Return to Article Details Paul Ricouer as an Interpreter of the Personalism of Emmanuel Mounier

بول ريكور قارئًا لشخصانية إيمانويل مونيي

Paul Ricouer as an Interpreter of the Personalism of Emmanuel Mounier

إبراهيم مجيديلة *

Brahim Mjidila *

((7(

الملخّص

إن تاريخ الفلسفة مثل نهر هيراقليطس دائم الجريان، تتغير مياهه باستمرار، وفي ذلك دلالة على حيوية الفلسفة وفاعليتها والتزامها بقضايا عصرها. والشخصانية جزء من هذا التاريخ، انبثقت ردة فعل على الأزمة الروحية والسياسية التي ألمّت بالمجتمعات الأوروبية، ومسّت الإنسان في كينونته وحضوره في العالم. ومنذ نشأتها ثم تطورها فيما بعد من خلال أعمال إيمانويل مونيي، إلى الشخصانية التي أصبحت موضوع قراءات مختلفة ومراجعات مستمرة قام بها عديد الفلاسفة. ويعد بول ريكور من أوائل الذين اعتنوا بالتراث الشخصاني نقدًا وتأويلًا من أجل الكشف عن طبيعته وأصوله ومقاصده.

Abstract

Abstract: The history of philosophy meanders like Heraclitus’ river, moving with the ever-changing flow. In this flexibility lies the vitality, effectiveness and contemporary relevance of philosophy. Personalism is one piece of this history. This school of thought emerged as a reaction to the spiritual and political crisis that was unfolding in European societies, and affecting the human being’s existence and presence in the world. Since its inception and subsequent development through the works of Emmanuel Mounier, Personalism has been the subject of various readings and ongoing reviews by many philosophers. Paul Ricoeur is one of the first intellectuals to take on the legacy of Personalism with a critique and an interpretation that reveals its nature, origins and purposes.

الكلمات المفتاحية:
  • الشخصانية
  • الوجودية
  • النزعة الإنسانية
  • الإنسان
  • الشخص
Keywords:
  • Personalism
  • Existentialism
  • Humanism
  • Humanity
  • the Person

إبراهيم مجيديلة | Brahim Mjidila * ((7(

Paul Ricouer as an Interpreter of the

Personalism of Emmanuel Mounier

ومسّت الإنسان في كينونته وحضوره في العالم. ومنذ نشأتها ثم تطورها فيما بعد من خلال

أعمال إيمانويل مونيي، أصبحت الشخصانية موضوع قراءات مختلفة ومراجعات مستمرة قام بها عديد الفلاسفة. ويعد بول ريكور من أوائل الذين اعتنوا بالتراث الشخصاني نقدًا وتأويلً من أجل الكشف عن طبيعته وأصوله ومقاصده.

السعدي في تطوان، المغرب.

Philosophy Instructor in Morocco’s vocational education system. He holds an MA in the Philosophy of Communication from the Faculty of Arts and Humanities, Abdelmalek Essaadi University, Tetouan, Morocco.

مقدمة

يُعد الفيلسوف بول ريكور (2005-1913) من أهم المساهمين في المجلة الفكرية الفرنسية

Esprit التي أسست سنةُ 1932 والتي خصصت أحد أعدادها الصادر سنة 1950 لتأبين ذكرى مؤسسها ورئيسها الفيلسوف إيمانويل مونيي (1950-1905) وتكريمه. ساهم ريكور في هذا العدد بنشر مقالة بعنوان: «فلسفة شخصانية» في 28 صفحة، وكانت قراءة تأويلية متعددة المداخل لأهم قضايا هذه الفلسفة منذ نشأتها. ولم يكن يبغي من مقالته إنجاز دراسة تاريخية أو كرونولوجية لها، بالقدر الذي سعى فيه لتدشين حوار نقدي وتأويلي مع فكر مونيي الذي يُولي الشخص البشري، مفهومًا ووضعًا في العالم وفاعلية في الواقع، أهمية كبيرة. مثلت مجلة Esprit الحاضن الأول لأعمال مونيي التي ستوجه، فيما بعد، رؤيته الفلسفية ومشروعه الفكري. تتميز بكونها تكونت في استقلال تام عن التقليد الجامعي الفرنسي، وشكلت نواةً لظهور خط ثالث بين الفردانية الليبرالية والماركسية، وساهمت في بروز حركة اليسار الجديد. ويعتبر تأسيسها خوضًا لمغامرة فلسفية جديدة في أسلوبها وإشكاليتها وقصديتها. وفي إطارها كانت البداية الفلسفية لريكور الذي كان يُعتبر مونيي أباه الروحي. ركز ريكور في قراءته لشخصانية مونيي على المرحلة التاريخية الممتدة من تشرين الأول/ أكتوبر 1932 إلى كانون الأول/ ديسمبر 1934. وهي المرحلة الأساسية في حياته الفكرية والمحددة للملامح الكبرى لمشروعه والموجهة لكل أعماله فيما بعد؛ إذ نشر خلالها عدة مقالات ودراسات في مجلة  Esprit، ثم صدرت مجتمعة فيما بعد في كتابين مهمّين؛ الأول بعنوان Révolution personnaliste et communautaire، وصدر سنة 1935، والثاني بعنوان Personnalisme، وصدر سنة.1950 تستند مقالة ريكور إلى خلفية نظرية ومنهجية مدارها المقارنة بين الشخصانية والوجودية والماركسية، على اعتبار أنّ هذه الفلسفات الثلاث، حتى وإن كانت تعالج الإشكالية نفسها، فإنّ طرائقها متباعدة ومختلفة بخصوص العلاقة بين النظرية والممارسة، أو بين الفكر والعمل. وبالنظر إلى بنية المقالة، من البيّن أنّ قراءة ريكور لشخصانية مونيي موجهة بسؤالين مركزيين يمكن

صياغتهما كالتالي: هل الشخصانية فلسفة؟ وكيف يمكن وصف شخصانية مونيي؟ ولعل ما يبدو من خلال صيغة السؤال أنه يحمل قصدية تتجه إلى إدراك معنى الشخصانية أو معانيها وتحديد ماهيتها. وينبثق عن هذا السؤال سؤال آخر مضمر: ما الشخصانية؟ وهو سؤال يرمي إلى رسم صورة عامة للشخصانية، ورصد ينابيعها، وتحديد أصولها، وتبيان موقعها بين الفلسفات، وتعيين غاياتها ومقاصدها. تضع هذه المقالة هدفًا لها هو إبراز العناصر المنهجية والمعرفية لقراءة ريكور شخصانية مونيي، وذلك

(1) Paul Ricœur, «une philosophie personnaliste,» Esprit , Nouvelle série, no. 12 (Décembre 1950), pp. 860-887. (2) Ibid., p. 862.

في أفق تعيين وضعيتها الإشكالية ضمن الفكر الفلسفي المعاصر، والإشارة إلى بعض امتداداتها الراهنة. وحتى يتسنى لنا القيام بذلك سنعمد، في مستوى أول، إلى إعطاء صورة عامة لشخصانية إيمانويل مونيي بغية الكشف عن أسباب نشأتها وتطورها، وتحديد منابعها الفكرية وأصولها النظرية، وإبراز قيمتها ومكانتها في الفلسفة المعاصرة. وفي مستوى ثانٍ، سنحاول الوقوف عند أهم الإشكاليات والقضايا التي اشتغل عليها مونيي، وتمثل العمود الفقري لإسهامه الفلسفي.

