بحوث علم الجينوم في ضوء نصوص الكتاب والسنة: قراءة فقهية مقاصدية
Genomics in the Light of Scritural References in the Quran and Sunna
الملخّص
تمثل البحوث في علم الجينوم قفزةً كبيرة في المعرفة ليس لها نظير في تاريخ الإنسانية؛ وذلك لما انتهت إليه من نتائج مذهلة في معرفة خفايا خلق الإنسان، مما ينعكس على كثير من الأوضاع والتصرفات والأحوال. إن النظر إليها من جهة فقهية وأخلاقية إسلامية يدرجها في سياق "النوازل" التي تتطلب تصورات لأحكامها في ضوء الشريعة، والتي أساس مرجعيتها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وما ينبني عليهما من طرق الاجتهاد الفقهي. في هذا السياق، تأتي هذه الدراسة لتتناول مجالات علم الجينوم؛ بغية استخلاص ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية في سياق أدلتها، وتمكين العلاقة بين دليل الشرع والعلم التجريبي.
Abstract
Abstract: Genomics presents an unparalleled leap in science, and this is due to the phenomenal insight it provides into the origins of humanity, a subject that has many implications. The perspective of Islamic jurisprudence and the inclusion of an Islamic lens can provide an understanding for the implications it has, through reference to the Holy Quran and Sunnah and the utilisation of Islamic jurisprudential methods. Under this context, this study is presented to derive relevant Sharia rulings through the available evidence in order to enable the relationship between Sharia and empirical science in genomics.
- الفقه الإسلامي
- الجينوم
- الجينات
- الفحص الجيني
- القرآن
- الحديث
- السنة
- Genome
- Genomics
- Genetics
- Islamic jurisprudence
- Genetics Testing
- Quran
- Sunna
مقدمة
هذا بحث حررته من دراسات مستفيضة في تتبع أدلة الشريعة ومقاصدها في سياق ما يتصل منها ببحوث علم الجينوم وتطبيقاته1، وذلك بعد استقراء الدراسات والبحوث المعاصرة الكثيرة التي تناولت ذلك، وعُنِيت بما تعرض له كثير من الباحثين في الفقه من الاستدلال لفصول هذا الموضوع بالنص من القرآن والحديث، ومنه ما يعود إلى نصوص ظاهرة الدلالة، ومنه ما ظهرت عليه سمة التكلف وتحميل النص الشرعي فوق ما يحتمل. ومن أبرز النصوص التي بُني عليها استخراج أحكام شرعية تتصل ببحوث الجينوم استدلال كثيرين بقوله تعالى: ﴿ولَمُرَنَّهُمْ فلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه﴾ (النساء: 119)، وهو نص تفاوتت في معناه الآراء، وانتهى كثير من العلماء إلى أن التغيير هنا هو تغيير الدين بمخالفة الأمر والنهي، والعبث في الخلق بما يكون مفسدة وضررًا، ولا يشمل كل تغيير2. كما أنّ هناك من بنى على أحاديث وُجِدت في بعض كتب التراث، لا يثبتها أهل الاختصاص، وذلك كأحاديث «العرق دساس»، والأمر بالتَّخَيُّر للنُّطَفِ3. هذه النماذج من الاستدلال وسواها دفعَت إلى استقراء النصوص من الكتاب والسنة بحثًا عمّا يساعد في تمييز أحكام فصول موضوع الجينوم، من جهة ما يمكن أن يُسْتَعْمَل له من تلك النصوص واستكشاف ما لا يصلح، سواء كان في سياق تثبيت المشروعية، أو ضبطها، أو منعها. وبين يدي البحث، لا بد من التنبيه على أن نصوص القرآن والسنة لا تصادم أصالة البحث العلمي من مجال علم الجينوم، فإن الله تعالى أمر الإنسان بالبحث في أسرار خلقه مُحَفِّزًا له: ﴿فَلْيَنْظُرِ الِْنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتّرَائبِ﴾ (الطارق: 7–5)، وقال: ﴿وَفِي الرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقنِينَ. وَفِي أ نْفُسِكُمْ أفلَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذارياتَ: 21–20). ودلت النصوص دلالةً واضحةً على ما يؤكد الأساس لعلم الوراثة، وذلك بالإبانة عن أصل خلق الإنسان، واستمرار انتقال صفاته في جنسه جيلً بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ علقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الرْحَامِ مَا نشَاءُ إِلَى أ جَلٍ مُسَمّى ثُمَّ نُخْرِجكُمْ طِفْلً ثُمَّ لِتَبْلغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أرْذَلِ الْعمُرِ لِكَيْلَ يَعْلمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (الحجَ: 5). ووجه الدلالة أن الله تعالى خاطب بقوله: ﴿خلَقْنَاكُمْ﴾ كلَّ ذرية آدم، والذي خُلِقَ من التراب هو أبو البشر آدم، ولكن بقي الإنسان
يتناسل من ذلك الأصل، فالأصل الترابي متوارَث في ذرية آدم جميعًا، ولذا قال: ﴿مِنْهَا خلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجكُمْ تَارَةً أخْرَى﴾ (طهُ).55: وعن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله عز وجل خلق آدم من قَبْضة قبَضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم: الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسَّهْل والحَزْن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك»4. كما أكدت السنة ثبوت انتقال الصفات الخلقية بالوراثة، وأنها قد لا تظهر في جيل أو أجيال من السلالة نفسها، ولكنها موجودة تُتنَاقَل في الأجيال، حتى يشاء الله لها أن تظهر في بعض النسل. وذلك فيما حدث به أبو هريرة أنّ أعرابيًّا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل؟»، قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟»، قال: حُمْرٌ، قال: «هل فيها من أوْرَق؟»، قال: إن فيها لَوُرْقًا، قال: «فأنى تُرَى ذلك جاءها؟»، قال: يا رسول الله، عِرق نزعها، قال: «ولعل هذا عِرق نزعه»، ولم يرخص له في الانتفاء منه5. تحرير المقصود بتغيير خلق الله والاستدلال به في أحكام علم الجينوم: عامةً، من يتحدث عن الأحكام الشرعية المتعلقة بموضوع الجينوم فإنه لا ينفك عن التعرض لجوانب أساسية فيه مستدلً لها بما ورد في كتاب الله تعالى بشأن تغيير الخلق، وأن الله عز وجل عدَّه من طاعة الإنسان لتوجيهات الشيطان وأوامره، وذلك قوله تعالى: ﴿وقَالَ لَتَّخ ذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا. ولَضِلَّنَّهُمْ ولَ مَنِّيَنَّهُمْ ولَمُرَنَّهُمْ فلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ النْعَامِ ولَمُرَنَّهُمْ فلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَنْ يَتَّخ ذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء: 119–118)، كما يعضد ذلك بقول الصحابي عبد الله بن مسعود: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خَلْقَ الله»6، وبما وقع
في بعض روايات حديث عياض المجاشِعي الآتي: «وأ مرَتْهُم أن يُغَيِّروا خَلقي». وهذا كل ما يُتعلَّق بهَ في هذه القضية من النصوص، وبُنِيَ عليها التأصيل لمنع التغيير في شكل الخلق وهيئته إلا أن يكون بإذن من الشارع، والاستدلال بها على هذا المعنى قديم في التراث. لكن مع التقدير لما قيل من الآراء في ذلك، وكلها في سياق الاجتهاد، فإن حمل التغيير الوارد في الآية على ما قيل موضع نظر في كثير من تفاصيله التي بُنِيَت على هذه المقدمة؛ وذلك من وجوه، أبرزها ما يلي: أولً: إن ذكر تغيير الخلق خرج في الآية مخرج البيان لما يأمر به الشيطان أولياءَه الذين يدعونه، والأصل فيه استغراق الأوامر الشيطانية، والذي ذُكِرَ بَتْكُ آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، لا بد أن يكون قد دخل فيهما كلُّ ما هو من أمره، كالشرك والكفر وكبائر الذنوب وصغائرها، ولا ينظم ذلك إلا إذا كان في ذات النص الدلالة المستغرقة له. والبَتْكُ: القطع، قال ابن جرير: «وهو في هذا الموضع: قطع أذن البَحِيرة ليُعْلَم أنها بحيرة. وإنما أراد بذلك الخبيث أنه يدعوهم إلى البَحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعةً له»7. والبَتْكُ من التغيير، وإنما عيَّنَهُ لأنه من شعائر الكفر التي عُرِفَ بها الجاهليون، يجعلونه علامةً على ما هو لآلهتهم من الأنعام، فهو شرك بتقربهم، وهو كفر بتحريمهم ما أحل الله، وهو معصية بالْمُثْلَةِ التي كانوا يفعلونها بالحيوان، ولو تجرد هذا القطع من اعتقادهم الفاسد فليس فيه منفعة، وإنما هو تعذيب للحيوان، وقد نهَت الشريعة عن المثلة في نصوص أخرى أيضًا. وتلك الشعيرة الكفرية هي ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا جعلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ولَ سَائِبَةٍ ولَ وَصِيلَةٍ ولَ حَامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كفَرُوا يَفْتَرُونَ علَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأكْثَرهُمْ لَ يَعْقِلُونَ﴾ (المائدةَ: 103)، وما ذكره الله عنهم مما كانوا يفعلونه بالأنعام لآلهتهم، كما في سورة الأنعام (الآيات:.)140–136 يزيده بيانًا ما حدَّث به مالك بن نضلة الجشمي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل تُنْتَجُ إبل قومك صحاحًا آذانها، فتَعْمَد إلى الموسى فتَقْطَع آذانها، فتقول: هذه بحُرٌ، أو تَشُقَّ جلودها، وتقول: هذه صرُمٌ، فتُحَرِّمُها عليك وعلى أهلك؟»، قال: قلت: نعم، قال: «فكلُّ ما آتاك الله لك حِلٌّ، ساعِدُ الله أشَدُّ من ساعدِك، وموسى الله أحَدُّ من موساك»8. ثانيًا: أحسن طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأقِمْ وَجْهكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا
فِطْرتَ اللَّهِ الَّتِي فطرَ النَّاسَ علَيْهَا لَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثرَ النَّاسِ لَ يَعْلَمُونَ﴾:(الروم.)30 فجعلت الآية الفطرة هي دين الله عز وجل، والفطرة خلقه الذي أنشأه نقيًّا من تلويث الشيطان، والدين القيم استدامة سلامة تلك الفطرة من دون تبديل ولا تغيير. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه؛ كما تُنْتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟ (زاد في رواية: حتى تكونوا أنتم تجدعونها)». ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِطْرتَ اللَّهِ ﴾ُالَّتِي فطرَ النَّاسَ علَيْهَا لَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم9. وتأمل معنى الجدع هنا في سياق ما تقدم قريبًا، وأنهم كانوا يفعلون ذلك قبل الإسلام شركًا وكفرًا ومُثْلَةً، فيُخْرِجُون الحيوان عن الفطرة. ثالثًا: إن السنة تفسر القرآن، وقد روَى عِيَاض المجاشِعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي هذا: كل مال نحَلْتُه عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب»10. هذا هو لفظ الحديث الصحيح، ووقع في رواية: «[...] وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأمرَتْهم أن يغيروا خلقي، وإن الله نظر [...]»، وهذه الزيادة لا تثبت من جهة الرواية11. ولا حاجة إليها، فإن هذا الحديث من دونها يتفق مع حديث الفطرة المتقدم، كما أنهما يتفقان كلاهما مع آية الروم في أن خلق الله هو ما فطر الناس عليه من السلامة، ذلك هو شريعته ودينه، كما أن هذه النصوص جميعًا تبين معنى التغيير لخلق الله، وهو بطاعة الشيطان فيما يأمر به من الخروج عن شرائعه الحافظة للفطرة من التبديل والتغيير. رابعًا: إن معظم أقاويل السلف في التفسير ذهبت إلى أن تغيير خلق الله هو تغيير الدين. فقد جاءت الرواية صالحةً عن ابن عباس12، وصحت عن مجاهد، وعكرمة في أحد قوليه، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسدي، والضحاك، وغيرهم13.
