إشكالية منزلة الأخلاق في المدونة الأصولية الفقهية
The Place of Ethics in Islamic Jurisprudence
الملخّص
سعينا في بحثنا إلى سدّ ما بدا لنا من نقص في البحوث المتعلقة بمنزلة الأخلاق في النظرية الأصولية الفقهية. وقد بنينا هذه الدراسة على أقسام ثلاثة، ففي القسم الأول درسنا بعض القيم التي تأسست عليها النظريات الأصولية، وفي القسم الثاني اخترنا النظر في علاقة بعض أصول التشريع الفرعية بالبعد القيمي وما تثيره هذه الصلة من إشكاليات، أمّا القسم الثالث فقد خصصناه لأزمة القيم في المنظومة الأصولية وبروز الحاجة إلى تجديدها في الفكر الإسلامي الحديث. وقد استخلصنا جملة من النتائج من أهمها طابع الحركة والتغير والنسبية التي تتسم بها القيم والأخلاق التي تنهض عليها أصول الفقه،وهي خصائص مشتركة بين الأخلاق في كل الديانات في تقديرنا.
Abstract
Abstract: This paper seeks to fill a gap with regard to the role of ethics in Islamic legal theory. Looking first at the values which shaped foundational theories of Islamic jurisprudence, the paper then moves on to consider the relationship between some of the derivatives of Islamic principles and values, taking in some of the problematics raised by these issues. The third part of the paper is devoted to the crisis of values in contemporary Islamic jurisprudence, and the need for renewal in modern Islamic thought. The study concludes that the values on which the roots of Islamic jurisprudence were founded are dynamic, temporal and relative, all of which are features that the author contends are shared by all religions.
- الأخلاق
- القيم
- المدونة الأصولية الفقهية
- التشريع.
- Ethics
- values
- Foundations
- Law.
The Place of Ethics in Islamic
Jurisprudence
خصصناه لأزمة القيم في المنظومة الأصولية وبروز الحاجة إلى تجديدها في الفكر الإسلامي الحديث. واستخلصنا جملة من النتائج من أهمها طابع الحركة والتغير والنسبية التي تتسم بها القيم والأخ ق التي تنهض عليها أصول الفقه، وهي خصائص مشتركة بين الأخ ق في كل الديانات في تقديرنا.
بصفاقس.- تونس
Professor of Higher Education in Islamic Culture and Thought and Jurisprudence in the Arabic Department, Faculty of Arts and Humanities, Sfax, Tunisia.
مقدّمة
يبدو لعامّة الناس أول وهلة أنّ صلة الدّين بالأخلاق بديهية، فكلّ دين منظومة متشابكة من الأحكام والضوابط التشريعية والأخلاقيّة. ومع ذلك، فإنّ هذا الاعتقاد يحتاج إلى مساءلة جديدة ودراسات على قطاعات من الفكر الدّيني تختبر من خلالها هذه الصلة بين المجالين الدّيني والأخلاقي وتحديدًا بين المستويين التشريعي والقيمي. لهذا، اخترنا التوقّف عند ميدان نموذجي من ميادين العلوم الدينية في الإسلام هو علم أصول الفقه لنبحث في مدى حضور المباحث الأخلاقية في قضاياه. لكن ما الذي يدعونا إلى الإقدام على مغامرة دراسة سؤال الأخلاق في المنظومة الأصولية؟ يدعونا إلى ذلك على صعيد أول أنّ الكتابات في هذا المبحث شحيحة وشبه غائبة؛ فالدارسون لأصول الفقه قلّما يخصصون للأبعاد القيمية مكانة ذات بال، والدارسون لعلم الأخلاق قلّما يحفلون بما تضمّه المدونات الأصولية في ثناياها من قيم ومعايير أخلاقية. أمّا على صعيد ثانٍ فالمعلوم أنّ من المطاعن التي توجه إلى مصادر أصول الفقه أنها أغفلت الأبعاد القيمية والمقصدية في النصوص التأسيسية وانشغلت بأبعادها التشريعية والحرفية. ارتأينا على هذا الأساس في القسم الأول من بحثنا تسليط بعض الأضواء على عدد من القيم التي تتأسس عليها المنظومة الأصولية، ولمّا كانت هذه القيم تخترق كل الأصول تقريبًا سعينا في قسم ثانٍ من عملنا إلى التدقيق في منزلة الأخلاق في جملة من أصول التشريع الفرعية، ديدننا في هذا وصف هذه المنزلة في مرحلة أولى ثم بيان الإشكاليات الحافة بها في مرحلة ثانية. وقد حملتنا هذه الإشكاليات إلى القسم الثالث، وهو ينشغل بأزمة القيم في المنظومة الأصولية وانبثاق الحاجة إلى تجديدها في العصر الحديث بخاصة. لا شكّ في أنّ دراسة هذه المسألة ليست بالبداهة التي قد ينتظرها الباحث؛ ذلك أنّ السياقات الأيديولوجية وظّفتها كثيرًا لخدمة أهداف غير علمية على غرار محاولة بعض الدارسين تأكيد أفضلية التشريع الإسلامي على التشريع الغربي الوضعي بسبب مزج الأوّل المستويين الأخلاقي والتشريعي وغياب ذلك من الثاني. ومهما يكن من أمر، فإنّ غايتنا من هذا البحث بيان المفارقة التالية وهي قيام أصول الفقه على قيم وأخلاق جوهرية وليدة الثقافة العربية الإسلامية من جهة وثقافات غيرها من جهة أخرى وتخبطها مع ذلك في أزمة قيمية تفطّن إليها بعض العلماء القدامى وتعمق الوعي بها في الفكر الإسلامي الحديث. والمهمّ في نظرنا مقاربة القضايا التي تتصل بمنزلة الأخلاق ضمن المدونة الأصولية من خلال منهج تاريخي يسعى إلى بيان صلة المباحث النظرية بالسياقات التي نشأت وتطورت فيها وتفاعلت معها تأثيرًا وتأثرًا، ومنهج نقدي يتجاوز المسلّمات ويسائل البديهيات ويراجع الحقائق ولا يخشى من توجيه النقد الموضوعي لرموز المقدّس ومؤسساته.
من الركائز الأخلاقية للمدونة الأصولية الفقهية
1. العصمة ركيزة أخلاقية للفكر الأصولي
يقوم مفهوم العصمة في اللغة على دلالات متنوّعة من أهمّها الدلالة الأخلاقية؛ فقد رأى الشريف المرتضى أنّ «أصل العصمة لغة المنع. يقال عصمت فلانًا من السّوء إذا منعت حلوله به». ومنع حلول السوء بالإنسان ليس سوى فعل أخلاقي إنساني إيجابي إلا أنّ العصمة عند أغلب علماء الإسلام ليست اختيارًا لفعل أخلاقي فحسب وإنّما هي أكثر من ذلك ملكة اجتناب المعاصي سواء أكانت كبائر أم صغائر. وبناءً على هذا كانت العصمة خصلة يتّصف بها في الفكر الأصولي كلّ من يراد تحصينه من الخطأ
ووسمه بالفضيلة وبالأخلاق العالية. وقد تطلق هذه الخصلة على الفرد أو على الجماعة أو على مصادر التشريع. ونلاحظ في هذا الصدد أنّ حجيّة السنّة لم تؤسّس على القرآن فحسب بل كذلك على مبدأ عصمة
النبي. وبناءً على هذا وقع التأكيد لاحقًا ضرورة أن يتحلّى النبيّ بأرقى الأخلاق فيتنزّه عن المنفّرات
جملة كبيرة وصغيرة «لأنّ الغرض بالبعثة ليس إلّ لطف الله بالعباد ومصالحهم». وهذا المفهوم الأخلاقي المثالي غير متفق عليه بين كلّ العلماء حتى داخل الفرقة الواحدة. والجليّ من خلال الفكر الأصولي أنّ علماء الأصول كانوا يميّزون بين مستويين من العصمة؛ العصمة
في التبليغ، وهو مستوى لا يدخله الخطأ البشري في نظرهم لأنّه محفوظ بقرار الوحي الإلهي، أمّا المستوى الثاني فهو العصمة من الذنوب والصغائر. وهذا المستوى يمكن أن يدخله الخطأ بحسب أغلب العلماء لأنّه يتعلّق بالجانب البشري من النبي. يبرز هذا الخلاف في الرأي أنّ القيم الأخلاقية والمفاهيم الكلامية والأصولية ذات الأبعاد الأخلاقية كانت متحرّكة على الدوام كما كانت بمنزلة المرآة العاكسة لخلفيات الأفراد وانتماءاتهم المذهبية
والسياسية وحاجاتهم العاجلة والآجلة. وعلى هذا الأساس وجدنا في هذه المسألة مواقف متطرّفة حينًا
ومعتدلة حينًا آخر. وجد علماء الدّين بعد وفاة النبي أنّه من الضروري أيضًا تواصلً لسلطتهم ولسلطة النصوص الدينية على الصعيدين الفردي والجماعي، أن تتصف بالعصمة عناصر أخرى ذات صلة بالرسول وبالدين، ومن ذلك وصف الأحاديث المتواترة تواترًا معنويًا بالعصمة. ومن ذلك أيضًا ارتقاء كثير من الأصوليين
بمبدأ عدالة الصحابة إلى مستوى إسباغ العصمة عليهم، والظاهر أنّ ما يقف خلف تعظيم شأنهم رؤية مثالية تنزيهية تتخذ من التعديل الكلّي والمطلق لهم سبيلً إلى مواجهة مبدأ عصمة الأئمة عند الشيعة.
(((الشريف المرتضى، أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد، ج 2 (مصر: دار إحياء الكتب العربية، 1954)، ص.347 (((القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان (مصر: مكتبة وهبة، 1965)، ص.573
ولعلّ الإجماع أهمّ مباحث أصول الفقه التي حضرت فيها العصمة معيارًا أخلاقيًا وفكريًا ذا سلطة على
النفوس والعقول، فقد عدّ هذا الأصل التشريعي معصومًا بسبب عصمة العلماء الذين يقوم عليهم.
يوظّف في هذا الصدد حديث «لا تَجْتَمِعُ أمَّتِي علَى خطأ (ضلَالَةٍ)»، وهو يذكّر بمبدأ مسيحي للكنيسة
الرومانية هو «كنيسة روما لا ترتكب أخطاء». يدلّ توظيف المقدّس في هذا السياق على أنّ من الخصائص المشتركة للأديان سعيها إلى إعلاء البشري وإضفاء صفات غير بشرية عليه، وبذلك يقع طمس الخطأ المعجون بطبيعة الإنسان الأرضية. لكن هذه الخاصية لم يكن مجمعًا عليها فقد برزت منذ القديم مواقف تعارضها وتسعى إلى تنسيبها وإلى كشف رهاناتها التاريخية ومن ذلك موقف المعتزلي إبراهيم النظّام الذي أنكر حجية الإجماع مجوّزًا إجماع كلّ المسلمين على الخطأ نافيًا بذلك العصمة عن الأمّة. إنّ رفض عصمة الأئمّة والعلماء والإجماع أضحى اليوم مطلبًا من مطالب تجديد الأصول العقائدية
والفقهية. ففي ذلك تأصيل لاختلاف الحقيقة الصادرة من البشر بخاصة وتأكيد نسبية الأخلاق والأفكار البشرية. وبناءً على هذا يصبح من المتعذّر على أيّ جماعة أن تدّعي احتكار الحقيقة المطلقة والأخلاق
الملائكية ويضحي الإجماع أو الاجتهاد عملية بشرية قابلة للخطأ.
