علماء الشريعة ومنجزات الطب الحديث: التحديات الأخلاقية في عصر الجينوم نموذجًا
Sharia Scholars and Modern Medical Advancements: Ethical Challenges in the Age of Genomics as Example
الملخّص
نسعى في هذه الدراسة التحليلية لتتبع الأفكار التي حاولت أن تعالج سؤال دور الشريعة ودراستها في ظلّ منجزات العلوم الطبية والحيوية الحديثة، خاصة في عصر الجينوم. ليس الهدف من الدراسة إصدار أحكام فقهية تتعلق بقضايا معينة، وإنما بالأساس استجلاء تصورات الفقهاء المعاصرين ومواقفهم حول أسئلة تتعلّق بدور الشريعة في زمن الحداثة ممثلًا بمنجزات الطب الحديث التي حوّلت كثيرًا من "المستحيلات" القديمة إلى "عاديات" في حياة البشر اليوم. فكيف حاول الفقهاء المعاصرون المحافظة على دور للشريعة الإسلامية في هذا المجال الجديد؟ وما طبيعة هذا الدور وما حدوده؟ نحاول استقصاء الجوانب المختلفة لهذا الدور المفترض للشريعة، وفق تصور الفقهاء المعاصرين، والتطورات التاريخية التي طرأت على هذا التصور مع بزوغ عصر الجينوم. وفي الجزء الأخير من الدراسة، نطرح بعض الأفكار النقدية والمقترحات ذات الصلة بموضوع البحث.
Abstract
Abstract: This study offers an analytical overview of discussions about the possible role of Sharia in the age of modern biomedical advancements, especially genomics. Rather than judging specific issues from a normative juristic perspective, the main aim of this study is to explore the perceptions of contemporary Muslim jurists and their standpoints on questions related to the role of Sharia in the modern age. Modernity is epitomized here by the breathtaking biomedical advancements which have transformed many of old ‘impossibilities’ into today’s ‘routine’. In this regard, this study examines how contemporary Muslim jurists have tried to preserve a role for Islamic Sharia and how this role is conceived of at the dawn of the genome age. The last part of the article is dedicated to presenting some critical remarks about the main themes of this study.
- الجينوم
- الشريعة الإسلامية
- العلمانية
- الأخلاق الطبية والحيوية
- Sharia Scholars
- Modern Jurists
- Medical Science
- Biology
مقدمة: السياق التاريخي: دور الدين في ظل منجزات العلوم الطبية والحيوية
مع بدايات القرن العشرين تقريبًا، بدا واضحًا أنّ التطورات المتسارعة في مجال العلوم الطبية والحيوية، وما تنتجه هذه العلوم من آليات وتقنيات، سيتخطّى أثرها المجال العملي والتجريبي البحت؛ وذلك بسبب طرحها لعدد من الأسئلة والإشكالات التي تتطلب معالجات أخلاقية جادة. وقد حاولت الفلسفات والأديان التعامل مع هذه الأسئلة والإشكالات، بوصفها جزءًا من دورها التاريخي في تقديم أطروحات وإجابات عن اهتمامات البشر وهمومهم، وسعيًا كذلك لإثبات أنّ هذه الفلسفات والأديان لا يزال بإمكانها العمل والتأثير في ظلّ عصر الحداثة وما يحمله من تحديات جديدة. وقد شهد العالم الغربي (الولايات المتحدة الأميركية ودول غرب أوروبا على وجه التحديد) انحصارًا لدور الفكر الديني في مجال الأخلاق الطبية والحيوية مع انتصاف القرن العشرين. بل إنّ عددًا ممن تخصّصوا في الدراسات الدينية واللاهوتية أثناء المرحلة الجامعية قاموا بتنحية الخطاب الديني جانبًا، واعتمدوا الخطاب العلماني عند دخولهم مجال الأخلاق الطبية والحيوية. ففي دراسته عن تاريخ العلاقة بين الدين ومجال الأخلاق الطبية والحيوية، قارن ألبرت جنسن، أستاذ تاريخ أخلاقيات الطب بجامعة واشنطن، بين ما فعله المُنَصِّر الإيطالي ماتيو ريتشي عام 1582، عندما عبر حدود العالم الغربي مسافرًا إلى «الإمبراطورية المحظورة» في ذلك الوقت، وهي الصين، وما فعله عدد كبير من علماء اللاهوت بعد ذلك بأربعمئة عام عندما تخصّصوا في مجال الأخلاق الطبية والحيوية، حين«خلعوا رداء الأخلاق الدينية، ولم يرتدوا بدلً منها، ليس بالضرورة المعطف الأبيض للأطباء، وإنما عقلية الطب الحديث ذات الصبغة العلمانية بشكلٍ لا لبس فيه»1. ولا يناهض الخطاب العلماني هنا الدين في جوهره، وإنما يستبعد أيّ دورٍ محوري له في مجال الأخلاق العام. ويتمّ التفرقة بين «الأخلاق العامة» Common morality التي هي عالمية الطابع والتوجه Universal، ومن ثمّ يمكن أن يخاطب من خلالها عموم الناس، وهذا ما يصلح له الخطاب العلماني و«الأخلاق الخاصة» morality Particular، والتي يخاطب بها فئات مخصوصة. ووفق هذا التصور، فإنه يتمّ تصنيف الخطاب الأخلاقي الذي يعتمد مفردات ومعتقدات دينية ضمن فئة الأخلاق الخاصة2. ونودّ التأكيد هنا أنّ الخطاب الأخلاقي الديني لم يختفِ تمامًا من حقل الأخلاق الطبية والحيوية في الغرب؛ فلا تزال هناك إسهامات مختلفة من الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وتوجد مجلات متخصصة مثل مجلة The National Catholic Bioethics Quarterly. لكن تبقى هذه الإسهامات في نطاق الأخلاق الخاصة بمجموعات معينة من البشر، مثل المسلمين الذين يعيشون بوصفهم أقلية دينية في الغرب، أو مجموعة «شهود يهوه» المسيحية، ومن ثمّ، يظلّ أثر مثل هذه الإسهامات هامشيًا ومحدودًا مقارنة بالإسهامات التي تنتمي إلى الفكر العلماني.
لم يكن الخطاب الإسلامي، وخاصة الفقهي منه على وجه التحديد، ببعيدٍ عن هذه التطورات التاريخية؛ فعلى الرغم من أنّ جلّ المنجزات في مجال العلوم الطبية والحيوية حدثت خارج العالم الإسلامي، وفي بيئةٍ اجتماعية وسياسية وثقافية لم يعهدها كثير من الفقهاء المعاصرين، فقد شعر من يؤمن بأنّ الإسلام دينٌ معاصر وليس نحلة تاريخية فحسب، وعلى رأسهم علماء الشريعة3، بضرورة التعامل مع هذه الأسئلة والإشكالات الحديثة. ولا يخفى ارتباط هذا الشعور بالجدل الدائر في هذه الفترة حول مدى صلاحية الإسلام ونظامه الديني الأخلاقي (الشريعة) للتوجيه والإرشاد في مختلف مناحي الحياة في العصر الحديث، والموقف الذي صاغه علماء الشريعة في عبارة «الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمانٍ ومكان»4. وكان من الواضح وجود تخوّف لدى الفقهاء من تهميش دور الشريعة في هذا المجال الناشئ على وجه التحديد، بوصفه أحد الجوانب المهمة التي تميزت بها الحداثة وأتت فيه بالغرائب والعجائب. ومن هنا كان التعامل مع ما عُرِف فيما بعد بمجال «الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام» جزءًا أصيلً من السعي لإثبات معاصرة الإسلام وصلاحيته للعمل والتوجيه في قلب زمن الحداثة.
أولا: محاولة استيعاب الإشكالات المعاصرة: من الاجتهاد الفردي إلى الجماعي وتنامي دور الأطباء
نلمس الإرهاصات الأولى لانزعاج علماء الشريعة من تصور البعض أنّ الشريعة قد تفقد قدرتها على التعامل مع المنجزات العلمية والطبية الحديثة في أحد فتاوى رشيد رضا (1935–1865) التي أجاب فيها عن سؤال حول أقصى أمد الحمل، كما هو موجود في المدونات الفقهية القديمة، وتعارُض هذه التصورات الفقهية القديمة مع المعطيات الحديثة لعلمَي الطب والتشريح. وتطرق المستفتي من تونس إلى ما ذكره «الأطباء الإفرنج» العاملون في بلاده من استحالة دوام الحمل فترات طويلة قد تمتدّ سنوات كما ذكر بعض الفقهاء قديمًا، ويضيف السائل قائلً: «واعتذروا لما عليه علماء الإسلام في هذا الشأن بأنّ علم الطب لم تنكشف أسراره في الأزمنة الغابرة انكشافها في زمننا الحاضر»5. وفي ردّه على هذا
السؤال، استند رضا في عدم جواز التسليم بما قاله الفقهاء قديمًا، إلى أنّ تبنّي هذا القول القديم يعني بالضرورة مخالفة «ما قرّره أطباء هذا العصر من جميع الملل والنحل على سعة علمهم بالطب والتشريح، وعلم وظائف الأعضاء Physiology واستعانتهم في بحثهم واختبارهم بالآلات، والمجسّات، والمسابير، والأشعة التي تخترق الجلد واللحم فتجعل البدن شفّافًا يظهر ما في داخله يُرى بالعينين، وعلى بناء علمهم على التجربة والاستقراء، واستعانة بعضهم في ذلك ببعض على اختلاف الأقطار بسهولة المواصلة البريدية والبرقية»6. وفي ختام الفتوى، تطرّق رضا إلى المفاسد التي تترتب على التمسك بهذه الأقوال القديمة، وإهمال منجزات العلم الحديث ومنها، وهو محلّ الشاهد عندنا: «طعن الأجانب في شريعتنا طعنًا مبنيًّا على العلم والاختبار لا على التحامل والتعصب، وذلك منفّر عن الدخول في ديننا، ومانع من ظهور حقيّته لمن لا يعرف منشأ هذه الأقوال عندنا. ومنها تشكيك الكثير من المسلمين في حقيّة شريعتنا وكونها إلهية، وأعني بالكثير جميع الذين يتعلمون الطب، والذين يقفون على أقوال أطباء وعلماء هذا العصر، وتطمئن قلوبهم بأقوالهم في مدة الحمل مع مخالفته لما يظنون أنه هو الشريعة المقررة الثابتة بالكتاب أو السنة»7. ويبدو أنّ الحرص على تقديم خطاب يستوعب منجزات العلوم الطبية والحيوية الحديثة بغرض إثبات معاصرة الشريعة لم يقتصر على من عُرِفوا بنزعتهم الإصلاحية أو الإصلاحيين كما أطلق عليهم، وإنما اتسعت دائرة من يتبنّى هذا الخطاب، خاصة مع تزايد الإشكالات المطروحة من جرّاء تسارع وتيرة التطورات الطبية والعلمية. فقد وجد هذا التوجه مناصرين ينتمون إلى أطياف ومشارب أخرى ضمن حقل العلوم الشرعية. ونلمس ذلك بوضوح في فتوى أحد علماء «نجد» البارزين، عبد الرحمن السعدي (ت. 1955)، حول زراعة الأعضاء البشرية، والتي كانت مسألة جديدة ومستحدثة وفق توصيف السعدي: «كثر السؤال في هذه الأيام عما وقع أخيرًا في الطب الحديث من أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه على إنسان آخر مضطر إليه»8. وبعد عرض آراء المانعين والمجيزين، لاستخدام هذه التقنية الحديثة ومناقشة حجج كلّ فريق، رجّح السعدي رأي المجيزين، وختم فتواه بالمنفعة التي تتحقق للدين الإسلامي بتبنّي هذا الرأي قائلً: «كما يلاحظ أيضًا أن يعرف الناس أنّ الدين الإسلامي لا يقف حاجزًا دون المصالح الخالصة أو الراجحة، بل يجاري الأحوال والأزمان، ويتتبّع المنافع والمصالح الكلية والجزئية، فإنّ الملحدين يموّهون على الجهال أنّ الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة، وهم في ذلك مفترون، فإنّ الدين الإسلامي به الصلاح المطلق من كلّ وجه؛ الكلّي والجزئي، وهو حلَّل لكلِّ مشكلة خاصة أو عامة، وغيره قاصر من جميع الوجوه»9.
