العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب فلسفة ابن باجة وأثرها لجورج زيناتي

مراجعة كتاب فلسفة ابن باجة وأثرها لجورج زيناتي

Book Review: The Philosophy of Avempace and its Impact by George Zinati

عبد الحكيم شباط *

Abdul–Hakim Shubat *

الملخّص

عنوان الكتاب: فلسفة ابن باجة وأثرها . الكاتب: جورج زيناتي. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019. عدد الصفحات: 132 صفحة.

Abstract

The Philosophy of Ibn Beja and its impact by George Zinati Abdul-Hakim Shubat

الكلمات المفتاحية:
  • فلسفة ابن باجة
  • جورج زيناتي
Keywords:
  • The Philosophy of Ibn Beja
  • George Zinati

عنوان الكتاب: فلسفة ابن باجة وأثرها. الكاتب: جورج زيناتي. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 132 صفحة.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

«أيَّتُهَا الوحدةُ المغبطةُ، أيَّتُهَا الغبطة الوحيدةُ» (ص. 8). بهذه المقولة ذات الدلالة العميقة، في تجربة ابن باجة الإنسانية والفلسفية يمهِّد جورج زيناتي لكتابه القيّم: فلسفة ابن باجة وأثرها، والذي يمكن اعتباره أحد أهم المباحث في الثقافة العربية المعاصرة، حول فلسفة ابن باجة، إن لم يكن من زوايا متعددة، المبحث الأهم. و كان هذا الكتاب قد صدر أولً باللغة الفرنسية في عام 1979، ثم باللغة العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سلسلة ترجمان، في عام 2019، وقد جاء الكتاب في سبعة فصول ومقدمة وخاتمة. يُفصح المؤلف منذ السطور الأولى عن غايته العلمية من هذا العمل، قائلً إنها محاولة إعادة بناء نقدية لتجربة ابن باجة الشخصية، والمهنية، والفلسفية، وتحديد تموضعه في تاريخ الفلسفة الإنسانية والعربية، وفق رؤية تحليلية تتبع المَسارب الفكرية السابقة عليه، والتي ساهمت في تكوين وعيه المعرفي والفلسفي، ثمّ تتلمس الأثر البالغ الذي تركه في مَن جاء من بعده؛ سواء في أوروبا أو في الشرق، ثمّ كيفية الإفادة منه في ثقافتنا المعاصرة. إنّ الإجابة عن هذه الإشكاليات ليست بالأمر اليسير، والقارئ يدرك هذا منذ الفصل الأول، حيث إنّ التركة المعرفية للفيلسوف ابن باجة، تعرّضت غالبًا للتلف أو الضياع أو الإساءة المتعمدة، والذي نجا منها بقي مِزقًا هنا أو هناك، تحتضنه أرشفة المكتبات الخاصة والعامة، وتتناقله الأيدي بين اهتمام وإغفال، ومن ثمّة يدرك القارئ جسامة المهمة الفكرية البحثية التي اضطلع بها المؤلف، وعِظم الجهد المبذول لإنجاز كتابه. وهذا يتضح منذ الفصل الأول الذي يتناول فيه المفكّر زيناتي حياة ابن باجة ومؤلفاته، فالصورة النمطية التي وصلت إلينا من خلال عدّة طرق أشهرها عن ابن طفيل تُوحي بأنّ حياة ابن باجة كانت قصيرة، وبأنّ مشروعه الفلسفيّ غير مكتمل بسبب وفاته في ريعان شبابه، ولكن زيناتي يحاول دحض هذه الفرضية، ويبرهن على أنّ ابن باجة عاش حياة طويلة، وخاض تجارب متنوعة، وتقلّد منصب الوزارة أعوامًا عديدة، وعلى أنّ أفكاره الفلسفية وصلت إلى مبتغاها الذي أراده لها. يعرض الباحث في دحضه لتلك النظرية أدلة متعددة، ويقارن بين شهادات ووقائع تاريخية، عائدًا إلى أبي بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل (1110–1185)، وأبي الحسن علي بن الإمام (1349–1274)، والفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان (1087–1134)، وهي شهادات استجمعها جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (1248–1172)، وأبو العباس أحمد بن محمد المقري (1631–1578)، ولسان الدين محمد بن عبد الله بن الخطيب (1374–1313) وغيرهم. ويتمثل الإسهام الذي يقدمه الباحث بأنه يعيد النظر نقديًا في هذه الشهادات ويطرح أبعادًا جديدة في تناولها، منها مدى تأثرها بعلاقة أصحابها بابن باجة؛ فعمل الباحث هنا يشبه عمل علماء الحديث من حيث إخضاع الرواية للجرح والتعديل لترجح صدقيتها أو يشكك فيها. كما أنّه يضع أمام القارئ من كلام ابن باجة نفسه، ما يثبت أنّ العمر قد امتد به، وأنه قد أُنسِئ له في الأجل، ونعني هنا ما اقتبسه الباحث من مقدمة «رسالة الوداع»، حيث يقول ابن باجة: «قد تقدمت فسلكت من العمر القدر الذي بين سني وسنك» (ص. 20). والاقتباس في سياقه له دلالة ترجّح فرضية الباحث، ومن المؤسف أنّ القرائن تثبت