مصادر شخصانية مونيي

عند الحديث عن الفلسفة الشخصانية يتبادر إلى الذهن مباشرةً الفيلسوف الفرنسي شارل رونوفي)1903-1815(Charles Renouvier، الذي يرجع إليه الفضل في تدشين البدايات الأولى لهذه الفلسفة. فقد عمل على إعادة الاعتبار لمفهوم الشخص وجعله المقولة العليا ومركز تصور العالم ضدًا على التهميش الذي لحقه من طرف الهيغليين والوضعيين. ومن منظور تاريخ الأفكار فإن بعض الدراسات تذهب إلى أن رونوفي يعتبر كانط هو المؤسس الحقيقي للشخصانية، لأنه وضع الذات الإنسانية في مركز التجربة العامة، وخاصة التجربة الأخلاقية. ولهذا فإن شخصانية رونوفي بقيت حاملة آثار تلك النشأة، واتخذت شكل اعتبارات منطقية وبناءات عقلية ثم أخلاقية فيما بعد، غايتها القصوى البرهنة على أن الأشخاص فرديون ومستقلون. واتسمت هذه الشخصانية بطابعها الفردي من خلال تركيزها على الشخص الفرد والمستقل عن الجماعة، كما أنها اعتمدت على نزعة لاهوتية تجعل من الإله العلة الأولى التي يرجع إليها كل شيء. كما أنها توصف بطابعها النقدي الذي يصلها بفلسفة كانط، ويفصلها عن المعمار الفلسفي الهيغلي اللاشخصاني. ولعل ما يؤاخذ عليه رونوفي أنه شيّد

شخصانية فردانية مجردة ومتعالية عن الواقع ومنفصلة عن الزمن الحاضر، فهو لم يعط أهمية للتواصل بين الأشخاص مما جعلها أقرب إلى النزعة الفردانية المتطرفة التي تغلق جسور التفاعل والتعاون والتعاطف بين الذوات، إلى حدّ أنها تظهر كأنها تقيم تعارضًا بين الفرد والمجتمع. ستكون الرغبة في تجاوز المآخذ السابقة منطلقًا لمونيي لكي يشيد شخصانية معاصرة تعالج مواطن القصور في الشخصانية الفردانية والنقدية لرونوفي. فقد بعث مونيي الروح من جديد في الشخصانية جاعلً منها فلسفة قائمة بذاتها، ولهذا الاعتبار يُعد مؤسسها الحقيقي. فلم تعد بناءات عقلية أو نظريات ميتافيزيقية مجردة، إنها أصبحت منظومة فلسفية ومجموعة من المواقف التي يتخذها الشخص أمام ذاته والعالم الذي يوجد فيه، إنها فلسفة حضور لا فلسفة غياب، إنها فلسفة فعلية تهتم بالشخص ككل، وليست تأملات سيكولوجية.

(((محمد عزيز الحبابي، من الكائن إلى الشخص دراسات في الشخصانية الواقعية (القاهرة: دار المعارف، 1962)، ص.111

(4) André Morazain & Salvatore Pucella,  Éthique et Politique - Des valeurs personnelles à l'engagement social (Ottawa: ERPI, 1988), p. 30.

(((الحبابي، ص.115 (((المرجع نفسه، ص 117.

التقليد المسيحي

ساهمت عدة عوامل في رسم المسار الفكري لمونيي، وفي تميز شخصانيته عن باقي الشخصانيات. ونجد في مقدمة هذه العوامل تأثره بالتقليد المسيحي؛ فمونيي هو أحد الفلاسفة الذين قرؤوا الإنجيل جاعلين منه مصدرًا لفكرهم وتأملاتهم. ويمكن أن نعتبر هذا الأمر عاديًا بالنسبة إليه، لأنه نشأ في عائلة مسيحية وتلقّى تعليمًا دينيًا، كما أنه كان وثيق الصلة بالمجتمع الكنسي. ويتمظهر حضور التقليد المسيحي في فكر مونيي في عدة جوانب؛ من جانب أول في العدة المفاهيمية التي يستقيها من الحقل الديني، ومن جانب ثانٍ في النظر إلى الشخص وتحديد طبيعته وتعيين مكانته بين الكائنات وإظهار حضوره في العالم. ونلمس هنا تلقيح التصور الفلسفي للشخص الإنساني بالرؤية المسيحية، فكل شخص مخلوق على صورة الإله، وكل شخص يتحمل مسؤولية الخطيئة الأولى. ولعل الميزة الأكبر لشخصانية مونيي هي الانفتاح على البعد الروحي وإدماجه في تكوينها حتى صار مرجعًا لتأملاتها وتحليلاتها، وأصبح مقياسًا لمدى قربها أو بعدها من الفلسفات التي عاصرت نشأتها

أو تلك التي كانت تبسط نفوذها على الساحة الفلسفية في فرنسا. ويشهد تاريخ الشخصانية المعاصرة أن الحضور الديني حتّم على مونيي أن يدشن معارك متكررة مع اتجاهات متعددة دفاعًا عن العناصر الأصلية والأساسية في المسيحية. فعلى سبيل المثال كان لزامًا عليه مواجهة الأفكار الآتية من لاهوت القرون الوسطى وتبريراته الخاطئة، وتصحيح العناصر التي تسربت إليه من الثقافة الإغريقية، من قبيل احتقار البدن والمادة. في حين أن المسيحية الأصلية تعلي من قيمة البدن كما تعلي من قيمة الروح، فالإنسان بدن بقدر ما هو روح، إنه بدن بكامله وروح بكامله. والبدن والروح معًا يشاركان في الحياة الروحية، وفي مملكة الله. فالإنسان كائن طبيعي أو منغمس في الطبيعة، ينتمي إليها ببدنه، ولكنه يتعالى عنها بروحه. فالتعالي الشخصاني مفهوم مسيحي تختلف دلالته عن دلالته في الوجودية، فالأول روحي والثاني واقعي. إن الحضور المسيحي في الشخصانية لا يجعل منها حركة دينية ولا مذهبًا روحيًا، بل هي فلسفة

قائمة بذاتها تجمع بين المثالية والواقعية، وتنظر إلى الإنسان في كليته، روحًا وبدنًا، فكرًا وأخلاقًا،

مادةً وشعورًا. ومن هنا يبرز الطابع الجدلي لأعمال مونيي ومجهوده الجبار لحل التناقضات وتجاوز المفارقات الناتجة من ثنائية الروح والبدن. وبالقياس على ما فعله ماكس فيبر في كتابه الشهير: «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، إذ فسَّر كيفية تحوّل الأخلاق المسيحية إلى نظام عقلاني واقتصادي وسياسي، فإن مونيي حوّل الأخلاق

المسيحية الكاثوليكية إلى نظام فلسفي شخصاني. وتبعًا لهذا الفهم تبدو الشخصانية المساهمة

(((إيمانويل مونيي، هذه هي الشخصانية، ترجمة تيسير شيخ الأرض (بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1956)، ص.30

(8) E. Martin Meunier, Le pari personnaliste: Modernité et catholicisme au XXe siècle: essai (Canada: Éditions Fides, 2007), p. 215.

