العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أُمَّـة النخلتيْن: الهوية العربية ظاهرةً سياقيةً

أُمَّـة النخلتيْن: الهوية العربية ظاهرةً سياقيةً

The Nation of the Two Palm Trees: Arab Identity as a Contextual Phenomenon

محمد المختار الشنقيطي

Mohamed El-Moctar El-Shinqiti

الملخّص

يطمح البحث إلى تقديم بساط نظري لقضية الهوية العربية من منظور مرِن، باعتبارها ظاهرةً سياقيةً لا تنفكُّ صفاتُها عن صِلاتها، وذلك من خلال توضيحه مفهومَ الهوية بظلاله المختلفة، وتراكم الهويات وتزاحمها، والتفاوض الاجتماعي حول الهوية، والصراع بين السردية المهيمنة والسرديات المعاكسة، وأثر الذاكرة الجمعية في بناء الهوية، ونظرية "الجماعات المتخيَّلة"، وغيرها من مفاهيم تقع في قلب الجدل المعرفي في الموضوع اليوم. ويرفض البحث ضيق باع القوى الأديولوجية المتصدِّرة في المجتمعات العربية في نظرتها للهويات المتعددة، وينتهي بالدعوة إلى البناء على أفكار مجددين معاصرين اعتزُّوا بالعروبة، لكنهم ربطوها ربطاً عُضوياًّ بفضائها الإسلامي والإنساني.

Abstract

Abstract: This paper aims to provide a theoretical underpinning for a revitalized Arab identity. It defines Arab identity as a strictly relative phenomenon which cannot be stripped out of its wider context, and, crucially, collective memory. The paper does this through its expansion of an idea of a multi-faceted concept of identity which takes in the social negotiation of identity [on an individual level] as well as the clashes which exist between dominant and «subaltern» identities. In doing so, the author refuses to accept the concept of Arab identity as defined by the dominant elites of Arab countries and their intolerance for multiple cultural identities. Instead, the author advocates for the promotion of a new, inclusive Arab cultural identity promulgated and espoused by contemporary thinkers.

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية
  • العروبة
  • الإسلام
  • الهويات المتعددة
  • الذاكرة الجمعية
Keywords:
  • Identity
  • Arabism
  • Islam
  • Multiple Identities
  • Collective Memory

The Nation of the Two Palm Trees:

Arab Identity as a Contextual Phenomenon

ظاهرةً سياقيةً لا تنفكُّ صفاتُها عن صِتااها، وذلك من خ لاا توضيحه مفهومَ الهُوية بظلاله

المختلفة، وتراكم الهُويات وتزاحمها، والتفاوض لاجتماعي حول الهُوية، والصراع بين السرديَّة

المُهيمنة والسرديّات المُعاكسة، وأثر الذاكرة الجمعيّة في بناء الهُوية، ونظرية «الجماعات

المُتخيَّلة»، وغيرها من المفاهيم التي تقع في قلب الجدل المعرفي في الموضوع اليوم.

ويرفض البحث ضيق باع القوى الأيديولوجية المتصدِّرة في المجتمعات العربية في نظرتها إلى

الهُويات المتعددة، وينتهي بالدعوة إلى البناء على أفكار مجددين معاصرين اعتزّوا بالعروبة،

لكنهم ربطوها ربطًا عُضويًا بفضائها الإسلامي والإنساني.

والأخلاق بالجامعة ذاتها.

Associate Professor of Political Ethics, Hamad Bin Khalifa University in Qatar and researcher in political ethics at the Center for Islamic Legislation and Ethics (CILE) at the same University.

«النسب أمر وهميّ لا حقيقة له، ونفعه إنما هو في هذه الوصلة ولالتحام.» (ابن خلدون، المقدمة) «لا نستطيع فتح ذراعيْنا إلا إذا كان رأسنا مرفوعًا». (أمين معلوف، الهُويات القاتلة) «إن قصة حياتي مندمجة دائمًا في قصة تلك الجماعات التي أستمدّ منها هويتي». (ماكنتاير، بحثًا عن الفضيلة)

مدخل

في أحد أعظم التحولات في التاريخ البشري، بسطت أمّة العرب جناحيها في جنبات الدنيا ابتداءً من القرن السابع الميلادي، حاملة معها ثقافتها ولغتها وحنينَها إلى الديار. كان الشاعر مُسلم بن الوليد الملقَّب بصريع الغواني (ت. 208 ه/ 283 م) يحتضر بأقصى المشرق، في أكناف جُرجان، «فرأى نخلةً لم يكن في جُرجان غيرها»، فأنشد: ألا يا نخلةً بالسفح من أكناف جُرجانِ ألا إني وإياك بجُرجانٍ غريبان وكان عبد الرحمن الداخل (72–113/1 ه 788–731 م) مؤسس الدولة الأموية بالأندلس الملقَّب بصقر قريش يصول بأقصى الغرب، فرأى نخلة متغرّبة مثله، فأنشد: تبدَّت لنا وسْطَ الرصافة نخلةٌ

تناءتْ بأرض الغرب عن بلد النخلِ وطول افتراقي عن بَنِيَّ وعن أهلي

فقلتُ شبيهي في التغرّب والنّوى وما بين النخلتين الشرقية والغربية، نخلةِ جرجان ونخلةِ الأندلس، تشكلت هُوية عربية مفتوحة، تلاقت بين جنبيها أقوام عديدة، واندرجت فيها أممٌ شتى، كان لكل منها إسهامه في الحضارة الإنسانية. وربما كانت هذه الهُوية العربية المفتوحة هي التي جعلت عالِم الأديان الفلسطيني إسماعيل الفاروقي (986–19251) يتحدث عن «سيولة الكينونة العربية»، وهي كينونة زوّدها الإسلام بالأساس الأخلاقي والمنحى العالمي.

(((أبو القاسم السهمي، تاريخ جرجان، ط 4 (بيروت: عالم الكتب، 9871)، ص.463 (((شهاب الدين المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج 3 (بيروت: دار صادر، 9971)، ص.54

(3) Ismail Ragi Al-Faruqi, Urubah and Religion: A Study of the Fundamentals Ideas of Arabism and Islam as its Highest Moment of Consciousness (Amsterdam: Djambatan, 1962), p. 198.

في قلب الملحمة العالمية

لقد وسَّع الإسلام الفضاء العربي على نحو لا نظير له في تاريخ شعب آخر، وحرَّر العرب من موقع التأثر

السلبي بالحضارات المجاورة التي كانوا على هوامشها – أو من «التشكل الكاذب» كما دعاه اشبنغلر – ووضعهم في موقع التأثير الإيجابي، بعد أن رمى بهم في قلب الملحمة العالمية، فظهرت «الحضارة العربية المتحررة، منذ الإسلام فصاعدًا، من كلّ ما لعبودية التشكل الكاذب من قيود وأغلال». فإلى الدين الإسلامي يرجع الفضل في هذا لانبساط العربي في أرجاء الدنيا. وقد كان من ثمرات هذا لانبساط أن امتزج العرب بغيرهم من الشعوب امتزاجًا لا يكاد يوجد له نظير في تاريخ أمّة أخرى.

وحينما كانت بعض الثقافات تحتقر أصنافًا من البشر بسبب لون بشرتهم أو سحنة وجوههم، كان علماء وأدباءُ عرب يكتبون عن «فخر السودان على البيضان»، وعن «تنوير الغبش في فضل السودان

والحبش»، وعن «مفاخر البربر »، وعن «مناقب التُرك». على أن العرب – شأنهم شأن كل الأمم التي تصدَّرت المشهد العالمي – لم يسلموا من نرجسية الريادة والتمحور حول الذات، لكن تحيّزهم

لم يتسم بالطابع العرقي الفجّ الذي ظهر لدى أمم أخرى. ويمكن القول إن العرب بعد الإسلام أصبحوا

أقلّ الأعراق البشرية «نقاء» عرقيًا، حتى إنك لتجد في الناطقين باللسان العربي اليوم كل ألوان الطيف

الإنساني وملامحه. ولم يقتصر توسيع الإسلام للفضاء العربي على الشق الجغرافي والبشري، بل وسّع الأفق العربي

معنويًّا ومفاهيميًّا. وقد لاحظ البحّاثة الياباني توشيهيكو إيزوتسو (993–19141) في دراسته المتعلّقة

ب «المفاهيم الأخلاقية والدينية في القرآن» كيف حوّر الإسلام دلالة القيم العربية، فمنحها عمقًا ورحابة.

وخصص إيزوتسو فصلً من كتابه هذا ل «أسلمة الفضائل العربية العتيقة»، أورد فيه أمثلة من تلك القيم، منها الكرم والشجاعة والولاء والوفاء والصبر. وما ذكره الباحث الياباني عن الفضائل العربية يصدق أيضًا بشأن الرموز الثقافية العربية. فالنخلة التي كانت مصدرًا رمزًا ثقافيًا وجغرافيًا عربيًا – كما نلاحظ ذلك في شعر الشاعر الخزرجي مُسلم بن الوليد

والأمير القرشي عبد الرحمن الداخل – جعلها الإسلام رمزًا أخلاقيًا للمؤمن في ثباته، وعموم خيره،

ورسالته الإنسانية. فقد ورد في الحديث النبوي: «إن من الشجر شجرةً لا يسقُط ورقُها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي [...] ثم قالوا: حدِّثْنا ما هي يا رسول الله،

(((أسوالد اشبنغلر، تدهور الحضارة الغربية، ترجمة أحمد الشيباني، ج 2 (بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت.)، ص.446 (((أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، « كتاب فخر السودان على البيضان » في: رسائل الجاحظ، ج 1 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 9641)، ص.226–177 (((عبد الرحمن بن الجوزي، تنوير الغبش في فضل السودان والحبش (الرياض: دار الشريف،.)1998 (((مفاخر البربر، دراسة وتحقيق عبد القادر بوباية (الرباط: دار أبي رقراق،.)2004 (((أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، «مناقب الترك: رسالة إلى الفتح بن خاقان في مناقب وعامة جند الخ فااة »، في: رسائل

الجاحظ، ج 1 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 9641)، ص.35–5

(9) Toshihiko Izutsu, Ethico-Religious Concepts in the Qur’an (Montreal: McGill University Press, 2002), pp. 74-104.

