Return to Article Details Happiness in the Thought of Al-Farabi: Theory and Practice

إشكاليّة السّعادة عند الفارابي : بين النظريّ والعمليّ

Happiness in the Thought of Al–Farabi: Theory and Practice

سعيد الجابلي *

Said Jabbali *

الملخّص

تسعى الدراسة إلى مقاربة إشكالية السعادة عند الفارابي وذلك بهدف الوقوف عند دلالاتها أولا، وبحث مقتضياتها النظرية والعملية ثانيا، عسانا نتبين في المحصلة المنزلة المرموقة التي حظي بها الانسان في فلسفة الفارابي ، فالسّعادة في تقديره تحصل عندما يتفق الإنسان مع إنسانيته، فإذا كان منتهى كمال الإنسانيّة مشدود إلى بلوغ المطلق، فإنّ فعل الإنسان النظري والعملي لا يسكن إلا في الفكرة، أمّا في الواقع فهو حركة متجدّدة ومتواصلة.

Abstract

Abstract: This paper is an attempt to understand the notion of «happiness» in the philosophy of the tenth–century philosopher Al–Farabi. The author shall seek, first of all, to understand the significance of happiness and its theoretical and practical prerequisitesin Al-Farabi’s philosophy. In doing so, the author intends to show, ultimately, the privileged position of humanity within Al–Farabi’s thinking, with happiness being, in the late philosopher’s worldview, the result of the fulfilment of a human of his or her own humanity. If the ultimate «perfection» of humanity is contingent on achieving the absolute, it must be noted that an individual’s practical or theoretical actions can only ever be definitely contained in thought. The corporeal world, in contrast, is a continuous and ever–changing movement.

الكلمات المفتاحية:
  • السّعادة
  • الإنسان
  • النظريّ
  • العمليّ
Keywords:
  • Happiness
  • Humanity
  • Theoretical
  • Praxis

Happiness in the Thought of Al–Farabi:

Theory and Practice

أولً، وبحث مقتضياتها النظرية والعملية ثانيًا، عسانا نتبيّن في المحصلة المنزلة المرموقة التي

حظي بها الإنسان في فلسفة الفارابي. فالسعادة في تقديره تحصل عندما يتفق الإنسان مع إنسانيته، فإذا كان منتهى كمال الإنسانية مشدودًا إلى بلوغ المطلق، فإنّ فعل الإنسان النظري والعملي لا يسكن إلا في الفكرة، أمّا في الواقع فهو حركة متجددة ومتواصلة.

بعنوان «العقل العملي عند الفارابي».

Professor at the University of Tunis. He earned his doctoral degree in the history of Arab and Islamic philosophy from the same university His doctoral thesis dealt with the notion of practical reason Al-Farabi’s philosophy.

مقدمة

استأثر مبحث السعادة بمتابعة ذات بال من بعض الفاسفة العرب، بدءًا من الكندي الذي قصر

فعل الفلسفة على الوصول إلى السعادة في تعقل الأشياء والعيش وفق مبادئها، وصولً إلى الفارابي وابن سينا وابن باجة. وقبل الفاسفة، اهتم بها المتكلمون، لكن تحت عناوين ومقولات أخرى، مثل النجاة والفاح والفوز. وطرقه المفكرون الأخاقيون أمثال التوحيدي ومسكويه وإخوان الصفا، وارتقى به الصوفيون إلى أسمى المدارك والمراتب، من خال طروحاتهم حول سعادة الإنسان، فأسسوا لمنزع من التعالي، أو لنقل نوعًا من «الإتيقا» المتفردة التي كانت وراء الخلود النموذجي لنصوصهم، وهو ما يدل على ثراء المخزون الحضاري للعرب والمسلمين. من هذا المنطلق، لنا اطمئنان أننا، إذا ما مكثنا في فضاء الفلسفة العربية الإسامية، أدركنا من خال الفارابي، أهمية إشكالية السعادة، خاصة أن المعلّم الثاني أراد لفلسفته أن تكون فلسفة في الإنسان، غير أنه لن يجعل من فلسفته هذا الإنسان الموجود بالفعل، بل سيسعى إلى تحديد ماهية الإنسان الذي يجب أن يوجد، وسيرسل مراحل الطريق الموصلة إلى هذا النموذج المثالي، وهو الإنسان في ذاته ولذاته، ولا يكون في وقت ما لغيره. هذا الإنسان «الإلهي» سيمثل الموضوع الرئيس الذي يدور حوله مبحث السعادة، وسيقيم الفارابي صرح فلسفته على هذا الغرض بالذات. وحسبنا دليلً عما نزعم هاهنا، أن مؤلفاته في المنطق، أو في السياسة، أو في تقسيم العلوم وتفصيل موضوعاتها [...] لا تشذّ عن كونها سعيًا نظريًا للتنبيه على سبيل

السعادة ولتحصيلها عمليًا، وتمكينها في المدن بتمكين الآراء الفاضلة فيها. إضافة إلى أن الفكرة إذا ما

وافقتها شرائط ما بها وجودها في الواقع وجدت بالفعل. وإذا رمنا تحقيق السعادة، ينبغي لنا أن نوجد لها شرائطها الواقعية. والطريق نحو السعادة، إذا قصدنا السعادة بإطاق، فهي سعادة بتخصيص، لأن السعادة المطلقة تكمن في كمال الوجود المطلق، والسعادة الجزئية في كمال الموجود الجزئي. ولكن كمال الموجود هو مطلق سعادته، إذا ما أدركنا كماله النهائي. وهكذا، تتفرّع السعادة إلى سعادات

لتصبّ كلها في سعادة واحدة، كما تنبثق الموجودات المتكثرة والمتراتبة في موجود واحد بالذات.

وكل معرفة لا يقصد بها بلوغ السعادة، فهي معرفة باطلة. والأفضل في المعارف هو الفلسفة، لذلك يمثل الفيلسوف نموذجًا لإنسان السعيد. على هذا الأساس من النظر، فإن موضوع السعادة الذي بحث فيه الفارابي ليس موضوعًا مستقلً، وإنما هو مشروع نظرية سياسية متكاملة، يقوم ببنائها نسقيًا على المستوى النظري المحض والمستوى

الفكري الاستنباطي. إذا كان مطلوبنا الأساسي في هذه الدراسة، مقاربةَ مسألة السعادة عند الفارابي، فإن ذلك ما يدعونا إلى التساؤل: ما دلالة السعادة عند الفارابي؟ وما معيار التمييز بين السعادة المظنونة والسعادة الحقيقية في أبعادها النظرية العقلية، والعملية السياسية والأخاقية ضمن المدوّنة الفارابية؟ وإذا كانت السعادة نهاية الكمال الإنساني وغاية الاجتماع المدني الفاضل، فما شروط إمكان تحصيلها في مستواها العقلي والعملي؟ وما حدود التصور الفارابي لنظرية السعادة؟

سنعتمد في تحليل هذه الإشكالية على نظام البرهنة التالي: حاولنا في مرحلة أولى، بحث دلالة السعادة على نحو ما وردت ضمن المتن الفلسفي الفارابي وتلمّس الفوارق النوعية، المتّصلة بمحددات السعادة المموهة والسعادة الحقيقية، بأجزائها النظرية العقلية، والعملية السياسية والأخاقية. أما في مرحلة ثانية، فارتأينا تقصّي محددات السعادة ومقتضياتها في المجال النظري العقلي، وفي المجال العملي. مع ما يتيحه لنا ذلك من تدبّر لسعادة العقل النظري وسعادة العقل العملي في العلوم والسياسات والأخاقيات. أما في مرحلة ثالثة، فحاولنا النظر في حدود التصوّر الفارابي لنظرية السعادة العقلية،

من خال الاستئناس بالقراءة النقدية التي أقدم عليها العامة عبد الرحمن بن خلدون، في مقدمته، ولا سيما في الفصل الحادي والثاثين، من الباب السادس، المعنون: «في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها». ومع ذلك، يبقى من الضروري في نهاية هذا العمل، البحث في راهنية الفارابي، وإمكان الاستلهام من فلسفته في ظل الأزمات السياسية والأخاقية المعاصرة. ولنا في ذلك وقفة تأمل في خاتمة هذه الدراسة.

السعادة، حقيقة ومصطلحًا عند الفارابي، أي دلالات؟

ارتأيت في بادئ الأمر الاستئناس بطريقة سلبية في حد معنى السعادة، أي بيان الحالة التي يظن أنها سعادة وما هي بسعادة، تساوقًا مع ما ذهب إليه الفارابي، كالآتي:

1. ما ليس بسعادة

يُعزى النظر في السعادة إلى العلم المدني، وهو الذي: «[...] يفحص أولً عن السعادة، ويعرف أن السعادة ضربان: سعادة يظن بها أنها سعادة من غير أن تكون كذلك، وسعادة هي في الحقيقة سعادة [...] أما التي يظن بها أنها سعادة وليست كذلك، فهي مثل الثروة واللذات أو الكرامة، وأن يعظم الإنسان أو غير ذلك من التي تطلب وتُقتنى في هذه الحياة من التي يسميها الجمهور خيرات»، فإذا كانت السعادة الحقيقية إنما «هي التي تُطلب لذاتها، ولا تُطلب في وقت من الأوقات لينال بها غيرها»، تكون السعادة المظنونة هي كل ما يطلب لغير ذاته. فإذا ما كان الطالب هو الإنسان، والمطلوب هو السعادة، فأن تطلب السعادة لذاتها، يعني أن لا يطلبها شيء آخر غيرها ولا الإنسان، وبما أن الإنسان هو الطالب، فالسعادة حينئذ ستطلب لغير ذاتها، يبدو إذًا أن هناك تناقضًا بين أن يطلب، وأن يطلب لذاته، ولا يرفع هذا التناقض إلا إذا كان الطالب والمطلوب شيئًا واحدًا، فتصبح القضية: يطلب الإنسان ذاته، وذلك يعني أن تطلب الذات ذاتها، والذات في الإنسان هي العقل، وطريق العقل هي المعرفة والعلم، فكل طريق غير هذه الطريق لا تقود أبدًا إلى السعادة، وأيما غاية ننتهي إليها عند سلوكه هي غاية لا تقيد السعادة.

(((أبو نصر الفارابي، كتاب الملّة ونصوص أخرى، تحقيق وتعليق محسن مهدي (بيروت: دار المشرق، 9861)، ص.52 (((أبو نصر الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9861)، ص.106

الذي يخطئ السعادة إذًا إنما يخطئ ثاث سبل أو إحداها: الأولى، المعرفة بالسعادة عن يقين، والثانية السلوك إليها عن قصد وفضيلة، والثالثة إدراكها عن وصول. ويعني أن تصير السعادة «سجية»، أي مَلكة،

وهذه السبل الثاث ذات درجات وليست متناهية واقعيًا، بل غائيًا، هذا مصداقًا لما ذهب إليه المعلّم الثاني

بخصوص سكان أهل المدينة الجاهلة: «هي التي لم يعرف أهلها السعادة [...] وإنما عرفوا من الخيرات بعض هذه التي هي مظنونة في الظاهر أنها خيرات من التي يظن أنها هي الغايات في الحياة، وهي سامة الأبدان واليسار، والتمتّع باللذة». ومن اللذات ما يتبع المحسوس، ومنها ما يتبع المفهوم، «ونحن نتحرى أكثر في اللذات التي تتبع المحسوس، وتظن أنها غاية الحياة وكمال العيش [...] وقد تبين النظر والتأمل أنها هي الصادّة لنا عن أكثر الخيرات، وهي العائقة عن أعظم ما تنال به السعادة».

2. في بحث مفهوم السعادة الحقة

يطالعنا الفارابي في مستوى مؤلفه آراء أهل المدينة الفاضلة، بتعريف دقيق لمفهوم السعادة. هذا مصداقًا لقوله: «السعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائمًا أبدًا [...] والسعادة هي الخير المطلوب لذاته [...] وليس

وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منها». إن ما يمكن استجاؤه من هذا التحديد، أن السعادة في اعتقاد المعلّم الثاني، تتعين كنموذج نظري، يُحتذى في تنظيم السلوك الإرادي والفعل المعرفي لإنسان. فالسعادة القصوى تطابق ماهية الإنسان كوجود نظري، فإذا فرضت هذه الماهية موجودة، لزم أن يكون هذا الوجود متضمنًا لكل شروط إمكان إدراك الغاية، بما هي إنجاز فعلي، وقد فرضت موجودة، إذًا اللزوم واجب. لئن اتسم التناول الفلسفي الفارابي لمفهوم السعادة ببيان تعدد دلالاته ومعانيه، فإن محمد محجوب، أستاذ التأويات والفلسفة في جامعة تونس، اختزلها في ثاثة معانٍ: «الكمال الأقصى الذي لأجله كُون الإنسان»، و«الغاية المحدودة للفعل الإنساني»، وأخيرًا، فهي «الغاية عمومًا». وبناء عليه، لكل فرد شروط إدراك كماله الأخير بحسب سلّم تفاضلي، يستقل الرئيس الأعلى درجة فيه لأن الكمال يعني: تطابق الموجود مع الغاية من وجوده أوسع رتبته المخصوصة له في الوجود، «وإن كل موجود أن كون ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه، فالذي لإنسان من هذا هو المخصوص باسم السعادة القصوى، أو ما الإنسان من ذلك بحسب رتبته في الإنسانية، هو السعادة القصوى التي تخص الجنس».