2. العدالة ركيزة أخلاقية أساسية في المنظومة الأصولية
تعدّ عدالة رواة الأخبار في علم أصول الفقه ركيزة أخلاقية حيويّة وأساسيّة لأنّ النصوص الدينية بعد
وفاة الرسول لم تصلنا إلا عن طريق الرواية. وبناءً على هذا عدّ كلّ طعن في ما نقل عن طريق الرواة
العدول طعنًا في الدين وأحكامه. هكذا كانت العدالة معيارًا أخلاقيًا بالأساس لقبول الخبر ونقده غير أنّها ليست خاصّة بالفكر الإسلامي
بل هناك ما يضاهيها في النقد التاريخي الأوروبي. والراجح أنّ العدالة ليست قاعدة ومعيارًا أخلاقيًا تنهض عليه نظرية الخبر في أصول الفقه فحسب
وإنما هي قاعدة يتأسّس عليها أغلب العلوم الإسلامية. ويبدو أنّ الشروط الأخلاقية الواجب توافرها
(((تنسب هذه القولة إلى أحد باباوات الكنيسة. يقول المستشرق يوسف فان آس Ess Van Joseph تعليقًا على هذا الحديث
النبوي: إنّ محتوى هذا الحديث يذكّرنا بالدور الذي اضطلع به الروح القدس في المسيحية «كنيسة روما لا ترتكب أخطاء» بحسب قول البابا لوك Luc، انظر:
Prémices de la théologie musulmane (Paris: Albin Michel, 2002), p. 143.
(((يبرّر النظّام رأيه من خلال عدة مبرّرات منها أنّ الإجماع ليس فيه إلا اجتماع الأفراد، وإذا كان قول كلّ فرد غير موجب للعلم
واليقين لكونه غير معصوم عن الخطأ فكذلك أقاويلهم بعدما اجتمعوا لأنّ توهّم الخطأ لا ينعدم بالاجتماع، انظر: محمد بن أحمد
بن أبي سهل السرخسي، أصول السرخسي، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1996)، ص.295 (((يقول أبو يعلى الفرّاء الحنبلي: «ثمّ قلت له: ومن خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة ب قطع في سندها
ولا جرح في ناقليها وتجرّأ على ردّها فقد تهجم على ردّ الإس ماا لأنّ الإس ماا وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت»، انظر: طبقات
الحنابلة، تحقيق محمد حامد الفقي، ج 2 (القاهرة: مطبعة السنّة المحمدية، 1952)، ص.135 (((رأى بعض الدارسين أنّ نقد العدالة والضبط في نظرية الخبر الإسلامية ليس إلا نقد الأمانة والذمة عند أصحاب النقد التاريخي
الأوروبي، فنقد الأمانة عندهم يقابل نقد العدالة عند المسلمين وهدفه معرفة إن كان المؤلّف لم يكذب، انظر: لانجلو أوسينوبوس،
النقد التاريخي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط 4 (الكويت: وكالة المطبوعات، 1981)، ص.129-128
في الرواة تنبع أساسًا من طبيعة الثقافة الإسلامية الشفوية النقلية. وعلى هذا الأساس اشترطت العدالة
بدلالاتها الأخلاقية في ناقلي اللغة وفي المترشّح للقضاء، وفي رواة الحديث وحضرت العدالة في الفكر الفلسفي بوصفها توسّطًا واعتدالً. ولم تقتصر أهمية العدالة على العلوم الإسلامية النظرية، بل امتدّ أثرها إلى الجوانب العملية حتى عدّت شرطًا معتبرًا في كلّ ولايات الدولة الإسلامية وفقًا للماوردي. ومن أقدم التعريفات الأصولية التي
تخبر عن طابع التعدّد الدلالي الذي ميّز مصطلح العدل والعدالة ما نقله المعتزلي أبو الحسين البصري
حين ذكر أنّه «قد تعورف استعمال العدل في المستكثر من فعل العدل. وتعورف استعماله أيضًا فيمن هو أهل لقبول شهادته، وتعورف أيضًا فيمن تقبل روايته عن النبي». ورأى الشافعي أنّ معيار الصدق ليس كافيًا لقبول شهادة العدل أو روايته فلا بدّ في نظره من اتصافه
بما هو أوسع من الصدق وأشمل، وهو الخير دون أن يعني ذلك رؤية مثالية للخير المتوقّع منه لذلك نسّب صاحب الرسالة هذا المعيار الأخلاقي مصرّحًا أنّه «إذا كان الأغلب من أمره (العدل) ظاهر الخير
قبل وإن كان فيه تقصير عن بعض أمره لأنّه لا يعرى أحد رأينا من الذنوب وإذا خلط الذنوب والعمل الصالح فليس فيه إلا الاجتهاد على الأغلب من أمره بالتمييز بين حسنه وقبحه». ويخبر هذا التعريف عن القيمة الكبرى للأخلاق في رؤية الشافعي الأصولية. استلهم الغزالي تعريف الشافعي للعدالة وطعّمه برافد فلسفي جامعًا بين البعدين الأخلاقي والديني في هذا التعريف باحثًا عن طريقة الفلاسفة عن المصدر الكامن وراء هذه القيمة. يقول: «والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدّين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن الكذب». والظاهر أنّ التأثير الشافعي يتجلّى خاصّة في عبارة الغزالي «استقامة السيرة»، فالشافعي
يرى أنّ محكّ صدق العدل هو التجربة والممارسة العملية بما يعني الحكم على الخلق وقد استحال سلوكًا وكذلك الغزالي لا يشذّ عنه. وكان يمكن الغزالي أن يعدّ الاستقامة أثرًا من آثار الانسجام مع العرف الاجتماعي الذي ضبط معايير
خاصّة للاستقامة لكنّه تحت تأثير تكوينه الفلسفي ارتأى تفسير الاستقامة تفسيرًا قائمًا على معنى
نفسي ذاتي عبّر عنه من خلال عبارة «هيئة راسخة في النفس» أي إنّ الاستقامة خلق غريزي فطري أو
حالة في النفس تدعوها إلى الفعل دون تفكير. والأساس بالنسبة إلينا هو المضمون الأخلاقي لمفهوم العدالة عند الغزالي فهو يحدّده أوّلً بوصفه يعني استقامة السيرة والدين، ويوضحه بعد ذلك من خلال
(((أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية (بيروت: دار الكتاب العربي، 1990)، ص.131 (((أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، باب ذكر فصول أحوال الراوي، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1983)، ص.617 (((محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط 2 (القاهرة: مكتبة دار التراث، 1979)، ص.462 (1((أبو حامد بن محمد الغزالي، المستصفى، ترتيب وضبط محمد عبد السلام عبد الشافي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص.125
عبارة «ملازمة التقوى والمروءة»، ولئن كانت التقوى تعني خشية الله عامّة، فإنّها تنبئ أنّ أخلاق العدل وسلوكه ينبغي أن يكونا مرآة تعكس هذه الخشية سواء من ناحية الالتزام الديني أو الأخلاقي بأوامر الدين ونواهيه. أمّا المروءة فإنّها يمكن أن تعني الأخلاق الذاتية للعدل فضلً عن الأخلاق الاجتماعية النابعة من مراعاة العادات والأعراف. اتّسع تصوّر الأصوليين للأخلاق ليشمل الأعراف الجارية فأضحت هذه الأخلاق الاجتماعية بمنزلة آلية يقصد منها تثبيت الوضع الاجتماعي وتكريس خط الفصل بين فئات المجتمع، لذلك برز من يرفض هذا المعيار بحجّة أنّه «لا مدخل للعادة في هذا الأمر الديني الذي تبنى عليه قنطرتان عظيمتان هما الرواية والشهادة». والظاهر أنّ ما دعا بعض العلماء إلى الاعتراض على إدخال المروءة في حدّ العدالة أنّ جلّها يرجع إلى مراعاة العادات الجارية بين الناس، وهي مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة والأجناس. ولم يقتصر نقد مفهوم العدالة على هذا الجانب بل وجهت إليه عدّة مطاعن من أهمّها أنّه مفهوم مثالي فعدّ العدالة ملكة راسخة في النفس تحمل صاحبها على التقوى والمروءة ومطلب عزيز المنال لا يوجد إلا في الأنبياء والمعصومين. ويهمل مفهوم العدالة من جهة أخرى عدّ النواحي الفكرية والعقلية لدى رجال الإسناد، فقد يكون الراوي ممّن تتوافر فيه شروط العدالة الأخلاقية كالصدق والثقة لكنّه لا يملك مستوى فكريًا يؤهّله للتحرّي في مضمون الحديث، ذلك أنّه يمكن أن يكون ممّن يؤمنون بالخرافات التي كانت سائدة في
عصره فيخرج الحديث عن غير قصد سيئ متأثرًا بهذه الخرافات خاصة أنّ الأحاديث بعد طول الزمن
أصبحت تروى بالمعنى وليس باللفظ. لئن ركّزت نظرية الخبر الأصولية على الأبعاد الأخلاقية والدينية لرجال السند، فإنّه لم يعد مقبولً الاكتفاء بمقياس العدالة؛ إذ لا بدّ من دعمه بنقد المتن والتحرّي في المضمون وهو ما تفطّن إليه
المعتزلة منذ القديم، فصحّة الحديث لا يمكن أن تقوم على العدالة وحدها معيارًا أخلاقيًا ذلك أنّه
لا بدّ من عرض الخبر على العقل ضمانًا لاتساق مضامين الأخبار وانسجامها مع المنطق السليم. ولئن سعى فريق من الأصوليين إلى تغليف العدالة معيارًا أخلاقيًا بالمقدّس، فلا يمكن لهذا الفعل
أن يحجب حقيقة تاريخية هذا المعيار على غرار كلّ المعايير الأخلاقية الفردية أو الجماعية. وهذا ما يؤكّده بعض الأصوليين أنفسهم. ولهذا تمّ تخفيف الشروط المطلوبة في العدالة لأنّها بدت غير واقعية في العصور المتأخّرة.
(1((محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول، تحقيق محمد صبحي بن حسن حلاّق (دمشق: دار ابن كثير، 2000)، ص.218 (1((طاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول الأثر (مصر: المطبعة الجمالية، 1910)، ص.28 (1((راجع: إبراهيم فوزي، تدوين السنّة، ط 2 (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 1995)، ص.191-190 (1((أبو نشوان الحميري، رسالة الحور العين، تحقيق كمال مصطفى، ط 2 (بيروت: دار آزال للطباعة والنشر، 1985)، ص.285 (1((نذكر مثل تمييز أبي الحسين البصري بين العدالة في زمن النبي وبعده يقول: «ففي زمن النبي كانت العدالة منوطة بالإسلام
فكان الظاهر من المسلم كونه عدلً أمّا في الأزمان التي كثرت فيها الخيانات ممّن يعتقد الإس ماا فليس الظاهر من إسلام الإنسان
كونه عدلً فلا بدّ من اختباره»، البصري، المعتمد، ج 2، ص.620
بناءً على هذا، فإنّ العدالة بوصفها لبنة من لبنات المنظومة الأخلاقية التي انبنت عليها أصول الفقه عامة
ونظرية الخبر خاصة تعدّ مسألة اجتهادية خلافية، ويترتّب على ذلك أنّها مثل كلّ معيار أخلاقي من صنع الإنسان والتاريخ مرآة عاكسة لأهواء البشر وتقلّبات التاريخ ومشبعة بالدوافع المذهبية والسياسية.