موته مسمومًا. والأمر نفسه يشمل مؤلفاته، فإذا امتد به العمر، فلا بد أنّ مفكرًا، وشاعرًا، وموسيقيًا، وطبيبًا، في مثل مكانته، قد وضع مؤلفات كثيرة، ولكن كما أنّ حياته الطويلة لم يصلنا عنها غير النزر القليل، فإنّ القائمة الطويلة التي يوردها أبو العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة (1270–1203) حول مؤلفات ابن باجة لم يصلنا منها غير أقل القليل. وفي سبيل الإحاطة بهذه المؤلفات نجد أنّ الباحث يبذل جهودًا كبيرة في التنقيب عن مصادر بحثه، بين أسفار ومراسلات من باريس إلى برلين، إلى مدريد، إلى لندن، وربما بولندا، وكذلك يدقق في مخطوطة طشقند، إلى جانب المكتبات العربية، والدراسات السابقة في الباب نفسه. وبالفعل، قمنا بمراجعة المكتبة البروسية أو الوطنية في برلين، وقد وصلنا إلى النتائج نفسها التي دوّنها الباحث، حول بعض المخطوطات التي رُحِّلت إلى بولندا إبان الحرب العالمية الثانية، ولم يزل مصيرها حتى اليوم طيّ الكتمان. ثمّ إنّ الباحث يعالج في الفصل الثاني من مؤلفه التصورات الميتافيزيقية لدى ابن باجة؛ فعلى غرار فلاسفة اليونان، درج فلاسفة العرب والمسلمين على إفراد مساحة وافية من مؤلفاتهم لهذا الموضوع، وهنا نقرأ شروحاتٍ وافيةً لمفهوم ابن باجة ل «الميتافيزيقا»، وكذلك ل «الإنسان» وعلاقته الجدلية ب «الروح»، و«العقل الفعَّال»، و«العقل المستفاد». وأشكال الاتصال «النفسي»، و«المعرفيّ»، و«المنطقيّ» ما بين «العقل الإنسانيّ الفرديّ»، و«العقل الفعَّال». وتكرّس «الميتافيزيقا» هنا بوصفها الهدف الأنبل للإنسان، وهي أسُّ العلوم جميعًا وغايتها، وعنها يصدرُ أشرف العلوم؛ «العلم الإلهيّ» الذي غايته معرفة الله، والوصول إليه، واللقاء به أو ما يسميه «اللقاء الإلهيّ»، والسبيل إلى هذا المقصد الأسمى يمر عبر إدراكنا «كنهنا» الإنسانيّ وغايتنا، ومن هنا تبرز أهمية الفلسفة الأخلاقية لدى ابن باجة من خلال علاقة «الإنسان المتوحّد» بالآخرين في إطار التفاعل الحياتي والاجتماعي، ومن خلال الحاجات النابعة من طبيعتَيه «الهيولانية» و«الحيوانية». وهي السبيل إلى بلوغه مرتبة «السعادة» من جهة معادلة الأخيرة لمرتبة «الخلود»، أي «خلود النفس» الفردية، و«وحدة النفوس» الخالدة. وفي هذا المبحث يشير المؤلف إلى دور ابن باجة في إبراز مفهومَي «العامة» و«الخاصة»، من حيث تفرّد النخبة في بلوغ الخلاص من خلال العلم ومعرفة الغايات النهائية للوجود، وعدم التناقض ما بين الفلسفة الجامعة للعلوم والدين، فيكمّل الواحد منهما الآخر ويلتقي معه في غايته القصوى. ولعلّنا نستدرك على المؤلف ونذكّر بأنّ قضية العوام والخواص كانت مطروحةً بكثافة في القرن الخامس للهجرة، لدى الغزالي، ولعله أول من جعلها قضية مركزية، على النحو الذي وجد فيها مبررًا لوضع مؤلفه إلجام العوام عن علم الكلام، وكأنّه جعل البحث في الإلهيات شأنًا للخاصة من دون العامة، وإن كان ثمّة من إسهام حقيقي لابن باجة، فإنّما يتمثل في تطويره مفهوم «المُتوحِّد»؛ ذلك الحكيم الذي يُكرّس حياته للاتصال ب «العقل المحض»، ولكن لعلَّ المرء – أيضًا – يزعم أنَّ مفهوم «المتوحد» كذلك هو – على نحوٍ ما – محاكاة لتجربة أو فرضية الغزالي حول مفهوم الصوفيّ الذي يحاول في عزلته أن يتصل بالمدارج العلويّة، إلا أن ابن باجة ينقلُ هذه التجربة من المستوى الروحي – الصوفي إلى المستوى العقلي – الفلسفي، فلا شكّ في أنّ كتاب إحياء علوم الدينبمجلداته الأربعة أو

