العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفهم والتفسير: مسائل المنهج وأصولها التأويلية في فلسفة ديلتاي

الفهم والتفسير: مسائل المنهج وأصولها التأويلية في فلسفة ديلتاي

Understanding and Explanation: Methodological Questions and their Hermeneutical Foundations in the Philosophy of Dilthey

فتحي إنقزّو *

Fathi Nguezzou *

الملخّص

* أستاذ الفلسفة في جامعة سوسة (تونس)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية.

** نص الورقة المقدَّمة إلى أعمال مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية، الدوحة – قطر، 25–23 آذار/ مارس 2019، الدورة السابعة: «إشكالية مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية».

Abstract

This paper proposes a reexamination of a central question related to the method of the human sciences in their foundational contexts as inaugurated by Wilhelm Dilthey (1833-1911) by means of an analysis of the Understanding/Explanation (Verstehen/Erklärung) duality. Two patterns are in the background of this duality: the psychological which refers to the internal structure of mental experience as an autonomous aggregation containing the main elements of consciousness; and the hermeneutical which is based on a reading of the signs, traces, and features manifested through the relation to the other and configured in institutions, texts, and writings that are saturated with signification and meaning and express the individual and collective experiences and forms of life in a historical context. Our hypothesis is that the well-known distinction between understanding and explanation is not definitive or categorical, between the world of nature and the world of man, society, and history, but an operational and methodological artifact unifying the objective field of the human sciences.

الكلمات المفتاحية:
  • الفهم
  • التفسير
  • علوم الروح
  • التأويلية
  • التاريخ
Keywords:
  • Understanding
  • Explanation
  • Soul science
  • Hermeneutics
  • History

«إن الروح لا يفهم إلا ما قد خلق» ديلتاي (1910) ملخص: غرض هذه الدراسة مراجعة مسألة جوهرية متعلقة بمنهج علوم الإنسان، في سياقاتها التأسيسية الأولى، في فلسفة فلهلم ديلتاي (1911–1833)، من خال النظر في ثنائية الفهم والتفسير، وتحليلها من جهة ترددها بين سجلين: السجل السيكولوجي الذي يتصل بالبنية الباطنية للتجربة النفسية، بوصفها مجموعًا مستقلً بنفسه، متضمنًا التجارب والعناصر الأساسية للوعي، وما يُقام عليها من بنيات عليا للوجود الاجتماعي والتاريخي، والسجل التأويلي الذي يقوم على قراءة العامات والآثار والمعالم التي تتجلى من خال العاقة بغيرها، وتُشكّل في هيئات ونصوص ومدونات مشبعة بالدلالة والمعنى، ومعبرة عن تجارب الحياة وأشكالها الفردية والجماعية، وانخراطها في سياق تاريخي متصل. أما الفرضية التي نعتمدها، فمفادها أن التمييز الشائع بين الفهم والتفسير ليس فصا قاطعًا ونهائيًا بين عالمين: عالم الطبيعة، وعالم الإنسان والمجتمع والتاريخ، وبين منهجين: منهج علوم الروح، أو الإنسان، ومنهج علوم الطبيعة، وإنما هو تمييز منهجي إجرائي، يتيح توحيد المجال الموضوعي لعلوم الروح.

مقدمة

إنّ اقتران الهرمينوطيقا، أو التأويلية، باسم فلهلم ديلتاي Dilthey Wilhelm (1911–1833)، بفلسفته وأعماله، وما تعلق بها من مسائل الفهم والتفسير، من العامات التي أنذرت بتحوّل عظيم الأثر في الفلسفة المعاصرة، وفي تاريخ التأويلية، وفي منظومة المعارف الإنسانية عامةً، فهو – من وجه – الوارث الوحيد تقريبًا لشايرماخر، ولا سيما لنصوصه ورسائله ودروسه في المجال التأويلي، بعد أن تكاثر ورثته في المجال الاهوتي، وبلغت شهرتهم الآفاق. وهو – من وجه ثانٍ – والد المعاصرين جميعًا، وفاتح الآفاق لجمهرة عظيمة من الفاسفة والمفكرين الذين استفادوا من الكسب الكبير الذي حصّلوه منه، كإدخال التأويلية إلى الفلسفة، والمراهنة على موضوعية مفهوماتها وأغراضها ومحصاتها، والتفكير بمقتضى منوال صار من العسير الارتداد إلى ما قبله. وليس أدل على هذا الأمر من تاريخ إلقاء محاضرة بالغة الأهمية في تاريخ التأويلية، هي محاضرة «نشأة التأويلية» التي تعدّ منعطفًا فكريًا وتاريخيًا حقيقيًا، ألقاها عام 19001، فكانت كأنها نقلة بين قرنين. إنها إعان نهاية عصر وبداية عصر، نهاية عصر الميتافيزيقا الكاسيكية، بمتونها وأعامها وأنساقها التي استوفت نفسها وممكناتها في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية عصر جديد، قد تكون التأويلية من عناوينه الكبرى، فضلً عن عناوين أخرى نشأت من رحمها، لعل أهمها وأعظمها خطرًا استقال علوم الإنسان بنفسها، واختصاصها بمناهجها وبموضوعاتها وأغراضها. ونحن نقصد في هذه الدراسة أن ننظر في النشأة «التأويلية» لهذه العلوم، وفي بناء مناهجها على قاعدة تجربة مخصوصة، هي تجربة الفهم، كما وضع أركانها ديلتاي في أعماله. ونفترض أن هذه التجربة هي التي توحّد المجال النظري لهذه المنظومة العلمية، وتقيمها على هيئة عالم فكري قائم بذاته.

  1. D. Thouard, «Dilthey et la naissance de l’herméneutique en 1900,» in: F. Worms (ed.), Le Moment 1900 en philosophie (Villeneuve d’Ascq: Presses universitaires Septentrion, 2004), pp. 169–184.

مصادر الفهم في السياق التأويلي

تعكس فلسفة ديلتاي، وراء هذا الجهد الجبار، الساعي إلى إعادة بناء صيرورة الثقافة الغربية في تاريخيتها، وتأسيس منهج لعلوم الروح، أو الإنسان والتاريخ، وتجديد المفاهيم الأساسية للفلسفة المثالية الألمانية والتراث الرومنطيقي الآفلين، ضربًا من الحيرة الدائمة، والتردد بين مقتضيات التنسيق المفهومي والعلمي، وضغوط الحياة والزمان، وما فيهما من تناهي الفهم وحدود الإدراك؛ لذلك بقي عُرضةً للوم من معاصريه من قِبل ما اكتنف أعماله من النقصان والتشتت؛ إذ تتألف غالبًا من دروس ومذكرات وملحوظات ومقالات ومحاضرات، ولا نجد فيها من المصنفات الموضوعة إلا القليل، أولها حياة شلايرماخر (1870)، وهو الجزء الأول من عمل لم يكتمل في حياته، ثم كتابه الرئيس مقدمة في علوم الروح (1883) الذي عرف المصير نفسه، ولم ينشر مؤلفه ما وعد به من مجلدات مكملة له، ثم نشر بعد ذلك كتاب التجربة والشعر (1905)، وهو مجموع مقالات في التراث الأدبي الألماني، وختم بكتاب يُعدّ خاصة فكره، هو إقامة العالم التاريخي في علوم الروح (1910)، لعله لم يخرج على طريقته المثلى في الوعد بصياغات نسقية أخرى، واستئنافات للمسائل والمشكات من بداياتها، ومراجعات كبرى سماها أحيانًا «فلسفة الفلسفة»2، وأحيانًا أخرى «فينومينولوجيا النسقية الفلسفية »3، في جمع مذهل بين تعبيرات الحياة، بأشكالها، ورؤى العالم بأنواعها، بوصفها صيغًا كبرى لوعي الحياة بذاتها، وتشكاتها في الزمان التاريخي. أما الأغراض التأويلية، فلم تكن لتنجو من هذا اللوم على الإفراط في التقصير النسقي من جانب فيلسوفٍ هو مؤرخٌ في الوقت نفسه، وعارفٌ مرموقٌ بتاريخ الأفكار والمذاهب والآداب، لعله لم يكن يرى ضرورة لتصنيف رسالة وافية في هذه المسألة، وإنما تركها متخللةً لأعماله وتحلياته التي انضوت تحت العنوان الأكبر: نقد العقل التاريخي4، على سبيل التكملة لمشروع إيمانويل كانط الشهير. ولئن كان له الفضل في تخليص الاعتبارات التأويلية التي تلقاها من تراث سلفه الكبير، شايرماخر، من أسر التطبيقات والمجالات الجزئية الخاصة، مثل الفيلولوجيا والثيولوجيا، فإنه لم يجعل لها مصنّفًا بعينه، عدا نصّ المحاضرة التي أشرنا إليها، وما سبقها من تأليف في تاريخ التراث الهرمينوطيقيّ الحديث، ومنابعه البروتستانتية والفلسفية5، وما تبعها أيضًا من توسيع مجال النظر التأويلي إلى المقتضيات

  1. W. Dilthey, Abhandlungen zur Philosophie der Philosophie , B. Groethuysen (ed.), vol. 8 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1991 [1960]).
  2. Ibid., p. 37.
  3. في دلالة هذا العنوان، بحسب تقديرات ديلتاي نفسه لمشروعه، يُنظر: W. Dilthey, Die geistige Welt: Einleitung in die philosophie des Lebens , G. Misch (ed.), vol. 5 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1990 [1957]), p. 9.
  4. W. Dilthey, «Das hermeneutische System Schleiermachers in Auseinandersetzung mit der älteren protestantischen Hermeneutik,» in: Leben Schleiermachers , M. Redeker (ed.), vol. 14, no. 1–2 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1966), pp. 597–689; W. Dilthey, «Das natürliche System des Geisteswissenschaften im 17. Jahrhundert,» in: Weltanschauung und Analyse des Menschen seit Renaissance und Reformation , G. Misch (ed.), vol. 2 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1991), pp. 90–245.