3. الصدق أساسًا أخلاقيًا للمنظومة الأخلاقية
لا شكّ في أنّ الدين عامّة والمنظومة الأصولية الفقهية خاصة ينهضان على معيار أخلاقي جوهري
هو الصدق فلا بدّ من أن يكون القرآن صادقًا والرسول صادقًا حتى يقع تصديقهما ولا بدّ من أن يكون التصديق المدخل الأوّل للإيمان بالدين الإسلامي. وبناءً على هذا يعدّ مرتكز السمعيات أمرين؛
أحدهما «المعجزة والثاني ثبوت العلم بالكلام الصدق الحق لله سبحانه وتعالى». ويعني هذا أنّ النص القرآني عدّ نصًّا صحيحًا يعتمد على عصمة الرسول في تبليغ النصّ، كما عدّ إخبارًا يتميّز عن
غيره في أنّه لا يحتمل إلا الصدق. إنّ إلحاح المنظومتين الأصوليتين الفقهية والكلامية على الصدق قيمة أصيلة والكذب قيمة متدهورة سلبية هو في بعد من أبعاده ردّة فعل على ما شهده الواقع التاريخي من تفشّي ظواهر الوضع في الحديث والتكذيب للأصول والنصوص الدينية وتحوّل القيم السلبية وفي مقدّمتها قيمة التكذيب
سلاحًا في أيدي ممثّلي الأديان المختلفة، وأضحى القرآن ذاته مصدرًا لهذا الصراع النظري بين أتباع
الديانات. والجليّ أنّ الاهتمام بالصدق قيمةً ومعيارًا لم يقتصر على المشتغلين بالمقدّس بل اتسع
ليشمل كلّ العلوم تقريبًا. تجلّى الاعتناء بمسألة الصدق والكذب أكثر ما تجلّى في المدوّنة الأصوليّة الفقهية من خلال مباحث
الأخبار؛ فانطلاقًا من تعريف الأصوليين للخبر برز معيار الصدق والكذب ركنًا ملازمًا لهذا التعريف
ينمّ عن تأثّر بالفلسفة والمنطق غير خفيّ لذلك نجدهم يحدّونه بأنّه ما احتمل الصدق والكذب لذاته،
ويبتغون من وراء عبارة «لذاته» الاحتراز عن كلام الله والأنبياء الذين لا شكّ في صدق إخبارهم. والظاهر أنّ الفلسفة لا تزال إلى اليوم تعتمد معيار الصدق والكذب الذي بني عليه حد الخبر مثلما نجد ذلك عند فلاسفة غربيين كالفيلسوف الإنكليزي برتراند رسل والألماني رودلف كارناب. لئن كان معيار الصدق والكذب يعتمد على مطابقة الخبر للواقع أو عدم مطابقته له فإنّ فريقًا من العلماء عارضه ومنهم إبراهيم النظّام المعتزلي الذي بنى صدق الخبر أو كذبه على اعتقاد المخبر وليس على الواقع مثلما هو سائد.
(1((انظر مثلا كتابنا: السنّة بين الأصول والتاريخ (بيروت: المؤسسة العربية للتحديث الفكري/ المركز الثقافي العربي، 2005)،
ص.162 (1((عبد الملك بن عبد الله الجويني، البرهان، تحقيق عبد العظيم الديب، ج 1 (قطر: مطابع الدوحة الحديثة، 1399 ه)، ص.58 (1((عزيز العظمة، «النص والأسطورة والتاريخ»، في: الإسلام والحداثة (لندن: دار الساقي، 1990)، ص.262 (1((انظر لمزيد التوسّع: محمد حسن مصطفى، «الخبر والإنشاء بين المفهوم المنطقي والدلّالة اللغوية»، مجلّة أبحاث، كلية
التربية الأساسية، مج 4، العدد 2 (2006)، شوهد في 2016/8/14، في:
https://goo.gl/2iMhan
ورأى أركون أنّ البحث في صدق الخبر أو كذبه يحصرنا في نوع من المبارزة الثيولوجية التي كانت تدور في العصور الوسطى: إمّا هكذا وإمّا فلا. ولئن نشأ معيار الصدق والكذب في سياق فكري متأثّر بالفلسفة والمنطق فإنّه تأثّر بالتوازي مع ذلك بالخلفية الأخلاقية السائدة في البيئة العربية الإسلامية لذلك تقدّمت الشروط الأخلاقية في الراوي على الشروط العلمية عند الشافعي. والواضح أنّ الصدق في نظرية الخبر الأصولية هو نتيجة للصفات الأخلاقية الإيجابية التي تتوافر في الراوي وهي ما يعبّر عنه بالاستقامة والعدالة والثقة والأمانة. لكنّ المعيار الأخلاقي ليس المحدّد الوحيد لصدق الخبر؛ إذ تتدخّل في المسألة عوامل أخرى من خارج طرفي الخبر. ومن ذلك سلطة العلماء التي تحكم على صدق الخبر إن قبلته بعد استجابته لشروطها. وقد كان الأصوليون واعين بدور العامل السياسي في تكييف الخبر، في التلاعب بالقيم الأخلاقية كالأمانة في نقل الخبر والصدق، فلئن كان نقل الخبر من عدد كبير من الرواة مؤدّيًا إلى اليقين في كثير من الأحيان، فإنّ تدخل السلطة السياسية قد يوظّف هذا الجمع من الرواة لوضع الخبر وللكذب. يبرز هذا الموقف أنّ مسألة الصدق على غرار القيم الأخلاقية الأخرى مسألة نسبية اجتهادية لا مجال للقطع فيها. وتكفي ملاحظة موضوعية لتاريخ الحديث النبوي لاستخلاص جملة من الحقائق منها أنّ الكذب غير مستحيل على المخبر لكثرة الأسباب الداعية إليه، وأنّ الصادق عند الناس يمكن أن يكذب، وأنّ من علامات الكذب في الأخبار تناقضها. وبناءً على هذا رفض بعض المعتزلة التسليم بصحة مطلقة للقيم والأخلاق. والملاحظ أنّ نظرية الخبر عند المحدّثين والأصوليين وإن قامت على مثالية أخلاقية تفترض أنّ الإنسان الفاضل والعدل الذي يأبى تعمّد الكذب هو بالضرورة صادق في قوله، فإنّها كانت في أغلب الأحيان غافلة عن احتمال أن يكون هذا الإنسان الفاضل ضعيف الذاكرة أو شديد الرغبة في أن يكون رأيه صادقًا أو لديه ميل إلى إسقاط الحاضر على الماضي أو صبغ الحقائق بصبغة رأيه أو متأثّرًا بإيحاء وتوجيه الأسئلة الموجّهة إليه.
(2((يرى أركون أنّ منطق النعم وال الذي كان يوجّه المماحكات الثيولوجية في الإس ماا كما في المسيحية لم يعد هو منطق
علوم الإنسان والمجتمع الراهنة. إن المشكلة لم تعد تطرح بصيغة الصحة أو التزوير بل هناك مشاكل سابقة وأولية ينبغي طرحها
أوّلً على غرار مسألة علاقة الإنسان بالمقدّس، انظر: محمد أركون، الفكر الإس مااي، قراءة علمية (بيروت: مركز الإنماء القومي،
1987)، ص.58 ((2(الشافعي، ج 1، ص.342 (2((انتقدوا موقف فريق من الحنابلة وأهل الحديث رأى أنّ خبر الواحد العدل يوجب العلم أي اليقين والقطع لأنّه قد زل من الرواة
الأثبات من لا يعدّون كثرة بحسب عبارة الجويني، انظر: الجويني، ج 1، ص.366 (2((عبد الله أحمد النعيم، نحو تطوير التشريع الإسلامي (القاهرة: سينا للنشر، 1994)، ص.50
منزلة الأخلاق ضمن أصول الفقه الفرعية
1. المصلحة ركيزة أخلاقية من ركائز أصول الفقه
رأى علاّل الفاسي في العصر الحديث أنّ مكارم الأخلاق مقياس كلّ مصلحة عامّة وأساس كلّ مقصد من مقاصد الإسلام. فهل تعضد المدوّنة الأصولية هذا الموقف؟ أم هل تدحضه؟ يمكن أن نجد في تعريف الغزالي للمصلحة ما يؤيّد هذا الرأي؛ فهي لديه «عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرّة». وهذا تعريفها اللغوي العام الذي يرمي إلى تحقيق مقاصد الخلق وصلاحهم في تحصيل مقاصدهم. ولئن كان مصطلح الصلاح يخبر عن الدلالة الأخلاقية لمفهوم المصلحة فإنّ الغزالي لا يهتمّ به كثيرًا لأنّ غرضه تأسيس فهم ديني فقهي للمصلحة لذلك يصرّح بأنّه يعني بالمصلحة «المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكلّ ما يتضمّن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلّ ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة». والظاهر أنّ مفهوم المصلحة هذا وإن غلّف بلبوس ديني فإنّ مبتغاه دنيوي بالأساس وملتحم بالأخلاق لأنّ المحافظة على دين الخلق أو نفسهم أو مالهم أو نسلهم أو عقلهم يقتضي بالتأكيد الحفاظ على الأخلاق الإيجابية التي تحكم العلاقات الفردية والجماعية. وقد كان العزّ بن عبد السلام (ت. 660 ه) يعدّ فقه المصالح بحثًا في الأخلاق لذلك استند إلى آيات تأمر بالأخلاق الحسنة لإثبات مشروعية المصلحة اعتمادًا على القرآن. ويمكن أن نلفي حضور البعد الأخلاقي أيضًا في أهمّ حديث عدّ حجّة من حجج إثبات حجية المصلحة وهو «لَ ضررَ ولَ ضِرَار». ويقتضي هذا الحديث بحسب الفقهاء الذين عدّوه أساسيًا في مبحث المصلحة، رعاية المصالح إثباتًا والمفاسد نفيًا؛ إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة. والظاهر أنّ صلة الحديث المذكور بالمصلحة ومن ثمّ بالبعد الأخلاقي لم تترسّخ إلا بدايةً من الطّوفي. ويعدّ الاستدلال العقلي على حجية المصلحة من علامات صلتها بالأخلاق أيضًا.