الخمسة الضخمة – بحسب الطبعة – إنما كان يكرس مفهوم العزلة الصوفية كطريق للاتصال الروحي الفردي، بالروح العليا الكلية أو الله، عبر التجربة الصوفية، وجعلها السبيل لحصول المعرفة الحقيقية. ونحن نزعم أنّ ما نجده لدى ابن باجة إنما هو محاكاة لهذه التجربة – كما ذكرنا – ولكنها تنقل مستوى الاتصال في تكريس العزلة من المستوى الروحي إلى المستوى العقلي أو الاتصال ب «العقل المحض». وهنا تثار قضية «وحدة النفوس»، وبالفعل – كما يشير المؤلف – هي قضية إشكالية جدًّا، وكان لها صدى واسع في الفلسفة المسيحية الوسيطة، ومن نتائجها تلك الصورة القبيحة والمشهورة التي تجعل أبا الوليد محمد بن رشد يزحف بين قدمي القديس توما الإكويني، ولكنها ليست المرة الأولى التي يتنكر فيها التلميذ لأستاذه، فتاريخ الغرب حافل بمثل هذا، منذ أن تنكّرت أوروبا لأصولها المرجعية في الثقافة العربية الإسلامية لتقفز فوقها، وتزعم أن مرجعيتها مباشرة بالثقافتين اليونانية والرومانية، وكأنّها حالة إعجازية خاصة تخرق سُنن تتابع المدنية البشرية. في الفصل الثالث من الكتاب، يُعالج المؤلف موضوع «الإنسان تحت نظام التدبير الجسدي»، وهو خضوع الإنسان عامة لقيود الجسد ومتطلباته، في حين يتفرّد الخواص من الحكماء المتوحدين، من خلال التمرد على هذه الصورة الجسدية، بطهرية متعالية على الشهوات؛ لبلوغ مراتب الفضيلة عبر النظر العقلي الخالص. وفي هذا السبيل يُجري ابن باجة في مطلع «تدبير المتوحد» تمييزًا بين أنواع الفعل الإنساني، بين تلك الإرادية منها، واللاإرادية، والتي يتفق في بعضها مع سلوك الجماد أو الحيوان، وبين تلك التي لها غاية عقلية، على نحو يشبه ذلك التمييز الذي نجده لاحقًا لدى ماكس فيبر لأنواع الفعل الإنساني والاجتماعي في بداية كتابه المقولات السوسيولوجية الأساسية. ويكون الحكيم في هذا الشأن خاضعًا لحاجات الجسد مثل بقية البشر، ولكنه يتميز باستعمال تمام الصحة الجسدية وسيلةً لبلوغ غاية أسمى وأشرف، مُستعينًا بعزلته وتفرّده عن بقية العوام، وتصبح العزلة مقولة فلسفية على النحو الذي يلمسه المرء في وجودية كيركيغارد المؤمنة، من حيث إنّ «الفيلسوف متوحّد لأنه يعي أنه الاستثنائي بامتياز» (ص. 64). ننتقل في الفصل الرابع إلى «الإنسان تحت نظام التدبير الروحي»، وهنا يتحدث ابن باجة عن ثلاث مراتب ل «الروح المتجسدة» أي المرتبطة بالأمور الحسية. وهذه المراتب، هي: «الحسّ المشترك»، و«الخيال»، و«الذاكرة». والإنسان الفاضل لا ينشد من سلوكياته المتعة الحسية، بل بلوغ الكمال النفسي؛ لذلك يقابل هذه المراتب الثلاث ل «النفس النزوعية» ثلاثة سلوكيات أخلاقية تقوده إلى التمام النفسي، هي «الصنم الحاصل في الحس المشترك، هو الأكثر مادية للصور الروحانية»، و«الرسم الموجود في القوة المتخيلة»، و«المعنى الموجود في الذاكرة». في المرتبة الأولى يتمثل الإنسان «الأرعن» الذي يجعل همه قائمًا في الملبس والمأكل والمسكن، فهو أقرب في حياته إلى البهائم. أما المرتبة الثانية، فتكون فيها السلوكيات التي تعمد إلى إثارة الآخر، أو التي يقصد منها الاستمتاع البريء بالأمور المبهجة نفسيًا، وصولً إلى الفضائل الفكرية، في حين تتمثل المرتبة الثالثة بالأحداث المميزة التي تترك انطباعًا في الذاكرة الجمعية، وتنتقل من جيل إلى آخر. وفي هذا السياق يُحصي ابن باجة على المتصوفة بعض ما وقعوا فيه من أخطاء على المستويَين «النفسي»،