التأسيسية لعلوم الروح Geisteswissenschaften، وإلى التاريخ، وما يلزمها من وعي بوضعها ومهماتها وحدودها. صارت التأويلية أداةً ومنهجًا لهذه العلوم، وسبيلً إلى الإقبال على العالم التاريخي وعالم الحياة الفردية والجماعية، وما ينتظمه من هيئات وجود ومعنى، يتصل بعضها ببعض في مساق جامع مفعم بالدلالة والمعنى. قدّم ديلتاي هذه المحاضرة عام 1900 بمناسبة تكريم زميل له، هو كريستوف سيغفارت Christoph Sigwart (1904–1830)، في الذكرى السبعين لمياده، وهي نصٌّ موجزٌ ومكثّفٌ في تاريخ التأويلية، لعله أول نصّ يرفع هذا التاريخ إلى مقام وعيه بنفسه، ويضع قواعد كتابته، بحيث صار أنموذجًا لمن بعده، وهو أول من وضع شايرماخر في سياقه التأسيسي، وربطه بمصادره في التقليد الفلسفي والاهوتي الألماني الحديث، ونزّل الغرض التأويلي في نظامه الفلسفي منزلته المائمة. كتب في نهاية تصدير هذه المحاضرة محدّدًا غرضه: «إني أود أن أبيّن في هذا المقام المسار المتواتر في التاريخ للهرمينوطيقا. كيف نشأت من الحاجة إلى فهم عميق وصالح بالكلية الموهبةُ الفيلولوجية، ومنها استُخلصت القواعد، ورُتبت لغاية محددة بحالة العلم في زمن بعينه، حتى تناهى تحليل الفهم إلى إيجاد منطلق متين لهذه القواعد»6. فالأمر يتعلق بمطلبين متكاملين: كتابة تاريخ التأويلية، بوصفه «مسارًا متواترًا في التاريخ»، وتحديد مبدأ هذا التاريخ في مهمة بعينها اكتسبت بعدًا كليًّا، هي تحليل الفهم ورفعه إلى مرتبة الصاحية الكلية، ودوره في تكوين «الموهبة الفيلولوجية» التي استُخلصت منها قواعده، أي أسس العمل التأويلي بوصفها أسسًا موضوعيّةً، تتجاوز النطاق الصناعي الجزئي لقراءة المتون الكبرى للتراث الأدبي والروحي7. ولئن كان ديلتاي لا يرى مرتكزًا واحدًا للفكر يصلح بدءًا مطلقًا له، على خاف ما يذهب إلى ذلك بعض الفاسفة من المحدثين (ديكارت)، ومن المعاصرين (هوسرل) خاصّةً، فإن محاولته محتاجةٌ إلى إحداثية معينة، بناءً عليها يمكن للبحث في تاريخ التأويلية أن يجد له منطلقًا متينًا، وأن يكتسب وجاهة فلسفية، ذلك هو معنى إشارته الأولى، في هذه المحاضرة، إلى ما سماه «تصوير التشخص» Individuation الذي انشغل به في بعض مباحثه السابقة في علم النفس الفردي8: «لقد نظرنا في مقالة سابقة في تصوير التشخص في العالم البشري، مثلما يعرضه الفن، ولا سيما الأدب. وأما في هذا المقام، فإنّنا سنتولّى بسط مسألة المعرفة العلمية بالأفراد، إلى حدّ الأشكال الكبرى للوجود

  1. W. Dilthey, «Die Entstehung der Hermeneutik,» in: Dilthey, Die geistige welt , vol. 5, p. 320. فلهلم ديلتاي، «نشأة الهرمينوطيقا»، ترجمة فتحي إنقزّو، تأويليات، العدد 2 (خريف 2018)، ص.154–153
  2. في نقد هذا التصور «الغائي» لتاريخ التأويلية، ومبالغة ديلتاي في العناية بمسألة الفهم على حساب المزاولة العملية والتطبيق، يُنظر: P. Szondi, Introduction to Literary Hermeneutics , M. Woodmansee (ed.) (Oxford: Oxford University Press, 1995), pp. 1–13.
  3. ينظر مقالة في «علم النفس المقارن:» W. Dilthey, «Über vergleichende Psychologie: Beiträge zum Studium der Individualität (1895–1896),» in: Dilthey, Die geistige Welt , vol. 5, pp. 273–303.

البشري الفردي بعامة»، ليتساءل بعد ذلك: «هل مثلُ هذه المعرفة أمرٌ ممكنٌ؟ وما الوسائل الكفيلة ببلوغها؟»9. لا يوحي هذان السؤالان، في ظاهرهما، بأن الأمر يتعلق بالتأويل أصلً، وإنما برفع ضرب من التحدي، هو محاولةٌ للتفكير في «الأشكال الكبرى للوجود البشري الفردي بعامّةٍ»، أو في نمط الوجود الذي للفرديّ، بوصفه مناط الأعمال الفنية والأدبية بوجه خاص، وبوصفه التحدي الأكبر الذي ورثته الفلسفة من العصر الرومنطيقي، من يوهان غوته Johann Goethe، ومن الأخوين فريدريش وأوغست فلهلم شليغل Schlegel. W. A. & F، وكذلك من أحد الفاسفة الكبار لهذا العصر وقدوته الكبرى، فريدريش شايرماخر Schleiermacher. F. ولما كان علم النفس في قسم كبير منه، ولا سيما علم النفس المقارن، قد اضطلع بدراسة الفردانية Individualität دراسةً علميةً، وأفضى إلى تقرير اختصاص الفن التأويلي باستكمال هذا الغرض، لم يجد ديلتاي بُدًّا من عطف تأماته، في فاتحة محاضرة 1900، على ما سبق له، واكتسبه من نتائج تحلياته في هذا العلم: أن بنية الحياة النفسية الفردية هي نواة مجموع الحياة ومساقها العام، وأنها لذلك ذات هيئة موضوعية قابلة للفهم. فلذلك ندرك أهمية الابتداء بمسألة الفهم، الموروثة عن التراث الرومنطيقي، لا من حيث اقتصارها على شرح النصوص وتفسيرها، أو فهم الأقاويل والخطابات الشفوية أو المكتوبة، كما وضع ذلك شايرماخر في تحديد اختصاص الصناعة التأويلية بفن الفهم وقواعده10، وإنما من خال الشرائط الكلية التي تجعله مطابقًا للوجود البشري، بوجه عام، ومحددًا للعلم به في قطاعاته وميادينه الكبرى. إن الفهم عند ديلتاي يتجاوز هذه الحدود التقنية، ويترقى إلى مستوى التجربة الكلية التي تقتضي دلالةً موضوعيةً، فهو ما نختبره أثناء العاقة بغيرنا، وكذلك لدى المزاولة الصناعية لفنون بعينها: «ففعلُنا يفترض دومًا فهمًا لأشخاص آخرين، وإنّ قسمًا لا يستهان به من سعادة الإنسان إنما يتأتّى من استشعار أحوال نفسيّة غريبة؛ وأمّا العلمان الفيلولوجي والتاريخي فيقومان على الافتراض الذي مفاده أنّ استدراك المفرد بالفهم Nachverständnis بإمكانه أن يكتسب الموضوعية [التي تنبغي له]. كما أنّ الوعي التاريخي يمكّن الإنسان الحديث أن يستحضر في نفسه ماضي الإنسانية بكليته: إذ يجعله يجتاز حدود زمانه الخاص وينفذ ببصره إلى الثقافات السالفة؛ وهو يغنم منها القوة لنفسه ويبتهج لسحرها: الأمر الذي يزيد من سعادته زيادةً كبرى»11. يتبين الفهم، إذًا، بمعانٍ صارت أبعد من أن تكون التقييد الصناعي بفهم القول الغريب، فحسب، فهو أولً «استشعارٌ» نفسي لغيرنا من الأشخاص ممن نعاشرهم في حياتنا، وهذه هي الدرجة الدنيا من حدوث الفهم. وهو ثانيًا «استدراكٌ» يقتضي الإمساك بناصية المفرد، وتحصيل الموضوعية التي تنبغي له، حتى لا يبقى على حال من الغموض الذي لا يبلغه القول، كما اعتقد ذلك الرومنطيقيون،

  1. Ibid., p. 317.
  2. F.D.E. Schleiermacher, Hermeneutics and Critics , A. Bowie (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), pp. 5–27.
  3. ديلتاي، ص.151

