العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ما تعليل هامشية الاشتغال بالإنسانيات والاجتماعيات والفنون في الوطن العربي؟

ما تعليل هامشية الاشتغال بالإنسانيات والاجتماعيات والفنون في الوطن العربي؟

Explaining the Relegation of the Social Sciences, Humanities and the Arts in the Arab Region

أحمد زهاء الدين عبيدات *

A. Z. Obiedat *

الملخّص

يعد تدنّي المكانة والعوض المادي لدى المشتغلين العرب بالإنسانيات والاجتماعيات والفنون حالةً إشكالية. ولتفسيرها، تُوضَّحُ الأسباب التي وزَّعت المهن في الهرم الاجتماعي في تاريخ التحضر، فيُستنبَط منها قانون لقيمة المهن بحسب الحاجات التي تُشبِعها. ويُعلّل تهميش الدور الإنتاجي لتلك الفئة باحتكار الشؤون الإدارية سلطويًا والشؤون القيمية دينيًا وحِزبيًا. وتُشرَحُ مُنتَجاتُ "المعلّم، والباحث الاجتماعي، والفنان"؛ فمن الأول "سادوس" مهارات اللغة والمنطق والتفلسف والتخلُّق ضمن معطيات العلوم والتُراثات، ومن الثاني الدراسة والإنصاف لـ "حوامل الهوية العشرة" (كالقرابة والجنوسة والطبقة)، ومن الثالث إبداع السرديات والعوالم السمعية – البصرية، لتوليد سوق لاستهلاك الخيال والمتع. وفي تهميش المِهن الثلاث دلالة على قصور التحديث، وهو ما يُضعِف المواطنة، ويُسهم في التطرف.

Abstract

Abstract: Marginalizing Arab world workers in the humanities, social sciences, and Arts is problematic. The history of the division of labor in the social «pyramid scheme» is introduced, arguing that professional status is based on its conceived service function to society. Marginalization of these workers is explained by the absence of an appropriate social function in comparison to the manipulation of power by the rulers and values by ideologues. Humanities services provides: 1- linguistic training, 2- logical skills, 3- scientific facts, 4- history of ideas, 5- philosophical, and 6- axiological aptitudes. The social researcher’s role deals with the paradigm of «ten identity carriers», e.g., kinship, gender, and class, and the resulting search for fairness. The services of fine arts are seen in the need for narratives and audio-visual worlds that create markets for the consumption of pleasures. Marginalizing these professions contributes to fanaticism and the weakening of the modernization project.

الكلمات المفتاحية:
  • الإنسانيات
  • الاجتماعيات
  • الفنون
  • توزيع العمل
  • الثقافة
  • الحداثة
Keywords:
  • Cultural
  • Division of Labor
  • Modernity.
  • the Social Sciences
  • Humanities
  • the Arts

Explaining the Relegation of the Social

Sciences, Humanities and the Arts in the

Arab Region

والفنون حالةً إشكالية. ولتفسير هذه الحالة، تُوضَّحُ الأسباب التي وزَّعت المهن في الهرم

لاجتماعي في تاريخ التحضر، فيُستنبَط منها قانون لقيمة المهن بحسب الحاجات التي تُشبِعها.

ويُعلّل تهميش الدور الإنتاجي لتلك الفئة باحتكار الشؤون الإدارية سلطويًّا والشؤون القيمية

دينيًّا وحزبيًّا. وتُشرَحُ مُنتَجات «المعلّم، والباحث لاجتماعي، والفنان»؛ فمن الأول «سادوس»

مهارات اللغة والمنطق والتفلسف والتخلُّق ضمن معطيات العلوم والتُراثات، ومن الثاني

الدراسة والإنصاف ل «حوامل الهوية العشرة» (كالقرابة، والجنوسة، والطبقة)، ومن الثالث إبداع السرديات والعوالم السمعية – البصرية، لتوليد سوق لاستهلاك الخيال والمتع. وفي تهميش

المِهن الثلاث دلالة على قصور التحديث، وهو ما يُضعِف المواطنة، ويُسهم في التطرف.

مقدمة

كيف يجوز لبريطانيّة مغمورة مثل جوان رولنغ، مؤلفة قصص هاري بوتر، أن تصير أغنى من

ملكة بريطانيا نفسها؟ وكيف لأساتذة جامعيين أن يحصلوا على جوائز نوبل في لاقتصاد، ويصيروا مستشارين للرؤساء والملوك، فيساهموا في تغيير لاقتصاد العالمي؟ وكيف يقتدر أميركيان لم يكملَ الدراسة الجامعية، مثل بِل غيتس ومارك زوكربيرغ، على تغيير حياة البشرية بمنتوجاتهما من العتاد البرمجي ومواقع التواصل لاجتماعي، ومن ثمّ يمتلكان من الأموال ما لا يمتلكه بعض الحكّام

العظام؟ لا شك في أن تفسير وضعية تلك المهن يثير الدهشة ويطالب بالجواب. وفي المقابل، فإن تدنِّي المكانة والعائد لدى المشتغلين العرب بالإنسانيات ولاجتماعيات والفنون أمر محيِّر؛ ذلك أنّ

عدد الحاصلين على الدكتوراه المعينين في الحكومة المصرية مثلً هو كالآتي: مجموع دكاترة قطاع الزراعة والصناعة والكهرباء والنقل والتجارة ولاقتصاد والإسكان هو 755 موظفًا، ومجموع دكاترة قطاع الخدمات الصحية ولاجتماعية والدينية والثقافة والإعلام والسياحة هو 217 موظفًا. وهذا يعني أن حاجة الحكومة المصرية إلى باحثين في لاجتماعيات والإنسانيات تقارب ربع حاجتها إليهم في قطاعات تقانية وعلمية وإدارية. بل إنّ نسب البطالة تتعاظم في حقول الإنسانيات ولاجتماعيات في المغرب؛ حيث تفوق نسبة البطالة بين خريجي هذه الحقول ضعف نظيرتها بين خريجي الحقول العلمية والتقنية في المراحل الدراسية ما بعد المدرسة الثانوية. وفي حالة الأردن، يبلغ الحد الأقصى للراتب الأساسي شهريًّا، في أعلى درجات الخبرة، بالنسبة إلى الطبيب المختص 2148 دينارًا، و 2311

دينارًا بالنسبة إلى المهندس، و 98 8 دينارًا بالنسبة إلى المعلم. فما تفسير تدنّي مهنة التعليم وأمثالها؟

أولا: الفقه التاريخي لتوزيع المهن في الهرم الاجتماعي

من الضروري أن ننطلق من سياق تاريخي لنصل إلى الحاضر؛ لأن العرب، مثل بقية البشر، جزء من تاريخ التفاعل مع بيئة موارد هذا الكوكب، وهو التفاعل الذي تتفرع منه الآلية المُحدِّدَة لقيمة المهن.

وضرورة هذا التتبع على مراحل متعددة تقع في صلب التفكير التاريخي الذي يروم تقرير قواعد لها قوة تعميمية مناسبة. بعد فترة من العصر الجليدي الأخير، أي منذ نحو 00 135 سنة، وشيوع التصحُّر في بعض المناطق،

(((أتوجه بالعرفان إلى الأستاذ الدكتور محمود حداد، أستاذ التاريخ بجامعة البلمند اللبنانية، والمترجم أنور الشامي، والمرشد النفسي والقارئ أحمد الحمدي، والأستاذ عبد الغني شديد على مطالعتهم هذه المقالة في مراحل عدة من تأليفها، وعلى ما قدموه لي مشكورين من نصح وتصويب. (((الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة السنوية لإحصاء العاملين بالحكومة والقطاع العام/ الأعمال العام، عام 2015:(القاهرة 2015)، ص 38، شوهد في 2016/6/5، في: https://goo.gl/BPGwdN (((أحمد الحليمي علمي، «المغرب بين أهداف الألفية من أجل التنمية وأهداف التنمية المستدامة: المكتسبات والتحديات، التقرير الوطني 2015» (الرباط، 2015)، ص 21، شوهد في 2016/6/5، في: https://goo.gl/ui2OXa (((« برنامج إعادة هيكلية الرواتب والع وااات في القطاع العام.. طالع الجداول وكشوفات الرواتب الجديدة»، موقع وكالة زاد الأردن الإخبارية، ص 68–، شوهد في 2016/6/5، في: http://www.jordanzad.com/print.php?id=46424

(5) Fred Spier, Big History and the Future of Humanity (Chichester: Wiley-Blackwell, 2015), p. 223.

دُفعَت، لأول مرة في التاريخ، مجموعات بشرية إلى لانتقال من نمط «الصائد اللاقط» إلى نمط لاستيطان، ولاشتغال بزراعة النبات، وتدجين الحيوانات لتأمين الغذاء، نظرًا إلى انتشار الجدب

ونقص الصيد في الهلال الخصيب. وبعد مرور نحو ثمانية آلاف سنة من ترك نمط الصيد واللقط والمداومة على لاستيطان الزراعي، بزغ تعقُّد في الفعل الحضري؛ إذ قام لاجتماع البشري السومري باعتماد برنامج توزيع العمل بين أعضائه، في شكل هرم كبير متراتب الطبقات، ذي قاعدة عريضة ورأس دقيق. وهكذا يتكاثر عدد الناس في قاعدة الهرم من جهة تدني الثروة والسلطة والمكانة، وتتزايد هذه الخصائص صعودًا إلى قمة الهرم. وقد شاع الهرم الطبقي من بعد السومريين في المناطق المصرية

والفارسية المجاورة، فكان الفلاحون والرعاة من منتجي الغذاء في القاعدة، والحِرفيون مثلهم أو فوقهم قليلً، والعسكريون يُحصِّلون الضرائب من هؤلاء، ومن فوقهم تأتي أحيانًا طبقة التجار الناقلين وسماسرة المنتوجات، ثم تأتي طبقة مُلَّك الإقطاعيات والأقنان والتجارات، وفي موازاتها تأتي طبقة الكهنة التي تفسّر الكون، وتضبط إيقاع المواسم الشمسية والقمرية واتصالها بالمحاصيل والأعياد، فتُرغِّب الفلاحين في الطاعة، وتشجّع العسكر على التفاني في تحصيل الضرائب من أجل الملك المقدس وديانته القويمة. والملك وحاشيته من فوقهم جميعًا، على قمة الهرم، يستفيدون من الإنتاج بالجاه والسلطان. تتناقص عضوية المنطوين في هذه الصيغة الهرمية ب لارتفاع إلى قمة الهرم؛ فالفلاحون والحرفيون هم الكثرة الكاثرة في القاعدة، يليهم العساكر والتجار في الوسط، ثم النبلاء والكهنة، وهم قِلَّة القلة، ومن فوقهم الملك الواحد الذي لا شريك له في المُلك. هذا البناء الهرمي قد يتغيَّر شكله من حيث سعة

القاعدة وقدر المسافة بين القمة والقاعدة، لكن شكل الترتيب لم يتغير عبر الحضارات، وهذا ما يجعل الهرم لاجتماعي ظاهرة عابرة للحضارات، فإنْ تغير الفلاح صار عاملً صناعيًّا، أو موظف مبيعات،

وإن تحول العسكري صار شرطيًّا أو جابيًا للضرائب، والكاهن قد يتحول إلى الحزبي أو الإعلامي،

والإقطاعي يتقمَّص دور مدير الشركة، والملك يتحول إلى رئيس محدود الفترة أو ما شابه ذلك. أيًّا كان مدى نقد الفلسفات السياسية والأخلاقية لإشك لات الهرم لاجتماعي ومفاسد استغلال فائض القيمة من الكادحين، فإن وجود الهرم تاريخيًّا كان شرطًا سببيًّا لظهور الطبقة الثقافية في المجتمعات

الأولى. فلولا الهرم لاجتماعي، لما تحررت طبقة العسكر من الزراعة والرعي، فتفرغت لمهمات القتال والشوكة. ولولاه، كذلك، لما تحررت طبقة الكهنة من معول الفلاحة وعصاة الرعي ليتوافر لها الوقت للتفرغ للتعلم، بينما يؤمِّن لهم المزارعون ضروراتهم الغذائية. وبما أن الطبقة الثقافية المتخصِّصة، مهما صغر حجمها، لا تملك الوقت للتفرغ لإعالة نفسها، فقد وجب على العدد الغفير من أبناء الطبقة الدنيا أن يقوموا على إعالتها من خلال فائض الإنتاج. وحينئذ تمكّنت الطبقة الثقافية من التفرغ للكتابة

(6) Jared Diamond, Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies (New York and London: W.W. Norton & company, 1999), p. 16. (7) Ronald Wright, A Short History of Progress (New York: Carroll & Graf Publishers, 2005), pp. 81-106.