وفسره ابن عباس في رواية صحيحة14، وأنس بن مالك في رواية صالحة15، كما صح عن عكرمة في قوله الآخر16، أنه خصاء البهائم. وصح عن الحسن البصري تفسيره بالوشم17. فهذان الرأيان في تفسير التغيير المنهي عنه إنما هما مثالان لتغيير حسي، وكلاهما جاء الدليل الشرعي الخاص به. وقول الحسن مثل الذي تقدم عن ابن مسعود في لعن الواشمات والمستوشمات، ولا يتعدى أن يكون تمثيلً لما هو من التغيير الذي كان يجري به فعل الناس منذ الجاهلية، وذلك لما علموه من النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن تلك الأفعال، على تفصيل فيها لا يحتمله المقام. وينتهي ابن جرير إلى تحرير دلالة الآية بقوله: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرن دين الله؛ وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فِطْرتَ اللَّهِ الَّتِي فطرَ النَّاسَ علَيْهَا لَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصي. ودخل فيه ترك كل ما أمر الله جل ثناؤه به؛ لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه»، وردَّ المقالةَ الحاصرةَ للمعنى بتغيير الأجسام والأشكال18. وقال الواحدي: «والأظهر هو القول الأول (يعني دين الله)؛ لأنه يدخل فيه كل ما نهى الله عنه، وكل من ارتكب محظورًا أو أتى منهيًّا فقد غيَّرَ دين الله»19. ويُسْتَصْحَب مع هذه المقدمة تأكيد الأصل بأن الله تبارك وتقدس قد أحسن خلق الإنسان، فكل خلقه حسن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أحْسنَ كُلَّ شَيْءٍَ خلقَهُ﴾ (السجدة: 7 حْسنَ)، وقال: ﴿وصَوّرَكُمْ فأَ صُورَكُمْ﴾ (غافر: 64)، وقال: ﴿لقَدْ خلَقْنَا الِْنْسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:.)4َ وعن الشَّرِيد بن سُوَيْد، أن النبي صلى الله عليه وسلم تَبِعَ رجلً من ثقيف حتى هرول في أثره، حتى أخذ ثوبه، فقال: «ارفع إزارك». قال: فكشف الرجل عن ركبتيه، فقال: يا رسول الله، إني أحنف،
وتصطك ركبتاي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل خلق الله عز وجل حسن». قال: ولم ير ذلك الرجل إلا وإزاره إلى أنصاف ساقيه حتى مات20. خلاصة هذه المسألة: إن رعاية السياق وتفسير النصوص ببعضها يستلزم أن لا يوقف عند فرع من فروع التغيير بفعل ما يناقض الفطرة أو الشريعة ويحمل النص عليه دون سواه، وإنما يصح التمثيل بكل ما أفسد الفطرة، وما خالف الشريعة، ما كان ظاهرًا وما كان باطنًا، فمنه الإفساد في الدين بالشرك والمعاصي، وفي الأرض بالإفساد في الحرث والنسل، وفي البدن بالتشويه كالتمثيل بقطع الأعضاء، وفي البيئة بالتلويث والتدمير في الطبيعة وتغيير منار الأرض والعبث بمقومات الحياة. والأصل أن كل ما تطابق من التغيير مع الطبيعة فإنه غير مجانب للفطرة ولا مخالف للشريعة، بل هو على أصل الإباحة، وليس مقصودًا بهذه الآية؛ لأنه مصلحة لا مفسدة، سواء كان في حفظ ضروري أو تحقيق حاجي، أو تحصيل تحسيني، ولذلك فإن كل تغيير ليس فيه نهي من الشارع، فحكمه يحدده رجحان المصلحة أو رجحان المفسدة، فإن ترجحت مفسدته دخل في عموم الآية، وكان منعه مقصودًا للشارع، وإن ترجحت مصلحته فهو جائز مشروع؛ لأن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وإذا تنازعته المصلحة والمفسدة على التساوي الْتحقَ بالمنع؛ إذ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وهذا هو الأليق في التعامل مع هذه الآية، ولا يصح أن يُعمَّمَ إنكار كل تغيير باستدلال مرسل، كما لا ينبغي أن يقال: كلُّ تغييرٍ ممنوعٌ إلا بإذن من الشارع؛ لأنه خلاف الأصل في التصرفات، بل يقال: كل مسكوت عنه فهو جائز ما لم تَغْلِبْ مفسدته على مصلحته، أو تُضاهيها، ولا يخفى كم يُخْرِج هذا التصور من حرج كبير في كثير مما يفعله الناس، وكم يُحْدِث لهم من سعة للتصرف في سياق مشروع. وبحوث الجينوم عند تناول فروعها من جهة شرعية، في حاجة ماسة إلى استحضار هذه المقدمة. وفيما يلي، سنبيّن مجالات الاستفادة من علم الجينوم في إطار دلالات النصوص الشرعية.
المجال الأول: تحسين النسل
يذكر في سياق هذه القضية جوانب راعتها الشريعة، تثبت جواز الأخذ بالأسباب تحريًا للنسل السليم القوي، بدءًا باختيار الشريك؛ الزوج أو الزوجة، وما يلي ذلك من تصرف في الجينات بين يدي الحمل، ويسوق هنا من يتناول هذه القضية شرعًا استدلالات منها ما يمكن أن يستأنس به في تعضيد أصل الإباحة، ومنها ما لا يُحْتاج إليه، إما لعدم ثبوته أصلً، وإما لبُعْدهِ عن أصل القضية. وأبيّن فيما يلي أظهر ما يُذْكَر، مع التنبيه لبعض البدائل:
1. تحري الأنساب الشريفة
يبدأ هذا التحري عرفًا عند اختيار الشريك، بقصد شرف النسب. وبتأمّل النصوص فإنه لا يبدو أن الأدلة الشرعية تخدم فكرة الاعتناء بهذا الجانب إلا في سياق حكم الإباحة، وذلك لحديث أبي هريرة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُنْكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظْفَر بذات الدين تَرِبَتْ يداك»21. فالحديث أخبر عما جرت به أعراف الناس عند إرادة الزواج، ولم ينكر عليهم اعتباره فهو مباح، وحضَّ على كفاءة الدين لأنه مندوب. والذي يعرفه الناس عن شرف النسب يرجع إلى الشهرة والاستفاضة بأن هذه الأسرة من سلالة نبي أو ملك أو عالم أو قبيلة معينة أو غير ذلك من الأسباب التي لا تعود عند من يعتد بهذا إلى مقياس منضبط، كبني إسرائيل في اعتقادهم شرف الفرع بشرف الأصل إسرائيل عليه السلام، وكمن ينتسب إلى آل بيت النبي الكريم، أو قريش من العرب، أو سلالات الملوك من غيرهم. وهذا كله ليس مما ينبني على قَصْدٍ مطلوب من الشارع، لكن لم يمنع الناس من تتبعه، والعبرة شرعًا بتقوى الله والعمل الصالح، كما في الآية الكريمة: ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خلَقْنَاكُمْ مِنْ ذكَرٍ وأَنْثَى وجعَلْنَاكُمْ شعُوبًا وقبَائِلَ لِتعَارَفُوا إِنَّ أكْرمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجراتَ: 13)، وفي الحديث: «من بطَّأ به عملُه، لم يُسْرِعْ به نسَبُه»22. وما يهمنا هنا هو السؤال: هل يصلح أن يتدخل علم الجينوم في تحديد أصالة النسب إثباتًا أو نفيًا من جهة شرعية؟ والذي نراه هو منع ذلك لسببين: أولهما أن فكرة تحسين الأنساب تأتي في سياق تكريم عنصر من البشر على غيره، وهي فكرة مرفوضة شرعًا؛ لأنها مدعاة للكبر والتفاخر بالأحساب، وقد جاءت الشريعة بإبطال ذلك وعدَّتْهُ من أخلاق الجاهلية. كما أن فيه تطبيقًا لفكرة اليوجينيا الخبيثة Eugenics، وهي تدور في فلك الأهواء البشرية التي ترمي إلى استبقاء من تحسبه شريفًا نبيلً يستحق الحياة، ومن تعده وضيعًا دنيئًا يستحق الموت. ثانيهما أن إخضاع معرفة النسب أساسًا لفحص DNA أمر في غاية الخطورة اجتماعيًّا، فقد يُفْضَح به خلائق سترهم الله. وأدبنا القرآن بترك البحث عما وراء كشفه مفسدة، كما في الآية: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَ تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حَِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (المائدة:.)101
2. تحري جمال الشكل والصورة
تقدم قريبًا حديث أبي هريرة في تحري نكاح المرأة الجميلة، وهو أمر مباح، مرغوب في العادة يجري مع الميول الطبيعية، ولم تأتِ الشريعة بما يبطله، بل قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشّهوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقنَاطِيرِ الْمُقَنْطرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ متَاعُ الْحيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14). وقد اعتبرت الشريعة هذا الجانب التحسيني
