مراجعة كتاب : العرب في زمن المراجعات الكبرى، محاولات في تعقّل تحولات الراهن العربي لكمال عبد اللطيف
Book Review: The Arabs in the Age of Great Revisions by Kamal Abdullatif
الملخّص
جماع القول أن كتاب "العرب في زمن المراجعات الكبرى، محاولات في تعقّل تحولات الراهن العربي" لكمال عبد اللطيف يعتبر نصا جريئا وازنا، وقيمة مضافة للفكر السياسي العربي المعاصر، واستنهاضا لقضايا ظلت مطمورة أو محتشمة في مشاريع الإصلاح العربية. كما يعدّ إسهاما فاعلا في الحراك الفكري، وإعادة لبناء السؤال الثقافي، ونبشا جديدا في ملفات شائكة ومقلقة باتت تؤرق المجتمع العربي بعد ثورات الربيع العربي، بفضل ما يحويه من طروحات وبدائل جديدة، وتحليل أفقي وعمودي، وتشخيص حيّ لمفاصل الأحداث ومجريات التحولات العالمية الراهنة.
Abstract
Kamal Abdullatif’s book can be said to be both audacious and balanced. It offers a major contribution to contemporary Arab political thought, revitalizing a number of questions long ignored by the mainstream of “reformist” Arab thinking. Coming in the wake of the popular revolutions known as the Arab Spring, Abdullatif’s book revisits a number of pressing issues.
- الثورات العربية
- المراجعات الكبرى
- الفكر السياسي العربي
- التعددية
- المواطنة
- العرب
- The Arabs
- Great Revisions
- contemporary Arab political thought
- the Arab Spring
عنوان الكتاب: المؤلف: كمال عبد اللطيف. الناشر: تاريخ النشر: عدد الصفحات: 224 صفحة.
العرب في زمن المراجعات الكبرى، محاولات في تعقّل تحولات الراهن العربي.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
يجسّد كتاب العرب في زمن المراجعات الكبرى، محاولات في تعقّل تحولات الراهن العربيلكمال عبد اللطيف، والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عام 0162، نصًّا فكريًا – سياسيًا متميزًا، وتشريحًا دقيقًا للحظة تاريخية تعد من اللحظات المفصلية في التاريخ العربي الراهن. ونظرًا إلى ما يكتسيه الكتاب من أهمية بالغة، فإننا سنسعى لقراءته ضمن زوايا معرفية تراوح بين التعريف به، وتحديد الموجهات الناظمة له، وتفكيك بنائه المنهجي، وعرض أبرز الأفكار والتصورات والمنظورات التي يحويها بين طياته.
في بنية الكتاب وناظمه المنهجي
يتكون الكتاب من 224 صفحة، تغطي ثمانية فصول موزعة على قسمين متوازيين، ورد الأول بعنوان: «مراجعة ما بعد الثورات العربية»، ويشمل الفصول الأربعة الأولى، بينما جاء القسم الثاني بعنوان: «أزمات الفكر العربي في الفكر واللغة والمفهوم»، مغطيًا الفصول الممتدة من الخامس حتى الثامن، إضافة إلى مقدمة وملحق، وهو حوار كان قد أجري مع مؤلف الكتاب، ونشر في جريدة الأحداثالمغربية في نهاية عام 0132، ثم بيبليوغرافيا الدراسة، وفهرس عام. أما من الزاوية المنهجية للكتاب، فنجد المؤلف يقرّ باقتحامه مغامرة الكتابة في مرحلة حساسة ودقيقة يتعذّر جسّ نبضاتها؛ كونها تندرج في خانة ما يعرف بالتأريخ للحاضر présent du L’histoire، أو التاريخ اللحظي أو الآني. وهي حقبة زمنية فائرة، لا تزال أحداثها في طور التشكّل والجريان والتقلبات، ولا