الفلسفية البارزة في التنوير المسيحي الذي تقوده الكنيسة في الغرب، ويمثل مونيي المفكر المسيحي في العالم الحديث والملتزم بقضايا الإنسانية. ولئن كان حضور المكون المسيحي واضحًا في فكر مونيي، فإنّ هذا الأخير لم يستعمله خامًا كما هو، بل

أعاد صوغه معرفيًا ومنهجيًا، وفي ذلك تعبيرٌ عن كفاءته الفلسفية العالية. فعندما استعمل مفهوم الروح،

مثلً، فإنه لم يقف عند البُعد الميتافيزيقي في إحالته على التعالي الإلهي أو على البعد الإيماني، وإنما

جعل منه سلاحًا نقديًا للحضارة المأزومة، أداة فضح لبعض الاتجاهات الفكرية والاجتماعية التي أدت

إلى تلك الأزمة. وفي هذا السياق يُحمّل النزعة الإنسانية البرجوازية مسؤولية التدهور الحضاري الذي

أصاب المجتمعات الغربية، إذ إن تلك النزعة تأسست على الفصل أو الفصام بين الروح والمادة، بين الفكر والفعل. ويدفع مونيي بتأويله المفاهيم المسيحية إلى حدودها القصوى حين يعوض الصراع الطبقي بالصراع الروحي في تفسير تقدم المجتمع والتاريخ، وحين ينسب للقوى الروحية فاعلية القوى الاقتصادية وأدوارها نفسها.

التقليد الفلسفي

تأثّر مونيي بكثير من المفكرين والفلاسفة السابقين والمعاصرين له الذين ينتمون إلى مذاهب واتجاهات مختلفة ومتنوعة، من أمثال الفيلسوفين الفرنسيين شارل بيگيي (1914-1873) Charles Péguy وجاك ماريتان (1973-1882) Jacques Maritain، والفيلسوف الروسي نيقولا بيرديائيف (1948-1874) Nicolas Berdiaev، والفيلسوف الألماني ماكس شيلر (1928-1874) Max Scheler، إضافةً إلى ذلك استفاد من الماركسية والوجودية. والنتيجة المباشرة لهذا التنوع على مستوى المرجعيات والخلفيات هي إغناء شخصانيته ودعم منطلقاتها الفلسفية. لئن كانت الفلسفات الشخصانية تشترك في خاصية الانفتاح على كافة الأنساق والمذاهب الفلسفية التي من شأنها أن تدعم منطلقاتها الفلسفية، فإن الذي تؤاخذ عليه هو نزعتها التوفيقية أو قل التلفيقية، لأنها عندما تفكر في القضايا الفلسفية والواقعية المطروحة أمامها فإنها تستند إلى مرجعيات فكرية متعددة ومتضاربة في بعض الأحيان مما يوقعها في التناقض والتعارض. وبناءً عليه، فإن مونيي استلهم من تلك المذاهب والاتجاهات الفلسفية المتنوعة أفكارًا وتصورات

وتحليلات منحت لشخصانيته الثراء النظري والصلابة المنهجية. فقد استعار منها مفاهيم الحرية والاستقلال الذاتي والتعالي والالتزام والتواصل، وأضفى عليها طابعًا شخصانيًا، وصاغ من خلالها

نسقًا معرفيًا وأخلاقيًا يعلي من قيمة الشخص ويرفعه إلى مستوى المقولة المركزية في الفكر

(9) Candide Moix, Emmanuel Mounier, penseur chrétien dans le monde moderne (Paris: Éditions du Seuil, 1960), p. 27. (10) Emmanuel Mounier, Manifeste au service du personnalisme , Édition numérique complétée à Chicoutimi, 15 novembre 2003, p. 14. (11) Ibid, p. 17. (12) Eric Volant, Des morales: Crises et impératifs (Canada: Éditions Paulines & Médiaspaul, 1985), p. 163.

والممارسة. وعطفًا على ما تقدّم، فإن قراءة ريكور التأويلية للشخصانية سيكون مدارها، أولً، الكشف عن هذين التقليدين؛ المسيحي والفلسفي، وإبراز تفاعلهما ودورهما في تحديد طبيعة فكر مونيي، وفي رصد أهم القضايا التي انشغل بها، وتعيين المعارك الفكرية التي كان لزامًا عليه الانخراط فيها. وثانيًا، تأكيد طابعها الميتافيزيقي، لأنها كانت منجذبة لمطلقين؛ مطلق متعالٍ هو الإله، ومطلق إنساني هو الشخص الذي خلق على صورة الإله.

الشخصانية وأزمة الحضارة

عندما يتم استدعاء تاريخ الفلسفة الفرنسية المعاصرة تبرز صورة مونيي بوصفه فيلسوفًا عظيمًا ومعلمًا كبيرًا آمن بمفهوم الشخص جاعلً منه قطب الرحى في عملية تحويل للأفكار المحورية التي تتصف بالتقليدية، فيما يخص الفردانية والشمولية، إلى عناصر ثقافة أو حضارة جديدة، ومبشرًا بميلاد الشخصانية. ولعل ما يميز مونيي هو أنه ربط تفكيره الفلسفي بوعيه الفردي بوجود أزمة حضارية ناتجة من وجود قطيعة النظام المسيحي والواقع القائم الذي تعمّه الفوضى. وكان هدفه هو البحث عن نزعة إنسانية توفّق بين واقعية الأحداث ومثالية الأفكار والأفعال. انبثقت أعمال مونيي إبان فترة حرجة من تاريخ المجتمعات الغربية، سمتها البارزة الأزمة التي مسّت كل المجالات. فارتباطًا بالأزمة، ومواجهةً لها، شهد مفهوم الشخصانية ميلاده. وتبعًا لذلك فإنها اتخذت شكل فلسفة ملتزمة بخدمة فكرة الحضارة، ووجدت في مجلة  Esprit تعبيرها الفكري والسياسي المناضل من أجل مجيء حضارة جديدة. يبدو جليًا من منظور تاريخ الأفكار أنّ ميلاد الشخصانية اقترن بالأزمة الاقتصادية لسنة 1929 وما تلاها من أزمات سياسية وروحية أصابت أوروبا، والتي تعود في أصلها إلى الضمور المتصاعد أو الاختفاء المتزايد لمفهوم الشخص من الأنظمة الحضارية المسيطرة على المجتمعات الغربية. وبمعنى آخر فإنها ترجع إلى حدوث أزمة حضارية حالت دون أنسنة الشخص. ومما ينبغي تأكيده هو أن الظهور البدئي للشخصانية اتخذ شكل وعي بالأزمة، واقترن برغبة الخروج منها، وعبّر عن إرادة تجاوزها. وتجلّى صدى ذلك الوعي والرغبة والإرادة في مساهمة مونيي في الخروج من الأزمة وتحقيق النهضة المنشودة من خلال مساءلة حركة تاريخ المجتمعات الغربية وما ترتب عنها من اضمحلال لمفهوم الشخص وتصدّع لمنظومة القيم المستمدة من النهضة والأنوار الأوروبيين.

(1((جاك لا كروا، نظرة شاملة على الفلسفة الفرنسية المعاصرة، ترجمة يحيى هويدي وأنور عبد المغيث (مصر: المركز القومي للترجمة، 2016)، ص.99 ((1(المرجع نفسه.

