضم كلّ ما ليس شعرًا؛ ذلك أنّ
الخطاب الذي كان يستحق أن يُضمّ إلى مؤسسة «الأدب» المحصنة والنخبوية في هذه الفترة، كان هو الخطاب الذي يخضع لأكبر عدد من القيود؛ ومن ثمة بقي النثر الذي يعني التشتت والتبعثر خارج دائرة البحث. وعلى الرغم من أنّه كان خاضعًا لقواعد النحو، فإنّه ظل قاصرًا مقارنةً بالشعر الذي يخضع
لقواعد النحو، ويرزح كذلك تحت قواعد الوزن والقافية. حُرم الشعر العربي في المرحلة الغنائية من أيّ حرية، أو إبداعية، خارج الهيكل الذي حددته الثقافة.
فالثقافة لم تكتفِ بمطالبة الشاعر بالنطق بصوتها فقط. فإضافةً إلى ذلك، تطالبه بالنظم في غرض وحيد متوجه دائمًا نحو الآخر؛ هو المدح (الغزل هو مدح للمحبوبة، والفخر مدح للقبيلة، والرثاء مدح للميت، والهجاء نفيٌ لصفات المدح عن أعداء القبيلة... إلخ). ولنتذكر أنّ ابن قتيبة، حين رغب
في تحديد بنية القصيدة العربية، لم يتطرق سوى إلى القصيدة المدحية، بل إنّه جعل حتى البكاء على
(5) Todorov, pp. 10-11. (6) Djalal Al-Din Rumi, Le Mesnevi: 150 Contes soufis (Paris: Albain Michel, 1988(, p. 66
(((كيليطو، الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي، ط 4 (الدار البيضاء: دار توبقال، 0072)، ص.28-27
الأطلال ووصف الحبيبة توطئةً فحسب، تنحصر وظيفتها في استثارة مشاعر المتلقي وشَدّ انتباهه إلى ما سيأتي بعدها من أبيات في وصف عناء الرحلة في سبيل الوصول إلى الممدوح، وهو ما يتضح في قوله: «وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أنّ مُقصّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها [...] ثمّ
وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف نحو الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه، لأنّ التشبيب قريب من النفوس لائطٌ بالقلوب [...] فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عند ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح». هكذا، يكون المدح غاية الشعر ومنتهاه، وما سواه من الأغراض محض ذريعة للوصول إليه، وبذلك يكون «من العبث أن نفتش في شخصيات الشعر العربي عن أفراد محددين أو أن نتساءل عن صدق الشعراء [ذلك أنّ] التجربة الشخصية للشاعر لا تؤخذ بعين لاعتبار وإنما المهم هو ما يناسب النوع الأدبي». ويكفي في هذا الصدد أن نتذكر أنّ بشار بن برد كان ضخم الجثة، ولكنه وصف نفسه قائلً: «إنّ في بُردي جسمًا ناحلً *** لو توكأت عليه لانهدم» من المفترض في الشاعر المتغزل، إذن، أن يبين أثر البين والفراق في جسده الهزيل، وأنّ العشق أبراه، وهو أمرٌ يؤكد ما ذهب إليه كيليطو، حين قال: «إنّ شيطان الشعراء ما هو إلا الجماعة التي يكون منها
مصدر وإليها مورد الكلام». لقد حدد صوت الثقافة للشاعر ما ينبغي أن يقوله وما يجب أن يسكت عنه، في حين أنّه لم يلتفت للنثر وتركه سديمًا تختلط فيه كافة الممكنات الخطابية التي لا تناسب الشعر. وبذلك، يشكّل النثر في المرحلة الغنائية، أنسبَ نقطة للاقتراب من الأدبية، وقد أدركت الثقافة متأخرةً أنها أخطأت عندما تركتها
طليقةً خارج أسوارها، فأصلحت خطأها التاريخي ب لاعتراف بالنثر، وإضفاء سمة «النوع» عليه.