تزال وقائعها تحت المراقبة؛ ما يجعل سؤال التنبؤ بالمسار الذي سيتّخذه هذا «التاريخ الساخن» أمرًا صعبًا، إضافة إلى تعذّر الاطّاع على كل مصادرها الأرشيفيّة، ومن ثمّ يصعب الإمساك بكل خيوطها. وتلك حقيقة وقف عندها كل من عاركوا مجال التأريخ للزمن القريب أو الحاضرانية، من أمثال فرنسوا بيداريدا، وروني ريمون، وهرفي كوتو – بيغاري، وغيرهم. ورغم هذه المطبّات الإبستيمولوجية، فإن القراءة الراصدة لكتاب كمال عبد اللطيف، تسمح بالتعرُّف إلى منظوره المنهجي المركّب من ثاثة موجهات في التفسير، وهي: المعطى الثقافي، والتاريخ الكوني، والمقاربة الفلسفية. فا تحليل ولا تركيب من دون إسناد ثقافي مفسّر، ومن دون تاريخانية تعوّل على دور الأفكار في التاريخ لقراءة متغيرات الراهن العربي (ص. 0)1 ومع ذلك، فإن قراءة التاريخ عند المؤلف لا تعني القراءة السردية، بل القراءة التي يسميها البعض القراءة التراجعية المتبصرة التي تحترم معايير إعادة إنتاج الذاكرة. أما الناظم الثالث الموجه الذي ارتكز عليه منهج المؤلف، فهو المقاربة الفلسفية السياسية الحديثة بكل حيثياتها ودروسها ومبادئها العامة؛ باعتبارها مفتاحًا للتحليل المتعقّل (ص. 54) وعلى هدي هذه الموجهات الثاثة، طبّق عبد اللطيف منظوره المنهجي في مراجعاته الكبرى على جميع فصول الكتاب، وفق تحليل يتأسس من ثاثة أبعاد تأتي متسلسلة في ثنايا الدراسة؛ وهي البعد التشخيصي المرتكز على متابعة الوقائع وتداعياتها، والبعد النظري المبني على جملة من الأنساق النظرية والفرضيات التي تمثّل خيطًا مؤطرًا ومدخلً للبعد الثالث الذي هو بعد التجاوز، المسنود بقوة اقتراحية، وبدائل مفتوحة على النقد والحوار.
ووظف كذلك المنهج المقارن لاكتشاف المفارقات بين معطيات الفكرين الغربي والعربي، ومنجزات الفكر النهضوي في القرن التاسع عشر والفترة المعاصرة من جهة، ومقارنة المنظور الأخاقي لدى المفكِّرَين المغربيين: محمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن؛ ما جعله يفلح في توليد إضافات جديدة ضمن البدائل التي طرحها.
القضايا موضوع المراجعة وإستراتيجية التنفيذ
يصعب الإلمام بالقضايا التي وضعها المؤلف كافة على محكّ المراجعة؛ وذلك لتشابك القضايا المعرفية التي يامسها، وتوزعها بين السياسة والاجتماع والاقتصاد والتاريخ، وبعوالم إنتاج الرموز وإعادة إنتاجها، ومع ذلك يمكن وضع الإصبع على أهمها. في الفصل الأول وعنوانه: «الثورات العربية: نحو تجاوز ثنائية الداخل والخارج»، يقترح مراجعة مقولة ثنائية العامل الداخلي والخارجي في تفسير اندلاع حركات الاحتجاج العربية لعام 011.2 وانطاقًا من اللغط الذي صاحب قراءة بعض المفكرين وتخريجاتهم حول الفكر المؤامراتي باعتباره محرِّكًا لها، أثار عبد اللطيف سؤالً مركزيًا أطّر به مقترحه للمراجعة حول مدى حقيقة مفهوم التدخل «الخارجي» أو»المتآمر» في زمن العولمة، وهل ما زال ذلك المفهوم السلبي بالمعيار التقليدي يحضر في عالم متغيّر أصبح فيه «الخارجي» يمارس في حياتنا، طوعًا أو كرهًا، دور الصانع للقيم والسلوكات؟ يجيب المؤلف بما يشي بضرورة خلخلة تلك المفاهيم البالية (ص. 31)؛ لأن حتمية التعولم تحدّ من الخيارات الإرادية الحرة، وتجعل الذات تؤدي دور المشارك، من دون أن ينفي دور المقاومة والممانعة في ترتيب هذا المفهوم. ويدعم ما يذهب إليه بقرينة قوية، وهي أن هذا «التدخل الخارجي» لم يعد هو نفسه يمتلك موقفًا موحدًا بفعل تضارب مصالح أطرافه (ص –31.)32 ولعلّ ما يبعد الطابع «التآمري» في منظور المؤلف أن الشعارات المهتوفة في الاحتجاجات المليونية في الميادين العربية، رفعت مطالب داخلية محضة، مرتبطة بمشاريع الإصاح السياسي العربي النهضوي المتقطع الذي عاد إلى الانتعاش بعد تحوّل منظومة حقوق الإنسان من قضية عربية إلى قضية كونية، يتماهى فيها الداخلي مع الخارجي. وبفضل هذا التماهي، يصبح «الخارجي» مفهومًا طبيعيًا لا يتنافر مع المطالب الداخلية (ص. 33). وتأسيسًا على ذلك، فإن مفهوم «التدخل الخارجي» أو «التآمري» يجب أن يعاد النظر فيه (ص. 43) وفي الفصل الثاني بعنوان «ما بعد الثورات العربية زمن المراجعات الكبرى»، يصوّب المؤلف بوصلة اهتمامه نحو الأطوار الانتقالية التي أعقبت انتفاضات عام 0112، انطاقًا من مقاربة ثقافية. وفي هذا السياق، يعتبر أن هذه المرحلة الجديدة في التاريخ العربي هي مرحلة المراجعات في مقومات العمل الثقافي والسياسي، انطاقًا من تحليل تداعيات الفعل الثوري الحاصل في الباد العربية، وخاصة وصول الإسام السياسي، في كل من مصر وتونس والمغرب، إلى الحكم. وبعد متابعة دقيقة للمشهد السياسي في هذه البلدان، استنتج وجود فجوة بين شعارات الميادين، وتطبيقاتها في الطور الانتقالي، وعجز الفاعل السياسي وعدم قدرته على إدارة المرحلة الجديدة (ص. 74)؛ على نحو أربك المجتمع العربي، وقذف به في أتون مأزق سياسي، وفشل في
اختبار أول تجربة لإسام السياسي في الحكم (ص. 51). ويرى المؤلف في هذا الصدد أن لا سبيل إلى الخروج من هذا المأزق إلا بإطاق مشروع فكري يستهدف القيام بمراجعات كبرى في السياسة والثقافة والتعليم، ويتبنى الخيار الديمقراطي (ص. 53). ويدرج ضمن نقاط هذا المشروع، تصحيح الدساتير المعلن عنها عقب الثورات العربية، وإعادة صياغتها وتحيينها بما يائم شعارات الثورات العربية (ص. 61)–60 كما يدعو إلى مراجعة سؤال الهُوية، باعتبارها العنوان الأكبر في سجالات المشهد السياسي العربي في الطور الانتقالي الذي أفرز عودة خطابات الهوية. ويبرز عنوان المراجعة لديه في ضرورة الوقوف على الأدوار التي يقوم بها التاريخ في عملية تلوين الهُوية، وتذويب بعض صورها، أو تقليصها على الأقل (ص. 62) ومن القضايا التي توجد في قلب المراجعات التي دعا إليها المؤلف في الفصل الثالث، قضية الإصاح الديني التي سلكت مسارات خطيرة مع وصول تيارات الإسام السياسي إلى سدة الحكم بعد الثورات العربية، وتأثيرها السلبي في المشروع السياسي الديمقراطي من خال تحويل الجدل السياسي إلى مجال لاستقطاب الديني، وادعاء التيار الإسامي بأحقيته في الوصاية على الضمير الديني، ما يستدعي المراجعة «والتفكير في كيفيات تحرير الإسام، وتحرير الدين عمومًا من المتاعبين بقيمه السامية» (ص. 70) لا يجد فاحص مراجعة مسألة الإصاح الديني صعوبة في وضع اليد على مرجعية صاحبها، واستناده إلى تجارب التاريخ الأوروبي الحديث وفلسفة الأنوار، في تساوق مع المشروع النهضوي العربي الذي بدأ مع كتابات رفاعة الطهطاوي ورواد