(((أبو نصر الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين، ط 2 (بيروت: دار المناهل، 9871)، ص.68–67 (((الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ص 1.06–105 (((محمد محجوب، «الفلسفة السياسية عند الفارابي، أوضاع العلم المدني»، مجلة دراسات عربية، العدد 6، السنة 21 (أيار/ مايو 9851)، ص.27–25 (((أبو نصر الفارابي، تحصيل السعادة، تحقيق جعفر آل ياسين (بيروت: دار الأندلس، 9831)، ص.81

3. السعادة العقلية

العقل الذي هو الإنسانية على وجه التحقيق، يتعيّن في الأول على أنه نشاط الذات الذي تقتنص به

الكليات، والعقل ليس شيئًا آخر غير ما يعقله، والمعقول هو ما به يوجد الشيء، أو وجود الشيء الذي يخصه، أي الذي به تكون حقيقته. والحق والوجود والعقل والحياة هي مفاهيم متساوقة وغير منفصلة. لكن كيف يحدث العقل عن المحسوس؟ أو ما آلية ثبوت المعقولات في العقل؟ لا طريق لذلك، إنما تحصل في النفس بطريق الحس. ولما كانت المعارف إنما حصلت في النفس من غير قصد أولً فأولً، فلم يتذكر الإنسان، وقد حصل جزء منها. فلذلك قد يتوهّم أكثر الناس أنها لما تزلْ في النفس، وأنها تعلم طريقًا غير الحس، فإذا حصلت من هذه التجارب في النفس صارت النفس عاقلة باعتبارها تجليًا

للعقل لا تكونه وتشكله، فهو أفاطوني عمومًا في ماهية الجوهر؛ أعني أن الحواس تثيره ولا تشكّله، وإذًا فالعقل ليس هو شيئًا غير التجارب. وكلما كانت هذه التجارب أكثر، كانت النفس أتم عقلً، فإذا علمنا أن ما يثبت في النفس في أثناء التجارب هو ما للأشياء من وجود خاص، قد نسمّيه ملكة أو مبدأ أو قانونًا [...] يجب أن نعرف أيضًا من الوجه نفسه، أن الخطاب مع الفارابي سيتنزل في مستوى واحد، هو مستوى الوجود الذي يجمع بين العاقل والمعقول والعقل. فواجب الذات الإنسانية أن تترقّى في مدارج الوجود، بتحصيل المعقولات إلى أن تدرك أقصى وجود تقدر أن توصلها إليه طبيعتها البشرية: «وأما العقل الإنساني الذي يحصل له بالطبع في أول أمره، فإنه هيئة ما، في مادة معدة لأن تتقبل رسوم المعقولات». وحصول المعقولات الأولى لإنسان هو استكماله الأول، «وهذه المعقولات إنما جعلت له ليستعملها في أن يصير إلى استكماله الأخير». فما مدارج الترقي في الكمالات العقلية؟ تكون البداية، مع «العقل بالقوة»: وهي هيئة في المادة لها استعداد لتتسم فيها ماهيات الموجودات من دون موادها، فإذا حصلت فيها المعقولات التي انتزعت عن المواد صارت «عقلً بالفعل»، والمعقولات كذلك أصبحت بالفعل، بعد أن كانت بالقوة، فالعقل بالقوة، والمعقولات بالفعل هما الذات بالفعل أو الإنسان بما هو ناطق، فإذا عقل العقل مرة ثانية هذه المعقولات التي فيه، فإنما هو سيعقل على أنها عاقلة ومعقولة، كما أنه سيعقلها على أنها عقلت بالفعل على أن «وجودها في نفسها عقل بالفعل ومعقول بالفعل [...] فالعقل بالفعل متى عقل المعقولات التي هي صور له من حيث هي معقولة بالفعل، صار العقل الذي كنا نقول أولً إنه العقل بالفعل والعقل المستفاد». في هذه الدرجة يغدو الوعي واعيًا بذاته، ويُصبح للعقل موضوعًا وصورة. الصورة هي ما يعقله العقل

من ذاته، والموضوع هو العقل المستفاد الذي هو بالنسبة إلى العقل بالفعل صورة أيضًا، والعقل بالفعل

(((أبو نصر الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، ط 4 (بيروت: دار المشرق، 9851)، ص.99 (((الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ص.101 (((المرجع نفسه، ص.105 1(((أبو نصر الفارابي، رسالة في العقل، تحقيق موريس بويج، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9831)، ص.19–18

مادة له، أي موضوعه، والعقل بالفعل صورة للعقل بالقوة الذي هو الذات في أول الأمر، وهو الوعي قبل إدراك الموضوع، والتي هي (بعد التدرج في عملية التعقل) شبه مادة، وموضوع إضافة إلى العقل المستفاد بالنسبة إلى الوعي، هو: «صورة»، «صورة»، «صورة» الذات الأولى بعد أن عقلت المعقولات، لأنها لو لم تعقل المعقولات لما حصلت هذه الصور الثاث، وكل صورة تالية في المقام، هي أفضل من الصورة التي تأتي قبلها، والتي هي موضوعها، وبمنزلة المادة بالنسبة إليها. غير أن المعضلة التي تعترضنا في هذا السياق تتمثل في تفسير كيفية حصول المعقولات في أول الأمر. ولحل هذه المشكلة، يجب الإجابة عن ثاث مسائل فرعية: المسألة الأولى: مَن الذي وضع المعقولات في المواد الحسية؟ والمسألة الثانية: مَن الذي يجعل المعقولات تعقل ذاتها في العقل؟ والمسألة الثالثة: ما الغاية من هذه العملية؟ لا يتيسّر لنا الإجابة عن هذه المسائل إلا بفتح باب العالم الإلهي، وهو عالم العقول السماوية، وتشتمل على العقل الأول والعقول الثواني الصادرة (أو الفائضة عنه)، الذي يميز تسلسل هذا الفيض في العالم العلوي عن التراتب في العالم السفلي، أن الموجودات العلوية لها من الكمالات الأفضل في جواهرها منذ أول الأمر، أما باقي الموجودات الأخرى، ف «إنما شأنها أن يكون لها نقص وجوداتها، فيبتدئ منه، وترقى شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ كل نوع منها أقصى كماله في جوهره، ثم في سائر أعراضه». إن أعلى مرتبة للعالم السفلي هي مرتبة «العقل المستفاد»، وأدنى مرتبة للعالم العلوي هي مرتبة «العقل الفعال»، هذا العقل البريء عن كل مادة، هو الذي سيكون المتسبب في ترقي الإنسان وفي حصول المعقولات. لكن كيف نفسّر وجود هذه المعقولات في مواد منقسمة، في حين أن «العقل الفعال» جوهر غير منقسم؟ يجيب الفارابي بقوله: «وهذه الصور هي في «العقل الفعال» غير منقسمة، وهي في المادة منقسمة، وليس يستنكر أن يكون «العقل الفعال» وهو غير منقسم «يعطي المادة أشباه ما في جوهره، فا تقبله إلا منقسمًا». غير أن المعضلة الأكثر إحراجًا تصاغ كالآتي: إذا كان الأفضل للمعقولات أن توجد مبرأة من المادة، فما الغرض من إيجادها في خصائصها الفيزيائية الصورية الناظمة لها؟ «[...] ولعل قائلً إنما يقول، إنما فعل ذلك لتصير المواد، أكمل وجودًا، ويلزم من ذلك أن تكون تلك الصور، إنما كُوّنت لأجل المادة، وذلك خاف لما يراه أرسطو، أو نقول إن هذه كلها هي في ‘ العقل الفعال ’ بالقوة [...] أي أن له قوة أن يجعلها في المادة صورًا، وهذه هي القوة على أن يفعل في غيره، فإنه الذي يجعلها صورًا في المواد، ثم يتحرى أن يقربها من المفارقة قليلً إلى أن يحصل ‘ العقل المستفاد ’ ». في مقام «العقل المستفاد»، تصير الذات الإنسانية مبرأة تمامًا من المادة، وهي قد أدركت كمالها الأقصى، وكذلك في حياتها الآخرة التي هي وجوده بالذات وبالفعل، والآخرة، لا تعني حياة ما بعد الموت، لأن تعريف الحياة في تقدير المعلّم الثاني ليس بمعنى النمو أو التغذي أو الانفعال، وإنما

(((1 الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ص.63 (((1 الفارابي، رسالة في العقل، ص 2.9 (((1 المرجع نفسه، ص.30

تعني الحياة، الإدراك، وكلما كان الإدراكُ الإدراكَ الأسمى كانت الحياة أرفعَ درجة، وليس هناك أرفع بالنسبة إلى الإنسان من درجة حياة «العقل المستفاد»، وهذه هي السعادة القصوى، والحياة الآخرة، وهي أن يحصل الإنسان، آخر شيء يتجوهر به، وأن يحصل له كماله الأخير، وهو أن يفعل آخر ما يتجوهر به فعل آخر ما يتجوهر به، «وهذا معنى الحياة الآخرة [...] فحينئذ ليس يحتاج في قوامه إلى أن يكون البدن مادة له [...]».

الفارابي والبحث في محددات السعادة ومقتضياتها: نحو تبيّن العلاقة المأمولة بين النظري والعملي

لعلنا، لا نجانب الصواب، عندما نقول، إن تحصيل السعادة عند الفارابي، يرتهن بالمحددات التالية:

1. الفلسفة وتحصيل السعادة، أي علاقة؟

يعتبر الفارابي الفلسفة بوصفها أعلى الصناعات البشرية: «وأحد أجناس الأشياء الإنسانية التي إذا حصلت في الأمم وأهل المدن، حصلت لهم بها السعادة». وتساوقًا مع ذلك، يُعد تعلّم الفلسفة في تقدير المعلم الثاني، من أوكد الكمالات التي تضعهم على عتبة السعادة. إضافة إلى أنها «الصناعة التي مقصدها تحصيل الجميل فقط [...] وهي نظرية وعملية، والنظرية منها تشتمل على ثاث[ة] أصناف من العلوم، أحدها علم التعاليم، والثاني العلم الطبيعي، والثالث علم ما بعد الطبيعيات [...] والعملية صنفان، أحدهما يحصل به علم الأفعال الجميلة والأخاق التي تصدر عنها الأفعال الجميلة [...] وهذه تسمى الصناعة الخلقية، والثاني يشتمل على معرفة الأمور التي بها تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن والقدرة على تحصيلها لهم، وحفظها عليهم، تسمى الفلسفة السياسية». أفرد الفارابي كتاب إحصاء العلوملإحصاء العلوم وترتيبها، بالنظر إلى أسبقيتها في زمن التعليم، فالأول علم اللسان وأجزائه، والثاني علم المنطق وأجزائه، والثالث علم التعاليم، وموضوعه العدد والهندسة، وعلم المناظر، وعلم النجوم التعليمي، وعلم الموسيقى، وعلم الأثقال، وعلم الحيل، والرابع في العلم الطبيعي وأجزائه، والخامس في علم المدني وأجزائه، وفي علم الفقه وعلم الكام، فإذا ما اجتمع لإنسان كل هذه المعارف، فهو الفيلسوف على الحقيقة، وهو الإنسان السعيد، وهو كذلك الجدير بالرئاسة الحكمية؛ وقد تكون سياسية، وغالبًا ليست كذلك ونادرة ومستحيلة، كما أنه تام لتقبل الفضائل الأخرى من فكرية وأخاقية وعملية.

(((1 المرجع نفسه، ص.31–30 1(((الفارابي، تحصيل السعادة، ص 4.9 1(((الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ص.21–20 1(((أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم (بيروت: مركز الإنماء القومي، 9911)، ص.7

2. إتيقا الفارابي أو في سبيل تربية أخلاقية إن الأفعال من منظور المعلّم الثاني، تتصف بحالتين: إما حالة مُذمّة، وإما حالة محْمدة، فيجب أن نتبيّن كيف السبيل إلى أن تكون أفعالنا جودة التمييز؟. إما أن يحصل لإنسان اعتقاد الحق، أو

يقوى على تمييز ما يرد عليه. والأفعال الجميلة قد يمكن أن توجد لإنسان باتفاق. غير أن السعادة لا تُنال بجودة التمييز، ما لم تكن بقصد وبصناعة، ومن حيث يشعر الإنسان بما يميز كيف يُميز. والذي يحملنا على الاعتقاد أن الأفعال الجميلة تكتسب، وفي الإنسان قدرة على اكتسابها، في أن حال الإنسان تجاه الأفعال حميدها ومذمومها متساوٍ، ف «إمكان فعل القبيح من الإنسان على مثال إمكان فعل الجميل منه»، ويستدل الفارابي على أن الأخاق المكتسبة، بما يراه من فعل أصحاب السياسات؛ إذ إنهم يجعلون أهل المدن أخيارًا بما يعودونهم من أفعال الخير. وكما أن الأمور التي تحصل بها الصحة متى كانت بحال توسط، فإن الطعام متى كان متوسطًا حصلت به الصحة، والتعب متى كان متوسطًا حصلت به القوة، كذلك الأفعال متى كانت متوسطة حصل الخُلق الجميل، فالفضيلة هي ملكة اختيار الوسط العدل بين الطرفين، ويرى الفارابي أن الحيلة التي تمكّننا من اقتناء الأخاق الجميلة تتمثل في: «أن ننظر في الخُلق الحاصل؛ فإن كان من جهة الزيادة، عوّدنا أنفسنا الأفعال الكائنة عن ضده الذي هو من جهة النقصان». وإن كان بالعكس من ذلك عوّدنا أنفسنا على الفعل المقابل، ونبقى على ذلك زمانًا إلى أن نُدرك أن السهولة على القيام بالفعلين المتضادين متساوية أو كانا متقاربين، علمنا عند ذلك «أنّا قد وقفنا أنفسنا على الوسط». لا شك في أن الفضيلة الفكرية في تقدير الفارابي هي الحلقة الرابطة بين نوعين من الوجود: الوجود المنجز والوجود المأمول، وهي كذلك الكفيلة بتهيئة الأسباب التي عنها تتحقق المعقولات النظرية الممكنة التحقق، فالفضيلة الفكرية هي التي تشد عالم الممكن إلى عالم الوجوب في نطاق المعرفة الإنسانية، وهي كذلك المشرع للفعل الأخاقي والمميزة له من الأفعال غير الأخاقية، وعنها تصدر الأعمال المهنية، فإذا ما تحققت أربعة أنواع من الفضائل، مقرون بعضها إلى بعض، حصلت للأمم وأهل المدن السعادة: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل الخلقية، والفضائل العملية. بهذه الفضائل مجتمعة تبلغ البشرية في المدينة كمالها. لكن هذه الفضائل الأخاقية إنما هي تابعة لإرادة، وبما أن العلوم النظرية، إنما تحيط بالمعقولات التي لا تتبدل أصلً، لزم أن تحتاج هذه الفضائل إلى ملَكة أخرى تستنبطها، وبها تميز المعقولات الإرادية،