(2((علاّل الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ط 5 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ص.193 ((2(الغزالي، ص.184 (2((«شرح الحديث الثاني والثلاثين»، في: مصطفى زيد، المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي (القاهرة: مطبعة لجنة البيان العربي، 1954)، ص.17 ((2(ذهب فريق من الأصوليين إلى القطع بأنّ المصلحة الغالبة على المفسدة تعدّ قطعًا عند الشارع لأنّ ترك الخير الكثير لأجل
الشر القليل شر كثير. وبناءً على هذا إذا غلب على ظنّ الفقيه أنّ حكمًا ما في حادثة معيّنة معتبرة شرعًا ويجب العمل بها، انظر: أبو
بكر الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988)، ص.581
2. إشكالية حضور الأخلاق ضمن المصالح والمقاصد
يعدّ التصريح بحضور مكارم الأخلاق ضمن المصالح والمقاصد من أول الأدلة على الصلة المتينة بين الخطاب الأخلاقي والخطاب الأصولي والمقاصدي. وتجلّى هذا التصريح في الخطاب الأصولي أثناء تقسيم الأصوليين المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وتتنزّل مكارم الأخلاق ضمن الرتبة الثالثة الخاصّة بالتحسينات. ويصرّح الجويني بعلاقة هذا النوع من المصالح بالأخلاق فيقول: «وأمّا الضرب
الثالث وهو ما لا ينتسب إلى ضرورة ولا إلى حاجة، وغايته الاستحثاث على مكارم الأخلاق». ويتبيّن هكذا أنّ منزلة المصالح التحسينية تشمل جانب الأخلاق بمفهومها الواسع فكلّ ما أدّى إلى
جلب خلق كريم أو نفي لآخر سيّئ هو من المصالح التحسينية. وحافظ الشاطبي على هذا المفهوم المتّسع للتحسينات ورأى أنّه يندرج ضمن قسم مكارم الأخلاق. إلا أنّه سعى إلى تغليف هذا المفهوم بالمقدس فقد قسّم العوائد الجارية إلى ضربين أحدهما العوائد
الشرعية التي أقرّها الدليل الشرعي أو نفاها بالأمر بها أو النهي عنها أو الإذن فيها. وهذا النوع ثابت
أبدًا كسائر الأمور الشرعية في نظر الشاطبي. ويمثّل عليها بسلب العبد أهلية الشهادة فهي من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع «فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلّفين فلا يصحّ أن ينقلب
الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا حتى يقال مثلً: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن
فلنُجزه». ومن الواضح أنّ الفقيه الذي يدافع عن هذا الموقف كان ينطق باسم طبقة الخاصة والأسياد التي يلائمها استمرار الوضع الاجتماعي القائم على التمييز بين الطبقات ولذلك فهو يسبغ المشروعية الدينية على هذه المسألة والحال أنّه لا يوجد إجماع بين العلماء عليها من ذلك قبول علماء الحنابلة والظاهرية شهادة العبد أصلً من أصول مذهبهم. والأخطر من تغليف المسألة بالمقدّس أمران؛ أولهما السعي إلى تثبيت العرف السائد وتبريره وعدّه من محاسن الأخلاق التي لا يجوز تغييرها، فأيّ تغيير طارئ يعدّه الشاطبي نسخًا للأحكام المستقرة
المستمرة، والنسخ بعد موت النبي باطل. ويذكّرنا هذا الموقف بالموقف اليوناني القديم الذي كان يرفض أيّ انزلاق طبقي فكلّ من يولد منتميًا إلى طبقة ما لا يحقّ له أن يتحوّل عنها. وهذا عينه ما يدافع
عنه الفقيه والأصولي عندما يرفض شهادة العبد فهو يسهم في تكريس وضع العبودية وتأييده. أمّا الأمر الثاني فيتمثّل بانزياح الموقف الفقهي والأصولي عن روح الرسالة القرآنية التي أكّدت احترام
الذات البشرية، ويتجلّى هذا من خلال عدّ العبد المسلوبة شهادته إنسانًا ناقصًا لا تتوافر فيه قيمة المروءة التي فسّرها ابن منظور بكمال الرجولية والإنسانية والعفّة.
((2(المرجع نفسه، ج 2، ص.84 ((2(يقول الشاطبي: «وأمّا التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنّب الأحوال المدنّسات التي تأنفها العقول
الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخ قاا وهي جارية فيما جرت في الأوليات»، انظر: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله درّاز، مج 1، ج 2 (بيروت: دار المعرفة، 1994)، ص.9 ((3(المرجع نفسه، ج 2، ص.571-570 (3((ابن منظور، لسان العرب، ج 13 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988) ص.61
والملاحظ أنّ الفكر الإسلامي المعاصر شهد ردّة فعل نقدية على حصر مكارم الأخلاق ضمن المرتبة الثالثة من مراتب المصالح، وهي مرتبة تصنّف من حيث الحاجة إليها وأهمّيتها في أدنى مراتب المقاصد الشرعية بعد الضروريات والحاجيات، من ذلك مثلً عدّ عمّار الطالبي مكارم الأخلاق ليست صنفًا من التحسينات مثلما رأى الأصوليون بل هي عصب شبكة العلاقات الاجتماعية لا يستقرّ لها قرار
دون قيم أخلاقية تستند إليها الحياة الفردية والاجتماعية. إنّ البرهان على الالتحام بين الفقه والأخلاق جليّ في البنية المعرفية لعلم أصول الفقه، يسندها قول
الشاطبي بالمقصد الشرعي ركنًا مكينًا في التعليل الأصولي وهو ما يفتح باب تغلغل الأخلاق في الضروريات والحاجيات فضلً عن التحسينات. تعبّر هذه المواقف وغيرها عن وقوف ممثّل الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر على إشكالية الصلة
بين الأخلاق والخطاب الأصولي والمقاصدي وهذا ما دفع محمد الطاهر بن عاشور إلى توسيع مفهوم المصالح التحسينية لتتجاوز المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي ولتتعدّى جوانب العبادات والأخلاق لتشمل كل الجوانب الاجتماعية والثقافية وغيرها. انطلق الباحثون المعاصرون من آراء بن عاشور وبعده الفاسي وغيرهما من أعلام الفكر الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين لتكريس النزعة الأخلاقية في مقاصد الشريعة حتى عدّ التعريف الذي يوفي بحقيقة علم المقاصد هو باختصار علم الصلاح؛ إذ يجيب هذا العلم عن السؤال التالي: كيف يكون الإنسان صالحًا؟ أو كيف يأتي الإنسان عملً صالحًا؟ ومعلوم أنّ الصلاح قيمة خلقية بل هو بحسب طه عبد الرحمن القيمة التي تندرج تحتها جميع القيم الأخلاقية الأخرى.
3. منزلة الأخلاق ضمن الاستحسان
يمكن أن نلمس حضور الأخلاق في الاستحسان أصلً فرعيًا للتشريع انطلاقًا من تعريفه. من ذلك قول الفقيه الحنفي السرخسي: «يقول الرجل: استحسنت كذا، أي اعتقدته حسنا، على ضدّ الاستقباح أو معناه طلب الأحسن للاتّباع الذي هو مأمور به». ولئن كان معنى عبارة «طلب الأحسن» مختلفًا
(3((عمّار الطالبي، «مقاصد الشريعة في المجتمع الإسلامي»، مجلّة ثقافتنا، العدد 9 (1427 عن ملخص لهذه المقالة في ه)، نقل
موقع إيران والعرب، في:
http://iranarab.com
(3((انظر لمزيد التوسّع: نورة بوحناش، مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخ قاا في الفكر العربي الإس مااي، أطروحة
دكتوراه دولة في الفلسفة، إشراف عبد الرحمن التليلي، السنة الجامعية 2007-2006، جامعة منتوري قسنطينة، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، الجزائر، ص 120 وما بعدها. (3((محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية (تونس: المطبعة الفنية، 1366 ه)، ص.308-307 (3((طه عبد الرحمن، «مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة»، مجلة المسلم المعاصر، العدد 103 (2002)، شوهد في 2017/9/9، في:
https://goo.gl/uAmtKS
(3((السرخسي، المحرّر في أصول الفقه، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1996)، ص.148
عليه فإنّه يتضمّن المعنى الأخلاقي مثلما صرّح بذلك من عارض اعتماد النص القرآني لإثبات
حجية الاستحسان. يقول الماوردي ردًّا على من اعتمد الآية «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فيَتَّبِعُونَ أحْسنَهُ»
:(الزمر 18-17): «والجواب الثالث أنّه محمول على ما جعل له من استيفاء الحق وندب إليه من العفو». هكذا فإنّ العفو معنى من المعاني التي فسّرت بها العبارة القرآنية فضلً عن معان أخرى كالمحكمات
أو النسخ أو القرآن ذاته لكن المعنى الأخلاقي لا يمكن في نظرنا المتواضع أن يكون حجة ضدّ مثبتي الاستحسان، لأنّ المجتهد يمكن أن يستحسن بعقله ما يجده منسجمًا مع أخلاق الفضيلة والخير
والتسامح على غرار العفو. ويمكن عدّ الحديث الوحيد المعتمد في إثبات حجية الاستحسان وهو «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» من علامات اتصال البعد الأخلاقي بالاستحسان. فما يراه المسلمون حسنًا يشتمل بالضرورة على ما يرونه صالحًا ونافعًا من الأخلاق والقيم، لكن من الأصوليين من رفض
الاحتجاج بهذا الحديث لأنّه يفتح باب الاستحسان بالعقل والحال أنّ العقل لا دخل له في التشريع وفق التصوّر السنّي. وبالإمكان أن نقف على حضور البعد الأخلاقي من خلال مبحث حجية
الاستحسان من الإجماع، فقد استدلّ الأصوليون في هذا السياق بإجماع الأمة على دخول الحمّام
من غير تقدير الأجرة وعوض الماء ومدّة اللّبث. ويقوم هذا الاستحسان على أن التقدير في مثل هذا الفعل قبيح بسبب المشقّة التي تترتّب عليه، لذلك كانت المشقة سبب الرّخصة. ويستخلص
من هذا المثال أنّ السلوك الاجتماعي كان يخضع لمحدّدات أخلاقية منها المرونة والسماحة تيسيرًا
للمعاملات الاجتماعية. لكنّ مبدأ التيسير لا يقتصر على المستوى الاجتماعي بل هو مبدأ عام يخصّ الدين كلّه لذلك شرّع
الفقه الحنفي استخدام الاستحسان لكونه اتّباعًا لأصل في الدين هو ترك العسر لليسر لذلك نلفي السرخسي يقرّر بعد استعراض تعريفات الاستحسان أنّ حاصلها «أنّه ترك العسر لليسر. وهو أصل
في الدّين قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكمُ اليُسْرَ ولاَ يُرِيدُ بِكمُ العُسْرَ» (البقرة: 185). هكذا ساهم
الاستحسان في وصل الفقه الحنفي مع الواقع ممّا جعله يتّسم بالمرونة والإنسانية متجسّمة في الإشفاق
على السّارق الذي قطعت يده ورجله عقابًا له على سرقتين قام بهما لذلك يستخدم الاستحسان لتعطيل
(3((أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، أدب القاضي، تحقيق محيي ه لاا سرحان، ج 1 (بغداد: مطبعة الإرشاد، 1971)، ص.656-655 (3((أحمد بن حنبل، المسند، موسوعة السنّة، الكتب السنة وشروحها، ج 1 (تونس/ إسطنبول: دار سحنون/ دار الدعوة، 1992)،
ص.379 ((3(راجع قول نجم الدين الطوفي في هذا المجال: «وأمّا مسألة الحمّام أي استحسانهم دخول الحمّام بغير الأجرة ونحو ذلك،
فسومح فيه لعموم مشقة التقدير، إذ يشقّ جدًّا أن يجعل في الحمّام صاع يقدّر به الماء وبنكام (آلة يقدّر بها الزمان) يقدّر به الزمان أو
نحو ذلك [...] فوقع الاصطلاح على رفض ذلك لتعذّره ثم يعطى الحمّامي عوضا عن ذلك»، انظر: شرح مختصر الروضة، تحقيق
عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1987)، ص.196 (4((شمس الدين السرخسي، المبسوط، ج 10 (القاهرة: مطبعة السعادة، 1913-1906)، ص.145
النص عند قيام هذا السارق بسرقة ثالثة فلا يقطع عضو من أعضائه وإنّما يحتفظ به في السجن حتى يتوب. ولئن كان الاستحسان يؤدي وظائف حيوية في تطوير الفقه الإسلامي لأنّه يشجّع على المرونة في
المعاملات وإعمال العقل في النصوص والنوازل وإقرار العدل بين الناس وتجنّب الخضوع الأعمى للنصوص الدينية، فإنّه قد أفرغ من مضمونه عبر التاريخ بسبب إدماجه ضمن مصادر التشريع المعترف بها وحرمانه من وضع الأصل التشريعي المستقل. فأضحى عدولً عن قاعدة أقرّت بالقياس إلى قاعدة
أخرى، وعدّ بهذا نوعًا من أنواع الترجيح وأداة للتأويل أكثر منه مصدرًا للتشريع. وانتبه فريق من الدارسين المعاصرين إلى أهمية أصل الاستحسان وأبعاده الأخلاقية والمقاصدية ذات النفع للبشر فشبّهه بعضهم بما هو معروف عند رجال القانون باسم الاتجاه إلى روح القانون وقواعده
العامة الكلية في حين عدّه آخرون قريبًا من مفهوم العدل في القانون الغربي.