قال: هي النخلة». وفي رواية: «من يخبرني عن شجرة مَثلُها مَثل المؤمن أصلها ثابت وفرعها في

السماء [...] وفي أخرى: مثَل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك». وقد وجد المسيحيون العرب مكانهم ومكانتهم في ملحمة الإسلام التاريخية، فأسهموا في الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا، من غير أن يضطروا إلى دفع ثمن ذلك تنازلً قهْريًّا عن دينهم. والسبب في هذا

أن الحضارة العربية الإسلامية «لم تعرف لاهوتَ نفْيِ الآخر» كما لاحظ جورج طرابيشي. وقد عبّر

الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف – وهو متحدِّر من أسرة مسيحية – عن هذا التعايش التاريخي فكتب: «لو كان أجدادي مسلمين في بلد فتحته الجيوش المسيحية، بدلً من كونهم مسيحيين في بلد فتحتْه الجيوش المسلمة، لا أظن أنهم كانوا استطاعوا لاستمرار في العيش لمدة أربعة عشر قرنًا في مدنهم وقراهم محتفظين بعقيدتهم. ماذا حدث فعليًا لمسلمي إسبانيا وصقلِّية؟ لقد اختفوا عن آخرهم،

ذُبحوا أو هُجِّروا أو تم تعميدهم بالقوة. يوجد في تاريخ الإسلام – ومنذ بداياته – قدرة مميزة على

التعايش مع الآخر». ولحقت بالملحمة الإسلامية أمم وأقوام أخرى كثيرة، اقتناعًا بالإسلام دينًا، أو انتماءً إلى حضارته

وثقافته. وكان من ثمار ذلك أنْ «تمكنت أفضل الأدمغة، من حدود السنْد وحتى الأطلسي، أن تنفتح في حضن الحضارة العربية».

إشكال الدراسة المحوري

تعاني الأمة العربية صراعًا بين الهُويات المتراكمة والمتزاحمة. وهو صراع يوجد بين المواطنين العرب أنفسهم بما يحملونه من هُويات دينية واجتماعية وأيديولوجية، كما يوجد بين الغالبية العربية والأقليات غير العربية الساعية للتميز الثقافي، وأحيانًا للاستقلال السياسي. ويواجه العرب كذلك إشكالية التموضع الملائم في الفضاء الحضاري الإسلامي، ضمن الشعوب التي جمعتْهم بها تجربة تاريخية ثرية. ولا تزال الثقافة العربية ضامرة في مجال النقاش المعرفي المعاصر للهُوية، باعتبارها علاقات سياقية بالدرجة الأولى، وفي دراسة تراكم الهُويات وتزاحمها في فضاء سياسي أو حضاري واحد. فأغلب الكتابات القومية والإسلامية والوطنية خلال القرن العشرين طغى فيها الحشد الخطابي على التأمل المعرفي، ولاختزال الأيديولوجي على النزوع الإنساني؛ فلم تنطلق من التسليم بشرعية الهُويات المتعددة، ولاعتراف لها بحقها في الوجود ولاحترام، وإنما انطلقت من اختزال نظري لمسألة الهُوية،

1(((محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه

[صحيح البخاري]، ج 4 (بيروت: دار طوق النجاة، 2214 ه)، ص.22 (((1 علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 1 (بيروت: دار المعرفة، 7913 ه)، ص.1478–14 1(((جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة (بيروت: دار الساقي، 2000)، ص.111 (((1 أمين معلوف، الهويات القاتلة: قراءات في الانتماء والعولمة، ترجمة نبيل محسن (دمشق: دار ورد، 9991)، ص.52 (((1 المرجع نفسه، ص.58

وسعْيٍ عملي لتغليب هُوية على غيرها قهرًا. وكان من نتائج هذا الشَطط تفجُّرُ صراعات مركّبة داخل

الذات العربية، استنزفتْها وشغلتْها عن تحقيق مطامحها في العدل والحرية، والإسهام في الحضارة الإنسانية. وهذا التعبير المغالي عن الهُوية أو الخوف المفرط عليها أمارة ضعف ونذير تخلف؛ إذ «غالبًا ما يختلط

التشديد على لانتماء بالتباهي بالتخلف» كما لاحظ عزمي بشارة. فالذين يحدوهم الخوف على الهُوية من دون الثقة بالنفس ولانفتاح على الغير، ينتهي بهم الأمر غالبًا إلى إفقار الذات حرصًا على

حمايتها من الآخر، أو إلى «التكوين السلبي للذات تأسيسًا لنفي الآخر». وهذا ما يقود في النهاية

إلى مناقَضة صريحة لبقية الإنسانية، وانفصال كامل عنها. وفي مقابل هذا الإفراط في لانغلاق، والتعبير المغالي عن الهوية والخصوصية، شطحَ بعض المثقفين

العرب إلى نفي الذات، ونعْيها في وجه سطوة العولمة، فاعتبر علي حرب الحرص على الهُوية فضولً أهْوجَ و«نرجسية عقائدية»، وبشَّر أدونيس بهوية لا هُوية لها، باسم «رُوحانية الألفية الثالثة». وكأن

هؤلاء لا يرون مجالً للتلاقي بين الذات والغير، في عناق بين هويات منسجمة لكنها غير متماثلة، ولا يرون للهوية العربية إلا أن تحيا متكلِّسة أو تفنى مستسلمة. وكأنما لم يدرك هؤلاء ما هو معلوم بداهةً من أنه «لا توجد أمّة توسّع حدود تعريفها لنفسها ليشمل البشرية بأسرها. وحتى أكثر القوميين تفاؤلً لا

يحلُمون بيوم ينضم فيه كل الجنس البشري إلى أمّتهم». لقد تساءل أمين معلوف هل العولمة «مزْجٌ رائع» أم «تنميطٌ مُفقِر»؟، وهو تساؤل مهم يبتعد عن

التبسيط المُخل. والحق أن الذين رفضوا المطْلَقات الوطنية والقومية والدينية، من أمثال علي حرب

وأدونيس، قد استبدلوا بها النسبية الثقافية المطلقة، فهجروا مُطلَقًا إلى مُطلَق، لكنه مطلقٌ أكثر ادِّعاءً

وتبجُّحًا. وقد نسي هؤلاء أن «النسبية الثقافية أمر نسبيٌّ أيضًا»، وأن النسبية المطْلَقة (إن صح هذا

التعبير المتناقض) جزء من المشكلة لا من الحل. ولقد أحسن معلوف في كشفه عن بؤس لانحصار بين هذين الخيارين، فكتب: «لا يمكننا أن نكتفي بأن نفرض على مليارات الناس الضائعين لاختيار بين التأكيد المفرط لهويتهم وفقدان كل هُوية».

(((1 عزمي بشارة، طروحات عن النهضة المعاقة (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 2003)، ص.209 1(((جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 9911)، ص.205 1(((علي حرب، حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص.23 (((1 أدونيس (بالتعاون مع شنتال شواف)، الهوية غير المكتملة: الإبداع، الدين، السياسة، والجنس، ترجمة حسن عودة (دمشق: بدايات، 2005)، ص.7

(19) Benedict R. Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 2006), p.7.

((2(معلوف، ص.93

(21) John Edwards, Language and Identity (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), p. 4.

((2(معلوف، ص.35

وإذا كان بعض المثقفين العرب يميلون إلى الربط بين إثبات الذات ونفْي الغير، خصوصًا في رؤيتهم للعلاقة بين العرب والغرب، حتى آمنوا ب «قانون التزامن بين غروب الغرب وشروق الشرق» كما لاحظ طرابيشي، وحاول بعضهم «التغلب على مركَّب النقص بحقنة اعتزاز يعلل بها النفس» كما لاحظ مالك بن نبي، فليس الجواب الحكيم على ذلك هو نفي الذات ولاستسلام لسياط العولمة، وإنما الجواب الصحيح هو الجمع بين لاعتزاز بالذات واحترام الغير، إذ ليس التشبث بالهوية نقيضًا لعناق الإنسانية.