2. المرحلة الجدلية: المفاضلة بين الشعر والنثر
مرّت المواضعة الثقافية في السياق العربي بمرحلتين؛ أولاهما مرحلة الغنائية، حيث كان العالم كلّه
عالمًا شفاهيًا يكفيه صوت الشاعر، وهو ما يفسر اهتمام الثقافة بتحديد الشعر وفصله عن النثر، ليصبح
النثر خليطًا هلاميًا يضمّ كلّ ما ليس شعرًا، وثانيتهما؛ مرحلة الجدل حين وعيت الثقافة خطورة الخطاب
النثري الذي طردته خارج حدودها، لتقرر ضمه إلى تقسيماتها، ولكنّ ذلك ليس قبل التأكد من ترسيخ العداوة بين الشعر والنثر. هكذا، ظهرت منذ بداية العصر العباسي كتابات كرست اهتمامها لفصل
(((عبد الله بن قتيبة، الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر، ج 1 (القاهرة: دار المعارف، 9581)، ص.75-74 (((كيليطو، الأدب والغرابة، ص.83 (1((المرجع نفسه. (((1 المرجع نفسه، ص.5
الشعر عن النثر، ولانتصار لأحدهما مقابل الآخر، ونموذج ذلك ما أورده أبو الحيان التوحيدي من آراء في الليلة الخامسة والعشرين، من كتاب الامتاع والمؤانسة. وقد جاءت هذه الآراء في شكل حوار جدلي على النحو الآتي:
• الانتصار للنثر
- أبو عابد الكرخي صالح بن علي: النثر أصل الكلام، والنظم فرعه؛ والأصل أشرف من الفرع. الكتب القديمة والحديثة النازلة من السماء على ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع اختلاف اللغات كلّها منثورة مبسوطة. ألا ترى أنّ الإنسان لا ينطق في أوّل حاله من لدن طفوليته إلى زمان مديد إلا بالمنثور المتبدد
(استعمال صيغة التفضيل الدالة على الذوق الذاتي الخالي من الموضوعية، والحكم باستخدام معايير خارجية: الدين، والتاريخ). - عيسى الوزير: النثر من قبل العقل، والنظم من قبل الحسّ، ولدخول النظم في طيّ الحس دخلت
إليه الآفة (معيار خارجي: فلسفي.) - ابن طرارة: النثر كالحُرّة، والنظم كالأمَة، والأمَة قد تكون أحسن وجهًا، إلا أنها لا توصف بكرم جوهر
الحرّة ولا بشرف عِرقها (معيار أخلاقي.)
• الانتصار للشعر
- السلاميّ: النثر بذلةٌ لكافة الناطقين من الخاصة والعامة والنساء والصبيان. ويقال: ما أحسن هذه
الرسالة لو كان فيها بيت من الشعر، ولا يقال ما أحسن هذا الشعر لو كان فيه شيء من النثر، لأنّ صورة المنظوم محفوظة، وصورة المنثور ضائعة (معيار طبقي). - ابن نباتة: من فضل النظم أنّ الشواهد لا توجد إلا فيه، ولا تؤخذ إلا منه (معيار لغوي).
• الانتصار للنثر مرةً أخرى
ابن ثوابة الكاتب: أين من يفتخر بالقريض، ويدل بالنظم من وزير الخليفة، ومن صاحب السر، وممن ليس بين لسانه ولسان صاحبه واسطة. متى كانت الحاجة إلى الشعراء كالحاجة إلى الوزراء (معيار براغماتي). تُفضي هذه الآراء المختلفة إلى ملاحظتين؛ أولاهما أنّ المفاضلة بين الشعر والنثر لم تتناول في أيّ لحظة الخصائص الداخلية والبنيوية أو الجمالية للنوعين، بل فاضلت بينهما باعتماد معايير خارجية؛ كالدين (الوحي يكون نثرًا، الشعر بدعة... إلخ)، والأخلاق (الشعر أمَة والنثر حُرّة)، والتاريخ (أيهما
أسبق)، والطبقية والجندرية (النثر متاح للكل، من أعلى الهرم لاجتماعي؛ أي من نخبة وعامّة وصولً إلى النساء والصبيان)، واللغة (مدى صلاحيته ليكون متنًا يُستشهد به في تفسير القرآن وجمع اللغة).
(((1 أبو حيان التوحيدي، الامتاع والمؤانسة، ج 2 (بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت)، ص.130-147
أمّا ثانيتهما، فتبرز في أنه على الرغم من أنّ ممّا توحي به الآراء من تعدد، ومن ثمة من ديمقراطية وبوليفونية، فإنّ لانتصار ضمنيًا على نحوٍ غير مصرح به كان منذ البداية لكفة النثر، وهو ما يتضح
من خلال إيراد الأحكام التي بدأت ب لانتصار للنثر وانتهت بذلك. فكأنّ لانتصار للشعر ليس سوى مرحلة عابرة، لينتهي الجدل بحُكم أصدره ابن ثوابة الكاتب الذي انتقل من المقارنة بين الشعر والنثر إلى المقارنة بين الشاعر والوزير. ولمّا كان الوزير هو مدير المناظرة، فقد كان من الواضح، على نحوٍ مسبق، لمن ستكون الغلبة. إنّ فهم التحول الطارئ على البنية الثقافية الذي برز في لانتقال من الشعر إلى النثر لا يُفهم إلا بالرجوع إلى سياقين؛ أولهما السياق الخاص بالمحاورة، وهو سياق علاقة السلطة بالمثقف، ذلك أنّ كتاب الامتاع والمؤانسة بمنزلة حوارات تمّت بين الوزير أبي عبد الله العارض والمثقف التوحيدي، وقد