إن الوعي بالعصر وبالأزمة التي تجتاحه وتقوض أركانه، هو المثير أو المحرض الأول للشخصانية، الذي يضفي عليها طابعًا نقديًا أو يجعل منها فكرًا نقديًا جذريًا للواقع بكل ملابساته في أفق مشروع بناء

نهضة جديدة، أو كما اصطلح عليه مونيي، بعث النهضة، منذ مقالته الافتتاحية المنشورة في العدد الأول من مجلة  Esprit في تشرين الأول/ أكتوبر 1932. ويسجل ريكور أن الوعي بالأزمة يجسد الأبعاد المتطرفة في أعمال مونيي، لأن الهدف منه لم يكن بناء مفهوم أو وصف بنية ما وتحليلها، ولكن مواجهة واقع تاريخي بفكر نقدي يميل إلى أن يكون صراعيًا. ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ الروح

النقدية للشخصانية تتخذ طابعًا أخلاقيًا يجعلها أقرب إلى المثالية منها إلى المادية، على الرغم من

ادعاءات الارتباط بالواقع والانشغال بمشاكله أو وصل النظرية بالممارسة (البراكسيس). لذا تمثّل الأزمة، الروحية والسياسية، خلفية نظرية موجهة لأعمال مونيي، فهو ما فتئ يُفكر في أزمة الإنسان الكلاسيكي الأوروبي الذي تزامنت ولادته مع ولادة العالم البرجوازي. وإن هذه الأزمة هي الوجه الأكثر بروزًا للدلالة على العدمية الأوروبية التي تعود إلى تراجع أو تقهقر المعتقدات الكبرى للإيمان المسيحي الذي يعتبره مونيي دين العلم والعقل والواجب. ساهمت البرجوازية في هذا التراجع لأنها، من منظور مونيي، ركزت على الفرد (العضوية الحية) وأغفلت الشخص (الكائن البشري الواعي)، واهتمت بالبعد المادي في الإنسان بوصفه مستهلكًا أو كائنًا تحركه غرائز التملك، ولكنها أهملت بعده الروحي. وضدًا على هذا المنحى، فإن الشخصانية عملت على إعادة الاعتبار إلى ما هو روحي في الشخص على أساس تحقيق التوازن بين المادة والروح، أو بين الكينونة والتملك. وإذا كانت أعمال مونيي تنتقد البرجوازية وتحمّلها مسؤولية جزء من الأزمة التي أصابت المجتمعات الأوروبية، فإن هذا النقد يقود إلى مفارقة محرجة للشخصانية. فإذا كان من الممكن أن تنفصل الشخصانية روحيًا

وأخلاقيًا عن البرجوازية، فإنها تتصل بها ماديًا، لأنه من المتعذّر التخلي عن المنجز والتراكم المادي

الذي تحقق بفعل البرجوازية وتطور فيما بعد مع الرأسمالية. وجدير بالذكر أن الموقف النقدي الذي اتخذه مونيي من البرجوازية والرأسمالية، يرجع إلى تأثره بالماركسية. فقد كان يناهض الرأسمالية ويدعو إلى الاستعاضة عنها باشتراكية ديمقراطية تمنح الشخصانية القدرة على معانقة قضايا الإنسان والتاريخ، وتدعم اتجاهها السياسي الحاضر. وعندما تجمع شخصانية مونيي بين التقليد المسيحي والاشتراكية تكون أقرب إلى لاهوت التحرير في صيغته الأوروبية.

(15) Pierre de Senarclens‏, Le mouvement «Esprit» 1932-1941: Essai critique (Lausanne: Éditions L'Age D'Homme, 1974), p. 22. (16) Ricoeur, p. 862. (17) E. Mounier, «Refaire la renaissance,» Esprit (Octobre 1932). (18) De Senarclens‏, p. 9. (19) Ricoeur, p. 862.

((2(مونيي، ص.175 ((2(المرجع نفسه، ص.176 ((2(المرجع نفسه، ص.183

بخصوص العلاقة بين الماركسية والشخصانية، يشير ريكور إلى أن السبب الرئيس للثورة الاشتراكية هو احتقار الإنسان واغترابه عن ذاته وعن عمله، كما أن الشخصانية يحركها السبب نفسه. غير أن ما يميز الشخصانية هو أنها تمارس نقدًا للرأسمالية والماركسية؛ نظرًا إلى مغالاة الأولى في تقديس الفرد،

وبسبب مبالغة الثانية في تقدير الطبقة الاجتماعية واعتبارها الفاعل الأساس في التاريخ. وعلى الرغم من هذا النقد تبقى الماركسية هي الأقرب إلى الشخصانية من الرأسمالية. هكذا تبنّى مونيي ورفاقه في حركة  Esprit الماركسية بوصفها الفلسفة التي لا تقف عند حدود تأويل العالم، بقدر ما تسعى لتغييره. يبدو جليًا وجود قرابة بين الشخصانية والماركسية؛ فكلاهما منهج يرتكز على نشاط يرمي إلى القضاء

على كل أنواع الحرمان. بيد أن القرابة بينهما لا تعني تطابقهما، فللشخصانية مواقف مضادة للماركسية تجعلها أقرب إلى الوجودية. ومهما تعددت أوجه الاختلاف بين الشخصانية والماركسية والوجودية، فإنها تجمع على قيمة الروابط الأولية التي تجعل الشخص/ الإنسان في العالم مع الآخر، والتي قد تؤدي إلى استلابه كما يمكن أن تسهم في تحرره. وتحت تأثير الماركسية، فإن مونيي عارض بشدة مثالية هيغل وتصوره المجرد للإنسان، وتبنى تصور ماركس للإنسان الواقعي أو الملموس الذي يتحدد من خلال العمل وبالنظر إليه ذاتًا فاعلة في التاريخ الاجتماعي. بالقياس على الماركسية والوجودية، تبرز الشخصانية بحثًا فلسفيًا يجد أساسه في الأزمة التي أصابت

المجتمعات الغربية أو أنها مجموعة من الأبحاث النقدية للنماذج الحضارية المأزومة، ورهانها المركزي هو بناء وعي سياسي لمواجهة أزمة حضارية في أفق بعث النهضة أو استعادتها، وتجديد الأنظمة الثقافية والعلمية والاجتماعية والفنية والروحية التي تُسهم في جعل الإنسان الحديث فاعلً وصانعًا ومبدعًا للواقع الذي يسمو بقيمته ويحقق فيه كرامته. أراد مونيي لشخصانيته أن تتخذ صورةَ بيداغوجيا تستنهض الشخص وتوقظه من جديد، وصورةَ مشروع أخلاقي وسياسي يصوغ قواعد حضارة جديدة مكرسة من أجل الإنسان. فمن خلال هاتين الصورتين تظهر شخصانية مونيي نزعة إنسانية أو تيارًا فكريًا وسياسيًا ذا نزوع إنساني. والسؤالان اللذان طُرحا بقوة منذ صدور الأعداد الأولى لمجلة  Esprit: هل الشخصانية فلسفة؟ وأي نوع من الفلسفة هي؟ فقد كانت أعمال مونيي المنظّرة للشخصانية موضوع شك أو ريبة واسعة الانتشار بين عديد الدارسين والمفكرين الذين يترددون في اعتبارها فلسفة. لاحظ ريكور بدوره أن الفكر الشخصاني لمونيي، منذ تأسيسه ومع مرور الوقت، عرف عدة تقلبات وتحولات جعلت من الصعب تعريفه بوصفه فلسفة، فهو لا يكاد يمكن تقديره فكرًا يحمل بعض

(23) Ricoeur, p. 873. (24) Ibid., p. 875.

(2((محمد عزيز الحبابي، من الكائن إلى الشخص دراسات في الشخصانية الواقعية (القاهرة: دار المعارف، 1962)، ص.125

(26) Volant, p. 160.

