Return to Article Details The Dislocations of Cultural Translations

اضطرابات الترجمة الثقافية

The Dislocations of Cultural Translations

روبرت يونغ

Robert Young

الملخّص

يرصد روبرت يونغ في هذا المقال الأجواء السياسية والثقافية والفكرية التي كتب فيها هومي بابا موقع الثقافة في لندن في الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي. ويقدم يونغ بابا بوصفه مترجمًا ثقافيا للمنظور ما بعد الكولونيالي؛ إذ يربط بين الحقائق والأفكار والتمثيلات الاستعمارية على نحو ملحٍ، للتعبير عن مخاوف المجتمع المعاصر من خلال استعمال مفاهيم مثل "الهُجنة" و"الفضاء الثالث". إلا أن هومي بابا - بحسب يونغ - يُغيب، بربطه بين الترجمة الثقافية والتجديف من خلال دفاعه عن سلمان رشدي، واقعَ المسلمين عامةً، والأقلية المسلمة في بريطانيا خاصةً، والتي رفضت السياسات الثقافية للمراكز الكبرى في الغرب. ويخلص يونغ إلى أن كتاب موقع الثقافة قد نجح في تحديه للأفكار المعيارية للحداثة الغربية، إلا أنه خلق تحديات أكثر راديكالية في مواجهتها.

Abstract

Julius Silver Professor of English and Comparative Literature at New York University and dean of arts and humanities at New York University Abu Dhabi.

Professor of Comparative English Literature at New York University and Dean of the Abu Dhabi Faculty of Arts and Humanities at New York University.

Robert J. C. Young, «The Dislocations of Cultural Translation,» Publications Modern Language Association of America , vol. 132, no. 1 (January 2017), pp. 186–197.

الكلمات المفتاحية:
  • الهُجنة
  • الترجمة الثقافية
  • الفضاء الثالث
  • المنظور ما بعد الكولونيالي
  • المركز
  • الهامش
Keywords:
  • Hybrids
  • Cultural Translation
  • Three–dimensional space
  • The postcolonial perspective
  • Center
  • Margin

المقال

يشير عنوان موقع الثقافة لمؤلفه1 هومي بابا Bhabha Homi إلى الأهمية الجوهرية للوضع المكاني والجغرافي للثقافة. وخشية أنْ يركز قراء هومي بابا أكثر من الازم على موقع الثقافة ومكانها، فإن تركيز العنوان على عنصر المكان سرعان ما تم تعديله بعبارة مقتبسةٍ من فرانتز فانون Fanon Frantz، الكاتب الأكثر عمدة في هذا العمل، والتي تؤكد الطابع الزمني للثقافة: «إن بنية هذا العمل متجذرة في الزمان. إذ يجب النظر في كل مشكلةٍ بشريةٍ من وجهة نظر الزمن» (هومي بابا، xiv)2. لذا فحين يجب أن يكون موقع الثقافة محددًا مكانيًا فإن بنية كتاب «موقع الثقافة» متجذرة في الزمان. لقد تم التأكيد على عنصرَي المكان والزمان في لحظات إنتاج هذا العمل في جميع مقالاته من خال ثراء المراجع المعاصرة والتعليقات الافتتاحية مثلً «في بريطانيا، في الثمانينيات» (ص. 27) لا يوجد أي كتابٍ نظري أكثر إدراكًا للذات في فضائها وزمانيتها من موقع الثقافة. هذا الكتاب الذي نُشِر عام 1994 هو كتابٌ إنكليزي بامتياز، وقد كُتب من داخل أروقة العالم السياسي والثقافي والفكري في لندن في الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي. حيث كان الناشطون المهاجرون من منطقة بحر الكاريبي، وجنوب آسيا مثل هومي بابا، وسلمان رشدي، وستيوارت هول يتحدون الحقائق الاشتراكية والذكورية الراسخة في الثقافة الإنكليزية في أبعادها الفكرية والسياسية3. ومن هنا كانت الفكرة البارعة وراء تأليف كتاب موقع الثقافة خلق لغةٍ جديدةٍ أو تعبيرٍ وفهمٍ جديدَين لمواقف الأقليات. وهذا هو السبب وراء الاستئثار المتزايد الذي حظِي به من قِبَل أكاديميين وفنانين وآخرين. لقد كان المجهود الذي بُذل في كتابة «موقع الثقافة» مرتبط ا ارتباطًا وثيقًا بالمحيط والسياق الزمني الخاصين ببابا. من هنا، يُعد هذا الكتاب نتاج عَقد من حياة هومي بابا في لندن يستحق أن يستأثر باهتمامٍ أكاديمي كبير.ٍ

  1. في مناقشة الأعمال التي يشير إليها هومي بابا أو الاقتباسات منها، استشهدت بالإصدارات نفسها التي استخدمها أو المعاصرة للخط الزمني لكتاب موقع الثقافة.
  2. تُحيل جميع الاقتباسات من هومي بابا إلى موقع الثقافة ما لم تنص على عكس ذلك.
  3. تناولت بالبحث، في نسخة أطول وغير منشورة من هذا المقال، كتابات هومي بابا المبكرة في الأوساط النظرية والثقافية والسياسية التي عمل فيها بأكسفورد ولندن من 1970 إلى.1984

نُشرت معظم فصول موقع الثقافة – مع بعض الاستثناءات القليلة – مقالاتٍ فرديةً في الفترة –1983 1991. إن إعادة ترتيب فصول الكتاب وفقًا للتسلسل الزمني لهذه المقالات يمكن أن تساعدنا في فهم أشكال زمانيته. فقد تمت صياغة المقالات الأربعة غير المنشورة سابقًا في الكتاب خال الفترة –1991 19934. وتتضمن القائمة التالية بعض النصوص ذات الصلة المنشورة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، والتي لم تصبح جزءًا من موقع الثقافة: الفصل الترتيب الزمني غير متوافر «التمثيل والنص الاستعماري: الاستكشاف النقدي لبعض أشكال المحاكاة»)بَكُتِ عام 1980، ونُشر عام 1984 في كتاب «نظرية القراءة» برئاسة تحرير فرانك كلوفر سميث، هارفستريريس/ بارنز وكتب نوبل، ص 93–122)5«السؤال الآخر» (نُشِر لأول مرة في عام 1983 في «الشاشة»، المجلد 24، ص –18

«في التقليد والإنسان: تناقض الخطاب الاستعماري» (نشر أول مرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1984، المجلد 28، ص 33 125–)6«لطف ماكر» (نشر أول مرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1985، المجلد 34، ص –71 «عامات اُتخِذت كعجائب: أسئلة التناقض والسلطة تحت شجرة خارج دلهي، مايو 1817 » (قُدِمت في عام 1984 في مؤتمر إسكس Essex حول سوسيولوجيا الأدب، ونشرت أول مرة في عام 1985 في «السؤال النقدي»، المجلد 12، ص 144–65)7