النهضة؛ لكن المؤلف يعلن رغبته في تجاوز سقف الوسطية الذي لم يتعدّ في خطاب هؤلاء مستوى المواءمة بين الإسام وروح العصر (ص. 84). وفي مقابل ذلك، يقترح تشخيص الوضع الراهن، وتقديم البديل المسلّح بوعي نظري وإجرائي. وقد استند في مراجعته إلى ثاث شذرات مستلة من سياقات نظرية وتاريخية جعلها «براديغمًا» في عمله، وهي كتابات روسو، وسبينوزا اللذين رأى في فكرهما مكاسب يمكن استثمارها في الدفاع عن العقل والحرية؛ لصلتهما بأسئلة الحاضر العربي. كما انفتح على بعض المفكرين العرب من أمثال عبد الله العروي وهشام جعيط وجورج قرم الذين تماهى مع فكرهم، خاصة في خيار القطيعة والاعودة (ص 88–87،.)97–96 وفي سياق وضع أطروحة الإسام السياسي تحت مجهر التحقيق، عرض المؤلف أشكال التدين في العالم العربي، مؤكدًا أنه مفيد للمجتمعات، شريطة تحريره من أكبال المقدس، وتطهير مسالكه من التشويه والتوظيف الخاطئ، داعيًا إلى تفعيل ما سماه «روحانية الحداثة» التي تنبثق من مفهوم كوني للتدين (ص. 64). وفي منحى المراجعات الكبرى كذلك، طرح عبد اللطيف في الفصل الرابع ما أسماه «التعددية المواطنة» التي أصبحت الحاجة ماسة إليها بعد تسيّد عمليات الاستقطاب الطائفي والإثني في الوطن العربي، بهدف تحقيق العدالة، وتكافؤ الفرص، وبناء التوازنات في داخل المجتمع الواحد. ويعالج مراجعته حول التعددية من خال استحضار البنية التاريخية المكوّنة للمجتمعات العربية (ص. 111)، فيشخّص الإشكالية من خال محورين: يشمل الأول
معضلة التغييب الذي مارسته منظومة الفكر القومي التقليدي على صور التعدد الإثني، ودور الأنظمة الشمولية في انفجار الطائفية، وعجز الدولة في المرحلة الانتقالية عن إنجاز التحديث، ومساهمتها في إذكاء الصراع الطائفي الذي تبلور في ظهور مشاهد العنف. أما المحور الثاني فيقدم فيه مقترحات لتطوير فكرة التعددية المبنية على نظام جديد في المعرفة، تتجاوز الأحكام القبلية، والمبادئ التي لم تعد منسجمة مع ثورة المعرفة وتحولات القيم، والاعتراف بمبدأ التعدد الإثني، وتأكيد مسؤولية الدولة في تحقيق الاندماج الاجتماعي والسياسي والتدبير التشاركي العادل بين فئات المجتمع، في سياق مشروع سياسي ديمقراطي (ص 8–11124). وعلى هدي مبدأ المراجعات، يدعو المؤلف في الفصل الخامس من دراسته حول أزمات الفكر العربي إلى مراجعة مفهوم الأزمة، معتمدًا في ذلك على كتاب بزل هازار وإدغار موران. وتأسيسًا على هذه المرجعية، يرى أن مقاربة مفهوم الأزمة تكمن في تشخيص معطياتها وتحليل أبعادها، للتوصل إلى ما يمكن أن يساعد على حسن إدارتها، وتدبير النتائج المترتبة عليها (ص. 9)12 ويدعو إلى تطبيق هذا المفهوم على المرحلة الانتقالية التي تعرفها الشعوب العربية في اللحظة الراهنة (ص. 131)، من خال التركيز على التعليم والبحث العلمي، وتأسيس جبهة للفكر الحداثي (ص. 145)–144 ويرتحل عبد اللطيف في دروب القضايا المطروحة على بساط المراجعة إلى ثيمة اللغة، وذلك في الفصل السادس وعنوانه: «نحو تطوير الأداء اللغوي العربي»، وفيه جعل تحت الضوء عامات الانكماش اللغوي الذي تعرفه لغة الضاد أمام تحديات العولمة، محذّرًا من أنها ستصبح عرضة للعزل والتهميش إذا لم تسارع إلى تطوير أدواتها. وتبدأ عملية تأهيل