بناءً على قاعدة أن «المفرد لا يُقال» Individuum est ineffabile المأثورة عن الوسيطيين. وهو ثالثًا «استحضارٌ» يمكن به للوعي البشري كي يحيط بأبعاد الزمان، ولا سيما بالماضي الذي هو ماضي البشرية بأسرها، وذلك يزيد من بهجته، ويوسع أفقه. تلك هي الأبعاد الأولية لتجربة الفهم التي وسّع ديلتاي من مداها لتشمل آفاق النظر، ومكونات الوجود الإنساني كلها: النفسية، والزمانية، والتاريخية؛ لذلك يقرر ديلتاي أن المعرفة بالمفرد يجب أن تكون من اختصاص علوم الإنسان التي تجد لها قاعدة متينة في «سيرورات الفهم والتأويل»، بحسب قوله: «كذلك اليقين الذي لهذه العلوم، مثل ذاك الذي للتاريخ، مشروطٌ بأمر مفاده أن فهم المفرد بالإمكان رفعه إلى رتبة الصاحيّة الكليّة. ونحن إنما ناقي على مشارف علوم الروح مشكلً يخصّها ويفرّق بينها وبين معرفة الطبيعة»12. ذلك ما تقتضيه طبيعة هذه العلوم التي شأنها الفهم Verständnis – Verstehen لا التفسير Erklärung: • من حيث اختصاصها بموضوع له الفضل على الموضوع الطبيعي؛ إذ لا يكون على نحو الظاهرة المعطاة للحواسّ، ولا انعكاسًا لوجودٍ فعليٍّ في الوعي، «وإنما هو الوجودُ الفعليُّ عينُه، المباشر والحميم، الذي يكون في مساق معيش باطنيٍّ. ومع ذلك فإنّ النحو الذي يُعطى به هذا الوجود الفعليّ في التجربة الباطنية، يفضي إلى مصاعب شديدة بخصوص تصوّره الموضوعيّ»13. • من حيث تمييزها لهذا الموضوع بضرب خاص من التجربة الباطنية، أو من الإنّية الخاصة، «فإنّه لدى مقارنة إنّيتي Selbst بالآخرين، تحصل لي تجربةٌ بما هو فرديٌّ في نفسي؛ حينها فقط أعي ما هو في كياني الأخصّ مباينٌ للغير، ولم يكن غوته لينطق بغير الحقّ حينما قال إنّ هذه التجربة الهامّة من بين تجاربنا جميعًا شديدة العُسر وإنّ ما يخطر ببالنا عن مقدار قوّتنا وطبيعتها وحدودها يبقى منقوصًا على الدوام»14. • هذه الإنية لا يتحدد كيانها إلا بالقياس على غير أو غريب، وهو كيان «لا يُعطى إلينا ابتداءً إلّ من خارج، من وقائع الحسّ، والإشارات، والأصوات، والأفعال. ففي سيرورة إعادة البناء Nachbildung فقط، تلك التي تتعلق ببعض العامات التي تقع تحت طائلة حواسنا، يتمّ الإقبال على الباطن. كلّ شيءٍ: من المادة، والبنية، وأكثر السمات فرديةً، يتعيّنُ نقلُه من عنفوان حياتنا Lebendigkeit بالذات»15. يتساءل ديلتاي في نهاية هذا المقطع الذي ضبط فيه مقومات التجربة الباطنية، والسبيل إلى فهمها: «ولكن كيف لوعي متشكّلٍ متشخّص أن يرفع فردانيةً مختلفةً كلّ الاختاف إلى رتبة المعرفة الموضوعيّة؟ ما هي هذه السيرورة التي تبدو غريبةً تمامًا عن سائر مسالك المعرفة؟»16، ولعله بذلك

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.

يردد ما ابتدأ به من التحدي عينه: أن العلم، في مقام الفهم والتأويل، ليس علمًا بالعامّ أو بالكليّ، كما درج على ذلك الفاسفة منذ أفاطون وأرسطو («لا علم إلا بالعام»)، وإنما هو علمٌ بالفردي والجزئي والخصوصي، في مبتدأ الأمر على الأقل. ما الفهم إذًا؟ أهو نشاطٌ ذاتيٌّ عفويٌّ، أم معرفةٌ موضوعيّةٌ يمكن التحقق من صحّتها؟17. إن الصيغ المكثفة والمختصرة التي تقدمها محاضرة 1900 توفر لنا عناصر جواب، لعله يرجع إلى المعطيات الآتية: • إن الفهم عمليةٌ توسطيةٌ بين الباطن والخارج في مختلف مراتبه، «ونحن إنما نسمّي هذه السيرورة التي ندرك من خالها باطنًا، انطاقًا من عامات معطاة إلينا من الخارج بطريق الحسّ: فهمًا Verstehen [...] إن فهم الطبيعة – وتأويلها naturæ Interpretatio – هو تعبيرٌ مجازيٌّ. ولكنّا نسمي أيضًا، وإن بنحو غير دقيق، فهمًا تصوّر Auffassen حالاتنا الخاصة»، كأن أعجز عن فهم ما فعلت، أو عن فهم نفسي، أو كذلك عن فهم ما يعتريها من غربة آتية من خارجها؛ ف «لذلك نسمّي فهمًا السيرورةَ التي ندركُ بها أمرًا نفسيًّا بواسطة عامات محسوسة هي تعبير Äusserung عنها»18. • إن الفهم أمرٌ شموليٌّ جامعٌ لتعبيرات الحياة كلها، وهو إعانٌ صريحٌ عن المطلب الرئيس والمحرك الجوهري للتأويليات المعاصرة19، «هذا الفهمُ يبتدئ من إدراك تلعثمات الأطفال حتى هاملتأو نقد العقل المحض. فمن الحجارة والرخام، والنبرات الموسيقية، والإشارات، والكلمات والكتابة، من الأفعال، والترتيبات الاقتصادية والدساتير، ينطق الروح البشري بعينه، مخاطبًا إيّانا، طالبًا التأويل»20. • إنّ الفهم عملٌ موضوعيٌّ، يتطابق مع عمل الشرح أو التأويل، من حيث قيامه على آثار وشواهد ثابتة، «ولكنّ الانتباه الأشدّ نفسه لا يمكن له أن يصير تمشّيًا صناعيًّا، يؤمّن مقدارًا مضبوطًا من الموضوعيّة إلّ حينما يكون التعبير عن الحياة Lebensäusserung مثبتًا، ويكون بإمكاننا أن نرجع إليه متى شئنا.

  1. في المعاني المعجمية والفلسفية للفهم، ينظر الدراسات المرجعية الآتية: K.O. Apel, «Das Verstehen (Eine Problemgeschichte als Begriffsgeschichte),» Archiv für Begriffsgeschichte , vol. 1 (1955), pp. 142–199; H.R. Jauss, Wege des Verstehens (München: Wilhelm Fink Verlag, 1994), pp. 11–29; O.R. Scholz, «Compréhension, interprétation et herméneutique,» in: C. Berner & D. Thouard (eds.), Sens et interprétation: Pour une introduction à l’herméneutique (Lille: Presses Universitaires du Septentrion, 2008), pp. 67–80. أما بخصوص تاريخ النظريات التأويلية في الفهم، فيُنظر المصنّف الكاسيكي: J. Wach, Das Verstehen: Grundzüge einer Geschichte der hermeneutischen Theorie im 19. Jahrhundert (Tübingen: Mohr, 1933 [1926]).
  2. ديلتاي، ص.152–151
  3. هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، مراجعة جورج كتورة (طرابلس: دار أويا، 2007)، ص 367 وما يليها.
  4. ديلتاي، ص.152.» Interpretation

مثلُ هذا الفهم الصناعي لتعبيرات الحياة المثبتة بنحو دائم نسمّيه شرحًا أو تأويلًoder Auslegung

• إنّ الفهم يقتضي دوام الوجود، وهو ما تتيحه اللغة والكتابة والتدوين، بوجه عام، «إنّ الدلالة البالغة للأدب: من أجل فهم الحياة الروحية والتاريخ، إنما تكمن حقًّا في كون باطن الإنسان لا يجد تعبيره التام، الوافي والمعقول موضوعيًّا إلّ في اللغة. بهذه الصورة، فإن فنّ الفهم يدور على شرح أو تأويل ما حفظته الكتابة من معالم الوجود البشري »21. • إنّ الفهم فنٌّ له أصولٌ تاريخيةٌ، ومنوالٌ أقيم عليه، هو المنوال الفيلولوجي الذي يجسد القيمة النموذجية للمكتوب؛ ذلك أن الفيلولوجيا «في جوهرها هي الفنّ الشخصي والمهارة المطلوبين في مثل هذا العمل على المعالم المكتوبة، وأنه بواسطة هذا الفنّ فقط وبنتائجه يمكن لأي تأويل آخر لمعالم أو لأعمال منقولة تاريخيًّا أن ينمو ويزداد»22. بهذه المقوّمات والعناصر، يتبين أن محاولة ديلتاي لصياغة تاريخ للتأويلية ليست منفصلةً عن تصوره الفلسفي لفن الفهم وطبيعته الذي رفعه إلى أفق كلي يشمل فاعليات الحياة كلها، من أبسطها إلى أشدها تعقيدًا، من دون أن يبقى محدودًا بهذا النشاط العفوي، وإنما هو عملٌ صناعيٌّ مضبوط القواعد، مقيدٌ بالثبات النسبي الذي توفره اللغة والكتابة للشواهد البشرية. أما المنوال الأصلي الذي قُرر به تاريخيًّا نشوء هذا الفن، فهو با شك، في تقدير ديلتاي، العلم الفيلولوجي الذي يُعدّ من اختراعات الروح الألماني الكبرى في العصر الحديث، «غير أنّ فنّ التأويل هذا قد تطوّر شيئًا فشيئًا، بتواتر وبطء شأن نظيره الذي يعتني بمساءلة الطبيعة مثلً بطريق التجربة. ولقد نشأ واستمر من الموهبة الشخصية العبقرية للفيلولوجي. وانتقل خصوصًا وبحسب طبيعته بواسطة الاتصال الشخصيّ بكبار الموهوبين في مجال الشرح أو بآثارهم. على أنّ كلّ صناعة إنما تستهدي بقواعد؛ وهي التي تُعلّم [المرء] كيف يجتاز المصاعب، وتحفظ حصيلة الفنّ الشخصيّ. كذلك فإنّ فنّ الشرح قد أمكن له أن يصوغ بسطًا لقواعده. إنّ نزاع هذه القواعد، والصراع بين مختلف الاتجاهات بخصوص شرح الأعمال الحيوية الهامّة وما لزم عن ذلك من حاجة لتأسيس هذه القواعد، كلّ ذلك نشأ منه العلم التأويلي. إنّه فنّ شرح المعالم المكتوبة »23. وفي حقيقة الأمر، فإن مجمل هذه الاعتبارات التي تضمنها القسم الأول من المحاضرة، تنخرط في سياق صياغة مبادئ التأويلية صياغةً فلسفيّة ترفع بها القواعد الجزئية لفن الفهم، بدرجاته المختلفة، إلى مستوى الدلالة الكلية التي هي الغاية القصوى التي تحرك تاريخها، ولا سيما في العصر الحديث؛ لذلك اكتفى ديلتاي بهذا القدر الوجيز من البسط النسقي المكثف الذي ربط، بمقتضاه، المشكل

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص.153
  4. المرجع نفسه.