  1. يقتبس المقال ما قبل الأخير من كتاب «كيف تدخل الجِدة العالم» كتابين منشورين: كتاببلاغة الهند الإنكليزية لسارة سوليري Sara Suleri (1992) وكتاب إدوارد سعيد الثقافة والإمبريالية (1993)، واللذين يصفهما بابا بكتابين «حديثين» (ص. 272). فمقالته الأخيرة إلى جانب المقالات الثاثة الأخرى غير المنشورة سابقًا في موقع الثقافة ليست جزءًا من نسخة أطروحة الكاتب، والتي تتضمن «التمثيل والنص الاستعماري» و«مسألة البقاء– الأمم ونفسية الدول» (أطروحة دفيل Dfil التي اكتملت عام 1991 بجامعة أكسفورد). إن تحليلي الخاص لبابا في الأساطير البيضاء White Mythologies الذي نشر عام 1990 يناقش عمله حتى ذلك التاريخ، ومن ثم لا يتناول لاحقًا فصول موقع الثقافة.
  2. Homi K. Bhabha, «Representation and the Colonial Text: A Critical Exploration of Some Forms of Mimeticism,» in: Frank Gloversmith (ed.), The Theory of Reading (Hertfordshire\ New York: Harvester Press\ Barnes and Noble Books, 1984), pp. 93–122.
  3. Homi K. Bhabha, «The Other Question,» Screen , vol. 24, no. 6 (November–December 1983), pp. 18–35.
  4. Homi K. Bhabha, «Of Mimicry and Man: he Ambivalence of Colonial Discourse,» October , vol. 28 (Spring 1984) pp. 125–133.
  5. Homi K. Bhabha, «Sly Civility» October , vol. 34 (Autumn 1985), pp. 71–80.
  6. Homi K. Bhabha, «Signs Taken for Wonders: Questions of Ambivalence and Authority under a Tree outside Delhi, May 1817,» Critical Inquiry , vol. 12, no. 1 (Autumn 1985), pp. 144–165.

غير متوافر «تذكر فانون: الأنا، النفس والظرف الاستعماري» (نشر عام 1986 كمقدمة إلى «بشرة سوداء أقنعة بيضاء» من قِبل فرانتز فانون، بلوتو بريس، ص XXVI–VII)8«الالتزام بالنظرية» (نشر أول مرة عام 1988 في «تشكيات جديدة»، المجلد 5، ص 23–5)9«استنطاق الهوية: حقبة ما بعد الاستعمار» (نشر أول مرة عام 1990 في «تشريح العنصرية» تحرير د. ت. غولدبرغ، مينيسوتا، ص 209–183)10«توضيح مفهوم القديم: ماحظات حول الهراء الاستعماري» (نشر أول مرة عام 1990 في ««النظرية الأدبية اليوم» تحرير بتر كوليه وهلكا كايرريان، كورنل أ ب، ص –18 «نشر الأوطان: الزمن، السرد وهوامش الأمة الحديثة» (نشر أول مرة عام 1990 في «الأمة والسرد» بقلم هومي بابا، روتلدج، ص 322–291)11غير متوافر«الفضاء الثالث» (مقابلة نُشِرت في عام 1990 في «الهوية: المجتمع، الثقافة والاختاف»، تحرير جوناثان روترفورد ولورنس شارت، ص 207–21)12«العرق، الزمن وتنقيح الحداثة» (صدر أول مرة عام 1991 في «الاستعمار الجديد»، عدد خاص في مجلة «أكسفورد للتحليل الأدبي»، تحرير روبرت ج. ش. يونغ، المجلد 13، العددان 1 و 2، ص 219–193)13غير متوافر«مسألة البقاء – الأمم والحالات النفسية» (نُشِرت في عام 1991 في «التحليل النفسي والنظرية الثقافية: عتبات»، تحرير جيمس دونالد، ماكميان للتعليم، ص 103–89)14مقدمة غير منشورة سابقًا (كُت 1991) بت عامِ

  1. Homi K. Bhabha, «Remembering Fanon: Self, Psyche and the Colonial Condition,» in: Frantz Fanon, Black Skin, White Masks (London: Pluto Press, 1986), pp. vii–xxvi.
  2. Homi K. Bhabha, «The Commitment to theory,» New Formations , vol. 5 (Summer 1988), pp. 5–23.
  3. Homi K. Bhabha, «Interrogating Identity: The Postcolonial Prerogative,» in: David Theo Goldberg (ed.), Anatomy of Racism (Minnesota: University of Minnesota Press, 1990), pp. 183–209.
  4. Homi K. Bhabha, «Articulating the Archaic: Notes on Colonial Nonsense,» in: Peter Collier & Helga Geyer–Ryan (eds.), Literary Theory Today (New York: Cornell University Press, 1990) pp. 203–218.
  5. Homi K. Bhabha, «DissemiNation: Time, Narrative, and the Margins of the Modern Nation,» in: Homi K. Bhabha, Nation and Narration (Abingdon: Routledge, 1990), pp. 291–322.
  6. Homi K. Bhabha, «Third Space: Interview with Homi Bhabha,» in: Jonathan Rutherford, Identity: Community, Culture, Difference (London: Lawrence and Wishart, 1990), pp. 207–221.
  7. Homi K. Bhabha, «‘Race,’ Time and the Revision of Modernity,» Neocolonialism, vol. 13, no. 1–2 (1991), pp. 193–219.
  8. Homi K. Bhabha, «A Question of Survival–Nations and Psychic States,» in: James Donald (ed.), Psychoanalysis and Cultural Theory: Thresholds (London: Palgrave Macmillan, 1991), pp. 89–103.

«بالخبز وحده: عامات العنف» (غير منشورة سابقًا، صِيغت عام 1991)15«ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة» (غير منشورة سابقًا، صِيغت عام 1992)16«كيف يدخل الجديد العالم: عصور ما بعد الاستعمار ومِحَن الترجمة الثقافية» (غير منشورة سابقًا، صيغت ما بين عامي 1991 و 1993)17ينقلنا بناء كتاب موقع الثقافة من اهتمامٍ مبكرٍ بالتمثيل الأدبي والتاريخي للغيرية إلى الديناميات التحويلية لثقافة المعاصرة؛ إذ يبدأ الكتاب بإشكالية تصوير الاختاف الثقافي في سياق التمثيل الاستعماري. يرصد هومي بابا، في مقالاته حول الصورة النمطية والتقليد، الفوارق الاستعماريةَ التي تتجسد على نحو غير عادي لتمثل نفسها بطريقةٍ مختلفةٍ عبر استعمال وسائلَ مقلقةٍ ومُربِكَةٍ، بل ومُحبطةٍ للمشاهد أو القارئ، مهما بدت ثابتةً في تمثيل الاختاف الثقافي، ومهما كانت القوة الدافعة لتثبيت التمثيل الاستعماري في متخيل المستعمر. ففي مقالاته التاريخية، حيث يُحلل التاريخ الاستعماري الهندي الذي يميل إلى انشغالات مؤرخي دراسات التابع – «لطف ماكر» (1985)، «عامات اُتخذَت كعجائب » (1985) و«بالخبز وحده» (1992) – يبين هومي بابا العمليات المعقدة التي من خالها يتم تقديم الاختاف الثقافي المتجسد في الاستعمار، والذي لا يعد مجرد شكلٍ من أشكال التحريف السلبي، بل واجهةً للدفاع تمكن المُستعمَرين من المقاومة الثقافية وقوة الفاعلية. وتنقلنا مقالاته الاحقة من فكرة التمثيل الاستعماري إلى مسألة الاختاف، وهي تنحو أكثر إلى الانشغالات المعاصرة، حيث ينظر في إمكانية قوة الفاعلية الموكلة للمنظر الثقافي، والناقد والفنان الذي يُعنى بقضايا الأقليات، وهو بذلك يتحول من السعي إلى قوة الفاعلية عبر التحليل وتأويل أشكال التمثيل إلى خطابٍ حول الخطاب نفسه، إذ تصبح لغته النظرية الخاصة وصفًا للتغير التحولي، في ديناميات الثقافة المعاصرة، ومثال على ذلك التدخل في الآن نفسه. تنمو الهُجنة والازدواجية من مجرد البروز فوق الصفحات إلى المصطلح الثقافي لفناني ومعلقي الأقليات الذين يسعون، كما يُحاجج هومي بابا، إلى بلورة ترجمات ثقافيةٍ ما بعد كولونيالية للحداثة الغربية، وهم يقومون بتغيير فكرتنا حول تلك الحداثة ويراجعونها من خال طرح قضايا العِرق والعبودية والاستعمار على طاولة النقاش. على الرغم من أن مقالاته في موقع الثقافة كُتبت في الوسط الفكري للندن، فإن هومي بابا كان، في مرحلة مبكرة من حياته المهنية بوصفه أكاديميًا، مرتبط ا بالنقاشات المعاصرة في الولايات المتحدة الأميركية. ففي كانون الأول/ ديسمبر 1983، بعد أن دعاه كياتري شاكرافورتي سبيفاك Gayatri Spivak Chakravorty، وعقب الاتفاق مع جمعية اللغات الحديثة، ألقى بابا مداخلته في جلسةٍ أكاديميةٍ مع سبيفاك وإدوارد سعيد، وويليام بيتز Pietz William. ومنذ تلك اللحظة، بدأ هومي بابا