4. العرف والأخلاق
ترتبط الأخلاق بالعرف انطلاقًا من مفهومه اللغوي فهو بحسب ابن منظور «كلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه». ولئن كان هذا التعريف دالًّ على معنى وحيد أخلاقي في مصطلح العرف، فإنّ التعريفات الأصولية وسّعت هذه الدلالة لتشمل «ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة».
والواضح أنّ مبتغى صاحب هذا التعريف إخراج العبادات من المجال الذي يشمله العرف، إلا أنّه يفتح الباب على كلّ المعاملات التي ترتبط حتمًا بالأخلاق الحاكمة لهذه المعاملات. وقد تتماهى الأعراف مع الأخلاق وتشترك معها في طابع التحوّل والنسبية فالعادة أو العرف قد تكون
عامّة أو خاصّة وكذلك الأخلاق «العادة غلبة معنى من المعاني على الناس، وقد تكون هذه الغلبة في
سائر الأقاليم كالحاجة للغذاء والتنفّس في الهواء وقد تكون خاصّة ببعض البلاد كالنقود والعيوب، وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالأذان للإسلام [...] فهذه العادة يقضى بها عندنا». وما يعضد ما نذهب إليه التأويل الأخلاقي للعرف في الآية الوحيدة تقريبًا التي اعتمدت لإثبات حجية
هذا الأصل التشريعي الفرعي، وهي ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأعْرِضَْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾ (الأعراف:
((4(يقول المرغيناني في هذا الصدد: «ويقطع يمين السارق من الزند ويحسم فإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثًا
لم يقطع وخلد في السجن حتى يتوب. وهذا استحسان، ويعزّر أيضًا ذكره المشايخ»، انظر: أبو الحسن المرغيناني، الهداية شرح
بداية المبتدئ (كراتشي -باكستان: منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1417 ه)، ص.184
Bernard Weiss, «Interpretation in Islamic Law, theory of Ijtihad,» The American Journal of Comparative (4(انظر:(Law , vol. 26, no. 2 (Spring 1978), p. 202.
(4((وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي (دمشق: دار الفكر، 1986)، ص.739
Abdul Hannan, Usul al Fikh Made Easy: Principles of Islamic Jurisprudence (Create Space Shah (4(راجع:(Independent Publishing Platform, 2016), pp. 25-26.
(4((ابن منظور، لسان العرب، ج 9، ص.155 (4((منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، قواطع الأدلّة في الأصول، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص.29 (4((أحمد بن إدريس القرافي، شرح تنقيح الفصول (دمشق: دار الفكر، 1973)، ص.440
199) وتجلى هذا المعنى لدى الطبري، فقد اختار أن يكون محتوى العرف أخلاقيًا ممتزجًا بالأمر
الديني، فهو في نظره المعروف في كلام العرب، وهو متصل بقيم كثيرة. هكذا عبّد الطبري للمفسّرين طريق فهم معياري إيجابي للفظ العرف والآية عامة فأضحت لديهم
جامعة لمكارم الأخلاق متضمّنة قواعد الشريعة وحسناتها حتى لم يبق فيها حسنة إلا أوضحتها ولا فضيلة إلا شرحتها على حدّ عبارة ابن العربي. والظاهر أنّ أهمّ خاصية للعرف وهي الحركة والتغيّر ترجع أساسًا إلى دافع أخلاقي يتمثّل بالرفق بالناس
والتخفيف عليهم. وقد أدرك فريق من الفقهاء الحنفية خاصة هذا المعنى فأعلن بعضهم أنّ كثيرًا من
الأحكام يختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان. ولئن كانت وظيفة العرف إيجابية في هذا المستوى لأنّه يجعل الأحكام متغيّرة وغير جامدة فإنّه كثيرًا ما
اضطلع بوظائف سلبية تتمثل خاصة بتبرير الأوضاع السائدة وتكريس الأخلاق التمييزية المهيمنة على المجتمع وعدّها أخلاقًا وعادات حسنة لفرض رضا كل الفئات بها على غرار عدّ ابن رشيق المالكي.(ت 632 ه) «من جملة محاسن العادات أن لا تباشر المرأة عقد النكاح». وقد اضطرّ الأصوليون والفقهاء تحت ضغط النوازل والقضايا الجديدة إلى الرجوع إلى العرف
محاولين امتصاص قسم كبير منه والسعي إلى تقنينه. لذلك جعلوا للعرف سلطة على مجالات كثيرة في الواقع الإسلامي ودعوا إلى تغيّر الأحكام والفتاوى بحسب تغيّر الأعراف. لكن بحكم بطء
التغيّرات الاجتماعيّة ظلّت الأعراف المتحكّمة في الواقع محافظة عبر القرون على طابع التمييز بين
الفئات الاجتماعيّة وبين الأجناس والألوان، ولم يسع الفقهاء والأصوليون إلى تغيير هذا الوضع وإنّما
أسبغوا عليه المشروعيّة حفاظًا على امتيازاتهم وحرصًا على عدم المواجهة مع السلطة السياسية وتجنّبًا
لخلخلة النظام الاجتماعي ممّا قد يهدّد المؤسسة الدينية. ومن أمثلة تغليب الواقع متجسمًا في مبدأ الضرورة على القاعدة الشرعية ما حدث من تطوّر مهمّ في مسألة الشهادة في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
((4(ومن المعروف «صلة رحم من قطع وإعطاء من حرم والعفو عمّن ظلم وكلّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه فهو من
العرف»، انظر: الطبري، تفسير الطبري، ج 6 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص.154 (4((محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي، أحكام القرآن، ج 1 (بيروت: منشورات محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية، 2002)، ص.339 (5((الحسين بن رشيق، لباب المحصول في علم الأصول، ج 2 (دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، 2001)، ص.467
Houari Touati, « La loi et l’écriture: fiqh , ‘urf et société au Maghreb d’après les Ajwiba d’Ibn Nasir (1085- (5(راجع:(1674),» Annales Islamologiques , no. 27 (1993), p. 108.
((5(تجلى ذلك من خلال قبول العلماء شهادة اللفيف (وهي مجموعة من اثني عشر شخصًا على الأقل) حجّة شرعية من دون
أن يكونوا بالضرورة عدولً. ويبرّر هذا العرف بالضرورة؛ وهي غياب العدول خاصة في المناطق الريفية، انظر: عبد العزيز جعيط،
الطريقة المرضية في الإجراءات على مذهب المالكيّة (تونس: مطبعة النهضة، 1926)، ص.178-171
أزمة القيم في المنظومة الأصولية وانبثاق الحاجة إلى التجديد
لا يمكن لمن له اعتقاد راسخ في علوية أصول الفقه وفي مصدرها الإلهي أن يقرّ بوجود أزمة قيم في
المنظومة الأصولية الفقهية لأنّ الوعي بالأزمة يفترض جملة من الشروط الذهنية من أهمّها التحلّي
بالفكر النقدي والتخلّص من الاعتقاد بامتلاك الحقيقة. وهذا الوعي المخصوص ليس وليد العصر الحديث؛ فقد برز منذ القرون الأولى للهجرة وتجلّى من خلال الفرق أو العلماء الذين أنكروا حجية بعض الأصول بسبب قيامها على تصوّرات نخبوية إقصائية لغير السنيّين. ويمكن أن نعدّ إبراهيم النظّام المعتزلي من أهمّ النماذج التي تمثّل هذا الاتجاه النقدي فقد أنكر حجية كلّ الأصول ما عدا القرآن. وتخبر مبرّراته عن أزمة القيم التي أثارت حنق غير السنّيين. فقيمة القيم عند
النظّام هي الإيمان بقدرة العقل البشري لذلك فكلّ ما يناقض معطيات العقل والمنطق السليم يعدّ في نظره مرفوضًا. لا يجد النظّام حرجًا في نقد رواة الأخبار فهم في نظره غير معصومين من الخطأ وكذلك الأمر بالنسبة
إلى الإجماع فإنّ من دواعي العسر في تصوّره عدم الثقة بقول المجتهد وفتواه فهو في نظره يجوز أن
يكون أبطن أمرًا وأظهر خلافه لأنّه غير معصوم من الكذب. والطريف في استدلال النظّام توصّله
إلى نسبية الحقائق والأخلاق البشرية التي تتغيّر ولا تستقرّ على حالة واحدة. وهذا ما يجعل التسامح
مع مختلف الآراء ضرورة في المجتمع حتى تتعايش كلّ فئاته ومذاهبه. لذلك لا يستغرب إنكار النظّام وفريق من المعتزلة حجية الإجماع بتصوّره السنّي النخبوي الذي يقصره على العلماء السنّيين ويقصي
منه غيرهم. ولئن كان الوعي بأزمة القيم في منظومة أصول الفقه ناشئًا في القديم عن انحرافها عن القيم الإيجابية في النصّ القرآني كالمساواة والعدل والشورى والتكافل، فإنّ هذه الأزمة تعمّقت في العصر الحديث
لسبب إضافي هو ابتعاد كثير من المواقف والآليات الأصولية عن القيم الحديثة وعن منظومة حقوق الإنسان. وهذا ما جعل بعض العلماء المسلمين يرى أنّه لا مناص من التلاؤم مع الوضع الجديد لمواجهة التحدّيات التي تواجهها المنظومة الأصولية. بناءً على هذا، برزت مساعي هؤلاء العلماء لتجديد النظر في أصول الفقه بما في ذلك النص القرآني،