في الرجل والمرأة عند اختيار الشريك أمرًا صحيحًا؛ وذلك من أجل تحقيق ما تطمح إليه النفس من أسباب السعادة؛ لذلك حثَّت السنة على النظر إلى المخطوبة23. لكن لم تعتبر الشريعة في شيء من النصوص الصحيحة تفضيل الإنسان بالشكل والصورة واللون، بل هذا جانب ملغى، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وأشار بأصابعه إلى صدره24. وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قوله: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجَمي، ولا لعجَمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى»25. فهذا معيار الشرع في إسقاط التمييز بين البشر بكل أشكاله، بالأعراق وبالألوان، سوى التمييز بالسلوك والعمل، والذي تُعَبِّرُ عنه النصوص بالتقوى، كما تقدم. والتصرف في الجينات قد يتناول الخِلْقَة القائمة لجسد الإنسان في سياق المعالجة أو تحقيق بعض الرغبات بالتحكم في لون البشرة أو العيون أو الشعر، أو بعض مواصفات الجسم كالطول والقصر26، وسأتناول ذلك عند الحديث عن التدخل الجيني على سبيل التطبيب. وإنما يذكر هنا التصرف الجيني بمواصفات الشكل واللون في مقدمات الحمل وبين يديه، وهذا إذا لم يكن على سبيل المعالجة لخلل صحي، فهو مشكل في حكمه، وذلك للتردد فيه بين حكم الإباحة الأصلية، وحكم المنع قمعًا للهوى27 وحذرًا مما قد يجره ذلك التصرف على المخلوق الجديد الذي يتم التغيير في جيناته من سلبيات غير مدركة وقت تنفيذ ذلك. ولو نظرنا في هذا السياق إلى جانب الصحة وقوة البدن والذكاء، وقصدنا إلى التصرف الجيني لعزل عناصر الضعف والإبقاء على عناصر القوة، وأمكن التحقق من ذلك، فذلك مشروع، بل مطلوب يفوق في درجته مجرد الإباحة؛ وذلك باعتبار المقاصد، وخلو المسألة من نص شرعي مانع. وبناء عليه؛ فهو تحسين مشروع بابه الأخذ بأسباب العافية التي شُرِعَ لأجلها للحامل أن لا تصوم رعايةً لما في بطنها، والمرضع رعايةً لمواصفات غذاء رضيعها، كما شُرِعَت الرضاعة في أحكام كثيرة عامتها لخدمة هذا الغرض، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
3. تحري الزواج من غير الأقارب
يكون ذلك بغرض تحسين النسل، أو إبعاده عن أسباب العلل. لاعتبارات صحية؛ فربما وجد في بعض الحالات الخاصة ما يستدعي الامتناع عن الزواج في نطاق الأقارب، أو الألصق قربًا، لكن: هل يصلح أن تُعدَّ هذه المسألة أصلً حاكمًا، ومن ثمَّ تكون إرادة تحقيق ذلك من مقاصد الشريعة؟ هذا ما انتهى إليه بعض الباحثين، مؤيدين رأيهم ببعض ما حسبوه أدلةً شرعيةً؛ إذ يذكرون في السياق أحاديث كلها عند أهل الاختصاص باطل موضوع، أو منكر واهٍ، تلخيصها في التالي: حديث: «الناكح في قومه كالْمُعْشِب في داره»28. منكر. حديث: «تخيروا لنُطَفِكم، فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأشباه أخواتهن»29. منكر. حديث: «لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوِيًّا»30. موضوع. أثر عن عمر بن الخطاب، قال: «يا بني السائب! إنكم قد أضويتم؛ فانكحوا في النزائع»31. ضعيف. كما أن بعض من ينتصر لفكرة ترك الزواج من القريبة يجعل من أسباب تحريم المحرمات من النساء ضَعْفَ النسل من جهة القربى، وذلك في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ علَيْكُمْ أمّهَاتكُمْ وبنَاتكُمْ وَأُخوَاتكُمْ وعَمَّاتكُمْ وخَالَتكُمْ وبنَاتُ الْخِ وبنَاتُ الْ خْتِ وَأ مّهَاتكمُ اللَّتِي أُرْضَعْنَكُمْ وأَخوَاتكُمْ مِنَ الرّضَاعَةِ وَأمّهَاتُ نِسَائِكُمْ وربَائِبكمُ اللَّتِي فِي حجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكمُ اللَّتِي دخَلْتُمْ بهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دخَلْتُمْ بهِنَّ فلَ جُنَاحَ علَيْكُمْ وحلَئِلُ أبْنَائِكمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الَْخْتَيْنِ إِلَّ مَا قَدْ سلفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 23). وهذا استدلال غير مسلَّم؛ إذ لو اطَّردَ في الأم والبنت ونحوهما، فإنه لا يطَّرِدُ في الأم المرضعة ومن بعدها من المحرمات في الآية.
وأصل الإباحة القرآني بعد حصر التحريم فيمن ذكر الله تعالى من النساء: ﴿وَأحُِلَّ لَكُمْ مَا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (النساء: 24) يدل دلالةً قاطعةً على أن الزواج من أي امرأة سوى من ذُكر في آية المحرمات قريبةً كانت أو بعيدةً حلال، والعليم الخبير لا يبيح تأصيلً لعباده زواجًا هو مظنة للمفسدة الراجحة. كما أكِّدَت الإباحة بالفعل النبوي امتثالً لهذا العموم المستغرق لجميع المسلمين، ولقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لكَ أَزْوَاجكَ اللَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا ملكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ علَيْكَ وبنَاتِ عَمِّكَ وبنَاتِ عَمَّاتِكَ وبنَاتِ خَالِكَ وبنَاتِ خَالَتِكَ اللَّتِي هَاجَرْنَ معكَ﴾ (الأحزاب: 50)، ولِمَا تواتر من تزويجه ابنتَه فاطمةَ لابن عمه علي بن أبي طالب، في حوادث كثيرة في حياته صلى الله عليه وسلم في الزواج بين الأقارب أقرَّها وما أنكر منها شيئًا. فغاية ما يقال هنا: إن الزواج خارج إطار الأقارب أولى؛ إذ هو من التعارف الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وجعَلْنَاكُمْ شعُوبًا وقبَائِلَ لِتعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13)، وهذه مصلحة اجتماعية، كذلك لو أشار به أهل الاختصاص لسبب وراثي، أو تعيَنَّ طريقًا للسلامة من بعض الأمراض، وهي عندئذ مصلحة صحية. وفكرة تحبيذ الزواج خارج الأقارب، أو تجاوز القرابة الأقرب إلى الأبعد، قديمة؛ لهذا المعنى، وجرى بذلك قول العرب: «اغتربوا لا تضووا»32، وصح عن الشافعي قال: «ليس من قوم لا يُخْرِجُون نساءهم إلى رجال غيرهم في التزويج، ولا رجالهم إلى نساء غيرهم في التزويج، إلا جاء أولادهم حمقى»33. كما يعزِّز ذلك ما تؤكِّده نتائج البحوث العلمية الدالة على أن نسبة التشوهات الخلقية المحتملة الناتجة من أسباب وراثية في حالة الزواج من الأقارب تتضاعف مقارنة بالزواج من غير الأقارب34.
4. الفحص الجيني قبل الزواج أو بعده
لهذا الفحص جانبان من حيث القصد، هما:
أ. الحفاظ على النسل من الأمراض الوراثية
هنا يُشَرِّعُ كثيرون للفحص قبل الزواج، مستدلين بالنصوص الحديثية الواردة في منع إيراد المريض على الصحيح، ومن أبرزها حديث أبي هريرة؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يوردن ممرض
على مصح»35. وأحسب أن في هذا الاستدلال إشكالً، وذلك أن الحديث ظاهر في مرض معلوم واقع مُعْدٍ، وليس في مرض مجهول يُبْحَث عن مظنة وقوعه، كما أنه لا يتناول الأمراض غير المعدية. والحديث وما في معناه صالح للاستدلال في هذه المسألة فيما لو ثبت أن شخصًا ما يحمل مرضًا وراثيًّا لا يمكن علاجه، ويمكن أن يتعدى ذلك المرض إلى نسله، وليس في الحديث دليل على طلب الوقوف على علة لا يوجد ما يدل عليها حتى يتم تحاشيها بالفحص، بل نفي الأمراض هو الأصل لمن ظاهره السلامة منها؛ وعليه فالاستدلال بهذا الحديث لهذه المسألة خارج عن محله. وتبقى فائدته فيما لو وقع الكشف، وتبين أن الشخص يحمل مرضًا وراثيًّا يمكن تعَدِّيه إلى نسله بنسبة راجحة بحسب ما يقرره أهل الاختصاص، وأنه لا علاج لهذا المرض، والأمر سواء في هذا حصل الفحص قبل الزواج أو بعده. لكن أن يُجْعَل الكشف في ذاته مطلوبًا ندبًا أو وجوبًا لتحقيق الغاية المذكورة، فهذا مما لا تنصره الأدلة، ولا يصلح أن يُتكلَفَّ له بنص من الكتاب أو السنة، وغاية الأمر أن يبقى حكمه على أصل الإباحة: من شاء فعله، ومن شاء تركه، بل إذا لم يُشِرْ به الطبيب لسبب معتبر، ولم تبد له علامات مسوغة، فربما كان إلى الكراهة أو المنع أقرب، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَ تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدةَ). 101:
ب. استكشاف السلامة من العقم
يحقق الفحص الجيني بهذه الغاية امتثال التوجيه النبوي، فيما ثبت من حديث مَعْقِل بن يسار؛ قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أصبت امرأةً ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها، قال: ‘ لا ’، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: ‘ تزوجوا الوَدُود الوَلُود فإني مكاثر بكم الأمم ’ »36. وكان الناس يستكشفون ذلك بالمظنة، بالنظر إلى مثيلاتها من نسائها، أو كانت ثيبًا سبق لها الولد، فإذا كان الكشف الجيني يمكن أن يدل على الوَلُود لمن رغب بالولد فالفحص لهذه الغاية صحيح معتبر، والحكم فيه سواء في حق الزوج أيضًا؛ لاتحاد الغاية، كما أن العقم ليس من خصائص النساء. علمًا بأن الحديث خرج مخرجَ التوجيه لا مخرجَ التحريم، وذلك بالنظر إلى الأصلح في حق السائل، ولذلك أمثلة كثيرة في التصرفات النبوية؛ تحقيقًا لما جُبِلَ عليه الإنسان من الرغبة في الولد، الأمر الذي يأتي على وفاق مقاصد التشريع هنا؛ ولذا استحب لمن علم أنه عقيم قبل الزواج أن يخبر بذلك عند العقد، قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يتزوج المرأة وهو عقيم لا يولد له؟ قال: «أعجب إلي إذا عرف ذا من نفسه أن يبين؛ عسى امرأته تريد الولد». ووافقه إسحاق بن راهويه، وزاد: «لأنه لا يسعه أن يَغُرَّها»37.
وليس في هذا منع العقيم ذكرًا أو أنثى من حقه في الزواج، بل يتزوج من تناسبه، وتتزوج من يناسبها، فالزواج مقصود لذاته في دليل الشرع وإن لم يهَبِ الله الولدَ. كذلك فيه دليل على أن العقم علة، تُشْرَع معالجتها، وأن الإنجاب غاية أصيلة معتبرة شرعًا في الزواج، وهذا يجيب عن مسألة استعمال الوسائل الحديثة التي تعالج العقم، كما يأتي قريبًا.