  1. «By Bread Alone: Signs of Violence».
  2. «The Postcolonial and the Postmodern».
  3. «How Newness Enters the World: Postcolonial Times and the Trials of Cultural Translation».

في تأسيس مسيرته المهنية في الولايات المتحدة18؛ إذ مكنته الأخيرة من منحة زمالة إلى جامعة برنستون عام 1992، فانتقل بصفة دائمة إلى شيكاغو عام 1994. وإن كان من الممكن أن نلحظ التأثر التدريجي بثقافة أميركا الشمالية، وخصوصًا كتابات توني مورسون Morrison Toni وطرحه قضية العِرق على الواجهة؛ فقد طور هومي بابا معظم الاكتشافات النظرية في الفصول الاحقة لكتاب موقع الثقافة في الوسط الفكري لأكسفورد ولندن في ثمانينيات القرن العشرين، بحيث يمكن وصف هومي بابا، كما عبر عن ذلك بنفسه، مترجمًا ثقافيًا للمصطلح السياسي في الثقافة والفكر البريطانيَين للمتلقي الأميركي. وعقب انتقاله إلى الولايات المتحدة فإن ذلك الوضع الذي كان يكتب فيه من داخل الثقافة برؤيةٍ سياسيةٍ ونظريةٍ واحدةٍ ويترجم فيه إلى ثقافةٍ أخرى، من داخلها وليس منها، تغير حتمًا. لقد نقل هومي بابا تأويلَه الخاص والمتميز للسياسات البريطانية حول الاختاف إلى الولايات المتحدة. لم تكن الولايات المتحدة تملك أسلوبًا مقنعًا يرتبط ارتباط ا مباشرًا بالقضايا السياسية المعاصرة، وظلت تنزع إلى ما هو أدبي وفلسفي أكثر، ولا عاقة لها كما يبدو بمخاوف المجتمع المعاصر، وذلك من أنها كانت تتمتع بثقافةٍ نظريةٍ عميقةٍ، وتحظى بقدرٍ كبيرٍ من الإعجاب في بريطانيا. ومثل بعد النظرية عن السياسة والمجتمع في الولايات المتحدة أساس النقد الذي قام به هؤلاء، مثل فرانك لينريكيا Lentricchia Frank وبعده إدوارد سعيد19. ويكمن تأثير هومي بابا في الولايات المتحدة في قدرته على ربط أفراد جمهوره بمخاوفهم السياسية غير المفهومة من قبل. فكان يقرأ كتاباته القراء المتسرعون والأكثر نقدًا، كما لو كان يطرح شكلً آخر من أشكال التجريد النظري، يُضاهي من خاله طريقة الممثلين لمدرسة يال Yale، لكن بابا لم يكن أبدًا مثل بول دومن de Paul Man يجادل من أجل فصل الحقيقة عن الفكر والتمثيل، بل على العكس من ذلك، كان يقوم بحمات تنص على ذلك الربط على نحو ملحٍّ، لكن المشكلة هي أن ممثلي مدرسة يال لم يستطيعوا القيام بذلك. نظّر هومي بابا بصفته مترجمًا ثقافيًا ممارساته الخاصة بالتدرج، وطور من خال ذلك مفهومه الأكثر شهرةً، وهو مفهوم «الهُجنة» الذي استوحاه من الكتابة الروائية لسلمان رشدي، الذي ص يغت أرقى أعماله من الوسط نفسه، أي من ثمانينيات القرن الماضي في لندن، وهو الوسط الذي أ لف فيه كتاب موقع الثقافة. وكما هو الحال بالنسبة إلى رشدي، تعد الهُجنة لدى هومي بابا نظرية المزيج الثقافي التي تسعى إلى مقارعة فكرة أحادية20 الثقافة الإنكليزية وتفنيدها أو، في حالة الهند المستعمَرة، الطرح المضاد والبسيط الذي يقوم على الفصل بين ما هو هندي وإنكليزي كأشكالٍغير متصلةٍ تُوجَد جنبًا إلى جنب. وقد صاغ هومي بابا مفهوم الهجنة هذا على نحو مُقنعٍ عام 1985 في مقالته «عامات

  1. التناقض بين مداخلة إدوارد سعيد في المؤتمر المعنونة ب «الصورة النمطية والخيال: ازدواجية الخطاب الاستعماري» يشير جيدًا إلى الاختافات في المنهج لدى الناقدين (برنامج.)1030
  2. Young, Robert J. C. «Edward Said: Opponent of Postcolonial heory.» Edward Said’s Translocations: Readings, Ruptures, Legacies , edited by Tobias Dö ring and Mark Stein (Abingdon: Routledge, 2012), pp. 23–43.
  3. ومع أن الثقافة الإنكليزية بدت بهذه الطريقة في العقد الثامن من القرن العشرين (الثمانينيات) بالنسبة إلى البعض، فإنها كانت لاتزال طبقيةً إلى حد بعيد (فكرة يونغ Young.)