العناصر الفلسفية. فالشخصانية، بالنسبة إليه، لا تعدو أن تكون «بيداغوجيا للحياة الجماعية مرتبطة بالشخص». وينطبق هذا الحكم على أعمال مونيي الصادرة في الفترة 1934-1932، والتي كانت بمنزلة يقظة شخصانية وبيداغوجيا جماعية، ولكنها لم ترق إلى أن تكون فلسفة ما. فهي أقرب ما تكون إلى نظرية للقيم، وللتاريخ، وللمعرفة وللكائن البشري. وبعد الحرب عرفت الشخصانية تطورًا أصبحت بموجبه فلسفية أكثر، أو صارت أعمال مونيي حاملة لقصدية فلسفية واضحة تجلّت في بلورة نزعة إنسانية جديدة أو التبشير بعصر تاريخي جديد. صارت الشخصانية فلسفة يتعلق سؤالها المركزي بأنطولوجيا الشخص. إن الشخصانية منذ انبعاثها القوي بفضل حركة  Esprit ظلّت حاملة لقصدية ثورية ضد الأزمة ومقاومة للتأثيرات السلبية للحياة الحاضرة في الشخص. فقصديتها عملية أو تعتمد على إرادة تمتد من ميدان الفكر والتأمل إلى ميدان النشاط والفعل. وهي في ذلك لا تقف عند حدود التأمل الفلسفي فحسب، بل تتجاوزه إلى الاعتماد على دوافع دينية ومحركات سياسية. عطفًا على ما تقدم ستتجه قراءة ريكور لأعمال مونيي إلى تحليل هذه القصدية (الفلسفية) للشخصانية انطلاقًا من مدخلين أساسين؛ تبعًا للأول تتحدد فلسفته كمشروع أخلاقي لحضارة شخصانية، في حين تتحدد، تبعًا للثاني، كتأويل شخصاني للفلسفات الوجودية. إنها منجذبة لتقليدين؛ لاهوتي وفلسفي.

مشروع أخلاقي للحضارة الشخصانية

قصد مونيي من خلال أعماله استعادة النهضة أو بعثها وإنقاذ عصره الذي يغرق في الأزمة بسبب غياب أخلاق قادرة على النهوض بالحضارة والحفاظ على فاعليتها وقدرتها على إلهام الأشخاص والمجتمعات. فحدوث ثورة شخصانية يعتمد على حضور أخلاق/ إيتيقا فلسفية تتأسس على الإنصات لنداء «ما فوق إنساني» للتاريخ من أجل شخصنة المجتمع، وتخلق شروط المقاومة لتحرير الشخص من سيطرة البنيات الوضعانية والعلموية والتقنوية التي غدت تهيمن على مفاصل الحياة المعاصرة. في هذا السياق يمكن فهم شخصانية مونيي بوصفها مجموعة من الموافقات الأولية التي تمكّن من تأسيس حضارة تحقق الشخص الإنساني، وتمثّل السند الميتافيزيقي للإيتيقا أو الأخلاق الشخصانية. كما تسمح بالنظر إلى الشخصانية بوصفها ثورة جماعية/ معشرية تروم تحفيز الواقع أو خلق شروط يقظة الشخص انطلاقًا من إنشاء بيداغوجيا جماعية تمكّن من مقاومة حضارة التصنيع التي تركز على البعد البيولوجي في الكائن البشري وتخاطب غرائزه ورغباته. ضدًا على الاختزال للكائن البشري لما هو مادي/ بيولوجي فإن الشخصانية تنظر إليه في كليته، وتعلي من الجانب الروحي فيه.

(27) Ricœur, p. 862. (28) Ibid., p. 863. (29) Ibid., p. 864.

وتبدو بذلك كبيداغوجيا جماعية تقوم على فكرتي الزهد وطلب الخلود اللتين تنتميان إلى القاموس المسيحي الذي مثّل خلفية ميتافيزيقية للشخصانية منذ تأسيسها. وعلاوةً على ما تقدَّم نشير إلى أن الشخصانية في جزء كبير منها، من حيث أصلها وتصوراتها ومفاهيمها، مستوحاة من المسيحية الكاثوليكية. ويرجع تأثّر أعمال مونيي بالتقليد المسيحي إلى أمرين أساسين؛ أولهما ذاتي يخص مونيي الذي نشأ في عائلة مسيحية وتلقَّى تربيةً وتعليمًا مسيحيّين،

وثانيهما موضوعي يخص تاريخ الفلسفة الغربية التي لم تسلم من تأثير المسيحية فيها التي ألقت بظلالها على طيفٍ واسع من أنساقها ومذاهبها، إلى حد أنها تبدو في جزء كبير منها كحوار، صريح أو ضمني، مع العقائد والنصوص والتصورات الدينية للإله والإنسان والعالم. ومن الأمثلة على الربط بين الشخصانية والمسيحية يقف ريكور عند مفهوم التطهير المسيحي باعتباره طقسًا روحيًا يعيد وصل

الأفراد أو الجماعات بالعالم المقدس. يحيل ضمنيًا مفهوم التطهير إلى فكرة الخطيئة الأصلية

التي تعتبر مركزية في الاعتقاد المسيحي. وبفعل الحضور القوي للمسيحية في أعمال مونيي، فإن شخصانيته تختلف عن الشخصانية المنكرة للمطلق، وتبدو كبيداغوجيا تطهيرية للأفراد والجماعات مما لحق بها بسبب الأزمة الروحية التي تنخر المجتمعات الغربية، وتقدم نفسها في صورة «جواب ميتافيزيقي على طلب ميتافيزيقي». بيد أن التماسّ القوي بين المسيحية والشخصانية لا يجعل هذه الأخيرة مذهبًا دينيًا أو موقفًا صوفيًا أو

تأويلً مسيحيًا للإنسان والعالم، كما أنها ليست نظريات ميتافيزيقية محضًا. بل هي بحث متواصل عن

فعالية لإبراز العالم الإنساني وسط باقي عوالم الكون، أو هي مشروع أخلاقي لحضارة تعيد الاعتبار للشخص، وتصوغ قيمًا تعكس وعيًا زمانيًا ضد الأزمة. فالأخلاق الشخصانية المرجوة، حتى وإن

كانت تابعة للإيمان المسيحي، فهي مرتبطة بالواقع التاريخي ومشروطة به، وغايتها شخصنة المجتمع والإنصات لنداء المستقبل. يقود الفعل التأسيسي للشخصانية انطلاقًا من الإيمان المسيحي إلى طرح مشكل يتعلق بالذين لا يؤمنون أو يؤمنون بغير المسيحية. ولكي يتضح هذا المشكل يجوز أن نستفهم بهذه الصيغة: هل في الإمكان تأسيس أخلاق ملموسة ومستقلة، منفتحة وتاريخية، تصلح للجميع؟ مثّل هذا المشكل دافعًا لمونيي كي يصقل البعد المسيحي والباعث الميتافيزيقي لشخصانيته، ويوسع من دائرتها. فالأخلاق الشخصانية التي تظهر كبيداغوجيا جماعية/ معشرية، لن ترقى إلى مرتبة تحقيق الأنسنة من دون أن تخوض مغامرة إنسانية منفتحة على زمن الخالق المطلق وزمن الكائن البشري في تعدده وتنوعه. فأخلاق الشخصانية هي أخلاق الانفتاح، فعندما ينفتح الشخص على المطلق ويستجيب لنداء الخلود، فهو ينفتح على الآخرين الذين يشاركونه الانتماء للإنسانية بغضّ النظر عمّا إذا كانوا يندرجون في دائرة الإيمان المسيحي أو لا يندرجون.