المجال الثاني: تدخل علم الجينوم في خلق الإنسان
الحديث عن إمكان توصل العلم إلى وسيلة يتخلق منها إنسان خارج إطار الزواج، أو حتى مع اتحاد الجنس، أي دون عملية تلقيح طبيعية، لا ينبغي الاعتراض عليه من حيثُ إمكانُ الوقوع، وإنما يُضْبَط في سياق الأحكام الشرعية والأخلاق، ومعلوم أنه حتى في حالة الحمل عن طريق معتاد، وهو جماع الذكر والأنثى، فإن الإنسان يتخلق من «جماع حلال» بالزواج، كما يتخلق من «جماع حرام» بالزنى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة، لأخرج الله منها – أو يخرج منها – ولدًا، وليخلقن الله نفسًا هو خالقها»38. وعن أبي سعيد الخدري، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن العزل، فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا؛ إن يكن مما أخذ الله عليه الميثاق، فكانت على هذه الصخرة أخرجها الله». وفي لفظ: «لنفخ فيها الروح»39. وفي40رأيي أنه لا ينبغي أن يكون البحث في حكم البحث العلمي نفسه في هذا الإطار لأنه معلوم المشروعية، وإنما في تطبيقاته ونتائجه. ولا أرى حاجةً إلى استعراض مسألة استعمال طرق جينومية لتكثير النسل خارج إطار الزواج؛ لأنه وحده الطريق المعتبر شرعًا لهذا الغرض بعد أن انتهى في العالم اتخاذ السراري، ولا أرى مزيدًا في الإبانة عن الحكم الشرعي، وسأذكر لاحقًا موضوع الاستنساخ.
المجال الثالث: علم الجينوم وتحديد جنس الحمل
علم الإنسان ببعض أسرار النطفة، وتخيُّرُه في إطار ما بلغه علمه مما علمه الله ومكَّنَه منه غير متعارض مع السنن في الخلق، فالله تعالى هو المتفرد بالخلق وإن كان للإنسان تسبب في شيء منه، كما يتسبب في أمر فطري كقذف النطفة في عملية الجماع، أو كالتسبب بِتحَيُّنِ وقت الإخصاب تحريًا للحمل، قال الله عز وجل: ﴿ألَ لَهُ الْخَلْقُ وَالَْمْرُ تبَاركَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54)، ﴿ورَبُّكَ يَخْلقُ مَا يشَاءُ ويَخْتَارُ مَا كَانَ لَهمُ الْخِيرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وتعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص).68: فما انتهت إليه تطبيقات علم الجينوم في اختيار جنس المولود ذكرًا أو أنثى، ليس في النصوص ما
يمنعه، ما لم يكن بدافع كراهة الأنثى، وهو عندئذ من أخلاق الجاهليين التي أنكرها الله عليهم، إذ كانوا يعدون الأنثى عيبًا وسوءًا ومنقصةً يلحقهم به العار؛ الأمر الذي كان أحد أسباب الوأد. والرغبة في الولد الذكر طبيعية عند الرجال والنساء في جميع المجتمعات، وفي كتاب الله تعالى أمثلة بارزة في هذا السياق، كدعاء إبراهيم الخليل، وزكريا، والدعاء المستجاب لا يكون إلا بما هو جائز مشروع؛ مما دل على جواز السعي لتحصيل الولد الذكر، إذ ما جاز الدعاء به جاز السعي لتحصيله. أما التخوُّف من أن تجويز ذلك قد ينتهي بالناس إلى مجتمع ذكوري فيُمنع منه سَدًّا للذريعة، وهذا في رأيي توسع في باب الذرائع، إذ الكلام هنا إنما هو في حكم هذه المسألة تأسيسًا، وهو وضع تقل الحاجة إليه ووقوعه نادر، فقد يسعى فيه بعض الناس رغبةً في الولد، وفي عمليات حمل صناعية لا تلقائية؛ تحقيقًا لرغبة من يريد استمرار نسله من بعده ولم يرزق الولد الذكر بالطرق الطبيعية، ثم أيضًا يوجد فيمن لم يرزق إلا الذكور من يرغب في الأنثى، فبابهما واحد. ومظنة أن تحديد جنس الحمل في طور النطفة من قبيل تغيير خلق الله، فهذا في ضوء نصوص الشريعة غلط؛ فإنه لم يكن بَعْدُ خَلْقُ إنسانٍ ولا تحديدُ جنسهِ ليَتِمَّ تغييره، كما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكَّلَ الله بالرَّحِم ملكًا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يَقْضِي خَلْقَها، قال: أي رب، أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيُكْتَب كذلك في بطن أمه»41. والحاصل، أن تحديد جنس الحمل لا يوجد ما يمنع منه شرعًا، وتبقى السنة الكونية جاريةً في الخلق لا تتخلف: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالرْضِ يَخْلقُ مَا يشَاءُ يهَبُ لِمَنْ يشَاءُ إِنَاثًا ويهَبُ لِمَنْ يشَاءُ الذّكُورَ. أوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ويَجْعَلُ مَنْ يشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورىَ).50–49: وتتصل بهذه المسألة قضية أخرى هي: مشكلة العقم. فمن المسلّمات عند أهل الإيمان أن هبة الولد أو الحرمان منه أمر متعلق بمشيئة الله عز وجل، وكم من يائس من الولد بحسب ما أحاط به علم المخلوق الضعيف، ليس عقيمًا في علم الله، فيسوق الله له الذرية من حيث لا يحتسب، كما أخبرنا سبحانه عن شأن سارة زوج إبراهيم حين جاءت الملائكة بالبشرى، فقال: ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ. فَأقْبلَتِ امْرَأتهُ فِي صَرَّةٍ فصَكَّتْ وَجْههَا وقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (الذارياتَ: 29–28)، حسبت أنها عقيم، وليست كذلك في علم الله، فرزقها الله الولد بعد إياس، وهذا من أقوى ما يكون باعثًا لكل من حرم الولد أن يسعى بكل سبب ممكن ليكون له أو لها ولد، ولا يَعْجَز فيحتج بالقدر؛ فإنه لا يعلمه، والأخذ بالأسباب المشروعة لا يتعارض مع مشيئة الله تعالى.
المجال الرابع: الفحص الجيني يكشف عن مرض وراثي بعد علوق النطفة، أو بعد التخلق، ما حكم الإجهاض عندئذ؟
تندرج هنا قضيتان تتصلان بعلم الجينوم: الأولى: الإجهاض بغرض استفادة خلايا جذعية جنينية؛ والثانية: عند اكتشاف مرض وراثي. والنظر في القضية شرعًا يتم بقسمتها إلى حالتين: ما قبل نفخ الروح، وما بعد نفخ الروح؛ ذلك أنّ نفخ الروح هو فرق ما بين حالة النمو وكونه نفسًا. قال ابن القيم: «فإن قيل: الجنين قبل نفخ الروح فيه، هل كان فيه حركة وإحساس، أم لا؟ قيل: كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات، ولم تكن له حركة الحس والإرادة، فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسه وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه»42. وعليه، فلا يكون نفسًا حتى تنفخ فيه الروح، وعندئذ تكون حالة الإجهاض قتلً محرمًا؛ لنصوص كثيرة، كعموم قوله تعالى: ﴿ولَ تَقْتلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: 151)، ونفخ الروح يجعل الجنين نفسًا حيةً، ولا حق في قتلها لأي سبب. إذًا، هذه الحالة لا تبيح الإجهاض الذي لا يبقى معه الجنين على قيد الحياة، ويجب أن يكون القول بالمنع قولً واحدًا؛ وذلك لقطعية النصوص في حرمة قتل النفس، حتى مظنة موت الأم فإنها لا تبيح الإجهاض المميت؛ إذ هي مظنة لا يبطل بها اليقين، إلا أن يترجح بقاء الجنين على قيد الحياة لو تم ذلك في مثل هذه الحالة، ولو مات عندئذ ترتبت عليه أحكام قتل الخطأ؛ وذلك لما دل عليه حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى: أن دِيَة ما في بطنها غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أو أمَةٌ43. أما الإجهاض قبل نفخ الروح، فهذا موضع اجتهاد في المشروعية والمنع، لكن يجب أن يُسْتَصْحبَ هنا ما تقدم من أن الجنين لا يكون نفسًا إلا عند نفخ الروح، والكفارة تجب بإسقاطه عندئذ لا قبل ذلك. وفي بعض الروايات الصحيحة لحديث أبي هريرة السابق، أنه قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لَحْيَانَ سقط ميتًا بغُرَّةٍ: عَبْدٍ أو أمَة»ٍ44. ولا يكون ميتًا من لم يَحْيَ أصلً، ولا حياة إلا بنفخ الروح، كما قال ابن حزم: «الجنين الذي لم ينفخ فيه الروح لم يقتل قط»45. واستصحاب هذا التصور يساعد على إدراك درجة الخلاف الفقهي في شأن الإسقاط قبل تمام مئة وعشرين يومًا من لحظة الانعقاد، وهي مرحلة: ﴿ثُمَّ أنْشأنَاهُ خَلْقًا آخرَ﴾ (المؤمنونْ).14: والأصل في المراحل الأولى لخلق الإنسان أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أشهرها
حديث عبد الله بن مسعود. وقد تناولنا بالدراسة المفصلة جميع ما ورد في هذه القضية في كتاب مستقل46، أُوجز هنا أهم ما يَخْدُم المقصود بهذا البحث: صح الحديث في مراحل خلق الجنين حتى نفخ الروح وكتابة القدر من حديث عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن أسِيد الغفاري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي ذر الغفاري موقوفًا، بعضها مفصل وبعضها مختصر. اتفقت الأحاديث بالروايات الثابتة على الترتيب فيما يلي: طور النطفة أو جمع الخلق في الرحم: في أربعين يومًا. وروي في حديث أن الشبه يكون في اليوم السابع، لكن لم يثبت إسناده. طور العلقة: في أربعين يومًا. طور المضغة: في أربعين يومًا. اختلفت الأحاديث في ترتيب بعث الملك بأربع كلمات يكتبها: العمل، والرزق، والأجل، والشقاوة أو السعادة، لكنه اختلاف شكلي، يزيله جمع الروايات وتفسير بعضها ببعض، فقد وكل الله عز وجل بخلق الإنسان في الرحم ملكًا يبدأ معه الرحلة بعد استقرار النطفة في الرحم أربعين ليلةً، ويلازم المجيء إليه فيما يتبع من أطوار الخلق47 حتى نفخ الروح. لا تنفخ فيه الروح حتى يُتِمَّ مئةً وعشرين يومًا، وهذا صحيح من حديث عبد الله بن مسعود، ليس فيه اختلاف. وتأول بعض متقدمي العلماء على هذا القرآن، كما ورد عن التابعي أبي العالية الرياحي، في قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ويذَرُونَ أزْوَاجًا يترَبَّصْنَ بِأَنْفُسهِنَّ أَرْبعةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ (البقرةَ: 234)، قيل له: لأي شيء ضُمَّت هذه العشر إلى الأربعة الأشهر؟ قال: «لأنه ينفخ فيه الروح في هذه العشر»48. واختلف الفقهاء في حكم الإجهاض في فترة ما قبل مئة وعشرين يومًا من لحظة الانعقاد، وتلخيص آرائهم فيما يلي:
جواز الإجهاض في فترة ما دون مئة وعشرين يومًا ولو بغير عذر؛ وهو مذهب الحنفية49، وبعض الشافعية50، وظاهر رأي ابن عَقيل من الحنابلة51. جواز الإجهاض في فترة ما دون مئة وعشرين يومًا بعذر، ومنعه بغير عذر. وهو لبعض الحنفية، قالوا: لا يجوز لغير عذر نظرًا إلى كونه آيلً للآدمية، وقاسوه على الفدية تلزم الحاج في بيض النَّعام إذا كسره لأنه آيِل ليكون نَعامًا52، ويُشْعِر بهذا الرأي قول بعض الشافعية53. جواز الإجهاض من دون حرج في طور الأربعين الأولى، وهو طور النطفة، وتحريمه فيما بعدها؛ وهو مذهب الحنابلة54، وابن حزم55، وتشير إليه عبارةُ اللَّخمي من المالكية56، وربما أوحت به عبارة أبي عبد الله القرطبي منهم أيضًا57. حرمة الإجهاض مطلقًا منذ لحظة دخول الماء للرحم، وتشتد درجات التحريم كلما تقدمت أطوار الحمل. وهو مذهب المالكية58، وظاهر قول الغزالي من الشافعية59، واختاره غيره منهم60، وقول ابن الجوزي من الحنابلة61.