غاية الدراسة ومنهجها

لقد ظهرت في العقود الأخيرة تحولات عميقة في العلوم الإنسانية ولاجتماعية في تناولها لمسألة الهُوية. فبدأت النظرة القديمة إلى الهُوية، باعتبارها معطى أحاديًا جوهريًا ثابتًا، تتراجع لصالح نظرة جديدة أكثر ديناميكية، تعتبر الهُوية مجالً مرنًا مركَّبًا، وفي تشكل دائب. وهو في تشكله يخضع

لمقتضيات الإمكان الإنساني، والطلب لاجتماعي، والتفاوض السياسي. كما انتقل التركيز على الهُوية باعتبارها ماهيةً قائمةً بذاتها إلى التركيز عليها بوصفها علاقةَ تفاعل وتكامل مع الآخرين، للسياق

والموضِع أعظمُ الأثر فيه. وتكاد كل الدراسات الجديدة الجادة تتأسس على إدراك «ثراء الذات»

الإنسانية وتركيبها، وتتخلَّص من النظرة التبسيطية والأحادية إلى الهوية. وتضع هذه الدراسة قضية الهُوية العربية ضمن هذا المنظور السياقي الذي يجمع بين الوحدة والتنوع، وبين لانسجام والحرية. وهي دراسة نظرية، همُّها الأهمّ هو إضاءة مواطن قاتمة من الخطاب العربي حول الهُوية، من خلال وضع قضية المسألة في سياق رحب. فإدارة الهُويات المتعددة إدارةً راشدةً تثمر لانسجام لاجتماعي، والثراء الثقافي، ولامتزاج العرقي، والتسامح الديني. أمّا الفشل في ذلك فيثمر التحيّز الثقافي والعرقي، والصور النمطية لاختزالية، وضعف الثقة بين مكونات المجتمع، وتشريع

لاستبداد والقمع، والكراهية البغيضة، ولانفجارات السياسية والعسكرية. لذلك آثرنا الحديث، في هذا السياق، عن الهُوية العربية ضمن فضاء حضاري إسلامي: تاريخي وثقافي وجغرافي. ومفهوم «الفضاء الحضاري» يمنح الهُوية العربية معنى إنسانيًا أعمق، وبعدًا تاريخيًا أشد

(2((طرابيشي، المثقفون العرب والتراث، ص.182 (2((مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، سلسلة مفاهيم إسلامية (بيروت: دار الإرشاد، 1969)، ص.11 ((2(حول هذا التحول في النظرة الأكاديمية للهُوية، انظر:

Kevin Gosine, «Essentialism versus Complexity: Conceptions of Racial Identity Construction in Educational Scholarship,» Canadian Journal of Education/ Revue canadienne de l’éducation , vol. 27, no. 1 (2002), pp. 81-99; Christiane Gohier, «Sens de l’identité et rapport à l’autre: genèse d’une éducation à la responsabilité,» Canadian Journal of Education/ Revue canadienne de l’éducation, vol. 14, no. 4 (Autumn 1989), pp. 471-481.

(2((إشارة إلى كتاب أدوينا بارفوزا (ثراء الذوات:)

Edwina Barvosa, Wealth of Selves: Multiple Identities, Mestiza Consciousness, and the Subject of Politics (College Station, TX: Texas A & M University Press, 2008).

رسوخًا، وهو أوسع من مفهوم «الوطن العربي» وحتى «العالم العربي». فالفضاء الحضاري الإسلامي يتسع داخليًا ليشمل الأقليات غير العربية الواقعة داخل حدود البلدان العربية اليوم، كالأمازيغ والأكراد

والتركمان والأفارقة، كما يتسع خارجيًا ليشمل المحيط الإقليمي الذي يرتبط مع العرب برباط الدين

والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وخصوصًا الشعوب الواقعة على تخوم الوطن العربي، كالفرس والترك

وزنج غرب أفريقيا وشرقها. بل إن عددًا من الدول العربية يصدق عليها مفهوم الهُوية الحدودية Border Identity) (الذي يركز على تفسير تشكّل الهويات في مواطن مخصوصة من العالم «حيث تتلاقى الثقافات القومية وتتصارع». وقد يصدق مفهوم الهُوية الحدودية على الأفراد الذين تتقاطع في ذواتهم أنماط متعددة من الهويات، فهم «كائنات حدودية [...] قدَرهم أن يكونوا صلة وصل وعبَّارات ووسطاء بين مختلف الجماعات

والثقافات المتنوعة». ففي الفضاء الحضاري العربي الإسلامي ساد التداخل العرقي والثقافي عبر التاريخ. لذلك يتعين النظرُ إلى الهُوية العربية – وهي نواة ذلك الفضاء ومنبعه – من منظور سياقي.

حدود الدراسات السابقة

لقد بدأ الوعي الدولي في موضوع الهُوية يتسم بالكثير من المرونة ولانفتاح في العقود الأخيرة. ففي عام 2002، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) «الإعلان العالمي للتنوع الثقافي» الذي ينص، في مادته الأولى، على أن «التنوع الثقافي [...] ضروريّ للجنس البشري ضرورةَ

التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحيّة». لكن كتابات المؤلفين العرب التي تتناول قضية الهُويات المتعددة لا تزال شحيحة، ومنها دراسة مي يماني عن الصراع بين الهُوية الحجازية الخاصة والهُوية السعودية العامة، ودراسة فرحة غنام عن إشك لات الحيز والهُوية في مدينة القاهرة. والطريف أن أحد الإسهامات العربية في جدل الهُويات المتعددة هو مصطلح «الهُويات القاتلة» الذي صاغه الكاتب اللبناني – الفرنسي أمين معلوف في كتابه

القيِّم المعنون بهذا العنوان. وهو ما يعني أن مسألة الهُوية لا تزال موضوعًا متفجرًا وخطِرًا في الثقافة

العربية. ومع ذلك يبقى كتاب معلوف، بحسب اطلاعنا، أكثر الإسهامات العربية ملامسةً لقلب هذا الموضوع حتى الآن، لأنه انطلق من منظور فكري وأخلاقي واضح يرفض التبسيط لمسألة الهُوية ولانتماء، وأعلن

(27) Hastings Donnan & Thomas M. Wilson, Borders: Frontiers of Identity, Nation & State (Oxford and New York: Berg Publishers, 1999), p. 14.

((2(معلوف، ص.10 (2((اليونسكو، «الهوية والتنوع والتعددية: المادة الأولى»، في: إع ناا اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، الدورة الحادية والثلاثون (باريس: 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001)، شوهد في 2018/2/1، في: http://bit.ly/2DR8XIJ

(30) Mai Yamani, Cradle of Islam: The Hijaz and the Quest for an Arabian Identity (London: I.B. Tauris, 2004). (31) Farha Ghannam, Remaking the Modern: Space, Relocation, and the Politics of Identity in a Global Cairo (Berkeley: University of California Press, 2002(.

المؤلف ذلك صراحة في قوله: «أنا لا أؤمن بالحلول التبسيطية، مثلما لا أؤمن بالهُويات التبسيطية، فالكون آلة معقدة». كما رفض معلوف «مفهوم الهُوية القبائلي» ورآه مصدرًا لكثير من الشرور في العالم اليوم، فكتب: «إذا كان البشر من كل الدول وكل الظروف وكل المعتقدات يتحولون بهذه السهولة إلى قتلة [...] فذلك لأن مفهوم الهُوية القبائلي الذي ما زال سائدًا في العالم كله هو الذي يهيئ لمثل هذا لانحراف». وقد عدنا إلى كتاب معلوف أكثر من مرة في هذه الدراسة، واستثمرنا بعض الأفكار المهمة التي طرحها، كما تحفظنا على بعض أطروحاته، خصوصًا سعيه للحصول على «عالم تنفصل فيه الحاجة إلى الروحانية عن الحاجة إلى لانتماء» وهو سعيٌ يعكس ضيق العقل العلماني العربي والفرنسي

بالدين، ولا يدل على اتساع الباع اللازم لإدارة الهُويات المتعددة بإنصاف، واعتراف بحق لاختلاف. وسنفصل القول في هذا الأمر فيما بعد. أما الدراسات الغربية في موضوع الهُويات المتعددة، على أهميتها النظرية، فقد صِيغ كثير منها لغايات محلية، ضمن سعي الدول الغربية إلى المحافظة على ميزانها لاجتماعي الداخلي في ظل هجرة متصاعدة، وبنية سكانية متبدِّلة. لكن المفارقة هي أنه في الوقت الذي يسعى فيه الغربيون إلى توفير مساحة أكبر للتنوع وحق لاختلاف في مدينة واحدة من مدنهم، مثل مدينة مونتريال الكندية، يتجادل الناس في بعض الدول العربية سعيًا لاحتكار هُوية بعض مدنهم، مثل مدينة كركوك العراقية

التي ألف أحد أبنائها الكرد كتابًا يدين فيه «عميلة التعريب البغيضة» للمدينة.

الهوية: معناها ومبناها

إن أول المفاهيم وأولاها بالتعريف والتوضيح في سياق هذا البحث هو مفهوم «الهُوية» ذاته. ولفظ الهُوية (بضم الهاء) في اللغة العربية مصدر صناعيٌّ مشتق من الضمير «هُوَ»، ف «الهوية مأخوذة من الهُوَ

هُوَ، وهي فِي مقابلة الغيرية». ويدل مفهوم الهُوية عند الشريف الجرجاني على معنى ذات الشيء

وجوهره المعبِّر عن وجوده مجردًا عن الزمان. قال الجرجاني في تعريفاته: «الهُوية الحقيقة المطلقة

المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق». فالهُوية بهذا المعنى مطابقة

(3((معلوف، ص.29 (((3 المرجع نفسه، ص 30–29. (((3 المرجع نفسه، ص.86 (((3 انظر مثلً:

Bettina Bradbury & Tamara Myers (eds.), Negotiating Identities in 19th- and 20th-Century Montreal (Vancouver: UBC Press, 2005).