التأويلي بمنابعه في التجربة النفسية الباطنية، وبتجلياته في العالم البشري والتاريخي، وجعله في رتبة وسطى بين أبعاد التجربة الإنسانية كتجربة تواصلية أساسية. ذلك ما يتبين في نهاية هذا المقطع الافتتاحي، حين لخص ديلتاي مجمل أفكاره بقوله: «إنّ الاستناد إلى تحليل للفهم، لتحصيل إمكان تأويل ذي صاحية كلّية، جعل هذا العلم يتأدّى في نهاية المطاف إلى فضّ المشكل الأعمّالذي ابتدأ به تحقيقنا؛ فتحليلُ التجربة الباطنية يضاف إليه تحليل الفهم، وكاهما يوفّران مجتمعيْن لعلوم الروح الدليل على إمكانوعلى حدود معرفة ذات صاحية كلية ما دامت محددةً بالنحو الذي تردُ به الوقائع النفسيّة إلينا بطريقةٍ أصليّة»ٍ24. وأما ما بسطه بعد ذلك من ضرورة العناية بما سماه «المسار المتواتر في التاريخ للهرمينوطيقا»، وقد أشرنا إليه آنفًا، فهو إعانٌ بالغ الأهمية من وجوه عدة: • إن مسألة الفهم وترتيب قواعدها بناءً على السبق التأسيسي لما سماه «الموهبة الفيلولوجية»، و«إيجاد منطلق متين لهذه القواعد»، بحسب قوله، إنما هي متصلةٌ بالمهمة التاريخية التي يتعين عليها، ربما أول مرة في تاريخ الفلسفة والأفكار، وتاريخ الممارسات التأويلية والتفسيرية، في الأزمنة والمقامات المختلفة، أن تنهض لبسط تاريخ التأويلية في شموليته، ومن حيث هو تاريخٌ ينطوي على معنى وغاية محددين، «بوضع العلم في زمن بعينه»، بحسب عبارته في السياق نفسه؛ عند ديلتاي ليس ثمة عرض نسقي من دون عرض تاريخي، يسنده ويمده بمضمونه ومرتكزاته. • إن هذا التاريخ، وقد صار من المهمات الأساسية لكل عمل تأويلي، ولكل مشتغل به، ليس من الحواف الخارجية التي يمكن الاستغناء عنها، وإنما هو عنصرٌ ضروريٌّ مقوّمٌ لفنّ الفهم نفسه، من حيث النماذج التي نشأ منها، والتحولات التي طرأت عليه، وغير ذلك مما يجود به التراث الكبير للتأويليات في الفكر الغربي. • إن العناصر التاريخية الواردة في المقطع الأول، والتي تغطي المدى الزمني الأقصى لتاريخ التأويلية، من الإغريق إلى حد أواسط القرن الثامن عشر25، لم يقع إدراجها في المحاضرة، من باب السرد والوصف والتأريخ فحسب، أو من باب تلخيص نصوص مطولة سابقة في الغرض نفسه، وإنما استخلص منها، بعجالة نسبية، بعض المبادئ الكبرى التي تبلورت من النزاع بين المدارس الفكرية والروحية في شرح النصوص وتأويلها، الأدبي والديني منها بخاصة، في العهد الهليني المتأخر، ثم مع ظهور مدرسة الإسكندرية الشهيرة، والتحولات التي عرفها عصر النهضة في الغرب، وأخيرًا مع الحدث الأكبر: «التشكيل النهائي للهرمينوطيقا [الذي] ندين به إلى التأويل الكتابي»26.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص.159–154
  3. المرجع نفسه، ص.157

• إن التدرج الذي عرفه هذا التاريخ، إنما يحركه تناضج فكرة «التأويلية العامة»، على نحو أفضى إلى تراكم المصنفات والمحاولات والرسائل من لدن مفكرين أفذاذ وعلماء فيلولوجيين، ومفسرين للكتب المقدسة، بحيث عملت التأويليات الكاسيكية والكتابية، على الرغم من نظرتها غير التاريخية، على أن تكون، بعبارة ديلتاي، «تطبيقات لتأويلية عامة»27. وعلى الرغم من أن هذه العبارة باتت موضوعة في بعض العناوين، مثل عنوان الكتاب الشهير لغيورغ فريدريش ماير مقالة في فن التأويل العام)1757(28 الذي لا يذكره ديلتاي في مقالته، متجاهلً حقبة التنوير برمتها، فإنها لم تصبح عنوانًا فلسفيًّا دالً على استقال هذا الفنّ بنفسه نهائيًّا، «إن هرمينوطيقا فاعلة بقوة ليس لها أن تلتئم إلا في عقل جامع بين مهارة التأويل الفيلولوجي وبين ملَكةٍ فلسفيةٍ أصيلة»ٍ29، ذلك «العقل» هو، في تقدير ديلتاي، ما كانَهُ شايرماخر. لذلك يُعقد المقطع الرابع من المحاضرة بأكمله لهذا الرجل الذي حمل لواء هذه الفكرة الكلية، وأنجز القسط الأعظم منها، بإرساء مبادئ تأويلية فلسفية، هي فنٌّ للفهم، مضبوطٌ بقواعد صناعية معلومة، وهي فلسفةٌ مستوحاةٌ من تأليف بين الروح الحواري الأفاطوني، وبين المنزع الترنسندنتالي الغالب على الفلسفة الألمانية منذ زمن غوتفريد فلهلم لايبنتس وإيمانويل كانط. لخص ديلتاي إسهام سلفه الكبير في بناء التأويلية على الفهم، بقوله: «إنّ شايرماخر قد عاد فيما وراء القواعد [التي تعتمدها وظائف التأويل قبله] إلى تحليل للفهم، ومن ثَمّ، إلى المعرفة بهذا الفعل الغائي نفسه، وقد استنبط منها إمكان تأويل يتمتع بصاحية كلّية، وكذلك الوسائل، والحدود والقواعد التي يختصّ بها. غير أنّه لم يكن بمقدوره أن يبيّن أن الفهم إنما يرجع إلى إعادة الإنتاج Nachbilden، وإعادة البناء Nachkonstruieren، إلا اعتمادًا على تحليل عاقته الحية بسيرورة الإنتاج الأدبي نفسها. ولقد أقرّ في الحدس الحيّ للسيرورة الخاقة التي يتولّد عنها الأثر الأدبي المتين، بالشرط الذي تتقوّم به معرفة هذه السيرورة الأخرى التي تفهم انطاقًا من جملة من العامات المكتوبة أثرًا مكتملً، ومنه قصدَ مؤلّفه، ومزاجه»30. فإن أتينا أخيرًا إلى ما يتعين تحصيله من هذه الدورة الطويلة التي اعتاد ديلتاي أن يقطعها في كل مرة، وأن يستأنف العودة إليها، وجدنا أن الأمر يتعدى التأريخ وحده، أو تقريظ السابقين من أسافه وحده،

  1. المرجع نفسه، ص.159
  2. G.F. Meyer, Versuch einer allgemeinen Auslegungskunst , A. Bühler & L.C. Madonna (eds.) (Hamburg: Meiner, وبخصوص التأويلية العامة لدى ماير، ومامحها الرئيسة، يُنظر: W. Alexander, Hermeneutica Generalis: Zur Konzeption und Entwicklung der allgemeinen Verstehenlehre im 17. und 18. jahrhundert (Stuttgart: M&P Verlag, 1993); O.R. Scholz, Verstehen und Rationalität: Untersuchungen zu den Grundlagen von Hermeneutik und Sprachphilosophie (Frankfurt: Klostermann, 1999); J. Greisch, L’Âge herméneutique de la raison (Paris: Beauchesne, 1985), pp. 149–162; J. Greisch, Le Cogito herméneutique: L’herméneutique philosophique et l’héritage cartésien (Paris: Vrin, 2000), pp. 88–99.
  3. ديلتاي، ص.159
  4. المرجع نفسه، ص.160

وفي طليعتهم شايرماخر، ليتصل برهان هو من آكد المهمات التي يتعين على الفكر أن يضطلع بها، ف «قبالة التفشي المستديم للتحكم الرومنطيقي وللذاتية الريبية في مجال التاريخ، يتعين على [الفهم] أن يؤسس الصاحية الكلية للتأويل تأسيسًا نظريًّا، والتي يقوم عليها كل يقين تاريخي. إن هذا المذهب في التأويل، متى تمّ إدراجه في مساق نظرية المعرفة والمنطق، ونظرية المنهج التي لعلوم الروح، صار حلقة ربطٍ أساسيةً بين الفلسفة وبين العلوم التاريخية وعنصرًا رئيسًا في تأسيس علوم الروح»31.

