العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب فجر العرب: شبابه وعائده الديموغرافي لبسمة مومني

مراجعة كتاب فجر العرب: شبابه وعائده الديموغرافي لبسمة مومني

Book Review Arab Dawn: Arab Youth and the Demographic Dividend They Will Bring By Bessma Momani

سجى الطرمان

Sajj Torman

الملخّص

تدور أطروحات كتاب "فجر العرب: شبابه وعائده الديمغرافي"، للكاتبة بسمة المومني على طرح مماثل مؤكداً على أن الشباب قوة مؤثرة في المستقبل العربي، فالعالم العربي يتغير من الداخل بفضل شبابه الذين يدفعون نحو مجتمع أكثر قدرة على المنافسة والمسائلة العالمية، وإن ارتباط المنطقة العربية وشبابها المتنامي بالمجتمعات الأخرى يفتح أمامها آفاقا جديدة لنشر أعراف وقيم جديدة في السياسة والاقتصاد والمجتمع، عابرة للحدود بما يصب في صالح المنطقة العربية، فتكمن أهمية الكتاب في محاولة الباحثة إلى صرف انتباه القارئ عن التفكير النمطي بالمنطقة والذي يدور حول العنف والإرهاب والصراعات، وانعدام الأمن، مستندة في ذلك الى لغة العصر الحديثة حيث الاعتماد المكثف على الأرقام والإحصاءات والمؤشرات الرقمية لمخاطبة القارئ، فهذا الكتاب يتناول الجانب المشرق من القصة، باعتبارها منطقة فتية مليئة بالأمل وتطمح للتقدم والوصول إلى مستقبل زاهر.

Abstract

The main themes of Arab Dawn: Arab Youth and the Demographic Dividend They Will Bring by Bessma Momani challenges the negative assumptions surrounding the region, and focuses on the positive changes among Arab youth. The Arab world is changing from within because of its youth, who are pushing for a society with a greater capacity for global competition and accountability. The connection between the Arab region and its growing youth and other societies opens new horizons for the dissemination of new norms and values in politics, the economy and society. The significance of this book lies in the author's attempt to steer the reader away from the stereotypical ideas about in the region, which revolve around violence, terrorism, conflict and insecurity. Using the language of the modern era, and with reliance on statistics and digital indicators to address the reader, this book addresses the brighter side of the Arab world, as a youthful region full of hope and aspiration to progress and access to a prosperous future.

الكلمات المفتاحية:
  • فجر العرب
  • الإرهاب
  • العنف
  • الاقتصاد
  • السياسة
Keywords:
  • Arab Dawn
  • Terrorism
  • violence
  • economy

عنوان الكتاب: الكاتبة: بسمة المومني. ترجمة: فادي ملحم. الناشر: مكان النشر: الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

فجر العرب: شبابه وعائده الديموغرافي.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