1(((الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ص.51 (1((المرجع نفسه، ص.52 (2((المرجع نفسه، ص.53 (((2 المرجع نفسه، ص.58 (((2 المرجع نفسه، ص.64 (((2 المرجع نفسه، ص.65

أي التي سبيلها أن توجد هذه الملَكة هي القوة (أو الفضيلة) الفكرية، «والأشياء التي سبيلها أن تستنبط بالقوة الفكرية، إنما تستنبط على أنها نافعة في أن تُحصّل غاية ما وغرضًا، والمستنبط إنما ينصب الغاية، ويقدمها في نفسه أولً، ثم يفحص عن الأشياء التي تحصل بها تلك الغاية وذلك الغرض». من الأهمية الإشارة إلى أن السعادة وفقًا للطرح الفلسفي للفارابي، تتحدد بوصفها الغاية القصوى لجميع أعمال الإنسان، التي لا تفهم، إلا بمعرفة العمل الخاص لإنسان، وهذا العمل هو فاعلية النفس المسيّرة بالفضيلة. وفي هذا السياق، يقول الفارابي: «لا يمكن أن يضطر الإنسان من أول أمره بالطبع ذا فضيلة أو رذيلة [...] ولكن، يمكن أن يضطر بالطبع معدًّا نحو أفعال فضيلة أو رذيلة، بأن تكون أفعال تلك أسهل عليه من أفعال غيرها [...] وكررت تلك الأفعال واعتيدت [...] كانت الهيئة المتمكنة عن العادة هي التي يقال لها فضيلة». ولأمر كهذا، شدد فيلسوفنا على قيمة التأديب الذي «هو طريق إيجاد الفضائل الخلقية والصناعات العملية في الأمم، بأن يعودوا الأفعال الكائنة عن الملكات العملية بأن تنهض عزائمهم نحو فعلها». من نافلة القول، التذكير أن إتيقا الفارابي تتقوّم بنسيج قيمي، لا ينحصر فحسب في مستوى الفضائل على أهميتها، بل أيضًا من خال قيم الحق والخير والجمال والحرية والعدل والتضامن والصداقة والمحبة، بما هي وسائط معيارية تُنظّم الشأن المدني المشترك. هذا ما يطالعنا به الفارابي، بقوله: «أجزاء المدينة ومراتب أجزائها، يأتلف بعضها مع بعض، وترتبط بالمحبة وتتماسك، وتبقى محفوظة بالعدل وأفاعيل العدل»، ما دام: «العمل تابع للمحبة والمحبة في هذه المدينة (الفاضلة)، تكون أولً لأجل الاشتراك في الفضيلة». بناء عليه، إذا علمنا، فضلً عما أسلفنا بالقول، أن العدل، يُحمل على معنى التوزيع العادل والمتكافئ للخيرات والمنافع بين البشر، وفقًا لمبدأ الاستحقاق، أو التناسب، فإن ذلك يعني في نظر الفارابي، أن «العدل أولً في قسمة الخيرات المشتركة لأهل المدينة على جميعهم. ثم بعد ذلك في حفظ ما قُسم عليهم. وتلك الخيرات هي السامة والأموال والكرامة والمراتب، وسائر الخيرات التي يمكن أن يشتركوا فيها، فإن لكل واحد من أهل المدينة قسطًا من الخيرات مساويًا لاستئهاله، فنقصه عن ذلك وزيادته عليه جَوْر. أما نقصه فجَوْر عليه، وأما زيادته فجَوْر على أهل المدينة». وفي السياق نفسه، أثار الفارابي موضوع العدل، بوصفه من ضمن الخصال الأساسية الواجب توافرها في رئيس المدينة

(((2 الفارابي، تحصيل السعادة، ص.68 2(((أبو نصر الفارابي، فصول منتزعة أو فصول المدني، تقديم وتعليق وتحقيق فوزي متري نجار (بيروت: دار المشرق، 9711)، ص.30–27 2(((الفارابي، تحصيل السعادة، ص.68 2(((الفارابي، فصول منتزعة، ص.71–70 (2((المرجع نفسه، ص.70 (2((المرجع نفسه، ص.71

الفاضلة، فهذا الرئيس ينبغي «أن يكون بالطبع محبًا للعدل وأهله، ومبغضًا للظلم والجور وأهلهما».

واعتبارًا للأهمية المتزايدة لهذه الخصلة، فإن المعلّم الثاني، لم يجعل منها أمرًا عرضيًا يمكن أن يتغير،

بحسب الوقت، وإنما هي أمر ثابت يتصل بطبيعة الرئيس نفسها. يرى الفارابي أن السلوك العملي للرئيس الفاضل، يقتضي أن يتفق مع اتصافه بتلك الخصلة، فمن خصائصه «أن يكون عدلً غير صعب القيادة، ولا جموحًا، ولا لجوجًا إذا دُعي إلى العدل، بل صعب

القياد إذا دُعي إلى الجور». نتبين مما تقدم، أن العدل في تقدير الفارابي، إنما هو ممارسة عملية يفصح عنها الرئيس في سلوكه اليومي. وهو الذي يحفظ المدينة ويحصنها من المخاطر والفتن والصراعات. من الأهمية أيضًا، تأكيد أهمية البحث في قيمة العدل لدى الفاسفة العرب، وهنا بمستطاعنا التعرض إلى مقاربة أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب بمسكويه: (032 ه 21–4 ه)، حيث نُلفي تلقيًا لما أقره

الفارابي. وفي هذا الإطار، يرى مسكويه أن الظلم «انحراف عن العدل». ويُتابع القراءة الفارابية للمسألة ذاتها، بتأكيد فعل التازم بين العدل والمساواة التناسبية خاصة. وهنا يعلن مسكويه أن «العدل، إذا كان، إنما هو إعطاء ما يجب مَنْ يجب كما يجب». كما «يكون في المعامات، فالعدل من الاعتدال، وهو التقسيط بالسويّة، وهذه السويّة من المساواة بين الأشياء الكثيرة، والمساواة هي التي توجد الكثرة وتعطيها الوجود وتحفظ عليها النظام». نتبيّن من خال هذا القول، مدى استيعاب مسكويه التصور الفارابي ووقوعه تحت جاذبية هذا المد

الفلسفي الخاص بنظرية العدل، وتأثير ذلك في مستوى الاجتماع الإنساني بحفظ النظام وتحقيق المساواة، بما يقود في النهاية إلى بلوغ السعادة داخل المدينة. واعتبارًا لأهمية شيوع العدل، يتوسع مسكويه في هذا الموضوع دراسة وتحليلً وتصنيفًا. وبناء عليه، لا غرابة في شيء أن يميز هذا الفيلسوف بين ثاثة أصناف من العدل: العدل الطبيعي؛ والعدل الوضعي؛ والعدل الإلهي. لكن أيضًا، عدل اختياري خاص بالإنسان، لكنه في هذه الأصناف الثاثة، يرى: • العدل الطبيعي: يرى مسكويه ضرورة أن «نبدأ بالطبيعي، لأن مبدأه من الحس وهو أقرب إلينا [...] ولأن هذا السلوك أوضح في التعليم وأسهل في الإفادة وأشبه بالترتيب الفلسفي – فنقدم مقدمتين مسلّمتين: إحداهما أن الواحد المحض الحق الذي لا غيرية فيه بوجه ولا سبب، أشرف الأشياء

3(((الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص.70 (((3 الفارابي، فصول منتزعة، ص.71 (((3 علي أبو حيان التوحيدي وأحمد بن يعقوب مسكويه، الهوامل والشوامل، تحقيق أحمد أمين والسيد أحمد صقر (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 9511)، مسألة.29 (((3 أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، تهذيب الأخاق، تقديم سهيل عثمان (دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 9811)، ص.191 (((3 التوحيدي ومسكويه، مسألة.29

وأكرمها وأفضلها، ولذلك كمال الوجود فيه وتوفره عليه [...]. فإذا صحت هذه المقدمة، فمقابلها الذي هو لا واحد، أعني الكثرة التي هي سبب الاختاف والتباين بالغيريات التي فيها أرذل الأشياء وأخسّها لنقصان الوجود وانتشاره فيها». • العدل الوضعي: يُميز فيه مسكويه بين العام والخاص، كالتالي: – العام: يخص في نظر مسكويه «ما اصطلح الناس عليه كافة [...] وإنه المقوم لكل مهنة وعمل، والمعوض من كل جوهر على الإطاق». – الخاص: مضمونه لدى مسكويه «ما اصطلح عليه قوم دون قوم في إقليم بعد إقليم، وما اتفق عليه أهل مدينة دون مدينة إلى أن ينتهي إلى العدد اليسير وإلى المنزل الواحد، وإلى أن يصطلح اثنان على أمر فيلزمانه ويعادلان فيه ولا يخرجان عنه [...] وذلك أن صاحب السنة وواضع الشريعة، يفرض بحسب الحال، ويقدر الطباع التي يسوسها والعادات التي يشاهدها، أمورًا لا يجوز أن تثبت أبدًا، بل تتغير بتغير الأحوال والعادات، وكل واحد منها في وقته عدل والخروج عنه جور وظلم». • العدل الإلهي: يقول مسكويه: «وأما العدل الإلهي فموجود فيما بعد الطبيعيات، وفي الأمور السرمدية الأبدية الوجود [...] ويتبين في الأريتماطيقي من هذا المعنى شيء كثير، وكذلك يتبين في الخواص التي تلحق المقادير المجردة من الأجسام أعني الهندسة [...] وهذا هو مأخوذ العدل الإلهي». يضاف إلى هذه الأصناف، العدل الاختياري «الموجود في الإنسان خاصة الممدوح به، فهو مسالمة قوى نفسه بعضها لبعض حتى لا تتغالب ولا تتباغى». تبعًا لذلك، لا نُغالي عندما نقول إن التناول الفارابي لمفهوم العدل كان له امتداداته الواضحة، لا على مسكويه فحسب، كما سبق أن بيّنا ذلك، بل هذا التلقي نُلفيه حاضرًا لدى كثير من الفاسفة العرب؛ إذ بإمكاننا الإشارة هاهنا بإيجاز، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إلى قراءة فيلسوف قرطبة ابن رشد (520 ه/ 6112 م – 595 ه/ 9811 م) الذي ارتقى بمفهوم العدل إلى مستوى المفهوم الفلسفي بامتياز، محاولً من جهته الإحاطة بهذا المفهوم في أبعاده: السياسية والأخاقية والنفسية والأنطولوجية والحقوقية، ليؤكد بدوره أهمية استتباب العدل لضمان النظام والكمال، وبالتالي تحقيق سعادة المدينة. هذا مصداقًا لقوله، ف «معرفة السعادة الإنسانية والشقاء الإنساني، يستدعي معرفة ما هي النفس وما

(35) Ahmed ibn Miskawayah, An Unpublished treatise of Miskawaih on Justice , M.S. Khan (trans.), (Leiden: E.J. Brill, 1964), p. 1. (36) Ibid., p. 7. (37) Ibid., p. 8. (38) Ibid., p. 9. (39) Ibid., p. 8.

جوهرها»؛ إذ «الدولة تبلغ كمالها المدني عندما تصبح عادلة، وبالمثل حينما يحقق الإنسان توازنه بين قواه النفسية المتصارعة، يستحق أن يوصف بفضيلة العدل». وفي الإطار ذاته، يشير أبو الوليد إلى جودة التسلط التي تكمن في «التسلط الذي يكون على طريق الأدب والاقتداء بما توجبه السُنّة، فإن

الذين يشيرون بما توجبه السُنة هم متسلطون بجودة التسلّط، وهذا هو التسلّط الذي يحصل به صاح حال أهل المدينة والسعادة الإنسانية». وتبعًا لذلك، فإن هذا الموقف الرشدي يستقي إرهاصاته الأولى لا من التمثل الفارابي فحسب، بل أيضًا يردّ إلى ابن باجة الذي انشغل بمقاربة مسألة السعادة في أعماله الفلسفية جريًا على ما عرفته الفلسفة العربية الإسامية، ومن قبلها الفلسفة اليونانية من ربط القضايا العملية بالسعادة باعتبارها مفهومًا موجّهًا لها، وقد اطّلع أبو الوليد كما هو معلوم على كتابات ابن باجة وتأثر إلى

هذا الحد أو ذاك بمضامينها؛ إذ «من المسلّم به أن ابن رشد قد سار على الطريق التي مهّدها مواطنه (ابن باجة)». ومن ثم، فإن ابن رشد يشدد على المعرفة ب «الأمور الإراديات التي يتوصّل بها إلى السعادات، وهي الخيرات والحسنات، والأمور التي تعوّق عن السعادة وتورث الشقاء الأخروي، وهي الشرور والسيئات». وعلى هذا النحو من النظر، يتراءى لنا التلقّي المعرفي الرشدي لفلسفة الفارابي العملية واستيعاب مضامينها الأخاقية والسياسية، الخاصة بنظرية العدل في اتصالها المباشر بمطلب السعادة داخل المدينة الفاضلة. نستخلص مما أوردناه من طروحات فلسفية، أن تحقيق العدالة في المجال السياسي هو شرط لتحقيق السعادة في المجال الأخاقي للفرد وللمدينة الفاضلة؛ إذ يستبعد وجود الإنسان السعيد في المدينة التي تغيب عنها العدالة. تبدو الفلسفة الفارابية مرتبطة بالتفكير في الشروط العملية لاستعادة المعنى، من خال الاهتداء إلى تأصيل أفق نظري وإيتيقي، يستعيد شروط إمكانه. وبناء عليه، فإن الإنسان هو الكائن الإيتيقي الأساسي الذي تتحدد من خاله مسألة المعنى مقارنة بباقي الكائنات الأخرى. وسواء استهجنا الإنسان أم أقررنا بكبريائه، فإن فكرنا في البداية، كما في النهاية، يظل فكرًا إنسيًا، على حد عبارة الفارابي، وذلك لأن

4(((محمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق محمد عابد الجابري، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9981)، ص.182 (((4 محمد المصباحي، «الفيلسوف والمدينة»، مجلة مدارات فلسفية، العدد 3 (شباط/ فبراير 0002)، ص.7 (((4 محمد بن رشد، تلخيص الخطابة، تحقيق عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار القلم، 9591)، ص.69

(43) Georges Zainati, La Morale d’Avempace)Paris: J.Vrin, 1979), p. 74.