كان الوزير يحدد للتوحيدي المعاني التي سيتحدث فيها على غرار كتاب كليلة ودمنة مثلً. ولمّا كان الوزير ناثرًا، والشعراء هم محض حاشية ومكدين يتوسلون رضاه، كان من الطبيعي أن يتمّ لانتصار
للنثر الذي أصبح مرادفًا للسلطة. وهو ما يدعو إلى لالتفات إلى أمر مهمّ. فعندما كانت الجماعة مؤتلفةً وكان الحُكم للقبيلة، كان يكفيها صوت الشعر الغنائي والذاتي للتعبير عنها. أمّا حينما انتقلت إلى الحضارة، فقد تشتتت الجماعة وأصبحت السلطة بيد الفرد (خليفة، وزير... إلخ)، ومن ثمة أصبح صوت النثر المتعدد هو الذي يمثّلها. وهكذا، شكّل لانتقال من الشعر إلى النثر انتقالً من مركزية الجماعة/ السلطة التي يسودها لائتلاف ولانسجام فتكتفي بالشعر وتطرد المتعدد، في حين يشجع الفرد/ السلطة الفرقةَ والتعدد ويطبق سياسة «فرق تسُد»؛ ليبقيَ على سلطته. وهكذا يتضح أنّ النوع ليس
بريئًا من مكر النسق وهيمنة السلطة، ما يجعل النوع المهيمن في كلّ مرحلة تعبيرًا عن صوت الثقافة،
ورؤيةً للوجود التي تحددها السلطة المتحكمة في هذه الثقافة. أمّا السياق العامّ لهذه المفاضلة، فهو تحول السياق لاجتماعي والثقافي الذي برز في لانتقال من البيئة الصحراوية إلى البيئة الحضارية، ومن حكم القبلية إلى حكم الخليفة. وبما أنّ الخليفة لا يحتاج إلى مدح بقدر ما يحتاج إلى مشورة، فإنّه لا يحتاج إلى شاعر يتملّقه بقدر ما يحتاج إلى وزير/ ناثر ينصحه. وهكذا، وجد الشاعر نفسه بين عشية وضحاها خارج صوت الثقافة، إذ فقد تماهيه مع الأنا الجمعي (الشاعر بطل ملحمي يعبّر عن روح الجماعة)، وسقط من التعبير عن لسان القوم إلى الكدية
(انفصال الشاعر عن الجماعة ليصبح بطلً روائيًا يدرك وحدته وعزلته تجاه الوجود) وهو ما عبّرت
عنه المقامات حين صورت بطلً إشكاليًا فقَد علّة وجوده لازدحام الميدان بأصوات أخرى؛ كأصوات
الوزراء، والفقهاء، والمتكلمين، والكتّاب. تميزت المرحلة الجدلية، إذن، ب لانتصار للنثر وجعْله مرادفًا للسلطة، إلا أنّ هذه المرحلة لم تكتفِ بإستراتيجية الإقصاء/ لاعتراف وحدها، بل واءمت بينها وبين إستراتيجية التشظي، ليصبح المشهد
(((1 عبد الفتاح كيليطو، المقامات: السرد والأنساق الثقافية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2001)، ص.64
الأدبي على النحو الهرمي الآتي: نثر رسمي يمثل السلطة، يسعى الجميع لتشييد أسسه (شروح المقامات، والمثل السائر لابن الأثير... إلخ)، ثمّ شعر مدحي يتوجه إلى السلطة ويقف على أبوابها، يليه شعر يتحايل بالبلاغة على عقول العامة الضعيفة (الكدية)، وفي أسفل السلم نثرٌ شعبي شفوي يمثله السرد الذي جمع بين المبتذلين؛ أي الموضوع المبتذل المتمثل في الحكاية/ الحيلة أو ما سمّته النخبة «الكذب»، و«الجمهور المنحط»، وهو ما أكّده المسعودي بقوله: «وهم [العامة] أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول [...] ولا معرفة للحق من الباطل [...] فلا تراهم الدهر إلا مُرقلين إلى قائد دبّ، وضارب بدفّ على سياسة قرد [...] أو مستمعين إلى قاص كذّاب». لم تنشأ الحاجة إلى التمييز بين النظامين الكتابي والشفوي إلا في هذه المرحلة، ذلك أنّ المرحلة الغنائية كانت مرحلةً شعريةً شفويةً بامتياز، ولكنّ إدراج النثر في المشهد الأدبي، أوجب إدخال ثنائية الشفوي والكتابي للتصنيف. فالكتابة كانت هي الوسيلة الوحيدة التي تضمن تمييز النثر الشعبي (السرد) - الذي يتناوله القصاصون بالإضافة والبتر والتحريف من دون رقيب - من النثر النخبوي الرسمي الذي يملك كاتبًا معروفًا ويتوجه إلى مُتلقٍ متمثّل في السلطة، ودليل ذلك مقدمات كتب القدماء التي ما كانت لتبدأ عملية كتاباتها إلا بتأكيد أنّها نتيجة لأمر صادر عن السلطة لتضفيَ على الكتابة صيغة الضرورة، وتعلن احتماءها بالسلطة الرسمية وانطواءها تحت جناح الثقافة. وفي الحال التي لا يكون فيها طلب كتابة، كان الكاتب يحتال باختراع مخاطب سلطة يتوجه إليه بحديثه، على غرار ما فعل ابن حزم في مقدمة كتابه طوق الحمامة؛ ذلك أنّه بدأ كتابه بالحديث عن رسالة أرسلها صاحبها (الحقيقي أو المتخيل)، على الرغم من «بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المرار»، ليطلب