اتُخِذت كعجائب» حيث تم تطويره في عاقته بإدخال النسخة الإنكليزية من المسيحية إلى البيئة الهندية. تعود أصالة حجة هومي بابا حول الهجنة إلى فكرة قوامها أنه بدلً من الإشارة إلى الطريقة التي تُنتج بها الثقافات المتصادمة مزيجًا من العناصر المختلفة، تصف الهجنة لدى هومي بابا الأشكالِ الجديدة المميزة التي تنشأ عندما تتصادم ثقافاتٌ مختلفةٌ بطريقةٍ متعنتةٍ لا تقبل التصالح. ويشير هومي بابا إلى هذا المكون الميتاخطابي المعقد عبر مفهوم الترجمة الثقافية، الذي انبثق وأحال بطريقة ضمنية على السياق الإثني واللغوي المتنوع في لندن في بدايات التسعينيات من القرن الماضي. لم يكن مفهوم الترجمة حاضرًا في المقالات المبكرة لبابا. فقد ظهر المفهوم لأول مرةٍ في «عاماتٍ اتُخِذت كعجائب» في سياق التفصيل الدقيق لمفهوم الهجنة. حيث يصف بابا على نحو مثيرٍ للفضول الكتاب المقدس المسيحي أو الإنجيل المسيحي بأنه الكتاب الإنكليزي، ويعلق على ترجمته إلى لغات عامية هندية مع الحفاظ عليه كما هو قائلً: فالإنجيل المترجم إلى اللغة الهندية، الذي يروجه الهولنديون أو المبشرون الكاثوليك الأصليون، لايزال هو الكتاب أو النسخة الإنجيلية من الكتاب. ويظهر أن الإنجيل يُترجم أكثر في سياقه الجديد، أكثر من أي لغة جديدةٍ تم تقديمه بها. وقد كان شكل الترجمة الأساسي هو التعجيل بالدينامية المُناقضة للثقافة الاستعمارية. ولم يبدأ هومي بابا في استخدام الترجمة كمجازٍ مفاهيمي تأسيسي إلا في عام 1988، حيث قدمها في سياق التفاوض بين المواقف النظرية والسياسية باعتبار أنها تشكل أرضيةً جديدةً بينها. ويشير بيان مبكرٌ في «الالتزام بالنظرية» في عام 1988 إلى هذه النقطة بوضوح: «لغة نقد النقد فعالة، ليس لأنها لا تُبقي على الفصل بين مصطلحات العبد والسيد، والمركنتلي والماركسي إلى الأبد، بل بسبب المدى الذي تتغلب فيه على أسس المعارضة المُتاحة وتفتح أ فقًا للترجمة: أي مكانًا للهُجنة بشكلٍ مجازي حيث بناء هدف سياسي جديدٍ، لا هذا ولا ذاك، يربك توقعاتنا السياسية على نحو سليمٍ، ويغير كما يجب أشكال تعرفنا على اللحظة السياسية» (ص. 25) وهنا تتفاوض الترجمة وتحول الاختافات بين المواقف السياسية والنظرية المتنافسة. وفي وقتٍ لاحقٍ سيُثير هومي بابا فكرة الترجمة الثقافية لتقديم حجةٍ مماثلةٍ فيما يتعلق بالثقافات المتنافسة التي تعمل في البيئة نفسها؛ إذ يؤكد هومي بابا في هذا المقطع على أن أكثر أشكال نقد النقد فعاليةً ليست مجرد معارضة ومعاكسة، فنقد النقد يتغلب على الأطروحات المضادة بطريقة هيغيليةٍ وماركسيةٍ، لا لينتج قرارًا أو نفيًا لأسلوب الإلغاء الهيغيلي الذي يُحافظ عليهما معًا ويلغيهما معًا على حد سواءٍ، ولكن لينتج شيئًا جديدًا، لا هو هذا ولا هو ذاك. لقد لاحظ هومي بابا كيف تصبح الهُجنة طريقةً للتعبير الناطق مجازيًا بالترجمة: أي بأنْ يُعرف فضاء الترجمة بوصفه مكانًا للهجنة. فكل العناصر الثاثة تصبح جزءًا لا يتجزأ من الصيرورة نفسها؛ إذ يتم استقدام استعارةٍ مكانيةٍ أو فضائيةٍ أساسيةٍ ضمنيةٍ في فكرة الترجمة باللغة الإنكليزية، بحيث تصبح العملية الموسعة للترجمة هي النشاط الإبداعي الأولي الذي يحددها بدلً من أن تكون مصدرًا له أو

منتوجه النهائي. وهو الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول ما يحققه نقد النقد هذا؟ فهو ينتج كما ق يل لنا، شكلً جديدًا من الاعتراف، وهي القضية التي بدأ بها هومي بابا في عام21. وإذا كانت تمثيات النص الاستعماري لم تقدم سوى اعتراف يؤكد وجهة نظرٍ استعمارية، فيصبح نقد النقد الهجين والترجمي الوسيلة التي يمكن بواسطتها إزالة الأشكال الثابتة والراكدة، ومن ثم تطوير أنماطٍ جديدةٍ من التحديد والفهم. كما يغير تطوير الفضاء الثالث، كفضاءٍ نقدي، إمكانيات السياسات من خال تطوير مواقف معدلةٍ ومنقحةٍ أو غير مُفَكرٍ فيها في الوقت الراهن والتي تشتغل بأدواتٍ خارج النمط المُعتمد. في «الالتزام بالنظرية» تُستخدم الترجمة مرارًا وتكرارًا لوصف عملية خلخلة المواقف النظرية والسياسية باستمرار. ويستخدم هومي بابا نسخًا من عبارتَي «تفاوض» أو «ترجمة» أربع مرات في المقال (ص 26، 30، 38، 38)، إضافةً إلى «ترجمة وإزاحة» (ص. 26) و«ترجمة وتحويل» (ص. 32)، وهو يُحاجج بأن «كل موقفٍ هو دائمًا عملية ترجمة وعملية نقلٍ للمعنى» (ص 26). ومن هنا، يقول في ترجمته لهذا المقطع من داخل اللغة: «يحاول توضيحي هذا إظهار أهمية اللحظة الهجينة في التغيير السياسي. هنا تكمن القيمة التحويلية للتغيير في إعادة صياغة أو ترجمة العناصر التي ليست لا هاته ‘الطبقة العاملة الموحدة’ ولا تلك ‘سياسات النوع’، ولكن هناك شيءٌ آخر يوجد إلى جانب ذلك، هو شيء يعارض شروطهما ومجالاتها معًا» (ص. 28) على الرغم من أن الترجمة تقوم على مبدأ الازدواجية، فإنها تسمح بالابتعاد عن القطبية من خال عمليةٍ حواريةٍ مستمرةٍ وتفاعليةٍ، فالسبيل إلى حل الخافات السياسية هو التفاوض بين المواقف المختلفة عن طريق إزاحتها أو نقلها أو ترجمتها إلى مكانٍآخر أو مكانٍيُتيح أشكالً من الاعتراف تتحدى شروط كِلَيهما. ورغم ذلك لا يعد هذا التفاوض ترجمةً في حد ذاته، ما دام سيؤدي إلى تحويل موقف «أ» إلى موقف «ب»، ولكنه الانتقال أو المرور عبر الأرض الموات التي تفصل بين اختافاتهم. ويلتقط هومي بابا هذا بشكلٍ مجازي من خال تحويل عملية التفاوض إلى شيء ذي طبيعةٍ مكانيةٍ وزمنيةٍ في آنٍواحدٍ، كما لو تم تمكين المواقف المتنافسة من خال الترجمة لالتقاء عبر طابور من الجواسيس يمتد كجسرٍ طويلٍ بينهما. فتصبح الترجمة متساويةً بالانتقال من لغة المصدر إلى لغة الهدف، ولكن مع الفعل الديالكتيكي للتحول الذي يستوع ب اللغتَين معًا. ولا يُحرك هذا التحول العناصر إلى الأعلى، أي إلى مستوىً جديد حيث تتخذ شكلً جديدًا، ولكن يتم دفعها على جانبَي الفضاء، حيث تستمر جميع العناصر الأصلية في العمل معًا وفق شروطها المتنوعة وغير المتجانسة. قدم هومي بابا مصطلح الترجمة الثقافية إلى عمله بعد ذلك بسنتين في مقالته «نشر الأمم» (1990)؛ حيث كان يدرك تمامًا أن مفهوم الترجمة الثقافية يمتلك بالفعل تقليدًا طويلً ومتنازعًا حوله في