(((4 ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.182 4(((محمد قشيقش، نظرية الإنسان في فلسفة الفارابي (بيروت: دار التنوير، 011.)2 حيث نلفي لديه تأكيدًا في أكثر من موضع

ضمن مؤلفه هذا، أن فلسفة الفارابي في الإنسان ليست معروضة في الفلسفة السياسية فحسب، بل هي مجال نظر الفلسفة الأخاقية وفي الفلسفة النظرية، أي في الإلهيات والسيكولوجيا والكوسمولوجيا والبيولوجيا.

الدافع الفلسفي هاهنا لإثارة أزمة المعنى، ليس دافعًا ريبيًا أساسه الزهد في الإنسان، وإنما هو دافع

عقاني ونقدي يهدف إلى تحرير المعقول من الامعقول، بدلً من عقلنة التكيّف مع العبث، مراهنة

على إنشاء المعنى في واقع يكاد ينتهي إلى طمس المعنى، أو معنوية الامعنى. لا جدال في القول إذًا، إن التربية في المنظور الفارابي أداة لاكتمال إنسانية الإنسان، ومن ثم كانت التربية تحمل تصورًا إيجابيًا ومعياريًا. بهذا المعنى، أكد المعلّم الثاني أهمية التعليم في مستوى الفكر التربوي، وما ارتبط به من تنوّع يهم

بيداغوجيا التعلّم. فإذا ما كان تعليم الخاصة في تقدير الفارابي «بالطرق الإقناعية» و«طرق التخييل» وكان تأديبهم «بالرفق والإقناع»، فإن تعليم العامة الفضائل والصناعات العملية، يتم إما بالأقاويل الإقناعية بالنسبة إلى «من تنهض عزائمهم نحو الأفعال طوعًا من تلقاء أنفسهم»، وإما «من طريق الإكراه» في الحال العكسية على غرار «من سبيله أن يتأدّب كرهًا». يتضح أنها تربية تفاضلية وقائمة على أساس التمييز بين ملكات الإنسان بحسب رتبته في الوجود، للترابط العضوي بين الملكة ووظيفتها في تحقيق جودة التمييز أو رداءته (أعني تمييز الحق والصواب والباطل [...] إلخ)؛ إذ «إن كل موجود إنما كون ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه». على أن «الذين يستعملون في تأديب الأمم وأهل المدن [...] طوعًا هم أهل الفضائل والصنائع المنطقية». بناء عليه، خليق بالقول إن مفهوم التربية عند الفارابي محكوم حينئذ بفكرة الكمال وبمنحى التشبه بسيرة الفيلسوف من طريق مثالية السيرة العقلية، ونموذجيتها في توجيه الفضائل العلمية وتثبيتها. وهي على ذلك النحو تربية من وضع إرادة الإنسان الحكيم، وفي حدود نشدان أفضل نظام وأتمه وأكمله؛ إذ هي تربية توازي بين نظام الفكر وقواعده، ونظام المدينة وترتيباته الاجتماعية والسياسية، وتطابق بين النظامين تأصيلً وتفريعًا. وهي تربية مبنيّة على إدراك رتبة الإنسان في الإنسانية باختياره وإرادته، وعلى أساس أسبقية الفضيلة

الفكرية على الفضيلة الخلقية، وعلى الطبيعة أو الفطرة، وعلى أفضليتها عليهما، على غرار أفضلية التعليم على التأديب، وأفضلية نهج اللطف في الإقناع على منزع الإكراه والأذى؛ إذ «الملوك ملوك بالإرادة أولً وبالطبيعة ثانيًا [...] والخدم خدم بالطبيعة أولً وبالإرادة ثانيًا، ويكمل ما أعدّوا له

بالطبيعة»، كما أن إتيان الفعل الجميل أو الفاضل صادر عن قصد واختيار في حدود جودة التمييز بين المَحمدة والمَذمّة.

4(((الفارابي، تحصيل السعادة، ص.80–79 (4((المرجع نفسه، ص.81 (4((المرجع نفسه، ص.81 4(((فرحات الدريسي، مراجعات مفهومية في الثقافة العربية الإسامية (تونس: أديكوب للنشر، 9991)، ص.119 ((5(المرجع نفسه، ص.77

ولما كان دور الاتفاق أو المصادفة، والانقياد أو التسليم، مُلغى من ذلك النظام، صار ما يصدر عن الخُلق، و«الخُلق هو الذي تكون به الأفعال وعوارض النفس إما جميلة وإما قبيحة [...] والذي تصدر به عن الإنسان الأفعال القبيحة والحسنة»، حاصل الاكتساب والاعتياد بالتعليم أو التأديب أو بهما معًا بحسب مرتبة الإنسان؛ إذ «إن الأخاق كلها الجميل منها والقبيح هي مكتسبة. ويمكن لإنسان متى لم يكن له خُلق حاصل أن يُحصّل لنفسه خُلقًا، ومتى صادف أيضًا نفسه في شيء ما على خُلق، إما جميل أو قبيح أن ينتقل بإرادته إلى حد ذلك الخلق [...] والذي به يكسب الإنسان الخُلق أو ينقل نفسه عن خُلق صادفها عليه هو الاعتياد، وأعني بالاعتياد تكرير فعل الشيء الواحد مرارًا كثيرة زمانًا طويلً في أوقات متقاربة». إن التربية حينئذ أخاق، سندها فكري وفلسفي ومتعيّن بما يستحسنه

العقاء، مثلما هي عملية كسبية ومتنامية أو متجددة بقبولها التغيير والتبدل. وإذا كان الأمر على ما أسلفنا ذكره، فمن الطبيعي أن يتمايز الناس في نظام المجتمع الطبقي بعيار الفضائل العقلية أولً، والفضائل الخلقية ثانيًا، والفضائل العلمية ثالثًا، تبعًا لجودة التمييز أو الرؤية

و«قوة العزيمة على ما أوجبته الرؤية»، وهو ما يعني التمييز بين «الإنسان الحر» (وهو مَن جمع بين جودة الرؤية وقوة الإرادة على الفعل الجميل أو الفضائل في السر والعلن) و«الإنسان البهيمي» (وهو مَن فقد جودة التمييز وإرادة الاختيار و«العبد بالطبع» (وهو من له قوة العزيمة دون جودة الرؤية) غير أنه يمكن بالتأديب أن يكتسب العبد، في حال الانقياد إلى أهل الفضائل العقلية، ما به يخرج من حد الرق، وما به تفضل أفعاله، والأمر نفسه جائز وممكن بالنسبة إلى «الإنسان البهيمي» بالتدرج في تأديبه بإكراهه على قمع أذاه، وفي دائرة تربية التمييز بين «الحيوان الإنسي» «بالفطرة والطبيعة» و«الحيوان المدني» «بالفكر» و«العلم الإنسي». يتضح حينئذ أن الفكر التربوي عند الفارابي، يتصل بآداب الفضائل العقلية والخلقية الراسمة صورة الإنسان الحكيم بعقله وفضيلته، باطّراح حيوانيته وبهيميته في سبيل تحقيق إنسانيته. الأمر الذي يؤهله أن يكون جديرًا بنيل السعادة، بوصفها نهاية الكمال الإنساني.

3. أكسيولوجيا الفارابي من خلال التلازم بين الخلقي والسياسي، تحصيلًا لمطلب السعادة

لعل بالإمكان الآن، وفي هذا المستوى من التحليل، استشراف خصوصية الطرح الفارابي للتآلف العضوي بين الشأن المدني والسعادة، إضافة إلى أن الفلسفة الأخاقية والسياسية متجاورتان موضوعًا ومنهجًا وغاية، وتخصان حقيقة الوجود المدني لإنسان المنفتح على أفق تساؤل الإنسان عن منزلته

وعن معناه. ومن بين أهم تمظهرات فعل التناسب، إقرار الفارابي، أن المدينة الفاضلة هي الإطار المائم للسعادة، نظرًا إلى قيامها على سياسة ورئاسة فاضلة. هذا مصداقًا لقوله: «السياسة الفاضلة هي

(5((الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ص.54 ((5(المرجع نفسه، ص.55 ((5(ما وُضع من العبارات بين عامات التنصيص تعابير استعملها الفارابي في: المرجع نفسه، ص 55 وما بعدها.

التي ينال السائس بها نوعًا من الفضيلة، لا يمكن أن يناله إلا بها، وهي أكثر ما يمكن أن يناله الإنسان من الفضائل». في الموضع نفسه، نُلفي لدى المعلّم الثاني، تصنيفًا للمدن والرئاسات، وفقًا لقيمة السعادة، «فالمدينة الفاضلة تضادها المدينة الجاهلة والمدينة الفاسقة والمدينة الضالة، ثم النوابت في المدينة الفاضلة». وهذا يعني، أن أصناف هذه المدن المضادة للمدينة الفاضلة، تنتفي فيها السعادة، وهي تظن أن ما هي فيه هو السعادة وهو ليس بسعادة. وهنا، يرتهن بلوغ السعادة ب «زوال الشرور عن المدن وعن الأمم، ليست الإرادية منها، بل والطبيعية. وأن تحصل لها الخيرات كلها الطبيعية والإرادية». عند هذا الحد، من الوجاهة، مسايرة الفارابي في اعتباره أن تكون المدينة جاهلة، فذلك يُعزى إلى جهل أهلها بالغاية التي على الإنسان بلوغها، وهي السعادة الحقيقية، فعوضوها بسعادة مزيّفة، قائمة على البحث عن خيرات عدة، كالثروة والشهرة والرياسة والصحة واللذة الحسية... وغيرها. وحينئذ، فإن مثل هذه الخيرات التي هي جزئية، لا تُطلب لذاتها، بل لغايات أخرى، وهي أيضًا ليست خيرات حقيقية، لافتقارها في نظر الفارابي إلى قوام السعادة، من معرفة نابعة من القوة الناطقة ومن أفعال تستهدف السعادة الحقيقية، باعتبارها غاية الوجود الفاضل لإنسان، لا تعلو عليها غاية أخرى. وبناء عليه، فإن المدينة الجاهلة لم تُؤمن بقيمة المعرفة، فكانت بذلك معادية للفلسفة، وجاهلة بالسبل المؤدية للسعادة. يقول الفارابي: «[...] وأن وجه وجودها (السعادة) في الإنسان أن تكون الأفعال والسنن الفاضلة موزعة في المدن والأمم على ترتيب، وتستعمل استعمالً مشتركًا». ومن هنا، فإن الإنسان على نحو ما يرى المعلم الثاني، هو «من الأنواع التي لا يمكن أن يتم لها الضروري من أمورها ولا تنال الأفضل من أحوالها، إلا باجتماع جماعات كثيرة في مسكن واحد». وهو يدرك كماله النهائي بالإرادة. وهذا ما يُبيّنه العلم الإنساني الذي نجد فيه أنثروبولوجيا، أي قولً في حقيقة الإنسان

وفي كماله وسعادته. إذًا، الإنسان شأنه شأن كل موجود في العالم، له حقيقة مخصوصة هي طبيعته، وله غاية من وجوده، وهو تحصيل الكمال الذي هو مائم لطبيعته، وينبغي له أن يبلغه. ويحتاج القول في السعادة إلى القول في الإرادة والاختيار والتمييز بينهما، واختصاص الإنسان بالاختيار الذي من شأنه أن يفعل به الأفعال التي ينال بها سعادته.

(5((الفارابي، فصول منتزعة، ص 92؛ راجع عن السياسة الفاضلة:

Muhsin Mahdi, Al Farabi and the Foundation of Islamic Political Philosophy (London: The University of Chicago Press, 2001), pp. 128–131; Muhsin Mahdi, La Cité vertueuse d’AlFarabi: La Fondation de la Philosophie Politique en Islam , François Zabbal (tard.), (Paris: Albin Michel, 2000), pp.176–180.