من الكاتب تصنيف رسالة في صفات الحب ومعانيه وأسراره. إنّ التمييز في هذه المرحلة بين الكتابي والشفوي، كان تمييزًا بين النص واللانص؛ أي بين ذلك المنتوج اللغوي الذي أفلح في الحصول على اعتراف الثقافة به، وذلك المنتوج الذي فشل في ذلك لعدم اشتماله على أحد الشروط الأربعة التالية:.1 الكتابة: في المجتمعات التي لا تكون فيها الكتابة منتشرةً انتشارًا واسعًا، يمكن عَدّ التدوين معيارًا كافيًا، إذ لا تُدوّن إلا النصوص..2 التكرار: النص هو ما يُدَرّس ويُستشهد به..3 غموض الدلالة: يحتاج النص إلى مفسر يوضح جوانبه المظلمة. أمّا إذا كان متاحًا لأفهام الجميع،
فهو محض «سفاسف». وفي هذا السياق منع النقاد القدماء كتاب ألف ليلة وليلة ونعتوه بالكتاب
(((1 المرجع نفسه، ص.46-45 (((1 علي بن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألّف: كتاب الحب والجمال (دمشق: مكتبة عرفة، د.ت.)، ص.1 (((1 كيليطو، الأدب والغرابة، ص 2.0-18
المسموم، لأنه يجعل «علمهم غير ضروري [...] إذ إنّه لا يتطلب لفهمه إلا الحد الأدنى من المقدرة اللغوية والأدبية»..4 مؤلف معروف يمكن لاحتجاج بأقواله. كانت هذه الشروط التي حددتها الثقافة الكلاسيكية سببًا في طرد جملة من الملفوظاتUtterances
خارج أسوار النص الجدير بالدراسة والتدريس، وسببًا في التمييز بين نص شفوي «يتيم بلا أصل،
يهيم على وجهه في المسالك المختلفة دون أن يهتدي إلى الطريق الذي يقوده إلى أبيه، ويهب نفسه لكل الذين يلتقي بهم. وعلى العكس، فإنّ النص المكتوب له أبٌ معلوم، ولا يعرض نفسه إلا على
الذين ينتسبون إليه. فهو 'أرستقراطي' [الأرستقراطية مبنية على شجرة النسب]. أمّا النص الشفوي، فهو 'ديمقراطي' [لا يؤبه لسلالته وأصله»]. إنّ ثنائية «الشفاهي والكتابي»، إذن، هي ثنائية إشكالية في نظرية الأنواع الأدبية في السياق العربي.
فعلى الرغم من تفضيل المكتوب على المنثور، ألغيَ كتاب ألف ليلة وليلة من النثر الرسمي وصُنف
في أسفل الهرم مع السرد. وليس ذلك لمجهولية صاحبه فحسب، بل لأنّ بساطة لغته جعلت المتلقي لا يحتاج إلى شارح أيضًا، وبذلك اختفى من عملية التلقي حجاب الناقد الثقيل الذي خلقته السلطة وجعلته في أعلى الهرم لينطق باسمها، ويُوجّه قراءة أفرادها. وهكذا، مُنع كتاب ألف ليلة وليلة من
دخول المؤسسة، وظلّ بمنزلة « لابن اللقيط» الذي حُرم من اعتراف الأب؛ وهو اعتراف كان من شأنه
أن يجعله جزءًا من المؤلفات الكلاسيكية التي تُعيّنها الثقافة لأبنائها لدراستها، أي لتكرارها وحفظها
وإعادة إنتاجها. وفي هذا السياق نتذكر أن Class وClassics ينتميان إلى الجذر اللغوي نفسه. ومن ثمة، تكون الأعمال التي تخول لها الثقافة الدخول إلى الفصل الدراسي Class هي وحدها الجديرة بألقاب، من قبيل المصادر، أو الأصول، أو أمهات الكتب. ليتضح بذلك، أن نسق الثقافة العربية لم يكن ليقبل أن يُتلقّى أيّ نص خارج رقابته، وبذلك نُفيَ عن كتاب ألف ليلة وليلة، الكتاب المسموم
الذي يموت من قرأه من أوّله إلى آخره، وعن غيره من نصوص القصاصين، صفتَا الأدبية والنصية؛ ذلك أنّهما صفتان لا تتفضل بهما الثقافة إلا على النصوص المُمَأسسة.Institutionalized تراجعت الثقافة، إذن، عن نفيها للنثر وأعادت إدراجه في نسقها، فحوّلته بذلك من هلاميته، وأضفت
عليه سمة «النوع»، إلا أنها في الآن نفسه أبَت إلّ أن تنفيَ السرد، وكأنها بنفيه تنفي العامة التي أنتجته
وأقبلت عليه. إلا أنّ مكر السياق، أبى إلّ أن يتحول ما أقصاه النقد العربي ذات يوم وقرنه بالهامش والرعاع إلى مركز فرَض على الثقافة لاعتراف به، وتحويله من مسخٍ متخلّى عنه إلى ابن شرعي
(إصلاحًا لخطأ فرانكنشتاين؟!)، ذلك أنّ سديم النثر الشعبي ما لبث أن خلق نوعًا جديدًا هو الرواية،
وهو نوع من الهجنة والسديمية؛ إذ يتبنى كلّ الأنواع ويحاول العودة بها إلى أصلها. ومن ثمّ، كانت
1(((كيليطو، لسان آدم، ص.82 1(((كيليطو، الأدب والغرابة، ص.98-97 1(((كيليطو، لسان آدم، ص.83
الرواية بمنزلة «بابل سعيدة» ونبوءة بالثورة على تقسيم الأنواع، وهو ما سنحاول تبين مدى صحته في المحور التالي؛ من خلال تتبّع سيرورة نظرية الأنواع في السياق الغربي.