3(((محمد علي القره داغي، هوية كركوك الثقافية والإدارية (أربيل: دار ئاراس للطباعة والنشر، 2007)، ص.8 3(((عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، ترجمة حسن هاني فحص، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000)، ص.330 (((3 علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات (بيروت: دار الكتب العلمية، 9831)، ص.257

للماهية والذات. لكن الكفَوي ميّز بين الهُوية والماهية، فقال: «قد يُسمَّى ما به الشيء هُوَ هُوَ ماهية إذا كان كليًا كماهية الإنسان، وهويةً إذا كان جزئيًّا كحقيقة زيد». وفي اللغات الأوروبية يحمل لفظ «الهُوية» Identité, Identity معاني التفرد والذاتية وتطابق الوصف مع الموصوف. وقد عرَّفت الباحثة الكندية جووانا رامينز الهُوية بأنها «سِمة مميزة لأي فرد، أو مشتركة بين جميع أعضاء جماعة بشرية محددَّة». وقد تكون هذه الصفة فطرية بيولوجية مثل لون البشرة، أو ثقافية مكتسبة مثل العقيدة الدينية. وتنبع أهمية الهُوية ومركزيتها من أن «الناس يحتاجون إلى ملاذات نفسية» يلوذون بها في خضم هذه الحياة. من هنا أمكن القول: «إن الهُوية هي قلب الفرد والجماعة والنسيج الرابط بينهما»؛ إذ من الواضح أن البشر يتفاعلون بسهولة مع البشر الذين يشبهونهم، مقارنةً بتفاعلهم مع مَن يختلف عنهم في العرق أو اللغة أو الثقافة. فثمة رابط وجداني عميق يجعل الوضع في الحالة الأولى مختلفًا عنه في الثانية. وقد عبَّر أمين معلوف تعبيرًا بليغًا عن مثال على هذا الرابط الوجداني، فقال: «عندما نكون في آسيا الوسطى، ونصادف علّمة عجوزًا على عتبة مدرسة تيْمورية، يكفي أن نتوجه إليه بالعربية ليشعر بالطمأنينة ويتحدث من قلبه، مثلما لن يجازف أبدًا بفعله بالروسية أو الإنكليزية». وتنقسم الهُويات إلى نمطين؛ إحداهما فردية، والأخرى جماعية. فالهُوية الفردية تعبير عن «اطّراد الشخصية» Continuity of the Personality؛ أي مجموع الصفات المطَّردة في شخصية الإنسان خلال مراحل عمره المختلفة. و«الهُوية الفردية تتشكل اجتماعيًّا ولغويًّا» فهي في جانب كبير منها ثمرة من ثمار الهُوية الجماعية، بل «لا يمكن تصور الهُوية الذاتية من دون أخذ الغير في لاعتبار [...]

3(((أيوب بن موسى الكفوي، الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية (بيروت: مؤسسة الرسالة، د.ت.)، ص.961 (4((حول تعريف الهُوية وظلالها لاشتقاقية والفلسفية في اللغات الأوروبية، انظر:

Barbara Cassin)dir.), Vocabulaire Européen des Philosophies (Paris: Seuil, 2004), pp. 581-582; Edward Graig (ed.), Routledge Encyclopedia of Philosophy (London: Routledge, 1998), pp. 675-678. (41) Joanna Anneke Rummens, «Conceptualising Identity and Diversity: Overlaps, Intersections, and Processes,» Canadian Ethnic Studies Journal , vol. 35, no. 3 (2003), p. 12. (42) Edwards, p. 2. (43) Ibid. (44) Ruth Mace, Clare Holden & Stephen J. Shennan, The Evolution of Cultural Diversity: A Phylogenetic Approach (Walnut Creek: Left Coast Press, 2005), p. 110.

(((4 معلوف، ص.19

(46) Jeffery S. Mio, Joseph E. Trimble & Patricia E. Arredondo, Key Words in Multicultural Interventions: A Dictionary (Westport: Greenwood Press, 1999), p. 145.

4(((جون جوزيف، اللغة والهُوية: قومية – إثنية – دينية، ترجمة عبد النور خراقي، سلسلة عالم المعرفة 234 (الكويت: المجلس

الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007)، ص.10

فالهُوية حاصل تدفق الحوار بيننا وبين الآخرين». لكن ما يهمنا هنا هو الهُويات في التعبير الجماعي عنها ضمن سياق اجتماعي. إن المدخل السياقي الذي نتبناه هنا يضع الهُوية في مسارات عملية مهمة مثل قضايا لانتماء والولاء، ذلك أن «الهُوية [الفردية] ليست ظاهرة نفسية واجتماعية فقط، وإنما هي ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى [...] أما الهُوية الجماعية في تشكلها فهي، بالتعريف، ظاهرة سياسية». بل إن بعض الدارسين يذهبون إلى أن أصل اختلاف الهُويات الثقافية واللغوية هو الخلافات السياسية والتدافعات لاجتماعية. وهو قول له أساس من الوجاهة، بالنسبة إلى بعض الهُويات على الأقل، فأغلب الهُويات الطائفية في الثقافة الإسلامية، مثلً، ترجع في جذورها إلى خلافات سياسية، تطورت مع الزمن إلى انشقاق اعتقادي وفكري. ولعل أبلغ الأمثلة على ذلك هو الشقاق السنّي – الشيعي. والهُوية بالمعنى الجماعي صفة جامعة ومانعة. أما كونها جامعة، فلأنها مشتركة بين عدد من البشر تربط بينهم برباط وجداني وعملي؛ إذ إنّ الهُوية «هي التي تعطي معنى أو حبكة لحياتنا» بتعبير جون جوزيف. وأما كونها مانعة، فلأنها تميز جماعة من البشر من غيرها من الجماعات، فمن وظائف الهُوية «رسم الحدود بين الجماعات» وتمييز بعضها من بعض. وقد استخدم باحثون لغة المجاز في هذا السياق فاعتبروا الرموز الثقافية بمنزلة البوابين وحراس الحدود بين الجماعات. ويتم رسم الحدود بين الجماعات البشرية في قوالب ذهنية بآليتين، هما الغيْريَّة Otherness التي نعرِّف

بها الآخرين، والصورة Perception التي نرسمها لهم في أذهاننا. وقديمًا لاحظ الجرجاني أن الشيء يسمَّى هُوية «من حيث امتيازه عن الأغيار». فالوعي بالذات يستلزم تعريفًا للغير باعتباره مخالفًا للذات أو نقيضًا لها. وقد لاحظ عزيز العظمة في دراسة عن هذا الموضوع في السياق العربي الإسلامي ولعَ الثقافات والحضارات المختلفة ب «إقامة الفروق مع غيرها» و«تسوير نفسها بالنقائض». وهكذا تصبح مقولات مثل المدنية والهمجية «علامات على مشابَهة الذات، وأخرى على مباينتها». وقد أحسن جون جوزيف في تذكيره بالوظيفة المتناقضة للهُوية، من خلال التنبيه إلى أن «هويات المجموعة – وخصوصًا الهويات القومية والعرقية – سلاح ذو حدين، فهي من جهة تؤدي وظيفة

(48)  The Cambridge Dictionary of Sociology , Bryan S. Turner (ed.), (Cambridge: Cambridge University press, 2006), p. 277. (49) S. A. Palekar, Western Political Thought (Jaipur: Global Media, 2008), p. 29. (50) Barvosa, p. 207.

(((5 جوزيف، ص.279

(52) Edwards, p. 101. (53) Ibid., p. 158.

(((5 الجرجاني، ص.195 (((5 عزيز العظمة، العرب والبرابرة: المسلمون والحضارات الأخرى (لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 9911)، ص.222 (5((المرجع نفسه، ص.223

إيجابية بمنحها الشعب الشعور بماهيته، والشعور ب لانتماء إلى مجموعة [...] ومن جهة أخرى يُبنَى هذا لانتماء دائمًا عبر لاختلاف عن الآخرين. وهذا لاستبعاد الفئوي يمكن له أن يتحول بسهولة أكثر مما ينبغي إلى رغبة في التمييز العنصري والكراهية». ودعا جوزيف إلى التعاطي مع هذه الوظيفة المزدوجة للهُوية بشيء من الحيطة، وإلى اجتناب شقِّها السلبي الذي يقود إلى «الكراهية العِرقية والقومية والتحامل والظلم، ولكن من دون التضحية في الوقت ذاته بتلك العناصر المفيدة من الهُوية التي تعتبر جوهرية في ازدهار حياة الأفراد والمجتمعات».

تراكم الهويات وتزاحمها

إذا كانت الهُويات في الزمن القديم تتسم بثبات كبير، ولا يجري عليها تغير جوهري إلا بحدوث تغيير ثقافي عميق، مثل ظهور الديانات وميلاد الإمبراطوريات، فإن عصر السرعة الذي نعيشه أنتج ظاهرة الهُويات المتحولة Shifting Identities وجعل تحول الهُوية أسهل وأسرع من قبلُ. فلا يمكن فهم الهُوية، فضلً عن حُسْن إدارتها، إلا بوضعها في سياق محدد من الزمان والمكان، وفهم واضح لعلاقتها بالهويات الأخرى المتداخلة والمتقاطعة معها. لا يوجد إنسان بهُوية بسيطة واحدة، ف «لكل منا هُويات وولاءات متصارعة». ولكل جماعة بشرية أكثر من هُوية تتنازعها، فيظهر بعضها ويخفت الآخر، ويطغى بعضها على بعض، لكنها لا تمَّحي ولا

تنتفي. وفي حياة الفرد والجماعة البشرية توجد أكثر من هُوية مؤثرة في الوقت ذاته. ولكل هُوية سِمات Markers وصفات Attributes تميزها من غيرها. ويمكن القول إن لكل منا هُوية مركَّبة من هويات متعددة Multiples Identities هي سِماتٌ وصفاتٌ لهُويتنا الكلية المركَّبة. وقد عبر معلوف عن ذلك

بالقول: «لِي انتماءاتٌ مشتركة مع كل كائن حيٍّ، ولكن لا يوجد كائن في الكون يشاطرني كل انتماءاتي

[...] كل شخص دون استثناء يتمتع بهُوية مركَّبة». ويميز معلوف بين الهُوية ولانتماء، فهو يرى أن الهُوية واحدة، لكنها تتركب من أكثر من انتماء. ف لانتماء عند معلوف هنا مرادف للسِّمات والصفات المكوِّنة للهُوية الواحدة. وهنا يحسن الحديث عن مفهومَي تراكم الهويات Identity Overlapping وتزاحم الهويات Identity Intersection. فتراكم الهُويات مفهوم زمني نظري؛ ذلك أنه مبنيٌّ على ترتيب للهويات طبقًا لأسبقيتها

في الزمان، لا طبقًا لأولويتها عند الشخص أو المجتمع. فالهُوية العربية، مثلً، سابقة زمنيًا على الهُويتين

المسيحية والإسلامية، والهُوية الحجازية سابقة زمنيًا على الهُوية السعودية.