اللغة العربية في تصوره انطاقًا من تشخيص أعطابها المتجلية في سكونيتها، وعدم مسايرتها للتطور التقاني والطفرة التكنولوجية؛ ويقترح مقابل ذلك تأهيل النسق اللغوي بمنحه المرونة الكافية للتعبير عن مخاضات المجتمع، ومشروعاته في الإبداع والمعرفة، وتطوير النظام المعجمي والنحوي، واستيعاب مستجدات ترميز قواعد ولوج عوالم التقنيات الجديدة لتقليص حجم الفجوة اللغوية (ص 57–156 1). ولا يتسع المجال لعرض تفاصيل كل الأوراق الأخرى التي وضعها كمال عبد اللطيف تحت محكّ مراجعاته الكبرى، من قبيل ما أثاره في الفصل السابع حول موضوع «التسامح والحرية والمؤسسات»، وهو عنوان لا يخلو من دلالة حول حوافز المراجعة. فالمؤلف لا ينظر إلى التسامح بصفته فضيلة إنسانية مرتبطة بالفرد، بل هو قيمة متكاملة لها رمزية في مستويات متعددة شمولية، مرتبطة بالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، ومتماهية مع منظومة أخاق الدولة المدنية. وفي سياق مراجعته المستندة إلى التاريخ، تتبع المؤلف دلالات التسامح وكيفية تلقي الفكر العربي له، قبل أن يدعو إلى مأسسته ضمن مشروع كوني، في سياق حاجة فعلية وتاريخية إليه اليوم من جهة، وحتى يتحوّل إلى فضاء يتيح لكل الأفراد المساواة والحرية والاختيارات الحرة من جهة أخرى (ص. 171)–170 ومن القضايا الكبرى التي جعلها كمال عبد اللطيف في سلّة المراجعات كذلك، المسألة الأخاقية التي اختزلها في الفصل الثامن وعنوانه:
«أي قيَم نريد؟ أسئلة وأوليات». وفيه جعل من موضوع القيَم والنزعة الإنسانية مدخلً أساسيًا إلى مشروع الحداثة الذي لا يتحقق من دون التخلص من المأزق الأخاقي. ولعلّ ما يبرّر ضرورة مراجعة هذا الملف في رأيه، يكمن في تقادم المدونات الأخاقية السائدة، وعجزها عن مواجهة المستجدات التي أفرزتها رياح العولمة، وما صاحبها من اجتياح كبير للمنظومة الأخاقية بسبب تحكّم تقنيات الإعام والتواصل في صناعتها، وهو ما نتج منه خلل في نظام القيَم؛ ما يستدعي ضرورة تركيب مدونة أخاقية قادرة على بناء التوازنات القيمية. ويشخّص هذه الحالة بالإشكالات الأخاقية الكبرى التي تجتاح العالم برمته، والمتمثلة في التكنولوجيا النووية، والهندسة الوراثية وغيرها من المعضات الأخاقية (ص. 178) وفي ختام هذه القراءة، لا يسعني إلا أن أنوه بالجهد الذي أبان عنه المؤلف، باعتماده على أنفس المصادر، وأحدث الدراسات التي تجاوزت المئة دراسة موزعة ما بين التقارير العربية والدولية، والكتب العربية والأجنبية، والمقالات المنشورة في المجات والدوريات والحوارات التي أضفت صبغة علمية على مرجعيات الكتاب. جماع القول، إن كتاب العرب في زمن المراجعات الكبرى، محاولات في تعقّل تحولات الراهن العربيلكمال عبد اللطيف يعتبر نصًا جريئًا وازنًا، وقيمة مضافة إلى الفكر السياسي العربي المعاصر، واستنهاضًا لقضايا ظلت مطمورة أو محتشمة في مشاريع الإصاح العربية. كما يعدّ إسهامًا فاعلً في الحراك الفكري، وإعادة بناء السؤال الثقافي، ونبشًا جديدًا في ملفات شائكة ومقلقة باتت تؤرق المجتمع العربي بعد ثورات الربيع العربي، بفضل ما يحويه من طروحات وبدائل جديدة، وتحليل أفقي وعمودي، وتشخيص حيّ لمفاصل الأحداث ومجريات التحولات العالمية الراهنة.