الغرب ونظرية الأنواع: من التقسيم الأرثوذكسي إلى الثورة على الأنواع
1. المرحلة الأرثوذكسية: التراجيديا والكوميديا والملحمة
لعل حكاية الأنواع في الضفة الغربية لا تستقيم سوى بالعودة إلى أصلها؛ ونعني بذلك شعرية أرسطو التي رتبت الأنواع الأدبية هرميًا بحسب مدى التزامها بمبدأ المحاكاة، والتي قُسمت بكيفية صارمة دقيقة.
وقد يتبادر إلى الأذهان أننا - في حالة أرسطو - لم نعُد في حاجة إلى توظيف صيغة المبني للمجهول. غير أنّ أرسطو - في فنّالشعر - لم يقسّم الأنواع (لأنّ التقسيم مقتصر على إله البلبلة وحده)، بل إنّه وصف تلك الأنواع التي كانت سائدةً في عصره وقدمها في بنية واضحة المعالم، تتلخص في ما يلي: الأسلوبالموضوع الدراما
السرد
| الأسلوب الموضوع | الدراما | السرد |
|---|---|---|
| نبيل | التراجيديا | الملحمة |
| مبتذل | الكوميديا |
ميّز أرسطو، إذن، بين الأجناس، بقوله إنّ الكوميديا هي «محاكاة لأشخاص أردياء [هكذا وردت؛ أي
أقلّ منزلة من المستوى العامّ]. ولا تعني 'الرداءة' هنا كلّ نوع من السوء والرذالة، وإنما تعني نوعًا خاصًا فقط، هو الشيء المثير للضحك، والذي يُعد نوعًا من أنواع القبح». أمّا التراجيديا، فهي « محاكاة لفعل جادّ تامّ في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة [...] وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي، وبأحداث تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدث التطهير». أمّا الملحمة، فتمثل هي أيضًا محاكاةً لفعل جادٍّ، ولكن ذلك يكون في شكل سردي. ينتقل أرسطو في قياسه المنطقي Syllogism - أو اللامنطقي - أثناء تعريفه للكوميديا، من نوع يحاكي أفعال العامة أو الرديئين، إلى ربط الرداءة بالضحك، ثمّ معادلة الضحك بالقبح؛ ذلك أنّ الضحك هو نقيض «الجد»؛ ومن ثمة، فهو نقيض لما ترى فيه الثقافة نسقًا ونظامًا لا يمكن أن يوجد خارج حدود مؤسساتها، أي الأنواع التي سنّتها التراجيديا والملحمة، وهو أمرٌ يذكّر بموقف الثقافة العربية من السرد
الذي لم يكن يحضر في النثر الرسمي (المعترف به) إلا ضرورةً؛ لإدراك الناقد أنّ العامة لن تقبل عليه، ما لم تُغلَّف حكمته (الجد) بالسرد (الهزل)، ليصبح السرد بذلك شرًا لا بدّ منهف «الحكماء يصوغون
2(((رولان بارط، لذة النص، ترجمة فؤاد صفا والحسين سحبان (الدار البيضاء: دار توبقال، 9881)، ص.13 (((2 أرسطو، فن الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة (د.م: مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت)، ص.88 (((2 المرجع نفسه، ص.95 (((2 المرجع نفسه، ص 89،.197
الحيل من أجل القيام بدورهم التعليمي، وأعظم حيلهم وضع الأمثال على ألسنة الحيوانات؛ ذلك أنّهم لا يخاطبون العقلاء فقط، وإنما السخفاء كذلك. لو كانوا لا يخاطبون إلا العقلاء لما احتاجوا لصياغة الحكايات»، ما يتيح إسقاطَ متساويةِ أرسطو (الكوميديا = الرداءة = الضحك = القبح)، على الثقافة العربية وإنتاج متساوية جديدة، على النحو التالي: (السرد = الضرورة = الشر = السخف واللاعقل). إنّ ما يثير النظر كذلك، في هذه التعريفات، هو المساحة التي أتيحت للتعريف بالملحمة والتراجيديا (فصول) على حساب الكوميديا (أسطر). فبالنّسبة إلى هذا النوع، اكتفى أرسطو بالإشارة إلى أنه سيعود إلى تفسيره على نحوٍ أكثر في كتاب يخصصه له وحده (تخصيص كتاب خاص بالكوميديا لا يعني الرفع من شأنها بقدر ما يعني – في رأيي - طردها من «فن الشعر»)، إلا أنّ هذا الكتاب غاب أو غُيِّب،
ولم نسمع عنه إلا ككتاب مسموم يموت كلّ من يقلب صفحاته في اسم الوردة لأمبرتو إيكو، ما يعيدنا - مرةً أخرى - إلى نظرية المؤامرة الثقافية التي تمحو كلّ الأنواع المرتبطة بعامة الناس الذين يظلون أبدًا خارج سيطرتها؛ ومن ثمة يشكّلون تهديدًا وخطرًا دائمين على سرّ الأدبية الذي تريد الثقافة لاحتفاظ
به لنفسها. ولمّا كان من المستحيل القضاء على العامة، لأنّ النخبة والمركز لا يمثلان نخبةً ومركزًا إلا