ففي مسألة تعدّد الزوجات مثلا ظلّ الإجماع منعقدًا على مدى العصور على حلّية هذا التعدّد ولم يقع الاعتراض على هذا الأمر إلا في الفكر الإسلامي الحديث لأنّ القيم الحديثة وفي صدارتها المصلحة العامّة والجماعية المقدّمة على المصلحة الفردية ترسّخت في أذهان ممثّلي هذا الفكر منذ القرن التاسع
(5((راجع: أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان، الوصول إلى الأصول، تحقيق عبد الحميد علي أبو زبيد، ج 2 (الرياض: مكتبة المعارف، 1984)، ص.67 (5((يقول النظّام: «النوع الرابع من العسر إنّه لو تصوّر إطباقهم على الصدق فمن أين نعلم أنّهم ثابتون عليه؟ ولعلّه رآهم على حال
واعتقاد ثم زال فقد يكون الرجل على مذهب ثم ينتقل إلى غيره»، المرجع نفسه، ص.69
عشر، خاصة أنّ حلية التعدّد رافقتها أخلاق سلبية كثيرة كالظّلم والجور. وبناءً عليه، رأى محمّد عبده
«أن غاية ما يستفاد من آية التحليل إنّما هو حلّ تعدّد الزوجات إذا أمن الجور وهذا الحلال هو كسائر أنواع الحلال تعتريه الأحكام الشرعية الأخرى من المنع والكراهة وغيرهما بحسب ما يترتّب عليه من المفاسد والمصالح». إنّ القيم الحديثة ومنظومة حقوق الإنسان لم تخترق الفهم التقليدي للقرآن فحسب، وإنما اخترقت أيضًا فهم النص التأسيسي الثاني للإسلام وهو الحديث النبوي ذلك أنّ فريقًا مهمًا من الباحثين أدرك أنّ
إدارة الظهر لهذه القيم والحقوق الحديثة لن تؤدي إلا إلى عزل الإسلام عن الواقع الحديث ومكتسبات العصر. ويمكن أن نتوقف في هذا الشأن عند مسألة المشاركة السياسية للمرأة وحقها في تولّي رئاسة الدولة، فقد تمّ إقصاؤها قديمًا من هذه المشاركة اعتمادًا على الإجماع وعلى حديث «لن يُفلِحَ قومٌ
ولَّوا أمرَهمُ امرأةً»، ووقع العمل بهذا الحديث عبر العصور لأنّ التاريخ الإسلامي لم يحدث فيه أن
تولّت امرأة منصب الخلافة. لكن تحت ضغط القيم الحديثة خاصة قيمتي حرية المرأة والمساواة بين الجنسين اضطر الباحثون المسلمون إلى إعادة النظر في فهم هذا الحديث؛ فرأوا أنّه وارد في سياق مخصوص هو الإخبار والبشارة للمسلمين بأنّ حكم فارس سينهار وأنّه نظرًا إلى ذلك لا يندرج في إطار استنباط الحكم
الشرعي منه. وعدّوا هذا الحديث ظنّيًا من جهة السند، لذلك لا يصلح أساسًا لمنع المرأة من الإمامة
العامة. والمستخلص من القراءة التاريخية للحديث على غرار ما قامت به الباحثة المغربيّة فاطمة
مرنيسي، أنّه برز في سياق الفتنة الكبرى لمعارضة خروج عائشة أثناء معركة الجمل من بيتها وهي المأمورة مثل زوجات النبي بالحجاب. وقد ساهمت القيم الحديثة في خلخلة كثير من أركان نظرية الإجماع الأصولية من ذلك: أ. مفهوم الإجماع: أدّى تأثّر المصلحين بقيمة المساواة الحديثة إلى إعادة النظر في مفهوم الإجماع
الذي كان مقتصرًا على العلماء؛ فحاول بعض المحدثين تشريك العوام فيه، من ذلك عدّ عقول الأمّة
بخاصتها وعامتها عقولً قيّمة وهو معنى كونها وسطًا وأنّ «العامة تأخذ نصيبًا من العصمة فيما هو من
خصائصها وهو الجزء النقلي فقط». ب. حجية الإجماع: أدّى تسرّب القيم الحديثة إلى الفكر الإسلامي الحديث فضلً عن التأثر ببعض
الآراء الاعتزالية القديمة إلى اتخاذ فريق من ممثلي هذا الفكر موقف رفض عصمة الإجماع، ومنهم محمد توفيق صدقي (ت. 1920) الذي يقول: «لم يرد في القرآن أنّ المؤمنين لا يخطئون أو أنّ طريقهم
(5((المقصود الآية: ﴿وَإِنْ خ فْتُمْ ألَّ تُقْسِطُوا فِي الْيتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألَّ تَعْدِلُوا
فوَاحِدَةً أَوْ مَا ملكَتْ أَيْمَانكُمْ ذٰلَكَِ أَدْنَىٰ ألَّ تَعُولُوا﴾، (النساء.)3:
(5((محمد عبده، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ج 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1973)، ص.86 (5((فاطمة مرنيسي، الحريم السياسي، ترجمة عبد الهادي عباس، ط 2 (دمشق: دار الحصاد، 1993)، ص.76 (5((محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2 (تونس: دار سحنون للنشر، 1997)، ص.20
واحد لا يسيرون في طريق الباطل والذي نعلمه أنّ المؤمنين يجوز عليهم جميعًا الخطأ». والواضح
تأثّر هذه الأفكار بقيم العصر الحديث وفي مقدمتها نسبية الحقيقة وتعددها واحترام حق الاختلاف والإيمان بقدرة الأفراد والأمم على التفكير المستقل وغير المقيّد بالضرورة بالماضي وبالمرجع. ج. شروط أهل الإجماع (من يحق لهم المشاركة في الإجماع): اشترطت نظرية الإجماع الأصولية أن يكون أهل الإجماع من المجتهدين أي من الفقهاء الذين تتوافر فيهم صفات خاصة ذاتية وعلمية وأخلاقية إلا أنّ القيم الحديثة فرضت على فريق من علماء الإسلام تجديد النظر في ماهية أولي الأمر، فمحمد عبده رفض المقياس الديني في اختيار أهل الإجماع واتجه في طريق ما يمكن وصفه بعلمنة الإجماع من خلال مسارين: - إعادة تعريف أولي الأمر بما يقلّص سلطة علماء الدين ويدمج تحت تأثير فكرة الديمقراطية التمثيلية
الأمراء والحكّام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة. - إعادة النظر في مشمولات أولي الأمر وإخراج مسائل العبادات من مجال نظرهم، فقد ضبط عبده شروط أولي الأمر، ومنها شرط ينصّ على أن يكون ما يتفق عليه أولو الأمر من المصالح العامة. وأمّا
العبادات وما كان من قبل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحلّ والعقد بل هو ممّا يؤخذ عن الله
ورسوله فقط. يعبّر هذا الموقف عن تأثر المصلحين بالقيم الديمقراطية الحديثة التي تمنح للشعوب
ولإرادتها في تقرير مصيرها منزلة جليلة، وهذا ما جعل بعض الباحثين الغربيين يرى أنّه «عندما أوّل
الفكر الإصلاحي الإسلامي الإجماع بمعنى الإرادة الشعبية لجماعة ذات سيادة هدّد بعنف المعنى التقليدي للإجماع المحدود والمرتبط بمعطيات الوحي». د. من القواعد ضمن نظرية الإجماع التي تأثرت بالقيم الحديثة: - قاعدة منع نسخ الإجماع بإجماع لاحق: تعدّ هذه القاعدة التي يشدّد عليها أغلب علماء أصول الفقه،
من أهمّ تجلّيات غياب قيمة الحرية في نظرية الإجماع الأصولية. وما يساق لتبرير هذا الموقف برهان
عصمة الأمّة. فالعصمة تقتضي منع نسخ الإجماع والشريعة إعلاء لشأنها وتمييزًا لها عن شريعة غيرها
من الأمم من أصحاب الأديان الأخرى التي لم تختصّ بالعصمة وكان النسخ جائزًا لها وواقعًا بالشريعة
الإسلامية. ومن الواضح أنّ هاجس الأصوليين الذي يبرّر موقفهم هذا الخشية من التغيّر الذي يمكن أن يطرأ على
أحكام الشرع فينزع عنها طابع الثبات والديمومة والحفظ. وإذا كان الأمر على هذا النّحو في الفكر الأصولي القديم فكيف كان تعامل الفكر الإسلامي الحديث مع هذه المسألة؟ لقد شهد الفكر الإسلامي الحديث التخلي عن هذه القاعدة لدى كثير من ممثليه
(5((محمد توفيق صدقي، «الإسلام هو القرآن وحده»، مجلة المنار (1907)، ج 12، ص.918 ((6(عبده، ج 5، ص.238
(61) Henri Laoust, Les shii’smes dans l’islam (Paris: PAYOT, 1965), p. 385.
على غرار محمد عبده، فقد كان من المؤيّدين لفكرة نسخ إجماع لاحق لإجماع سابق إذا لم يكن ممكن التطبيق في ظلّ الظروف الطارئة. والمقصود بالنسخ هنا مسائل الدنيا لا مسائل الدين. وهذا ما أكّده رشيد رضا، فهو إن احتفظ بالموقف الأصولي القديم في المسائل الدينية التي وقع حولها إجماع، فإنّه أجاز في الأمور الدنيوية إعادة النظر في الإجماع السابق. يقول: «وللمتأخّرين منهم (الأمّة) أن ينقضوا ما أجمع عليه من قبلهم بل وما أجمعوا هم عليه إذا رأوا المصلحة في غيره، فإنّ وجوب طاعتهم (أولو الأمر) لأجل المصلحة لا لأجل العصمة [...] والمصلحة تظهر وتختفي وتختلف باختلاف الأوقات والأحوال. وهذا غير ما حظره السلف من مخالفة الإجماع الذي كانوا يعنون به ما جرى عليه الصحابة وكذا التابعون من هدى الدين بغير خلاف يصحّ عن أحد من علمائهم». وهكذا وقف رشيد رضا إلى جانب تحرير الاجتهاد من ربقة الماضي لأنّه أدرك بحكم حسّه النّقدي التاريخي أنّ الإجماع الملزم لا يكون كذلك إلا لاستناده إلى المصلحة لا إلى العصمة. وبذلك يسبغ على الإجماع طابعًا حيويًا وحركيًا يجعله صنوًا للاجتهاد البشري المتطوّر وفقًا للزمان والمكان ويخلع
عنه أردية القداسة التي غلّف بها من خلال مبدأ العصمة إلا أنّ رشيد رضا لم يجرؤ على الرغم من ذلك على الاقتراب من المنطقة المحظورة، إجماع الصحابة، فأعلن أنّ موقفه لا يقصد به هذا الصنف من الإجماع.