  1. Bhabha, «Representation,» p. 99.

الأنثربولوجيا الثقافية تعود بداياته إلى عمل إيفانس بريتشارد E.E. Evans–Pritchard22. استخدم علماء الأنثروبولوجيا هذا المفهوم بطرقٍ مختلفةٍ؛ فكلود ليفي ستراوس، وتبعًا للمبدأ الترجمي لرومان جاكبسون Jakobson Roman حول الترادف داخل الاختاف، سعى إلى ترجمة الاختافات الثقافية التي حللها وحولها إلى مسلمات إنسانية كونية (الأسطورة والأنثروبولوجيا البنيوية)، ومع ذلك فقد تعرض لهجومٍ من طرف كيلفورد كيرتز، الذي جادل بأن «ما صنعه ليفي ستراوس لنفسه هو آلةٌ لثقافةٍ جهنميةٍ. هذه الآلة التي تُلغي التاريخ وتنتقص من قيمة الشعور وتحوله إلى مجرد ظل للفكر، وتعوض العقول الخاصة للهمجيين في أدغالٍمعينة بالعقل المتوحش المازم لنا جميعًا». يُحاجج كيرتز أن ليفي سترواس كان «مترجمًا للثقافة، حتى عندما تكون غير قابلة للترجمة. لا يمكن تحقيق الترجمة إلا بإخضاع المنتجات الثقافية ‘الأسطورة، الفنون، الطقوس.. أو أي كان’، أي الأشياء التي تعطي هذه الحياة مظهرًا فوريًا للغرابة، إلى تحليلٍ كوني يذيب هذه الغرابة من خال إذابة هذه الفورية»23. وعلى عكس ليفي ستراوس الذي رأى أن الترجمة لها تأثيرٌ ذو طبيعةٍ تدجينيةٍ، سعى كيرتز إلى تمثيل الطابع الأجنبي للغاية في شكل الغرابة الخاص بالاختاف حول المفهوم الكوني للثقافة. وهذا ما سيُحاجج من أجله هومي بابا، وبعد ذلك بكثيرٍ سيسير على منواله ديبيش شكربورتي Chakraborti Dipesh، غير أن هومي بابا لم يتبع الخطوات الموالية لكريتز؛ أي اعترافه على مستوىً آخر كون الثقافة نفسها هي المصطلح الكوني الذي من خاله يقوم عالم الأنثروبولوجيا بترجمة الممارسات الفردية للمجتمع الذي تتم دراسته، وذلك بجعل الاختافات مترادفة. وهذا يطرح السؤال التالي: ألا يشير ضمنيًا التفييء المفاهيمي للثقافة ذاته إلى شكلٍ من أشكال الترجمة؛ أي الوساطة بين ما هو خاص وما هو كوني؟ وقد قام طال أسد أيضًا بتحليل فكرة الربط الحرفي للتأويل الثقافي مع التحولات بين اللغات المنفصلة في مقالته المعروفة «مفهوم الترجمة الثقافية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية» في عام 1986. يركز أسد على القلق الدائم الذي يطبع الطريقة التي يتوسط بها الأنثروبولوجي في صياغة المعاني الضمنية للتفكير البدائي «للمتوحشين» ليقدمها بلغةٍ مفهومةٍ للقارئ الغربي المثقف: بمعنىً آخر كيفية ترجمة أساليب حياة ولغة الإنسان البدائي قصد فهمها من قِبل العقل الأكاديمي المتطور والنخبوي والعميق، وهكذا تصبح الترجمة الثقافية وسيلةً للتفاوض حول الفجوة في الفهم وفي الزمن بين الثقافات البدائية والحديثة، وهي تتوسط الفكرة التي انتقدها جوهانيس فابيين Fabian Johannes، وهي إنكار الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان للتعايش بين الثقافات الغربية وغير الغربية، وتحول البدائية إلى لغةٍ أكاديميةٍ للعقانية الغربية. وربما يُعد هذا النوع من الترجمة الشكل النهائي للترجمة التدجينية

  1. الفقرة التالية تستعمل بعض المواد من مقالتي «الهجنة والترجمة والثقافية» وحول إيفانس بريتشارد Evans–Pritchard كمنشئ أو مبتكر لموضوع الاستعارة في الأنثروبولوجيا. انظر: غيرتز Geertz، المعرفة المحلية 9. وفي «توضيح القديم»، يقتبس بابا نقاش غيرتز في «المعرفة المحلية للتفاهم بين الثقافات».)59(
  2. Geertz, Cliford, Works and Lives: The Anthropologist as Author (Stanford, California: Stanford Press, 1988), p. 33. لقد قدم بابا نفسه بالفعل حجة قابلة للمقارنة في «التمثيل والنص الاستعماري» (1980) حول مصير النصوص الاستعمارية وهي تفقد خصوصيتها في عملية تحقيق الكونية الأدبية (ص. 114)

ما دامت المواد المترجمة تعود للظهور بشكلٍ لا يشبه كثيرًا النسخ الأصلية. ونتيجةً لنقد النقد هذا، لم يعد علماء الأنثروبولوجيا يفكرون في الترجمة الثقافية لتجسيد نموذج معينٍ، بل لم يعودوا يستخدمون كلمة الترجمة أو الثقافة في الأساس. وهكذا أعاد هومي بابا إحياء فكرة الترجمة الثقافية في الوقت الذي كان فيه أسد يعلن نهايتها في الأنثروبولوجيا. كان بابا قد استمع إلى أسد وهو يقدم ورقته الأكاديمية حول الترجمة الثقافية في مؤتمر إسيكس في عام 1984 حول علم اجتماع الأدب، حيث قدم هومي بابا النسخة الأصلية لمقالته «عامات اتُخ ذت كعجائب»، وقد يكون اطلع على الورقة العلمية لأسد مطبوعةً في وقائع المؤتمر المنشورة. أكد أسد متحدثًا مع جون ديكسون Dixon John، على عاقة القوة غير المتكافئة بين عالم الأنثروبولوجيا كمترجمٍ ثقافي والمجتمع الذي تجري دراسته: «هناك تيارٌ سائدٌ من أجل لغة الثقافات المتحكم فيها لاستيعاب المطالب، واستيعاب مفاهيم الثقافة المُسَيطِرة. وبالمثل هناك مقاوماتٌ قوية لإجراء أية تغييرات قابلة للمقارنة داخل الممارسات الخطابية للدراسات الأوروبية أو للفكر والمعرفة الأوروبيين» (ص. 171). لا تدمج الثقافة المهيمنة كما يؤكدان على ذلك وهما يستشهدان بمقال والتر بنجامين Benjamin Walter «مهمة المترجم» الذي نشر في عام 1923، أي جانبٍ من جوانب الثقافة التي تقوم بدراستها، أي لا تسمح لنفسها بالتغريب أو إدماج الغريب والأجنبي داخلها. وبهذا تظل الثقافات الأخرى بعيدةً تمامًا عن جهاز الأنثروبولوجيا المفاهيمي والخطابي. وأكد كل من أسد وديكسون، في حجة مماثلة لحجة كيرتز أو بصفةٍ عامةٍ حجة سعيد في الاستشراق، أن الترجمة الثقافية في الأنثروبولوجيا هي خطاب السلطة والاستياء الذي يدمر خصوصية الثقافة التي يترجمها. وربما كان هذا أكثر من كافٍ، لنقرع جرس نهاية المفهوم. إلا أن هومي بابا قدم طرحًا معاكسًا؛ حيث قام باستردادها وإعادة كتابتها. فبالنسبة إلى أسد وديكسون، يترجم علماء الأنثروبولوجيا ما يسمى بالثقافة البدائية للملتقي الغربي. أما بالنسبة إلى هومي بابا، فإن الترجمة تتم في الاتجاه المعاكس: «السكان الأصليون» يصبحون المهاجرين الجدد الذين يترجمون ثقافتهم بعد ذلك إلى ثقافة المجتمع المضيف الجديد. وهذا يعني أن المهاجرين التابعين، وليس علماء الأنثروبولوجيا، يصبحون وسطاء يشتغلون بنشاط وفاعلية في مواجهة ثقافة الهيمنة التي يجدون أنفسهم في دواليبها. ومن ثم تشتغل الترجمة الثقافية من خال التهجين الذي ينطوي بالنسبة إلى بابا على عملية الفاعلية المُلحة للتدخل والتفاعل مع ديناميات السلطة في الثقافات المعاصرة المتضاربة أو المتصارعة. ويُعاكس هومي بابا النظريات السوسيولوجية التقليدية حول الهجرة والتي تنطوي على أفكار الإدماج أو التثاقف: في سرديته، يقوم المهاجر بتحويل الثقافة المستقبلة وليس العكس. ونتيجة لذلك فإن الثقافة المهيمنة تترجم ثقافيًا من قبل المهاجرين. ومن ثم تمثل نظرية الترجمة الثقافية عند بابا ترجمةً، بالمعاني الأنثربولوجية، من خال العودة إلى الواجهة الأمامية أو لنقل، بصيغة لغة ترجمية أكثر تقليديةً، بإضفاء الطابع الأجنبي عليها. ويُجادل هومي بابا، في حين أنه لا يتحدى مفهوم الثقافة على هذا النحو، بأن الثقافة تفتح فضاءً لاختاف،