الشباب هم رأس المال العربي المدفون، وهم مخزون «النفط « الحقيقي الذي لا ينضب؛ مورد إذا أحسنت الدول العربية استثماره استطاعت أن تعظم من تنافسيتها في القرن الحادي والعشرين، نظرًا إلى التضخم الشبابي المشهود، مستصحبًا بحالة من الحراك المجتمعي يمثّل فيها الشباب الأداة الرئيسة للتغيير والإصلاح والثورة، في ردة فعلهم على سوء الأوضاع التي يعايشها الشباب العرب الذين يعانون في غالبيتهم البطالة والإحباط الناتج من طول المدة بين إنهاء الدراسة والحصول على فرصة عمل كريمة، إلى جانب التهميش السياسي. كل ذلك كان مترافقًا مع تنامي الانفتاح على الفضاء الإلكتروني ليتجاوز بذلك «الأسوار المعرفية»، والحدود الفاصلة بين الدول، لتكوين ذوات مطلعة على ما يحدث في العالم. تدور أطروحات كتاب فجر العرب: شبابه وعائده الديموغرافي، للكاتبة بسمة المومني، على طرح مماثل يؤكد أن الشباب قوة مؤثرة في المستقبل العربي؛ فالعالم العربي يتغير من الداخل بفضل شبابه الذين يدفعون نحو مجتمع أقدر على المنافسة والمساءلة العالمية. وإن ارتباط المنطقة العربية وشبابها المتنامي بالمجتمعات الأخرى يفتح أمامها آفاقًا جديدة لنشر أعراف وقيم جديدة في السياسة والاقتصاد والمجتمع، عابرة للحدود بما يصب في مصلحة المنطقة العربية. وتكمن أهمية الكتاب في محاولة الباحثة صرف انتباه القارئ عن التفكير النمطي في المنطقة، والذي يدور حول العنف والإرهاب والصراعات، وانعدام الأمن، مستندة في ذلك إلى لغة العصر الحديثة التي تتميز بالاعتماد المكثف على الأرقام والإحصاءات والمؤشرات الرقمية لمخاطبة القارئ. فهذا الكتاب يتناول الجانب المشرق من القصة؛ فهي منطقة فتية مليئة بالأمل وتطمح إلى التقدم والوصول إلى تحقيق مستقبل زاهر. قدمت المومني مضامين كتابها عبر أربعة فصول، مناقشة مطلب الشباب في الحصول على الكرامة الاقتصادية والعمل المنتج، وتصورات الشباب نحو الحكومة والسياسة، ورؤية الشباب العرب لأنفسهم ومكانتهم في المجتمع، وفي الفصل الأخير تدرس الباحثة الروابط بين جيل عربي شاب وغربي، وتأثيرها في مسار العلاقات الدولية الاقتصادية والجيوسياسية والثقافية، وتختمه الباحثة بسياسات عملية من شأنها أن تعظم الاستفادة من دور الشباب بصفتهم محركات تغيير تحتاج إليها المنطقة، في ظل بيئة تفتقر إلى الاستقرار السياسي، وتتصاعد فيها موجات العنف والتعصب. استقت المومني مادتها بإدارة مجموعات حوار مركزة في البلدان العربية، إضافةً إلى حوارات أجرتها الباحثة في مؤتمرات واجتماعات عربية لمناقشة تحديات الشباب، وأخرى دولية، كما أجرت حوارات مع شباب المناطق الفقيرة والريفية. ولجأت الكاتبة إلى الاستناد المكثف إلى الإحصائيات للتدليل على الصورة المتفائلة التي تقدمها، وعلى أن الشباب العرب اليوم يختلفون عن الأجيال السابقة وهم أكثر اندماجًا في النظام العالمي.

أولا: الخبز

تتعدد دوافع الاحتجاج وأسبابه في الربيع العربي، وجلّها دوافع اقتصادية واجتماعية متعلقة