(5((أبو نصر الفارابي، السياسة المدنية: المعروف بمبادئ الموجودات، تحقيق فوزي متري نجار (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 9641)، ص.87 ((5(المرجع نفسه، ص.84 (5((الفارابي، كتاب الملة، ص.66–64 (5((الفارابي، السياسة المدنية، ص.69 (5((مقداد عرفة منسية، الفارابي فلسفة الدين وعلوم الإسام (بيروت: دار المدار الإسامي، 0132)، ص.24

لاعتبار كهذا، يرى الفارابي أن مؤلفه فصول منتزعة «يشتمل على أصول كثيرة من أقاويل القدماء فيما ينبغي أن تدبّر به المدن وتُعمّر به وتصلح به سيرة أهلها، ويُسددوا نحو السعادة». ومن المهم التذكير هاهنا، أن «الآراء التي ينبغي أن يشتركوا (أهل المدينة) فيها هي ثاثة أشياء، في المبدأ وفي المنتهى وفيما بينهما. واتفاق الرأي في المبدأ هو اتفاق آرائهم في الله تعالى وفي الروحانيين وفي الأبرار الذين هم القدوة [...] والمنتهى هو السعادة، والتي بينهما هي الأفعال التي تنال بها السعادة». إنه لخليق بالماحظة أن أخاق السعادة الفارابية تستقي منطلقاتها الأولى من الثقافة الحكمية الشرقية، لكن أيضًا من الفلسفة اليونانية ممثلة في سقراط وأفاطون وأرسطو الذين كان لهم الفضل في تثبيت دعائمها وفي إرساء القول الممكن فيها، ولا سيما في نظرتهم إلى المدينة الفاضلة التي يتعاون أهلها على بلوغ الكمال الأخير الذي هو السعادة القصوى. وبناء عليه، فإن «أخاق السعادة» في مدلولها الإغريقي ومع الفارابي أيضًا، تجعل غاية المدينة – الدولة تحقيق الخير المشترك للمجموعة. وهذه هي سعادتها التي، كما قلنا، لا تتحقق إلا بشيوع الفضيلة والخيرات المساعدة. ولأمر كهذا، فإنه: «حُرّم على الفاضل من الناس المُقام في السياسات الفاسدة، ووجبت عليه الهجرة إلى المدن الفاضلة؛

إن كان لها وجود في زمانه بالفعل. وأما إذا كانت معدومة، فالفاضل غريب في الدنيا ورديء العيش، الموت له خير من الحياة». تبعًا لذلك، نصل إلى القول، إن مفهوم السعادة في تقدير المعلّم الثاني، هو مفهوم مركب من أساس عقلي، إضافة إلى عالم الممارسة والفاعليات المختلفة: أخاقية أو سياسية أو دينية قبلها، نظرًا إلى

التناسب العضوي بين الجانبين: الأخاقي والسياسي. إضافة إلى أن غاية السياسة هي تحقيق الخير الأعظم وهو السعادة. وبناء عليه، ليس الأساس الاقتصادي (الحاجة إلى التعاون وتحقيق الحاجات) هو الوحيد لاجتماع، بل يوجد في المقام الأول أساس قيمي، خاصة أن السعادة مبدأ الوجود المدني، بما هو وجود غائي ضرورة. قد يكون من فوائض القول تأكيد أن مسألة السعادة لدى الفارابي هي الموضوع المشترك بين العلم الإنسانيوالعلم المدني. فإذا علمنا فضلً عمّا أسلفنا بالقول إن العلم الإنساني: «يفحص عن الغرض الذي لأجله كون الإنسان، وهو الكمال الذي يلزم أن يبلغه الإنسان، ماذا؟ وكيف هو؟».

(6((الفارابي، فصول منتزعة، ص.23 ((6(المرجع نفسه، ص.71–70 ((6(المرجع نفسه، ص.95 (6((انظر مقالتنا: «الفارابي: نظرية المدينة والسعادة، أو مقال في الإنسان – سؤال الفلسفة الأقصى »، مجلة كتابات معاصرة (بيروت)، مج 62، العدد 011 (تشرين الأول/ أكتوبر – تشرين الثاني/ نوفمبر 0162)، ص.57–50 (6((راجع مقالتنا: «مفهوم العلم الإنساني عند الفارابي: نحو مقاربة أنثروبولوجية في العصر الوسيط»، مجلة دراسات فلسفية (الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية)، العدد 6 (نيسان/ أبريل 0162)، ص 66–51، شوهد في 018/6/10:2، في

http://platform.almanhal.com/Reader/Article/89146

(6((الفارابي، تحصيل السعادة، ص.63

ومن هنا، فإنه علم سعادة الإنسان من حيث هو إنسان (النوع). فالسعادة القصوى هي الكمال الأخير الذي به يتجوهر الإنسان، هي موضوع نظري. ليكون العلم الإنساني وفقًا لذلك، هو القدرة على معرفة المبادئ النظرية. فإن العلم المدني «يُحصي كم الأسباب والجهات التي من قبلها لا يؤمن في الأكثر أن تستحيل الرئاسة الفاضلة والمدن الفاضلة إلى السير والملكات غير الفاضلة، وكيف تكون استحالتها إلى غير فاضلة. ويُحصي ويُعرف الأفعال التي بها تضبط المدن والسياسات الفاضلة حتى لا تفسد ولا تستحيل إلى غير فاضلة، والأشياء التي بها يُمكن إذا استحالت ومرضت أن تُرد إلى صحتها». نستجلي من هذا التحديد للفارابي، أن مضمون العلم المدني، لا يُختزل فحسب في الأفعال والسير والملكات الإرادية، فهو لا ينظر فيها كلها، وإنما يقتصر على النظر في الكليات وإعطاء رسومها وتعريف الرسوم في تقديرها في الجزئيات: كيف؟ وبأي شيء؟ وبكم ينبغي لها أن تُقدّر؟. يبدو الفارابي هنا، كأنه يذكر ثاثة أمور ينظر فيها العلم المدني: • الكلّيات. • رسوم هذه الكلّيات. • رسوم تقديرها في الجزئيات. وعلى هذا النحو من النظر، نتبيّن الفرق الجوهري بين العلم المدني من حيث هو علم عملي (يتعلق

بالوسائل والأدوات والوسائط)، والعلم الإنساني من جهة ما هو علم نظري مقاصدي (يتعلق بالأهداف النهائية والغايات القصوى). لكن، ذلك لا يعدم إطاقًا التناسب، أو التشارط القائم بين العلمين، وذلك هو المنطق الداخلي الذي يشد المعمارية الفكرية الفارابية برمّتها.

مطلب السعادة والمواءمة الإجرائية بين الفلسفة والملّة

يُعرّف الفارابي «الملّة» بأنها: «آراء وأفعال مقدّرة مقيّدة بشرائط يرسمها للجميع رئيسهم الأول، يلتمس

أن ينال باستعمالهم لها غرضًا له فيهم أو بهم محدودًا، والرئيس الأول إن كان فاضلً [...] فإنه يلتمس [...] من ذلك [...] السعادة القصوى »[...]. ويذهب الفارابي، نظريًا على الأقل، في كتابه الملّة، إلى أن الرئيس الفاضل والأول هو النبي الذي يُدبّر المدينة أو الأمة بما يأتي به الوحي من الله تعالى، ليخلص إلى القول بفكرة النبي الحكيم: «فإن الرئيس الأول الفاضل، إنما تكون مهنته ملكية مقرونة بوحي من الله إليه، وإنما يُقدّر الأفعال والآراء التي في الملّة الفاضلة بالوحي»، ويرقى في آراء

(6((الفارابي، الملة، ص.60–59 ((6(المرجع نفسه، ص.60–59 (6((سالم العيادي، مدخل إلى الفلسفة السياسية عند المعلم الثاني أبي نصر الفارابي، كتاب الإصاح، العدد 7 (سلسلة كتب إلكترونية)، 0152، ص 03، شوهد في 018/6/10:2، في http://alislahmag.com/livre_7.pdf (6((الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، ص.43 ((7(المرجع نفسه.

أهل المدينة الفاضلة بالفيلسوف إلى منزلة النبي إن لم يفقه من جهة الاكتساب والقدرة على التخييل، فتستحيل النبوّة ضربًا من الاكتساب، باستخدام القوى العقلية ملكات التخيل. وكذلك، تتحقق منزلة النبي الفيلسوف والفيلسوف النبي، وتكون النبوّة وسيلة من وسائل الاتصال بين عالمي الأرض والسماء. تكون آراء الملّة، كما ياحظ ذلك الفارابي، قسمين: النظري والإرادي. وفي كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، يحاول الفارابي عرض هذه الآراء مفصّلة، مقرّبًا إيّاها أكثر ما يكون من معاني الفلسفة، وهدفه من ذلك بناء ملّة يكون موضوعها مستمدًا من النظر الفلسفي، معتقدًا أن الآراء التي في الملّة، نجد لها مقابلً في الفلسفة، غير أن اليقينيات الفلسفية تتعدّل وتتغيّر بما ينسجم مع قدرات المتقبل الذهنية

والإرادية، ومن ثم توجد طرق مختلفة مقصودها واحد، فالطريقة المتبعة في الملّة مصدرها التخييل لا البرهان، ووسيلتها في التبليغ الإقناع.

1. النبي والمخيّلة

يقسم الفارابي القوة الناطقة قسمين: نظري وعملي. النظري هو الخاص بتحصيل المعقولات، والقوة العملية هي «التي شأنها أن تفعل الجزئيات الحاضرة والمستقبلية». وبين القوتين نجد المخيّلة التي هي «مواصلة لضرب القوة الناطقة». فقد يفيض من المعقولات النظرية التي تستمد من «العقل الفعال» على القوة المتخيلة، وكذلك قد يفيض منه ما من شأنه أن تتلقّاه الناطقة العملية، وبما أن للمخيلة عاقةً بالمحسوس بأن تفعل فيها بالتركيب، فإن ما تتلقاه من «العقل الفعال»، وهو محض سيقع على صور المحسوسات المتخيلة، فا تقبل المتخيلة المعقولات إلا بما يحاكيها من المحسوسات. وما يقع في المخيلة هو خالٍ من الفكرة؛ أي من دون توسط روية، «فيكون ما يعطيه ‘العقل الفعال’ للقوة المتخيلة من الجزئيات، بالمنامات والرؤيات الصادقة، وبما يعطيها من المعقولات التي تقبلها بأن يأخذ محاكاتها مكانها بالكهانات على الأشياء الإلهية. وهذه كلها قد تكون في النوم، وقد تكون في اليقظة». إذا ما تميّزت قوة (ما) متخيّلة في إنسان (ما) بأنها قوية جدًا، حيث لا تشغلها المحسوسات الواردة عليها بالكامل، ولا خدمتها للقوة الناطقة، «بل كان فيها، مع اشتغالها بهذين فضل كثير تفعل به أفعالها التي تخصها »[...]. فإذا ما تلقّت فيضًا من «العقل الفعال» وحاكته بالمحسوسات المرئية، وعادت هذه المحسوسات فارتسمت في القوة الحاسة، فتحصل رسومها في الحاسة المشتركة، «انفعلت عن تلك الرسوم القوة الباصرة، فارتسمت فيها تلك، فيحصل عمّا في القوة الباصرة منها رسوم تلك في

(7((مجموعة من الأساتذة الجامعيين، دراسات حول الفارابي (صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 995.)1 ولذلك، نحن نحيل إليه فحسب حتى لا نُثقل المتن بالكثير من الشواهد المتيسّرة لكل مهتم.

(7((الفارابي، الآراء، ص.113 ((7(المرجع نفسه، ص.114

الهواء المضيء المواصل للبصر، المنحاز بشعاع البصر». وبعد ذلك يعود هذا الذي ارتسم في الهواء فتراه العين، ويجتمع في الحس المشترك فالمخيلة، «فيصير ما أعطاه العقل الفعال من ذلك مرئيًا

لهذا الإنسان». وبهذه الطريقة النظرية يكون الفارابي قد عرض محاولة لتفسير الوحي والمعجزات. غير أنه يجب أن نعلم أن الآراء الواردة في الملّة ليست برهانية، لكن إلقاءها قد يكون كذلك، لا تلقّيها، ولا هي مطابقة لما هو حق إلا بشرط أن يكون واضع الملّة فيلسوفًا، وهكذا نجد أنفسنا أمام ملّتين، لأن الآراء المقدّرة التي في الملّة الفاضلة «إما حق وإما مثال الحق، والحق بالجملة ما يتيقّن به الإنسان؛ إما بنفسه بعلم أول وإما ببرهان». فالملّة المطابقة لما هو حق هي المتطابقة كذلك مع الفلسفة، أو بالتحديد مع «آراء أهل المدينة الفاضلة»، لأنه «يلزم في من كان واضع نواميس، أن يكون فيلسوفًا، وكذلك الفيلسوف الذي اقتنى الفضائل النظرية، فإن ما اقتناه من ذلك يكون باطلً، إذا لم تكن له قدرة على إيجادها في كل من سواه بالوجه الممكن فيه. والملة التي تحتوي على آراء هي مثال لما هو حق؛ هي «الدين»، وهذا هو المشهور في دلالة الملّة، لذلك يقول الفارابي: «والملّة والدين يكادان يكونان اسمين مترادفين [...] فتكون الشريعة والملّة والدين أسماء مترادفة». والجميل عنده هو إقامته لهذا التمييز الذكي، فليس كل دين يرقى ليكون حقًا من حيث ما هو، لكن قد يتّصف بوصف الحقانية في تأدية الوظيفة لا هو، فالملّة قد تكون هي الأيديولوجيا بالتناول الإيجابي في زماننا. فإذا ما أخذت الملّة بالمعنى الثاني وجب تمييزها من الفلسفة.

2. بين الملة والفلسفة

يتعرّض الفارابي لتحديد موقع الملّة من الفكر الإنساني عمومًا، ليبيّن أنها مرحلة من مراحل تطور

الفكر ذاته. نجد عرضًا لهذه النظرية في كتاب الحروف، إذ يُذكّر الفارابي أن بداية التعقل الإنساني إنما يكون بحدوث «اللغة».

الفطرة وتكوين الملكَات

تُحيل الفطرة إلى ما هو طبيعي، وما هو طبيعي يكون وجوده «لا بالصناعة ولا بإرادة الإنسان». أما لفظة الملَكة، فتفيد ما هو مكتسب أو منحاز من الذات على صورة «هيئات إذا تمكّنت بعسر زوالها».