(((أوجين كامنكا، الأسس الأخلاقية للماركسية، ترجمة مجاهد عبد المنعم (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص.63–62

وتدوين قصص أقوامها، وترسيم حروفها الكتابية، وتقعيد لغاتها، وتقنين الشرائع والعقائد، ولاهتمام بحركات المواسم وبعض ظواهر الطبيعة، وتدريس هذا كله للنابهين. نفهم، إذًا، سبب بزوغ المشتغلين بالإنسانيات في العصور القديمة، بالنظر إلى احتياج الهرم لاجتماعي المعقَّد إلى خدماتهم، مع أنهم لا يشتغلون بالضروريات. ولا بد من التنبيه إلى أن أثر فائض الإنتاج في الهرم لاجتماعي شرط يمكن اختبار غيابه في جل المجتمعات الصائدة اللاقطة في أفريقيا وأستراليا في بواكير الكشوف الجغرافية الأوروبية؛ ففي تلك المجتمعات التي أدركها علماء الإنسان منذ قرنين، يشيع لاعتماد على المشافهة

والحفظ. كما تخلو لغاتهم من الكتابة وتدوين الأديان والعلوم، وهذا يفسر أميّتهم وخلوّهم من الكتب

المقدسة، فضلً عن العلوم. وما كان للتدوين أن ينمو في مجتمعات شفوية منعزلة قليلة العدد، خالية من التراتب الهرمي؛ أي ما كان للتعاليم أن تظهر في مجتمعات لا تقوى القوى المنتِجة فيها على توليد هرم تظهر فيه طبقات عليا، متفرغة لغير ضرورات الإنتاج الغذائي. الحاصل أنه على قَدر تعقُّد الهرم لاجتماعي المناسب، تتعقُد الثقافة العليا. وبالعكس، على قدر تسطُّح هذا الهرم، تختفي القدرة على إعالة المتفرغين لأمور ليست من ضرورات البقاء، كالعلوم والإنسانيات. هذا كله يدل على أن لاشتغال بالثقافة في العصور القديمة أمر يزيد أو ينقص، ويوجد أو يعدم من خلال مدى فاعلية الهرم لاجتماعي الإنتاجي كله. وما صحَّ في بواكير التاريخ عن فاعلية الهرم لاجتماعي، يظل صحيحًا في مراحل لاحقة. والحديث

عن مدينة البصرة مثلً، وهي مركز للفتوحات والتجارات في القرنين الهجريين الأولَين، يفسّر ظهور

النّحاة والمتكلمين الأوائل. لكن البصرة ليست هي ذاتها بعد الغزو المغولي؛ إذ لمّا زارها ابن

بطوطة عَجب من غياب الفصاحة، فقال: «فلما قام الخطيب به [بالمسجد] إلى الخطبة وسردها، لحَن

فيها لحنًا كثيرًا جليًّا، فعجبتُ من أمره، وذكرتُ ذلك للقاضي حجة الدين، فقال لي: إن هذا البلد لم

يبق به من يعرف شيئًا من علم النحو [...] هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو [...] لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة». والتعليل هو تدهور وظائف الهرم لاجتماعي الإنتاجية وأثره في الثقافة بعد الغزو المغولي. ولقد تفطَّن ابن خلدون لجزء من فكرة الهرم لاجتماعي، ألا وهي فكرة توزيع العمل في مثاله حول رغيف الخبز. فعلى بساطة الرغيف وديمومة الحاجة إليه على المائدة العربية، فإنه يحتاج إلى مهن متعاضدة، كالحرَّاث، فالمزارع، فالحصّاد، فالطحّان، فالخبّاز، فالبائع، حتى يصير لقمة سائغة.

هذه المهن كلها تسبق لحظة أكل تلك الأكلة البسيطة، على نحو لا يقوى الفرد على القيام به وحده عادة. فإذا كان هذا شأن الرغيف في التعاون على توزيع العمل، فما بالك بمنتوجات أعقد، كدستور لإدارة الحكومات أو مفاعل نووي؟ وهكذا، فبين الرغيف ووضع مخطط اقتصادي ينظِّم شبكة الإنتاج

(9) Ross Dunn, The Adventures of Ibn Battuta: A Muslim Traveler of the Fourteenth Century (Berkeley: University of California Press, 1989), p. 92.

1(((محمد بن بطوطة، رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق عبد الهادي التازي، مج 2 (الرباط: أكاديمية المملكة المغربية، 1997)، ص.13 (((1 عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي وافي، مج 1 (القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 9791)، ص.337

تتموضع المهن بجميع أنواعها في هرم توزيع العمل. وبناءً عليه، يُمْكن صياغة القاعدة الآتية: على

قدر تعقُّد الهرم لاجتماعي تتولد حاجات، وعلى قدر الندرة الحقيقية أو المظنونة للمهنة المُشبِعة لهذه

الحاجات، تكون قيمة المهنة، ويكون عوضها من التكريم المادي والمعنوي. وهذا تعميم يصح بشأن الهرم لاجتماعي السومري قديمًا، مرورًا بالهرم الإسلامي العباسي، إلى الهرم لاجتماعي في العصور

الحديثة. ولا يشمل هذا القانون الثروات المسروقة والمغصوبة، أو المكانة الناتجة من لاحتيال والرشوة ولاحتكارات؛ لأنها غير تعاقدية ولا تدخل في مفهوم العوض عن الأعمال. وبما أن مهنة البائع في محلات البقالة، مثلً، أمرٌ يقتدر عليه المبتدئ والمخضرم، والمتعلِّم والأمي، فإنك تجد هذه المهنة من

أكثر المهن انتشارًا وأقلها عوضًا وقيمة. وهذا على خلاف الخبرة والتعليم المطلوبين في حالة جرَّاح

الدماغ، أو مخرج الأفلام الضخمة. وتفريعًا على القاعدة المبيَّنة سابقًا، نفهم لماذا يفوز الطالب المتخصص في الطب بأعلى متوسط

الأجور عربيًّا، مقارنةً بزملائه ممن تخصصوا في علوم أخرى، وذلك لندرة الخدمة التي يقدمها الطبيب،

وشدة الطلب عليها. لكن إذا اتضحت أهمية الطبيب تُطِل إشكالية البحث مرة أخرى: كيف يجوز للقاصَّة والأساتذة والمبرمِجين المذكورين في صدر البحث أن يصيروا من أغنى الناس وأكثرهم نفوذًا؟ لا شك في أن تفسير وظيفة تلك المهن في هرمها لاجتماعي لا يزال في حاجة إلى مزيد من التعمق.

ثانيًا: معضلة تقييم المشتغلين بالثقافة في هرم توزيع العمل العربي

لاندهاش من تمكُّن الأديب والأستاذ الجامعي والمخترع، من لارتقاء السامق في السُلّم لاجتماعي

للدول المتقدمة، هو فرع من عدم إدراك الخدمة التي تُقدِّمها هذه العقول إلى لاجتماع البشري ووظيفتها

في دورة لاقتصاد العالمي؛ ذلك أن لاجتماع العربي المعاصر ألِفَ أن يكون الطبيب معالِجًا لالآلم،

وأن يكون المهندس بنَّاءً وصائنًا لضرورات الحياة من أبنية وآلات، وأن يكون المحاسِب أو مدير

الأعمال مدققًا لأرباح مستشفيات الأطباء ومصانع المهندسين، وأن يكون أبناء لاحتكاريين وسادتهم من أصحاب السلطة سقفًا عامًّا تهبط منه العطاءات والمشاريع على لاختصاصيين الثلاثة المذكورين.

هكذا توزِّع السلطة على مَن تقتنِع بوظيفته ومنتجاته حصصًا مجزية من تدفق أموال النفط والسياحة

والضريبة والمعونات الخارجية. ومَن لا وظيفة له يُهمَّش أو يطرد من السوق. ولا شك في أنه لا يمكن

المدنية الحديثة أن تقوم بغير الخدمات الجليلة للطبيب والمهندس والمحاسب. بل إنّ الحضارات القديمة نفسها ما كانت لتقوم إلا بمثل هذه المهن الضرورية. لكنْ ماذا يصنع الأديب والمؤرخ والفيلسوف في دورة لاقتصاد العربي المعاصر على التشخيص السابق، وعلى التوزيع الهرمي المذكور؟ فالمؤرخ العربي لا يقدم ما يشفي، ولا ما يؤوى إليه من الأبنية، ولا ما يؤكَل. فهل هؤلاء الممتهِنون للعلوم الإنسانية ولاجتماعية يقدِّمون المعنى والقيم؟ لكن الثقافة

التقليدية تُوكِل للشيخ مهنة تقدم معنى الوجود بعوض لا يقارَن بأعواض المهن العليا؛ فهذا الشيخ مثلً

هو الذي يؤذِّن في أذن العربي حين يولد، ويعقد عقد زواجه لمَّا يكبر، ويصلي عليه حين وفاته، حتى

لكأن دورة حياة العربي تأخذ معناها من تلاوة الشيخ عليها؛ من الصياح الأول إلى الغرغرة الأخيرة. ضمن هذا الهرم لاجتماعي إذًا، لا وظيفة منتجة لهؤلاء الممتهنين للعلوم الإنسانية ولاجتماعية والفنية في دورة لاقتصاد؛ ذلك لأنهم يقومون بمهنة ليس لها دور مادي أو معنوي. وهذا يُعلل هجرة كثير من العقول إلى بلاد متقدمة تحفل بهم، كما فعل مؤرخ الرياضيات رشدي راشد، والباحث لاجتماعي حليم بركات، وفرقة العود للثلاثي جبران. ستُجلي الأقسام المقبلة سِرّ نزف العقول ببيان منتَجات

المُعلِّم والباحث والفنان، كلّ على حدة.