الفهم والتفسير: النسق الفلسفي لعلوم الروح

إنّ غرض ديلتاي، بناءً على الاعتبارات التي جاءت في ختام المقالة التي كنّا بسبيلها، ليس إفراد المشكات التأويلية بموضع يخصها من دون غيرها، من حيث استئثارها بالقضايا المنهجية المتعلقة بالفهم عامةً، وفصلها عن مدار التفسير الذي يخص علوم الطبيعة، فصلً نهائيًّا32؛ ذلك أنه، وهو الوفيّ للتراث الرومنطيقي، مقتنعٌ بأن التأويلية جزءٌ من روح الثقافة الألمانية الحديثة، منذ مارتن لوثر Luther وفيليب ميانختون Melanchton وفاكيوس إليريكوس Illiricus Flacius، على الأقل، وأنها ليست جزءًا مما سماه «النسق الفلسفي لعلوم الروح»، في كتابه العمدة عام 1883 مقدمة في علوم الروح، وإنما هي قاعدةٌ خلفيّةٌ، ومفتاحٌ من مفاتح المعقولية التفهمية التي تنبغي لهذا النسق الوليد. لذلك، ليس من المستغرب ألّ نجد في المقالة المذكورة، وفي أشباهها ونظائرها من المباحث والرسائل التاريخية في التراث التأويلي، غير سرد تاريخي لأطوار هذا التراث، ينتهي بلحظته القصوى، تأويلية شايرماخر، وبإعان القصد الحقيقي للفيلسوف من هذا السرد، بمعنى إدراجه في البنيان الفلسفي لنظرية المعرفة، بمنطقها ومناهجها وخدمته لغرضه الرئيس؛ أي بناء علوم الروح33. وليس من المستغرب أيضًا ألّ نجد في الكتاب المذكور الذي سبقها بنحو عقدين من الزمان غير تفصيل للعناصر الإبستيمولوجية لهذه النظرية، وإعداداتها المنهجية؛ أي «الأساس الفلسفي لعلوم الروح»، بوجهيه «العرض التاريخي، والعرض النسقي»34، وبالسبب الداعي إليه، استكمال ما بقي منقوصًا منذ كتاب ديلتاي عام 1870، عن سيرة شايرماخر35، مما يتعلق ب «المسائل القصوى للفلسفة»36. وفي الحالتين يضطلع ميراث فيلسوف برلين بدور الوساطة الذي لا يتيسر إلا

  1. المرجع نفسه، ص.164
  2. حول الحيثيات التاريخية والفلسفية للمجادلة بخصوص الفهم والتفسير، يُنظر: N. Zacaï–Reyners (éd.), Explication–compréhension: Regards sur les sources et l’actualité d’une controverse épistémologique (Bruxelles: De l’Université de Bruxelles, 2005); U. Feest, Historical Perspectives on Erklären and Verstehen (London/ New York: Springer, 2010); K.O. Apel, Die Erklären–Verstehen–kontroverse in transzendental– pragmatischer Sicht (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1979); Karl–Otto Apel, Understanding and Explanation: A Transcendental–Pragmatic Perspective , Georgia Warnke (trans.) (Cambridge, MA: The MIT Press, 1984).
  3. Ch. Berner, Au détour du sens: Perspectives d’une philosophie herméneutique (Paris: CERF, 2007), pp. 41– 47.
  4. W. Dilthey, Einleitung in die Geisteswissenschaften: Versuch einer Grundlegung für das Studium der Gesellschaft und der Geschichte , B. Groethuysen (ed.). vol. 1 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1960 [1922]), p. 15.
  5. W. Dilthey, Leben Schleiermachers , M. Redeker (ed.), vol. 13 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1966 [1870]).
  6. Dilthey, Einleitung in die Geisteswissenschaften , p. 20.

له، فهو الذي جعل تاريخ التأويلية ممكنًا، أي تاريخ مفهوم الفهم وتطوراته، بأن بلغ أتم صياغة له منذ المحاولات الفلسفية الأولى في بدايات العصر الحديث (فيكو)، ثم في الفكر الألماني (هردر)37، فوفر بذلك أخطر أداة منهجية ومفهومية للقرن المقبل، وهو الذي مكن لاستئناف هذا المفهوم في سياق علمي، بأن صار من مطالب الفلسفة أن تعاود سؤال نفسها، وأن تؤسس نفسها على قاعدة من الاستعمال المعمم للروح الفلسفي الذي بثه، واستقاه ديلتاي من كتابة سيرته. لذلك، يجد قارئ كتاب مقدمة في علوم الروحأن السيرة قد انقلبت إلى غرض فلسفي من الأغراض التي تنتظم بها الفلسفة وعلومها، ولا سيما علمَي النفس والتاريخ. فقد صارت لها دلالة كلية تتجاوز الكتابة التاريخية وفنونها، والحال أنها تتعلق بالكيان الفردي والشخصي الذي يكاد يكون من الحدود الدنيا للعقل العلمي، لا مجال للإقرار له بأي مكانة تذكر (فريديريش هيغل)، ما دام العلم علمًا بالعام في كل الأحوال، وأن الذي يخبر عن الجزئيات Istoria لا شأن له بالكلي، بأي وجه (أرسطو)38، فالسيرة Biographie تُحدد من خال «عرض الوحدة النفسية الفيزيائية في فردانيتها»39، كما جاء في سياق الفصل الثامن من الكتاب40 الذي يدل بعنوانه على خصوصية السبيل الذي تخيره مؤلفه؛ لاستئناف المهمة التأسيسية للفلسفة على غير القاعدة الموروثة عن الميتافيزيقا، القديمة والوسيطة، وعلى غير ما تركه أعام المثالية الألمانية ووجوهها: السيرة هي «ذاكرة البشرية التي تجد عددًا هائلً من كيانات فردية جديرة بالاهتمام ومستحقة للحفظ». ويضيف ديلتاي بعد ذلك بعبارات تقريظ ساحرة: «إن البعد الخصوصي للوجود البشري، على حسب القوة التي يجذب بها الفرد إلى ذاته نظر أفراد آخرين ومحبتهم، إنما يؤثّر بنحو أقوى من أي موضوع آخر، أو من أي تعميم. فإن مكانة السيرة في العلوم التاريخية العامة تائم مكانة الأنثروبولوجيا في العلوم النظرية بالواقع الاجتماعي التاريخي. بناءً على ذلك، فإنّ تقدّم الأنثروبولوجيا، والاعتراف المتنامي بمكانتها الرئيسة، من شأنه أن يمكّن أيضًا من الإبصار بأن أخْذَ جماع الواقع الذي يخص كيانًا فرديًّا، ووصف طبيعته في وسطه التاريخي، هو بُعدٌ أسمى من أبعاد العلم التاريخي، مُضاهٍ في قيمته، بما يكتسيه مطلوبه من عمق، لكل وصف تاريخي يزاول عمله على مادة أوسع. إنما هي إرادة إنسان، في انبساطها ومآلها، تلك التي تدرَك ها هنا في كرامتها، كأنها غاية في ذاتها، حيث يجب على كاتب السيرة أن يدرك الإنسان بغير زمان Sub aeterni Specie، وكما يشعر بنفسه في لحظات هو فيها، بينه وبين الألوهية؛ حيث يصير الكل شفافًا يكاد يحتجب، إشاراتٌ ووسائطٌ، وحيث هو أقرب شيء من السماء بنجومها من أي قطعة من الأرض. تعرض السيرة بهذا النحو الحدث التاريخي الرئيس على حال صرف، بكليته، وفعليته»41.

  1. في دلالة هذين العلَمين في تأسيس مفهوم «الفهم»، فضلً عن شايرماخر، يُنظر: R. Hausheer, «Three Major Originators of the Concept of Verstehen: Vico, Herder, Schleiermacher,» in: A. O’Hear (ed.), Verstehen and Human Understanding (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 47–72.
  2. أرسطو، كتاب فن الشعر، مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمة عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، ص.103
  3. Dilthey, Einleitung in die Geisteswissenschaften , p. 33.
  4. Ibid., pp. 28–35.
  5. Ibid., pp. 33–34.

إن الذي تعمله التأويلية إزاء النصوص والوثائق والشواهد، وإزاء العبارات التي تنطق منها، ومن حامليها من الذوات المفردة، تعمله السيرة إزاء أحداث التاريخ ووقائعه، بأن تأخذها على حال صرف، غير مشوبة بأي تبديل. كاهما له سندٌ متين في علم نفس من ضرب مخصوص، هو «علم النفس العينيّ» Realpsychologie، شأنه الأخص هو حمل «التعبيرات الحيوية» Lebensäusserungen، و/ أو «الوحدات الحيوية» Lebenseinheiten، إلى الفهم والمعقولية؛ إن كانت الأولى تتناول الفهم في وسط رمزي، قوامه التفاعل بين الذوات بالإحساس و«التشاعر» Sympathie، واستدراك ما تشكل من منظومات مكتوبة ومسننة بالشرح والتأويل، فإن الثانية تنشر هذا الفهم، على المدى الأوسع لاتصال التاريخي، في كلٍّ جامع، من أصغر التشكيات الجماعية إلى أكبر الهيئات من الأجيال والعصور، ومن أبسط التفصيات اليومية التي تحفظها الرسائل والمذكرات الخاصة إلى أعظم الأحداث أثرًا في حياة المجتمعات والدول. ها هنا يتعين التنبيه إلى عقدة إشكالية في فلسفة ديلتاي كثيرًا ما حيرت قراءه وشراحه: كيف يكون الانتظام ممكنًا بين علم لا يخرج عن النظر في الحياة النفسية للفرد، وعلم شأنه البشرية بأسرها في استمرارها التاريخي؟ ما عاقة التأويلية بهذا الانتظام، والحال أنها ليست بعلم أصلً، على نحو ما يقال عن العلم بالنفس إنه علمٌ مثلً، أو عن العلم التاريخي إنه علمٌ من بين علوم الإنسان؟ تمثل التأويلية في حقيقة الأمر دور الوساطة بين هذه المجالات العلمية، ولا سيما بين علمي النفس والتاريخ اللذين حدس ديلتاي مبكرًا بما بينهما من التعلق والرابطة المتينة42؛ لذلك بقيت، بما تحمل من المفاهيم والأدوات والطرائق المأثورة عن أعامها الأولين، في منزلةٍ وسطى، لا هي تشكل جزءًا من ترتيب العلوم ضمن النسق الفلسفي لعلوم الروح، ولا هي مستبعدةٌ بالكلية من هذا النسق. إن الحدوس التأويلية الأساسية لديلتاي متعاصرة تعاصرًا فعليًّا ومثاليًّا مع حدوسه النفسية والتاريخية، وهي لا تنفصل عن الحدس بالوحدة الأصلية للحياة، من حيث هي فعلٌ وخلقٌ وتعبيرٌ، لا تكاد تنحصر في نطاق العقل النظري وتجريداته؛ لذلك يأتي الحدس بعلم نفس عينيّ في سياق الكتابات الأدبية منذ دراسة 1865 المخصصة لنوفاليس Novalis43، ويأتي الحدس بالوظيفة التأويلية للفهم في سياق علم النفس، بتسمياته المتاحقة، الفردي، والمقارن، والوصفي44، على أساس مشترك، هو أصانية الحياة والخبرات الحيوية المعيشة، أو «المعيشات» Erlebnisse، وتقدمها على الفكر وعلى النظر العقلي؛ ذلك أن الفهم من سنخ الحياة عينها، أي من طبيعتها الخاقة المتدفقة، ومن زمانيتها وتاريخيتها المتجددتين، وفي نهاية المطاف مما تنطوي عليه من خاصية العمق الذي لا قبل