بالتهميش وغياب التنمية. وبناءً عليه، تناقش الكاتبة في الفصل الأول الذي اختارت له عنوانًا «الخبز قبل الحرية» مسألة الكرامة الاقتصادية والعمل. فقصة التونسي محمد البوعزيزي أطلقت احتجاجات الربيع العربي، وتركت أثرًا في الشباب العرب، ليتصدروا قيادة ثوراتها، بصفتهم شبابًا آمنوا بأنهم يستحقون الأفضل، نتيجةً لوعي بالمجال العمومي وبواجبات الفرد وحقوقه ترافق مع تنامي مستويات التحصيل الأكاديمي. فالعالم العربي يشهد ثورة صامتة ومتعددة الجوانب تتمثل في «النمو الواسع في التعليم العالي» وتضاعف عدد الكليات والجامعات والمعاهد، ما أدى أيضًا إلى تضاعف عدد الخريجين بنسب تتخطى بكثير معدلات النمو السكاني. ولا يمكن أن ننسى مسألة تزايد عدد الجامعات الخاصة التي أصبح في الإمكان تأسيسها وجعلها قادرة على المنافسة بسبب سياسات التحرير الاقتصادي. كما بنت الجامعات الأميركية مجمعات في منطقة الخليج للاستفادة من رغبة الشباب في تحصيل مستويات أعلى من التعليم. وتعدّ ظاهرة الارتفاع في نسبة التعليم بين النساء من أبرز الظواهر في العالم العربي؛ إذ تخطت نسبتهن الرجال في الحصول على التعليم الجامعي. وعلى الرغم من ذلك، فإنهن يسجلن أدنى معدلات المشاركة في القوة العاملة، مقارنةً بالمناطق الأخرى من العالم. في المقابل، هذا يطرح تساؤلات حول أسباب تدني مشاركة النساء في القوى العاملة، وأخرى حول نوعية التعليم، وموقع الجامعات العربية في التصنيفات الجامعية العالمية، أمام واقع تعليمي يرتكز على التلقين ولا يعطي ما يكفي من الأولوية لمهارات التفكير النقدي، وإلى وجود كثير من الجامعيين على حساب التدريب المهني، كما أن القليل جدًا من الجامعات يعتمد على المنشورات الأكاديمية حافزًا للتفوق. أما عن دور الدولة، فتناقش الكاتبة أن المنطقة العربية شهدت تراجعًا في دور للدولة خلال السنوات العشرين الماضية، غيرت هذه العملية الانتقالية من نظرة الشباب وفكرتهم عن دور الحكومة الاقتصادي. فالدور الأبوي للدولة ليس حاضرًا في ذهن الشباب العرب، بل إن السعي للمنافسة على السوق العالمية هو ما يقصده الشباب. ويتضح ذلك من خلال صعود فكرة إنشاء المشروعات؛ فعدد متزايد من الشباب اليوم يقوم بإنشاء قطاع خاص جديد وحيوي من الشركات الصغيرة، ليصبح جسمًا جديدًا وناميًا من رجال الأعمال الديناميين. ومع ذلك، فلا يزال العمل في القطاع العام على المستوى الكلي بين 006 و 8 في المئة من مجموع العاملين في معظم منطقة الخليج، وحوالى 04 في المئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بدءًا من 10 في المئة وهي نسبة ضئيلة في المغرب، إلى نحو 03 في المئة في مصر والأردن والعراق. فهناك عديد العقبات التي تحول دون ريادة الأعمال في المنطقة. إلا أن هناك ميلً لانخفاض الرغبة في الالتحاق بالقطاع العام، وارتفاعها في القطاع الخاص. وهذا يدل على أن الشباب العرب متحمسون للانخراط المدني وإيجاد الحلول للمشكلات اليومية التي يواجهونها، بوصفهم رواد أعمال. ومع ذلك يجب ألّ تأخذ الحكومات ظاهرة ريادة الأعمال عذرًا للتخلي عن مسؤولياتها في تنسيق السياسات التي تخلق فرص العمل.

فالريادة ليست الحل السحري لمسألة البطالة، وعلى الحكومات القيام بالمزيد لمعالجة مشكلة البطالة، مستفيدة من العائد الديموغرافي للعالم العربي، إذ يوفر سوقًا استهلاكية طبيعية قادرة بذاتها على الاستمرار، ومنجمًا للعمل المبتكر، مع حالة معاكسة في شمال أميركا، وأوروبا واليابان، وحتى الصين. وعلى الرغم من هذه الهدية الديموغرافية، لم تتمكن بيئة المدينة العربية من إنتاج طبقة مبدعة، في ظل عدم القدرة على التفكير خارج الأطر الجامدة.