إلا أنّ التعامل مع مثل هذه الأسئلة المعاصرة لم يكن بالأمر الهيّن بالنسبة إلى علماء الشريعة المعاصرين. فتقديم إجابات أو إصدار فتاوى تتعلق بالأمور الطبية والحيوية يتطلب أولً فهم طبيعة هذه الأسئلة ومحتواها، أو بلغة الفقه وأصوله «التصور الصحيح للمسألة»، والذي يؤدّي دورًا محوريًا في عملية «تحقيق المناط». ونجد في هذا السياق إشارات مهمة ومبكرة إلى أهمية دور الأطباء في مساعدة الفقهاء لتكوين تصور صحيح للمسائل الطبية الحديثة، إذ لم يكن هذا أمرًا ميسورًا لدى الفقهاء المعاصرين نظرًا إلى غياب ظاهرة «الطبيب – الفقيه» أو «الفقيه – الطبيب» الذي يجمع بين العلوم الطبية والشرعية. ففي فتوى رشيد رضا حول أقصى أمد الحمل، والتي أشرنا إليها سابقًا، نجد المستفتي ذاته واعيًا بهذه القضية؛ إذ أدرك أنّ للسؤال شقّين أحدهما شرعي والآخر طبي، وألمح إلى أنّ الشقّ الطبي يمكن أن يتولّه الطبيب محمد توفيق صدقي، أحد أصدقاء رشيد رضا المقربين، وأحد كتّاب مجلة المنار، إذ قال المستفتي، «بيد أنّ النفوس على حيرتها تتطلّع إلى معرفة هذه الحقيقة الشرعية الطبية؛ ولما كانت لمقامكم العلمي قدمٌ راسخة في العلوم الشرعية، ولصديقكم النطاسي سيدي محمد توفيق صدقي معرفة عالية في علم الطب؛ جئتكم بهذا السؤال ألتمس إدراجه قريبًا على صفحات المنار مع الجواب عنه بما يقنع النفوس، ويرفع الالتباس، ويزيح الإشكال، وربما كان أنموذجًا راجحًا عند تعارض الأدلة»10. يوحي النص المنشور بأنّ بعض المعلومات الواردة فيه تعود إلى طبيب وليس إلى فقيه، على الرغم من أنّ رشيد رضا لم يفصح عما إذا كان صدقي قد تمّ التشاور معه بالفعل في صياغة الفتوى. ونشير أيضًا إلى التواصل الذي كان بين محمد مصطفى المراغي (1945–1881)، شيخ الأزهر السابق، والطبيب عبد العزيز إسماعيل الذي وصفه محمد فريد وجدي بأنه «يعتبر علمًا من أعلام الطب في الشرق، ومكانته اليوم من هذه الصناعة الشريفة تشبه مكانة ابن سينا وأبي بكر الرازي في العهد الذهبي للعلم عند العرب»11. وقد كتب المراغي مقدمةً أشاد فيها بكتاب عبد العزيز إسماعيل الإسلام والطب الحديث12، الذي كان في أصله مقالات نُشرت في جريدة البلاغ ثم في مجلة الأزهر13. وقد أشار ابن سعدي (1956–1889) أيضًا إلى هذه القضية في فتواه التي ذكرناها سابقًا بقوله «جميع المسائل التي تَحْدثُ في كل وقت، سواء حدثت أجناسها أو أفرادها، يجب أن تتصور قبل كلّ شيء، فإذا عرفت حقيقتها وشخصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصورًا تامًا بذاتها ومقدماتها ونتائجها: طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية». وأوضح السعدي أنّ المتخصصين في الطب لهم دور رئيس في هذا السياق، «فإنّ مهرة الأطباء المعتبرين متى قرّروا تقريرًا متفقًا عليه، أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء، وعرفنا ما يحصل بذلك من مصلحة الغير؛ كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة»14.
وهنا ندرك أنّ الحفاظ على دور للشريعة في عصر منجزات الطب الحديث لم يكن ممكنًا، على الأقل في تصور فقهاء الشريعة المعاصرين، من دون الاستعانة بمتخصّصين من خارج دائرة أصحاب التخصّص في علوم الشريعة، وهم الأطباء. ومن الواضح كذلك أنّ الطب الحديث الذي يحاول علماء الشريعة التعامل مع آثاره الشرعية والأخلاقية ليس هو الطب الذي تعامل معه قديمًا أسلافهم من الفقهاء. فالطب القديم، وإن كان له نسبٌ يوناني، إلا أنه صار مع الوقت جزءًا أصيلً من الحضارة العربية الإسلامية، ومن ثمّ لم يكن غريبًا عن الفقهاء، على الأقل على مستوى لغة الكتابة. أما الطب الحديث، فهو جزءٌ من الحضارة الغربية، ولا يمكن استيعاب علومه وتقنياته إلّ بالاطلاع على المنتج العلمي للأكاديميات والمؤسسات الموجودة خارج بلاد المسلمين، والتي لا تعتمد العربية لغةً للبحث والنشر. ومع مرور الوقت، برزت الحاجة المتزايدة إلى الاعتماد على الأطباء لعدة أسباب؛ من بينها التطور السريع والمتشعب للعلوم الطبية، وظهور كمٍّ كبير من التقنيات التي أثارت معضلات أخلاقية جديدة مثل زراعة الأعضاء وأجهزة الإنعاش والإخصاب الطبي المساعد (أطفال الأنابيب) والخلايا الجذعية والعلاج الجيني... إلخ، والتي وصلت، وفق تعبير بعض العلماء المعاصرين، إلى ما يشبه الخوارق في العصور الماضية15. إضافةً إلى نظام التعليم الحديث الذي فصل بين هذه العلوم16، بل أحدث تخصصات وفروعًا متعدّدة داخل كل علم من هذه العلوم، بحيث يتعذّر على علماء الشريعة المعاصرين متابعتها أو الاطلاع، فحسب، على التقنيات الجديدة، نظرًا إلى توافر المعلومات باللغة الإنكليزية أو غيرها من اللغات التي لا يتقنها غالبًا من يتخصّص في علوم الشريعة17. وقد اقتضت هذه التطورات توسّعًا أكبر للدور الذي يقوم به الأطباء في هذه النقاشات، وضرورة إدماجهم على نحو أشد كثافةً
وتنظيمًا. ومن هنا ظهرت فكرة الاجتهاد الجماعي بوصفها آلية تنظّم التعاون بين علماء الشريعة والمتخصصين في العلوم الطبية والحيوية18. وتمّت مأسسة فكرة الاجتهاد الجماعي من خلال عدد من المؤسسات والمجامع الفقهية؛ نذكر منها هنا ثلاث مؤسسات نظرًا إلى إسهامها البارز في معالجة القضايا الطبية والحيوية الحديثة من منظور شرعي. تمثل «المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية»، والتي تمّ تأسيسها رسميًا عام 1984 بالكويت، إحدى أبرز المؤسسات التي خصّصت كلّ جهودها لمعالجة قضايا الأخلاق الطبية والحيوية من منظور إسلامي. وإلى جانب هذه المنظمة، وبالتعاون معها في أحيان كثيرة، قام «المجمع الفقهي الإسلامي» الذي تأسّس عام 1977، ويتبع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، و«مجمع الفقه الإسلامي الدولي» الذي تأسّس عام 1981، ومقرّه في جدة بالسعودية، ويتبع لمنظمة التعاون الإسلامي، بمعالجة كثير من هذه القضايا من خلال آلية الاجتهاد الجماعي. وقد كانت أطروحة معاصرة الشريعة وصلاحيتها لكلّ زمانٍ ومكان التي أشرنا إليها في بداية هذا البحث، في صلب عمل هذه المؤسسات ودراستها لهذه القضايا المستجدة. وتمّت الإشارة إلى مسألة الشريعة في بعض القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات على نحو صريح، ومن ذلك قرار المجمع الفقهي الإسلامي الدولي الصادر في الدورة الخامسة للمجمع، والتي عُقدت في الكويت خلال الفترة 15–10 كانون الأول/ ديسمبر 1988. وقد جاء في نصّ القرار المعنون «تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية» ما يلي: «وبمراعاة أنّ مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي انبثق عن إرادة خيّرة من مؤتمر القمة الإسلامية الثالث بمكة المكرمة، بهدف البحث عن حلول شرعية لمشكلات الأمة الإسلامية، وضبط قضايا حياة المسلمين بضوابط الشريعة الإسلامية، وإزالة سائر العوائق التي تحول دون تطبيق شريعة الله، وتهيئة جميع السبل اللازمة لتطبيقها»19. وعلى الرغم من شيوع استخدام آلية الاجتهاد الجماعي منذ ثمانينيات القرن العشرين، وإنتاجها الفقهي الذي يتّسم في غالبيته بالجدة والجودة، فإنّ الاجتهاد الفردي ظلّ موجودًا وقائمًا في معالجة هذه القضايا، بل إنّ الاجتهادات الفردية، من خلال الأوراق والبحوث التي يتمّ تقديمها في الدورات والندوات التي تعقدها هذه المجامع والمؤسسات، تمثل الأساس الذي تُبنى عليه المواقف التي يتم تبنّيها جماعيًا من لدُن هذه المؤسسات. ويقوم بعض الفقهاء المعاصرين بنشر قرارات هذه المجامع وتوصياتها ضمن مؤلفاتهم التي تتضمن بحوثًا تمّ تقديمها سابقًا في إطار الاجتهاد