ثالثًا: بيان وظيفة الاشتغال بالإنسانيات في العالم الحديث وتعليل مكانة المعلّم

لا جَرم أن العرب في مأزق كبير من جرَّاء خطة توزيع العمل والهرم لاجتماعي التي اختطُّوها لدولهم

في عصر التبعية والقُطرية. ولهذا المأزق أسباب كثيرة: أولها عدم إدراك أنّ مهن الطبابة والهندسة والإدارة المالية ولاستثمارية، التي تحظى بأعواض مرتفعة في دورة لاقتصاد العربي، ما هي إلا نتاج العقلانية العلمية التي ترسَّخت في الغرب، والتي تبحث في قوانين المادة (ذرَّةً، فجزيئًا، فخلية،

فكائنات حية، فاجتماعًا بشريًّا، فبيئةً عامة، فكونًا شاملً). ومن خلال سيرورات التوصيف والتحليل

والفرض ولاستكشاف، ف لاختبار والتنبؤ والتنظير، فالنمذجة لعالم المادة والإنسان، تتولَّد التطبيقات الطبية والهندسية والتجارية. هذه التطبيقات هي ما تتهافت عليها المستشفيات والشركات والمصارف العربية بالأعواض من دون الأصول الفكرية التي أنتجتها. ولولا العقلية الشَكّية لاختبارية المنطقية لاستكشافية، لما أمكن توليد أي علم من هذه العلوم وتطبيقاتها بتاتًا. لكن العلم الطبيعي الذي أبدع تلك التطبيقات التقانية لا يأتي من فراغ؛ فالعلوم وتقنياتها لا تبزغ وتتطور إلا في متسلسلة طويلة من الممارسات المتعاضدة. إنّ العلم لا يترعرع إلا في مجتمعات منشغلة بالقراءة، ومتخمة بالتراث المتنوع، ومُنكبّة على المكتبات، ومنخرطة في المناقشة الحرة، ومنهمكة في

التداول العمومي للأفكار، ومجتهدة إزاء التراكم المعرفي في التعليم، ومتفرِّغة للاختبار والتطوير في

المختبرات، ورابطة للخريجين بسوق العمل، ومفتخرة بالقيام على رعاية المعلِّمين والباحثين والفنانين والإغداق عليهم. هذه المتسلسلة لا يمكن أن تتم في مجتمعات تَضعُف فيها القراءة، ولا تغدق ماليًّا

على الجامعات والمختبرات، ولا تسمح بحرية التفكر ومساءلة المسلمات، ولا تدرب النشء على النقد والشك، وفوق ذلك تُحقِّر مهنة المعلمين وتنبذ الفنانين، وتَصِمُ من جاء منهم بجديد نظري بأنه «متفلسف» مخبول. وسرُّ ازدهار تلك المهارات أن «مجتمع المعرفة» هو أحد أهداف الهرم الإنتاجي

في الحداثة، إذ إن المعرفة في الحداثة منتَج؛ كالصيد في العصر الحجري، والزراعة في العصر الحديدي. وجليٌّ أن أيّ مهارة من هذه المهارات هي جوهر ما تقوم به العلوم الإنسانية. ولقد ظهر

وصف الإنسانيات Humanities على نحو مقابل للعلوم الدينية في بواكير عصر النهضة الأوروبي،

1(((يؤكد هذا ما تطلبه وزارة العمل السعودية من مهن. انظر: أحلام الزعيم، 8« تخصصات تعاني نقص الخريجين»، جريدة مكة

المكرمة، 2/201618/1، شوهد في 2018/2/6، في: http://makkahnewspaper.com/article/587441

لوصف جنس من التراث غير متولد عن الكتاب المقدس، بل عن التراث اليوناني والروماني، ثم صار يُقصَد بالعلوم الإنسانية فيما بعد ما يقابل العلوم الطبيعية والدقيقة. لكن الأوسع أن يُقصَد بالعلوم الإنسانية تاريخ الأفكار والصنائع الإنسانية جملة. هكذا تتجلى الإنسانيات في «سادوس» من الحقول الواسعة هي: اللغات وعلوم اللسانيات، والمنطق وأساليب التواصل، وصورة العالم كما تؤطرها العلوم الطبيعية، ومعطيات التراث الأدبي والديني والفني، ومهارات التفكير الفلسفي (بالمعنى النظري)، ومهارات التفكير القيمي (بالمعنى العملي)، وهو ما يوجزه الشكل.)1(الشكل (1) سادوس الإنسانيات

المصدر: من إعداد الباحث.

إن الإنسانيات هي الأدبيات التي تجعل الإنسان يتفتَّح في إنسانيته زيادةً على ما وجد عليه نفسه عند الميلاد جسدًا مغتذيًا ومتكاثرًا وفانيًا. وهذا يفسر أنّ الإنسانيات، في عصرَي النهضة والتنوير بأوروبا،

كانت شرطًا أساسيًّا لتثوير مهن الطبابة والهندسة والتجارة. ولا يخفى على أحدٍ أن جامعاتنا العربية

بها «عدد وافر من مثل هؤلاء الأشخاص الدارسين للتراث البشري والعلمي»، لكنّ كثيرًا منهم لا

يقوى على إمداد العالم بالقوانين والفرضيات المبتكرة، فضلً عن التطبيقات التقنية التي يمكن أن يُنتفَع بها. وتفسير هذا الفقر العلمي والتقني العربي أن الدُربة على العلوم الطبيعية صنعة، وأن تعلُّم الكشف والتطبيق العلمي صنعة أخرى تقع الإنسانيات في صميمها. وأي شخص يشك في هذا فليبحث: من هو مخترع الرياضيات التحليلية، أو التفاضل والتكامل، أو منطق لاستقراء، أو أسس المنطق الرياضي (أي الخطوة التمهيدية للحوسبة)؟ والجواب أن الشخصيات التي قامت بهذا الأمر هي على التوالي:

(((1 ل سااتزادة، انظر: معاذ بني عامر، «حوار مع د. أحمد زهاء الدين عبيدات: النجماتُ الستّ هي قمة الإبداع والوصول

لغايته...»، مؤمنون بلا حدود، أيار/ مايو 2014، شوهد في 2016/6/5، في: https://goo.gl/ojqRac (((1 يشرح واتسون إحياء الفنون والآداب السبعة liberal arts، في عصر النهضة الأوروبي من خلال علوم الثالوث trivium، وهي

«النحو، والبلاغة، والح جاج»، وعلوم الرابوع quadrivium، وهي «الحساب، وهندسة المكان، والفلك، ونظرية الموسيقى». انظر:

Peter Watson, Ideas: A History of Thought and Invention from Fire to Freud (New York: HarperCollins, 2005), p. 212.

(((1 أنطوان زح ناا، «العلم والسيادة: الآفاق والتوقعات في البلدان العربية، البلديات والعلم والتكنولوجيا»، المستقبل العربي، السنة 34، العدد 933 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2011)، ص.41

ديكارت، ولايبنتز، وجون ستيوارت مِل، وبرتراند رسل، وهم جميعًا فلاسفة مبرزون في الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة). على خلاف ما يظن بعض الدارسين، لا تنقطع الإنسانيات عن العلوم الطبيعية؛ ذلك أن طبيعيات كل عصر هي التي تشكِّل «صورة العالم». على سبيل المثال، كانت الإنسانيات في العصر الهليني والعصور الوسطى الإسلامية والمسيحية منخرطة في نموذج العناصر الأربعة ماديًّا (الماء، والهواء، والنار، والتراب)، ونموذج الأفلاك السبعة فلكيًّا، ونموذج الأمزجة الأربعة حيويًّا (الدم، والبلغم، والمرارة،

والسوداء). وقد كانت هذه النماذج الطبيعية خلفية صريحة لكثير من الكتابات الإنسانية. وما يصح بشأن الإنسانيات القروسطية، يصح بشأن الإنسانيات الحديثة أيضًا في اتخاذها الفكر الذرِّي التحليلي من الفيزياء، وعلم لاجتماع التطوري من البيولوجيا، وعلم النفس المعرفي من علم الحواسيب، وكلها خلفيات طبيعية صريحة. وأيقونة العناية بالإنسانيات هي المعلِّم؛ ذلك أنه هو الغارس الكدود للمهارات الستّ للإنسانيات لدى الطلبة في المدارس والجامعات طوال مدة قد تصل إلى ست عشرة سنة، يمضيها الطلبة مستنسِخين خصال معلِّميهم الحميدة، ومتصلين بأرواحهم، ومداومين على تشذيب اعوجاجهم باستقامة معلِّميهم. وتدهوُر حال المعلم هو تدهور للإنسانيات بالجملة، ولذلك هناك من يعجَب لسلسلة من المهارات

المفقودة، فيسأل: • لماذا لا يتصف المسؤولون العرب ب «الطلاقة اللغوية» في لغتهم الأولى أو الثانية، كما يتصف بذلك الغربيون واليابانيون، مثلً، في لغاتهم؟ • ولماذا تكون أمهات لاختصاصات في معظم العلوم مؤلَّفة باللغات الأجنبية في البداية، ثم يُترجَم

النزير منها إلى العربية؟ • ولماذا لا يساهم العرب، فضلً عن أن يبزُّوا غيرهم، في ابتكار المفاهيم ونحتها؛ من قبيل «العولمة»، و«التعددية الثقافية»، و« لاستدامة البيئية»؟ • ولماذا تتعجّب أنظمة الشرطة العربية من عدم استجابة الناس للتعليمات المرورية أو لانتظام

في الطوابير في الإدارات الحكومية؟ ولماذا يتعارك الشباب في الجامعات، وكذلك كبار السن في البرلمانات؟ والإجابات التقريبية عن تلك الأسئلة كالآتي: • إن الطلاقة اللغوية لا تُنتَج إلا من خلال حصيلة لغوية متراكمة ومعقَّدة، تُبنى في الصفوف، من خلال المطالعة المكثفة والمناقشة والإنصات؛ وهو أمر يحتاج إلى سنوات من تكوين الطلبة. • إن إنتاج العلوم يمر من خلال احترام الميول المعرفية للأفراد تجاه الرياضيات، أو علوم الأحياء البحرية مثلً، فيسمح للناشئة بالتخصص في هذه الحقول ليتجمع المتخرجون في جمعيات علمية؛

كي ينظموا إصدار الدوريات والمعاجم لاختصاصية التي تُتابع الجديد وتُقعِّد المُتَّفَق عليه. هذه

السيرورة يلحقها صدور للكتب الدراسية التي تضع الأطر للحقل المعني وتهيمن على السوق. • إن المفاهيم المبتكرة لا يمكن أن تنتج إلا من خلال المرور بالخطوتين السابقتين، أي التمكُّن اللغوي والتضلُّع من لاختصاصات، للوصول إلى المرحلة الثالثة؛ أي التفلسف وإبداع المفهوم ذي الجذور العميقة في الواقع، كما نجد في مفهوم «السلوك التطوري للإنسان». • إن الطلبة يكتسبون مهارات التعايش البسيطة وقيم الإخاء مع الأقران والكبار والجنس الآخر، من خلال لانضباط في الصفوف واستخدام الحمّامات، وفي طوابير الأنشطة المدرسية الرياضية

والغذائية والفنية، ومن خلال احترام الجنسين بعضهم بعضًا، خلال التعبير عن آرائهم والدخول في المناظرات والأنشطة؛ لتنغرس فيهم معاني اللطف ومهارات التواصل الإنساني. وهكذا يتربى النشء ب لارتياض على مهارات الطلاقة لغةً، و لاختصاص علومًا، و لابتكار مفهومًا، والآدمية

سلوكًا، حتى لكأنه لا يعرف غير هذه الشريعة الآدمية ولا يستسيغ إلّ إيّاها. والشرطة لا يمكن

أن تعلِّم الناس هذه المهارات التعايشية في الشوارع والبرلمانات إن لم يتربوا عليها صغارًا على

أيادي المعلمين. إنّ إضعاف المعلِّم يفضي إلى إهدار إنسانية الإنسان ومحو ذاكرته الحضارية،

وأيَّما مجتمع يهمِّش المعلِّم، فلا يلومنَّ إلا نفسه؛ ذلك أنه يربي أطفاله على قيم العَياء بدلً من

الإبانة اللغوية، والجهل بدلً من لاستنارة، والتقليد بدلً من لابتكار، والتوحش بدلً من حُسن

الخُلق.