وصح عن عبيد بن رِفاعَة في قصة فيها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، ورفاعة بن رافع، قال فيها: «ثم أفاضوا في ذكر العزل، فقالوا: لا بأس، فسَارَّ رجلٌ صاحِبَه، فقال (أي عمر): ما هذه المناجاة؟ قال أحدهما: يزعم أنها الموءودة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: إنها لا تكون موءودةً حتى تمر بسبع تارات، قال الله عز وجل: ﴿ولقَدْ خلَقْنَا الِْنْسَانَ مِنْ سُللَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خلَقْنَا النُّطْفةَ علقَةً فخلَقْنَا الْعلَقةَ مُضْغَةً فخلَقْنَا الْمُضْغةَ عِظَامًا فكسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشأنَاهُ خَلْقًا آخرَ فتبَاركَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالقِينَ﴾ (المؤمنونَ: 14–12)، فتفرقوا على قول علي بن أبي طالب أنه لا بأس به»62. وفي هذا ما يدل على تقوية قول من يجيز الإجهاض، وبخاصة إذا كان لسبب، وقبل نفخ الروح الذي يكون عند بلوغ التارة السابعة. واختلاف الفقهاء هنا إنما هو لانتفاء النص في المسألة؛ فتجاذبتها الأنظار بالاجتهاد، وما كان كذلك كان اعتبار المصلحة مؤثرًا فيه. والذي أرجحه أن الإجهاض في مدة المئة والعشرين يومًا يباح ما كان لسبب مشروع كمرض أو شِبْهِه أو حاجة معتبرة كمشقة الرعاية على الأم لضعفها، أو الخوف من جفاف لبن الرضاعة لطفلها الذي لم يزل في سن الرضاع، لا خوفًا من الرزق، أو كرهًا للأنثى مثلً، وهذا الإسقاط كلما تأخرت مدة الحمل فإنه يضعف حكم جوازه ليتدرج في الكراهة؛ وذلك لما يقع بالإجهاض من الضرر والألم للمرأة؛ الأمر الذي لأجله عُدَّ إسقاط ما في بطنها في حالة الاعتداء عليها ولو في الأطوار الأولى جنايةً في قول بعض العلماء63. والموازنة تقتضي أن يكون مباحًا أو مأمورًا به إذا كان لرفع ضرر أكبر من الضرر العارض الذي يحدث للمرأة عند إجرائه. وهذا يعني جوازه من دون كراهة ولو في أواخر الأربعين الثالثة لمرض وراثي، أو تشَوُّهٍ لا علاج لمثله، أو أنه لو مكث في بطن المرأة فنهايته إلى الموت قبل أن يولد أو عقب الولادة، على أن يُقَرِّرَ الإجهاضَ أصحاب الاختصاص، فالقول في ذلك قولهم والحكم لراجح اجتهادهم. أما من أجل الحصول على خلايا جِذعية، فحيث إن وقوعَه يَتِمُّ في طور الأيام الأولى للحمل، أي في أثناء الأربعين الأولى، فالحاجة تبيحه من دون كراهة ما دام بإذن من له الحق في ذلك. وفي تطبيقات علم الجينوم قضية إتلاف البُيَيْضات الزائدة في حالات التلقيح الصناعي، أو بقصد اختيار الجنس، فربما عدَّ بعضهم إتلافها من قبيل الإجهاض، وليس هذا إجهاضًا، لا لغةً ولا شرعًا، والتوسع في التشديد في هذا لا معنى له، وإذا كان الإجهاض في أطوار الحمل الأولى قد اختُلف فيه لعدم النص على المنع، وأنه يجوز لاعتبارات، فما لم يكن حملً أصلً فهو أبعد عن الإشكال، بل هو نُطَفٌ مجردة تُشْبِه النطفة تُلْقَى في عملية عزل أو استمناء. وهذه اللقائح لو كان يمكن استغلالها لمنفعة بعد الفراغ من الحاجة لها للحمل، فإنني لا أرى في استعمالها حرجًا، ولا معنى للأمر بإتلافها من جهة شرعية، إذ ليس في الانتفاع بها عندئذ لغير الحمل مفسدة.
ومما يجب التنبيه له هنا أن اسم (الجنين) لا يصح أن يطلق على ما كان خارج الرحم، لا لغةً ولا شرعًا، وإن تساهل في استعماله العلم الحديث64. فليلاحظ ذلك لئلا ينعكس سلبًا على النظر في الأحكام الشرعية. قال الشافعي: «وأقل ما يكون به جنينًا أن يفارق المضغةَ والعلقةَ، حتى يتبين منه شيء من خَلْق آدمي: أصبع، أو ظفر، أو عين، أو ما أشبه ذلك»65. وأهل العربية يقولون: «الولد جنين ما دام في بطن أمه. وإنما سمي الجنين جنينًا لأنه اجتن، أي اكتن في بطن أمه»66. ومن المحزن، في سياق قضية الإجهاض، أن ترى بعض الباحثين المسلمين يُبْدُون إعجابًا بموقف الكنيسة الكاثوليكية في نظرها لحكمه، وغفلوا عن أن أهل الكتاب يحرمون حتى العزل، بل كانوا يعدونه وأدًا، وأن الكنيسة لا تبيح الجماع بين الزوجين أصالةً إلا بقصد الولد، في تفصيل ليس هذا موضعه، وكان يكفي هؤلاء أن يَعْرِضوا رأيهم شرعًا، وأن يستصحبوا أن الله رفع عن هذه الأمة الإصر والأغلال التي كانت على من قبلها، وليس المنع هنا والتشديد قضيةً أخلاقيةً، بل هي فقهيةٌ محتملَةٌ، وعمدة التحليل والتحريم هي الدليل من شريعتنا، من الكتاب والسنة، لا من شرائع سائر الأمم ولا أهواء البشر.
المجال الخامس: علم الجينوم وكشف العلل والأمراض ومعالجتها
يعود أصل هذه القضية إلى ما قررته الشريعة من مشروعية العلاج لكل العلل والأمراض، وهي مستغرقة لكل ما يحقق منفعة الإنسان ويدفع عنه الضرر، وقواعد الشرع تنص على أن الضرر يزال، والتداوي مما تقتضيه ضرورة حفظ النفس بالأخذ بأسباب العافية، وهو معالجة للأقدار الكونية بالأقدار الكسبية، ولا ينافي التوكل، بل هو بمنزلة دفع الجوع والعطش بالطعام والشراب. وهذا أصل كلي يغني عن تتبع أمثلة جزئية في النصوص الشرعية؛ لظهوره. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجَز»67. وفيه دليل على جواز الأخذ بالأسباب
المشروعة لقوة البدن وصحته. وكان مما يعالج به الناس العلل في زمن نزول القرآن الرُّقَى، وهي تعاويذ، فأقرها لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تكن بشِرْكٍ68، وفيه دليل على إقرار الشريعة للعلاج بما عَلِمَه الناس وجربوه فأدركوا نفعه. وبعيدًا عن تفصيل الراجح في سياق الخلاف الفقهي في حكم التداوي إن كان الإباحةَ أو الندبَ أو الوجوبَ، فإن الأمر به قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه عديدة، وأقل درجات الأمر الندب وبخاصة مع رجحان المصلحة. فعن أسامة بن شَرِيك، قال: شهدت الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ليس بها بأس (فذكر الحديث) وفيه: قالوا: أنتداوى يا رسول الله؟ قال: «نعم، فإن الله لم يضع على الأرض من داءً إلا أنزل له شفاءً غير داء واحد». قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: «الهرم»69. فهذا الحديث وما في معناه من أحاديث أخرى كلها تؤكد الحث على استكشاف العلل ومداواتها. فإذا نظرنا من خلال ذلك إلى نتائج بحوث علم الجينوم وتجاربه في الوقوف على العلل وبخاصة الخفية – وأخفاها الوراثية – والتي يحملها الإنسان وتنتقل في النسل، وقد لا تظهر آثارها إلا في جيل بعيد، فإنّ ذلك العلم من فتح الله عز وجل على خلقه للأخذ بأسباب العافية، ولا يمكن – وقد مكنهم الله من العلم بذلك قدرًا – أن يحول بينهم وبين الانتفاع به شرعًا. لكن تذكر في هذا السياق السلبيات التي قد تظهر من خلال الكشف عن علل وأمراض وراثية، مما ينعكس العلم به على الشخص أو أسرته أو ذريته بكثير من الإشكالات النفسية أو الاجتماعية أو غير ذلك، الأمر الذي تضبطه قواعد الشريعة العامة، ويستلزم سن القوانين الملائمة حفظًا للمقاصد المعتبرة، فإن المباح يميل إلى طرف المنع بالمفسدة الراجحة، كما يميل إلى طرف الوجوب إذا تعيَنَّ سببًا لدفع الضرر. كذلك تُستشكل في هذا السياق بعض القضايا؛ أذكر منها على التعيين ثلاثًا: أولاها: ما يُدَّعَى في شأن الميول الجنسية الخارجة عن «الطبيعة المعتادة» لدى معظم البشر، في الذكر والأنثى، كالأنوثة في الذكر، والذكورة في الأنثى، والمثلية الجنسية، من أن للجينات فِعْلَها في ذلك وتأثيرَها. فهل لذلك نصيب من الصحة في سياق البحث العلمي؟ ولو أثبت العلم وجود ذلك التأثير وقام البرهان عليه، فهل سيُعَدُّ من قبيل العلل القابلة للمعالجة؟ وكم هي نسبة الاختيار التكليفي لدى المبتلى بذلك بحيث يمكن تمييز ما يكون مسؤولً عنه من نتائج تصرفاته، وما يكون معذورًا فيه إذ يقع منه بحكم طبيعته وفطرته؟ وهذا جانب يتطلب دراسات وبحوثًا لتتجلى صورته وتتضح أبعاده. وفي هذا السياق ربما يجد مثال الخنثى التاريخي ما يعالج مشكلته من خلال علم الجينوم، والحكم فيه بما يتفق مع النسبة الغالبة فيه: الذكورة أو الأنوثة.