و«الأنطولوجي»، كما أنه يُؤاخِذ الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال، بجعله اللذة مَقصدًا من التجربة الروحية، بدلً من أن تكون شيئًا ثانويًا يتحصّل «عرَضًا مع العلم». ويستدرك المؤلف على ابن باجة ليوضح أنّ اعتراضه على الغزالي لم يكن إلا سوء فهم لمقاصد الرجل، فهو لم يجعل من اللذة غايته التي إليها يسعى، بل إن التجربة الصوفية الروحية أبعد منالً من أن تحيطها التجربة العقلية أو الإمكانية التفسيرية. وهكذا نصل في الفصل الخامس إلى «الإنسان تحت نظام التدبير العقلي»، وهي الدرجة التي يتجاوز فيها الحكيم أو المتوحّد المعوقات الحسية والنفسية، ويصبح مُهيَّأً لخوض التجربة العقلية، وهنا يتناول أربع مسائل تهم من يعيش في كنف هذا النظام العقلي؛ الأولى تتعلق ب «حالته النفسية»، حيث تنصبُّ اهتماماته على الأمور العقلية مبتعدًا عن الأهواء والأمزجة النفسية، ومتحررًا من مشاعر البؤس والشقاء، ويصل إلى ما يمكن تسميته مرحلة «السلام الداخلي» بحسب المصطلح البوذيّ. أما المسألة الثانية، فهي تفرُّد المتوحّد الحكيم بنزوعه إلى «الرأي الصواب»، لما يتمتع به من خصال عقلية ونفسية تؤهله لهذا من دون غيره، كما أنه بذلك ينزع إلى التوحّد أو العيش لذاته من غير أنانية، فهو بهذا مثل «النوابت» بتفرّدها عن غيرها من الزرع. وأما المسألة الثالثة، فهي مقاربة فعل المتوحّد من «الفعل الإلهي»، عبر الاتصال ب «العقل الفعّال»، وحيازته «العقل المستفاد» بواسطة العلم النظري. وأما المسألة الرابعة، فهي متعلقة بحياة المتوحّد، في ظل «الخير المحض المطلق»، وذلك بتجاوزه «الحسية الفانية»، ليتحرر من الموت المعنوي، ببلوغه السعادة القصوى، عبر «خلود النفس»، واتصاله ب «العقل الكلي المحض»، ومن خلال «وحدة النفوس» الأبدية. فهو بذلك قد فقه الطبيعة، والكون، وتحرر من ربقة المادة، ليحيا في نعيم دائم من السعادة التي لا يُعطِّلها شيء. وبهذا نصل إلى الفصل السادس، وفيه يناقش الباحث «الفلسفة السياسية» لدى ابن باجة، حيث نجده لا يُظهر اهتمامًا كبيرًا بمدن الفارابي الأربع، ويمر عليها على نحو عابر، ويتحدث عن «المدينة الفاضلة الإمامية»، مدركًا بخبرته السياسية العملية والطويلة أن اجتماع كلّ تلك الصفات الفاضلة التي يريدها الفارابي في رجل واحد أمرٌ شبه مستحيل؛ لذلك هي لديه أشبه بالقيادة الجماعية، ويمثل «النوابت» أساس كل فلسفة، ولا ينتظر منهم أن يضطلعوا بمهمة إصلاحية في مجتمعهم، ولا أن تشاد المدينة الفاضلة على النحو الذي أراده الفارابي؛ فيمكن القول إن الفلسفة السياسية لدى ابن باجة ليست عمومية التوجه، بمشروع إصلاحي مجتمعي أو هَمّ دعوي أخلاقي عمومي، بل هي سياسة نوعية تتوجه إلى الفرد أو النخب الثقافية بوصفها حالة متميزة، وخاصة بين المجموع، ف «النوابت» هم بهذا المعنى أشبه بمفهوم «الإليتة» Elite أو «النخبة الفكرية العليا» في المجتمع التي تشكل إلى حدٍ بعيد طبقة خاصة، وضمن هذه الطبقة ذاتها يُشكّل كلّ فرد حالة شبه منعزلة أو منغلقة على ذاتها، ويكون همّه الأوحد أن تأخذ الفلسفة وعلومها دور الصدارة في محيطه. ويعلق زيناتي بأنّ هذا النزوع إلى الاهتمام الفلسفي بالفرد لدى ابن باجة، سيكون لاحقًا ملموسًا على نحوٍ معاكس في سوسيولوجية عبد الرحمن بن خلدون من حيث اهتمامه بدراسة القوى الجمعية كالعصبيات العرقية أو الدينية، وأثرها في إحداث التحولات الاجتماعية الكبرى في المجتمعات.