رابعًا: بيان وظيفة الاشتغال بالاجتماعيات في العالم الحديث وتعليل مكانة الباحث الاجتماعي

مثلما كانت العلوم الطبيعية وتطبيقاتها مشروطة بتطوُّر مباحث الإنسانيات ومؤسساتها، تتلاقح

الإنسانيات بتطور العلوم لاجتماعية؛ فالأفكار حول مساءلة تنظيم المجتمع وإعادة تشكيله خطرة جدًا، قد تفضي إلى السجن والتصفية في سياقات كثيرة. نعم، فمن ذا الذي كان ينطق بالتسوية بين البيض والسود في أميركا في بواكير القرن التاسع عشر؟ ومن ذا الذي يُمكّن المرأة من المهن السياسية، فضلً عن أن تكون رئيسة ل «مجلس المبعوثان» في الدولة العثمانية؟ ومن ذاك الذي يقول بالمساواة ما بين الهندوسي والمسلم واللاأدري في القضاء والتشريع في باكستان؟ ومن ذا الذي يسائل نظام الأسد في سورية عن نفطها المتدفق طوال أربعة عقود؟ مثل هذه التساؤلات عن وضعية الأعراق والقوميات، والمساواة بين الجنسين، والحراك بين الطبقات والمناصب، والتعايش بين الأديان والطوائف، واحتكار الثروات والسلطات، كلها أسئلة تُمهّد لها الإنسانيات، لكن لاجتماعيات تتخصص في دراستها، بل في تغييرها. العلوم لاجتماعية تتخصَّص

1(((هذه الإشك لات هي مما يفصِّل فيها الباحث التنموي إبراهيم غرايبة. انظر: إبراهيم غرايبة، شارع الأردن: رؤية لإص حاا

والتنمية في الأردن (عمّان: الغد، 2011).

في المقارنة بين الشعوب، وتتبُّعها عبر الأزمان، وكشف الخطاب السلطوي والقيمي المتخفي خلف

مزاعم التفوق الكاذبة. ومن يشُك في فاعلية علم لاجتماع فليبحث في مَن يكون المُنظِّرون «للفصل بين السلطات» في

الدولة، «والمساواة بين الطبقات»، وفتح «الحريات البحثية»، وفكرة «تدخُّل الدولة» الحذِر في السوق ومنع الكساد بفرض الضرائب على الأغنياء وتوزيعها من خلال المشاريع التنموية؟ والحق أن القامات الفكرية التي قدَّمت الجواب هي على التوالي: مونتيسكيو، وماركس، وديوي، وكينز، وجميعُهم من

مؤسسي العلوم لاجتماعية؛ ما يستدعي شرح منتجاتِهم في الهرم الإنتاجي. قد يتبادر إلى الذهن أن العلوم لاجتماعية هي المباحث التي تدرُس الصراعات الثلاثة على المعرفة والثروة والسلطة، ومن ثمّ فهي العلوم الدارسة لظواهر الثقافة ولاقتصاد والسياسة. هكذا يكون العنصر الأول، أي الظاهرة الثقافية، ترحيلً لكامل العناصر الستة من العلوم الإنسانية، وضربًا لها في جملة العلاقات مع علوم لاقتصاد والسياسة ضمن السياق التاريخي. وهذا اختصار مقبول، لكن ينبغي طرح تصوُّر أعمق، من الناحية التحليلية، لترابط الثقافة بالثروة والسلطة ضمن وحدات تحليلية أصغر. إن العلوم لاجتماعية، في صياغة مقترحة وبديلة، تدرس بنية المجتمع من خلال روابط التجمع، أو أسس لاقتران، أو حوامل الهوية الجامعة وفعالياتها. وهذا اقتراح مستلهَم من غِدنز ورشر. ويعيد هذا النموذج تأطير النقاش بين مقترحات المؤسسين، أي ماركس وفيبر ودوركهايم، والمقترحات الجزئية الأقل شهرة. وكما هو معلوم، ركَّز ماركس على صراع الطبقات والهيمنة على مصادر الإنتاج، بينما أبرز فيبر العقلانية الفردية داخل المؤسسات، وأكَّد دوركهايم التعاون الحاصل في المجتمع ممثلً باقتسام العمل. وجليٌّ أن كل هذه المقترحات عناصر ذات فعل يزيد أو ينقص في سياقات متباينة.

لكن ماذا عن صراع القوميات؟ وكيف نحلل الصدوع الطولية التي تخترق جميع المجتمعات من خلال التفاوت بين الجنسين أو بين الأجيال؟ إنّ خلط نظريات هؤلاء لاجتماعيين الكبار لن يفيد، لوجود مساحة خالية من التعليل، كما ينبه الفيلسوف بنغه. ولذلك، فالنموذج الآتي يعرض تصورًا أدقّ، يظهر في تشكّل المجتمع من خلال حوامل الهوية التي تسهِّل تكتُّل البشر، أو قُل روابط لاجتماع بين الأفراد؛ بحيث يحاول هذا النموذج مسح رقعة الشطرنج الكبرى لاحتم لات الصراع أو الحياد

1(((حول ميلاد هذه العلوم، انظر: إيمانويل وولرستين، تحليل النظم الدولية (الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات، والدار العربية للعلوم ناشرون، 2015)، ص.22–19 (((1  أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص 252، 164–163، 253، 1(((استلهمتُ هذا التشخيص من صيغة أصغر أوْرَدها رشر حين قال إن موضوعات فلسفة الكائن الإنساني تتحدد بما هو مكتوب

على بطاقة هويتة أي « لاسم والعمر والجنس والجنسية والدين والمهنة». انظر:

Nicholas Rescher, Human Interests (Stanford: Stanford University Press: 1990), p. 2.

(2((أنطوني جيدنز، الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة، ترجمة أديب شيش (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2008)، ص.442

(21) Mario Bunge, Social Science under Debate (Toronto: University of Toronto Press, 1998), p. 66.

أو التعاون لاجتماعي. عندئذ تتضح وظيفة الباحث لاجتماعي في الهرم لاجتماعي، وينجلي سر تهميشه عربيًّا. يمكن حصر حوامل الهوية في عشرة حوامل، تظهر بدءًا من العلامات الأكثر بروزًا للعين، والأعسر

تغييرًا على الإنسان، وانتهاءً بالأكثر خفاءً والأسهل تغييرًا. ويشرح بعض الباحثين مظاهر الهوية بأنها

أول ما يُرى من الإنسان، فيُعرف لونه، سوادًا أو بياضًا، عن بُعد نحو كيلومتر من دون سنِّه، فإذا

اقترب بانت سنه من حجمه؛ طفولةً أو رشدًا، فإذا ازداد اقترابًا بانت معالم جسده وعُرف جنسه؛ ذكرًا

أو أنثى، فإذا اقترب بقدر أكثر بانت هويته الشخصية فعُرِف إن كان من الأقارب أو الأغراب، فإذا تحرَّك

عن قرب بانت قدراته الجسدية من حصول اقتدار أو إعاقة، فإذا تكلم عُرِفت لغته وقوميته، وإذا استرسل ظهرت اختياراته الأيديولوجية، وإذا عُرِفت طبيعة معاشه عُرِف مستواه الطبقي، وإذا حصل السؤال عن مهاراته عُرِفت مهنته من عدمها، حتى إذا طالت العِشرة ظهرت سماتُ شخصيته؛ لطفًا أو وجومًا أو عدوانيةً. وأهمية حوامل الهوية هذه أن لاجتماع البشري، باعتباره تجمعًا بين فرد وفرد فأكثر، هو محاولة لاستكشاف الخصائص الجامعة التي تُمكِّن من لاقتران وتبادل المنافع وتجنب الخسائر. ولا يمكن لاقتران بين الأفراد إلا بالتعرُّف إلى حوامل الهوية التي تكوِّن جماعات، فمجتمعات، فشعوبًا كبرى؛

وهي، على التمثيل، جملة من الدوائر المتقاطعة، أو التي يحوي بعضها بعضًا، ابتداءً بدائرة القرابة، ثم

العِرق، فالجيل، فالجنوسة، فمدى القدرة الجسمية، فالقومية، فالأيديولوجيا، فالطبقة، فالمهنة، انتهاءً

بالشخصية. وكل إنسان منخرط في مجتمع كبير يكون حاملً لمعظم هذه الهويات، ومتنقلً بين نطاقاتها. وهكذا يتم التحرك من دائرة أضيق إلى أخرى أكبر منها تحتويها تقريبًا، وصولً إلى الدائرة العاشرة التي تحوي

الدوائر كلها. فالتجمع على أساس القرابة مقدَّم على العِرق الواسع، والتماثل العرقي ربما يكون مقدَّمًا على التقارب الجيلي، والتقارب في الجيل يُقدَّم غالبًا على التشابه في الجنس (إذ يأنس المُسِنُّ

بالحديث إلى المُسِنَّة ويعزف عن الولد الصغير على الرغم من أنه يشبهه جنسًا)، والتقارب الصحي الجسدي يفتح التشارك في عموم الأنشطة (وإلا يُحرَم العاجز عنها من ممارستها)، والتجاذب في

الجنس مقدَّم على لاختلاف في اللغة أحيانًا (قد ينجذب الفتى إلى الفتاة وإن عَسُر التواصل اللغوي بينهما)، والتقارب اللغوي قد يهوِّن من لاختلاف الأيديولوجي؛ لكثرة المشترَكات بين أبناء اللسان

الواحد وإن تفاوتوا فكريًّا، ولاختلاف الأيديولوجي قد يُقدَّم على التفاوت الطبقي (قد يتعاون المتديِّن الفقير مع المتديِّن الغني، وإن تفاوتا في الثروة). وعلى العكس، قد يعطي التشابه في المنصب أو

المهنة، كما بين عالِمَي رياضيات هندي وصيني، أولويةً على التفاوت الأيديولوجي، وهكذا إلى أن

نصل إلى آخر أسس التجمع بين الأفراد، وهو التشابه في الشخصية التي قد تفضي إلى المصادقة،