((7(المرجع نفسه، ص.115 ((7(المرجع نفسه. (7((الفارابي، الملة، ص.46 (7((الفارابي، تحصيل السعادة، ص.92 (7((الفارابي، الملة، ص.46 (7((الفارابي، كتاب الحروف، حققه محسن مهدي، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9901)، ص.161–131 (8((الفارابي، إحصاء العلوم، ص.7 (8((الفارابي، الدعاوي القلبية (حيدر آباد: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، 9261)، ص 3–2؛ انظر أيضًا: نهاد ككليك

«كتاب قاطيغورياس للفارابي»، مجلة المورد العراقية، مج 4، ج 3 (9751)، ص.153

من الأهمية، التأكيد هاهنا، أن الفطرة وفقًا لاستخدامات المعلّم الثاني ثاثة أقسام: إما أن تكون مرتبطة بالفضيلة النظرية؛ وإما أن تكون مرتبطة بالفضيلة الأخاقية والفكرية؛ وإما مرتبطة بالغايات. ونقصد بالفطري في المستوى الأول، تلك المبادئ النظرية التي توجد لكل ذي حس سليم، من غير أن يكون لنا قصد إلى إيجادها، وهي أوائل البرهان. وتُقال الفطرة في المستوى الثاني على الغاية التي تحدد إمكان بلوغ المراد، أو من الشيء أقصى كماله، وهي بمنزلة المخطط المسبق الذي يُحدد درجات تطور الموجود. والمستوى الثالث لمعاني الفطرة هو الذي يعكس، في الحقيقة، رأي الفارابي في الأخاق والسياسة والحرية: فالإنسان من حيث طبيعته معدٌّ للكمال الأقصى، الخاص بجنسه، يكون هذا الاستعداد في البداية هيئة ما في مادة معدّة لأن تقبل رسوم المعقولات. هذا تساوقًا مع ما ذهب إليه الفارابي بقوله: «فعندما تحصل هذه المعقولات لإنسان يحدث له بالطبع تأمل ورؤية، وفكر، وتشوّق

إلى الاستنباط، ونزوع إلى بعض ما عقله أولً، وشوق إليه وإلى بعض ما يستنبطه، أو كراهيته». فنزوع الإنسان إلى ما أدركه بالجملة هو الإرادة، وتفيد تحوّل الإنسان نحو الشيء المُدرَك، إما أن يكون

هذا التوجه عن إحساس وتخيّل، وهذا ما يشترك فيه الإنسان والحيوان على حد سواء؛ وإما «عن رؤية

وعن نطق في الجملة». فيسمى باسمه الخاص «الاختيار»، و«هذا يوجد في الإنسان خاصة »، وفقًا للعبارة الفارابية المدوية. بناء عليه، فإن السلوك نحو السعادة، في تقدير المعلّم الثاني، لا يكون إلا «بأفعال ما إرادية، بعضها أفعال فكرية، وبعضها بدنية». ولكن، لا ينبغي السير نحو السعادة، بأي أفعال اتفقت، «بل بأفعال ما محدودة مقدّرة تحصل عن هيئات ما وملكات ما مقدرة محدودة». حال الإنسان تجاه الخير والشر هي حال متساوية، والانجذاب نحوهما ممكن من الجهتين. بقي أن التأرجح في النهاية هو رهين التقدير. وهذه التقديرات مرتبطة بدرجة التشوّق والنزوع الإنساني، فإذا

كان نزوعًا نحو لذة نظرية، فإن ما يرتسم في الذهن هو غاية نظرية، وتحديد طرائق بلوغها يكون بقوة فكرية. أما إذا كان نزوع الإنسان نحو لذة حسّية، فإن الغاية التي ستُرتَسم في الذهن لن تكون غاية

قصوى ولا هي فاضلة. لذلك ستكون الطرق المنبسطة لبلوغها هي طرق خسيسة ومتناهية، أي لا تقرن بالغاية الأسمى، وهي الكمال الإنساني. ف « [...] إمكان فعل القبيح من الإنسان (هو إذًا) على مثال إمكان فعل الجميل منه [...] ثم يحدث بعد ذلك لإنسان حال أخرى، بها تكون هذه الثاثة على أحد أمرين فقط». يُمكننا تسمية هذه «الحال»

التي يذكرها الفارابي، بالطبيعة ملَكة، وهي «مكتسبة». وسمّاها الفارابي «ملَكة»، وهي شبيهة بالطبيعة

(8((الفارابي، الآراء، ص.106–105 ((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه. (8((الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ص.53–52

لا لكونها مستقلّة في حدوثها عن الإرادة، لكن صار لها فعل متشابه للفطرة بعد أن اكتُسبت عن إرادة، يقول الفارابي: «أما القوة التي يُفطر عليها الإنسان في أول وجوده، فليس إلى الإنسان اكتسابها، وأما الحال الأخرى، فإنها إنما تحدث باكتساب الإنسان لها». يُحدّثنا الفارابي عن كيفية رسوخ «هذه الملَكات» في أنفس أفراد المدينة، فيقول: «أما الفضائل العملية والصناعات العملية؛ فبأن يعودوا فعلها، وذلك بطريقتين: أحدهما بالأقاويل الإقناعية والأقاويل الانفعالية، حتى يصير نهوض عزائمهم نحو أفعالها طوعًا [...] والطريق الآخر هو طريق الإكراه »[...]. يُقر الفارابي، إذًا، بأن الإنسانية مكتسبة والأخاق كلها مكتسبة، والعقل ذاته مكتسب، بل إن مبادئ العلوم التي سبق أن قلنا عنها إنها فطرية هي مكتسبة أيضًا، «[...] والكلّيات هي التجارب على الحقيقة، غير أن من التجارب ما يحصل عن قصد [...] فأما التي تحصل لإنسان لا عن قصد [...] يسمّونها أوائل

المعارف ومبادئ البرهان». ويقول الفارابي أيضًا في كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين: «العقل ليس هو شيئًا غير التجارب، ومهما كانت التجارب أكثر كانت النفس أتم عقلً». وكل هذه المسائل التي سبق التطرق إليها، ستجد تفسيرًا لها عند الكشف عن المنهج التي توخّاه الفارابي واتّبعه في مبحثه.

مبحث السعادة والتأسيس الأنطولوجي للعلم المدني، هل من تناسب؟

يرتكز الفارابي في مسلك بحثه على منهج رياضي أنطولوجي، إذ ينطلق من مصادرة: أن الوجود إنما هو واحد بالذات متكثر بالعرَض، والوحدة والكثرة ليستا متضادتين أو متقابلتين، وإنما متناسبتان، لأن

الوحدة تاحظ في ذاتها وفي الكثرة أيضًا. فلو كانتا متضادتين لَما اجتمع ضدان في شيء واحد. بل تمثل الوحدة في موضوع ما، جوهره وماهيته، وكذلك حظّه من الوجود. والواحد يقال على ما لا ينقسم من الجهة التي قيل عنها واحدة. فهو الثابت في الموضوع الذي سيقال عليه، من جهة أننا سنُعرّفه به. منذ البداية نفترض إذًا، أن «المعرفة» و«الوجود» في تطابق، فا نعرف من الوجود إلا الواحد، ولا نعرف من الواحد إلا وجوده، ووجود الواحد هو مبدأ معرفتنا به. فيكون أساس الفلسفة والمثالية والاهوت ونظرية المعرفة، متأصلً ومبنيًا على مبدأ مطابقة الرياضيات بالوجود. كيف ذلك؟ إذا كان لا علم بما هو كلّي، كما قال أرسطو، فا بد من رسم مخطط تتراتب فيه هذه الكلّيات تناسبًا

وانتظامًا. ولعلمنا أن الكلي في الموضوع هو ما به تكون وحدته. فينبغي لنا إذًا رسم منهج رياضي، ييسّر علينا المعرفة: في أعلى هذا الرسم، أو في أقصاه، نضع وحدة الوحدات، وهي الوحدة الصورية

((8(المرجع نفسه، ص.53 (8((الفارابي، تحصيل السعادة، ص.79 (9((الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين، ص.99–98 ((9(المرجع نفسه، ص.99 (9((الفارابي، السياسة المدنية، ص.57

الخالصة التي تنطبق مع موضوعها انطباقًا تامًا، ولا يتصوّر تمايز فيها، من جهة أو ناحية لأنها في تجانس تام ولا تُدرَك إلا بالعقل الخالص. وفي أسفل السلّم، نضع الوحدة التي لا موضوع لها البتّة، وهي قابلة لأن تكون أي شيء (الأولى: 1=1 و=1 الكل)، (الثانية: *=1 و*= فرد أو مجموعة أفراد). وبما أن الوحدة الثانية لا تُعرف إلا بمقابلتها بالوحدة الأولى وإضافتها إليها، فهي ستُشدّ إليها انشدادًا اعتباريًا. فبما أن الوحدة الأولى تنطبق مع موضوعها با تمايز، فهي موجودة، ووجودها هو موضوعها، هنا يظهر سبق الفلسفة الإسامية على الكثير من التأسيسات في هذا المضمار، كما هو حاضر بقوة عند سبينوزا. والثانية، هي غير موجودة لخلوّها من الموضوع، لكنها غير معدومة، لأن افتراض الحد الأقصى يقتضي افتراض الحد الأدنى،

ولأن قابليتها كي تتقبل أي موضوع يجعلها موجودة بالإضافة، فهي إذًا، ممكنة الوجود. فالممكن، هو الحد الأقصى للوجود من حيث التدني. لكن لا يعني هذا القول أن الممكن هو جزء من الوجود، إلا إذا وجد بالفعل. فيكون وجوده هو موضوعه، موجودًا بالإضافة على نحوين: هو واجب بالواجب، وممكن بالممكن، فالواجب فيه هو وجوده، ووجوده ليس من ذاته، والممكن فيه هو ذاته خلوًّا من الوجود. وتتمثل النتيجة التي نستخلصها في كون: الوجود في كل ممكن هو منحة وهبة ترتبط بمبدأ خارجي. والنتيجة الثانية المترتبة عن هذه هي أنه لا وجود إلا للوجود، وما وُجد عن الوجود فهو

وجود. يقول الفارابي في كتاب السياسة المدنية معرّفًا الممكن: «هو الذي ليس في نفس طبيعته أن

يكون له وجود شيئًا، وأن يوجد مقابله [...] وهو على نحوين: أحدهما ما هو ممكن أن يوجد شيئًا، وأن لا يوجد ذلك شيء، وهذا هو المادة. والثاني ما هو ممكن أن يوجد هو في ذاته وأن لا يوجد، وهذا هو المركب». ثم في أعلى السلّم نجد واجب الوجود (الله) الذي هو فعل محض، وهو موجود بالفرض، لأنه لا يوجد شيء إلا متى وضع موجودًا، وبالواجب لأنه لا يمكن أن لا يوجد، وإلا استحالت المعرفة سلبيًا وإيجابًا، لأنه لا معرفة إلا بالوجوب، «[...] فهو الموجود الذي إذا اعتبر بذاته

وجب وجوده، ومتى فرض غير موجود لزم منه محال »[...]. هذا المنهج هو رياضي تحليلي، يضع نتائج ثم يستخرج منها مقدّماتها، وبعد ذلك ينطلق من هذه المقدّمات فيصل إلى النتائج نفسها. فيقول عن الطريق الأولى من السير إنها انتقال من «مبادئ الوجود»، وعن الثانية إنها انتقال من «مبادئ التعليم». فإذا ما قدّمنا مثلً أن الوجود واحد، والعلم هو علم بالوجود، إذًا العلم هو علم بالواحد، والعلم بالواحد هو علم واحد. ثانيًا: العلم الواحد، والوجود

هو علم بالواحد، إذًا، العلم بالواحد هو وجود، فتكون النتيجة، أن الوجود علم والعلم وجود. ومن هذه النتيجة نفهم أن كل ما هو عقلي نظري موجود، وكل ما هو موجود عقلي نظري. إذا ما وجّهنا نظرنا، في درجة أخرى، نحو المحسوس، مستعينين بما تقدم، فسناحظ أنه يوجد فيه أربعة أنواع من الوحدات المتناسبة:

((9(المرجع نفسه، ص.58–57 ((9(المرجع نفسه، ص.58

–1 وحدة جامعة، –2 وحدة مجموعة، –3 وحدة بين جامعة وجامعة، –4 وحدة بين مجموعة ومجموعة. الأولى يلزم أن تكون جامعة لوحدات، والثانية جامعة لمجموعات، والثالثة ما به توجد الجامعة، والرابعة ما به توجد المجموعة. لذلك فإن كل وحدة من هذه الوحدات تدخل في كل وحدة من هذه الوحدات من حيث هي جامعة أو مجموعة – لكن هل نظرية السعادة – باعتبارها بناءً عقليًا يربط بين

النظر والوجود، ويمكن أن تتفق مع ما يتطلّبه الواقع الفعلي؟ وبصوغ آخر «أترى هذه النظرية قد أعطت أيضًا الأشياء التي بها يمكن أن تحصل هذه بالفعل في الأمم والمدن؟». يجيب الفارابي، با تردد، أنها إذا كانت قد أعطتها معقولة، فإنها قد أعطتها أيضًا موجودة، ويضرب مثالً لذلك، «إن كان إذا أعطيت البنائية معقولة وعقل بماذا تلتئم البنائية، وبماذا يلتئم البناء، فقد أوجدت البنائية في الإنسان. أو يكون إذا أعطي البناء معقولً، فقد أعطى البناء موجودًا». فإذا ما أريد لهذه الأشياء المعقولة أن توجد خارج النفس، فيجب، في الأول، أن تكون أشياء شأنها أن توجد خارج النفس، ثانيًا: يلزم «ضرورة

عندما يقصد إيجاد هذه الأشياء النظر إلى شيء آخر غير العلم النظري»؛ لأن ما يوجد خارج النفس، إما أن توجده الطبيعة، وإما أن يوجده الإنسان، وفي كلتا الحالتين احتاج أن تقرن به أعراضه وأحواله، غير أن ما توجده الطبيعة، تقترن به الأعراض بالطبيعة، وما يوجده الإنسان بالإرادة، «فإن الأعراض والأحوال التي تقترن بها مع وجودها هي أقصى بالإرادة». لكنها إذا ما وُجدت، لا يلزم أن توجد كما هي مصوّرة في الذهن أو على حسب الوجود الذي تختاره لها الإرادة، لأن مزاحمة إرادات أخرى

(من ناس آخرين ومن الطبيعة) لها، يدفع بها إلى أن توجد معدلة، لكن على الرغم من ذلك تبقى لها ماهية معقولة واحدة. وطبقًا لهذه الشروط، يصبح العلم المدني ممكنًا، ويعتمد فيه داخل المنطق الأنطولوجي، «السياق الوظيفي». ذلك أن صفة النظام في المدينة تكتسي طبيعة وجودية وظيفية؛ ف «ترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولً أخسّها، ثم الأفضل فالأفضل، إلى أن تنتهي إلى أفضلها الذي لا أفضل منه »[...].