(5((جوزيف، ص.61 (((5 المرجع نفسه، ص.61

(59) Richard Delgado & Jean Stefancic, Critical Race Theory: An Introduction (New York: New York University Press, 2001), p. 9.

((6(معلوف، ص.22 ((6(المرجع نفسه، ص.8–7

أما تزاحم الهُويات، فهو مفهوم مكاني. والتزاحم نتاج للتراكم ولاحقٌ به، وهو موضوع الصراع وإدارة الصراع. ويؤدي التزاحم إلى أرجحية هُوية على أخرى لدى الفرد أو المجموعة، فالهُوية العربية، مثلً، راجحة لدى القومي العربي، بينما تترجح الهُوية الإسلامية لدى الإسلامي ذي النزوع العالمي، والهُوية الوطنية لدى الوطني المنكفئ. وأحيانًا لا يكون ترجيح هوية على أخرى عملً واعيًا، بل يكون ردة فعل على تهديد إحدى هويات

الجماعة، فتبرز الهُوية المهدَّدة، ويتم التركيز عليها على نحو لافت، بقدر ما يقتضيه التهديد الذي يواجهها، وهكذا «حيث يشعر الناس أنهم مهدَّدون في عقيدتهم يبدو أن لانتماء الديني هو الذي يختزل هويتهم كلها. ولكن لو كانت لغتهم الأم ومجموعتهم الإثنية هي المهدّدة لقاتلوا بعنف ضد إخوتهم في الدين». وقد لاحظ دارسون معاصرون لمسألة التفاوض لاجتماعي حول الهُوية أن «استيقاظ الهُويات المنسية» عرَضٌ من أعراض العولمة التي نعيشها اليوم. وفيما يلي رسوم تقرب

مفهوم تراكم الهُوية وتزاحمها: الرسمان (2–1) تراكم الهُويات في الزمان

((6(معلوف، ص.16

(63) Ljubomir Danailov Frckoski, Negotiation in Identity Conflicts , 3 rd ed. (Skopje, Macedonia: Magor Doo, 2012), p. 9.

الرسمان (4–3) تزاحم الهُويات في المكان

الهُوية والتفاوض الاجتماعي

يميل الفرد والجماعة إلى إبراز هُوية وترك أخرى في الظل بضغط من ظروف السياق المحيط، أو استجابة لمصلحة عامة أو خاصة. وإذا كان من الناس مَن يضطرون في المجتمعات القمعية إلى كبت بعض هوياتهم اضطرارًا، فإن المجتمعات المفتوحة تُعين الناس على لاعتزاز بهوياتهم المتعددة، وتبقى صياغة الهويات المتراكمة والمتزاحمة في قالب قومي وولاء وطني جامع، من دون أن يبغيَ

بعضها على بعض، من التحديات الكبرى في الدول العربية المعاصرة. والتفاوض لاجتماعي على الهُوية ظاهرة دينامية، تُظهر الهُويةَ في تشكلها الدائب، حصيلةً لتكيفٍ وتنازلٍ ضمني بين الفرد والمجتمع، وبين الجماعات المختلفة داخل المجتمع الواحد. فنظرة المجتمع إلى الفرد مؤثرة في سلوكه واختياراته، بما في ذلك لاختيارات ذات الصلة بالهُوية، مثل الدين الذي يدين به واللغة التي يتحدثها. فالهُوية نوع من بناء التوازن بين شخصية الفرد ومتطلبات الجماعة، وبين شخصية الجماعة ومتطلبات المجتمع. ومن مظاهر التفاوض لاجتماعي على الهُوية في سياق واحد ما يمكن اعتباره تنازل هُوية لأخرى عن الصدارة. فيتم إبراز هُوية، وإبقاء أخرى في الظل من دون نزع الشرعية عنها، من أجل تحقيق التوازن

(64) Liora Lukitz, Iraq: The Search for National Identity (London: Frank Cass Publishers, 1995), p. 40. (65) Aneta Pavlenko and Adrian Blackledge (eds.), Negotiation of Identities in Multilingual Contexts (Clevedon: Multilingual Matters Limited, 2003), p. 3.

السياسي ولانسجام لاجتماعي. وقد يكون هذا أمرًا إيجابيًا إذا كان يحقق مصلحة عامة للمجتمع.

فإبراز الهُوية العربية في لبنان، مثلً، على حساب الهُوية الدينية، من أجل احتواء لانتماء الطائفي والديني المتنوع، وإبراز الهُوية الإسلامية في المغرب، مثلً، على حساب الهُوية العربية، من أجل احتواء لاختلاف العرقي بين العرب والأمازيغ، مث لان على هذا النوع من تقديم هُوية على أخرى؛ سعيًا لتحقيق مصلحة اجتماعية عامة. وقد يفرض التفاوض والتدافع لاجتماعي بروز هُوية في بلد بعينه، مع ضمور تلك الهُوية ذاتها في بلد آخر، وبقائها في الظل ضمن المسكوت عنه. فلا حاجة إلى إبراز الهُوية الأفريقية السمراء في بلد كل مواطنيه أفارقة سُمر، بينما تبرز هذه الهُوية في سياق الصراع بين السود والبيض في بلد آخر. وهكذا

ف «إن العامل الذي يحدد هُوية طفل يولد في نيجيريا هو كونه يُورُوبَا أو هاوْسَا، وليس كونه أسودَ أو

أبيضَ، أما في أفريقيا الجنوبية فكون المرء أسودَ أو أبيضَ يبقى عاملً مهمًا في الهُوية ». وأحيانًا يكون لانتماء إلى هُوية معينة إشكاليًّا لأصحابه، بسبب مركَّب النقص الناتج من الضعف، فيسعون

إما للتملص من هُويتهم الذاتية، وإما للرفع من قيمتها، تعويضًا عن ذلك النقص، وهي ظاهرة شائعة لدى الشعوب التي خضعت لقهر عسكري. وهذا المنطق المتعصب للهُوية – مثل المنطق المتنصل منها – حالة ثقافية مرَضية؛ ذلك أن «التنصل من الهُوية والتعصب لها وجهان لعملة واحدة»، كما لاحظ عزمي

بشارة. فكلا الموقفين ينمّ عن نفس مهزوزة، وعن ذاتٍ فاقدةٍ للثقة بذاتها.

الهوية والذاكرة الجمعية

من المفاهيم ذات الصلة العميقة بقضية الهويات، خصوصًا الهويات القومية والدينية، مفهوم سردية الهُوية Identity Narrative؛ والمقصود به التعبير عن الذاكرة الجمعية تعبيرًا يخدم شرعية بعض

الهُويات، أو ينفي الشرعية عن الهُويات الأخرى، بما يستتبعه ذلك من الصراع بين الرؤى المختلفة للتاريخ. فسردية الهُوية بهذا المعنى تكاد ترادف الذاكرة الجمعيَّة، لكن في سياق تراكم الهُويات

وتزاحمها. وأهمية الذاكرة الجمعيَّة هي أنها يمكن ترجمتها إلى إرادة مشتركة أو إرادات متنافرة، بكل ما

يترتب على ذلك من أثر في حاضر المجتمعات ومستقبلها. ف «الذاكرات المشتركة والإرادة المشتركة تساوي الروح المشتركة التي تكوِّن الأمّة». والذاكرة التاريخية المشتركة من أهم الأسس التي تنبني عليها الأمم؛ ف «الذاكرة التاريخية هنا ممارسة حاضرة»، كما أن التعلق بالماضي المشترك يعطي الأمة إحساسًا بالوحدة العمودية يخفف من

(6((معلوف، ص.25

(67) Carl A. Grant & Gloria Ladson-Billings, Dictionary of Multicultural Education (Westport: Greenwood Press, 1997), p. 108.

((6(بشارة، ص.181 ((6(جوزيف، ص.260 ((7(بشارة، ص.204

وقع التنوع الأفقي الذي تعيشه. لكن الأمر لا يتوقف عند الإحساس بالوحدة العمودية المُمْتدَّة

في الماضي، بل يشمل أيضًا إحساسًا ب «الوحدة الأفقية» التي تحدث عنها أندرسون. وهي وحدة

تتجسد في آمال الحاضر والمستقبل أكثر مما تتعلق بالماضي. وقد أكد فيلسوف الأخلاق والسياسة الأسكتلندي المعاصر آلاسدير ماكنتاير ما للسردية التاريخية من أهمية في تشكل الهُوية، وبناء المسؤولية التضامية، فكتب: «لا أستطيع الإجابة عن السؤال: ماذا أفعل؟ قبل الإجابة عن السؤال: أي سردية أجد نفسي جزءًا منها؟» ذلك أن «قصة حياتي مندمجة دائمًا في

قصة تلك الجماعات التي أستمدُّ منها هويتي». ونبَّه عزمي بشارة إلى وجه من أوجه الذاكرة الجماعية لم ينتبه إليه كثيرون، وهو «النسيان الجماعي».