يُمكّننا من تجربة أشكال الغيرية والتغيير بدل أن نظل ثابتين في مخابئ المعارضة24. ومن هنا تعد الثقافة تجسيدًا لل «مابين»، وهي تجسيدٌ لخبرات وتجارب غير متجانسة ليس الغاية من ورائها تشكيل بنيةٍ كليةٍ وشموليةٍ متجانسةٍ، بل خلق فضاءٍ يُمكّن من التعبير عن الأصوات التي عادةً ما تم إسكاتها أو قمعها. يقترح هومي بابا أيضًا أن الثقافات، بوصفها ممارساتٍ رمزيةً، يتفاعل على نحو دائم بعضها مع بعض، في أنساقٍ وأنظمةٍ مفتوحةٍ25. إذ تحتضن الثقافة المهيمنة فسيفساءً من الثقافات المختلفة لتكملها وتعطينا تجربة الاختاف بينهما. يُمكن لمثل هذا الاختاف الثقافي على المستوى الداخلي أن يُوفر أيضًا السياق للتدخل الفاعل من قِبَل مائكة التقدم: المُترجمون الثقافيون الذين سيفتحون الفضاءات غير المتجانسة المحتملة داخل وبين النظم والأنساق الرمزية للثقافات المختلفة. ويعد أولئك الذين يعيشون على جبهة الحدود بين الثقافات المختلفة مهاجرين قبل كل شيء، لا يعيشون فقط حالةً من التهجين الثقافي، بل يتفاوضون حول الاختافات الثقافية كل يوم ويستعملون شروطهم وظروفهم البينية لترجمة المتخيل الاجتماعي للمدن الكبرى26. فالثقافات تتطور باستمرار في عاقتها بالثقافات الأخرى التي تنتج «مواقع هجينة للمعاني»، والتي تفتح شروخًا تُنذر بتحولاتٍ ممكنةٍ27. يطور هومي بابا فكرة الترجمة الثقافية هذه من خال العودة إلى مقال «مهمة المترجم» لبنجامين. ينزع هومي بابا، رغم استشهاده بسردية رودولف

  1. لتحقيق هذه الغاية يكتب بابا في النهاية الأصيلة ل «الالتزام بالنظرية»: «يجب أن نتذكر أن المابين Inter The، والذي يُعد حافة الترجمة والتفاوض، وهو منزلةٌ بين المنزلتين، وفضاء المابين الذي فتحه ديريدا في الكتابة نفسها، هو الذي يحمل في طياته عبء معنى الثقافة. فهو يجعل من الممكن التأمل في تواريخ «الناس» الوطنية والمضادة لها. ففي هذا المجال سنكون قادرين على التحدث عن أنفسنا والآخرين. وعن طريق استكشاف هذا التهجين، أي هذا «الفضاء الثالث»، يُمكننا أن نتملص ونراوغ سياسة القطبية ونبرز كالآخرين لأنفسنا». انظر: Bhabha, «The Commitment to theory,» p. 22.
  2. «تنتظم الثقافات في عاقتها بتلك الغيرية المشكلة لنشاطها الرمزي – التكويني الداخلي، مما يجعلها تنحرف عن الهياكل المتمركزة – فعبر ذاك الانزياح والحدية، تفتح إمكانية التعبير عن ممارسات وأولويات ثقافية مختلفة وغير قابلة للقياس. انظر: Bhabha, «Third Space,» 210–211.
  3. يستخدم بابا في المقدمة، كما هو مقتبسٌ هنا، مصطلح الترجمة الثقافية مرةً واحدةً، وبطريقة مختلفةٍ نوعًا ما، ليصف صور ألان سيكولا Alan Sekula (1951–2013)، الذي «يأخذ شرط الحدود للترجمة الثقافية إلى حدها الكوني في قصة الأسماك (–1989 1995) في مشروعه الفوتوغرافي عن المرافئ». وقصةُ السمك كما وصف فهرسُ معرضٍ في متحف سانتا مونيكا Santa Monica للفنون في عام 1996 «استكشفت الروابط التاريخية والسوسيوسياسية والجمالية والأدبية لمدن مينائية نائية مثل نيويورك وروتردام ولوس أنجلس وهونغ غونغ وسيول. وهي قصة تتكون من سلسلة تصل إلى 105 صور فوتوغرافية من الحجم الكبير تتخللها لوحات سرديةٌ كتبها سكولا. كما تتضمن شريط ين آخرَين تنسجهما قصة الأسماك في شكل شبكةٍ معقدةٍ من الارتباطات البصرية والشفهية وسط مناظر بانورامية للبحر حيث توجد لقطات مقربة ومفصلة للأجهزة البحرية وحاويات البضائع والمستودعات والبحارة والعاملين في أحواض السفن، وتتحدد العناصر الفردية في التبادل الكوني المتغير باستمرار: للسلع والمال والمعرفة والسلطة. ليس من الواضح تمامًا كيف تنطبق الظروف التاريخية الهجينة التي يصفها «بابا» سابقًا على المصور الفوتوغرافي الماركسي وهو يدلل على عمليات التداول والتبادل التجاريين المعولمين.»
  4. قارن بين فكرة استخدام عدم استقرار الثقافة كوسيلةٍ لتحويلها مع حجج فانون Fanon (يونغ Yong، فانون Fanon.)