ثم إنها وظيفية؛ لأن موجودات المدينة ستتوحد على أساس الإرادة والفعل الوظيفي؛ إذ إن «الواحد (يقال كذلك) على كل شيئين يفعان فعلً واحدًا بالنوع، إذا كان يبلغ بكل واحد منهما على حياله إلى غرض واحد بعينه». إذًا، نحن بصدد وجه آخر من التعقل، وهو ذلك المبني على «الوحدة التناسبية»، حيث تغيب الماهية الفردية، لتحلّ محلّها العاقة بين الأفراد، أو بين المجموعات. فنظرية المجموعات تتراتب بالنظر إلى

(9((الفارابي، تحصيل السعادة، ص.64 ((9(المرجع نفسه، ص.65 ((9(المرجع نفسه. ((9(المرجع نفسه، ص.66 (9((الفارابي، الآراء، ص.66 (10((المرجع نفسه.

مقياس: الأقل كثرة هو الأعلى مرتبة والأكمل وجودًا والأثبت معرفة والأقدر في الفعل. فلو ميّزنا

بين فعل الإرادة والمراتب، فإننا سنميز بالفعل نفسه بين الاختيار ومجال الاختيار، وإذا ميّزنا بين فعل

الإرادة وآثار فعلها، فإنا بالتالي سنميز بين خلق الإرادة ومرتبة الأثر المخلوق. فالإنسان المدني مهما كانت مرتبته، يكون له دائمًا تشوّق ونزوع إلى مرتبة أفضل، فإذا ما رفعت عنه المعوّقات التي هي من

خارج ذاته التي بها تجوهره وهي النطق، أمكنه الترقي با توقّف، حتى يُدرِك السعادة القصوى. والفطرة

إنما تعني تطابق الموجود الفعلي مع المعقول الصوري، لا تطابق الإرادة والاختيار مع الواقع الفعلي. إذا ما وضع كل موجود في مرتبته التي تخصّه، نكون بالتالي قد هيّأنا شروط «التناظر» بين عالم الربوبية

وعالم النفس والمدينة والطبيعة، «فإن السبب الأول نسبته إلى سائر الموجودات، كنسبة ملِك المدينة الفاضلة إلى سائر أجزائها». «وكما أن العضو الرئيس في البدن هو بالطبع أكمل أعضائه، ودونه أيضًا أعضاء أخرى رئيسة لما دونها [...] كذلك رئيس المدينة هو أكمل أجزاء المدينة فيما يخصه [...] ودونه قوم مرؤوسون منه ويرؤسون آخرين»، لأن الوجود الواحد لا يحدث الاختاف فيه إلا ويصير عودة إلى الوحدة من وجوه كثيرة، وحينئذ سيكشف الباحث أن للعالم الفوقي نظيرًا في

العالم السفلي [...] ثم يأخذ نظائر هذه في القوى النفسانية الإنسانية [...] وفي أعضاء بدن الإنسان [...] وأيضًا في المدينة الفاضلة، ويجعل الملك والرئيس الأول فيها منزلة الإله الذي هو المدبّر الأول

للموجودات وللعالم، وأصناف ما فيه. فمبدأ الاختيار لا يعني شذوذًا عن النظام، والإرادة الحرة لا تعني استقالية عن مراتب الوجود، بل الكل يعود إلى إرادة حرة واحدة لها اختيار واحد وفعل واحد لوجود واحد، حيث إن «الله تعالى هو المدبّر أيضًا للمدينة الفاضلة، كما هو المدبّر للعالم، وأن تدبيره

للعالم بوجه وتدبيره للمدينة الفاضلة بوجه آخر، غير أن بين التدبيرين تناسبًا، وبين أجزاء العالم وأجزاء

المدينة أو الأمة الفاضلة تناسبًا »[...]. مفاد هذا الإقرار أن من بين ضمنيات الفلسفة الفارابية ما به يمكن تصوّر مشروع لتأسيس أنطولوجي

لأسلوب وجود مدني يكون اختافيًا تباينيًا تعدديًا في جوهره، خافًا لمعهود تأويل الفارابية، في هذا

الصدد تحديدًا، من جهة كونها فلسفة الواحد والتوحيد والوحدانية، انجذارًا راسخًا في تربة الأفاطونية

المحدثة، كما آل بها الأمر ضمن الفضاء الإبيستمي العربي الإسامي. والافت في هذا الشأن، أن العلم المدني، لا يكون ممكنًا إذًا إلّ بالإقرار بمركزية مفهوم التناسب القائم، عند الفارابي، بين التدبير الإلهي للمدينة والأمم والتدبير الإلهي للعالم، وبين أجزاء العالم وأجزاء المدينة. وبناء على هذه المركزية، يتحوّل العلم المدني إلى علم رئيس.

10(((الفارابي، كتاب الملة، ص.63–62 10(((الفارابي، الآراء، ص.122 (10((المرجع نفسه، ص.121–120 10(((الفارابي، كتاب الملة، ص.63 (10((المرجع نفسه، ص.64 10(((مصطفى كمال فرحات، «التأسيس الأنطولوجي للتواجد المدني الاختافي لدى الفارابي»، مجلة آداب القيروان (كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان)، العدد 2 (تشرين الأول/ أكتوبر 9971)، ص.70–41

هي إذًا نظرة كونية واحدة وموحّدة، تبتدئ بالوحدة وتنتهي إليها، وتبحث عنها فتجدها في كل شيء،

وتجد كل شيء فيها. تكمن سعادة الإنسان القصوى في أن يكون واحدًا، ويكون عالمه واحدًا، ومدينته واحدة، وربه واحدًا، وقصارى جهده في هذه الحياة أن يرتقي في مدارج الوحدة حتى ينتهي إلى (ويفنى في) الوحدة القصوى، ويتّحد بالوجود الأقصى، أو يعود إليه كمعقول بعد أن فارقه كمادة: «فالكمال في الوحدة، والنقصان في الكثرة». هذا هو مفتاح منهج البحث عند الفارابي، وهو يستمد مشروعيته من عقيدة إسامية صميمة، وتتجلى مقدرة الفارابي عند هذه النقطة.

في الاعتراض على نظرية السعادة العقلية: أو ابن خلدون متظننًا على الفارابي، أيّ مسوّغات؟

يُعزى تظنن ابن خلدون على نظرية السعادة العقلية على نحو ما قال بها الفارابي إلى أساسها الفلسفي

النظري أولً، الذي لم يقبل به العامة. هذا ما عبّر عنه الفصل الحادي والثاثون من الباب السادس من

المقدمة، الموسوم ب «في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها ». بهذا المعنى، كان دحض ابن خلدون للفلسفة بمعنيين، ما بعد الطبيعة: المعنى الأول هو العلم النظري المتجاوز التجربة. والمعنى الثاني هو العلم العملي المعارض الممارسات العملية للدين. من المهم التنبيه في هذا السياق، إلى أن فصل إبطال الفلسفة، لا يخص العلوم العقلية أو المعرفة العقلية، بل يتعلق رأسًا بالميتافيزيقا القائمة على

العقل المحض، بمعنى أنها معرفة مجرّدة، تتجاوز حدود التجربة، تُعنى بالبحث في المبادئ والعلل

الأولى للوجود. فهي لا تنشغل بالأشياء الحسّية، وإنما بالمسائل المجردة مثل الله والنفس [...] إلخ. بناء عليه، فإن هذا التجاوز الامشروع في تقدير ابن خلدون: «ليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوءة. وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمعٌ في مُحال». تناول ابن خلدون بعد ذلك موضوع السعادة عند الفاسفة، انطاقًا من بحث أرسطو في النفس: لقد ربط المعلّم الأول السعادة بإحاطة النفس بمعرفة الأشياء الحسّية والماورائية على نحو نظري،

واستغرب ابن خلدون من اعتبار بعض الفاسفة بعد أرسطو أن الأجرام السماوية مالكة لأنفس وعقول

10(((الفارابي، كتاب الملة، ص.63–62 10(((عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل الحادي والثاثون، ط 2 (بيروت: دار صادر، 0002)، ص.415 10(((أبو يعرب المرزوقي، المفارقات المعرفية والقيمية في فكر ابن خلدون الفلسفي (تونس: الدار العربية للكتاب، 2006)،

هامش رقم 52، ص 6 1؛ ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس، الفصل العاشر: في علم الكام، ص.341 يقول أبو يعرب المرزوقي هنا: «ما ينفيه ابن خلدون هو إذن تجاوز العلوم العقلية للمعرفة الحسية العقلية المتعلقة بالأمور ذات الوجود المحسوس المعقول، أي المخالطة للمادة وما عدا ذلك مزاعم يتصدّى لها فصل إبطال الفلسفة في معناها المقصور على هذه المزاعم والمستثنى منه

العلوم العقلية المعتمدة على الحس والعقل معًا وتعود هذه المزاعم إلى أمرين مستندين إلى نفس الوهم: وهم حصر الوجود في

الإدراك. فأما الأمر الأول، فيتمثل في الزعم بأن العقل يستطيع أن يعلم غير المحسوس المعقول، أي غير ما هو طبيعي. وأما الأمر الثاني، فيتعلق بالزعم أن العقائد الإيمانية تُصحح بالعقل وخاصة العقائد المتعلقة بالروح ومصيره وباليوم الآخر وطبيعة الإله وطبيعة

السعادة الإنسانية في اليوم الآخر»، راجع: أبو يعرب المرزوقي، «الفلسفة والتصوف عند ابن خلدون»، المجلة التونسية للدراسات

الفلسفية، العدد 8 (تشرين الثاني/ نوفمبر 9891)، ص.56–43

مثل الإنسان، ويهدف من خال ذلك إلى نقد نظرية الفيض لدى الفارابي الذي جعل عدد العقول السائدة في عالم ما فوق القمر عشرة. وهو طرح متهافت في نظر ابن خلدون، نظرًا إلى استحالة حصر

الفضاء السماوي (عالم ما فوق القمر في الأفاك العشرة المتناظرة مع العقول العشرة). لأن في ذلك تضييقًا لخلق الله، حيث إن «الوجود أوسع نطاقًا من ذلك، ويخلق ما لا تعلمون». وبناء عليه، دحض ابن خلدون هنا، النزعة الطبيعانية المُستقاة من الأرسطية العاجزة عن معرفة حقيقة الوجود

الامتناهي واللدني المؤدي إلى العرش الإلهي كما «بسطته لنا الشريعة الحقّة المحمدية». على هذا النحو من النظر، لم يقبل ابن خلدون بالتصوّر الفارابي القائل إن النبي والفيلسوف هما

اللذان تحصل لهما السعادة بتلقي العلوم والحقائق من «العقل الفعال». فيتساءل العامة، كيف يمكن الإنسان أن يسعد بالحصول على معرفة نظرية؟ وكيف يمكن الإنسان أن يعرف عالم ما فوق القمر؟ وكيف يمكن النبي أو الفيلسوف التمييز بين الحق والباطل وبين الخير والشر بمحض العقل، أي في غياب تنزيل وشرع؟. من هذا المنطلق، فإن التشنيع الخلدوني موجّه إلى المماثلة «الفاسدة» التي

أقامها المعلّم الثاني بالخصوص بين الفيلسوف والنبي: الفيلسوف هو نبي وضعي يتلقّى ويتشوّف

الحقائق والرؤى بوساطة «العقل الفعال»، ولا يمسّه نصب ولا لغوب: «[...] إن من حصل له إدراك

العقل الفعال، واتصل به في حياته، فقد حصّل حظه من هذه السعادة، والعقل الفعال عندهم (الفارابي

وأرسطو وابن سينا)، عبارة عن أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب الروحانيات ويحملون الاتصال بالعقل الفعال على الإدراك العلمي». في حين يتلقى النبي المرسل علمه مباشرة من ماك الوحي جبرائيل. يرفض ابن خلدون في سياق مراجعته النقدية للمقاربة الفلسفية الفارابية لنظرية السعادة، أن تكون هذه الأخيرة مرتبطة بالمعرفة النظرية فحسب، وأن يكون الجهل سببًا للشقاء، فيميّز العامة بين المعرفة التي

تحصل عن طريق الإدراك الحسي والبرهان العقلي من جهة، والمعرفة المباشرة من دون وسائط الحس

والدماغ التي تحصل للمتصوّفة من جهة أخرى. مع أن المعرفة الصوفية التي تُدخِل البهجة في النفس

هي تجربة فردية؛ إنها معرفة بالذوق، لا يمكن التعبير عنها ولا تبليغها. ولا دخل للدلائل العقلية في التجربة الصوفية، ولا عاقة بين العقل البرهاني والمنطقي من جهة، و«العقل الفعال» الذي يُلهم نفوس

المتصوفين المتأثرين بنظرية الفيض الفارابية. يرفض ابن خلدون إذًا اعتبار «العقل الفعال» مصدر العلم الحقيقي، وكل طروحات المتصوفة بخصوص معرفتهم وسعادتهم زائفة وباطلة، فا المعرفة الصوفية هي معرفة «مقنعة»، ولا بهجتهم هي السعادة الحقيقية، إضافة إلى أن تحصيل معرفة مطلقة بكل الموضوعات غير ممكن لإنسان،

(1((1 ابن خلدون، ص.416 (((11 المرجع نفسه، ص.418 (((11 رجاة العتيري، «نقد الماورائيات في مقدمة ابن خلدون»، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية (خلدونيات 2006–1406)، السنة 92، العدد 9–484 (تونس: مطبعة تونس قرطاج، 0102)، ص.69 (((11 ابن خلدون، ص.417

لانفتاح الوجود وتنوّعه الكبير، ولحدود قدرة العقل والحس على الإحاطة بكل ما هو موجود بأنواعه.