فبناء الأمّة يحتاج إلى النسيان الجماعي حاجتَه إلى التذكر الجماعي؛ ذلك أن «الذاكرة الجماعية التاريخية تفترض النسيان الجماعي لحروب الرعاة والقبائل، ولتعاون إحدى القبائل مع الغزاة الأجانب ضد القبائل الأخرى»، لأن «الأمّة رابطة معنوية يتطلب وجودها الذاكرة الجماعية، والنسيان الجماعي،

والهدف السياسي ». لكنَّ للذاكرة التاريخية جانبًا خطيرًا، وهو إمكان انشطارها إلى ذاكرات متوازية، تقرأ ماضي المجتمع

الواحد بطرائق متناقضة. وقد لاحظتْ جيلْ أدِي في دراستها عن (الماضي المضطرب) أن «المحافظة على ذاكرات مفرِّقة وتغذيتها قد يفتحان باب الصراعات لاجتماعية العنيفة». ولعل أبلغ مثال على

الذاكرات/ السرديات المتوازية المفرِّقة في الفضاء العربي اليوم هو الجدل السنّي – الشّيعي حول وقائع

التاريخ الإسلامي: مبناها ومعناها، وهو جدل أحال التاريخ محرِّضًا وحافزًا على التعصب، لا منيرًا

للطريق بالعبرة والخبرة. ومهما يكن من أمر، فإن السردية صناعة للذات أكثر من كونها تعبيرًا عن الذات، والماضي مشرِّع

للحاضر ومعلِّق عليه في كل الثقافات البشرية. وحتى حين تتجه المجتمعات إلى المستقبل، فإنها

(71) Yasir Suleiman, The Arabic Language and National Identity: A Study in Ideology (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2003), p. 38. (72) Anderson, p. 7. (73) Alasdair Macintyre, After Virtue: A Study in Moral Theory , 3 rd ed. (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007), p. 216. (74) Ibid., p. 221.

((7(بشارة، ص.206

(76) Jill A. Edy, Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest (Philadelphia: Temple University Press, 2006), p. 11.

(7((انظر: مثالً على الذاكرات التاريخية المتوازية، رؤية السنّة والشّيعة لشخصية صلاح الدين الأيّوبي في هذه الدراسة:

Mohamed El-Moctar, «Saladin in the Sunni and Shi’a Memories,» in: Nick Paul & Suzanne Yeager (eds.), Remembering the Crusades: Myth, Image, and Identity , Serie: Rethinking Theory (Baltimore: John Hopkins University Press, 2012), pp.197-214. (78) Nikki Slocum-Bradley (ed.), Promoting Conflict or Peace through Identity (Farnham: Ashgate, 2008), p. 5.

تبدأ دائمًا بشيء من إثبات الذات، من خلال لالتفات إلى الماضي تأصيلً وتحليلً، ونقدًا مُتجاوِزًا. فاستمداد المستقبل شرعيته من الماضي ظاهرة مطَّردة في الخطابات السياسية والثقافية. لكن لاستمداد من التاريخ يأتي أحيانًا في صورة مرَضية، في شكل هروب إلى الماضي من أعباء

الحاضر، وأ مْثلة للماضيَIdealization تحوِّله من تاريخ بشر من لحم ودم، إلى «تاريخ ملائكة» يستحيل لاقتداء بهم واللحاق بهم. وخطر هذا النوع من التناول للتاريخ أنه يحوِّل ماضي الأمّة «من تاريخ حيٍّ نابض، إلى تاريخ جامد مقدّس، يثير الحماس لكنه لا يمنح الخبرة، يحرك الهمّة لكنه لا يقدم العبرة، يُظهر تقصير الخلف، لكنه يقنطهم من اللحاق بالسَّلف». وهذا المنحى من تناول التاريخ ذائع في الخطاب السلفي اليوم. وقد شاعت مقولة بين الناس هي أن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، وهي مقولة ليست دقيقة. فكُتَّاب التاريخ كُثْر، والثقافة التاريخية تركيب من سرديات شتى لأطراف شتى. وقد يكون صوت المنتصر أعلى، لكنه لا يكون الصوتَ الوحيد أبدًا، فهنالك صراع دائب بين السردية المهيمنة Master- Narrative التي يعبر عنها الطرف الأقوى، والسرديات المعاكسة Counter-Narratives التي تتحداها وتناقضها. ويرجع الفضل للفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (998–19241) في صياغة فكرة الصراع بين السردية المهيمنة والسرديات المعاكسة في دراسته عن «ظرف ما بعد الحداثة». فصراع السرديات على الماضي مجرد غطاء شفاف للصراع على الحاضر، والذاكرات التاريخية المتوازية إنما تتنافس على امتلاك الزمن الغابر من أجل احتلال مساحة في المستقبل الآتي. وقد قدَّم أدوارد سعيد في كتابه ما وراء السماء الأخيرة مثالً على هذا الصراع بين السردية المهيمنة والسرديات المعاكسة، فكتب عن الكبت الذي تعانيه السردية الوطنية الفلسطينية أمام السردية الإسرائيلية الصهيونية قائلً: «بما أن تاريخنا محرَّم، فإنَّ السرديات حوله نادرة. فقصة الوطن والأمّة مدفونة في

باطن الأرض، وحينما يسمحون لها بالظهور للسطح تظهر ممزَّقة، مشاكِسة، متطرفة، غامضة دائمًا، وبصيغ شائنة في الغالب».

(7((محمد بن المختار الشنقيطي، الخلافات السياسية بين الصحابة: رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2013)، ص.69

(80) Julie Byrd Clark, Multilingualism, Citizenship and Identity: Voices of Youth and Symbolic Investments in an Urban, Globalized World (London: Continuum International Publishing, 2010), p. 72. (81) Stephen Prickett, Narrative , Religion, and Science: Fundamentalism versus Irony, 1700-1999 (New York: Cambridge University Press, 2002), pp. 103-104, 243. (82)  Jean-François Lyotard, La Condition Postmoderne: Raport sur le Savoir , Collection Critique (Paris: Les Editions de Minuit, 1979), pp. 35-40. (83) Edward Said, After the Last Sky: Palestinian Lives (London: Faber & Faber, 1986), p. 20.

الهُوية و"الجماعات المتخيَّلة"

من المفاهيم المهمة ذات الصلة بقضية الهُوية مفهوم «الجماعة المتخيلة» الذي نحته عالِم السياسة الإيرلندي بنيديكت أندرسون (2015–1936) وجعله عنوانًا لكتابه الأشهر. فقد جادل أندرسون بأن «الأمّة» بالمعنى القومي المعاصر مجرد «صنائع ثقافية Cultural Artifacts) (من نوع خاص». وتوصل إلى أن الأيديولوجيات القومية «قوية سياسيًا، فقيرة فلسفيًا»، منتهيًا إلى أن أفضل تعريف للأمّة،

بالمعنى القومي المعاصر، هو أنها «جماعة سياسية متخيَّلة». وقد سبق ابنُ خلدون أندرسون في لانتباه إلى دور المخيال الجمعي في صناعة الهُويات منذ قرون. ففي سياق حديثه عن العصبية والتعاضد لاجتماعي والسياسي، لاحظ ابن خلدون أن «اللُّحمة الحاصلة من الولاء مثل لُحمة النسب أو قريبًا منها [...] إذ النسب أمرٌ وهميٌّ لا حقيقة له، ونفعُه إنما

هو في هذه الوصلة ولالتحام». فما ذهب إليه ابن خلدون من أن «النسب أمرٌ وهميٌّ» في سياق

المجتمعات القديمة قريبٌ مما قصده أندرسون بفكرة «الجماعات المتخيَّلة» في المجتمعات الحديثة. على أن هذا لا يعني أن هذه الهُوية القومية مبنية على تخيل محض (كما توحي بذلك نظرية أندرسون)، ولا على أن النسب وهمٌ محض (في نظرية ابن خلدون)؛ إذ توجد دائمًا جذور تاريخية وثقافية موضوعية

لمثل هذا التخيل. وقد أقرَّ ابن خلدون نفسه أن «الصريح من النسب [...] يوجد للمتوحشين في القفر

من العرب ومَن في معناهم». فالنسب في البدو قد يكون أحيانًا حقيقة لا وهمًا. إنّ المجموعات القومية «متخيَّلة لكنها ليست خيالية»، كما لاحظ أدواردز. ووجود جماعة متخيَّلة،

بالمعنى الذي قصده أندرسون، يستلزم وجودًا تاريخيًا سابقًا غير خيالي. وكل ما في الأمر هو «إعادة

ترتيبٍ وإبراز لعناصر سابقة في الوجود» على فكرة القومية ذاتها، «فالقومية تأخذ النسيج الإثني، فتفصِّله وتشذِّبه ليلائم الظروف، ثم تضيف إليه إكسير السيادة السياسية السحري». وربما كان ياسر سليمان على حق حين أكد أن القومية ظاهرة حقيقية وخيالية، أصيلة ومبتدَعة، واقعية وخطابية. وعمومًا، فإن الأيديولوجيا القومية استخدامٌ لصورة مركَّبة من الماضي (ليست بالضرورة دقيقة) لبناء صورة مرغوب فيها للمستقبل (ليست بالضرورة واقعية)؛ حيث تكون صلاحية الفكرة في الحالتين غير مرادفة بالضرورة لصحتها، إذا اعتمدنا تصنيف مالك بن نبي للأفكار. ولو أننا وسَّعنا مفهومي

(84) Anderson, p. 4. (85) Ibid., p. 6.

8(((عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان

الأكبر [تاريخ ابن خلدون]، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 9881)، ص.162 (8((المرجع نفسه، ج 1، ص.162

(88) Edwards, p. 178. (89) Ibid., p. 9. (90) Suleiman, p. 42.

(9((مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو (دمشق: دار الفكر، 2002)، ص.102

«الولاء» و«النسب» في نظرية ابن خلدون، فوضعْنا النسب موضع لانتماء القومي المعاصر، ووضعْنا الولاء موضعَ لانتماء الإسلامي الجامع، وانتبهنا لملاحظة ابن خلدون الدقيقة حول أداء الولاء وظيفة النسب السياسية، لأمكننا أن نصالح بين العروبة والإسلام، باعتبارهما هويتين متكاملتين، بدلً من لانكفاء على النسب فقط، وهو «أمر وهميٌّ» بتعبير ابن خلدون.