ثانيًا: الحرية

يشير عزمي بشارة، في مسألة الحرية والمعنى، إلى كون الحرية إرادة واعية لوجود خيارات ممكنة والقدرة على الاختيار من بينها بناء على معطيات ووقائع، ومما لا شك فيه أن القدرة على الاختيار تنتفي في ظل أنظمة سلطوية واستبدادية لها قدرات دولة الرقابة البوليسية، فالحريات على مختلف أنواعها تعني حق الإنسان في أن يكون سيد قراره في مجالات حياته، بما في ذلك رأيه السياسي والتعبير عنه. وهي مفاهيم استطاع الشباب العرب أن يبلوروها ويدركوها عندما طالبوا بإعادة صوغ العلاقة بين الحكومة والشعب. تناولت الكاتبة النظريات الأكاديمية المتداولة لإرساء التحول الديمقراطي في المنطقة، إلا أن المسألة أعمق من ذلك في نظر المومني؛ ذلك أنها تتعلق بجيل يتحدث عن السياسة ويفكر بها ويراها بطريقة مختلفة عن سابقيه. لقد استفادوا من التطورات التكنولوجية التي اجتاحت المنطقة لبلورة آرائهم عن التحرر من الفساد والمحسوبية والتمييز، وسمحت لهم بأن يستوعبوا ويكوّنوا أفكارًا جديدة عن العلاقة بين الحكومة والشعب. فقبل ما تسميه الكاتبة «الصحوة العربية»، لم تكن الحكومات تتحمل انتقاد حكمها. تمّ حظر الانتقاد العلني من خلال الترهيب والقمع، إلا أن الشباب استطاعوا أن يؤسسوا تجمعات سياسية وشبكات معلومات تشبه التنظيم السياسي للأحزاب والنقابات الذي شهده الغرب منذ قرون، ما كان قد بدأ مع مدوني الإنترنت ومنتدياتها تطور إلى نظام واسع من الناشطين على الإنترنت من دون لافتة سياسية، لكن باهتمام واحد جوهري مشترك: المستقبل السياسي للمنطقة العربية والتغيرات التي يجب أن تحصل. وقدمت التكنولوجيا أدوات للتواصل داخل هذه المجموعات وفيما بينها وعززت الدعوة إلى التغيير من الأسفل إلى الأعلى، فانتقال استهلاك الشباب العرب لوسائل الإعلام من الوسائط التقليدية إلى مصادر الإنترنت جزء مهم من عملية التفكير النقدي؛ لأنها تتطلب مساءلة الأفكار الخاطئة والتدقيق فيها والتحقق منها. فالرسائل النصية على الهاتف الجوال إبان الثورة السورية هي التي حددت ساحات التجمع للمتظاهرين والرسائل السياسية في شأن المطالب الموحدة، بما وصفه هارولد بمجتمعات فطنة متحركة حيث في الإمكان العمل بصورة منسقة حتى لو لم يعرف كل شخص الآخر. هذا يدفعنا إلى القول بأن الحيز العام الافتراضي متمثلً بوسائل الإعلام التفاعلية، قد قُدمت بوصفها مجالً عامًا حقيقيًا نافيًا المجال السياسي القديم، وبفاعلية شديدة قادرة على إنتاج حالة إجماع على

قيم ورموز سياسية معينة. لقد دفعت الدول العربية التي لا تتيح التعبير عن الرأي الشباب للبحث عن فضاءات عمومية أخرى اتخذت من وسائل التواصل الاجتماعي قاعدة لها، ومنصاتٍ حرة تتخطى الهرميات الاجتماعية والسياسية، وتتحدى منطق التحكم. ففي الثورة السورية مصادرة السلطة للحيز العام بالشكل التقليدي، ومنع النقاش والحراك السياسي أحال شباب الثورة على مغادرته والاستعاضة عنه بالحيز العام الافتراضي لاستعادة المجال السياسي المختطف لدى الدكتاتورية. ولكن أيضًا لا يمكن إهمال التحديات الجديدة لحرية التعبير؛ فقد زودت وسائل التواصل الاجتماعي أجهزة الرقابة والأمن بكمٍّ هائل من المعلومات عن الأفراد ونزعاتهم وميولهم، وسهولة نشر الشائعات بدلً من المعلومات، مع عدم الاعتراف بأي مرجعيات وقادة ونخب قادرة على عقلنة الخطاب، فتنتقل العفوية بصفتها أحد أشكال حرية التعبير إلى مقيد لحرية التعبير؛ إذ تلغي الحرية أيّ معنى للحرية.