إن ما يروم ابن خلدون التنبيه إليه هو أن شرط السعادة، أي الطمأنينة، لا يُعزى إلى محدد نظري، بل

هو أخاقي عقائدي، ومرتبط باحترام القوانين الشرعية، لا بالصعود إلى عالم «العقل الفعال»، أو إلى أنفس الأجرام السماوية، أو بالحصول على العلوم البرهانية فحسب. ليست إذًا السعادة الصوفية هي كل السعادة. «ولذلك، يجب الاحتراز من الماورائيات والروحانيات حتى لا يتيه المؤمن في المتاهات والأوهام التي لا تُجدي علمًا ونفعًا». تبعًا لذلك، لا توجد السعادة، إلا على المنوال الجماعتي والشرعي. وبإيجاز، فهي تتحقق في الامتثال السلوكي والتجانس العقائدي والأمل، بأنها الجزاء النهائي لأفعالنا في الآخرة.

خاتمة

حاولنا الإلمام بأهم ما انتهى إليه القول الفلسفي في تجلياته الفارابية حول إشكالية السعادة مفهمة

وتحصيل؛ وإذ يرتفع التفكير بشأنها إلى هذا المقام من النظر، فلكونها المطلب الذي يتقاطع عنده القول السياسي – الخلقي والنظري، فتكون غاية العقل النظري والعملي في آن معًا. يبقى أن نشير في نهاية هذه الدراسة إلى أن التفافنا حول الفارابي اليوم وعودتنا بالتمحيص إلى تراثه وإعادة قراءة بعض آثاره، يدل على تفاعلنا القائم إلى يومنا مع مقاصد الفارابي التي بقيت هي مقاصدنا، وكأني به يُعاصر قضايانا. الأمر الذي يعطينا مشروعية القول إن الحداثة ليست نسفًا للقديم وهدمًا

للتراث، بقدر ما هي إحياء له وتجاوز وإعادة قراءة واستلهام لما فيه، بما ينفع الحاضر ويزيده غنى، بل إن هذه القضايا لتصب في جوهر مشاغلنا الحاضرة، إزاء ما يسم وجودنا الإنساني اليوم من أزمات سياسية وأخاقية، بفعل التحولات الجيوسياسية، والاستشراء الافت للحروب والصراعات بين الأمم، وانسداد أفق التواصل الحقيقي، على اعتبار ما يحكم عاقة الإنسان بالإنسان من عنف وإقصاء، وتحويل اللقاء بالآخر إلى مناسبة لممارسة الهيمنة وافتعال الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية. كما أن تحويل العالم إلى «قرية كونية»، ليس سوى مظهر من مظاهر استعادة التحكم في المصير: الفكري والعلمي والثقافي لإنسانية في زمن القبضة الواحدة، وسيادة منطق المنفعة، أو الاستخدام الأداتي للقيم، وتضخيم قيمة النجاعة على حساب مطلب المعنى، بما يهدد الإنساني في الإنسان، في عصر «الامسؤولية المعممة» على حد عبارة إدغار موران المدوّية. هذا التأكيد للطابع المركب

للمسؤولية، بوصفها مسؤولية معممة، يشترك فيها كل من العالم والفيلسوف والفنان والسياسي

(((11 العتيري، ص.70–69 1(((1 مصطفى بن تمسك، «منزلة الفلسفة في المدينة الخلدونية»، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية (خلدونيات –1406 /

2006)، السنة 92، العدد 9–484 (تونس: مطبعة تونس قرطاج، 0102)، ص.79

(116) Miriam Galston, Politics and Excellence, the Political Philosophy of AlFarabi (New Jersy: Princeton University Press, 1990), pp. 55–94. (117) Edgar Morin, Science avec Conscience (Paris: Seuil, 1990), pp. 116–117.

وصاحب المشروع، وأن هذه المسؤولية تندرج ضمن رهان فلسفي وإيتيقي، ينتصر للمعنى في مقابل الانتصار للمردودية. عند هذا المنعطف، فإن الانفتاح على أفق التفكير الفلسفي الفارابي إنما القصد منه هو ترشيد سياساتنا في مناحيها الأنطولوجية والإيتيقية والسياسية، لاستعادة المعنى، ما دامت السعادة، وهي الهدف والغاية، لا يمكن أن تتحقق إلا في اجتماع كامل فاضل، أي بتعاون الناس واشتراكهم في حياة منظمة تنظيمًا مثاليًا، وهو ما يؤكد في الوقت ذاته قيمة هذا الفيلسوف ورجاحة آرائه. فقد كان الفارابي فيلسوفًا مستنيرًا أراد إرساء تعامل عقلي مع العلوم والإلهيات والسياسة والأخاق، فساهم في تنوير العقل، ورام أن يرفع الإنسان إلى أعلى مستوى، وأن يسطّر له سلوكًا سياسيًا متأقلمًا مع عقله ومتماشيًا مع أخاقية متطورة، ترتكز على التعقل وتبتعد عن الخبث والمكر والتنكر. وعودتنا إلى الفارابي اليوم، هي عودة إلى التأمل والبحث في الحقيقة في كل مستوياتها، لكنها عودة إلى التعقل ونبذ كل تطرف في سلوكنا، عودة إلى العقل التنويري المنفتح الذي يركز العلوم ويؤسسها على أرضية صلبة. فهي عودة إلى كياننا لترتيبه وتثبيته وتأصيله وإعادة بنائه على العقل والتسامح، لتحصيل مطلب السعادة، بما هي غاية الاجتماع الإنساني الفاضل. ومن هنا، لا مشاحة في القول، إذا كان سؤال الأنطولوجيا قد شغل الفيلسوف اليوناني، فإن سؤال الغاية والسعادة شغل الفيلسوف العربي، بالبحث عن السبيل القويمة لتحصيل السعادة، ورسم المناهج الأخاقية التي تتحقق بموجبها، ومدى تقريب المنقول اليوناني، لأجل هذه الغاية، بخاصة في مستواها العقلي والعملي. هذا ما يدفع بنا إلى القول إن هاجس فيلسوفنا هاهنا، يتعيّن رأسًا في منح مشروعية للفلسفة داخل المجتمع العربي الإسامي، بوصفها أعلى الصناعات البشرية: «وأحد أجناس الأشياء الإنسانية التي إذا حصلت في الأمم وفي أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة». الأمر الذي بمقتضاه تكون «الفلسفة ليست من الأشياء الفاضلة فحسب، بل هي النافعة في الحقيقة، ثم ليست هي نافعة غير ضرورية، بل نافعة ضرورية في الإنسانية». وبناء عليه، لا خيار سوى كسب الرهان، رهان الفلسفة ورهان الإنسان في آن معًا. ومهما يكن من أمر، فإن الإحاطة النظرية بتابيب إشكالية السعادة من الصعوبة، بوصفها حمّالة أوجه. وبناء عليه، أقول على لسان أبي نصر الفارابي: «[...] فإنا مع شدة العناية بذلك، نعلم إنّا لم نبلغ من الواجب فيه إلا أيسر اليسير، لأن الأمر في نفسه صعب ممتنع جدًا».

1(((1 الفارابي، تحصيل السعادة، ص.49 1(((1 الفارابي، «فلسفة أفاطون وأجزاؤها ومراتب أجزائها من أولها إلى آخرها»، في: أفاطون في الإسام، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار الأندلس، 9821)، ص.16 2(((1 الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين، ص 3.7

References

المراجع

العربية

أفاطون في الإسام، تحقيق عبد الرحمن بدوي. بيروت: دار الأندلس،.1982 ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. ط.2 بيروت: دار صادر،.2000 ابن رشد، أبو الوليد. تلخيص الخطابة. تحقيق عبد الرحمان بدوي. بيروت: دار القلم،.1959 الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة. تحقيق محمد عابد الجابري. ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1998 بن تمسك، مصطفى. «منزلة الفلسفة في المدينة الخلدونية ». المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، (خلدونيات / 2006–1406). العدد 9–48.4 السنة 9.2 تونس: مطبعة تونس قرطاج،.2010 الجابلي، سعيد. « الفارابي: نظرية المدينة والسعادة أو مقال في الإنسان سؤال الفلسفة الأقصى ». مجلة كتابات معاصرة. مج 6.2 العدد 01.1 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 ________. «مفهوم العلم الإنساني عند الفارابي: نحو مقاربة أنثروبولوجية في العصر الوسيط ». مجلة دراسات فلسفية (الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية). العدد 6. (نيسان/ أبريل 016.)2 الدريسي، فرحات. مراجعات مفهومية في الثقافة العربية الإسامية. تونس: أديكوب للنشر،.1999 العتيري، رجاة. «نقد الماورائيات في مقدمة ابن خلدون ». المجلة التونسية للدراسات الفلسفية (خلدونيات / 2006–1406). السنة 9 العدد 2. 9–48.4 تونس: مطبعة تونس قرطاج،.2010 العيادي، سالم. مدخل إلى الفلسفة السياسية عند المعلم الثاني أبي نصر الفارابي. كتاب الإصاح. العدد 7. سلسلة كتب إلكترونية، 015:.2 في pdf _7. livre / com. alislahmag:// http الفارابي، أبو نصر. آراء أهل المدينة الفاضلة. قدم له وعلق عليه ألبير نصري نادر. ط.2 بيروت: دار المشرق،.1986 ________. إحصاء العلوم. بيروت: نشرة مركز الإنماء القومي،.1991 ________. تحصيل السعادة. حققه جعفر آل ياسين. بيروت: دار الأندلس،.1983 ________. التنبيه على سبيل السعادة. تحقيق جعفر آل ياسين. ط.2 بيروت: دار المناهل،.1987 ________. الجمع بين رأيي الحكيمين. قدم له ألبير نصري نادر. ط.4 بيروت: دار المشرق،.1981 ________. الدعاوي القلبية. طبعة الهند، 6134 ه.

________. رسالة في العقل. تحقيق موريس بويجي. ط.2 بيروت: دار المشرق،.1983 ________. السياسة المدنية. تحقيق فوزي متري نجار. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1964 ________. فصول منتزعة أو فصول المدني. حققه وقدم له وعلق عليه فوزي متري نجار. بيروت: دار المشرق،.1971 ________. كتاب الحروف. حققه محسن مهدي. ط.2 بيروت: دار المشرق،.1990 ________. كتاب المقولات «قاطيغورياس». نشرة مجلة المورد العراقية. مج.4 العدد 1).975(3 ________. كتاب الملّة ونصوص أخرى. تحقيق محسن مهدي. بيروت: دار المشرق،.1986 ________. كتاب الواحد والوحدة. تحقيق محسن مهدي. الدار البيضاء: دار توبقال،.1998 فرحات، مصطفى كمال. «التأسيس الأنطولوجي للتواجد المدني الاختافي لدى الفارابي». مجلة آداب القيروان (كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان). العدد.2 (تشرين الأول/ أكتوبر 1).997 قشيقش، محمد. نظرية الإنسان في فلسفة الفارابي. بيروت: دار التنوير،.2011 مجموعة من الأساتذة الجامعيين. دراسات حول الفارابي. صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.1995 محجوب، محمد. « الفلسفة السياسية عند الفارابي، أوضاع العلم المدني». مجلة دراسات عربية. السنة.21 العدد 6 (أيار/ مايو.)1985 المرزوقي، أبو يعرب. «الفلسفة والتصوف عند ابن خلدون». المجلة التونسية للدراسات الفلسفية. العدد 8 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)1989 ________. المفارقات المعرفية والقيمية في فكر ابن خلدون الفلسفي. تونس: الدار العربية للكتاب،

مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب. تهذيب الأخاق. تقديم سهيل عثمان. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي،.1981 التوحيدي، علي أبو حيان وأحمد بن يعقوب مسكويه. الهوامل والشوامل. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،.1951 المصباحي، محمد. «الفيلسوف والمدينة». مجلة مدارات فلسفية (المغرب). العدد 3 (شباط/ فبراير

منسية، مقداد عرفة. الفارابي فلسفة الدين وعلوم الإسام. بيروت: دار المدار الإسامي، حزيران/ يونيو

الأجنبية

Mahdi, Muhsin S. Al–Farabi and the Foundation of Islamic Political Philosophy. London: Ed. The University of Chicago Press, 2001. ______. La Cité vertueuse d’Al Farabi. La Fondation de la Philosophie Politique en Islam. François Zabbal (Trad.). Paris: Albin Michel, 2000. Ibn Miskawayah, Ahmed. An Unpublished treatise of Miskawaih on Justice. M.S. Khan (trans.). Leiden: E.J. Brill, 1964. Morin, Edgar. Science avec Conscience. Paris: Seuil, 1990. Galston, Mriam. Politic and Excellence. The Political Philosophy of Al–Farabi. New Jersy: Princeton University Press, 1990. Zainati, Georges. La Morale d’Avempace Paris: J.Vrin, 1979.