  1. W. Dilthey, Die Wissenschaften vom Menschen, der Gesellschaft und der Geschichte , H. Johach & F. Rodi (eds.) vol. 18 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1977), pp. 80–87, 183–185, 201–212.
  2. «ما الذي يعنيه علم النفس العيني؟ هو علم نفس غرضه ترتيب محتوى النفس التي لنا، في مجامعها، والعمل لتفسيره قدر الإمكان، بالبحث عن القوانين التي تتنامى بمقتضاها الأحاسيس Empfindungen إلى تمثات Vorstellungen، بمقتضاها تتفاعل التمثات في ما بينها: لا أجد غير أشكال Formen تفعل النفس داخلها. فهل لنا أن نجد في هذه الأشكال الأساس التفسيري المائم لتحوّل الأحاسيس التي تستجيب فيها أنفسنا إلى الحوافز Reize، ضمن الكل المجموع للنظرة البشرية للعالم؟». W. Dilthey, Erlebnis und Dichtung (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1985), pp. 213–214.
  3. Dilthey, «Über vergleichende psychologie,» in: Dilthey, Die geistige welt, vol. 5, p. 273. معايشة Nacherleben ».

للعقل البشري بسبر أغواره Unergründlichkeit، وهو الذي يتقيد بحدود التجربة45؛ «فالفكر ليس بمقدوره أن يتعدى إلى ما وراء الحياة»46، والعبارة الناطقة عن الحياة، وعن الخبرات المعيشة تنطوي على أكثر مما هو في الوعي؛ ذلك أن الفهم مقيدٌ بحدّ الحدثية Faktizität الأصلية للحياة، فا يدّعي سبرها، أو كشف أسرارها، وإنما هو عملٌ يقتفي آثارها، ويتقصى المعنى والدلالة فيها. وإذا كان علم النفس يضطلع بمنهجه الوصفي لتقصي الوظيفة التركيبية في الوعي، فإنه محتاجٌ إلى التأويلية احتياجًا جوهريًّا، وذلك لأن «هذه المناهج [التي تخص علوم الطبيعة] تضيف إليها علوم الروح منهجًا، هو من شأنها، ويقوم على نقل الأنا الخاص selbst Eigene إلى خارج ما، وعلى التحويل الذي ينجم عنه، ويلقاه في سيرورة الفهم. ذلك هو المنهج الهرمينوطيقي ورديفه النقدي الذي لا يُستعمل من الفيلولوجي والمؤرخ فحسب، وإنما يتقوم به كل علم من علوم الروح»47. أما الآلية التي يقوم عليها هذا النقل الداخلي Hineinverlegung، فهي أشبه ما تكون بمعجزةٍ يكاد لا يدركها العقل، من حيث يتعلق التأويل، والفهمُ بالنتيجة، بوضع حدّيٍّ هو الغربة Fremdheit التي يجدها المرء لدى الآخر وفي حضرته، ويعجز عن إدراكه على الحقيقة كما يدرك نفسه، إلا ما كان بسبيل القياس أو التماثل Analogie، كما جاء في مقالة 1896–1895 التي وثقت الصلة بين علم النفس التأويلية، بوصفها تكملة ضرورية له. فإذا كانت «التجربة الباطنية» التي يتشكل منها «المجموع النفسي» ذات بنية مشتتة، تتعلق فيها الأحوال النفسية بعضها ببعض، وكذا الوعي بها، وتتشابه فيها خبرة الأنا بخبرة الشخص الغريب، وكان الحال المعيش في الزمان للذات يتعلق بجملة الحياة، وما تحمل من قوى للنفس، لا ينفك منها البتة، حينئذ تصير هذه السمات التي للتجربة المعيشة موجودة في إعادة بناء تعبيرات الحياة التي من شأن الآخر؛ فيكون إدراك الآخر ممكنًا بطريق القياس، بين السيرورة الخارجية الملحوظة بالحواس، والحالات الخاصة بالأنا، وهي الوضعية القاعدية للفهم التي تحدثت عنها مقالة 1900 بعبارات مختصرة، وهي حاصل عملية رسم اصطناعية بالفكر لا تصيب، حقيقة الأمر، إلا قليلً. بناءً على ذلك، يكون «تأويل التعبيرات الغريبة مختلفًا كثيرًا، بحسب المعرفة التي لنا بالمجموع الذي تنتمي إليه، أو بحسب نمط الحياة النفسية التي نصلها بها في أغلب الحالات، دونما تفكير أصلً. أما حدّ الفهم عندنا، فيكون دومًا حينما نعجز عن الاعتماد على هذا المجموع؛ لأجل إعادة إنتاج شيء ما. على أن حدود سيرورة إعادة الإنتاج ليست قط متصلةً بعضها ببعض بمجرد عمليات منطقية على شاكلة الاستدلال بالقياس. إن إعادة البناء Nachbilden هي بالمعنى الأخص

لذلك يتعين أن نأخذ هذه الإشارات التأويلية، في نص مخصص لعلم النفس، بوصفها شهادةً على

  1. Dilthey, Einleitung in die geisteswissenschaften , p. 10; W. Dilthey «Leben und Erkennen,» in: W. Dilthey, Grundlegung der wissenschaften vom menschen, der gesellschaft und der geschichte , H. Johach & F. Rodi (eds.), vol. 19 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1982), pp. 333–388.
  2. Ibid., p. 346.
  3. Dilthey, Einleitung in die Geisteswissenschaften , p. 262.
  4. Ibid., p. 277.

وحدة الإشكالية الفلسفية لديلتاي، وثبات مركزها العصبي، أي الفهم، فعمل الفهم مشتركٌ بين الصناعة العلمية للشرح أو للتأويل، بالقواعد المشار إليها في تدرجها التاريخي في محاضرة 1900، وبين علم النفس بمناهجه العينية والوصفية، كما ضبطت مقوماته المقالتان المشار إليهما خال عامي 1890 و 1896–1895، وذلك في موضع بعينه، هو الأساس الأقصى له، مفهوم «التشاعر». إن «هذا الرباط الحميم الذي يمكّن من النقلة Transposition، إنما يشكل افتراضًا لجميع القواعد الهرمينوطيقية التي لا يمكنها أن تستخلص التعيينات الجزئية للموضوعات المختلفة، إلا استعانةً بمنهج قائم على هذه الطريقة الحية. وهو أيضًا ما يتيح، في المقام الأول، وأيًّا كانت العوامل العقلية المشاركة في ذلك، إعادة بناء ما يكتمل به الموروث، واستبعاد الزائف منه، فليس ثمة سيرورة علمية بإمكانها أن تستغني عن إعادة البناء الحية هذه. هنا الأرض الأم، حيث ينبغي لأكثر العمليات تجردًا في علوم الروح أن تستمد منها قوّتها، فالفهم في هذا المقام لا يجوز أن يؤخذ على نحو ما تؤخذ المجردات العقلية»48. ولكن مثل هذا التقدير للتجربة الباطنية العميقة التي ينطوي عليها ما يسميه «المجموع (السياق) لا يمر من دون تكلفة Erworbene Zusammenhang des Seelenlebens المكتسب للحياة النفسية» فلسفية عالية، فكأنها ضربٌ من ميتافيزيقا ذاتية متذرعة بوسائل السيكولوجيا الوصفية، ونظرية الوعي التي شاعت في أوساط العلماء والفاسفة في نهاية القرن 19 لمقاومة النزعات الوضعية المتنامية التي لا تقبل بعلمية علم النفس أصلً، أو كأنها نزعة روحانيةٌ باطنيةٌ، ترى الروح مبثوثًا في كل شيءٍ، متخللً كل كيان، فتستنقذُ به في الفكر ما عسُر طلبه في الوجود، وتجعل الفهم آلة ذلك الاستنقاذ، ويكون السبيل إليه بوسائط الخيال والحدس، كما نبهت إلى ذلك ملحوظاتٌ مبكرةٌ من دروس ديلتاي، قريبةٌ من كتاباته الأولى49، قد نجد فيها صياغة نادرة لما يمكن أن نسميه «مبدأ مبادئ» نظريته في الفهم والتأويل: «من الوهم أن نقول إنه لا شيء مما هو بشريٌّ غريبٌ عنّي»50me est humani Nihil alienum؛ وكأنه يجيب تيرانتيوس Terentius من وراء القرون، ويُبطل حكمته الشهيرة.