كاشه Gasché Rodolphe حول فهم بنجامين الروحاني أو المثالي لطبيعة اللغة والترجمة، إلى قراءة بنجامين، على نحو أكبر، في شروطه المادية والمعيارية. ما يأخذه هومي بابا من بنجامين أقل ارتباط ا بالأفكار البديهية الخاصة به حول الترجمة من تلك الموجودة في اقتباساته من رودولف بانويتز Pannwitz Rodolf، التي يستحضرها أيضًا أسد وديكسون كونها تشكل بدائل للترجمة القائمة على التدجين والأجنبة، وهو نقيض تقليدي لمبدأ الاحتمالات في نظرية الترجمة التي ترجع بداياتها على الأقل إلى مقال فريدريك شايماخر «حول الطرق المختلفة للترجمة» (1813)، والتي روجها لورانس فينوتي في عام 199328. يرتكز مفهوم الترجمة الثقافية لدى بابا على نحوٍ أساسي على فكرة أجنبة الترجمة أو الترجمة المؤجنبة والتي تتسلل فيها المكونات غير القابلة للترجمة من لغة النص المصدر إلى نسيج اللغة الهدف. لذلك تشتغل الترجمة الثقافية للمهاجرين عن طريق دمج عناصر ثقافتهم في الثقافة السائدة ومن خال هذا الإجراء المؤجنب، يأتي الحديث أو الجديد إلى العالم في الثقافة كما هو الحال في اللغة. فالترجمة الثقافية ليست مجرد نقل الثقافة المصدر إلى الثقافة الهدف، وإنما ترجمة الثقافة الهدف إلى شكلٍ جديدٍ: «ومن هذا المنظور الأجنبي، يصبح من الممكن إدراج الطابع المحلي المحدد للأنساق وللنظم الثقافية – أي اختافاتها غير القابلة للتناظر – ومن خال ذلك الفهم لاختاف، يصبح من الممكن القيام بفعل الترجمة الثقافية. إذ يصبح المحتوى «المُعط ى» في عملية الترجمة غريبًا ومغتربًا، وهذا بدوره، يترك دائمًا لغة الترجمة في مهمة أو تكليفٍ في مواجهة طبيعتها المزدوجة، أي غير القابلة لتحويل أو ترجمة الغريب والأجنبي الدخيل» (ص. 164) سيعمل فعل الترجمة على تضمين الاختاف فيما تمت ترجمته، وهذا ما يترك بقايا لا يمكن اختزالها أو استيعابها من الاختاف الثقافي: فما هو غير قابلٍ للترجمة يحول من ثم الثقافة الهدف على نحو خارقٍ للعادة. يظهر التفصيل الأكثر استدامةً لفكرة الترجمة الثقافية شكلً من أشكال الفاعلية، وهو يحول نظامًا واحدًا من خال نظامٍ آخر، في المقالة الأخيرة من كتاب موقع الثقافة بعنوان «كيف تدخل الجدة العالم: الأزمنة ما بعد الكولونيالية الثقافية ومحن الترجمة الثقافية» (1993–1991). يستحضر عنوان بابا حدثًا مؤثرًا على عالم لندن الذي عاش فيه الفتوى التي صدرت ضد رشدي. بدأ الجدل في كانون الثاني/ يناير 1989 عندما قام مجموعة من المسلمين في براد فورد بإنكلترا، بحرق نسخة من كتاب آيات شيطانية في احتجاجٍ علني ضده. وفي الشهر التالي، أصدر آية الله الخميني من إيران فتوىً تطالب جميع المسلمين بقتل رشدي وأي شخصٍ متورطٍ في نشر الكتاب، فذهب رشدي

  1. اقتباس بنجامين من بانويتز في ترجمة هاري زوهن Harry Zohn ل «مهمة المترجم» الذي يقتبسه «هومي بابا» بدوره (ص. 228)، يقول «تنطلق ترجماتنا، حتى أفضلها، من فرضيةٍ خاطئةٍ. إنهم يريدون تحويل الهندية واليونانية والإنكليزية إلى الألمانية بدلً من تحويل الألمانية إلى الهندية واليونانية والإنكليزية [...] فالخطأ الأساس للمترجم هو أنه يحافظ على حالة يثبت فيها لغته الخاصة بدلً من أنْ يسمح للغته أنْ تتأثر تأثرًا قويا باللسان الأجنبي» (بنجامين، ص 80–81). وعلى النقيض من ذلك كتب هومي بابا أن «الإنجيل ترجم إلى الهندية [...] لكنه لا يزال إنجيلً إنكليزيًا» (ص. 108)

لاختباء. في مقاله «كيف تدخل الج دة العالم» تشكل الترجمة الثقافية جزءًا أساسيًا من مناقشة بابا لهذه الفتوى ودفاعه عن رشدي. وعنوان مقال بابا مقتبسٌ بصفة غير معترف بها من مقطع في مقال رشدي عام 1990 عن جدل الآيات الشيطانية، «بحسن نية» والذي يدافع فيه رشدي عن نفسه على أساس: «أن الآيات الشيطانية تحتفي بالتهجين والتدنيس والتداخل الذي ينبثق من المزج غير المتوقع بين مجموعاتٍ جديدةٍ من البشر، والثقافات والأفكار والسياسات والأفام والأغاني. ويحتفي الكتاب بالتهجين ويخشى من مطلق ما هو خالص. مزيجٌ قليل من هذا وقليلٌ من ذاك هو كيف تدخل الجدة العالم. إنها الإمكانية العظيمة التي تمنحها الهجرة الجماعية للعالم وقد حاولت احتضانها. وُج دت الآيات الشيطانية من أجل التغيير عن طريق الانصهار والتغيير، عن طريق الضم والالتحاق. إنها أغنية حب لأنفسنا الهجينة»29. يدعم هومي بابا رشدي عن طريق تحديد العمليات التي يصفها الروائي، وذلك من خال تقريره الخاص حول الترجمة الثقافية، بناءً على فكرة أُثيرت من قبل في الآيات الشيطانية، حيث يسأل الراويِ، «كيف تأتي الج دة إلى العالم» وكيف تُولد؟ ما هي الارتباطات والترجمات والتركيبات التي تصنعها؟30 من هنا يدمج بابا مفهومه الخاص عن الفضاء الثالث مع فكرة رشدي، وذلك باعتبار أن الهجرة والارتحال عن الوطن تحولان ثقافاتنا31. بدلً من الاستيعاب أو الأهانية، تنتج هجنة الفضاء الثالث أشكالً مبتكرة لما يسميه بابا «المفاوضاتِ الحدودية للترجمة الثقافية» (ص. 223). ويصبح موضوع الاختاف الثقافي مقاومةً للعنصر غير القابل للتحويل في الترجمة الثقافية. ثم يتبع رشدي من خال تطابق جدة الترجمات الثقافية مع فعل التجديف. في رواية بابا، تُنسب إلى رشدي وشخصياته الفاعلية للمهاجرين وهي تواجه تقليدًا أو تراثًا محددًا، حيث يجادل بابا، كون «الهجين هو بدعة أو هرطقة»32. ومن ثم يُعرف بابا مباشرة التجديف أو الكفر إلى جانب البدعة أو الهرطقة بأنه شكل من أشكال «الفعل التجاوزي والمخترق للترجمة الثقافية» (ص. 226). بينما تتناسب شعرية رشدي المخادعة تمامًا مع حُجج بابا السابقة، حول فاعلية إستراتيجيات المهاجر، لكن ما يضيع هنا هو أنه في حين أن معارضي مفهوم رشدي وخصومَه قد

  1. «الأوطان المتخيلة»، المجموعة التي ظهرت فيها «بحسن نية» انتهت بمقالة في عام 1990 «لماذا اعتنقت الإسام؟». وبعد ذلك ألغى رشدي اعترافه بالإيمان وتم إسقاط المقال من طبعة عام.1992
  2. استخدم هومي بابا مصطلح الفضاء الثالث لأول مرة في نهاية مقالته «لباقة ماكرة»، لكنه لم يطوِر الفضاء الثالث تطويرًا جوهريًا حتى لحظة استجوابه من لدن جوناتان روتفورد Jonathan Rutheford عام 1990. وذلك قبل عام واحد من بدئه العمل على كتاب «كيف تدخل الج دّة العالم» وفي مقاله الاحق قدم المفهوم من خال مناقشة موسعة غير معممة حول حجة فريديريك جيمسون Fredric Jameson بخصوص عدم تمثيلية الفضاء ما بعد الحداثي. وأنا أيضًا أحلل مفهومًا لفضاءٍ ثالثٍ ما في «الفراغ.»
  3. Salman Rushdie, The Satanic Verses)New York: Viking Penguin Inc., 1988), p. 270.
  4. يستخدم سلمان رشدي مرارًا وتكرارًا كلمة «التجديف» في الأجزاء الخاصة بالمهاجرين من الكتاب للإشارة إلى شكل مسرحي يحتفي بالهويات الثقافية والأجناس المتقاطعة. فالتجديف ليس مجرد تخريف للمقدس من قِبل الفكر العلماني، إنه لحظة يتم فيها اكتساح موضوعٍ أو مضمون إرثٍ تقليدٍ ثقافي والتنفير منه في فعل الترجمة.