(22) Peter Reuell, «What’s in a Face?» Harvard Gazette , 11/10/2013, accessed on 5/6/2016, at: https://goo.gl/bNv7FB

(2((بشأن صلة اللغة بالقومية، انظر: إيرنست غيلنر، الأمم والقومية، ترجمة مجيد الراضي (دمشق: دار المدى، 9991)، ص.63–62

لا أكثر. وليست هذه الحوامل محدودة بعشرة، بل يجوز أن يضاف إليها، لكن هذه الحوامل العشرة، في هذا النموذج، أكثرها شمولً للتجمعات البشرية. تخوض حوامل الهوية لاجتماعية تلك، ثلاثة احتم لات من الصراع والحياد والتعاون على الثروات والسلطات والثقافيات. فإذا ضربنا الحوامل العشرة بفعاليات الثروات والسلطات والثقافيات، باحتم لات الصراع والحياد والتعاون، فإننا نصل إلى تسعين احتمالً من احتم لات لاقتران. وبناء عليه، يمتاز هذا النموذج بالمزج بين الثبات والحركية معًا، فهو ثابت من جهة تحديد حوامل صلبة يقترن الأفراد على أساسها؛ حيث يُشكِّل الأفراد عائلات قرابية، وتجمُّعات عرقية، ومعارف جيلية، وفضاءات متطابقة الجنوسة أو متجاذبة لغايات جنسية، وأندية من القدرة أو الإعاقة، ودولً قومية، ومذاهب أيديولوجية، ونقابات حرفية، وطبقات من الثروة والنفوذ، وصداقات وأندية يمليها التقارب الشخصي. وفي الوقت ذاته، تكون إمكانات لاقتران بناءً على هذه التكتلات المضروبة بغاياتها من

الثروة والسلطة والثقافة، والمضروبة باحتم لات التعاون والحياد والتصارع، نوعًا من التكوثر والحركية والسيلان الذي يعسر تحديده أو تجميده على حال. لذلك، يَحُل هذا النموذج كثيرًا من الإشك لات

الناقصة في النماذج الباكرة لعلم لاجتماع الكلاسيكي، ولكنه لا يدَّعي الحتمية والجواب عن جميع احتم لات السلوك لاجتماعي؛ ذلك أن التفصيلات التسعين متروكة للدراسة التجريبية لكل حالة مخصوصة في زمانها ومكانها. ضمن هذه لاحتم لات المتنوعة تشتغل حوامل الهوية وتحولّاتها، وهذا ما أمثِّله هنا في إيجازٍ: قد

تكون سيدة عربيةٌ سوداء راشدةٌ متعلمةٌ للغة أجنبية، ومتحزبة في حركة نسوية، ومنحدرة من طبقة عاملة، ومحترفة مهنة المحاماة وذات شخصية مرحة، في حالة «تصادم في المكانة، وتعاون اقتصادي، وحياد سياسي» في الآن ذاته مع شاميّ أشقر، وحيد اللغة، ومتحزب في حركة سلفية محافظة، ومنحدر

من طبقة مُلَّك الأراضي، ومحترف لمهنة تحقيق كتب التراث، وذي شخصية جافة، لكنه يقصد تلك المحامية في بلد خليجي لتخليصه من مخالفة سرعة مرورية. ولك أن تتأمل جملة لاحتم لات الكثيرة التي تقع في رقعة الشطرنج للاحتم لات التسعين. هذه لاحتم لات المتكاثرة تبيِّن السبب

الذي لا يجعل الطرح الماركسي للطبقات كافيًا لتفسير تفجُّر النزعات والتحوُلّات العِرقية والقومية

والدينية والجنوسية والفردية وسواها. هذا العجز في النظرية الماركسية دفع مفكرين في الفلسفات «ما بعد الحداثية» إلى ردَّة فعل معاكسة والقول بأسطورية العِرق، وخرافة القومية، وأن الجنوسة اختلاق مجتمعي. لكن حلّ هذا العجز التعليلي ليس القول بمركزية صراع الطبقات ولا لانحياز المطلق إلى العناصر الفردية والثقافية، بل الأصوب أننا لا نتحدث عن فاعلية حاسمة لهرم واحد هو الطبقة، بل فعاليات عشرة أهرامات متفاوتة الأحجام والقوة، يختص كل هرم منها بصيغة ما للتجمع البشري؛ فتتداخل كلها في الزمان والمكان المعيَّنين لإحداث السببية لاجتماعية، وقلّما نلحظها لشدة تشابكها

وخفاء عناصرها. ففي سياق الوظائف الدينية يكون قول المفتي أدعى للاعتناق من قول الحكومة، وفي حالة جمال الوجه وكمال الجسد يكون هذا أوقع في السياق الجنسي من المكانة الطبقية. والشكل (2) يوضح حالةً من تنافس عدد من الأهرامات لاجتماعية لحوامل الهوية على السببية لاجتماعية، لكن

بتفاوتها في الحجم تتفاوت في التنوع والفاعلية. وفي النهاية، إن حصيلة الصراع والحياد والتعاون بين حوامل الهوية هي التي تُنتِج تفاصيل الهرم المندمج على أرض الواقع. الشكل (2) تنافس الأهرامات الاجتماعية لحوامل الهوية على السببية الاجتماعية

المصدر: من إعداد الباحث.

إن المجتمع من دون تحليل حوامل الهوية يظل كتلة صماء لعددٍ سُكَّاني يَعسر فهمه. ومن دون تفهُّم

تجمّعات الهوية لا يمكننا أن ندرك أن الأفراد لا ينأسرون في تجمّعات الهوية حتمًا، بل هم ح لات من

التحوّل والتقبّل والتعاون. فالشاب يتحول إلى الشيخوخة، والذكورة لا تنضج إلا بتقبّل الأنوثة، ورفيع

المكانة لا ينجح إلا بالتعاون مع البسطاء، وهكذا. الحاصل أن العلوم لاجتماعية تدرس جميع هذه الفعاليات المتكوثرة؛ بزوغًا، وتحوُّلً، واختفاءً.

ومَن قَوِيَ على طرح سؤال الهويات وأنماط التجمع صار قادرًا على مساءَلة الحاكم: كيف حكَم؟

ولماذا ملَك؟ فما مشروعية انقلابه، ودرجة صلاحية حزبه، ونُبل قبيلته المالكة، وصحة مزاعمه

العقدية، ودوام تبعيته للمستعمِر؟ أسئلة علم لاجتماع هي أسئلة عن البنى العميقة للسلطة والثروة والمكانة كما تُشكِّلها أسس الهوية العشرة. ومقاومة فتح النقاش حول حوامل الهوية وتطبيقاتها هي السر في ضعف العلوم لاجتماعية في العالم العربي وهامشية الدارسين لها. فدراسة دائرة القرابة تفضح أنظمة التعيينات وارتكازها على المحاباة والمحسوبية بدلً من الكفاءة. ودراسة العرق تعرِّي مزاعم التفوق العرقي لبعض الجماعات، نظرًا إلى تساوي المتوسط الحسابي للذكاء والكد

لجميع الأعراق بتوافر التنشئة والفرص المتكافئة. وفقه طبيعة الأجيال يمنع استعبادَ الكبار للصغار وتهميشَ الأقوياء للعجزة ويمنع الحؤولَ دون أخذ حيزهم المناسب. وتعقُّل الجنوسة يُزيل ميراث

التعالي الذكوري ويُعِين على تفجير طاقات المرأة التي ما فتئت الحداثة تبهرنا بما يمكن المرأة إنجازه فيها. ومسح مدى القدرة الجسمية للسكان يفضي إلى احترام المعوقين واستدماجهم في عجلة الإنتاج. وتفهُّم القومية يَحُد من دعاوى التعالي ويحفز على التعاون مع قوميات

الآخرين. وفقه الأيديولوجيا يضعها على مِحَك لاختبار؛ ومن ثمّ لا تعود مزاعم مطلقة يؤمن بها

((2(تقع الدول العربية في ذيل الترتيب بين الرتبتين 911 و 144 على «المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين»، انظر:

World Economic Forum, Global Gender Gap Report 2016 , accessed on 5/6/2016, at: https://goo.gl/3b4CXM

(2((انظر مسحًا كَمِّيًا، في: اللجنة لاقتصادية ولاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) وجامعة الدول العربية، الإعاقة في المنطقة

العربية: لمحة عامة (بيروت: 2014)، ص 01، شوهد في 2018/2/6، في: https://goo.gl/RxpTjD

أصحابها فلا يقبلون لها مناقشة. ودراسة الطبقة تُعرِّي احتكار الثروات وسوء توزيعها، فضلً عن

عُسر الحراك لاجتماعي من أسفل الهرم إلى أعلاه، والعكس. ومسح أنواع المِهَن يَمُد بمعلومات

متعلقة بالمناصب التي تقاوم التكيُّف، وتلك التي تسجن الحراك لاجتماعي بأعراف خاصة بها،

بدلً من تقديم المنافع العامة. والتحليل العام للشخصية يدفع المرء إلى اكتشاف آفاتِ نفسيّته، وإلى

ضرورة التريُّض على سلوكات يفتقر إليها. وجليٌّ أن لكل حامل من حوامل الهوية فئة مستفيدة من

الوضع القائم تمانع من فتح النقاش العلمي. أو قُل إنّ لانتشار الكبير للقبلية، والعنصرية، والأبوية، والذكورية، وأولوية الكمال الصحي والجسدي، و لاستعلاء القومي، والتعصب العقيدي، والتكبُّر

الطبقي، والتكتُّل الحرفي المغلق، و لانغلاق الشخصي، كلها عوائق تمنع الباحث لاجتماعي من تقديم منتجاته الإصلاحية للجماعات العربية. وفي سياق الجهل بالعلوم لاجتماعية ومركزية اشتغالها بافتضاح التجمُّد القيمي والرهاب من تغيير

الأدوار الثروية والسلطوية، لا غرابة أن يشدد كثير من الآباء العرب على نصح بَنِيهم بالحذر من الخوض

في السياسة. وهكذا تصير رذيلة امتناع المواطنين عن المساهمة في إدارة الشأن العام والعلوم لاجتماعية عُرفًا مقبولً. وبدلً من أن يشارك الجميع في رسم سياسات النظام الضريبي والتعليم والصحة، تُسنَد هذه المهمات المعقدة كلها إلى رهط صغير، أو إلى حاكم متفرِّد يُضل الجميع بضيق أفقه وتعسُّفه في

احتكار القرار. وهذه الإشك لات، من دون شك، تعبير عن مقدار التنمية لاجتماعية التي أنجزها العالم العربي؛ إذ إن قدرة المجتمع بأسره على إنصاف كل حامل من حوامل الهوية هي التي تحدد مقدار التقدم والتحديث الذي حققه ذلك المجتمع. وسرُّ إنصاف الهويات في الهرم لاجتماعي للحداثة أنه

هرم مُنصِف لحراك التجمعات الصغرى فيه. إن أيقونة العناية ب لاجتماعيات تظهر في الباحث لاجتماعي؛ ذلك أنه المُبلِّغ لمستجد المعطيات عن