(30) Ibid., p. 868.

لمس ريكور وجود تطور في شخصانية مونيي بالانعطاف من الإيمان المسيحي إلى الأخلاق الكونية، أو النظر إلى الشخص بوصفه كائنًا أخلاقيًا وليس مؤمنًا مسيحيًا فقط. عمل مونيي على التركيب

بين البعد المسيحي والبعد الكوني، فهما يتكاملان ويسهمان معًا في فهم التاريخ وحركة المجتمع. فالأخلاق الشخصانية ذات الأساس الميتافيزيقي والإيمان المسيحي كونية، تنزل الشخص منزلة القيمة العليا بالنظر إليه بوصفه غاية لا وسيلة. إذا كانت شخصانية مونيي تستعير كثيرًا من مفاهيمها وتصوراتها من المعتقد المسيحي، الكاثوليكي

خاصةً، فإن ذلك لا يجعل منها خطابًا لاهوتيًا تبشيريًا. فالمفهوم المسيحي للشخص، مثلً، يُسهم

في بناء أنثروبولوجية فلسفية تحدد الإنسان من خلال علاقته بالإله. فالإله خلق الإنسان على صورته، وخلقه من أجل نفسه.

تأويل شخصاني للفلسفات الوجودية

يصنف جان لاكروا شخصانية مونيي، في فهرس كتابه حول تاريخ الفلسفة الفرنسية المعاصرة، ضمن فلسفات الوجود، ويعتبرها ريكور تأويلً للفلسفات الوجودية. في كلتا الحالتين فهي في علاقة تماسّ وتجاذب مع فلسفات الوجود في كثير من النقاط. يصور مونيي تاريخ الفكر كسلسلة مصفوفة الحلقات ومكونة من يقظات وجودية متصلة بعضها ببعض، تجد أصلها في النداء السقراطي: «أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك»، الذي يتعارض مع تأملات الفيزيائيين (الفلاسفة الطبيعيون) حول الكون. فالفلاسفة الرواقيون وباسكال وكيركجارد، وغيرهم من الفلاسفة عبر تاريخ الفلسفة، هم حلقات من هذه اليقظة الوجودية. وبفعل توالي هذه الحلقات وتتابعها شهد الفكر البشري انعطافًا من التفكير في الكوسموس إلى التفكير في الإنسان أو الوجود الإنساني، أو من التفكير في الكون إلى راعي الكون، بلغة هايدغر. إذا كان التقليد الفلسفي منذ كانط هو أن تبدأ كل فلسفة بنظرية المعرفة، فإن مونيي، وتحت تأثير مفعول الفلسفات الوجودية، انعطف من المعرفة إلى الإنسان/ الشخص جاعلً منه منطلقًا لشخصانيته. ويستبطن الانعطاف فهمًا مغايرًا للفلسفة ووظيفة الفكر الفلسفي. فلا تنحصر الفلسفة بالنسبة إليه في حدود تشييد

نظام فكري مجرد، ولا تبرير ما هو موجود، وإنما هي سعي متواصل لتغيير العالم من خلال تغيير التصورات حوله، إنها أقرب إلى البراكسيس منها إلى الفلسفة النظرية. ومن البيّن أن الطابع العملي للشخصانية

يجعلها فلسفة مفتوحة تتلقى من مصادر فلسفية متنوعة بعد تأويلها تبعًا لمنطلقاتها ومقاصدها. ومن هنا، فإن تلقّي الفلسفات الوجودية وتأويلها شخصانيًا هو أحد العناصر التي تدعم البعد الفلسفي

في أعمال مونيي أو تضفي عليها طابعًا فلسفيًا. ويسجل ريكور أن إدماج الوجودية أو إدخالها في

(3((لاكروا، ص.101

(32) Ricoeur, p. 876. (33) E. Mounier, Introduction aux existentialismes (Paris: Éditions Gallimard, 1962), p. 7.

الشخصانية يعكس طابعًا فلسفيًا مزدوجًا يخص مشكل الإنسان (الشخص) والسؤال العام للوجود.

فهذان الموضوعان يمثلان مجال الالتقاء والاختلاف في الآن نفسه بين الشخصانية والوجودية. ومن أبرز نقاط الالتقاء بينهما أنهما فلسفتان للإنسان قبل أن تكونا فلسفتين للطبيعة أو المعرفة. وبحكم الأسبقية في النشأة، فإن الوجودية ألقت بظلالها على الشخصانية. وحتى إن كانت مسألة الأسبقية موضوع نزاع وخلاف، فإن الوجودية ساهمت في إحياء المسائل الشخصانية كالحرية ومسألة الحياة الداخلية والتعالي والتواصل وحضور الغير ومعنى التاريخ. تم المرور من الشخصانية نحو فلسفات الوجود من خلال منعطف العلوم الموضوعية للإنسان؛ أي إنّ مسار عبور الشخصانية نحو الفلسفات الوجودية يمر عبر نقطة مزدوجة، من الشخصانية إلى العلوم الإنسانية، ثم من الشخصانية إلى فلسفة الوجود. ولهذا السبب فإن ريكور يبين أن الشخصانية تأخذ طابعها الفلسفي بكيفيتين: تبعًا للأولى، من خلال مواجهتها علوم الإنسان ذات النزعة الوضعية التي تدَّعي إمكانية إنتاج معرفة موضوعية حول الإنسان ودراسته كما تتم دراسة الظواهر المادية الخارجية. وتبعًا للثانية، من خلال مواجهتها الوجودية التي تفهم الإنسان في ذاتيته. ولعل ما يميز الشخصانية هو نظرها للشخص ككلّ لا يقبل التجزئة، ومن هنا استفادت من الاتجاهين معًا: الدراسات العلمية الموضوعية والفلسفة الوجودية، أو من التفسير الموضوعي والفهم الوجودي. عندما تجمع الشخصانية في نظرتها إلى الكائن البشري بين موضوعية العلوم الإنسانية وذاتية الفلسفات الوجودية، فمعنى ذلك أنها تؤسس لمعرفة أنثروبولوجية ترفض اختزال الإنسان (الشخص) في بعدٍ واحد من أبعاد وجوده، فهو كلٌ لا يقبل التجزئة، هو قيمة متعالية متجهة نحو المطلق. على الرغم من حضور العلوم الموضوعية للإنسان، فإنّ ريكور يصر على أنّ العلاقة بين الشخصانية وفلسفات الوجود مباشرة، إذ إن المرور من خلال علوم الإنسان لا يعدو أن يكون مطلبًا منهجيًا لإنجاز

الوصل بينهما. ولمقاربة العلاقة بين الشخصانية وفلسفات الوجود، نصوغ السؤال التالي: هل يمكن تحديد الشخصانية كفلسفة وجودية أم بيداغوجيا مختلفة عنها؟ ولتحليل هذه العلاقة وقف ريكور عند مفهومين أساسين: «الشخص» و«الوجود». بحسب قراءة ريكور، فإن الشخص يظهر كحالة للتعبير عن أحد التأويلات للوجود في الفلسفات الوجودية. والنتيجة الطبيعية لما تقدم، هو أن تصبح الشخصانية كيفية لتأويل الفلسفات الوجودية، أو أنها تنتمي إلى التقليد الوجودي بمعناه الواسع. وبهذا المعنى فإن الشخص والوجود مفهومان متعادلان؛ فالوجود تأويل للشخص، والشخص مظهر من مظاهر الوجود. فعندما يربط ريكور بين

(34) Ibid., p. 26.