الجماعي20. بيد أنّ هذه القرارات والتوصيات تبقى، على أهميتها ورصانتها، في حدود الآراء الفقهية غير الملزمة؛ فهي لا تبلغ مثلً مرتبة الإجماع الأصولي وفق جمهور العلماء، وإن كانت أقلّ عرضةً للخطأ والزلل من الاجتهاد الفردي، ومن ثمّ، يبقى مجال الاجتهاد مفتوحًا حتى بعد صدور مثل هذه القرارات21. والواقع يشهد بذلك، فبعض الاجتهادات الفردية التي تقدَّم لهذه المجامع، ولا تحظى بتأييد المشاركين الآخرين، يتمّ نشرها وتداولها على هيئة رأي فردي، وقد يجد هذا الرأي الفردي قبولً في سياقات ومحافل أخرى. ومن ذلك رأي يوسف القرضاوي بشأن بنوك الحليب الذي لم يلقَ قبولً عندما نوقش في الدورة الثانية لمجمع الفقه الإسلامي الدولي عام 1985، ونشره القرضاوي ضمن مجموع فتاواه، ثم تبنّى فتواه هذه المجلسُ الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته الثانية عشرة التي عُقدت عام 200422. وأخيرًا، توجد كذلك بعض الاجتهادات الفردية التي تخالف بعض القرارات والتوصيات الصادرة عن مؤسسات الاجتهاد الجماعي وتدعو إلى مراجعتها؛ ومن ذلك ما ذكره عبد الناصر أبو البصل فيما يتعلق بقرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن الاستنساخ الجيني23. ونستطيع القول إنّ هذا الكمّ من النقاشات والاجتهادات الجماعية والفردية وما صدر عنها من فتاوى وقرارات كان له أثرٌ واضح في الحفاظ على دور للدين الإسلامي في مجال الأخلاق الطبية والحيوية. فعلى خلاف ما حدث للخطاب الأخلاقي الديني في العالم الغربي، يلحظ المتابع دورًا أساسيًا للشريعة في فضاء النقاشات والمداولات الأخلاقية التي تمحورت حول منجزات الطب الحديث. فلا تزال أهم الكتابات والمواقف، كمًّا وكَيْفًا24 وتأثيرًا في الفضاء العام25، بشأن قضايا الأخلاق الطبية والحيوية في
العالم الإسلامي، مستندةً إلى مرجعية الشريعة الإسلامية؛ ولا يزال علماء الشريعة المعاصرون أهم المشاركين والمساهمين في هذه النقاشات. كما لا تزال هذه الآراء والفتاوى مقصدًا ومرجعًا لكثير من المؤسسات العاملة في مجال الرعاية الصحية في العالم الإسلامي. ولا يتسع المقام هنا لاستقصاء الأمثلة التي تدلّ على هذا الواقع، ولكننا نشير فحسب إلى نماذج منها. فعلى مستوى الأفراد، تشهد الفتاوى التي صدرت عن عدد من كبار علماء الشريعة المعاصرين على التواصل القائم بينهم وبين جمهور المسلمين، ومن بينهم أطباء، بشأن القضايا المتعلقة بتقنيات الطب الحديث. فنذكر على سبيل المثال، عبد الله بن الصديق الغماري (ت. 1992) الذي أجاب عن أسئلة طرحها عليه بعض طلبة كلية الطب بالإسكندرية، ونشرت بعد ذلك أكثر من مرة26. كما نذكر جاد الحق علي جاد الحق (ت. 1996)، شيخ الأزهر السابق الذي تولّى الإجابة عن عددٍ من الأسئلة طرحها عدد من طالبات كلية الطب في جامعة الأزهر، ومعها بعض الشروح للجوانب الطبية أعدّها بعض أساتذة كلية الطب، ونشرت المادة كلها في كتاب مستقل27. وأصدر عبد العزيز بن باز (ت) 1999. مجموعة من الفتاوى المتعلقة بالأمور الطبية أثناء لقاءٍ له مع العاملين في مستشفى النور بمكة المكرمة، وصدرت بعد ذلك في كتاب مستقل28. والمثال الأخير الذي نشير إليه هنا هو فتاوى يوسف القرضاوي؛ إذ تمّ تخصيص قسم مفرد للردّ على هذا النوع من الأسئلة في الجزأين الثاني (بعنوان «في الطب والصحة)»29، والثالث (بعنوان «بين الفقه والطب)»30، من فتاواه المنشورة. وعلى مستوى المؤسسات، نجد أسئلةً مختلفة وجّهتها وزارات الصحة أو هيئات تابعة لها إلى علماء الشريعة، وبعضها جاء من خارج دول العالم الإسلامي31. وردَّ العلماء على هذه الأسئلة من خلال فتاوى متعددة، بعضها منشور ومتداول. نذكر منها على سبيل المثال فتوى حسن مأمون (ت. 1973) بشأن نقل عيون الموتى إلى الأحياء ردًّا على سؤالٍ من جمعية النور والأمل بمصر، وفتوى محمد خاطر.(ت 2004) بشأن سلخ جلد الميت لعلاج حروق الأحياء إجابةً عن سؤال لوزارة الصحة ورَد إلى
المفتي من المستشار القانوني لمكتب وزير الصحة32. وقد أرسلت وزارة الصحة المصرية كذلك سؤالً لدار الإفتاء عن حكم إنشاء بنوك لحليب الأمهات33. وفتوى القرضاوي حول زراعة الأعضاء هي في الأصل إجابات عن أسئلة وردت للشيخ من منظمة الطب الإسلامي في جنوب أفريقيا، وقسم الطب الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة؛ وقد نشرتها الجمعية الكويتية لزراعة الأعضاء34. ومن المملكة العربية السعودية، نذكر مثالين؛ الفتوى الصادرة من مجلس هيئة كبار العلماء ردًّا على سؤال من رئيس قسم صحة الطفل في كلية الطب بأبها بشأن «إجراءات إنعاش القلب والرئتين في بعض الحالات الميؤوس منها»35؛ والمثال الثاني هو الفتوى الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء إجابة عن سؤال ورد من نائب رئيس الأطباء بمستشفى القوات المسلحة بالشمالية الغربية حول استعمال جهاز الإنعاش، ونص الفتوى منشور على الموقع نفسه. قد قام المستشفى بمراعاة ما ورد في الفتوى في صياغته لوائح الرعاية الصحية المقدمة للمرضى في أقسام الإنعاش، وذكرت الفتوى بوصفها أحد المصادر التي اعتمدت عليها اللائحة36. وقد انتشرت هذه الفتوى لدى الباحثين الذين كتبوا عن هذا الموضوع في المجلات الصادرة باللغة الإنكليزية ويشيرون إليها بالفتوى رقم (12086)، وهو رقم الفتوى المنشور على موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء37. ومن دولة الإمارات العربية المتحدة، نذكر مثال المركز الرسمي للإفتاء التابع للهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، والذي أصدر فتوى ردًّا على سؤال تداوله العاملون في قطاع الرعاية الصحية والأمور القانونية المتعلقة بهذا القطاع. ويتمحور السؤال حول إمكانية تطبيق ما يعرف في الأدبيات الغربية ب «مبدأ السامري الصالح» principle Samaritan Good38، والذي يعني إمكانية تطوّع بعض الأفراد بمحاولة إنقاذ من تتعرض حياته للخطر من دون أن يقع هؤلاء الأفراد تحت طائلة المساءلة القانونية في حال فشلت محاولة الإنقاذ هذه، وهل لاختلاف الدين أو الجنس دور في هذه القضية39.