بمقارنتهما بهامشٍ، كان خيار الثقافة الوحيد هو أن تبثّ السمّ في إنتاج الهامش، أو تدفعه خارج أسوار التقسيم الذي ارتضته للأدب، كما يتضح في خانة أرسطو الفارغة. ترك أرسطو الخانة الرابعة فارغةً، لأنها تجمع بين المنحطين؛ أي العامة والسرد (لأنه محاكاة ناقصة تتمّ باللغة وحدها)، ما يضعنا إزاء تمييز طبقي نابع من صوت الثقافة الغربية التي تعترف بالنخبة وآدابها وتلغي ما دونهما، لتتفق بذلك، مع موقف الثقافة العربية في مرحلتيها الغنائية والجدلية. وإن كانت الثقافة الغربية – على الأقلّ في زمن أرسطو - لم تدرج الشعر في مفاضلتها بين الأنواع، فذلك لا يعني عدم اعترافها بالشعر أو تقليلها من شأنه، بل يعني أنّ الشعر كان عنصرًا مشتركًا بين الأنواع الثلاثة، ذلك
أنّ الكوميديا والتراجيديا والملحمة كانت كلّها تُكتب شعرًا؛ ومن ثمة لم يكن هناك داعٍ لورود الشعر
في المقارنة، ما دام يجمع بين الأنواع ولا يميز بعضها من بعضها الآخر. فالثقافة ما كانت لتعترف في تصنيفاتها إلا بما يُشعل جذوة الجدل، ويزيد الشقة بين الأنواع، ليُشغل المتلقي بالتفريعات الشكلية
عن الماهية المشتركة أو الأدبية. مَثّل السمّ أو الفراغ، إذن، وسيلة الثقافة لضمان هيمنة صوتها وحيدًا في الميدان. فكل ما يخرج عن مؤسسة «الأنواع» المقدسة التي سنّتها الثقافة يُحرم من اعترافها به، ويُطرد خارجها ليحيا في مكان آخر حيث لا «نظام» ولا «رؤية» ولا «وعد بالجنة» التي لا يدخلها سوى المتقين الذين - بالتزامهم بتصنيفات الثقافة والحدود التي رسمتها بين الأنواع - يعلنون إيمانهم بتعالي الرب وقابليتهم لدفع كلّ صكوك الغفران التي تقترحها المؤسسة، في سبيل رؤيته ذات يوم. إلا أنّ التاريخ - بديناميته المستمرة - أبى أن تستمر الثقافة في لاستمتاع بصوتها وحيدةً في الميدان، ليعلن ثورةً تنويريةً تمحو عصر الظلمات، حيث هيمن إله البلبلة ومؤسساته الأرثوذكسية؛ فظهرت على الهامش أصوات ثائرة، دفعت الثقافة إلى
(((2 كيليطو، الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي (الدار البيضاء: دار توبقال، 9881)، ص.36
التخلي عن راحتها التي امتدت منذ حادثة بابل، واتخاذ إجراءات جديدة تشكم الثورة في منابعها، وتثبت أنّ الثقافة أشدّ مكرًا من سيرورة التاريخ.
2. مرحلة الثورة أو الإيهام بالثورة: الرواية
ليست الطبيعة وحدها تخشى الفراغ، فالثقافة نفسها تخشاه؛ ذلك أنّ الفراغ يقع دائمًا خارج سلطة
السواد الذي تخلقه بخطاباتها ومؤسساتها. وهكذا، بدأت الثورة من الخانة الفارغة التي تركها أرسطو، والتي تضخمت شيئًا فشيئًا بعيدًا عن رقابة المؤسسة، لتخلق نوعًا جديدًا هو الرواية، وبذلك أصبح
كلّ تنظير للرواية مساءلةً للأنواع الأدبية وفائدتها، ابتداءً من جورج لوكاش الذي ربط بين نظرية الأنواع
وفلسفة التاريخ، مؤكدًا أنّ الأنواع الأدبية ليست سوى استجابة لبنيات اجتماعية وفكرية، ليخلص إلى أنّ «الملحمة تعبّر عن تطابق الذات مع العالم، والخارج حيث توجد الأجوبة قبل صوغ الأسئلة
مع الداخل المستغني عن التساؤل. وتكون التراجيديا هي شكل الجوهر الخالص المهتم بميلاد الوعي والإحساس بالموت، وتكون الرواية الشكل الجدلي للملحمة، أي شكل الوحدة داخل العشيرة والحضور داخل الغياب والأمل، من دون مستقبل»، ليخلص، إلى أنّ الرواية تشكّل ضرورةً «للتعبير عن العالم الحديث المجزَّأ، وعن الذات التي أصبحت فاقدةً لعلاقتها العضوية بالحياة، ولاندماجها في كلية متعالية تُقدم معنى لوجودها». إذا كان جورج لوكاش قد عاد بأصل الرواية إلى الملحمة، فإنّ باختين لاشتراكي قد عاد بها إلى خانة الأدب غير الرسمي في محاولةٍ لربط الرواية بالشعب، ليؤكد أنّ أصول الرواية تعود إلى الكرنفال حيث تعدّد الأصوات واللغات، وأنّ أي دراسة للأنواع – خاصةً الرواية - لا يمكن أن تتمّ خارج دائرة اللغة أو
الملفوظ Utterance (الإنجاز الفردي في سياق معيّن)، وهو ما يتضح من قوله: «لقد دُرست الأنواع
الأدبية أكثر من أيّ شيء آخر، ولكن منذ العصور القديمة إلى يومنا هذا، لم يُبحث في الأنواع سوى
عن سماتها الأدبية والفنية، أو الفروقات التي تميز نوعًا عن آخر [...] ولم تُدرس يومًا بوصفها أنواعًا