ويقارن الباحث تصوّر ابن باجة ل «المتوحّد» ببعض الطروحات في السياق الفلسفي والأدبي الغربي؛ كمفهوم «السُوبرمان» لدى نيتشه، أو الفارس الأسطوري المنقذ لدى سرفانتس، أو التشابه مع عنوان كتاب روسو أحلام يقظة لمتجول متوحّد، وغيره، ويبين خطأ الاستعجال في تلك المقارنات المتسرعة؛ إذ إنّ مفهوم ابن باجة له تفرّده وخصوصيته مقارنةً بتلك الطروحات جميعًا. نصل إلى الفصل السابع (الأخير)، حيث يُناقش الباحث الأثر الذي تركته فلسفة ابن باجة في مَن جاء بعده، سواء من فلاسفة العرب، مثل ابن طفيل، وابن رشد، وموسى بن ميمون أو فلاسفة الغرب، مثل إكهارت، وسبينوزا وغيرهما. ويرى المؤلف، أن ابن طفيل، وإن أراد من حيث المبدأ استكمال المشروع الفلسفي لابن باجة فإنه أساء إليه من حيث لا يعلم، عبر مزاعمه المتمثلة بعدم اكتمال فلسفة ابن باجة بسبب موته المبكر، ولمحاولته لَجْم المنزع العقلي لمقولاته الفلسفية. في حين كان ابن رشد أمينًا على أفكار ابن باجة، ودفع بها إلى الحدود القصوى. أما ابن ميمون، فيرى المؤلف أنه وضع كتابه دلالة الحائرين بوحي من تأثير أفكار ابن باجة. والأمر نفسه ينطبق على إكهارت وعظاته المكتوبة باللاتينية والألمانية، والتي تنزع إلى «التصوف العقلاني»، وكذلك فلسفة سبينوزا الأخلاقية، وغير ذلك. يختم المؤلف كتابه بمجموعة من الملاحظات العامة حول فلسفة ابن باجة، من مثل تفرّده من بين فلاسفة العرب الذين سبقوه في تمرّده على سطوة مقولات أرسطو، ومخالفتها في تصوّره «نظرية المعرفة»، ومفهوم «الإنسان الاجتماعي»، وبهذا كان له الفضلُ في تحرير الفكر العربي، ودفعه لتشكيل طروحاته الفلسفية الخاصة، ويضاف إلى ذلك أنّ الفلاسفة في الثقافة العربية لم تكن تشغلهم قضية التوفيق بين الفلسفة والدين بقدر ما كان يعنيهم الانصراف إلى أبحاثهم بحرّية، بلا قيود من الرقيب، وتجنب بطش الحاكم، والحصول على حمايته. ويرى المؤلف أنّ من أهم إنجازات فلسفة ابن باجة تمهيده لمشروع ابن رشد الفلسفي والعلمي الذي يبدو، في تاريخ السياق العلمي الوضعي العربي، أشبه بلحظة ضائعة أو محاولة عقيمة لم يكتب لها التناسل، فمثّل ذلك انتكاسة حضارية هائلة رجحَت فيها كفة الميزان لصالح الثقافة الغربية التي أحسنت استثمار الإنجاز الحاصل في الفكر الفلسفي في دَفع تقدّم الأبحاث في العلوم الوضعية، فكان لها ما وصلت إليه اليوم من مدنية وتحضّر وهيمنة. قدّم لنا زيناتي في كتابه هذا، جهدًا مكثفًا، ومساهمة مهمّة في سياقها الفكري، ومحاولة إعادة بناء نقدية وتقييمية شاملة لفلسفة ابن باجة، وهي جديرة بكل اهتمام وتفاعل نقديّ، تستدعي قراءته من جديد.