عروبة في سياق إسلامي

إن ما يحتاج إليه العرب اليوم هو عناقٌ بين العروبة والإسلام، لا نفْي أحدهما للآخر. وليس من السديد بمنطق الهُوية السياقية ما يذهب إليه بعض الإسلاميين من سعي لنزع الشرعية عن القومية العربية وغيرها من هُويات قومية، ولا ما يذهب إليه بعض العلمانيين من سعي لنزع الشرعية عن الهُوية الإسلامية، وتعطيل لوظيفة لانتماء الجماعي إلى الدين عامة. ولعل أمين معلوف – في موقفه المضطرب من مسألة الهُوية الدينية – مثال معبِّرٌ في هذا المضمار. فرغم إقرار معلوف أن «شعور لانتماء إلى عقيدة

مشتركة هو اليوم الرباط الأوثق للقوميات»، فإنه يضيق ذرعًا بأي هُوية أو انتماء جماعي إلى الدين، ويتمنى اختفاء هذا النمط من لانتماء من الوجود! يقول معلوف: «لا أحلم بعالم لا مكان فيه للدين، وإنما بعالم تنفصل فيه الحاجة إلى الروحانية عن الحاجة إلى لانتماء، بعالم لا يستشعر فيه الإنسان – مع بقائه متعلقًا بمعتقداته وعبادته وقيمه الأخلاقية المستلهَمة من كتاب مقدّس– بالحاجة إلى لانضمام إلى إخوته في الدين [...] يجب التمكن من

إشباع الهُوية بطريقة أخرى». وهنا يَظهر ضِيق العقل العلماني بالدين، وعدم قدرته على لاعتراف

به هُويةً جماعيةً، ضمن الهُويات الإنسانية المتعددة، خصوصًا العلمانية الفرنسية التي تأثر بها معلوف كثيرًا، بحكم كونه مواطنًا فرنسيًا، ضليعًا في التاريخ الفرنسي، عميق لارتباط بالثقافة الفرنسية. لكن

ما يحتاج إليه العرب اليوم هو التلاقي الإنساني مع عمقهم الحضاري الإسلامي، بعيدًا عن «السجون العقلية» المسوَّرة بأسوار التحيز. أما ضيق بعض الإسلاميين العرب بالقومية العربية، وسعيهم لنزع الشرعية عنها، بصفتها انتماء، فهو الوجه الآخر للعجز عن اتساع الباع للهويات المتعددة. وما أجدر هؤلاء الإسلاميين الطامحين إلى وحدة الشعوب الإسلامية بالتأمل فيما سطَّره ثلاثة من خيرة العقول المسلمة المعاصرة في هذا المضمار، وهم عبد الرحمن الكواكبي (902–18551) وعبد الرزاق السنهوري (971–18851) ومالك بن نبي (973–1905.)1 فقد كان هؤلاء المفكرون من القلائل الذين قدموا رؤية عملية للوحدة الإسلامية، لا تقفز على مقتضيات الزمان والمكان، ولا تتجاهل المسافات الجغرافية ولاختلافات الثقافية بين أبناء الأمة الإسلامية.

((9(معلوف، ص.85 ((9(المرجع نفسه، ص.87–86 ((9(مصطلح «السجون العقلية» mental prisons نحته جيل باكي للتعبير عن التعصب ولانغلاق، انظر:

Gilles Paquet, Deep Cultural Diversity: A Governance Challenge (Ottawa: University of Ottawa Press, 2008), p. 173.

كان أول هؤلاء هو الكواكبي الذي استلهم فكرة الوحدة الفدرالية الأميركية والألمانية، فنظَّر للوحدة الإسلامية في شكل «اتِّحاد إسلامي تضامني تعاوني، يقتبس ترتيبَه من قواعد اتحاد الألمانيين

والأمريكانيين» ويقوده خليفة عربيٌّ، يكون رمزًا ومصدر قوة معنوية لوحدة طوعية مرنة بين دول

مستقلة؛ على ألّ تتجاوز سلطة هذا الخليفة حدود إقليم الحجاز، فهو يرعى شؤون المسلمين الشعائرية في الحج والعمرة، ولا يتدخل في شؤون الدول الإسلامية المكوِّنة للاتحاد. بل هو لا يملك القوة لهذا

التدخل حتى إن رغِب في ذلك: ف «الخليفة لا يتدخل في شيء من الشؤون السياسية والإدارية في السلطنات والإمارات قطعيًا»، و«لا يكون تحت أمره قوة عسكرية مطلقًا »؛ لضمان أنْ لا يتسلط

على الدول الإسلامية الأخرى. أما السنهوري، فقد دعا إلى إعادة تعريف الخلافة وتطويرها، لتصبح «عصبة أمم شرقية» تتسم بالمرونة، وتراعي الخصوصيات لاجتماعية والثقافية للشعوب. وكان السنهوري مدركًا تمام الإدراك ضرورةَ التوفيق بين الهُويات القومية والدينية والإنسانية، فجعل إهداءَ كتابه: «إلى كل شرقي يستطيع أن يوفِّق

بين انتماءاته الدينية والقومية والعِرقية، وبين انتمائه إلى الشرق وطنِه الكبير وانتمائه إلى الوطن العلمي الأكبر: الإنسانية». وبدلً من نزع الشرعية عن لانتماءات الوطنية والقومية الذي تبنَّاه بعض الإسلاميين من بعدُ، دعا السنهوري إلى «تنمية القوميات لتكون القاعدة المتينة لبناء المستقبل، مع كبح جماح النزعات العنصرية»، فضمن بذلك التوازن بين عالمية الإسلام، وخصوصية القومية. يقول السنهوري: «يجب علينا أن نجد حلً يمكن أن يضمن صورةً من الوحدة بين الشعوب الإسلامية، مع إعطاء كل بلد نوعًا من الحكم الذاتي الكامل. إن الحل الذي نراه يجب أن يضمن لنا تنمية القوميات، لتكون القاعدة المتينة لبناء المستقبل، مع كبح جماح النزعات العنصرية، حتى تتمشَّى مع تكوين جماعة عالمية، في إطار جامعة شعوب شرقية. وهذا هو الحل العملي من وجهة نظرنا». وعلى خُطى الكواكبي والسنهوري قدَّم مالك بن نبي تصورًا لمشروع «كومنويلث إسلامي» في صيغة وحدة مرنة بين عوالم ستة، يضم كل منها إحدى الكتل البشرية الإسلامية الكبرى، وهي: العالم الإسلامي الأفريقي، والعالم الإسلامي الصيني – المنغولي، والعالم الإسلامي العربي، والعالم الإسلامي الماليزي، والعالم الإسلامي الإيراني، والعالم الإسلامي الأوروبي. وهي فكرة قريبة من فكرة الفدرالية الإسلامية لدى الكواكبي.

(9((عبد الرحمن الكواكبي، أم القرى، ط 2 (بيروت: دار الرائد العربي، 9821)، ص.237 ((9(المرجع نفسه، ص.236 ((9(المرجع نفسه. (9((عبد الرزاق السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية (دمشق: مؤسسة الرسالة ناشرون، د.ت.)، ص.6 ((9(المرجع نفسه، ص.340 10(((مالك بن نبي، فكرة كمنويلث إسلامي، ط 2 (دمشق: دار الفكر، 2000)، ص.45

وأقرَّ مالك بن نبي بضرورة أخذ الفوارق القومية في لاعتبار إذا أريد للوحدة أن تكون خطة عملية، لا

فكرة مجردة، فكتب: «لكي ينتظم الكمنويلث الإسلامي طبقًا لأوضاعه الخاصة، ولانسجامه مع تطور العالم المخطَّط، يجب أن يُخطَّط ككتلة للعوالم الإسلامية، يرأسها المؤتمر الإسلامي كجهاز فدرالي.

ودستور لاتحاد يجب أن يقوم على دراسة جديدة للإمامة، مع استخدام الرابطة لاقتصادية حيثما وجدت بطبيعتها مثلً بين مصر والسودان، والرابطة القومية مثلً في البلاد العربية». ليس يهمنا هنا فكرة «الخلافة» كما صاغها الكواكبي والسنهوري، ولا فكرة «الكومنويلث» كما صاغها مالك بن نبي. فقد وقع تغيّر كثير في المنطقة وفي العالم منذ أن تقدم هؤلاء الأكابر بأفكارهم لتحقيق

وحدة المسلمين. إنَّ ما يهمنا هو المنطق الفكري والأخلاقي الذي حكم تنظيرهم. وهو منطق اتَّسم بالرحابة والروح العملية، وبقبول الهُويات المتعددة وشرعيتها، وبرفض التضارب بين الهُوية العربية وفضائها الإسلامي والإنساني.