1. الأثر العملي الفقهي لتوسيع دائرة الإجماع
أدّى ضغط القيم الحديثة إلى خلخلة نظرية الإجماع من خلال إعادة النظر في كثير من قواعدها ومرتكزاتها النظرية وترتبت على ذلك نتائج عدّة على المستوى الفقهي العملي شملت مستويات متنوعة ومنها مستوى الحدود أو العقوبات على غرار حدّ الردّة. وقد اصطدم المدافعون عن حرية الاعتقاد، وهي حق أساسي من حقوق الإنسان الحديثة، بهذا الحدّ الذي ينصّ على وجوب قتل المرتدّ. ووظّفت مصادر التشريع ومنها الإجماع لتأصيل هذا الحدّ. وعارض كثير من ممثلي الفكر الإسلامي الحديث هذا الإجماع وسعوا إلى تغييره من ذلك مثلً أنّ محمد توفيق صدقي يرى أنّ القرآن يغيب فيه أيّ أمر بقتل المرتدّ في مقابل حضور نصوص فيه تعضد
حرية الاعتقاد. يقول: «وأمّا قتل المرتدّ لمجرّد ترك العقيدة فهذا ما يخالف القرآن الشريف» ﴿لا إِكْرَاهَ
فِي الدِّينِ قَدْ تبيَنَّ الرُّشْدُ مِنَ الغيِّ﴾ (البقرة: 256). ويحتجّ أيضًا بالآية ﴿فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ
فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:.)29 ولئن كان هذا الموقف خروجًا عن الإجماع السائد في الفكر الإسلامي عبر العصور، فإنّه لا يعدّ قطعًا نهائيًّا معه، لذلك فإنّه لم يتّهم المسلمين بالاضطهاد الديني بسبب قيامهم بقتل المرتدين في بعض
(6((رشيد رضا، تفسير المنار، ط 2، ج 5 (بيروت: دار الفكر، 1973)، ص.139 ((6(المرجع نفسه، ج 5، ص.170 ((6(المرجع نفسه، ص.520
المناسبات بل حاول تبرير ما حدث بضعف المسلمين وقلّة عددهم بالنسبة إلى أعدائهم أو بسبب قيام المرتدّين بإلحاق الأذى بهم. وممّا ترتب على اختراق القيم الحديثة المسائل المجمع عليها أيضًا تجديد النظر في الموقف من الرق،
فمن الواضح بالنسبة إلى الناظر في المدونة الأصولية أن يلاحظ البون الشاسع بين رؤية ممثليها لفئة الرقيق ورؤية المحدثين في عصرنا، فانطلاقًا من تعريف الرق نقف على موقف استنقاص العبد وعلى حرمانه من حقه في المساواة مع غيره من الناس. ويعرّف في هذا السياق الفقيه والأصولي الحنفي
الخبازي (ت. 691 ه) الرق بأنه: «عجز حكمي شرع جزاء في الأصل لكنّه في حالة البقاء صار من الأمور الحكمية، به يصير المرء عرضة للتملّك والابتذال». وما يستدعي التوقف في هذا التعريف الفقهي مناقضته قيمة المساواة في العصر الحديث، لأنّ المقصود بالعجز الحكمي عدم أهلية العبد في نظر الشريعة لكثير مما يملكه الحرّ كالشهادة والقضاء
والولاية ونحو ذلك. وفضلً عن ذلك يتناقض هذا التعريف مع قيمة أساسية في العصر الحديث هي حرية الاعتقاد، وهو ما يتجلى من خلال معاقبة الكافر على كفره من خلال استرقاقه. لذلك ذكر الخبازي في تعريفه السابق أنّ الرقّ شرّع في الأصل جزاء للكفر. ويقوم هذا التصور على نظرة مركزية
للإسلام يهمش من خلالها من لا يؤمن بهذا الدين عند بلوغه إليه ويقع إخراجه من دائرة البشر ويجوز بمقتضى ذلك استعباده. وبناءً على هذا، كرّست المؤسسة الدينية عامة والمدونة الأصولية الفقهية بخاصة موقف تفضيل الحر
على العبد حتى عدّت أفضلية الحر على العبد قاعدة من القواعد التي يقوم عليها الفقه الإسلامي. والظاهر أنّ التغيير الجذري في النظرة الفقهية إلى العبد والعبودية لم يحدث إلا في العصر الحديث تحت ضغط القيم الحديثة التي تؤكد كرامة الإنسان وحريته والمساواة بين كل البشر مهما اختلفت ألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم، ومن ذلك أنّ قرار إلغاء الرق في تونس سنة 1846 في عهد أحمد باي وافق عليه المفتي المالكي إبراهيم الرياحي (ت. 1266 ه/ 1850 م) والمفتي الحنفي محمد بيرم الرابع.(ت 1278 ه/ 1862 م). ولا شكّ في أنّ هذه الآراء تنمّ عن تشبع بالقيم الحديثة يدفع إلى رفض ما يتناقض معها من مواقف
أصولية وفقهية لأن كل منظومة تشريعية تحكم على نفسها بالجمود والانقراض إن لم تنسجم مع عصرها.
((6(المرجع نفسه، ص.374 ((6(يقول التفتازاني في هذا السياق: «وأما سبب عروضه فالأصل فيه هو أن الإنسان إذا امتنع عن قبول تكليف الشارع بعد بلوغه إليه وعاند فيه، فقد ألحق نفسه بالبهائم والجمادات الخالية عن العقل الذي هو مناط إدراك دلائل الوحدانية وتصديق المعجزات. وإذا كان على تلك الصفة فقد استحق أن تجري عليه أحكام ما تشبه به ولذلك أساغ الشارع في حقه حكم غير الإنسان من كونه
مملوكًا لا مالكًا»، انظر: محمد بيرم الخامس، «التحقيق في مسألة الرقيق»، في: المنصف بن عبد الجليل وكمال عمران، محمد بيرم
الخامس، بيبليوغرافيا تحليلية مع ثلاث رسائل نادرة (قرطاج/ تونس: بيت الحكمة، 1989)، ص 294.
(67) Mohamed Charfi, Islam et liberté, le malentendu historique (Alger: Casbah Editions, 2000), p. 121.
2. المخرج المقاصدي: هل هو حل لتجاوز أزمة القيم في أصول الفقه؟
رأى لفيف من العلماء المسلمين منذ بدية عصر النهضة الإسلامية حديثًا أنّ التسلح بالفكر النقدي هو السبيل الوحيدة للخروج من وضع الجمود الذي أضحت العلوم الإسلامية تعانيه، وبناءً على هذا
نظر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت. 1393 ه/ 1973 م) في أسباب جمود العلوم الإسلامية ومنها علم أصول الفقه. وحصر خمسة أسباب تقف وراء الاختلال في تعاطي هذا العلم وهي توسيع العلم بإدخال ما لا يحتاج إليه فيه، وتدوين قواعد الأصول بعد تدوين الفقه ممّا أدّى إلى التعارض بين تلك
القواعد وبين فروع الفقه، وتضمن العلم مسائل لا طائل منها، والغفلة عن مقاصد الشريعة وغلق باب الاجتهاد وتحجير النظر. وتوسّع هذا الشيخ التونسي في موقفه الناقد علم أصول الفقه في كتابه «مقاصد الشريعة» فذكر طغيان
الاختلاف في مسائله بين العلماء وبيّن تركيزهم على الألفاظ لاستنباط الأحكام منها مقابل غياب
الاهتمام بمقصد الشريعة وحكمتها. وتطرّق إلى غياب الطابع القطعي في مسائله وتضخّم الظن فيه
على الرغم من محاولة بعض القدامى إثبات قطعية مسائل أصول الفقه. يقول: «وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي (ت. 790 ه) في المقدّمة الأولى من كتاب «الموافقات» الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية فلم يأت بطائل». هكذا وقف الشيخ التونسي على أنّ غياب الأبعاد الأخلاقية المقاصدية من أصول الفقه علّة جوهرية من العلل التي أصابت علم أصول الفقه لانسياق العلماء وراء استخلاص الأحكام من الألفاظ لذلك حاول إدماج مقاصد جديدة تتمثل ببعض القيم وحقوق الإنسان الحديثة على غرار الحرية لكنه ظلّ محكومًا بالأسيجة الدينية التي تربّى عليها وعلى رأسها النصوص الدينية التي لم يستطع تجاوزها ومن
ذلك قيمة حرية الاعتقاد، يقول: «أما حرية اعتقاد المسلم فهي محدودة له بما جاء به الدين الإسلامي مما تتكون جامعة المسلمين بالاتفاق على أصوله». ولا يدلّ هذا المفهوم في نظرنا على الحرية وإنما يدل على عكسها وهو تسييج معتقد المسلم وسلوكه. وبناءً على هذا لم يسمح الشيخ بحرية الخروج
عن الدين مثلما تقتضي حرية المعتقد في تصورها الغربي، لذلك ردّد الموقف القديم من المرتدّ الذي ينصّ على استتابته ثلاثة أيام «فإن لم يتب قتل تطهيرًا للجامعة من عروق الأدواء المهلكة لها». وجاراه علّل الفاسي في موقفه، فلئن احتفظ بكامل مضمون المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنه أسقط مسألة واحدة هي حرية تغيير الدين أو المعتقد. إذًا، فمع أنّ رائدي الفكر المقاصدي في العصر الحديث وإن أدخلا القيم والحقوق الحديثة ضمن مقاصد الشريعة، فإن عملهما ظلّ محكومًا بحدود كثيرة وارتهن نتيجة ذلك بأطر المعرفة التقليدية
والقيم السائدة. لذلك كان بن عاشور مثلً في المجالات التي طبق المقاصد عليها كأحكام العائلة
(6((محمد الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب (القاهرة: دار السلام- مؤسسة دار سحنون، 2006)، ص.177 (6((ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص.6 ((7(المرجع نفسه، ص.161
والقضاء والشهادة عالة على التراث الفقهي وظلّ نمط المجتمع لديه مماثلً للمجتمع الإسلامي الوسيط.
الخاتمة
إنّ الجهد المتواضع الذي قمنا به في ورقتنا هذه يخبر في تقديرنا أنّ مبحث الأخلاق في الفكر الأصولي الفقهي جدير بالدراسة وإن همّش في أغلب البحوث الدائرة على القضايا الأصولية. فالنتيجة الأولى لعملنا تتمثل بالضرورة الحيوية لفتح ملف الصلة بين الأخلاق والأصول تحليلً ونقدًا في ضوء مكتسباتنا المعرفية والمنهجية الحديثة. أمّا النتيجة الثانية لعملنا فهي البرهنة على طابع الحركة والتغير والنسبية التي تتسم بها القيم والأخلاق التي تنهض عليها أصول الفقه؛ فلئن سعت المنظومة الأصولية إلى تحصين القيم التي تقوم عليها من خلال الإيهام بثباتها وقداستها وتعاليها، فإنّ القراءة التاريخية النقدية لهذه القيم مكّنت منذ القديم من بيان تاريخيتها وطابعها البشري؛ وهو ما تجلّى من خلال الاختلاف في مفاهيم هذه القيم وفي المعايير التي تقوم عليها فلا شكّ في أنّ هذه القيم كالأعراف والمصالح والمستحسن والمستقبح تتحول درجات القبول بها ومستويات صحتها وفقًا للزمان والمكان والثقافة وغيرها من العوامل التاريخية، وهو ما يعدّ علامة من علامات طابعها النسبي. والظاهر أنّ التفطن إلى نسبية القيم ليس خاصًا بالفكر الإسلامي؛ ففي الفكر المسيحي نجد ما يضاهي هذا الرأي من قبيل موقف الفيلسوف الفرنسي مونتاني Montaigne في القرن السادس عشر فقد انتقد دعوى كونية الأخلاق المسيحية عادًّا قوانين الفكر التي يقال إنّها طبيعية تنشأ من العرف، وتوصل إلى هذا الرأي بعد جهد بذله في نقد المركزية العرقية أو الاعتقاد في أنّ الثقافة الذاتية أرقى من الثقافات الأخرى وأنّها ينبغي أن تكون نتيجة ذلك المعيار الذي تقاس به كل الثقافات الأخرى ومعتقداتها وسلوكها الأخلاقي. بناءً على هذا، يترتب على عملنا استنتاج نفي عصمة أيّ فرد أو جماعة بعد وفاة الرسول، وكل
المحاولات التي ظهرت لتحقيق هذه العصمة وتأصيلها دينيًا من خلال وصلها بالنصوص المقدسة
وجدت دائمًا من يعارضها وينقدها حتى داخل الدائرة السنية فالإقرار بالعصمة نفي لإنسانية الإنسان
الخطّاء دائمًا وأبدًا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصدق فلا يوجد صدق مطلق ولا صادق على الدوام
والكذب غير مستحيل على كل راوٍ للخبر. وقد تجاوز الزمن المعايير الأخلاقية للرواة والمخبرين لأنّ الاهتمام بنقد مضمون الخبر أضحى مقدّمًا على نقد ناقلي الخبر لأنّ الضمانات الأخلاقية ليست كافية لرواية خبر صادق حتى إن توافرت النية الصادقة لذلك.