آثار علاقة لاستهلاك المديني بالتغير المناخي، والشارح لآثار لانفجار السكاني، والمدافع عن حقوق الأطفال في اختيار أنماط متعددة من التعليم. وأقصد بالباحث لاجتماعي ذلك المُشتغل بالتنقيب

الموضوعي عن التجمعات البشرية ضمن جميع حوامل الهوية العشرة، سواء أكان صحافيًّا أم أستاذًا

جامعيًّا أم موظفًا في مؤسسة بحثية. ولا غرابة أن تجد الدول النفطية العربية جَزِعة من هبوط أسعار

النفط، مع أن لاجتماعيين لا يكفُّون عن التنبيه إلى اقتراب نضوبه. كما تجد مصر قلقة من تناقص الأراضي الزراعية، مع أن دارسي الجغرافيا السكانية متفطنون لهذه الأوضاع. إنّ تهميش الباحث لاجتماعي عمليةُ استغناء عمَّن يُرجَع إليهم في فقه حوامل الهويات لاجتماعية؛

فالأمراء لا يختصون بعلوم البيئة، والعسكر جاهلون بالأوضاع الصحية، والباحثون لاجتماعيون هم المتخصصون بهذه الأمور. ولا يمكن الدول العربية أن تتقدم ب لاقتصار على توظيف حشود من الأطباء والمهندسين والمحاسبين، على أهميتهم، بل يجب أن يكون بقدر هؤلاء أو أكثر عدد من الباحثين المموَّلين في جميع الفروع لاجتماعية، بحيث يجلسون مع أصحاب القرار على الطاولة ذاتها ليصفوا

لهم العلاج كما يشخِّص الطبيب العلاج، ويُجري المهندس عملية التصميم، ويخطط المدير المالي

النفقات. والبديل من ذلك هو ترك حوامل الهوية العشرة من دون دراسة ولا إصلاح تطبيقي، وهو ما

يجعل المجتمع في حالة نمو خَفِي وعشوائي تفضي إلى صدامات كثيرة مما نراه في الحروب الأهلية العربية اليوم. على الضد من تلك الحال، لا عجب كيف تكون للإنسانيات ولاجتماعيات وظيفة أساسية في دورة الإنتاج وسوق الأفكار في الدول المتقدمة، وهو ما يتضح من التقارب من حيث الأعواض بين أساتذة الإنسانيات ولاجتماعيات وأساتذة العلوم الطبيعية والتقنية في الجامعات الأميركية مثلً. وفي هذه الحالة، يقع متوسط رواتب الأستاذ المساعد المستجد في المعدلات الآتية: أستاذ التاريخ 75 ألف دولار؛ أستاذ دراسات الجنوسة والأعراق والثقافات 62 ألفًا؛ أستاذ الأحياء 63 ألفًا؛ أستاذ علوم الحاسوب 83 ألفًا. وبحسب هذه الإحصائية، يكون متوسط رواتب الأستاذ المستجد في جميع التخصصات 69 ألفًا، وهو قريب من متوسط رواتب أساتذة الإنسانيات ولاجتماعيات. وهكذا، فإن الشعوب الحداثية القارئة النهمة متعطشة لمساءَلة التفاوت العرقي – القومي، والتفوق الذكوري، والنبل

الطبقي، والنجاة الدينية، ولاحتكار لاقتصادي، والهيمنة السياسية. وهنا يجيء دور الدارسين لحوامل الهوية العشرة. هذا الدور لا يكتمل بغير سد حاجات مجتمع المعرفة من منتجات الإنسانيين؛ من معلمي قواعد اللغة لتجلية المعنى، ومُدرِّسي المنطق لضبط لاستداللت، وأساتذة اللغات للاقتدار

على مطالعة مؤلفات الآخرين، ومعلمي التاريخ لدراسة ذاكرة البشرية، وأساتذة القيم لتفتيح الأذهان على الخيارات الخلقية المتاحة، والمُنَظِّرين الفلسفيّين الذين يؤلّفون بين كل ما سبق في نماذج كبرى

ترتّب فوضى التصوّرات.

خامسًا: منزلة الفنون بين الإنسانيات والاجتماعيات وبيان مهنة الفنان

ربما يتساءل بعضهم: ما صلة الفنان، أديبًا ورسامًا وموسيقارًا وممثلً، بمجالَي الإنسانيات ولاجتماعيات؟

وأين تتموضع تلك المهن في الهرم الإنتاجي؟ والجواب كالآتي: إن المجتمعات التي خرجت عن القصة الأسطورية الساذجة، أو السردية الطائفية المحروسة بحراس

التفسير الأحادي، أو الملحمة الحزبية الملفَّقة، لم يعد يكفي خيالها دوام لاجترار لقصة واحدة دُحِضت بدايتها، ونُقضت حبكتها، وارتيب في نهايتها. لذلك أصبحت هذه المجتمعات في جوع شديد للمعنى، تروم إعادة تفسير السردية الكونية للُغز الكون ولاجتماع والمعاش الفردي. وهذا المفهوم الأخير، أي المعاش، ينبوع دافق للسرديات؛ فلم تعد القصص المكتوبة والرسوم والمسرحيات والأفلام حكرًا على

سرد البطل الأسطوري ومشاحنات الأرستقراطيين، بل صارت المرأة تطلب قصصًا عن معاشها النسوي

مهندسةً ومديرةً، وغدا الولد تسترعيه قصص تستجيب لاهتماماته العمرية. أمّا المتعلمون، فحدِّث عن

سرديات تسترعي اهتمامهم بالخيال العلمي ولاختلاقات الطوباوية. كل إنسان منخرط في حوامل

(26) «Tenured/Tenure-Track Faculty Salaries, 2015-16,» accessed on 5/6/2016, at: https://goo.gl/cCHBPP

((2(يشذّ أستاذ الأعمال التجارية والمصرفية براتب أعلى من المعدل، أي 0 11 آلاف للمستجد، لكنه لا يُفل ح في إزاحة متوسط

الرواتب بعيدًا عما يحصل عليه أساتذة العلوم الإنسانية ولاجتماعية الطبيعية من أعواض لأنهم الكثرة الكاثرة.

الهوية يطلب من الفنون أن تمتع واحدًا أو أكثر من هوياته تلك، فيتعاطف مستلذًّا بأشعار وقصص عن الأقران والأغيار. وصنعة الأديب من عالم الفنون تقدم إشباعًا لهذه الحاجات وإمتاعًا لهذه الرغبات في سوق الإبداع. كما بزغت الحاجة إلى إنتاج الأدب واستهلاكه، فإن صنعة اختلاق العوالم السمعية البصرية (رسمًا، وتمثيلً، وتأثيرًا صوتيًّا، وصناعةً للأفلام) قد صارت أداة الأديب في تجسيد هذه العوالم السردية بكل

مقاصدها الفنية المتقابلة؛ أي بجمالها وقبحها، وبغوايتها ورعبها، وبهزليتها ومأساويتها، وخياليتها وصدقها العلمي. وهكذا حدث تمازج عجيب بين مهنة السرد ومهنة التصوير، لأن السرد التصويري من خلال الأفلام صار حالةً من ح لات خلق العوالم التفصيلية، وطريقةً للهروب من سأم العالم القائم وإشك لاته لإنتاج عالم بديل أكثر مطابقةً لطموحات الإنسان وخي لاته المُثلى. وضمن هذه الورشة الضخمة، صارت الحاجة إلى توزيع العمل بإيجاد أصناف من الفنانين الأخص فالأخص (مثل القائمين على الأداء والتمثيل والتزيين والعزف) أمرًا لا بد منه. وبناءُ العوالم السردية، كتابةً أو تصويرًا فلميًّا، مزروع في استلهام العلوم لاجتماعية وتنويعاتها التاريخية من أعراق وجنوسة وطبقات

ومعتقدات. ولا شك في أن العالم العربي تنتعش فيه نسبيًّا سوق الغناء والموسيقى والمسلسلات،

والأفلام على نحوٍ أقل. لكن لا تزال هذه الصناعة تُركِّز على جوانب راقصة أو شبقية لا تُشبع الجوع لمعنى الوجود، وهو ما يجعلها محدودة الجمهور، وعليها استشك لات التحريم الديني والتسفيه، لما فيها من إعراض عن تقديم القيم المبتكرة لجمهورها. ولذلك، تجد كثيرًا من الجيل العربي الجديد منبهرًا بالأفلام الأجنبية؛ لما فيها من جمال وقيم بديعة. في سياق تفجُّر الأفكار الإنسانية وتزاحُم الهويات لاجتماعية والأعمال الفنية، فإن مسلكًا واحدًا يجمع هذه المباحث؛ ألا وهو الخيال. فمن دون الخيال لا تبزغ الأفكار الإنسية، ولا تُثار شكوك البحث لاجتماعي والطبيعي ولا نماذجهما النظرية. ومن ثمّ يصير الخيال، بجمالياته ورمزياته وعوالمه العجائبية، تمرينًا ضروريًّا لتعميق إنسانية الإنسان وانطلاق فكره في الآفاق. وهذا أمر متصل «بثورة الحقوق» وأثر الأدب والسيرة في توسيع خيال القارئ؛ وذلك بتمكينه من وضع نفسه في موضع معاناة الآخرين أو أفراحهم، ومن ثم تفهّم اختلافهم عنه. إن الهرم لاجتماعي الحداثي هرم لمجتمع ترفيهي، وذلك سر تعطُّشه لمنتجات الفنان. ومن المثير للانتباه أنّ الشعوب التي تتربع على إنتاج الروايات والفنون هي التي تتربع على استهلاكها أيضًا. وتعليل الظاهرة أنها مجتمعات قامت بإنضاج الروح الإنسية فيها، مُنتِجة فائضًا من الوقت للاستمتاع بالفنون، على خلاف الكادحين من أهل الفاقة. وبما أنها مترعة بالتعلُّم والقراءة، فهي تعزز قدرتها على إنتاج الخيال واستهلاكه. وبغياب الخصوبة الإنسية المنتِجة للجماليات وحصول القمع للهويات المتفنِّنة في معاشها تضمر وظيفة الفن في الهرم لاجتماعي ومعها الوظيفة الإنتاجية للفنان.

(28) Steven Pinker, The Better Angels of Our Nature: A History of Violence and Humanity (New York: Penguin Books, 2012), pp. 378-481.

سادسًا: العلاقات التكاملية بين الإنسانيات والاجتماعيات والفنون وانعكاسات غيابها على المتطرفين وسوق العمل وسيرورة التحديث

إن التأمل في ثالوث المعلِّم والباحث والفنان يحلُّ إشكالً سال فيه حبر كثير يسأل عن ماهية «المثقف». والحق أن المثقف، وإن كان قائدًا حزبيًّا أو داعيةً دينيًّا أو متمردًا شعريًّا، لا يخرج عن أن

يكون متفرعًا (أو متحولً) من حرفة المعلم أو الباحث لاجتماعي أو الفنان؛ ذلك أن شغله الثقافي فلاحة واستثمار في أرضية العلوم الإنسانية والمطالب لاجتماعية والفنون. أو قُل إنّ المثقف هو دارس لأركان الإنسانيات الستة، وحوامل الهوية العشرة، وتمظهراتها في الفنون الأدبية والحسية. وعلى قدر انزراع المثقف في هذه الأرضية تزداد فلاحته ثمرًا ويمتد تأثيره، وعلى قدر انفصاله عنها تزداد هامشيته. إنّ موضوعات المهن الثلاثة للمعلِّم والباحث والفنان هي، تقريبًا، الأفكار ومطالب الإنصاف والفنون.