خاتمة

في ختام دراسته عن اللغة والهُوية، كتب البحَّاثة اللبناني الأميركي جون جوزيف: «إن ما يعتبر خطرًا

بالفعل، بحسب رأيي، هو الأمل في حلول مطلقة». ويشاطر هذا البحث السيد جوزيف رأيَه في

مخاطر الحلول المطلقة، وفي ضرورة التعامل مع قضية الهُوية العربية بمنظور نسبيٍّ وصدر رحب. لقد سادت الحلول المطلقة في كثير من التنظير العربي والممارسة السياسية العربية المعاصرة حول قضية الهُوية. والحلول المطلقة لا تقدِّم حلً، بل هي حلول خطِرة، لما تشتمل عليه من اختزال للمشكلات الإنسانية المركبة. فما يحتاج إليه العرب اليوم هو موقف يرفض الحلول المطلقة، ويؤمن بالعدل والحرية من غير ازدواجية ولا مثْنوية، ويتبنَّى الحلول النسبية التي تجمع بين حق الذات في التمسك بذاتها، وحقِّ الغير في لاحترام والتقدير. ربما يحْسُن أن يفكر العرب في هويتهم باعتبارها ظاهرة سياقية لا تنفك صفاتها عن صلِاتها. فلا

يمكن أن تنبتَّ الهُوية العربية عن فضائها الإسلامي، ولا عن روابطها الإنسانية. وهذا ما ألحَّت عليه

خيرة العقول العربية والإسلامية في القرن العشرين، ومنها الثلاثي الذي بسطنا رؤيته في ختام البحث: الكواكبي، والسنهوري، ومالك بن نبي. فليست أمّة النخلتين في حاجة اليوم إلى إثبات الذات بنفي

الغير داخل حدودها، ولا بالتنكُّر لما نسجتْه القرون من أرحام دينية وثقافية وإنسانية بينها وبين الشعوب الإسلامية المحيطة بها، ولا ب لانبتات عن بقية الإنسانية. وإنما هي في حاجة إلى إنسانية أكثر، تجمع بين لاعتزاز بالذات من دون صلَف، وإثرائها بما لدى الغير من دون مَذلَّة، مع روح الإنصاف ولاعتراف

بحق لاختلاف، فلدى الأقوام الآخرين مثل ما لدى العرب من عزة قومية وحرص على الهُوية. إن وراء العرب تاريخًا طويلً من التلاقي ولامتزاج ببقية الإنسانية، وما يجمع العرب مع الترك والكرد

10(((المرجع نفسه، ص.15 (10((جوزيف، ص.280

والأمازيغ وغيرهم من الأقوام المسلمة التي خاضت معهم تجربة الإسلام التاريخية على مدى أربعة عشر قرنًا أعمقُ وأوثقُ مما يجمع الفرنسيين والألمان والإيطاليين، وغيرهم من الشعوب الأوربية التي تستظل اليوم بمظلة لاتحاد الأوروبي. وإذا كانت الحضارة العربية الإسلامية في الماضي «لم تعرف لاهوت نفي الآخر» كما لاحظ جورج طرابيشي، فما أغناها عن هذا النفي في لحظة التداخل الكبرى التي تعيشها البشرية اليوم.

References

المراجع

العربية

ابن الجوزي، عبد الرحمن. تنوير الغبش في فضل السودان والحبش. الرياض: دار الشريف،.1998 أدونيس (بالتعاون مع شنتال شواف). الهوية غير المكتملة: الإبداع، الدين، السياسة، والجنس. ترجمة حسن عودة. دمشق: بدايات،.2005 اشبنغلر، أسوالد. تدهور الحضارة الغربية. ترجمة أحمد الشيباني. بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت. البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه [صحيح البخاري]. بيروت: دار طوق النجاة،.2214 ه بن نبي، مالك. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو. دمشق: دار الفكر،

________. فكرة كمنويلث إسلامي. ط 2. دمشق: دار الفكر،.2000 ________. إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث. سلسلة مفاهيم إسلامية. بيروت: دار الإرشاد،.1969 بشارة، عزمي. طروحات عن النهضة المعاقة. لندن: رياض الريس للكتب والنشر،.2003 الجاحظ، عمرو بن بحر. رسائل الجاحظ. القاهرة: مكتبة الخانجي،.1964 الجرجاني، علي بن محمد الشريف. كتاب التعريفات. بيروت: دار الكتب العلمية،.1983 جوزيف، جون. اللغة والهوية.. قومية – إثنية – دينية. ترجمة عبد النور خراقي. سلسلة عالم المعرفة. 2.34 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2007 حرب، علي. حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية. ط 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2004 ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر [تاريخ ابن خلدون]. ط 2. بيروت: دار الفكر،.1988

السنهوري، عبد الرزاق. فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية. دمشق: مؤسسة الرسالة ناشرون، د.ت. السهمي، أبو القاسم. تاريخ جُرجان. ط.4 بيروت: عالم الكتب،.1987 الشنقيطي، محمد بن المختار. الخلافات السياسية بين الصحابة: رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2013 طرابيشي، جورج. المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعُصاب جماعي. لندن: رياض الريس للكتب والنشر،.1991 العظمة، عزيز. العرب والبرابرة: المسلمون والحضارات الأخرى. لندن: رياض الريس للكتب والنشر،

الكفوي، أيوب بن موسى. الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. بيروت: مؤسسة الرسالة، د.ت. الكواكبي، عبد الرحمن. أم القرى. ط 2. بيروت: دار الرائد العربي،.1982 مفاخر البربر، دراسة وتحقيق عبد القادر بوباية. الرباط: دار أبي رقراق،.2004 المقري، شهاب الدين. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. بيروت: دار صادر،.1997 معلوف، أمين. الهويات القاتلة: قراءات في الانتماء والعولمة. ترجمة نبيل محسن. دمشق: دار ورد،

نكري، عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد. دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون. ترجمة حسن هاني فحص. بيروت: دار الكتب العلمية،.2000 اليونسكو. إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي. الدورة الحادية والثلاثون. باريس: 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001:. في http://bit.ly/2DR8XIJ

الأجنبية

Anderson, Benedict R. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso, 2006. Barvosa, Edwina. Wealth of Selves: Multiple Identities, Mestiza Consciousness, and the Subject of Politics. College Station, TX: Texas A & M University Press, 2008. Bradbury, Bettina and Tamara Myers (eds.). Negotiating Identities in 19th- and 20th- Century Montreal. Vancouver: UBC Press, 2005.

Cassin, Barbara (ed.). Vocabulaire Européen des Philosophies. Paris: Seuil, 2004. Clark, Julie Byrd. Multilingualism, Citizenship and Identity: Voices of Youth and Symbolic Investments in an Urban, Globalized World. London: Continuum International Publishing, 2010. Delgado, Richard & Jean Stefancic. Critical Race Theory: An Introduction. New York: New York University Press, 2001. Donnan, Hastings & Thomas M. Wilson, Borders: Frontiers of Identity, Nation & State. Oxford: Berg Publishers, 1999. Edwards, John. Language and Identity. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Edy, Jill A. Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest. Philadelphia: Temple University Press, 2006. Frckoski, Ljubomir Danailov. Negotiation in Identity Conflicts , 3 rd ed. Skopje, Macedonia: Magor Doo, 2012. Ghannam, Farha. Remaking the Modern: Space, Relocation, and the Politics of Identity in a Global Cairo. Berkeley: University of California Press, 2002. Gohier, Christiane. «Sens de l’identité et rapport à l’autre: genèse d’une éducation à la responsabilité.» Canadian Journal of Education/ Revue canadienne de l’éducation. vol. 14. no. 4 (Autumn 1989). Gosine, Kevin. «Essentialism versus Complexity: Conceptions of Racial Identity Construction in Educational Scholarship.» Canadian Journal of Education/ Revue canadienne de l’éducation. vol. 27. no. 1 (2002), 81-99. Graig, Edward (ed.). Routledge Encyclopedia of Philosophy. London: Routledge, 1998. Grant, Carl A. & Gloria Ladson-Billings. Dictionary of Multicultural Education. Westport: Greenwood Press, 1997. Isutsu, Toshihiko. Ethico-Religious Concepts in the Qur’an. Montreal: McGill University Press, 2002. Lukitz, Liora. Iraq: The Search for National Identity. London: Frank Cass Publishers,

Lyotard, Jean - François. La Condition Postmoderne: Raport sur le Savoir. Collection Critique. Paris: Les Editions de Minuit, 1979. Mace, Ruth, Clare Holden & Shennan, Stephen J. The Evolution of Cultural Diversity: A Phylogenetic Approach. Walnut Creek: Left Coast Press, 2005. Macintyre, Alasdair. After Virtue: A Study in Moral Theory , 3 rd ed. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007.

Mio, Jeffery S., Joseph E. Trimble & Patricia E. Arredondo. Key Words in Multicultural Interventions: A Dictionary. Westport: Greenwood Press, 1999. Palekar, S. A. Western Political Thought. Jaipur: Global Media, 2008. Paul, Nick & Suzanne Yeager (eds.). Remembering the Crusades: Myth, Image, and Identity. Serie: Rethinking Theory. Baltimore: John Hopkins University Press, 2012. Paquet, Gilles. Deep Cultural Diversity: A Governance Challenge. Ottawa: University of Ottawa Press, 2008. Pavlenko, Aneta & Adrian Blackledge (eds.). Negotiation of Identities in Multilingual Contexts. Clevedon: Multilingual Matters Limited, 2003. Prickett, Stephen. Narrative, Religion, and Science: Fundamentalism Versus Irony, 1700-1999. New York: Cambridge University Press, 2002. Rummens, Joanna Anneke. «Conceptualizing Identity and Diversity: Overlaps, Intersections, and Processes.» Canadian Ethnic Studies journal. vol. 35. no. 3 (2003). Said, Edward. After the Last Sky: Palestinian Lives. London: Faber and Faber, 1986. Slocum-Bradley, Nikki (ed.). Promoting Conflict or Peace Through Identity. Farnham: Ashgate, 2008. Suleiman, Yasir. The Arabic Language and National Identity: A Study in Ideology. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2003. Turner, Bryan S. (ed.). The Cambridge Dictionary of Sociology. Cambridge: Cambridge University press, 2006. Yamani, Mai. Cradle of Islam: The Hijaz and the Quest for an Arabian Identity. London: I.B. Tauris, 2004.