(((3 مونيي، ص.24

(36) Ricoeur, p. 878. (37) Ibid., p. 881.

الشخص والوجود، فإنه يضع الشخصانية في وجه الوجودية. ويعود الارتباط إلى جانبين: الأول أخلاقي - سياسي يرتبط بأزمة الحضارة، والثاني نقدي أنطولوجي يتعلق بالتقليد الفلسفي الكلاسيكي. وينشأ عن هذين الجانبين أن تأخذ الشخصانية شكل فلسفة تصل الفكر بالفعل، وتسعى للالتزام لمصلحة حضارة جديدة. ولمزيد من الإيضاح للعلاقة بين الشخصانية والوجودية، من المفيد الإحالة إلى كتاب خصصه مونيي للفلسفات الوجودية Introduction aux existentialismes، وأكد فيه أنّ أيّ فلسفة لا تكون كذلك إذا لم تكن وجودية، ويصورها ردة فعل ضد فلسفات الأفكار المجردة والظواهر المادية التي لم تهتم بموضوع الإنسان. ويعبّر مونيي عن إعجابه القوي بالوجودية، ويدعي بكل وضوح الانتساب إلى

تيارها بوصفه الأكثر غنى ووفرة في الفلسفة المعاصرة. وفي سياق تتبّعه لحضور الفكر الوجودي

في الفلسفة المعاصرة، ميز مونيي بين تيارين كبيرين: الوجودية الملحدة (مارتن هايدغر، وجون بول سارتر) والوجودية المسيحية (غابرييل مارسيل)، وهذا الأخير يعكس بكل وضوح من خلال تأملاته التداخل بين الوجودية المسيحية والمحاولات الأولى إلى الشخصانية. فوجود هذين التيارين معًا سيؤثر في العلاقة الممكنة بين الشخصانية والوجودية. والسؤال الذي يطفو على السطح، ويفرض ذاته بقوة هو: ما الذي يميز الشخصانية عن الوجودية؟ للإجابة عن هذا السؤال سيسير ريكور في وجهتين مختلفتين؛ تبيان الصلة بين الشخصانية والوجودية، وتبيان أوجه الاختلاف والتمايز بينهما. حرص مونيي من خلال انشغالاته الشخصانية، في الوقت نفسه، على إنجاز القطيعة وتحقيق الاستمرارية الفلسفية لفكره ضمن التقليد الوجودي. فاليقظة الشخصانية تحققت بفضل يقظة وجودية، والمقاصد العليا للحركة الشخصانية تندرج ضمن التقليد الوجودي الذي يعمل على تجاوز الفلسفات التقليدية المتناسية لأولية الوجود والمهملة لسؤال الإنسان. ففلسفات الوجود التي تنتمي إليها الشخصانية، تضع هدفًا لها مقاومة الإشكالية التقليدية لمعرفة الكائن في قلب إشكالية شاسعة للوجود، وخاصةً ضمن مأساة الوجود الإنساني. إن وجود استمرارية فلسفية للشخصانية في التقليد الوجودي، لا ينفي وجود قطيعة بينهما، ووجود المشترك لا يعدم وجود المختلف بينهما. فإذا كانتا تلتقيان حول إشكالية الوجود، فإنهما تختلفان في مقاربتهما له. وتمثل عناصر الاختلاف القائمة بين الشخصانية والوجودية عناصر أصالة للفلسفة الشخصانية، والتي أجملها ريكور في النقاط التالية: • الفكر الشخصاني أكثر فاعلية وانفتاحًا على المستقبل مقارنةً بالوجودية. فهذه الأخيرة تنظر إلى

الإنسان من منظار مأساوي، فهو وجود قلق، أو كائن أُلقي به في هذا العالم، عليه أن يواجه تجربة

(38) Mounier, Introduction aux existentialismes , p. 7. (39) Ibid.

الاغتراب وما يستتبعها من شعور بالغثيان والفراغ. في حين أن الشخصانية هي فلسفة للتفاؤل الممزوج بالقلق. • القصدية التربوية/ البيداغوجية للشخصانية تتجاوز إشكالية الفلسفة الوجودية. في حين تريد أن تكون الفلسفة الوجودية نقدًا للمعرفة وتأسيسًا لأنطولوجيا جديدة، فإن الشخصانية لها قيمة الأصل

الفلسفي لأنها تبحث في ما قبل المعرفة، تبحث في الشخص الإنساني السابق عن كل معرفة أو أنطولوجيا. • يظهر الاختلاف بخصوص العلاقة أو التوتر بين الشخص والطبيعة. تقصد الشخصانية من تفكيرها في مفهوم الشخص البحث عن النموذج الإنساني الصحيح للوجود الذي يتضمن قيمة التضامن بين أفراد الجماعة البشرية. فعوض الاعتماد على المعنى السكولائي للطبيعة، فإن مونيي يعطي الأولوية للوضع الإنساني تأكيدًا للطابع التاريخي والاجتماعي للطبيعة الإنسانية. مهما تعددت مظاهر الاختلاف بين الشخصانية والوجودية، فإن ريكور، يذهب إلى أنهما تشتركان في إنزال الوجود الإنساني منزلة الموضوع الأول والأساس للفلسفة، فبينهما صلة قرابة وحتى إن باعدت بينهما مناحي التأويل والفهم للأصل.

خاتمة

حتى نجمل قراءة ريكور التأويلية لشخصانية مونيي، يمكننا أن نقول إنها تدرجت عبر ثلاث لحظات؛ في اللحظة الأولى، بيّن أن الشخصانية لم ترق إلى مستوى الفلسفة، فهي أدنى من أن تكون فلسفة،

ويصورها كبيداغوجيا جماعية أو بيداغوجيا للحياة المشتركة. وفي اللحظة الثانية، اعتبر أن حدس مونيي يتجاوز كل فلسفة، فمساهمته في الفكر المعاصر تندرج في إطار إشكالية فلسفية تمثل منشأ كل التصورات النظرية والعملية، وتشكل أصلً لكثير من الأنساق الفلسفية، فمساهمته أسمى من أن تُرد إلى فلسفة بعينها. وفي اللحظة الأخيرة، وانطلاقًا من كتابات ما بعد الحرب، فإن ريكور أكد بكيفية لا تحتمل الشك أنّ شخصانية مونيي تحمل قصدية فلسفية، وتتخذ صورة نزعة إنسانية جديدة ومشروع عصر تاريخي جديد روحه الفاعلة فيه حرية مبدعة للقيم الإنسانية تتجه نحو بناء حضارة شخصانية وتتحدد ببعض البنى العقلية. وعبر هذه اللحظات الثلاث، فإن فكر مونيي يظهر كحركة متوجهة نحو مشروع حضارة شخصانية من خلال تأويل شخصاني لفلسفات الوجود. إن صلة ريكور بالشخصانية لم تنقطع، فآثار أعمال مونيي ستظهر فيما بعد في بعض مؤلفاته، وخاصة في كتابه: الذات عينها كآخرالذي هو بحث في أنطولوجيا الذات، وخصص فصله الأول للقيام بمقاربة دلالة لمفهوم الشخص حيث يظهر الطابع الشخصاني قويًا في مسألة الهوية الذاتية.