فهم الحياة: التاريخ بين المفرد والجمع

لقد أمكن لمباحث الثمانينيات والتسعينيات من القرن 19 أن تجعل للنسق الفلسفي لعلوم الروح أساسًا تأويليًّا لا مشاحّة فيه، ذلك من داخل المناظرة مع التراث التاريخي للتأويليات، بمكاسبه الفلسفية ومناهجه وطرائق عمله الصناعية، ومع الرصيد العلمي لعلوم الإنسان والمجتمع والتاريخ، وفي مقدمتها علم النفس، القاطرة الحقيقية لهذا المجموع العلمي الناشئ. إن هذا الجمع ما كان ليكتسب وجاهةً علميةً واعتباريةً؛ لكونه قد تعرض في الأثناء لهجومات ومؤاخذات كثيرة من المعاصرين (مثل هرمان إيبنغهاوس Ebbinghaus Hermann)، لولا أن اتخذ أساسًا له فلسفةً في المعنى والدلالة، ذات شبه ظاهر بالفينومينولوجيا الناشئة آنذاك، أو لعلها من أسباب اكتشافها، ومن الآيات الأولى لاعتراف

  1. Ibid., p. 278.
  2. W. Dilthey, Logik und System der philosophischen Wissenschaften , H.–U. Lessing & F. Rodi (eds.), vol. 20 (Stuttgart; Göttingen: B.G. Teubner; Vandenhoeck & Ruprecht, 1990), p. 100.
  3. Ibid.

بصاحبها. فقد طرأ على مفهوم الفهم من التحول ما جعله ينأى بالتدريج عن المجادلة مع مفهوم التفسير في العلوم الوضعية، ويبتني سياقًا لاستئناف جماع المعارف الإنسانية ومناهجها، في تأليف بين فلسفة في المعنى، وفلسفة في الحياة تشكل العالم التاريخي، بأركانه وبنياته وانتظاماته الكبرى. والناظر في كتابات العقد الأخير من حياة ديلتاي، وهو أول عقد في القرن العشرين، لا يجد أمارات هذا التحول، في المنعطف الفلسفي الذي شكلته محاضرة 1900، وتزامنت به مع أحداث رمزية، ابتداءً بوفاة فريدريش نيتشه، ومولد هانز جورج غادامير، ثم نشْر هوسرل لكتاب المباحث المنطقية Logische Untersuchungen التي سيكون ديلتاي أول قرائها، ونشر فرويد لكتاب تفسير الأحلام Traumdeutung، وغير ذلك من وقائع اجتمعت لتشكل ما سماه جان غرايش «عصرًا تأويليًّا للعقل»51، وإنما في ما شهده ذلك العقد من تنامي نزعة هيغلية ظاهرة، ليست في الحقيقة ارتدادًا عن الحدوس التأويلية المقوّمة لمشكات الفهم، أساس علوم الروح، قدر كونها من جنس التأصيل والتوسع في المصداق الفعلي والموضوعي لهذه المشكات. فالنص الأخير، «إقامة العالم التاريخي في علوم الروح» (1910)، يشهد على هذا التحول، وعلى هذا التأصيل شهادةً كبرى؛ إذ يرسم قوس الصعود إلى العالم في تاريخيته، ابتداءً بالبنيات النفسية والمجامع المؤلفة من الخبرات الأولية المعيشة إلى الهيئات الموضوعية للروح، في تعيناتها ومضامينها واتصالاتها الكبرى عبر العصور والقرون والأجيال. وليس ذلك الموقف الذي انتهى إليه الشيخ ديلتاي في خريف عمره بمنقطع عن سابقه انقطاعًا كليًّا، وإنما هو استئنافٌ للمشروع عينه من بداياته، وكأنه لم يكن مشروع نقد العقل التاريخيفي المقام الأول52، ومشروع كتابة تاريخ الروح الألماني، بمكوناته الفلسفية والأدبية والتاريخية53، وما يتلو ذلك من تبعات المراجعة والتأليف والنّظْم والتنسيق. أما التغير الملحوظ في النبر فيلحظه القارئ المتمرس بنصوص الفيلسوف من غير عناء، فا أثر تقريبًا لمعاودة الجدل «الإبستيمولوجي» حول النقيضة الرئيسة بين الفهم والتفسير في سياق جدالي ضد الوضعيين، وأصحاب علم النفس الإمبريقي، وهو الجدل الذي نشأ في سياق العلم التاريخي بفضل أعمال درويزن54، وإنما يؤخذ «الفهم»، في هذا المقام الأقصى، مباشرةً من حيث تعلقه ببنية الحياة وتاريخيتها الأصلية، ومعيشاتها الأولى المتقدمة على البنيات المنطقية للحمل المتعارف، والمنغرسة في عيان أصلي أوّلي Innewerden55، على

  1. J. Greisch, L’Âge herméneutique de la raison ; J. Greisch, Le Cogito herméneutique , p. 52.
  2. W. Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften , B. Groethuysen (ed.), vol. 7 (Stuttgart; Göttingen: B.G. Teubner; Vandenhoeck & Ruprecht, 1979 [1927]), p. 117; فلهلم ديلتاي، إقامة العالم التاريخي في علوم الروح، ترجمةفتحي إنقزّو، مراجعة محمد محجوب (تونس: المركز الوطني للترجمة؛ دار سيناترا، 2015)، ص.80–79
  3. المرجع نفسه، ص.81–51
  4. ولا سيما عمله الرئيس مختصر العلم التاريخي Grundriß der Historik الذي وضعه عام 1858، ولم يُنشر إلا بعد عقد من تأليفه عام 1868؛ بخصوص إسهام درويزن، يُنظر: ديلتاي، إقامة العالم التاريخي، ص.90–89
  5. بخصوص هذا الضرب من العيان المباشر غير الحملي Innerwerden، يقول ديلتاي: «إن الحياة وخبرة الحياة وعلوم الروح، تقوم على تآلف داخلي مستمر، وعلى عاقة متبادلة. أما أساس علوم الروح، فإنه لا يتشكل من مسار مفهومي، بل من سابق عيان بحال نفسي بكليته، ومن استدراكه بالمعايشة. فالحياة، ها هنا، هي التي تتحصّل الحياة، والقوة التي بها يُستكمل المحصّان الأساسيان لعلوم الروح، هي الشرط السابق لبلوغ التمام، في كلّ جزءٍ من هذه العلوم، ينظر: المرجع نفسه، ص.117

نحو فلسفةٍ في «الروح الموضوعي»، على المنوال الهيغلي، وفي المعنى والدلالة استشرافًا لشيءٍ من المفاوضة الفلسفية مع الفينومينولوجيا الناشئة، ومع مؤسسها إدموند هوسرل، ومن حيث يتعلق بالعبارة تحقيقًا له في العالم الموضوعي، ورفعًا له إلى رتبة الكلي56. أما النسيج التأويلي الجامع بأطراف هذا الموقف، فا معنى لمواجهته بعلم من المنظومة الفلسفية لعلوم الروح، إن كان علم النفس أم علم التاريخ، وتقرير الاستحقاق الفلسفي لأحدهما أو لكليهما على حسابه. فغنيٌّ عن البيان أن مقالة 1900 قد صارت وثيقةً شاهدةً، لا على «الرواية الرسمية» لتاريخ التأويلية فحسب، وإنما على أن المكسب الرئيس من هذا التاريخ، أي نظرية الفهم، قد بات ركنًا ثابتًا من المنهج الخاص بعلوم الروح، كما استقر في الكتابات المتأخرة57. ولعل في سائر النصوص الدائرة على هذا الكتاب، ما يدل على استئناف متواتر للغرض التأويلي، كالنص المهم حول «فهم الأشخاص الآخرين وتعابيرهم الحيوية» (1909)58، وسائر الإضافات والتعليقات بخصوص العالم التاريخي وتشكياته المختلفة؛ إذ ينأى الفهم بالتدريج عن السياق التقني أو الصناعي لقراءة النصوص، وترميم متونها ومعانيها في الفنّين: الفيلولوجي والنقدي، ليصير مطابقًا لعلوم الروح، لكون «مجالها يمتدّ، قدر ما يمتد الفهم»59. بهذا التقدير، يتخلص الفهم من التعلق الشديد بالبنية النفسية، ليخرج إلى الوجود بوساطة العبارة Ausdruck/ Äusserung، وتموضع Objektivation الحياة في الزمن البشري والتاريخي، فيتشكل بذلك مجموعٌ (سياق) Zusammenhang عليه يقام العالم التاريخي بأسره: «إن هذا المجموع المؤلف من الحياة والعبارة والفهم، لا يضم الإيماءات وسحنات الوجه والكلمات فحسب، والتي يتواصل بها الناس في ما بينهم، أو الإبداعات الروحية الخالدة التي تكشف لقارئها عن أعماق شخصية المبدع، أو التحققات الموضوعية الثابتة للروح في الهيئات الاجتماعية، والتي تتجلى بفضلها ماهية الجمع الإنساني، وتصير باديةً للعيان، وتستقر على ذلك، ويتوثق وجودها»60. إن وحدة المعيش والفهم هي، في الوقت نفسه، وحدة الزمان الجامعة بين إدراك الحاضر وذكر الماضي؛ ولذلك كانت محتاجةً إلى العبارة التي تخرج بها إلى الوجود، وتفيض على «الاستبطان» الذي يأخذ به علم النفس الكاسيكي، فالإنسان لا يعرف نفسه بمجرد إدراك نفسه، أو ب «اجترار» ما فيها، على شاكلة الذات الكانطية، وإنما «الأفعال فقط، وتعبيرات الحياة الثابتة، وآثارها على الآخرين، هي التي تخبر الإنسان عن نفسه؛ فكذلك لا يعلم عن نفسه شيئًا، غير ما يلقاه بسبيل الفهم»61. ولكن

  1. (بخصوص جملة المسائل والقضايا الدالة على هذه التحولات، ينظر مقدمة ترجمتنا المشار إليها في: المرجع نفسه، ص.41–5
  2. H. Ineichen, «Die Entstehung der Hermeneutik im Zusammenhang mit dem Spätwerk von Wilhelm Dilthey,» Revue Internationale de Philosophie , vol. 4, no. 266 (2003), pp. 455–466.
  3. W. Dilthey, «Das Verstehen anderer Personen und ihrer Lebensäusserungen,» in: Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt, vol. 7, pp. 205–220.
  4. 6ديلتايإقامة العالم التاريخي، ص.133
  5. المرجع نفسه، ص.56
  6. المرجع نفسه.