(7((نور الدين بوثوري، مقاصد الشريعة: التشريع الإسلامي بين طموح المجتهد وقصور الاجتهاد (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص.36
(72) Michel de Montaigne, Internet Encyclopedia of Philosophy, accessed on 10/10/2016, at: https://goo.gl/RbJR5r
تتمثّل النتيجة الثالثة لعملنا بالبرهنة على أنّ القيم والأخلاق التي دافع عنها الأصوليون تخدم مصلحة العلماء والخاصة في المقام الأول لأنّ اهتمامها انصبّ أساسًا على تبرير القيم السائدة وهي غالبًا
ما كانت متوارثة من فترة ما قبل ظهور الإسلام، وهذه الوظيفة التبريرية التي اضطلعت بها المدوّنة الأصوليّة تعدّ وظيفة أيديولوجية شملت كلّ مستويات الواقع خاصّة المستوى الاجتماعي والسياسي
والتشريعي حتى عدّت أصول الفقه أيديولوجيا تبريرية. ويتأتى التبرير الأصولي من كون أصول الفقه فنًّا لاحقًا وتابعًا للفقه لذلك سعى الأصوليون إلى وضع ضوابط وقواعد للنظر الفقهي من ناحية وإلى الدفاع عن حلول الأجيال الأولى من المسلمين والبحث لها عن مبررات من ناحية ثانية. وتتمثل النتيجة الرابعة التي أفضى إليها بحثنا بعدّ المواقف التمييزية ضد العبيد وغير السنيين والعامة والنساء غير متسقة مع روح الرسالة الإسلامية التي تصرّح أنّ مقياس التفاضل بين المسلمين هو التقوى
لا الانتماء الاجتماعي، كما أنّه بعيد عن قيم الحداثة التي أرست المساواة بين جميع أفراد المجتمع على أساس اشتراكهم في المواطنة. وقد أدرك علماء عصر النهضة الإسلامية تحت تأثير القيم الحديثة أنّ المواقف الأصولية القائمة على قيم عدم المساواة والتمييز على أساس الدين أو المذهب أو اللون أو اللغة لا يمكن أن يؤدي إلا إلى غربة المنظومة الأصولية عن الواقع الحديث ومن ثم خروجها عنه وموتها تدريجيًا لأنّ حلولها ستكون غير مواكبة للعصر لذلك كان الحلّ في نظرهم اعتماد المصالح والمقاصد
لكن مواقفهم ظلت غير قادرة على اختراق كثير من المسائل التي عدّت من قبيل الممنوع التفكير فيه بسبب التباسها بالمقدس نصًا وإجماعًا. ومع ذلك فإنّهم وجهوا من بعدهم إلى أمرين أساسيين على الأقل في تقديرنا؛ يتمثل أولهما باعتماد المنهج التاريخي النقدي لمقاربة الفكر الإسلامي وترتب على ذلك تغيير النظرة إلى النقد الذي أصبح يتغنى به بعد أن كان ممارسة مذمومة، أمّا الأمر الثاني فهو بداية تعبيد الطريق لتخليص المسلمين من الرؤية الفقهية القديمة للعالم وهي رؤية متوترة تشيطن المخالف دينيًا وترفض الأخذ منه، وترى مقابل ذلك أنّ الاعتماد على المنظومة القيمية والحقوقية
الحديثة لا ضرر من ورائه ما لم يتعارض مع أوامر الدين ونواهيه الصريحة والقطعية.
المراجع
References
العربية
ابن العربي، محمد بن عبد الله أبو بكر. أحكام القرآن. ج 1. بيروت: منشورات محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية،.2002 ابن برهان، أبو الفتح أحمد بن علي. الوصول إلى الأصول. تحقيق عبد الحميد علي أبو زبيد. ج. 2 الرياض: مكتبة المعارف،.1984
(7((عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ (بيروت: دار الطليعة، 2001)، ص.155 (7((انظر مثلً عدّ محمد عبده الانتقاد «نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر، تظهر في مناطقهم سوقًا للناقص إلى الكمال،
وتنبيهًا يزعج الكامل عن موقفه إلى طلب الغاية ممّا يليق به»، انظر: عبده، ج 2، ص.162
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدّمة. تونس: دار القيروان،.2006 ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد. بداية المجتهد. تحقيق خالد العطار. بيروت: دار الفكر،.1998 ابن رشيق، الحسين. لباب المحصول في علم الأصول. ج 2. دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث،.2001 ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. ج 2. تونس: دار سحنون للنشر،.1997 ابن عبد السلام، العز. قواعد الأحكام في مصالح الأنام. القاهرة: المكتبة الحسينية،.1934 أركون، محمد. الفكر الإسلامي، قراءة علمية. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1987 أوسينوبوس، لانجلو. النقد التاريخي. ترجمة عبد الرحمن بدوي. ط 4. الكويت: وكالة المطبوعات،
البصري، أبو الحسين. المعتمد في أصول الفقه. بيروت: دار الكتب العلمية،.1983 البغدادي، عبد القاهر. أصول الدين. ط 3. بيروت: دار الكتب العلمية،.1981 بن عاشور، محمد الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية. تونس: المطبعة الفنية،.1366 ه بن عبد الجليل المنصف وعمران، كمال. محمد بيرم الخامس، بيبليوغرافيا تحليلية مع ثلاث رسائل نادرة. قرطاج- تونس: بيت الحكمة،.1989 بوثوري، نور الدين. مقاصد الشريعة: التشريع الإسلامي بين طموح المجتهد وقصور الاجتهاد. بيروت: دار الطليعة،.2000 بوحناش، نورة. مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي. أطروحة دكتوراه دولة في الفلسفة. إشراف عبد الرحمان التليلي. السنة الجامعية 2007-2006 جامعة منتوري قسنطينة، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، الجزائر. الجابري، محمد عابد. العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق محمد رشيد رضا. القاهرة: مكتبة القاهرة،.1961 جعيط، عبد العزيز. الطريقة المرضيّة في الإجراءات على مذهب المالكيّة. تونس: مطبعة النهضة،
الجويني، عبد الملك بن عبد الله. البرهان. تحقيق عبد العظيم الديب. قطر: مطابع الدوحة الحديثة، 1399 ه.
الحميري، أبو نشوان. رسالة الحور العين. تحقيق كمال مصطفى. ط 2. بيروت: دار آزال للطباعة والنشر،.1985 ذويب، حمادي. السنّة بين الأصول والتاريخ. بيروت: المؤسسة العربيّة للتحديث الفكري/ المركز
الثقافي العربي،.2005 الرازي، أبو بكر. المحصول في علم أصول الفقه. بيروت: دار الكتب العلمية،.1988 الزحيلي، وهبة. أصول الفقه الإسلامي. دمشق: دار الفكر،.1986 الزهراوي، عبد الحميد. الأعمال الكاملة. تحقيق عبد الإله نبهان. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،
زيد، مصطفى. المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي. القاهرة: مطبعة لجنة البيان العربي،.1954 السرخسي. شمس الدين. المبسوط. ج 10. القاهرة: مطبعة السعادة،.1913-1906 السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل. أصول السرخسي. بيروت: دار الكتب العلمية،.1996 السمعاني، منصور بن محمد بن عبد الجبار. قواطع الأدلّة في الأصول. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية،.1993 السيوطي، جلال الدين. الأشباه والنظائر. مصر: المكتبة التوفيقية، د.ت. الشاطبي، أبو إسحق إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد الله درّاز. بيروت: دار المعرفة،.1994 الشافعي، محمد بن إدريس. الرسالة. تحقيق أحمد محمد شاكر. ط 2. القاهرة: مكتبة دار التراث،
الشرفي، عبد المجيد. الإسلام بين الرسالة والتاريخ. بيروت: دار الطليعة،.2001 الشوكاني، محمد بن علي. إرشاد الفحول. تحقيق محمد صبحي بن حسن حلاق. دمشق: دار ابن كثير،.2000 صدقي، محمد توفيق. «الإسلام هو القرآن وحده». مجلة المنار).1907(الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. تفسير الطبري. ج 6. بيروت: دار الكتب العلمية،.1992 طبقات الحنابلة. تحقيق محمد حامد الفقي. ج 2. القاهرة: مطبعة السنّة المحمدية،.1952
الطوفي، نجم الدين. شرح مختصر الروضة. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. ج 3. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1987 عبد الرحمن، طه. «مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة». مجلة المسلم المعاصر. العدد
عبده، محمد. الأعمال الكاملة. تحقيق محمد عمارة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. المستصفى. بيروت: دار الكتب العلمية،.1993 الفاسي، علال. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها. ط 5. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.1993 القرافي، أحمد بن إدريس. شرح تنقيح الفصول. دمشق: دار الفكر،.1973 الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. الأحكام السلطانية. بيروت: دار الكتاب العربي،.1990 مجموعة مؤلفين. الإسلام والحداثة. لندن: دار الساقي،.1990 المرتضى، الشريف. أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد. مصر: دار إحياء الكتب العربية،.1954 المرغيناني. أبو الحسن. الهداية شرح بداية المبتدئ. كراتشي -باكستان: منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية،.1417 ه مرنيسي، فاطمة. الحريم السياسي، النبي والنساء. ترجمة عبد الهادي عباس. ط 2. دمشق: دار الحصاد،.1993 النعيم، عبد الله أحمد. نحو تطوير التشريع الإسلامي. القاهرة: سينا للنشر،.1994
الأجنبية
Charfi, Mohamed. Islam et liberté, le malentendu historique. Alger: Casbah Editions,
Laoust, Henri. Les shii’smes dans l’islam. Paris: PAYOT, 1965. Touati, Houari. «La loi et l’écriture, Fiqh,’urf et société au Maghreb d’après les Ajwiba d’Ibn Nasir (1085-1674).» Annales Islamologiques. no. 27 (1993). Van Ess, Joseph. Prémices de la théologie musulmane. Paris: Albin Michel, 2002. Weiss, Bernard. Interpretation in Islamic Law: The Theory of Ijtihād. The American Journal of Comparative Law. vol. 26. no. 2 (Spring 1978).