ثانيتها: المعالجة الجينية لعيب خَلْقِي في جسد الإنسان تطَبُّبٌ معتبر في أصله، إذ كل ما كان على سبيل المعالجة من علة فهو مشروع، لكن كثيرًا ما تدخل الأهواء في تحديد ما يكون عيبًا؛ وكثيرًا ما تربط هذه القضية بتغيير خلق الله عند من يمنع منها، ولا إشكال في مَنْع تغييرٍ نهَتْ عنه الشريعة، وإنما يُسْتَشْكَل التمييزُ بين التغيير الذي يتفق مع الفطرة أو يخرج عنها، وذلك كمعالجة الطول والقصر وشكل الشعر أو لونه، أو حجم صدر الأنثى، إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة. ثالثتها: يُطْلِق بعض الباحثين أن علم الوراثة يُثْبِت أن السلوكيات تُورَّث أيضًا، فهل هي دعوى؟ أم حقيقة؟ وتأسيسًا على تسليم صحة ذلك، لا بد من أن نُقسّم تلك السلوكيات إلى قسمين: الأول: فطرية، تابعة للخلقة والتكوين، فهذه الصفات يمكن تصور التوريث فيها. وكثير من الخصال في البشر هي من طباعهم الفطرية، كما تقدم في الحديث في خلق آدم من قبضة من جميع الأرض، فجاءت ذريته على صفة الأرض في السهولة والحزونة، ومن معناه الليونة والشدة، واليسر والعسر، وثقل الطبع وخفته، إلى غير ذلك. وبه يُشْعِر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا»70. وفي قصة أشَجّ عبد القيس قول النبي صلى الله عليه وسلم له: «إن فيك خلَّتَيْنِ يحبهما الله: الحِلْم، والأناة». قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلَّتَيْنِ يحبهما الله ورسوله71. وقال عمر بن الخطاب: «الشجاعة والجبن غرائز في الرجال، فيقاتل الشجاع عمن يعرف ومن لا يعرف، ويفر الجبان عن أبيه وأمه»72. الثاني: كسبية، تابعة للاختيار، وهذه لا علاقة لها بالجينات إلا من جهة الاستعداد والتهيؤ. وهنا يأتي الإيمان والكفر، والهدى والضلال، قال تعالى: ﴿إِنَّا هدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3). ويدل قوله تعالى: ﴿وقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَ تذَرْ علَى الرْضِ مِنَ الْكَافرِينَ دَيَّارًا. إِنّكَ إِنْ تذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادكَ ولَ يَلِدُوا إِلَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (نوح: 27–26)، وقوله: ﴿يَا أخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ ومَا كَانَتْ أمُّكِ بَغِيًّا﴾ (مريمُ: 28 ذّنَ رَبُّكَ ليَبْعثَنَّ علَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ)، وقوله: ﴿وَإِذْ تأَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومهُمْ سُوءَ الْعذَابِ﴾ (الأعراف: 167)، على أنه ليس الكفر أو السوء أو استحقاق مصير الآباء حاصلً بالتوريث، وإنما بالتلويث، كما في حديث الفطرة73، وخلق الله العباد حنفاء74، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتدَى فَإِنّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسهِ ومَنْ ضَلَّ فَإِنّمَا يَضِلُّ علَيْهَا ولَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى﴾
(الإسراء: 15)، فالجزاء بالعمل. قال تعالى ﴿ولَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ (الكهفَ: 9.)4 وهذا فصل القضية في باب القدر.
المجال السادس: استعمال علم الجينوم لإنتاج المادة الدوائية
هذا المجال تتمة للذي قبله، وقد تقدم أن معالجة الأمراض في الأصل مصلحة معتبرة؛ لما يترتب عليها من العافية التي هي مقصد جزئي لحفظ مقصد كلي، هو حفظ النفس. لكن الذي يحدث فيه الإشكال هنا هو المعالجة بالمادة المحرمة، مثل التداوي بالخمر، أو المادة النجسة، أو الخنزير. وهذا يستند في أصله إلى بعض الأحاديث، وأبرزها وأحسنها رواية حديثان: الأول: عن وائل بن حجر أن رجلً يقال له سُوَيْد بن طارق، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إني أصنعها للدواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها داء وليست بدواء»75. وهذا وما في معناه في النهي عن التداوي بالخمر إنما هو للتنفير عنها، لا لامتناع أن تكون مظنةً للشفاء من مرض معيّن، فإن العلم إذا أثبت إمكان ذلك فهو مما يلتقي مع دلالة قول الله تعالى: ﴿يَسْألُونكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمهُمَا أكْبَرُ مِنْ نَفْعهِمَا﴾ (البقرةَ: 219). وفي الحديث أيضًا دليل على نبذ المعالجة بالمادة المحرمة اختيارًا، وهو ما يؤيده النص التالي. الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتَداوَوْا ولا تَداوَوْا بحرام»76. وهنا لو تأملنا المسألة في سياق العلة، أو الحكمة، بناءً على قاعدة تعليل المحرمات من المآكل والمشارب وشبهها من المواد، فذلك يمنح متسعًا لنظر مختلف في حكم منع التداوي بالمادة المحرمة، فالله عز وجل حين حرم الميتة والدم ولحم الخنزير إنما حرمها لما فيها من ضرر راجح، لكنها عند الضرورة تباح بقدرها؛ لأن مفسدة تركها عندئذ تفوق مفسدة تعاطيها. وهذا الجانب أعدت فيه دراسات فقهية معاصرة كثيرة، وفيه فتاوى غير قليلة، وللعلماء منذ القديم في تفاصيله آراء واجتهادات. وألخص هنا ثلاث نقاط يساعد استحضارها على إبقاء بحوث الجينوم في إطار المقاصد: أولها: التفريق في الحكم بين حالتي الاختيار والاضطرار، فما يُمنَع اختيارًا يجوز اضطرارًا بقَدْر ما يدفع الضرر. ثانيها: رعاية المصلحة، فإذا ترجَحَّت أو تمحَضَّت المادة المحرمة للمنفعة، فيجب أن يُنْظَر في تغَيُّرِ حكمها. ثالثها: قصر المنع على ما جاء به النص من دون توسع، فمجيئه مثلً بمنع التداوي بالخمر، يُقصر على
تلك المعهودة التي يتم تعاطيها للسكر، فالحكم فيها في الخمرية لا في الكحولية، وحيث حرم النص أكل لحم الخنزير، فهو اللحم وما في معناه مما يؤكل، وسكتَ عن العظم يُنْتفَع به غير مطعوم، وهكذا.
المجال السابع: علم الجينوم والاستنساخ
لا يخفى الرأي المتشدد في هذه القضية، لكن لم يستطع أصحابه، وبخاصة فيما يتعلق من ذلك بالإنسان، أن يستندوا إلى حجة لا تقبل المنازعة، ولتحرير الحكم الشرعي هنا ينبغي لنا أن نستبعد تأثير فكرة العبث، أو استنساخ إنسان مُجْرِم، لو أمكن تطبيقها، فإنَّ سنَّ القوانين الضابطة للسلوك في هذا المجال كفيل بمنع استعمال العلم وسيلةً للشر، بل يجب أن نُجَرِّدَ النظر في سياق عموم الشريعة ومقاصدها، والتي تدفع إلى البحث، فذلك سَيُعَبِّدُ المسارَ في هذه القضية. بلا تردد، فإننا لا نجد نصوصًا مباشرة تخرج بالبحث العلمي أو نتائجه في هذه المسألة عن أصل المشروعية، وهو الإباحة، ولعل أبرز ما وقع الاستدلال به هنا للمنع هو القدح في ضرورة حفظ النسب، وهذا إنما يتناول استنساخ إنسان كامل، لا الاستنساخ الجزئي، فليس منه استنساخ الجلد أو الأعضاء البشرية لإيجاد بدائل ملائمة للمعالجة. ثم لو نجحت تطبيقات الاستنساخ لإنسان كامل، وكان تابعًا للزواج، ولمادته تداخل من جهة الزوجين، فالنظر إليه يختلف في حكمه عن كونه يتم بطرق أخرى، وسبق أنَّ طريق التكاثر البشري هو الزواج فقط، وكل تكاثر ليس في إطاره فهو مرفوض شرعًا. وبناءً عليه، فإن تطبيقات الاستنساخ لإنسان كامل لو نجح فيها العلم، وأراد المسلمون أن يمارسوها، فلا تردد في منعها خارج هذا الإطار.
المجال الثامن: علم الجينوم وإثبات النسب
الولد لا ينسب شرعًا إلى غير أبيه ما دام معروفًا أو قام عليه دليل، كما قال تعالى: ﴿مَا جعلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفهِ ومَا جعلَ أزْوَاجَكمُ اللَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أَمّهَاتِكُمْ ومَا جعلَ أُدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلكُمْ بِأفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِبَائهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانكُمْ فِي الدِّينِ وموَالِيكُمْ ولَيْسَ علَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أخْطأَتُمْ بهِ ولَكِنْ مَا تعَمّدَتْ قلُوبكُمْ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب).5–4: والطرق المعتبرة في الأبوة ثلاثة: الفراش، والبينة، والإقرار. والفراش كناية عن الاتصال الجنسي المأذون به شرعًا، وهو أقوى الطرق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش»77، وفي حديث آخر: «لصاحب الفراش»78.