محددةً من التلفظ التي تختلف عن أنماط أخرى]أنماط غير أدبية كالحوار اليومي، الأوامر، المعاملات التجارية[ولكنها في الآن نفسه تشترك معها في طبيعتها اللفظية (اللغة»). وقد أتاحت هذه المصالحة اللغوية بين الأدب واللاأدب، التي اقترحها باختين للرواية - بالنظر إلى أنّ الخطابين ينطلقان من ماهية واحدة هي اللغة - أن تنفتح على خارج الأدب، وتضرب بجذورها في أقدم الممارسات الإنسانية اللغوية، لتكسر بذلك حدود الأنواع وتعلن نفسها نوعًا بوليفونيًا هجينًا. ولكن أكانت الرواية بحواريتها وهجنتها وتعبيرها عن بطل إشكالي منفصل عن الأنا الجمعي ثورةً أم إيهامًا بالثورة؟ لنتذكر قول إميل سيوران: «الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما
(((2 جورج لوكاش، «نظرية الرواية»، في: ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 9871)، ص.10 (((2 المرجع نفسه، ص.11
(27) Mikhail Bakhtin, Speech genres and other late essays , Vern W. Mcgee, (trans.), (Austin: University of Texas press, 1986), p. 61.
هو عكس لاختمار والولادة فتكفّ عن كونها ثورةً وتقلّد، بل عليها أن تقلد ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله. وكلما بذلت جهدًا من أجل ذلك (وهي لا تستطيع أن تفعل غير ذلك) زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها»، ليتضح أنّ اكتشاف المؤامرة الثقافية، وتتبع سيرورتها في السياقين العربي والغربي، لا يغير شيئًا من حقيقتها، ولا يمنحنا حتى حقّ الحلم ب لانقلاب عليها ذات يوم؛ ذلك أنّ لانقلاب لن يتمّ إلا بما تتيحه لنا الثقافة من وسائل مقاومة، ولن ينتج إلا خطابات
أدبيةً مقسمةً وإن تغيرت أسماؤها. فالرواية نفسُها ما لبثت أن انقسمت إلى رواية بوليسية ورومانسية وواقعية، وغير ذلك، ما يضعنا إزاء خيار وحيد هو القبول بحقيقة تعالي الأدبية عن آدابنا المقسمة، وربما التساؤل إن كانت هذه الأدبية غير موجودة؛ فلعلّ الثقافة قد أوهمتنا بضرورة البحث عنها كجزء من المؤامرة. أمّا إذا أعرضنا عن السؤال (الذي لن يغير في النهاية شيئًا ذا بالٍ) واكتفينا بقبول هذه التقسيمات كأمر واقع، فلن يكون أمامنا سوى تسويغ نظرية الأنواع وإيهام أنفسنا بضرورتها؛ إذ كيف يمكن أن نتصور مكتبةً لا وجود فيها لتصنيف الكتب؟ ألن يكون البحث فيها عن كتاب، أشبه بالبحث في مكتبة بابل البورخيسية حيث تتقاطع الأروقة والمرايا والنصوص إلى ما لا نهاية.
الخاتمة: هل للأدب حياة خارج الأنواع؟
إنّ الوعي بالمؤامرة التي مارستها الثقافة تجاه أفرادها وإنتاجاتهم لا يعني إمكانية التمرد عليها، ذلك أنّ التمرد والثورة كلاهما جزء من المؤامرة، إذ إنّ السلطة لا تسنّ القوانين فحسب، بل تسنّ كذلك حتى طرق الثورة عليها؛ ف «المؤسسة لاجتماعية لا تروض رعاياها عبر فرض القيود عليهم، فحسب، بل إنّها تقرر لهم سلفًا الوسائل التي بها يقاومون تلك القيود [...] ما جرى اعتباره ثورةً ضدّ السلطة لم يكن في حقيقته سوى واحدة من وسائل السلطة لترسيخ وجودها، وبه تتوسع السلطة وتتقوى». لعل أبرز دليل على استبداد النسق الثقافي وتحكّمه في من يثورون عليه، متمثّل في محاولة موريس بلانشو الذي دعا إلى إلغاء مفهوم النوع وتعويضه بمفهوم الكتاب؛ الذي أكد ضرورة عدم انطوائه تحت جناح أيّ نوع وضرورة نهله مباشرةً من الأدب وحده، إلا أنه قدّم من جهة أخرى- في العمل نفسه الذي نظر إلى ضرورة محو النوع - تقسيمًا جديدًا للأدب يتأكد من خلال تخصيص أحد الفصول
للمذكراتDiary وآخر للخطاب التنبّئي speech Prophetic، ما يؤكد أنّ البنية التصنيفية والتجزيئية
لا تستبدّ بالأدب فحسب، بل كذلك بمنظريه الذين كلما حاولوا الخروج من شباك النسق الثقافي زادوا تكريسًا له وإثباتًا. تبدأ حكاية الأنواع إذن، بتقرير الثقافة بثّ الفرقة في إنتاج الأفراد المتعب والمقلق لراحتها. وهكذا
2(((إميل سيوران، لو كان آدم سعيدًا، ترجمة محمد علي اليوسفي، ط 2 (الدوحة: أزمنة للنشر، 0142)، ص.30
(29) J. L. Borges, Fictions (Paris: Gallimard, 1994), pp. 71-81.