وعلى خلاف الفهم الذي ينفِّر من «التوجُّه التجاري» وعملية تسليع المهن، فالصواب أنه ما من

نشاط اجتماعي يخرج عن التموضع داخل الهرم لاجتماعي الإنتاجي. إنّ منتجات هذه الحِرَف تعرض

المهارات اللغوية والمنطقية والفلسفية والقيمية ومُدارَسة التراث العلمي والإنسي؛ ما يفسح لإنصاف حوامل الهوية العشرة، وتحقيق الإبداع الفني. ولذا لا تكون مهن هذا الثالوث صنعة تُشبِع سوق الضرورات الأوَّلية للمجتمع، كما تفعل الطبابة والهندسة والتجاريات، بل إنها تُشبِع حاجات زائدة على البقاء الحيوي والمعاش الضروري، لكنها لازمة لمجتمع المعرفة والترفيه وحراك الهويات. والإنسان المعاصر للمجتمع الحديث، الذي لا يتعطش لحكمة الشعوب، ولا يتضوَّر لفك أسرار الطبيعة، ولا

تنقدح في ذهنه الشكوك ولانتقادات، العاجز عن الشعر والسرد والتفنن، والمناقشة والتحليل والتخيل، والنمذجة والتفلسف، لا يكون عضوًا فاعلً في مجتمع المعرفة والترفيه وحراك الهويات. وفي سياق تجفيف واحة الإنسانيات ولاجتماعيات والفنون، لا غرابة أن تجد التطرُّف في العالم

العربي، بوجهَيه الحكومي أو الشعبي، لا يأتي في الغالب إلا من خارج مج لات المعلِّم والباحث والفنان؛ فجُل الطواغيت العرب هم من خريجي المؤسسات العسكرية أو القَبلية التي تمنع التعددية،

وتعيب لاعتراف بالأخطاء، فضلً عن إيجابها دوام السمع والطاعة. أما متطرِّفو العرب من خارج

الحكومات، فتجد بعضهم من كليات الطبابة (مثل أيمن الظواهري)، أو من كليات الهندسة (مثل خالد شيخ محمد). وفي هذه الح لات، لا يفتقد المتطرفون نباهة العقل؛ نظرًا إلى تفوُّقهم في الجامعات،

كما أنهم ليسوا بعيدين عن بعض منجزات الحداثة؛ لأنها من صميم اختصاصاتهم التقنية. لكنَّ كشف اللغز عن جانب من تطرُّفهم يتمثل في افتقاد هؤلاء السالكين في طريق العنف لدربة روحية من مثلث

الأفكار والمطالب والفنون تُعِين أرواحهم على التبصُّر بتعقُّد الواقع. إنّ جهل المتطرفين بالإنسانيات

(2((سمير إبراهيم حسن، «العلوم الإنسانية ودور الجامعة: ربط الجامعة بالسوق أم ربط الجامعة بالمجتمع؟»، مجلة شؤون

اجتماعية، العدد  051 (ربيع 2010)، ص.16–15

(30) Diego Gambetta et al., «Why are there so Many Engineers among Islamic Radicals?» European Journal of Sociology , vol. 50, no. 2 (August 2009), pp. 201-230.

ولاجتماعيات والفنون حرمهم من تفهُّم تاريخانية الأحكام الشرعية ومقاصدها، وتحوُّل معاني الألفاظ، وظروف تبدُّل القيم، ومهارة التوليف بين المتناقضات، والتعامل مع المخالفين، والقدرة على تخيّل المسكوت عنه، ونقد الموروثات غير المتوائمة مع العصر. إنّ المهارات المذكورة لا تغيب عن المتعمِّقين في التراث الإسلامي، كما يتجلى ذلك في فقه البلاغيِّين

لتعدد المعاني، أو طلب المتكلمين للتأويل المنطقي. ولا مراء في أن كثيرًا من المشايخ المعاصرين

قد نبت زرعهم الفكري في خصيب الإنسانيات ولاجتماعيات؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى الطهطاوي والكواكبي وكثيرين غيرهما. ولا شك في أن حالة لانقطاع عن العلوم التراثية التي مارستها الدول العربية في مرحلة العولمة لم تُنتِج ممارَسةً حداثيةً، بل أفرغت المدارس والجامعات من الإنسانيات ولاجتماعيات والفنون من حيث الشكلين التراثي والحداثي دفعة واحدة. وعلى خلاف ما يقال من أن التعليم العربي مُترَع بالماضوية، فهو، على العكس من ذلك، في نأي عن التاريخ؛ ذلك أنّ معرفة

التاريخ هي معرفة بجملة العلاقات السببية التي شكَّلت الماضي وقادت إلى الحاضر. وهكذا، تفضي مطاردة السلاسل السببية إلى التعرُّف إلى الأصول التاريخية التي شكلت الحضارة العربية الإسلامية

وموقعها في العولمة. نفهم إذًا لماذا لا يُفسَح المجال لثالوث المعلم والباحث والفنان في العالم العربي إلا بأقدار ضعيفة؛ وليس ذلك لأنّ العامة عازفة عنهم أو لأن الحكومات غافلة عنهم فحسب، بل لأنّ دورة لاقتصاد العربي مركَّبة في جزء كبير منها على تجنُّبهم، ولأن هرم السلطة في عصر التبعية قائم على إنكارهم، ولأن أشكالً من الثقافة التعصُّبية تترعرع في غيابهم أيضًا. فأصحاب السلطان من العسكريين والملكيِّين

في حاجة ماسة إلى ضرورات المهن الطبية والهندسية والتجارية ليسيِّروا شؤون الدولة الحديثة؛ ومن

ثمّ فإنهم يقومون بتوفير الأعواض المالية والمعنوية للمشتغلين بهذه المهن، وهو ما يدفع الأذكياء المُجدِّين من صغار الطلبة إلى التسابق إلى هذه التخصصات. وهكذا تبقى الفئة الأضعف من الطلاب في ملَكتَي الذكاء والكدِّ التعلُّمي متوجِّهة إلى حقول الإنسانيات ولاجتماعيات والفنون، مضطرّة غير

مختارة؛ الأمر الذي يجفِّف العقول الفاعلة في هذه الحقول من قدرتها الإبداعية في دورة لاقتصاد على إنتاج الأفكار والمطالب والفنون. نفهم، أيضًا، السبب الذي يجعل الآباء «يجاهدون» لصرف أبنائهم عن التخصُّص في دراسة الفلسفة أو العلوم السياسية أو الفنون، ولو كانوا عاشقين لها ومبرّزين فيها، فهم يخشون على أولادهم الفاقة

إذا تخرجوا في تلك التخصصات التي تكثر البطالة فيها. ونَعِي الآن السبب الذي جعل قيمة الأستاذ المدرسي أو الجامعي العربي في عصر العولمة متدهورةً إلى درك أسفل؛ إذ تتكاثر حوادث شتْم الطلاب للأستاذ وضربه، فضلً عن عجزه الكبير عن إدارة الغرفة الصفِّية وضبط العملية التعليمية.

(((3 مثلً، إن ما استُحدث من وحدات في كليات العلوم الطبيعية والتطبيقية في جامعة دمشق سنة 2010 يزيد بنسبة 75 في المئة

على ما استُحدث في كليات العلوم لاجتماعية والإنسانية، انظر: التقرير العربي السادس للتنمية الثقافية: التكامل المفقود بين التعليم

والبحث العلمي وسوق العمل والتنمية في الدول العربية (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2013)، ص.155

وتتجلى المأساة الكبرى عندما نعرف أن بعض الناشرين العرب صار يَقنع بطباعة ألف نسخة من العنوان الواحد المتعلق بالثقافة لمجمل الوطن العربي، وهو نحو ثلاثمئة وثلاثين مليونًا. وهذا مؤشر مرعب بحسب ميزان العرض والطلب في السوق العربية للأفكار والمطالب والفنون. أما من جهة الطلب، فالأمر مفهوم من خلال جمهور لا يلهث من أجل حاجات المعرفة والترفيه ومطالب الهويات، بل يلهث لتأمين الضرورات الحيوية. وأما من جهة العرض، فتجد كثيرًا من الأساتذة الجامعيين لا

ينتجون من البحث العلمي طوال عقود من العمل إلا ما كتبوه في رسائل الدكتوراه والماجستير. وكيف لا يكون الأمر كذلك وعدد كبير من المواد الدراسية يوكَل إلى الأستاذ الواحد، وفي كل صف عدد هائل من الطلاب، فلا يَفرَغ من تصحيح امتحاناتهم إلا أثناء حلول لامتحان التالي. فإذا عرفنا قدر

العبء التدريسي الذي يوضع فيه الأستاذ الجامعي وتفاهة الأعواض الممنوحة، عرفنا أن إجازات التفرغ البحثي، والزم لات الحولية في مراكز الأبحاث والمختبرات، والأسفار الميدانية، هي من الأمور النادرة إلا للقليل منهم. كل هذا يفسِّر انعدام الوقت والدعم اللازمَين لتوليد الأبحاث العلمية؛ فكما أن الولادة لا تخرج من عدم، وتحتاج إلى التلقيح، وإلى الفترة اللازمة لنمو الجنين، فإن الإنتاج في الإنسانيات ولاجتماعيات والفنون لا يخرج من عدم، أي من دون الدعم المالي، والحبَل الفكري

بمراجعة الأعمال السابقة، وتوصيف الظواهر ومسحها، والقيام بالفرض ولاختبار، وبناء نماذج العلوم والفنون بتداولها مع الأقران والنُّقَّاد. وحتى يمكن تخيُّل وضع مهن المجتمع الحداثي من خلال التفاوت التاريخي، فإنه لا أحد، تقريبًا،

يتساءل بجدية عن غياب التعليم المدرسي الثانوي في الدولة المملوكية، ولا عن قلة الباحثين وضعف الفنانين آنذاك، لسبب بسيط، هو أن الدولة ما قبل الحديثة لم تكن تعتبر التعليم العمومي والإنتاج العلمي والفني واجبًا من واجباتها الإنتاجية، ولا قسمًا هرميًّا من أقسامها لتوزيع العمل.