وتنازع الفقهاء أمر إثبات النسب في فروع عديدة، مما ينبئ عن عدم وجود نصوص حاسمة، فانتهوا إلى طرق الاجتهاد، وكل ما عاد إلى النظر حكمته المعاني والمقاصد، وروعي فيه اعتبار المصالح والمفاسد. ولم يختلفوا في أنه لا يثبت النسب تبعًا لمجرد التخلق من اجتماع ماء الرجل وماء المرأة، فلم يثبتوا النسب إلى صاحب الماء إذا كان حمل المتزوجة عن طريق الزنى، وذلك لدلالة النصوص السابقة وغيرها. ومقصود الشارع بإثبات النسب اعتبار الخصوصية، وترتيب المسؤوليات: الحقوق والواجبات، فلا يُعيَّرُ المولود بجَهالة الأب، ويتربى في إطار أسرة كأحد أفرادها، ولأجله عندما اختل ذلك في حالة الزنى وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلً﴾ (الإسراء: 32)، إذ هو سبب في ضياع الولد وفوات حقوقه. ولا شك في أن الزنى قد يُدْخِل على أهل البيت من ليس منهم إذا حملت الزوجة من غير زوجها، فنظام الشريعة أن الولد ينسب إلى زوجها على أي حال، ولا يمكنه أن ينفيه إلا بتطبيق اللعان، أو يثبت عليها الزنى بالشهادة أو الإقرار، في تفصيل له موضعه. فما انتهى إليه العلم من دقة الفحص الجيني في إثبات الأبوة لا بد من اعتباره في هذه القضية الأخلاقية الخطيرة في سياقٍ محسوبِ العواقب، وهنا أنبه باختصار لمسائل أربع: الأولى: في الأحوال الطبيعية حيث لا تنازع في نسبة المولود، فلا يحل الخروج عن الأصل الشرعي في نسبة الولد إلى الزوج، ولا يحل للرجل بمجرد الشك أن يصير إلى الفحص الجيني، بل النسب إليه ثابت؛ لأنه صاحب الفراش. الثانية: لو قطع الزوج بنفي الولد والزوجة تثبته له، فلا يبدو مانع شرعي من اللجوء إلى الفحص الجيني لرفع النزاع باليقين، لكن حتى لو ثبت ادعاء الزوج فإنه لا يمكنه نفي نسب الولد إليه إلا باللعان، وهو حكم يديره القضاء، فإن رأى القاضي اللجوء إلى الفحص الجيني كقرينة انتهى إليه. والذي أراه أن البصمة الوراثية لا تقوم مقام اللعان فتسقطه؛ لأن المقصود الأكبر في هذا الباب هو حفظ الأعراض، وطعن الزوج قذف، أقام الشارع اللعان فيه مقام الشهود، وفي اللعان من الردع الأخلاقي ما لا يوجد في البصمة، بل البصمة قد تفضح، واللعان حتى مع النفي يُبْقِي في إطار الستر ولو في أحكام الدنيا، كما قالت امرأة هلال بن أمية في قصة الملاعنة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»79. كما أنّ اللعان لما فيه من الوعيد الشديد قد يَعْدِل عنه الزوج القاذف، فيستر امرأته، ويحفظ حق الولد في الرعاية والتربية، ويُبْقِي الحكمَ في النسب على أصله الشرعي، وهو فراش الزوجية. الثالثة: لو نفت الزوجة أن ولدها ليس من زوجها وهو لا يُقِرُّها على ذلك، فلا يمتنع عليهما اللجوء إلى البصمة الوراثية، تثبيتًا لحقه في الولد. الرابعة: لو حملت غير ذات الزوج وأتت بولد، فادَّعَتْهُ على أحد أنه أبوه فأنكره، صح اللجوء إلى البصمة الوراثية طريقًا للإثبات أو النفي، ولا تبدو في هذا معارضة لشيء، بل ربما كان طريقًا للستر، من جهة حمله على الزواج منها، وينسب الولد إليه، في تفاصيل فقهية لها موضعها.
والفحص الجيني يتخطى في مصلحته ما تقدم، ليستغرق كل ما يحتاج إلى دليل إثبات في نسبة المولود، ومن ذلك صورة إثبات الولد لأبيه عند اختلاط الأولاد في المستشفيات أو غيرها لو وقعت، أو إثبات آباء اللقطاء وأمهاتهم إن أمكن، وللاستلحاق أدلة شرعية معلومة في مظانها. بالنسبة إلى أصل اعتماد البصمة الوراثية، تنازع الفقهاء في اعتبار الشبه قرينةً في شأن النسب80، ومن أقوى ما استدل به القائلون بصحة الاعتداد بالشبه ما ورد في القِيافة، كما فيه أدلة أخرى، فقاس بعض الباحثين البصمة الوراثية على ذلك في جواز اعتمادها لإثبات النسب. والتأصيل بهذا، إن صح، فهو من باب قياس الأولى، لكني لا أرى له حاجةً لإثبات مشروعية اعتماد البصمة، فالقِيافة التي هي أقوى ما يُسْتنَد إليه في قضية الشبه ترجع إلى الأمَارَة، وقد توافق الحقيقة وقد لا توافقها، أما البصمة فإنها تستند إلى عين الحقيقة؛ ذلك أنها لم تَعُد اليوم في إطار التجربة، وإنما تخطَّتْها بمراحل في كونها مُسلَّمَةً، بل يجب أن تكون مُنطلقًا للتأسيس عليها، فمصلحتها عند عدم قيام معارض شرعي مصلحة معتبرة.
المجال التاسع: اعتماد البصمة الوراثية في كشف الجريمة
هل يصح شرعًا استعمال البصمة الوراثية لإثبات الجريمة أو نفيها؟ يُسْتَحْضَر بين يدي هذه المسألة أن يُفرَّق بين حالتي النفي والإثبات، ذلك أن النفي هو الأصل، والعقوبة تدرأ بالشبهة، والإثبات – كشأنه في كل شيء – هو ما يحتاج إلى الدليل: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادقِينَ﴾ (البقرة: 111). كما أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والأصل يقين البراءة، واليقين لا يزول بالشك، ولا يرتفع إلا بيقين. وتقدم ذكر إمكان اللجوء إلى البصمة الوراثية في نفي الولد أو إثباته في بعض الأحوال، وذلك طريق لإثبات الزنى أو نفيه. وفي التراث الفقهي عُرِفَ حَصْرُ طرُقِ إثباتِ الزنى بما ثبتَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «إذا قامت البينة، أو كان الحبَل، أو الاعتراف»81. والبينة أربعة شهود عدول، والاعتراف ظاهر، وأما الحبل فهو فيمن تبين حملها وليس من زواج، فهذا قد اختلفوا في عَدِّهِ طريقًا لإثبات الزنى بمجرده، وذلك لجواز أن يكون للحمل سبب غير الزنى82، فالحبل الموجب لعقوبة الزنى شرعًا هو الذي يثبت كونه من زنى باختيار83.
والأصل في هذا الباب وجوب الستر على مُواقعهِ، ولذلك شددت الشريعة في طرق إثباته، وعدت الشاهد مع نقص نصاب الشهود أو خلل شهادتهم ولو كانوا نصابًا، قاذفًا فاسقًا يستحق العقوبة، فلا يمكن أن تأذن بالتوسع فيه باستخدام البصمة؛ لأنها ستكون طريقًا للفضيحة، كما تُجَرِّئُ الناس على التساهل في الأعراض، وبناء عليه؛ فالحدُّ من ذلك أمر شرعي أخلاقي. لكن لا يوجد ما يمنع القاضي أن يلجأ إليها في بعض الظروف، وبخاصة إذا كانت طريقًا لتبرئة المتهم، أو إسقاط العقوبة، ومن ذلك مثلً أن تُظْهِرَ البصمة أن الزنى وقع باغتصاب. وأما إثبات حالات الاغتصاب أو نفيها، فإذا كان استعمال البصمة الوراثية يَخْدُم العدالة في ذلك، فهو مقصد مشروع، لا تأتي الشريعة عليه بإبطال، وبخاصة عند ادعائه. ومن ذلك سائر الجرائم التي يمكن الاستعانة بالبصمة فيها إثباتًا أو نفيًا، كجرائم القتل، والسرقة، وغير ذلك، مما هو من صميم العمل القضائي. وأما تحديد الهوية، والتعرف إلى الأشخاص المجهولين في أحوال الكوارث، فإن هذه المنفعة الظاهرة لا تتوقف مشروعية الاستعانة بالبصمة الوراثية لأجلها على دليل شرعي معين؛ لكونها مصلحةً راجحةً لا معارض لها في دليل الشرع.
المجال العاشر: الهندسة الوراثية والتطوير والتحسين في الحيوان والنبات والطبيعة
ساعدت الهندسة الوراثية في تطوير الصناعة الحيوانية والنباتية كثيرًا في عالمنا المعاصر، في جانب تحسين النمو، والسلامة من الأوبئة والأمراض، وإنتاج الأغذية الصحية، وذلك في سياق تحسين المنتج، أو استنساخه. ومنطلق النظر في حكم ذلك يكون من خلال استصحاب أصل الإباحة؛ ذلك أن جميع ما في الحياة مُسخَّرٌ للإنسان، مُنْعَمٌ به عليه، تكريمًا له، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ ترَوْا أَنَّ اللّهَ سَخّرَ لَكُمْ مَا فِي السّمَاوَاتِ ومَا فِي الرْضِ وَأ سْبغَ علَيْكُمْ نِعمَهُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَةً﴾ (لقمانَ: 20)، إضافة إلى آيات أخرى كثيرة بمعناها. وقد أقر الله تعالى تهجين الحيوان فيما دل عليه قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ويَخْلقُ مَا لَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8)؛ فالبغل حيوان متخلق من بين الفرس والحمار. وهذا التهجين في الحيوان وكذا في النبات معروف قديم من فعل الإنسان قبل أن ينتهي العلم إلى الهندسة الوراثية، ولا يُنظر إليه على أنه من قبيل تغيير لخلق الله غير مأذون به، بل هو جار في سياق تحصيل المنافع المعتبرة، كما أنه مندرج في أصل الإباحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». وإذا كانت الشريعة قد أقرت ذلك التهجين البدائي البسيط لما للناس فيه من المصالح، فإقرارها لما هو أمكن في تحقيق المصالح لهم أولى، كالشأن في الهندسة الوراثية، ولا يمنع شرعًا إلا مما كان على وجه الفساد والعبث والضرر، إذ قررت الشريعة أن لا ضرر ولا ضرار، وقال تعالى: ﴿ولَ تُفْسِدُوا فِي الرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا﴾ (الأعراف: 56)، وفي آيات كثيرة بمعناها. كما وردت نصوص شرعية خاصة تنهى عن العبث بالحيوان، وعن قطع الشجر لغير منفعة أو سبب معتبر، وعن الإفساد في البيئة.