ثانيًا: دور الشريعة في عصر الجينوم40
شهدت بداية القرن الحادي والعشرين إنجاز «مشروع الجينوم البشري» الذي ذاع صيته، والذي قادته الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع عددٍ من دول العالم. ومع إنجاز هذا المشروع، تمكّن الإنسان المعاصر، وأولّ مرة في التاريخ، من التعرّف إلى ذاته تعرّفًا كاملً، تقريبًا، على المستوى الجيني. فإلى جانب الهيكل الجسدي للإنسان من أعضاء وأطراف Phenotype، فقد تعرّفنا إلى التركيبة الجينية لهذا الإنسان Genotype، والتي يتشكّل على أساسها ويعمل الهيكل الجسدي. فجسم الإنسان يحتوي على ما يقارب 37 تريليون خلية، وداخل كل خلية، فيما عدا خلايا كرات الدم الحُمْر، يوجد «دي إن إي» DNA على شكل خطوط ملتفّة. وإذا ما قمنا فرضًا بفرد كلّ هذه الخطوط الملتفّة ووضعناها على شكل صفٍّ متواصل، وهو ما يمثل التركيبة الرئيسة للجينوم، فإنّ هذا الصف الذي سيكون سمكه أرفع آلاف المرات من الشعرة الواحدة، سيمتدّ مسافةً تكفي للذهاب من الأرض إلى الشمس والعودة منها بنحو 200 مرة. وتساعدنا مثل هذه المعلومات المبسّطة على تصوّر حجم إنجاز فكّ شيفرة الجينوم البشري الذي هو المجموع الكلي للمحتوى الوراثي للإنسان، والذي يتضمن نحو ثلاثين ألف جين؛ علمًا أنّ بعض الخلل في جينٍ واحد، وهو ما يسمى الطفرة الجينية أو الوراثية، قد يكون وراء حدوث أربعة آلاف مرض وراثي41. وقد لقي مشروع الجينوم البشري، منذ بداياته الأولى في العقد الأخير من القرن العشرين، اهتمامًا عالميًا كبيرًا. وقد تنامى هذا الاهتمام، بل الانبهار في أحيان كثيرة، بعد إتمام المشروع ونشر نتائجه في كبرى المجلات العلمية. فقد تمّت مقارنة هذا الحدث بمنجزات كبرى عرفها تاريخ العلم، مثل هبوط الإنسان على سطح القمر، وانشطار الذرة. وقد أدى هذا الاكتشاف إلى تغييرات كبيرة في فلسفة الطب الحديث وتطبيقاته التقنية، بعضها تمّ استخدامه بالفعل، والبعض الآخر لا يزال قيد البحث والدراسة. فالتركيبة الجينية للإنسان صارت محلّ اهتمام شديد من الأطباء والباحثين، وأصبحت تؤدّي دورًا محوريًا في جوانب الرعاية الصحية المختلفة، مثل تحديد الأطعمة الأنسب، وأنماط الحياة الملائمة لكل فرد، وإمكانية التنبؤ باحتمالية إصابة الشخص بأمراض مستقبلً، على الرغم من عدم ظهور أعراض جسدية. ونظرًا إلى أنّ التركيبة الجينية تختلف من فرد إلى آخر، صار التوجه الآن إلى ما يسمى «الطب الشخصي» medicine Personalized، أو «الطب الدقيق». medicine Precision وهو ما يقتضي أنّ الإصابة بمرضٍ معيّن لا تعني بالضرورة إعطاء الدواء نفسه والجرعة نفسها لكلّ المرضى، وإنما ينبغي تحديد نوع الدواء وجرعته بناءً على التركيبة الجينية لكلّ شخص. أضف إلى ذلك أنّ المعلومات المسطورة في الجينوم تكشف عن صلة القرابة البيولوجية بين صاحب الجينوم وأسلافه السابقين فترات قد تصل إلى مئات السنين، وكذلك صلته بذرّيته. ولذلك تمّ استخدام مصطلح «كتاب
الحياة» للتعبير عن الكمّ الهائل من المعلومات الكامنة في الجينوم البشري، والتي لا تتعلق بالصحة والمرض فحسب، وإنما بحياة الإنسان عمومًا42. ومرّةً أخرى، عاد إلى الواجهة النقاش بشأن دور الشريعة في التعامل مع مثل هذه التطورات والقفزات العلمية الحديثة. إلا أنّ الظرف التاريخي للتعامل مع الجينوم لم يكن مماثلً لما كان عليه الحال عند الحديث عن دور الشريعة والطب الحديث في بداية القرن العشرين ومنتصفه. فمع تطور وسائل التواصل التكنولوجية التي جعلت أجزاء العالم أشد قربًا من ذي قبل، صارت المعرفة بمثل هذه المشروعات في العالم الإسلامي أمرًا ميسورًا، وإن كانت لا تزال في طور الإعداد والتجهيز. ومن جانب آخر، كانت آلية الاجتهاد الجماعي التي تجمع بين الفقهاء والأطباء قد ترسّخت بالفعل بوصفها جزءًا من العمل المؤسسي للمجامع الفقهية منذ ثمانينيات القرن العشرين. فالعقبات المتعلقة بطبيعة التعليم الذي يتلقّاه الفقهاء المعاصرون، والتي أشرنا إليها سابقًا، لم تتغير، وظلّت صعوبة تعاملهم مع الأبحاث العلمية قائمة، بل توجد مؤشّرات تدلّ على تفاقم هذه الصعوبة فيما يتعلق بالجينوم على وجه الخصوص. وقد ذكر ذلك صراحة محمد علي البار، أحد الأطباء البارزين الذين يشاركون بصورة منتظمة في مثل هذه النقاشات مع الفقهاء، في تعليقه على النقاشات التي تمّت في ندوة المنظمة الإسلامية التي عُقدت عام 1998 والتي سنعود إليها لاحقًا43. ومن ثمّ، فقد ساعدت هذه الظروف على ترسيخ دور الأطباء وتناميه وحاجة الفقهاء إليهم في عملية صياغة دور للشريعة في عصر الجينوم، وصاروا طرفًا لا يمكن الاستغناء عنه في نقاشات الاجتهاد الجماعي. وقد شهد عام 1993، بعد بضعة أعوام فقط من الإعلان الرسمي عن بدء مشروع الجينوم البشري، بادرة النقاشات الجماعية في العالم الإسلامي. فقد نظّمت كلية العلوم بجامعة قطر، بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو»، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ندوةً بعنوان «الانعكاسات الأخلاقية للأبحاث المتقدمة في علم الوراثة»، جمعت بين فقهاء الشريعة والمتخصصين في العلوم الطبية والحيوية، وذلك خلال الفترة 15–13 شباط/ فبراير 1993. وقد صدر عن الندوة44 12
توصية خُصِّصت الخامسة منها لمشروع الجينوم البشري، واصفةً إيّاه بأنه «أكبر مشروع علمي في تاريخ الإنسانية»45. وتطرّق إلى هذه الموضوعات أيضًا مؤتمر «الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون» الذي عقدته كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة 7–5 أيار/ مايو 2002. وقد خُصِّصت الجلسة الأولى من هذا المؤتمر لمناقشة موضوع «الجينوم البشري: جوهره ومستقبله»46. وهناك أيضًا «المؤتمر العربي لعلوم الوراثة البشرية» الذي ينظّمه دوريًا المركز العربي للدراسات الجينية ومقره في دبي؛ إذ تضمّنت الدورة الثانية من هذا المؤتمر، التي عُقدت خلال الفترة 22–20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، ندوةً اختصت بمناقشة الضوابط الشرعية والقانونية لبحوث الجينوم والفحوص الوراثية. وناقش المشاركون في الندوة من علماء ومستشارين قانونيين وفقهاء قضايا تتعلق بالضوابط الدينية والقانونية لبحوث الجينوم والاختبارات الجينية47. وبالتعاون مع مؤسساتٍ أخرى مقرّها دولة قطر، عقد مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق فعاليتين ركّزتا على علم الجينوم والأخلاقيات الإسلامية. ففي 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، نُظِّمت ندوة عامة بعنوان «الأخلاقيات الإسلامية في عصر الجينوم» بالتعاون مع المجلس الأعلى للصحة (حاليًا وزارة الصحة العامة) بدولة قطر48. وفي إطار دورته لعام 2015، تعاون مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية «ويش» مع المركز لتنظيم ندوة عن «الرعاية الصحية والأخلاق: علم الجينوم»49. وقد شارك في هاتين الندوتين عددٌ من علماء الشريعة والمتخصصين في العلوم الطبية والحيوية من داخل قطر وخارجها50. وبالنسبة إلى إسهامات المؤسسات الثلاث المشار إليها سابقًا، والتي اعتمدت آلية الاجتهاد الجماعي على نحو مؤسسي، فقد أخذت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية زمام المبادرة وعقدت ندوة بعنوان «علم الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني: وجهة نظرٍ إسلامية» خلال الفترة 15–13 تشرين الأول/ أكتوبر 199851. ولا تزال التوصيات النهائية التي خرجت بها
هذه الندوة تمثّل المرجع الأساسي لما عقبها من نقاشات بين الفقهاء والأطباء، وما تمّ تبنّيه من توصيات ومواقف بعد ذلك كان في الغالب إعادة صياغة أو تعقيب أو إجراء تعديلات طفيفة على توصيات ندوة 1998. ففي دورته الحادية عشرة التي عُقدت خلال الفترة 19–14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1998، ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي توصيات هذه الندوة، ولكن تمّ إرجاء اتخاذ قرارٍ بشأن هذا الموضوع إلى دورة قادمة. كما عقد المجمع الفقهي الإسلامي في الفترة 10–5 كانون الثاني/ يناير 2002 دورته السادسة عشرة التي ناقشت عدة قضايا، منها المجالات المحتملة التي يمكن الاستعانة فيها بالبصمة الوراثية، وأصدرت بصددها عددًا من القرارات. وقد أشار القرار السابع إشارةً عابرة إلى الجينوم البشري مؤكّدًا ضرورة عدم تحويله إلى سلعة؛ «لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لا تجوز هبتها لأي جهة، لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد»52. وعقدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية خلال الفترة 9–6 شباط/ فبراير 2006 ندوةً أخرى بعنوان «الوراثة والتكاثر البشري وانعكاساتها: رؤية الأديان السماوية ووجهة نظر العلمانية»، وتضمّنت توصيات هذه الندوة قِسمًا بعنوان «إعلان المبادئ» ويقتبس مقاطع بعينها من التوصيات المعتمدة في ندوة المنظمة المنعقدة عام 1998، ويبدو أنّ ذلك كان بهدف حشد الدعم والتأييد لتلك