ثالثًا: الهوية

الهوية فكرة معقدة، لا تكتسب معناها وتعريفها إلا في سياق علائقي، أي في نطاق علاقات التماثل والاختلاف، الاقتران والتمايز، الجماعة والفرد. ويرتبط هذا المصطلح بالممارسات البشرية الخاصة بتسمية الأشياء وتصنيفها. فحين نسمي شيئًا نحدد هويته، فنحدد ماهيته بتصنيفه مع الأشياء التي تشبهه، وتمييزه من الأشياء التي لا تشبهه. وبصفتنا بشرًا فإننا نستعملها لنشير إلى وعينا بماهيتنا، وإحساسنا بالسمات الأساسية التي تميزنا، فتحدد هوياتنا من خلال الأفكار التي يحملها الآخر عنا، والأفكار التي نحملها عن أنفسنا. فتعكس الهوية ارتباط الإنسان بالأشخاص الآخرين وتميزه منهم في الوقت نفسه. وفي هذا السياق، ترى الباحثة أن رؤية الآخر لهوية الشباب العرب عالقة داخل دائرة مغلقة من النقاش بشأن الحداثة والتقليد، في وقت تكتسح فيه المنطقة العربية الليبرالية الاقتصادية والأفكار المتدفقة عن الحرية، وبما يتنافى مع طروحات صموئيل هنتنغتون عن صدام الحضارات والتي تختزل الصراع بين القيم الغربية، والقيم الإسلامية كاستنتاجات مفروغ منها مقبولة على نطاق واسع في الغرب، على الرغم من الإشكاليات في مقدماتها وتكهناتها، فيميل الشباب العرب أكثر إلى رفض الآراء المزدوجة عن هوياتهم. نحن أمام حالة قادرة على المزج بين القيم الغربية والشرقية من دون الشعور بالتناقض نتيجة الجمع بين هويات عدة، حالة شغوفة بتأمين الكرامة مع السعي لإحقاق العدالة الاجتماعية للإفادة من القوى التحديثية التي استحضرتها العولمة، من دون التضحية بالقيم العربية الكبرى. ولعل هذا الوصف يتوافق مع ما يشير إليه أنتوني غدنز عندما وصف الوضع المعاصر ب «النظام ما بعد التقليدي»، إذ تصبح «الذات مشروعًا انعكاسيًا مرنًا». فعلى شبكة الإنترنت، كما تقول توركل، تبنى الذات وتبنى قواعد التفاعل الاجتماعي، فأن نستخدم شبكة الإنترنت يعني أن نبتدع ذواتنا

على نحو متواصل، وهويتك على الحاسوب هي محصلة حضورك المشتت، ذلك أن الهوية تصبح شديدة السيولة والتعدد إلى الدرجة التي تجعل مفهومها ذا حدود فضفاضة. وتشير الكاتبة إلى أن مسألة التشدد ليست حكرًا على المجتمعات العربية، وإنما يوجد ما يماثلها في الغرب، فهي لديها الحق في ممارسة معتقداتها شريطة ألا تتعدى على الآخر. تعزو الكاتبة هذه التغيرات إلى كون العالم العربي بات يرى نفسه إلى حدٍ بعيد أكثر عالمية «كوزموبوليتاني» في تصوراته، وينطبق هذا الوصف على وجه الخصوص على المناطق المدينية. بل إن بعضهم يصفون أنفسهم أبناء الثقافة الثالثة، ويرى هؤلاء أن مفهوم الوطن بات شبه مائع، بعدم الانتماء إلى أي مكان والقدرة على التأقلم للعيش في أي مكان. وهذا بطبيعة الحال وضع فرضه انعدام الاستقرار السياسي في المنطقة، وتبني قيم الثقافة العالمية، من دون الوقوع في البنى الثنائية الموجودة لدى الأجيال السابقة. ويمكن الاستدلال على ذلك بكثير من البرامج والمبادرات، والآراء والتصورات الشبابية التي تمزج بين القيم الغربية والإسلامية بوسائل دينامية ومبتكرة؛ فبوجود هوية عابرة للأوطان لا يمكن تجاهل تأثيرات الغرب في المنطقة العربية.