وبالمثل، فإن الهامشية الوظيفية لثلاثي المعلِّم والباحث والفنان في عالمنا العربي هي عرَض من

أعراض ضعف التحديث، وشكل من أشكال التحضُّر المنقوص. هذا التعليل في غاية الأهمية، لأن الحداثة في صيغة دولة الرفاهية قائمة على توسُّع الطبقة الوسطى وتفعيل المواطنة. ولقد تنبَّه

بعض الملوك والإقطاعيين، إبان تنافس الممالك والإمارات الأوروبية، لأهمية تمويل المهندسين والفنانين والجغرافيين والمترجمين الذين صاروا بأنشطتهم البحثية والفنية يُدِرِّون على مموليهم

أضعافًا مما كان الأقنان يُدِرُّونه في القرون الوسطى. والتاريخ الأوروبي منذ عصر لاكتشافات الجغرافية والنهضة، فالتنوير فالحداثة، ثريّ بهذا التوجُّه. وأحد أسرار تدهور الممالك الإسلامية على تخوم القرن السادس عشر هو فقدانُها القدرة التنافسية مع أوروبا في تمويل «جيش» كبير

3(((بحسب استقصاء أحد الباحثين، لم يكن يزيد عدد الملتح قين بالمدارس ما فوق مرحلة الكتاتيب في مصر على ألف طالب

سنة 758 ه 6/ 135 م، انظر: محمد العناقرة، المدارس في مصر في عصر دولة المماليك (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2015)، ص.246–245

(33) David Landes, The Wealth and Poverty of Nations (New York: Norton, 1999), p. 276.

(((3 جورج صليبا، العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية، ترجمة محمود حداد (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2011)، ص.322

من الإنسيين و لاجتماعيين والفنانين، وهو الجيش الذي مكَّن أوروبا من توسيع الطبقة الوسطى وتأسيس المجامع العلمية. والحديث عن سيرورة التاريخ الغربي ينتهي إلى مآلاته العولمية الحالية. والعالم العربي الحديث لا يزال ينفعل بالمركزية الغربية سلبيًا وإيجابيًا. ويكفي أن نعلم أن فكَّ أسرار الثروة والسلطة والمعرفة

التي احتكرها الغرب طويلً هو ما مكَّن دولً مثل الصين والهند، ومن قبلهما روسيا واليابان، من التحرُّر

من التبعية. واقتدارها على ذلك كان مشروطًا بالنهوض بتنشيط حراك الهويات لاجتماعية قوميةً، وجنوسيةً، وطبقيةً، وأيديولوجيةً، وسواها. ولا غرابة في أن الشرائح العظمى من الشعوب العربية التي لم تستفد من خصخصة القطاعات التعليمية والثقافية وقعت في مأزق كبير، فلمَّا فقدت الأمل في التحرر والوحدة والتقدم، صارت الولاءات الفرعية من طوائف، وأقاليم، وقبائل، وحركات متطرفة عنيفة، خيارًا مقبولً مُنتِجًا للقيمة ومشبعًا للمعنى. ولعله اتضح للقارئ أن النسيج المتماسك للأفكار والمطالب لاجتماعية والفنون هو النسيج الذي يضم مواطني الدولة الحديثة في سردية التعايش محليًّا، وسردية التعاون عولميًّا. وبناءً عليه، يصير لاشتغال بنسيج الإنسانيات ولاجتماعيات والفنون

واجبًا من واجبات الدولة الحديثة، حتى إذا قامت بالتخلي عنه، سارع نسيج الدولة ذاته إلى التحلل. إن

وضاعة لاشتغال بالإنسانيات ولاجتماعيات والفنون هي عرَض من أعراض التبعية ومقاومة التحديث،

ما ينفع نُخَبًا ضئيلة تابعة لقوى كبرى تمنع حوامل الهوية من المعرفة والترفيه والإنصاف.

خاتمة: الثمن الباهظ لتهميش الإنسانيات والاجتماعيات والفنون عربيًا

لو سُمِح للإنسانيات ولاجتماعيات والفنون بالنمو الطبيعي، لقامت بجملة من التغييرات بشأن الكينونة الروحية للإنسان العربي والنظام البرمجي للهرم لاجتماعي. إنّ هذه المباحث: تُقلق الركون النفسي لأوهام التفاوت العرقي والتفوُّق الذكوري، وهي أمور تسلِّط الضوء على مظالم نظام توزيع العمل، فتطالب النساءُ بالمساواة في الأجور والمناصب، ويطالب الكَدود الذكي من البدو

والفلاحين بما عند أهل المدن من مغانم. وتصير لهؤلاء فنون وأفلام تشرح احتجاجهم ومواقفهم من لاجتماع البشري. تُعرِّي مزاعم النبل الطبقي ولاحتكار لاقتصادي ولاستبداد السياسي، وهذا تهديد كبير للمتحكِّمين

في دورة لاقتصاد، وهكذا سيخرج الناس معترضين أنْ لا ضريبة تُفرض عليهم بغير سلطة شعبية تُمنَح لهم بالقدر ذاته، وهذا يحفز على الإصلاح والتغيير، فيولِّد فنونًا تشرح المعاناة والشظف ولاغتراب. تكافح الهذر والفوضى اللغوية، والمغالطة والتفكير اللاعقلاني، والخرافة والتفسير اللاعلمي، فتجدّد مجتمعةً أسلوب تَصوُّر العالم بوضوح وعقلانية وواقعية؛ إذَّاك تُراجِع الإنسانياتُ ولاجتماعيات

(((3 حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9841)، ص.459

الثقافاتِ التراثيةَ، وتقارن بينها، فتفتح سبل النجاة الدينية والروحية، وتبدِّل الأولويات من النفاق الطقوسي الذي يُتّخَذ صكوكًا للغفران، لينقلب تركيزًا على الصدق والعمل الصالح ونبذ الإحَن،

وتبكيتًا للمستبدِّين. وفي سبيل هذه الثورة الروحية، تبزغ سرديات وفنون تُصوِّر معاناة الأنبياء، وحكمة

المتصوِّفين، وعملانية الفقهاء، وحرقة الشك، وعذابات التقوى. تُعِين على بناء المواطن الصالح؛ فجُل إجراءات الدولة الحديثة، من تعليمات التدوير ومنع الهدر

وحفظ الثروات والمؤسسات، يستلزم إنسانًا متعلمًا في حدود التعليم الثانوي الجاد على الأقل. ولا يمكن إقناع الجَهول بتلك الغايات؛ نظرًا إلى قصور المخيلة وانعدام الوعي بدورات الموارد الطبيعية

في عالم التمدن التقني المعقَّد بالنسبة إلى شبه الأمّي. وبالتعليم تتوسع دائرة انتباه الإنسان للسياسات لاقتصادية الصائبة، والقرارات السياسية العادلة، والتحولات القيمية والذوقية، وهو الأمر الذي سيجعل المواطن يُلقي ب لاعتبارات الطائفية والعرقية إلى مراتب دنيا. إن نضوج الوعي والذاكرة يجعل المواطن محصَّنًا من الهوجات الأيديولوجية والخطابة الطائفية وأغاليط الخرافة. وحسْبُ المعارضين لإنصاف حوامل الهوية أن يعلموا أن دوام انتفاعهم بثمار المهن الطبية والهندسية

والتجارية الحديثة إنما هو مشروط بدوام خصوبة الإنسانيات وريِّ لاجتماعيات والفنون. ولقد برهنت أحداث الربيع العربي والثورة المضادة أنّ القذافي لم ينفعه نفطه، ولا الأسد منعه جيشه، ولا مبارك حمَته استخباراته؛ ذلك أن توزيع العمل في هرم اجتماعي لاعقلاني لا يلبث أن ينهار على أصحابه.

أوَليس الظلم مؤذنًا بخراب العمران كما نبَّهنا ابن خلدون؟ خلاصة القول، على قدر تحديث المجتمع

وخروجه من التبعية، يشتد طلب السوق على مهارات سادوس الإنسانيات ومعارفه، وعلى مطالب حوامل الهوية العشرة، وعلى ترفيه الفنون أيضًا. وعلى قدر إشباع هذا الطلب تكون قيمة مُنتِجيه من معلمين وباحثين وفنانين، ويكون عوَضهم من التكريم المادي والمعنوي. ولا مصادفة أن تكون هذه

السيرورات هي ذاتها التي حققت بها الدول الإسكندنافية حداثتها فقدَّمت أنجح تطبيق لدولة الرفاه.

References

المراجع

العربية

ابن بطوطة، محمد. رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. تحقيق عبد الهادي التازي. الرباط: أكاديمية المملكة المغربية،.1997 ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق علي وافي. القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر،.1979 بركات، حليم. المجتمع العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1984 التقرير العربي السادس للتنمية الثقافية: التكامل المفقود بين التعليم والبحث العلمي وسوق العمل والتنمية في الدول العربية. بيروت: مؤسسة الفكر العربي،.2013

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. النشرة السنوية لإحصاء العاملين بالحكومة والقطاع العام / الأعمال العام، عام 2015. القاهرة: 2015:. في BPGwdN / gl. goo:// https جيدنز، أنطوني. الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة. ترجمة أديب شيش. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2008 حسن، سمير إبراهيم. «العلوم الإنسانية ودور الجامعة: ربط الجامعة بالسوق أم ربط الجامعة بالمجتمع؟». مجلة شؤون اجتماعية. العدد 051 (ربيع.)2010 زحلان، أنطوان. «العلم والسيادة: الآفاق والتوقعات في البلدان العربية، البلديات والعلم والتكنولوجيا». المستقبل العربي. السنة.34 العدد 933 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2011 صليبا، جورج. العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية. ترجمة محمود حداد. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2011 علمي، أحمد الحليمي. «المغرب بين أهداف الألفية من أجل التنمية وأهداف التنمية المستدامة: المكتسبات والتحديات. التقرير الوطني 2015. الرباط: 2015:. في OXa 2 ui / gl. goo:// https العناقرة، محمد. المدارس في مصر في عصر دولة المماليك. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2015 غدنز، أنتوني. علم الاجتماع. ترجمة فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 غرايبة، إبراهيم. شارع الأردن: رؤية لإصلاح والتنمية في الأردن. عمّان: الغد،.2011 غيلنر، إيرنست. الأمم والقومية. ترجمة مجيد الراضي. دمشق: دار المدى،.1999 كامنكا، أوجين. الأسس الأخلاقية للماركسية. ترجمة مجاهد عبد المنعم. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2011 اللجنة لاقتصادية ولاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) وجامعة الدول العربية. الإعاقة في المنطقة العربية: لمحة عامة. بيروت: 2014:. في RxpTjD / gl. goo:// https وولرستين، إيمانويل. تحليل النظم الدولية. الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات، والدار العربية للعلوم ناشرون،.2015

الأجنبية

Bunge, Mario. Social Science under Debate. Toronto: University of Toronto Press, 1998. Diamond, Jared. Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies. New York and London: W.W. Norton & company, 1999.

Dunn, Ross. The Adventures of Ibn Battuta: A Muslim Traveler of the Fourteenth Century. Berkeley: University of California Press, 1989. Gambetta, Diego et al. «Why are there so Many Engineers among Islamic Radicals?» European Journal of Sociology. vol. 50. no. 2 (August 2009). Landes, David. The Wealth and Poverty of Nations. New York: Norton, 1999. Pinker, Steven. The Better Angels of Our Nature: A History of Violence and Humanity. New York: Penguin Books, 2012. Rescher, Nicholas. Human Interests. Stanford: Stanford University Press: 1990. Spier, Fred. Big History and the Future of Humanity. Chichester: Wiley-Blackwell,

Watson, Peter. Ideas: A History of Thought and Invention from Fire to Freud. New York: HarperCollins, 2005. World Economic Forum. Global Gender Gap Report 2016. at: https://goo.gl/3b4CXM Wright, Ronald. A Short History of Progress. New York: Carroll & Graf Publishers,