المبادئ من لدُن أصواتٍ دينية وعلمانية من خارج الخطاب الإسلامي53. وبعد عدة سنوات، وأثناء دورته العشرين التي عُقدت خلال الفترة 18–13 أيلول/ سبتمبر 2012، ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي من جديد توصيات ندوة المنظمة الإسلامية المنعقدة عام 1998، ومجددًا، أجِّل القرار إلى دورة قادمة، ولكن أوصى المشاركون بتنظيم ندوةٍ متخصصة لمناقشة هذه التوصيات. وبالفعل، عُقدت هذه الندوة في جدة خلال الفترة 25–23 شباط/ فبراير 2013 بتنظيمٍ مشترك من المجمع والمنظمة. وأخيرًا، صدّق المجمع في دورته الحادية والعشرين التي عُقدت خلال الفترة 22–18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 على توصيات المنظمة، والتي كانت قد صدرت قبل نحو 15 عامًا خلت، مع تعديل بعض النقاط وإضافتها54. ويجدر التنويه هنا إلى أنّ مقاربة القضايا الأخلاقية للجينوم من منظور إسلامي لم تقتصر على الفعاليات التي استخدمت آلية الاجتهاد الجماعي، الجامعة بين علماء الشريعة وعلماء الطب الحيوي وجهًا لوجه. فقد قدّم بعض الفقهاء المعاصرين اجتهاداتهم الفردية كذلك، نذكر منها على سبيل المثال كتابات نور الدين الخادمي، أحد علماء الشريعة الذين شاركوا في بعض فعاليات الاجتهاد الجماعي المشار إليها سابقًا (كالمؤتمر الذي عقدته كلية الشريعة والقانون عام 2007، والندوة التي نظمها المركز العربي للدراسات الجينية عام 2007، وكلاهما كانا في دولة الإمارات العربية المتحدة). فإلى جانب هذه المشاركات، نشر الخادمي أيضًا مؤلفاتٍ تضمنت اجتهاداته
الفردية عن هذا الموضوع بوصفه عالمًا شرعيًا55، ومحمد رأفت عثمان (ت. 2016) الذي شارك في مؤتمر عقدته كلية الشريعة والقانون في دولة الإمارات عام 2002، إضافةً إلى عدد من الأبحاث والدراسات التي عالجت بعض القضايا المتعلقة بعلم الجينوم وتطبيقاته، وإن لم يشارك أصحابها، بحسب علمنا، في نقاشات الاجتهاد الجماعي التي أشرنا إليها سابقًا، ولا يزال مثل هذه الدراسات محدودًا من حيث العدد56. لقد مثَّل مشروع الجينوم البشري، في تصوّر الكثير من المتخصصين في العلوم الطبية والحيوية وكذلك لدى بعض علماء الشريعة، محطّةً تاريخية مهمة في تطور العلم، وتمكين الإنسان من معرفة ذاته على نحوٍ أدقّ وأعمق؛ ومن ثمّ، تعزيز قدرته على السعي لمواجهة عدد من الأمراض التي تقع ضمن «ما لا يرجى برؤه» بالاصطلاح الفقهي، بل القدرة أحيانًا على تحسين قدرات الإنسان وإمكاناته الجسدية والعقلية على نحو غير مسبوق. ويمكن القول إنّ دور الشريعة في عصر الجينوم، وفق تصور الفقهاء المعاصرين ومن شاركهم النقاش حول هذه القضايا من المتخصصين في العلوم الطبية والحيوية، يتمحور حول نقاط ثلاث: • تتمثل النقطة الأولى في التشديد، مرة أخرى، على معاصرة الشريعة وقدرتها على التعامل مع القضايا المستجدة أيًّا كان نوعها، وأنّ تقنيات الجينوم لا تمثّل أيّ استثناءٍ في هذا الصدد. فعلى منوال رشيد رضا وعبد الرحمن السعدي، كما أوضحنا سابقًا، أشار أحمد رجائي الجندي، الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، في تقديمه لندوة المنظمة التي عُقدت عام 1998، إلى أهمية الشريعة في هذ السياق المعاصر، معبّرًا عن موقف عام يسود النقاشات الفقهية المعاصرة بشأن الجينوم، قائلً «أما ندوتنا هذه، فتتميز بميزة أنها تعمل تحت مظلة الشريعة الإسلامية التي أثبتت بما لا يدع مجالً للشكّ في أنها تتّسع لكل المحدثات الطبية، وأنها صالحة لكلّ زمان ومكان، وأنّ الإسلام لا يقف حجر عثرة أمام العلم أو التقدم العلمي بل يدعو إليه ويشجعه على أن يكون علمًا نافعًا»57. وعلى صعيد الاجتهاد الفردي، نجد عبارات مشابهة، ومن ذلك ما ذكره حسن يشو في مقدمة بحثه عن الجينوم والفقه «وبما أنّ الشريعة تتميز بالسمو والخلود، فإنها استطاعت بنصوصها العامة ومبادئها الكلية
وقواعدها المطّردة وفتحها لباب الاجتهاد المرن، أن تواكب كلّ المستجدات وتسهم بقسط وافر في حلّ المشاكل المختلفة، ولا سيما في قضايا الطب المعاصرة»58. • النقطة الثانية تمثّلت في تبنّي موقف ذهب إلى أبعد ممّا كان يشغل بال رشيد رضا وعبد الرحمن السعدي وزملائهم في القرن العشرين. فخطاب علماء الشريعة بشأن هذه القضايا كان منصبًّا في ذلك الوقت على فكرة رئيسة، ألا وهي إثبات «عدم التناقض» بين مخرجات العلم الحديث وثوابت الشريعة. أما المشاركون في نقاشات الجينوم وأخلاقياته، سواء على مستوى الاجتهاد الجماعي أو الفردي، فلم يقولوا بالجواز الشرعي لإجراء أبحاث الجينوم فحسب، وإنما صرّحوا بأنّ الشريعة تقضي بضرورة مشاركة المسلمين في هذه الأبحاث، وألّ يقفوا موقف المتفرج أو المستهلك، كما ورد في توصيات الندوة الرائدة التي عقدتها كلية العلوم بجامعة قطر عام 1993، «في الوقت الذي تتضافر جهود أمم كثيرة على إنجاز أكبر مشروع علمي في تاريخ الإنسانية، وهو الدراسة الشاملة للذخيرة الكاملة للجنس البشري من جيناته الوراثية التي تعرف باسم مشروع المجين (الجينوم) البشري: يجب على المسلمين ألا يقفوا مجرد مشاهدين لا يُسهمون بنصيب في دراسة تراث البشرية البيولوجي وعدّتها للمستقبل. ولذلك يهيب المجتمعون بالدول الإسلامية القادرة أن تقدم دعمًا ماليًا قويًا يتناسب وضخامة المشروع وجلاله، حتى يكون للمسلمين حضور في أمر من أخطر شؤون البشرية، وحتى يتسنى لنا الإفادة من نتائجه العظيمة الأثر»59. وفيما عقِب من نقاشات، تمّ تصنيف المشاركة والإسهام في هذه الأبحاث ضمن فروض الكفاية، كما ورد في البيان الختامي لندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية المنعقدة عام 1998؛ «ولما كانت قراءة الجينوم وسيلةً للتعرّف على بعض الأمراض الوراثية أو القابلية لها، فهي إضافة قيمة إلى العلوم الصحية والطبية في مسعاها لمنع الأمراض أو علاجها مما يدخل في باب الفروض الكفائية في المجتمع»60. وقد تضمّن البيان كذلك دعوة الدول الإسلامية إلى دخول مضمار الهندسة الوراثية بإنشاء مراكز للأبحاث في هذا المجال، تتطابق منطلقاتها مع الشريعة الإسلامية؛ وقد تمّ تبنّي الموقف نفسه وتكررت الدعوة نفسها للدول الإسلامية في توصيات مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة عام 201361. ولعل هذا الموقف المحفّز لمشاركة الدول الإسلامية في أبحاث الجينوم كان من بين العوامل التي مهّدت الطريق لإطلاق مشروعات جينوم وطنية بمخصصات مالية ضخمة في عدد من الدول الإسلامية على رأسها قطر والمملكة العربية السعودية، وقد تمّ الإعلان عن مشاريع هاتين الدولتين نهاية عام 201362.
• نشأت النقطة الثالثة المتعلقة بدور الشريعة في مجال أبحاث الجينوم وتقنياته من جرّاء التخوف والانزعاج من أن ينفلت زمام الأمور في هذه الأبحاث وتطبيقاتها حتى تنحرف في النهاية عن مبادئ الشريعة وأخلاقها وأحكامها. وينبغي التنويه هنا إلى أنّ التخوف من الانفلات الأخلاقي لأبحاث الجينوم ليس حصرًا على الفقهاء المعاصرين، وإنما مردّه إلى طبيعة الإمكانات الهائلة في أبحاث الجينوم وتقنياته، والتي أثارت القلق حتى لدى القائمين على مشروع الجينوم البشري منذ انطلاقته الأولى، وعلى رأسهم العالم الشهير وصاحب جائزة نوبل في الطبّ جيمس واتسون الذي تولّى إدارة المشروع في مراحله الأولى. ونظرًا إلى هذه التخوّفات، فقد خصّص مشروع الجينوم البشري جزءًا من ميزانيته لدراسة الجوانب الأخلاقية المتعلقة بالمشروع في إطار برنامج الانعكاسات الأخلاقية والقانونية
. وقد بدأ هذا البرنامج Ethical , Legal and Social Implications , ELSI Program والاجتماعية
بالتزامن مع انطلاق البحوث العلمية للمشروع، على عكس ما كان معتادًا في الأخلاق الطبية والحيوية، إذ غالبًا ما كان يتمّ الشروع في البحوث الأخلاقية بعد أن تكون البحوث العملية قد أخذت شوطًا كبيرًا وبدأت تظهر على إثرها الإشكالات والتحديات الأخلاقية. أما في حالة الجينوم، فقد كان واضحًا منذ البداية حتمية وجود هذه الإشكالات والتحديات مع انطلاق هذا المشروع الكبير63. ومن الملفت للنظر هنا غياب كلمة «دين» أو أيٍّ من مشتقاتها في عنوان هذا البرنامج، كما نلحظ كذلك هامشية الخطاب الديني في مخرجات هذا البرنامج من بحوث ودراسات، وقد تمّت الإشارة إلى هذه النقطة بوصفها واحدة من الانتقادات التي وُجّهت إلى هذا البرنامج في التقرير الذي تمّ إعداده بغرض تقييم البرنامج بعد عشر سنوات من انطلاقه64. وقد أدّت هذه الانتقادات إلى إعطاء بعض الاهتمام للبحوث التي تدرس الأخلاق من منظور ديني، إلا أنّ هذا النوع من البحوث ظلّ بعيدًا عن اهتمامات المشروع الكبرى وأولوياته العليا. ولا شكّ في أنّ هامشية الخطاب الديني في هذا البرنامج هي جزءٌ من هامشية الخطاب الديني في حقل الأخلاق الطبية الحيوية عمومًا في الغرب، كما أشرنا في بداية هذه الدراسة. وفي هذا السياق، كان طبيعيًا أن يشعر المشاركون في النقاشات الأخلاقية الدائرة في العالم الإسلامي بضرورة التشديد على أنّ إجراء مثل هذه البحوث ينبغي أن يكون متوافقًا مع الشريعة. ونلحظ أثرًا من هذا القلق والتخوف في كثرة الإشارة إلى عبارات تؤكد ضرورة اعتبار الجوانب الشرعية عند إجراء هذه البحوث، كما هو واضح في بيانات الندوات والمؤتمرات وتوصياتها التي أشرنا إليها سابقًا عند الحديث عن مؤسسات الاجتهاد الجماعي. ونأخذ هنا، مثالً فحسب، بعض الإشارات التي وردت في البيان الختامي للندوة التي عقدتها المنظمة الإسلامية عام 1998، وفي التوصيات التي خرجت بها دورة المجمع الفقهي الإسلامي التي عُقدت عام 2013، إذ تمثّل هاتان الوثيقتان زبدة ما اتفق عليه أهل الاجتهاد الجماعي بشأن قضايا الجينوم:
«ولكن حصيلة هذا البحث ونتائجه لا يجوز أن تنتقل تلقائيًّا إلى مجال التطبيقات العملية حتى تُعرض على الضوابط الشرعية، فما وافق الشريعة منها أجيز، وما خالفها لم يُجَز». «لا يجوز إجراء أي بحث أو القيام بأي معالجة أو تشخيص يتعلق بمجين (جينوم) شخص ما إلا بعد إجراء تقييم صارم ومسبق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة، مع الالتزام بأحكام الشريعة في هذا الشأن». «لا يجوز لأيّ بحوث تتعلق بالمجين (الجينوم) البشري أو لأيٍّ من تطبيقات هذه البحوث، ولا سيما في مجالات البيولوجيا وعلم الوراثة والطب، أن يعلو على الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية». «ينبغي أن تدخل الدول الإسلامية مضمار الهندسة الوراثية بإنشاء مراكز للأبحاث في هذا المجال، تتطابق منطلقاتها مع الشريعة الإسلامية»65. «لا يجوز استخدام الجينوم استخدامًا ضارًا أو بأيّ شكلٍ يخالف الشريعة الإسلامية». «التأكيد على الضوابط الشرعية، الخاصة بالجينوم البشري، الواردة في توصية ندوة (الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني) التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالتعاون مع مجمع الفقه الإسلامي الدولي عام.»1419 ه «لا يجوز إجراء أبحاث سريرية (إكلينيكية) تتعلق بالجينوم البشري أو بأيٍّ من تطبيقاتها، ولا سيما في مجالات علم الأحياء (البيولوجيا) وعلم الوراثة والطب، تخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو لا تحترم حقوق الإنسان التي يقرّها الإسلام»66. لا شكّ في أنّ هذه النقطة الثالثة التي ترسم، بالتكامل مع النقطتين السابقتين، الملامح الرئيسة لدور الشريعة في عصر الجينوم، ستمثّل التحدي الأكبر لمجال الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام في السنوات القادمة. فبالقدر الذي تحدّد تقنيات الجينوم أولويات مجال العلوم الطبية والحيوية وطموحاته في المستقبل القريب، فإنّ القضايا الأخلاقية التي تولّدها هذه التقنيات ستحدد كذلك أجندة بحوث الأخلاق الطبية والحيوية عمومًا؛ ذلك أنّ جلّالأسئلة الأخلاقية التي تطرحها تقنيات حديثة مثل الإخصاب الطبي المساعد أو التلقيح الصناعي والهندسة الوراثية وغيرها تقع ضمنًا داخل الحدود الكبرى للأسئلة المتعلقة بالجينوم، إلا أنّالسياق الجينومي عادةمًا يُضفي على هذه الأسئلة أبعادًا وتعقيدات جديدة. وفي هذا الصدد، يلمس المتابع صدور بعض البحوث والمؤلفات التي سعت لاستجلاء ما أسمته هذه البيانات والتوصيات «الضوابط الشرعية» المتعلقة بأبحاث الجينوم وتطبيقاتها في مجالات معينة مثل التداوي، وإثبات النسب ونفيه، وكشف الأسرار الشخصية، والإجهاض67. فالعبارات التي وردت في هذه البيانات والتوصيات، على غزارتها وكثافتها، تبقى في دائرة العموميات والكليات وتحتاج إلى بحوث تفصيلية. وقد شدّد على هذا الأمر عدد من علماء الشريعة الذين
استوعبوا الطبيعة المعقدة والمركبة للجينوم والتي لا يصلح معها إعطاء حكم كلي واحد. وننقل هنا ما قاله الخادمي في هذا الصدد: «فالجينوم البشري ليس شيئًا واحدًا، حتى نحكمه بهذه الضوابط الشرعية بصورة واحدة، فهو واقعة مستجدة، لها حقيقتها العلمية وسماتها واستخداماتها ومآلاتها وتداخلاتها وتفرعاتها، كما أنها في طور آيل إلى أطوار أخرى، تزداد تعقيدًا وتشعّبًا وتفرّعًا وتجاذبًا وتداخلً، وهي مع ذلك واقعة حساسة وشائكة من جهة اتصالها بكرامة الإنسان وحرمته، وبمنظومة الأخلاق والقيم، وبأمن الشعوب والدول والأفراد. وقبل ذلك فهي منوطة أو مرتبطة ببعض الخلفيات والأغراض والبواعث الذي يتداخل فيها العلمي بالتجاري والإعلامي، وربما بالمذهبي الفكري والسياسي والثقافي والعقدي»68. وتركز معظم الأبحاث التي صدرت حتى الآن على تقديم أحكام فقهية مباشرة أو «ضوابط شرعية» تتعلق بالإشكالات الأخلاقية التي تثيرها تقنيات وتطبيقات محدّدة لأبحاث الجينوم. وربما يكون هذا جزءًا من طبيعة الأبحاث الرائدة التي تتعامل مع مجال معرفي جديد، إذ تسعى لمعالجة القضايا الجزئية المباشرة والآنية بغرض تقديم إجابات عملية. هذا إضافة إلى الطبيعة العملية لعلم الفقه ومنظومة الأحكام الخمسة والتي وُلدت من رحمهما جلُّ الأبحاث التي عالجت قضايا الجينوم من منظور إسلامي. لكن طبيعة الإشكالات الأخلاقية المطروحة في عصر الجينوم تستدعي إنتاج خطاب أخلاقي أوسع وأشمل من المعالجات الفقهية المباشرة، وهو ما نشير إليه في الفصل الأخير من هذا البحث والمخصّص للحديث عن التحديات المستقبلية والمقترحات.
ثالثًا: ملاحظات نقدية
استعرض هذا البحث النقاشات التي دارت منذ بدايات القرن العشرين حتى يومنا هذا بشأن صياغة دور للشريعة فيما يتعلق بالتعامل مع القضايا الأخلاقية التي أثارها مجال العلوم الطبية والحيوية الحديثة، خاصة علم الجينوم وإشكالاته التي برزت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. فيما يتعلق بالجانب الإيجابي، نستطيع القول إنّ الاجتهادات الشرعية في مجال الأخلاق الطبية والحيوية، والتي ورد ذكر بعضها في هذه الدراسة، قد حافظت على دور مهم للشريعة في هذا المجال. ولا تمثل القضايا المتعلقة بالجينوم استثناءً لهذه القاعدة؛ فأول ندوة، فيما نعلم، ناقشت مشروع الجينوم البشري من منظور أخلاقي في العالم العربي نظمتها كلية العلوم بجامعة قطر عام 1993، وقد دعت إليها عددًا من علماء الشريعة، كما أوضحنا سابقًا. وقد سبق أن أشرنا إلى الموقف الذي تبنّاه جلُّ الفقهاء المعاصرين، في اجتهاداتهم الفردية والجماعية، من دعوة المسلمين إلى المشاركة في أبحاث هذا العلم الناشئ بوصفها أحد فروض الكفاية على المسلمين في العصر الحاضر. ولا ريب في أنّ مثل هذا الموقف كان له أثره في تبنّي بعض الدول الإسلامية مشروعات جينوم على المستوى الوطني، مثل مشروع جينوم قطر، ومشروع الجينوم البشري في المملكة العربية السعودية؛ وقد انطلق كلا المشروعين
مع نهاية عام 2013. ونأخذ هنا مشروع جينوم قطر مثالً، فمنذ مراحل الإعداد الأولى للمشروع، بدا واضحًا اهتمام بنك قطر الحيوي بالتعامل مع الأسئلة الأخلاقية المطروحة في هذا المجال من منظور شرعي. فقد عقد البنك ندوة دولية شارك فيها عدد من علماء الشريعة لمناقشة بعض من هذه الأسئلة. وفي منشور موجّه إلى الجمهور للتعريف بهذا البنك الحيوي ونشاطاته، نجد بابًا مستقلً بعنوان «هل يجوز شرعًا المشاركة في [أبحاث البنك] الحيوي؟»، وفيه يؤكد بنك قطر الحيوي حرصه على الالتزام بما ورد في «الدستور الإسلامي للمهنة الطبية» والمعروف كذلك ب «وثيقة الكويت» الصادرة من لدُن المنظمة العالمية للطب الإسلامي، والتي عرفت فيما بعد باسم المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، أحد رواد الاجتهاد الجماعي في مجال الأخلاق الطبية كما أوضحنا في هذه الدراسة. وفي الإطار ذاته، أكّد بنك قطر الحيوي حرصه على التعاون مع مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق التابع لمؤسسة قطر69. ومن بين ثمرات هذا التعاون المشترك كان التنظيم المشترك لمؤتمر دولي مؤخرًا بعنوان «الأخلاقيات والسياسات وأفضل الممارسات في الطب الدقيق»، خلال الفترة 30–29 نيسان/ أبريل 2018، وقد تمّ تخصيص الجزء الأخير من المؤتمر لمناقشة الرؤى الشرعية للقضايا التي تمّ التطرق إليها. كما تواصل بنك قطر الحيوي كذلك مع عدد من أساتذة كلية الشريعة بجامعة قطر لاستفتائهم في مدى جواز أخذ عينات من الدم أو البول أو اللعاب بغرض استخدامها في البحث العلمي حتى بعد وفاة صاحب العينة. أما بالنسبة إلى التحديات المتعلقة بصياغة دور مؤثر للشريعة في فضاء الأخلاق الطبية والحيوية، فهي كثيرة ومتشعبة. ونقتصر هنا على نقطتين رئيستين؛ الأولى متعلقة بضرورة إعادة النظر في الشريعة بوصفها مفهومًا اصطلاحيًا ورسم حدوده وآفاقه، والثانية ذات صلة بطبيعة المشاركين في صياغة هذا الدور المفترض للشريعة. بالنسبة إلى التحدي المتعلق بمفهوم الشريعة، يعدّ مصطلح الشريعة من أكثر الكلمات ورودًا عند الحديث عن الإسلام في العصر الحديث، سلبيًا أو إيجابيًا، خاصة في المجالات المعرفية الحديثة، وعلى رأسها العلوم الطبية والحيوية. وعلى الرغم من كثرة ترداد هذا المصطلح، فإننا نادرًا ما نجد مِن الباحثين أو العلماء مَن يتطرق إلى تعريف الشريعة وتحديد ما يقصده عند استعمال هذا المصطلح70. لكن تصفح الإنتاج العلمي المتاح حاليًا حول الأخلاق الطبية والحيوية من منظور إسلامي، سواء كان ذلك نتيجة لاجتهاد جماعي أو فردي، يوضح أنّ التصور السائد للشريعة بين المنظّرين في هذا المجال يسيطر عليه البعد الفقهي. بمعنى آخر، يتمّ النظر إلى الشريعة على أنها مجموعة من الأحكام العملية التي تستند إلى نصوص شرعية، من القرآن والسنة، إضافةً إلى ما استخلصه الفقهاء على مدار التاريخ