يكونون مؤيدين ودعاةً للتراث، فقد كانوا من الجيل الأول، أو الجيل الثاني من المهاجرين أيضًا، وهم أقل أحقيةً وامتيازًا من رشدي. وقد نشأ الجدل لأن المهاجرين كانوا يرفضون الترجمات الثقافية لرشدي باعتبارها تجديفيةً وكافرةً ومدنسةً، لا تدعم ولا تؤيد هويتهم. عاوةً على ذلك، أشارت وأشرت الفتوى التي أعقبت ذلك إلى حقبةٍ شكلت فيها المعتقدات الثقافية والدينية جزءًا من حركةٍ عالميةٍ وكونيةٍ على الرغم من صياغتها من موقع طابعها المحلي: فكانت الفتوى هي المثال الأول على الطباق الثقافي المُعَولَم والذي لا يقوم على مفهوم المكان كما يُعرف الآن بالإساموية أو الأصولية الإسامية. بدأت معارضة كتاب رشدي في بريطانيا ثم تطورت عبر بلدان الجنوب، لتُشكل حركةً قاريةً ثاثية الأطراف، في أفريقيا وآسيا وأميركا الاتينية، تحدت المفاهيم العلمانية للحداثة الغربية. أولئك الذين دافعوا عن رشدي كانوا من المؤيدين للتقليد الليبرالي الغربي، وهي دائرة الأنصار نفسها التي كانت تشجع الترجمة الثقافية البريطانية السائدة. وبمعادلة الترجمة الثقافية بالهرطقة والتكفير مع التركيز على التأويات المفصلة لنص رشدي، يبدو بابا غافل عن المنظورات السياسية الأوسع والأكبر التي ستصبح سمةً مهيمنةً لسياسات القرن الحادي والعشرين بعد 11« سبتمبر». وأصبح تبني الاختاف وتأثيراته الهجينة أقل صلةً في عالم متطرفٍ رفض مثل هذه الأشكال من الحداثة، سواءً أكانت أشكالً مضادةً للثقافة السائدة أم لا. ينتقل بابا برفض الاعتراضات على الآيات الشيطانية باختزالية كالقول ب «غضب وسخط الملة والمجوس» كنماذج للورع والتقوى، والادعاء أن الترجمة الثقافية تزيح الطابع المقدس والديني عن افتراضاتٍ شفافةٍ من التفوق الثقافي، ينتقل إلى مناقشة الخطاب النسوي المضاد للأصولية. وبقي من دون معالجة مسألة أي تفوقٍ ثقافي يُلغى طابعه الديني، ومن يقوم بذلك. هذا إضافةً إلى أن المقاومة لفكرة رشدي حول التهجين عبر عنها المسلمون في جميع أنحاء العالم، حيث أصبحت الترجمة الثقافية بالنسبة إليهم من أعراض ادعاءات الغرب المعتادة حول تفوقه الثقافي، أي عاقة الغرب غير المتكافئة وقليلة الاحترام للآخرين والمترفعة على العالم الاغربي، وبذلك فقد أ عيد إلى الموقف البنيوي للترجمة الثقافية نسق السلطة نفسه الذي ينتقده أسد وكيرتز. يبدو أن هومي بابا، من خال الربط الوثيق بين الترجمة الثقافية والتجديف، يغيب واقع جزء من الأقلية المسلمة في بريطانيا، معظمهم من الفقراء والطبقة العاملة، الذين ردوا على الرسالة بعباراتٍ مختلفةٍ عن نظرائهم من مثقفي المراكز الكبرى. ومن ثم رفضوا، بصراحة، سياساتهم الثقافية في ثمانينيات القرن الماضي. وإن لم تُحدِث الثورة الإيرانية عام 1979 صدى كبيرًا في السياسة البريطانية المحلية، فإن فتوى رشدي في عام 1989 قد فعلت ذلك بالتأكيد. فلم يَعُد رشدي قادرًا على استعادة مكانته الأدبية وصلته الاجتماعية من سنوات لندن؛ ربما يكون قد نجا من الفتوى، لكنه بالتأكيد قتل نفسه بوصفه روائيًا. حولت السياسات الجديدة التي أعقبت الجدل حول الآيات الشيطانية على نحو فعالٍ الأجندة السياسية والثقافية بعيدًا عن نموذج الشتات الكاريبي لستيوارت هال «الهوية الثقافية والهويات الجديدة» حول الهويات الأدائية الهجينة إلى عالمٍ أكثر وضوحًا حيث الاختاف والهجنة والمابين

تعمل كمؤشراتٍ أو عاماتٍ نهائيةٍ على تقدمية القضايا السياسية والثقافية. ففي مواجهة «التناحر العنيد» للمظاهرات العامة ضد الترجمة الثقافية لرشدي33. أصبحت النظرية نفسها مغتربةً ومبعدة وتاركةً لغة الترجمة الثقافية تواجه طابعها المزدوج الأسود؛ أي غير القابل للترجمة، شيءٌ غريبٌ حقًا، ليس له لغة أو فهم أو رد. ربما تميز نظرية بابا للترجمة الثقافية، باعتبارها شكلً من أشكال التجديف، على نحو أفضل، البنية الأداتية المشوهة لممارسته النظرية الخاصة (ص. 211). حتى عندما يقرأ بابا بها الآخرين، يترجمهم بمصطلحاته وشروطه الخاصة؛ إذ يصطدم معهم ويغيرهم ليقول شيئًا جديدًا وغير متوقعٍ، في جميع أنحاء كتاب موقع الثقافة يُصادف القارئ ماحظته مثل «من أجل استمالة يورغن هابرماس لأهدافنا» (ص. 171) ينهي هذا الكتاب، بوصفه كتابًا تحويليا، بالتأكيد، تحديه للأفكار المعيارية للحداثة الغربية، كبيان من عملية المراجعة للحداثة ما بعد الكولونيالية المضادة التي أعقبت ظهورها قبل عشرين سنة34. فقد نشأت في الوقت نفسه، كما يُقر الكتاب بصفة غير مباشرة، تحدياتٌ أخرى أكثر تشددًا في مواجهة الحداثة الغربية من أماكن وأزمنة أخرى، تحدياتٌ غير قابلة للترجمة؛ إذ لا يستطيع المترجمون للثقافة الغربية أن ينزاحوا وراء قيمهم الخاصة، حيث الاختافات غير القابلة للحل التي أعاد بابا التفاوض حولها بطريقةٍ مقنعةٍ عادت إلى الظهور بصفة راديكالية جديدةٍ لا يمكن التنبؤ أو الحلم بها.

References

المراجع