رابعًا: التنقل الدائري

يتناول الفصل الرابع ازدياد الروابط العابرة للحدود الوطنية التي تربط العالمين العربي والغربي، وكيفية تحول الشباب العرب والعرب عمومًا إلى أبطال المساهمة والاستفادة معًا من هذه الحركة العالمية الدائرية للناس والأفكار. فهناك عدد كبير من المهاجرين العرب من العمال وأصحاب المواهب والطلاب، بوصفهم رسلً للتنقل الدائري يمثلون ما يسمى أيضًا «بنك الأدمغة» ويمثلون التجربة الحية للعولمة، والتنقل الدائري لن يحوّل إلى المنطقة العربية المال فحسب، وإنما أيضًا الأفكار والقيم التي ستعيد صوغ هذه المنطقة لتحسينها تحسينًا شاملً. فتزداد نسبة الطلاب العرب في الخارج أكثر من أي وقت مضى، لتطوير مستوى تحصيلهم، وتعدّ الولايات المتحدة الأميركية وجهتهم الأساس تليها المملكة المتحدة وكندا والبر الأوروبي وأستراليا. وتتصدر المملكة العربية السعودية الدول المرسلة للطلاب تليها الكويت والإمارات العربية المتحدة ومصر، فهؤلاء عند عودتهم أو من خلال تواصلهم مع العائلة والأصدقاء يمثّلون «تحويلات اجتماعية» بالقيم والأفكار التي يتبنونها، والتي إن بدت بسيطة فإنه لا يمكن الاستهانة بتأثيرها. فوجود شباب عرب متعلمين في ظل التعقيد الحالي وتصاعد العنف والنزاعات، متبنين قيم التعدد الثقافي، سيمثّل مساهمة قيّمة يعوّل عليها في حال استدامتها لمصلحة المنطقة العربية. فاختبار حياة مغايرة لا سيما بالنسبة إلى الفئات المنتمية إلى مجتمعات محافظة من المؤكد أن يؤدي إلى تشكيل ضغوط على الحكومات العربية للتخفيف من قيودها، فيدرك القادة الشبان وغالبيتهم ممن درسوا في الخارج واحتكوا بخبرات وحضارات مختلفة، صعوبة استمرار المماطلة في تطبيق خطوات جادة للإصلاح السياسي أو مقايضتها بتوزيع مزيد من الثروة، أو الاعتماد على القبضة الأمنية للتصدي لمطالب الشباب، فكما قال باحث خليجي، لا يمكن الركون إلى الهدوء الظاهر الذي يكمن خلف خريطة الانتشار الأمني الواسع، وليس هناك من سفينة نجاة تنقذها (أي

البلدان الخليجية) مما يجري في البلدان العربية إلّ رضا شعوبها.

الخاتمة

عند الحديث عن المنطقة العربية، لا بد أن ننتبه إلى مسألة مدى درجة التجانس؛ ذلك أنه يجب التمييز بين مجموعتين من الأقطار العربية. تضم أولاهما دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتشمل ثانيتهما الأقطار المتبقية؛ فالأولى لديها وفورات وإمكانيات مادية تتفاوت في حجمها من منطقة إلى أخرى، ولكنها بطبيعة الحال قادرة على تمكين الشباب وتهيئة أفضل الفرص والاستجابة لاحتياجاتهم. أما الثانية، فليس لديها هذه الميزة، ولا يعني هذا أن حركة التغير مختلفة كليًّا بقدر ما يعني أن احتياجات الشباب ومشكلاتهم وهمومهم إلى حدٍ ما وتحدياتهم وإمكانية تجاوزها تتأثر بهذا التصنيف. وعلى الرغم من حالة التفاؤل الجلية في سطور الباحثة، فإن

المراجع

ودراسة السياسات،.2015 العربي للأبحاث ودارسة السياسات،.2013 الرأي العام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 هلال. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015 أوضاع الشباب لا يزال يسودها حالة من الإحباط والتيئيس، الناتجة من جملة التحديات المتعلقة بالأوضاع الداخلية في كل قطر عربي. فلا يزال الشباب يشعرون بالتهميش، وبتخلف قدرة النظم العربية عن مجاراة حركة المجتمع الذي يمثّلون الكتلة الرئيسة فيه، ولا تزال مشاكل البطالة مستمرة وكذلك الفقر، وعدم مواءمة مخرجات التعليم لاحتياجات سوق العمل، وتنامي المخاوف بشأن الجهود الرامية إلى التقليل من شأن الحركات الشبابية من المشهد العام وربما إقصائها، فإن كان هناك اتفاق على كون المنطقة العربية على عتبة التغيير، بصفته سمة إنسانية وناموسًا كونيًّا، كانت الثورات أبرز تجلياته، فماهية هذا التغيير لا تزال غير واضحة، فيما إذا كان نحو الأفضل أو الأسوأ. فأمد الثورات سيطول أجله، وديناميات الربيع العربي لا تزال تفعل فعلها، والتحول السياسي سيأخذ وقتًا طويلً في ظل تموضعه في تجاذبات عوامل داخلية وخارجية مع غياب مشروع سياسي في المنطقة.

References

بارني، دارن. المجتمع الشبكي. ترجمة أنور الجمعاوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية -  محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ بيروت: المركز _______. مقالة في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

المصطفى، حمزة. المجال العام الافتراضي في الثورة السورية: الخصائص -الاتجاهات-آليات صنع نصر الدين، إبراهيم وآخرون. حال الأمة العربية: من تغيير النظام إلى تفكيك الدول. تحرير علي الدين