3(((عبد الله الغذامي، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية ط 3 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0052)، ص.46
(31) Maurice Blanchot, Le livre à venir (Paris: Gallimard,1959), p. 136. (32) Todorov, p. 14.
تحتفظ لنفسها بسرّ الأدبية، وتقوم بتشظية الأدب، وجعْله نثرًا وشعرًا ثمّ شفاهيًا وكتابيًا في السياق
العربي، وأنواعًا دراميةً وأخرى سرديةً في السياق الغربي. وبعد ذلك ما تلبث أن تكتشف أنها كلما قسمت الأدب وجعلته أنواعًا «ممأسسة»، كانت الأدبية تفرّ منها إلى الثغور غير المُمأسسة التي مثلها السرد الشعبي في السياق العربي، والخانة الفارغة في السياق الغربي. ولمّا كان مكر الثقافة لا حدّ له، فقد قررتْ أن تدفع الأفراد إلى الثورة عليها، من خلال مأسسة هذه الخانة الفارغة وذلك السرد الشعبي وإنتاج ما يسمّى «الرواية». فبإضفاء هوية على هذا الإنتاج السديمي، يرتاح جميع الأطراف؛ إذ ترتاح الثقافة التي تأكدت من حصرها للأدبية في نوع محدد؛ ومن ثمة تضمن تحكّمها في الأدبية وسلطتها على ما يمكن أن يقال أو لا يقال فيها أو عنها، كما ترتاح العامة بحصولها على اعتراف المؤسسة، مع نسيان/ تناسي أنّ المؤسسة لا توجهها فحسب، بل توجه ثورتها كذلك. بذلك تنتهي الحكاية، باكتشاف بروميثيوس متأخرًا أنّ الآلهة كانت هي من أوحى إليه بسرقة النار، وأنها عذبته بعد سرقتها ومنحها للبشر. وليس ذلك لأنه خالف مشيئتها، بل لتوهمه باختلافه وبطولته، في حين أنّها كانت تضحك من سذاجته سرًّا، ليتأكد أنْ لا حياة للأفراد خارج خطاب الثقافة، ولا حياة للأدب خارج الأنواع.
References
المراجع
العربية
ابن قتيبة، عبد الله. الشعر والشعراء. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: دار المعارف،.1958 أرسطو. فن الشعر. ترجمة إبراهيم حمادة. د.م: مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت. الأندلسي، علي بن حزم. طوق الحمامة في الألفة والألّف: كتاب الحب والجمال. دمشق: مكتبة عرفة، د.ت. باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1.987 التوحيدي، أبو حيان. الامتاع والمؤانسة. بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت. رولان بارط، رولان. لذة النص. ترجمة فؤاد صفا والحسين سحبان. الدار البيضاء: دار توبقال،.1988 سيوران، إميل. لو كان آدم سعيدًا. ترجمة محمد علي اليوسفي. ط.2 الدوحة: أزمنة للنشر،.2014 الغذامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. ط.3 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005
دار توبقال،.2001
الأجنبية
كيليطو، عبد الفتاح. الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي. الدار البيضاء: دار توبقال،.1988 _________. العين والإبرة: دراسة في ألف ليلة وليلة. ترجمة مصطفى النحال. الدار البيضاء: الفنك،
_________. المقامات: السرد والأنساق الثقافية. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. ط.2 الدار البيضاء:
_________. لسان آدم. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. ط.2 الدار البيضاء: دار توبقال،.2001 _________. الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي. ط.4 الدار البيضاء: دار توبقال،
Bakhtin, Mikhail. Speech genres and other late essays. Vern W. Mcgee. (trans.). Austin: University of Texas press, 1986. Blanchot, Maurice. Le livre à venir. Paris: Gallimard,1959. Borges, J. L. Fictions. Paris: Gallimard, 1994. Rumi, Djalal Al-Din. Le Mesnevi: 150 Contes soufis. Paris: Albain Michel, 1988. Todorov, Tzvetan. Genres in Discourse. Catherine Porter (trans.). Cambridge: Cambridge university press, 1990.