الإسلامي من مقاصد ومبادئ كلية وقواعد وضوابط فقهية. وهذا التصوّر شديد الارتباط بعلم الفقه المعروف بأنه «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية». ولا شك في أنّ البعد الفقهي محوري في صياغة دور للشريعة في عصر منجزات الطب الحديث ولا يمكن تهميشه، فضلً عن الاستغناء عنه. إلا أنّ كثيرًا من الإشكالات والتحديات الأخلاقية التي تنشأ في عصر الجينوم لا تقع ضمن الحدود التقليدية لعلم الفقه بصبغته العملية. فسؤال الجينوم، في جوهره، أعمق وأعقد بكثير من كونه إصدار أحكام أخلاقية جزئية فحسب، تتعلق باستخدام تكنولوجيا معينة في ظرف معين؛ فنتائج أبحاث الجينوم وتطبيقاته الحالية والمستقبلية تثير أسئلة كبرى حول كيفية (إعادة) النظر في مفاهيم مركزية مثل التكليف وفعل الإنسان، أو الكسب في اصطلاح علماء الكلام، ومدى استحقاقه للمدح والذم أو الثواب والعقاب، والجبر والاختيار في ضوء ما كشفه ويكشفه علم الجينوم عن دور الجينات في تشكيل بنية الإنسان ومدى التأثير الممكن لهذه الجينات في ميوله وسلوكياته، وما رافق ذلك من ظهور مصطلحات حديثة من قبيل «الجبر الجيني » determinism Genetic. إنّالتعامل مع هذه القضايا، وغيرها كثير، لا يمكن أن يتمّمن خلال النظر إلى الشريعة بمنظار علم الفقه وحده. فعلوم مثل الفلسفة والعقيدة والتصوف والتفسير والحديث والأدب تمثّل روافد معرفية مهمة، ولا يمكن تصور الحفاظ على دور مؤثر للشريعة في عصر الجينوم من دون أن تصبح هذه المعارف جزءًا أصيلمن تصورنا للشريعة الإسلامية بمفهومها الرحب. ومن ثمّلا بد من مشاركة متخصصين في هذه العلوم في الاجتهادات المتعلقة بالطب الحديث ومنجزاته في عصر الجينوم. وهذا يقودنا إلى الحديث عن التحدي الثاني المتعلق بطبيعة المشاركين وخلفياتهم في صياغة دور للشريعة في هذا المجال. وقد دأب الفقهاء منذ زمن بعيد على احتكار مصطلح الاجتهاد، واتفقوا تقريبًا فيما بينهم على أنّ بذل الوسع أو استفراغه من غير الفقيه لا يسمّى «اجتهادًا» بالمعنى الاصطلاحي، حتى إن كان من علماء الكلام مثلً، وصرح بعضهم بذلك تصريحًا مثل الشوكاني (ت. 1839)؛ ولم يتغير هذا الموقف كثيرًا لدى الفقهاء المعاصرين71. إلا أنّ الإشكال الذي أبرزه مجال العلوم الطبية والحيوية في العصر الحديث، كما أوضحنا في هذه الدراسة، هو عدم قدرة الفقهاء المعاصرين على ممارسة الاجتهاد وحدهم، وذلك لأسباب من بينها عدم اطلاعهم على هذه العلوم الحديثة. ومن هنا بدأ التفكير في الاستعانة بالأطباء لسدّ هذا النقص، لمساعدة الفقهاء في تشكيل «تصور صحيح» عن القضايا الطبية والعلمية محلّ النقاش. ويبدو هنا أنّ إشراك الأطباء في هذه النقاشات من خلال آلية الاجتهاد الجماعي لم يكن بوصفهم «شركاء» في عملية الاجتهاد مع الفقهاء، وإنما بوصفهم «شارحين أو مُبسّطين» لقضايا يحتاج الفقهاء إلى فهمها للقيام بالاجتهاد على الوجه الصحيح. وقد ذكر هذا الموقف صراحةً عبد العزيز بن باز في معرض ردّه على سؤال حول ما إذا كان للمريض أن يأخذ بفتوى الطبيب أم لا بد له من مراجعة عالم الشريعة، إذ قال في هذا الصدد: «لا بدّ أن يراجع المريض العلماء فيما يقوله له الأطباء
من الأحكام الشرعية، لأنّ الأطباء لهم شأنهم فيما يتعلق بعلمهم، والعلم الشرعي له أهله [...] فالطبيب عليه أن يسأل وليس له أن يفتي بغير علم، لأنه ليس من أهل العلم الشرعي»72. ونجد التوجه ذاته في الممارسة العملية للمجامع الفقهية؛ فقد أخبرني محمد علي البار أنّ الأطباء يقومون بشرح القضايا العلمية للفقهاء، وبعد أن تنتهي مرحلة النقاش بينهم وبين الفقهاء، يخرج الأطباء من القاعة ولا يقوم بالتصويت على التوصيات والقرارات النهائية إلّ الفقهاء فحسب. وقد خالفت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت هذا التقليد وجعلت المتخصصين في العلوم الطبية والحيوية مشاركين في جميع مراحل النقاش، بما في ذلك نقاش التوصيات الختامية وإقرارها. ويبدو أنّ بعض الفقهاء المشاركين في ندوات المنظمة قد أبدوا ملاحظات على هذ التوجه، إذ رأوا أنّ الأطباء يتجاوزون حدود اختصاصاتهم ويقحمون أنفسهم في قضايا شرعية يجب أن تترك للفقهاء. وننقل هنا كلام أحد الفقهاء المشاركين في ندوة المنظمة عن بداية الحياة الإنسانية ونهايتها والتي عُقدت عام 1993، إذ يقول عبد القادر العماري، «ثم إني أريد من كلّ أحدٍ أن ينطلق من اختصاصه، فالطبيب يجب ألّ ينظر إلّ لما يكون أمامه، أما الخوض في التفسير والأحاديث وفي كلام الفقهاء، فليعرضه على الفقهاء والمختصين». وقد عقّب على هذا الموقف أحد الأطباء المشاركين في هذه الندوة، عصام الشربيني (ت. 2010)، موضحًا أنه يرى أنّ العملية الاجتهادية يجب أن تكون أمرًا مشتركًا بين الفقهاء والأطباء، وأنّ أيًّا من الفريقين لا يمكنه أن ينجز المهمة كلها وحده73. ولعلّ هذا الخلاف راجع إلى صعوبة وضع حدود فاصلة بين تصور المسألة محلّ النقاش من ناحية، وبين الحكم عليها من منظور شرعي من ناحية أخرى، فمع تعقّد القضايا الطبية والحيوية وتشعّبها، صار الفصل بين الأمرين عسيرًا، إن لم يكن متعذّرًا في كثير من الأحيان، ومن ثمّ لا مناصّ من التعاون بين المشاركين في هذه النقاشات من بداية العملية الاجتهادية إلى نهايتها. وفي هذا السياق، نضيف أنّ بعض الفقهاء، ومعهم نفر من الأطباء، بدأ مؤخرًا، وخاصة مع وصول النقاشات المتعقلة بأبحاث الجينوم مرحلةً من النضوج، يشكو ضعفَ مستوى التخصص لدى بعض الأطباء المشاركين في نقاشات المجامع الفقهية. فما يتردّد في مجالس النقاش بين هؤلاء الفقهاء هو أنّ قائمة المشاركين من الأطباء في هذه النقاشات تضمّ مجموعةً ثابتة تقريبًا تشارك في كلّ ندوة أو مؤتمر منذ الثمانينيات من القرن العشرين. أما علم الجينوم فهو علم حديث نسبيًا، ومن ثمّ لم يتخصّص فيه كثير من هؤلاء الأطباء أثناء دراساتهم للطب، وإنما يعتمدون على قراءة بعض المقالات المنشورة هنا وهناك. ولسان حال هؤلاء الفقهاء يقول «تطالبون الفقهاء بأن يمارسوا الاجتهاد، بينما الأطباء يقومون في أفضل الأحوال بنقل المعلومات عن غيرهم، ومثل هذا يعدّ في عرف الفقهاء مقلّدًا أو، في أفضل الأحوال، ناقلً للفتوى». والنقطة الأخيرة التي نودّ ذكرها في هذا الصدّد هي أنّ استيعاب القضايا الأخلاقية المثارة في عصر الجينوم وتقديم معالجات جادة لها يقتضي توسيع دائرة المشاركين في العملية الاجتهادية وعدم الاقتصار على فريقَي الفقهاء والأطباء فحسب. وقد أشرنا سابقًا إلى أهمية إشراك متخصصين في علوم
أخرى ضاربة الجذور في التراث الإسلامي بجانب الفقه، مثل العقيدة والتصوف والأدب وغيرها. وفيما يتعلّق بجانب تشكيل «التصور الصحيح» للقضايا محل النقاش، يجب أن ندرك أنّ هذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها، خاصة في عصر الجينوم، المتخصصون في العلوم الطبية والحيوية وحدهم؛ ذلك أنّ الاطلاع على الجوانب العلمية البحتة لقضية من القضايا لا يعني بالضرورة تشكيل تصوّرٍ صحيح ومتكامل عن هذه القضية. فعملية صياغة الأسئلة، ومن ثم تحديد كيفية التعامل معها من قِبل المتخصصين في العلوم الطبية والحيوية، ليست دائمًا عملية «بريئة»؛ فغالبًا ما توجد قناعات ومسلّمات مسبقة لدى هؤلاء المتخصصين، تؤثّر في عملية اختيار الأسئلة العلمية وطريقة تناولها؛ وجزءٌ كبير من هذه القناعات له جذور بعيدة في الحقل العلمي والمختبرات العلمية، ولكنها ذات صلة بالجوانب الفكرية والفلسفية والثقافية والاجتماعية والسياسية لدى الباحث بوصفه فردًا أو لدى السياق والفضاء العام الذي يعمل فيه. ففي حالة الجينوم مثلً، لا يقتصر فهم هذا العلم الجديد والإشكالات التي يطرحها على الاستماع فحسب لتبسيط علمي حول أبحاث الجينوم وتقنياته، وإنما لا بدّ من التعرّف إلى السياق التاريخي الذي نشأ فيه هذا العلم، والأبعاد الاجتماعية والاقتصادية التي واكبت ظهور هذا المجال الجديد، والقناعات الفلسفية السائدة في العصر الحديث المتعلقة بقدرة الإنسان على أن يطوّر من إمكاناته حتى يصبح «خلقًا آخر» غير الذي نعرفه اليوم... إلخ. ولا يتطرّق المتخصّصون في العلوم الطبية والحيوية إلى دراسة هذه الجوانب والبحث فيها، وإنما يقوم بذلك متخصّصون في مجالات معرفية أخرى، مثل فلسفة العلوم وفلسفة الأخلاق، وغيرهما. ومن ثمّ، تستدعي صياغة تصورٍ صحيح عن مثل هذه القضايا الشائكة إشراك المتخصّصين في هذه المجالات المعرفية، أو على الأقلّ الاطلاع على إنتاجهم الفكري؛ وذلك لأجل أن يكون المنظور الشرعي لهذه القضايا قد تمّت صياغته بناءً على بيّنة وبصيرة، وليس على تصورٍ منقوص أو مبتور.