خاتمة
جاءت هذه الدراسة لتتبع المجالات التي تندرج في سياق بحوث علم الجينوم، لمحاولة استخلاص الأحكام الشرعية المتعلقة بها. فبعد مقدمة أبانت عن خلفية تناول موضوعات البحث، مع التنبيه على بعض المآخذ في السياق، والإشارة إلى أن نصوص القرآن والسنة لا تصادم أصالة البحث العلمي في مجال علم الجينوم، توالت من بعد أجزاء البحث لتتناول مجالات الاستفادة من علم الجينوم في ضوء دلالات النصوص الشرعية في وضعها في عشرة مجالات؛ تطرقت إلى حكم استثمار بحوث الجينوم في إطار تحسين النسل، بقصد تحقيق غايات متفاوتة، كتحسين النسب، أو تحسين الشكل والصورة، أو لاتقاء العيوب أو تقوية النسل وفيه يأتي تفضيل الزواج من غير الأقارب، ولتحقيق الاختيار الأمثل يأتي دور إجراء الفحص الجيني قبل الزواج أو بعده، وكيف يُنظر إلى العُقم في هذا السياق. وبينت الدراسة ما يعود إلى أحكام تلك الصور، مع ما ينطوي عليه من إشكالات في جوانب منها. وبينت الدراسة ما تعود إلى أحكام تلك الصور، مع ما تنطوي عليه من إشكالات في جوانب منها، ثم ما يتعلق بخلق الإنسان، والفصل فيه بين ما يندرج تحت الزواج وما يخرج عنه، وتحديد جنس الحمل واختيار الذكر أو الأنثى ومعالجة العُقْم، وأن ذلك ليس من مخالفة الشريعة ما دام لمقاصد صحيحة. وفي مجال الفحص الجيني الذي يكشف عن مرض في الحمل، لخصت الدراسة موضوع الإجهاض والتفصيل في حكمه في أطوار الحمل المختلفة، وكذلك الحكم في ذلك بقصد الحصول على خلايا جِذعية، إضافة إلى القضية المتعلقة بالسؤال: ماذا عن إتلاف البُيَيْضات الزائدة في حالة التلقيح الصناعي؟ ووضحت الدراسة أن كشف بحوث الجينوم عن العلل، وبخاصة الخفية، والعمل على معالجتها، مما يلتقي مع ما حثت عليه الشريعة من العلاج والتداوي. ولكن بالنظر إلى ما لهذه البحوث من إمكانية الكشف عن علل قد يكون لها انعكاسات على الشخص أو أسرته في حاضرهم ومستقبلهم، فقد نبهت الدراسة إلى ضرورة ضبط ذلك ومنع ما يكون سببًا في المفسدة الراجحة؛ وتساءلت عن بعض الإشكالات في هذا السياق مع محاولة الإجابة عن بعض جوانبها. ثم تطرقت إلى مجال إنتاج الدواء، وما يعود له التداوي في الإسلام، وفي سياق ذلك حكم التداوي بالمادة المحرمة، وقرائن الترجيح في سياقها. أما في مجال الاستنساخ، فبعد تقرير مشروعية الاستنساخ الجزئي كالجلد والأعضاء، لخصت الدراسة القول بأنه لو تم نجاح التجارب لاستنساخ إنسان فإنه لا بد من التفريق بين حال وقوعه في إطار الزوجية أو خارجًا عنها. وفي مجال إثبات النسب، تناولت الدراسة الطرق المعتبرة شرعًا لذلك، مع التنبيه لحالات مشكلة يقبل في بعضها الفحص الجيني ولا يقبل في أخرى. ولخصت الدراسة مشروعية اعتماد البصمة الوراثية في كشف الجريمة، لكن في بعض السياقات قد يكون استعمال البصمة سببًا في ضرر راجح، فلا بد من اعتبارات ضابطة.
وكان ختم تلك المجالات بمجال الهندسة الوراثية في الحيوان والنبات والطبيعة؛ استكمالً لبحوث الجينوم في سياقها العام، وتلخيص الحكم بإرجاعه إلى أصل المنافع، والذي ليس في الشريعة ما سوى ما يؤيده.
References
المراجع
ابن أبي الدنيا، عبد الله محمد عبيد البغدادي. العيال. تحقيق نجم عبد الرحمن خلف. الدمام: دار ابن القيم،.1990
ابن أبي ثابت، أبو محمد ثابت. خلق الإنسان. ط 2. تحقيق عبد الستار أحمد فراج. الكويت: وزارة الإعلام،.1985
ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد. المصنف. تحقيق محمد عوامة. جدة/ دمشق: دار القبلة للثقافة الإسلامية/ مؤسسة علوم القرآن،.2006
ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن. أحكام النساء. تحقيق علي بن محمد المحمدي. صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية،.1988
ابن الحجاج، مسلم. صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، [د.ت.].
ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن. شرح مشكل الوسيط. تحقيق عبد المنعم خليفة. الرياض: دار كنوز إشبيليا،.2011
ابن العربي، محمد بن عبد الله. المسالك في شرح موطأ مالك. تحقيق محمد بن الحسين السُّليماني وعائشة بنت الحسين السُّليماني. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.2007
ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب. تهذيب سنن أبي داود (بهامش: مختصر المنذري). تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي. بيروت: دار المعرفة،.1980
_______. التبيان في أيمان القرآن. تحقيق عبد الله بن سالم البطاطي. جدة: مجمع الفقه الإسلامي، ابن الملقن، سراج الدين أبو حفص عمر بن علي. البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير. تحقيق مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال. الرياض: دار الهجرة،.2004 ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد. شرح فتح القدير. ط 2. بيروت: دار الفكر،.1977
ابن بشران، عبد الملك بن محمد. أمالي ابن بشران. تحقيق عادل العزازي. الرياض: دار الوطن،.1997 ابن بلبان، محمد. أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق محمد بن ناصر العجمي. بيروت: دار البشائر الإسلامية،.1996
ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد. صحيح ابن حبان. تحقيق شعيب الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1991
الرسالة،.2001
معوض. بيروت: دار الكتب العلمية،.1997
المنصورة: دار الوفاء،.1988
_______. عيون الأخبار. ط 2. القاهرة: دار الكتب المصرية،.1996
العربية، [د.ت.].
المؤيد،.2003
المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية،.2004
الصميعي،.1993
بيروت: دار الكتب العلمية،.1997
المكتبة العصرية، [د.ت.].
ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد. المحلى. بيروت: دار الجيل/ دار الآفاق الجديدة، [د.ت.].
ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين. بيروت: مؤسسة ابن عابدين، محمد أمين. حاشية رد المحتار على الدر المختار . القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، ابن عدي، أبو محمد عبد الله. الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي محمد ابن عساكر، علي بن الحسن. تاريخ مدينة دمشق. تحقيق عمر بن غرامة العمروي. بيروت: دار الفكر، ابن عياض، أبو الفضل عياض بن موسى. إكمال المعلم بفوائد مسلم. تحقيق يحيى إسماعيل. ابن فارس، أبو الحسن أحمد. معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم. غريب الحديث. تحقيق عبد الله الجبوري. بغداد: وزارة الأوقاف،.1977 ابن ماجة، محمد بن يزيد. سنن ابن ماجة. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب ابن مفلح، محمد. كتاب الفروع. تحقيق عبد الله التركي. بيروت/ الرياض: مؤسسة الرسالة ودار ابن منصور، إسحاق. مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. تحقيق محمد الزاحم وآخرين. ابن منصور، سعيد. سنن سعيد بن منصور. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. بومباي: الدار السلفية، _______. تكملة كتاب التفسير من سنن سعيد بن منصور. تحقيق سعد الحميّد. الرياض: دار ابن نُجَيم، زين الدين. البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ومعه منحة الخالق. تحقيق زكريا عميرات. أبو داود، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. صيدا/ بيروت: الأصبهاني، أبو نعيم. معرفة الصحابة. تحقيق عادل بن يوسف العزازي. الرياض: دار الوطن،.1998 البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم. صحيح البخاري. تحقيق محمد زهير الناصر. بيروت: دار طوق النجاة،.2001
البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو. مسند البزار (البحر الزخار). تحقيق محفوظ الرحمن زين الله وعادل بن سعد وصبري عبد الخالق الشافع. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم،.2009–1988 البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين. مناقب الشافعي. تحقيق السيد أحمد صقر. القاهرة: دار التراث، الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة. سنن الترمذي. ط 2. تحقيق أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض. القاهرة: مصطفى البابي الحلبي،.1977
الجوهري، إسماعيل بن حماد. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. ط 2. تحقيق أحمد عبد الغفور عطار. بيروت: دار العلم للملايين،.1979
الحاكم، محمد بن عبد الله. المستدرك على الصحيحين. تحقيق مصطفى عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية،.1990
الحربي، إبراهيم بن إسحاق. غريب الحديث. تحقيق سليمان إبراهيم محمد العايد. مكة المكرمة: جامعة أم القرى،.1985
الحنبلي، ابن رجب. جامع العلوم والحكم. ط 8. تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1999
الخالديان، محمد وسعيد ابنا هاشم. الأشباه والنظائر. تحقيق السيد محمد يوسف. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1965.
الخطابي، أبو سليمان. معالم السنن. تحقيق محمد راغب الطباخ. حلب: المطبعة العلمية، 1934. الدينوري، أحمد بن مروان بن محمد. المجالسة وجواهر العلم. تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان. المنامة/ بيروت: جمعية التربية الإسلامية/ دار ابن حزم،.1998
الرازي، ابن أبي حاتم. آداب الشافعي ومناقبه. ط 2. تحقيق عبد الغني عبد الخالق. القاهرة: مكتبة الخانجي،.1993
_______. تفسير القرآن العظيم. تحقيق أسعد محمد الطيب. مكة المكرمة/ الرياض: مكتبة نزار الباز،.1997
الرملي، شمس الدين. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. ط 3. بيروت: دار الكتب العلمية، 2003. ريدلي، مات. الجينوم. قصة حياة الجنس البشري في ثلاثة وعشرين فصلً. ترجمة محمد فتحي خضر. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر،.2012
السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل. المبسوط. بيروت: دار المعرفة،.1993
الشافعي، محمد بن إدريس. الأم . تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب. المنصورة: دار الوفاء،.2001
الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب. المعجم الكبير. ط 2. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. القاهرة: مكتبة ابن تيمية، [د.ت.].
الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان. تحقيق عبد الله التركي. القاهرة: هجر للطباعة والنشر،.2001 الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد. شرح معاني الآثار. تحقيق محمد سيد جاد الحق ومحمد زهري النجار. بيروت: دار الكتب العلمية،.1977
_______. شرح مشكل الآثار. تحقيق شعيب الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1994
_______. مختصر اختلاف العلماء. تحقيق عبد الله نذير أحمد. بيروت: دار البشائر الإسلامية، العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. فتح الباري شرح صحيح البخاري. بيروت: دار المعرفة، [د.ت.]. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة،.1982
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. ط 2. القاهرة: دار الكتب المصرية، اللخمي، علي بن محمد. التبصرة. تحقيق أحمد عبد الكريم نجيب. قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2011.
المرداوي، علاء الدين أبي الحسن علي. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تحقيق محمد حامد الفقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1980.
المزني، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل. مختصر المزني في فروع الشافعية. تحقيق محمد عبد القادر شاهين. بيروت: دار الكتب العلمية،.1998
النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب. سنن النسائي (المجتبى). ط.4 اعتناء عبد الفتاح أبو غدة. حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية،.1994
_______. السنن الكبرى. تحقيق حسن عبد المنعم شلبي. بيروت: مؤسسة الرسالة،.2001
نوتنجهام، ستيفن. طعامنا المهندس وراثيا. ترجمة أحمد مستجير. مصر: دار نهضة مصر،.2005
النووي، يحيى بن شرف. صحيح مسلم بشرح النووي. القاهرة: المطبعة المصرية، [د.ت.].
الهيتمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر. تحفة المحتاج في شرح المنهاج (مع حاشيتي الشرواني والعباداني). مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1983.
الهيثمي، علي بن أبي بكر. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. بيروت: دار الكتاب العربي،.1982
الونشريسي، أحمد بن يحيى. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب. أشرف على تخريجه محمد حجي. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.1981