(40) Ibid., p. 863.

4(((انظر: بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2005

نعيد التذكير بأنّ مقالة ريكور نُشرت، في وقت مبكر، سنة 1950، بمناسبة تأبين أبرز فلاسفة الشخصانية إيمانويل مونيي. ومنذ ذلك الوقت حصلت عدة تطورات عنوانها الكبير أن فلسفته لم تغرب شمسها بموته، فقد انتشرت أشعتها وامتدت وعمّت آفاقًا واسعة. وأصبح من المألوف أن نجد للفلسفة

الشخصانية امتداداتٍ وأتباعًا في كل القارة. وفي عالمنا العربي، يكفي أن نشير إلى شخصيتين بارزتين حملتا لواء تلك الفلسفة؛ محمد عزيز الحبابي رائد الشخصانية الواقعية والإسلامية، ورونيه حبشي ممثل الشخصانية المتوسطية. وصار من المألوف الحديث عن أنواع من الشخصانية كالمسيحية والإسلامية، والليبرالية والماركسية، والفردانية والتعددية، والقانونية والأخلاقية والسياسية، كما أصبح من المعتاد العثور على بعض الاستعمالات المنسوبة للشخصانية من قبيل الحضارة الشخصانية، والتربية الشخصانية، والأخلاق الشخصانية. فكل هذا التنوع يدل على جاذبية هذه الفلسفة وتأثيرها في بعض الأنساق ونظم الأفكار الحداثية وما بعد الحداثية. وقصارى القول في تعبير يوضح الصورة العامة للشخصانية ورهانها الأساس، نعود إلى تعريف مونيي الذي يذهب إلى اعتبارها بيداغوجيا يقظة الشخص وبيداغوجيا الحياة الجماعية. وتشير البيداغوجيا هنا إلى بعدها العملي، فليست فلسفة نظرية مجردة، ولا ينبغي فهمها كذلك، بل هي فلسفة تنخرط في الواقع الإنساني بكل مفرداته، تؤثر فيه وتتأثر به. ومن هنا قدرتها على التجدد والانتشار، وقابليتها للتأويل والفهم المتعدد. ويظهر بعدها العملي في منهجية مونيي، فلم يكن ينطلق من المفاهيم المجردة أو من خطاطات نظرية جاهزة، بل كانت أفكاره واجتهاداته تصدر عن الواقع الملموس لأنها مطالبة بتغيير الواقع، أي تغيير تصور الواقع حتى يتحقق تجاوز أزمة الحضارة وبعث النهضة من جديد. واللافت للانتباه أن الشخصانية أصبحت تمثّل أساسًا مرجعيًا لكثير من الدراسات والتيارات التي تدعو

إلى الأنسنة ومقاومة العولمة ومواجهة سطوة التقنية، وأصبحت تمثّل نموذجًا إرشاديًا (براديغمًا) لحداثة

ثانية. وبموجب هذا التصور يتم الانتقال من الفردانية التي كانت تمثّل البراديغم المركزي للحداثة الأولى، إلى الشخصانية التي ستسهم في إبداع حداثة ثانية تتجاوز اختلالات الأولى وتناقضاتها. ويستبطن هذا الانتقال نقدًا للفردانية بوصفها نزعة لا شخصانية تختزل الإنسان إلى فرد، وتعزله عن الآخرين، وتتصوره كوجود مطلق يكفي ذاته بذاته ويحيا في استقلال بطولي تام، في حين أن الشخصانية تعتبر الكائن البشري في حاجة إلى الآخرين ليعي ذاته ويستكمل وجوده ويحقق غاياته. وصار مألوفًا وسط عديد الأوساط الأكاديمية الحديث عن شخصانية جديدة personnalisme Néo تكون رافعة لبناء نزعة إنسانية جديدة، ومدخلً لتجديد اليسار، ومنحه أساسًا أيديولوجيًا جديدًا.

ومن ثم تُفهم الشخصانية مثل لحظة عبور نحو النزعة الإنسانية أو أنها هي خير تجسيد لنزعة إنسانية عملية. وفي كل الأحوال فإنها تتحدد مثل حدس يضفي المعنى على الحياة. وإن كان هذا الحديث

(42) Ricoeur, p. 865. (43) Vincent Triest, «le personnalisme paradigme d'une seconde modernité?» Les Cahiers pour demain , no. 52 (Décembre 1999), p. 8. (44) Vincent Triest, «Le Néo-personnalisme, clé d'une seconde modernité,» Perso , no. 5-6 (Janvier-Mai 2000), p. 23.

يعكس نظرة تفاؤلية للشخصانية، فإنه لا ينفي عنها تعرّضها منذ تأسيسها لهزات وإخفاقات. فهي مثقلة

بأفكار وتصورات تبدو في كثير من الأحيان متناقضة، استمدتها من المسيحية والماركسية والوجودية، تجعلها تبدو مثالية ومتعالية على الرغم من ادعاء فلاسفتها الالتزام والارتباط بالواقع، وتجعلها تتخذ شكل فلسفة مسيحية على الرغم من ادعاء الكونية. مهما تعددت القراءات النقدية والتأويلية للشخصانية، فهي في حقيقة الأمر تقود إلى إعادة اكتشافها معرفيًا وإبستيمولوجيًا. إذ من المستحيل اختزالها إلى تقليد ديني أو خطاب أخلاقي أو بيان أيديولوجي،

بل هي فلسفة تجعل من الإنسان/ الشخص مركزًا في النظر والتأمل والممارسة، وتلتزم بالدفاع عنه وصيانة كرامته وحقوقه. ربما جاز لنا بأن الشخصانية براديغم إنساني منفتح وقابل للتجديد والتطوير، مركزه الإنسان الحر والمستقل والمسؤول، وأفقه المستقبل الذي يستوعب الإنسانية جمعاء.

المراجع

References

العربية

الحبابي، محمد عزيز. من الكائن إلى الشخص دراسات في الشخصانية الواقعية. القاهرة: دار المعارف،

ريكور، بول. الذات عينها كآخر. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 لا كروا، جان. نظرة شاملة على الفلسفة الفرنسية المعاصرة. ترجمة يحيى هويدي وأنور عبد العزيز. تقديم أنور مغيث. مصر: المركز القومي للترجمة،.2016 مونيي، إيمانويل. هذه هي الشخصانية. ترجمة تيسير شيخ الأرض. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر،

الأجنبية

Meunier, Martin. Le pari personnaliste: Modernité et catholicisme au XXe siècle: essai. Éditions Fides, 2007. Mounier, Emmanuel. «Refaire la renaissance.» Esprit (Octobre 1932). ________. Introduction aux existentialismes. Paris: Éditions Gallimard, 1962. Ricoeur, Paul. Une philosophie personnaliste. Esprit. Nouvelle série, no. 12 (Décembre

Senarclens‏, Pierre de. Le mouvement ' Esprit ' 1932-1941: Essai critique. Lausanne: Éditions L'Age D'Homme, 1974.

Triest, Vincent. «Le Néo-personnalisme, clé d'une seconde modernité.» Perso. no. 5-6 (Janvier-Mai 2000). ________. «le personnalisme paradigme d'une seconde modernité?» Les Cahiers pour demain. no. 52 (Décembre 1999). Volant, Eric. Des morales: Crises et impératifs. Canada: Éditions Paulines & Médiaspaul,