References
المراجع
العربية
إبراهيم، عبد الله علي. الشريعة والحداثة: جدل الأصل والعصر. القاهرة: دار الأمين،.2004
أبو البصل، عبد الناصر. «الانعكاسات الأخلاقية للبحث في مجال الخلايا الجذعية: رؤية شرعية». مجلة هدي الإسلام. مج 8.4 العدد 4.)2004(
إدريس، عبد الفتاح. «الأمن المطلوب للخريطة الجينية». مجلة الوعي الإسلامي. مج 0.4 العدد 504 إسماعيل، عبد العزيز. الإسلام والطب الحديث. القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1959 أعمال وبحوث الدورة السادسة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة. مكة المكرمة: مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي،.2002
آل شافع، مريع بن عبد الله. «رسالة خريطة الجينوم البشري والإثبات الجنائي: دراسة تأصيلية تطبيقية.» بحث مقدم استكمالً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير. جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية. الرياض. السعودية،.2007
الانعكاسات الأخلاقية للأبحاث المتقدمة في علم الوراثة. الرباط/ طرابلس، ليبيا: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة/ جمعية الدعوة الإسلامية العالمية،.1993
البار، محمد علي. الفشل الكلوي وزرع الأعضاء: الأسباب والأعراض وطرق التشخيص والعلاج. دمشق/ بيروت: دار القلم/ الدار الشامية،.1992
بن باز، عبد العزيز. فتاوى عاجلة لمنسوبي الصحة. الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد،.1999
بن عبد العزيز، صالح. «الجينوم البشري.. كتاب الحياة». الإعجاز العلمي. العدد).2000(7
الترمانيني، عبد السلام. «وجوب تطبيق الشريعة الاسلامية في كل زمان ومكان». مجلة الحقوق والشريعة. مج 1. العدد 2.)1977(
«توصيات الدورة الحادية عشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي: حول ندوة الكويت بشأن (الهندسة الوراثية والعلاج بالجين والبصمة والوراثية)». مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي. العدد).1998(11 الجابري، محمد عابد. الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1996 جاد الحق، جاد الحق علي. أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل طبية. ط 3. القاهرة: جامعة الأزهر، الجندي، أحمد رجائي (محرر). الإنجاب في ضوء الإسلام. الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية،.1983
حسين، محمد الخضر. الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان. القاهرة: نهضة مصر للنشر والتوزيع،.1999
الخادمي، نور الدين. «الجينوم البشري». مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. مج 15. العدد 58.)2003(________. «الخارطة الجينية البشرية (الجينوم البشري): الأحكام الشرعية والضوابط الأخلاقية». مجلة المشكاة. العدد).2004(2
________. «الضوابط الشرعية لبحوث الجينوم البشري». بحث مقدم ضمن أعمال المؤتمر العربي الثاني لعلوم الوراثة البشرية. دبي،.2007
رضا، محمد رشيد. «مدة حمل النساء شرعًا وطبًّا». مجلة المنار. مج). 1910(12
الريسوني، أحمد. أبحاث في الميدان. المنصورة: دار الكلمة للنشر والتوزيع،.2013
زكريا، فؤاد. الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،.1986
السعدي، عبد الرحمن. مجموع مؤلفات الشيخالعلامةعبد الرحمن بن ناصر السعدي: مجموع الفوائد واقتناص الأوابد. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،.2011
الشرفي، عبد المجيد السوسوة. «أهمية الفتوى الجماعية وحجيتها». مجلة الحق. العدد 17 (نيسان/ أبريل.)2013
الشوكاني، محمد بن علي. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. بيروت: دار الكتاب العربي،.1999
العبيدي، زينب عبد القادر. «فحص الجينوم البشري: دراسة فقهية تطبيقية (مركز قطر للوراثة أنموذجًا)». رسالة قدمت استكمالً لمتطلّبات كليّة الشريعة والدراسات الإسلامية للحصول على درجة الماجستير في الفقه وأصوله. جامعة قطر. الدوحة. قطر،.2017
العشماوي، محمد سعيد. معالم الإسلام. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي،.2004
العوضي، عبد الرحمن وأحمد رجائي الجندي (محرّران). الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني: رؤية إسلامية. الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية،.2000
الغماري، أبو الفضل عبد الله الصديق الحسني. أجوبة هامة في الطب. القاهرة: نشر علي رحمي، [د.ت.].
________. تعريف أهل الإسلام بأنّ نقل العضو حرام. القاهرة: دار مصر للطباعة، [د.ت.].
«الفتوى رقم (12086): استعمال جهاز الإنعاش». الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية. 1409/3/13 ه. في: pNRhAC / gl. goo:// https
«قرار تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية». مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي. مج).1988(4
«قرار رقم: 203 (9/21) بشأن الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري (المجين)». مجمع الفقه https:// goo. gl / pqnury الإسلامي الدولي 2013/11/22.في:.
«قرار هيئة كبار العلماء رقم (190): حكم تنفيذ إجراءات إنعاش القلب والرئتين في بعض الحالات الميؤوس منها». الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية. 1419/4/6 ه. في:
https:// goo. gl / yS 4 eDU
القرضاوي، يوسف. شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان. القاهرة: دار الصحوة للنشر والتوزيع،.1993
________. فتاوى معاصرة. ط 3. الكويت: دار القلم،.1994
________. الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: مع نظرات تحليلية في الاجتهاد المعاصر. الكويت: دار القلم،.1996
________. زراعة الأعضاء في ضوء الشريعة الإسلامية. القاهرة: دار الشروق،.2010
القره داغي، علي وعلي يوسف المحمدي. فقه القضايا الطبية المعاصرة: دراسة طبية فقهية مقارنة مزودة بقرارات المجامع الفقهية والندوات العلمية. ط 2. بيروت: دار البشائر الإسلامية،.2006
كنعان، أحمد محمد. «الجينوم البشري وتقنيات الهندسة الوراثية: مقاربات فقهية». مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. مج 15. العدد 60.)2003(
مجموعة مؤلفين. بحوث مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون. إمارة العين: كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية المتحدة،.2002
المذكور، خالد وآخرون. الحياة الإنسانية: بدايتها ونهايتها من منظور إسلامي. الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية،.1985
ورياشي، عبد الكافي. «إرهاصات الخبرة الطب–شرعية في الشريعة الإسلامية». مجلة الحقوق. العدد 30.)2016(
يشو، حسن. «الجينوم البشري وأحكامه في الفقه الإسلامي: رؤية مقاصدية». مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية. جامعة قطر. مج 33. العدد 1.)2016–2015(
الأجنبية
Al–Ayed, Tareq & Nabil Rahmo. «Do Not Resuscitate Orders in A Saudi Pediatric
Intensive Care Unit.» Saudi Medical Journal. vol. 35. no. 6 (2014).
Beauchamp, Tom & James Childress. Principles of Biomedical Ethics. 6 th ed. Oxford:
Oxford University Press, 2013.
Chamsi–Pasha, Hassan & Mohammed Ali Albar. «Do Not Resuscitate, Brain Death,
and Organ Transplantation: Islamic Perspective.» Avicenna Journal of Medicine.
vol. 7. no. 2 (2017).
Collins, Francis. The Language of God: A Scientist Presents Evidence for Belief. New
York: Free Press, 2006.
DePamphilis, Melvin & Stephen Bell. Genome Duplication: Concepts, Mechanisms,
Evolution, and Disease. New York: Garland Science, 2011.
ELSI Research Planning and Evaluation Group. «A Review and Analysis of the Ethical,
Legal, and Social Implications (ELSI) Research Programs at the National Institutes of
Health and the Department of Energy.» National Human Genome Research Institute.
10/2/2000. at: https://goo.gl/nVQNGk
Ethical Implications of Modern Researches in Genetics. Rabat & Tripoli, Libya: Islamic
Educational, Scientific and Cultural Organization/ World Islamic Call Society, 1993.
Ghaly, Mohammed. «Milk Banks through the Lens of Muslim Scholars: One Text in
Two Contexts.» Bioethics. vol. 26. no. 2 (2012).
________. «Religio–Ethical Discussions on Organ Donation among Muslims in Europe:
An Example of Transnational Islamic Bioethics.» Medicine, Health Care and Philosophy.
vol. 15. no. 2 (2012).
Ghaly, Mohammed et al. Genomics in the Gulf Region and Islamic Ethics. A Special
Report in Collaboration with the Research Center for Islamic Legislation and Ethics.
Doha: World Innovative Summit for Health–WISH, 2016.
Green, Eric, James Watson & Francis Collins. «Twenty–Five Years of Big Biology.»
Nature. vol. 526. no. 7571 (2015).
Guinn, David (ed.). Handbook of Bioethics and Religion. Oxford: Oxford University
press, 2006.
Have, Henk Ten. «Potter’s Notion of Bioethics.» Kennedy Institute of Ethics Journal.
vol. 22. no. 1 (2012).
Kelly, Rebecca. «‘Good Samaritan’ Principles in the UAE: Legal Liabilities when
Administering First Aid.» Clyde & Co. 27/5/2014. at: https://goo.gl/X9J5UE
Lewis, Ricki. Human Genetics: Concepts and Applications. 11 th ed. New York:
McGraw–Hill Education, 2014.
Qatar Biobank. A Healthier Future Starts with You. Doha: Qatar Biobank, 2014.
Roetz, Heiner (ed.). Cross–Cultural Issues in Bioethics: The Example of Cloning.
Amsterdam: Rodopi, 2006.
Shaham, Ron. The Expert Witness in Islamic Courts: Medicine and Crafts in the Service
of Law. Chicago: University of Chicago Press, 2010.
Snow, Charles Percy. The Two Cultures and the Scientific Revolution. Introduction by
Stefan Collini. Eastford, CT: Martino Fine Books, 2013.