الفهم ليس فهمًا للنفس، فحسب، من خال ما يستعيد كل امرئ من وثائق ودلائل على تاريخه هو، وتجارب عاشها وحفظ آثارها، وإنما هو متقوّمٌ بعنصر الغربة، ف «إنّنا لا نفهم أنفسنا، ولا نفهم غيرنا من الكائنات، إلا بقدر نقلنا لحياتنا المعيشة في كل نمط تعبيري للحياة خاصة بنا، أو غريبة عنّا»، الأمر الذي يجعل «المجموع المؤلف من المعيش والعبارة والفهم هو السبيل المخصوص الذي توجد الإنسانية بفضله، بالنسبة إلينا، بوصفها موضوعًا لعلوم الروح»62. إن هذه البنية الثاثية هي التي يقوم عليها الكتاب الأخير لديلتاي، بوصفه خاصة النظرية الفلسفية في علوم الروح، وأساسها التأويلي الأخير، وهي التي تنتظم مفاصله الكبرى من أصوله في الوقائعية الجذرية للمعيشات، وتمييزاته بين دائرة الباطن (المجموع النفسي)، ودائرة الخارج أو الظاهر (الطبيعة)، إلى غاية مطلوبه الأقصى، أي المعنى والدلالة، بما هما من المغانم التي تُستحصل من عمل الروح63، مرورًا بما يتشكل به المجموع العلمي لعلوم الروح من الحدود، ومن الوسائط التاريخية، وأخيرًا من القضايا العامة التي تتفرع منها التفصيات الكثيرة التي تخص انتظام هذا المجموع في مستوى «التصور الموضوعي»، و«البنية» الخاصة بهذه العلوم، بأساسها الأول في «الحياة» وخبراتها، وأصناف السِّيَر التي من شأنها، وأقسام الأقاويل التي تتصل بها، وغير ذلك من التصاريف التي تتشكل بها معقولية العالم الروحي، لتنتهي إلى «تموضُع» الحياة على أساس «المجموع التفاعلي» Wirkungszusammenhang، بوصفه بنية رحمية مشكّلة لعناصر العالم الروحي64، وتطورها إلى الدرجات العليا للعالم التاريخي وهيئاته الأساسية. يلخص ديلتاي هذه البنية الجامعة للعالم التاريخي، في أحد النصوص التي كتبت في سياق الإعداد لمصنّف 1910، بقوله: «إن [إقامة مجرى التاريخ في عالم الروح] تعمل بالتدريج على استنباط المبدأ الفعلي لتصور علوم الروح، انطاقًا من التجربة. فالفهمُ، هو تداركٌ للأنا في الأنت؛ وأما الروح فيجد نفسه في مراتب من التألّف، هي أعلى دومًا؛ وهذه الإنية التي للروح في الأنا، وفي الأنت، وفي كل ذات من ذوات الجمع، وفي كل منظومة من منظومات الثقافة، وأخيرًا في جماع الروح والتاريخ الكوني، إنما تمكّن للفاعلية المشتركة بين الإجراءات المختلفة في علوم الروح. وهنا ذاتُ المعرفة وموضوعها أمرٌ واحدٌ، وهذا الأخير هو عينه في مراتب تموضُعه Objektivation Seiner كافة»65. إنّ تردد الفهم بين الأنا والأنت، بين باطن النفس وظاهر الوجود الذي للآخر، هو التردد بين الذات والموضوع، وبين المعرفة والحياة. والإشارات المتواترة إلى كانط، في هذا المقام وفي مقامات سابقة كثيرة، إنما هي الآية الكبرى على هذا التردد، وعلى هذه الحيرة السعي، من جهةٍ، إلى التخلص من وزر التأسيسات الصورية لنظرية المعرفة، الراجعة إلى تسليم كانط بصحة المنطق الكاسيكي، والعمل على ترتيب البنية الخاصة بعالم الروح على هيئة مقولية، في معمارية شبه كانطية، أساسها مركوزٌ في تجربة الحياة، وفي الزمانية التي تساوقها. وقد يعني ذلك أن ديلتاي لا يأخذ بالفهم، من حيث هو مشتق من النشاط اللغوي للإنسان، مثلما هو موقف شايرماخر الذي نجد له بعض الصدى عند تلميذه أوغست بوك

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص.190
  3. المرجع نفسه، ص 139 وما يليها.
  4. Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften , vol. 7, p. 191.

Böckh August، الفيلولوجي المرموق، والقدوة الروحية الأخرى لديلتاي66، وإنما من حيث هو من الفاعليات الأصلية في مجرى الحياة ومساقها الفعلي، وخبراتها المعيشة الأولى، وتشتق منها مقولات الحياة وقيمتها الموضوعية. إن هذه «المقولات العينية»67 التي هي غير الأشكال المجردة للذهن الشائعة في مذهب كانط، إنما هي المفاهيم التي تضبط أنحاء التصور التي تخص المحمولات التي في الموضوع. ولما كان المعيش من سنخ الحدوث الزماني، والسريان المتصل، كان الزمان والوعي به في هيئة نسقية جامعة من المقولات العينية الأساسية لبناء العالم الروحي. أما ما يثبت ويبقى من هذا التنامي الزماني، والصيرورة التي تعتري الحياة، وما يكون به الترابط والتألّف بين المقولات، فهو المعنى والدلالة اللذان يتخلان كل لحظة من لحاظ الحياة وآنائها، كما تتجسم في السيرة الذاتية لفرد من الأفراد، بما هي وحدةٌ مثاليةٌ شديدة الخصوصية، «مبدأ التشخص» individuationis Principium في أعلى تجلياته، أو مبدأ «التأمل الذاتي» Selbstreflexion الذي هو من أعمدة المشروع الترنسندنتالي لنقد العقل التاريخي. لذلك نجد في النصوص المتأخرة، حيث يعمل الفيلسوف على استئناف جذري لجملة المشكات الفلسفية المتصلة بنظرية الفهم، تقاطعًا مستمرًّا بين علم النفس والتأويلية، بين المعيش والفهم، في موضع بعينه هو الدلالة Bedeutung أو المعنى Sinn، إلى الحد الذي رأى فيه ديلتاي أن «مقولة الدلالة وحدها تتخطى التجانب المجرد، والإضافة المجردة لأجزاء الحياة بعضها إلى بعض. وأنه لما كان التاريخ ذكرى Erinnerung، ولما كانت مقولة الدلالة تنتسب إلى هذه الذكرى، فإنّ هذه المقولة هي المقولة الأخص للفكر التاريخي»68. ولقد ذهب القراء بهذا الكشف الأخير لديلتاي مذاهب شتى، فمنهم من رأى في مقولة الدلالة نفسها محصلة من محصات المباحث الشعرية69 التي اعتنى بها ديلتاي منذ وقت مبكر، وجوّدها تجويدًا نسقيًّا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ومنهم من رجع بها إلى ما قبل ذلك، مقتفيًا أثرها في ما كتب ديلتاي عن تأويلية شايرماخر في نص 1860 المعروف ب «نص الجائزة» Preisschrift المشار إليه آنفًا، في مستوى ما سماه «المبدأ المادي» لهذه التأويلية70، ومنهم من ربطها بقراءة كتاب المباحث المنطقية لهوسرل، ولا سيما المبحث الأول الذي يحمل عنوان «العبارة والدلالة»، ونجد بعض آثاره في النصوص المتأخرة التي نحن بسبيلها71. والحق أنه لا يعنينا أن نفصل القول في وجاهة هذه المراجع والسندات

  1. A. Böckh, Enzyklopädie und Methodologie der philologischen Wissenschaften , E. Bratuscheck (ed.) (Leipzig: Teubner, 1877).
  2. Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen welt in den Geisteswissenschaften , vol. 7, pp. 191–199.
  3. Ibid., p. 202.
  4. B. Groethuysen, «Vorbericht des Herausgebers,» in: Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften , vol. 7, p. 9; «Die Einbildungskraft des Dichters. Bausteine für eine Poetik (1887),» in: W. Dilthey, Die geistige Welt: Einleitung in die Philosophie des Lebens, zweite Hälfte , G. Misch (ed.), vol. 6 (Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1924), pp. 103–173.
  5. Dilthey, Leben Schleiermachers , vol. 14, p. 702; R.A. Makkreel, «Kant, Dilthey and the Idea of Critique of Historical Judgment,» Dilthey–Jahrbuch für Philosophie und Geschichte der Geisteswissenschaften , no. 10 (1996), pp. 61–76.
  6. Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften , vol. 7, pp. 10–11, 18–19.

التي استفاد منها ديلتاي، مقولة الدلالة في تعقل الحياة التاريخية وفهمها، ولا أيها أجدر أن يؤخذ في الحسبان، وإنما الأوْلى في الاعتبار، في تقديرنا، أن يؤخذ بها طبقاتٍ تفسيريةً لبنية فلسفية بعينها، باتت أقرب إلى الإفات من قبضة صاحبها، وإلى أن تصير من آفاق الفكر. ففي كل الأحوال أحدثت مسألة الدلالة والمعنى توسيعًا مذهلً للمشكل التأويلي، وبالنتيجة، للمصداق الفلسفي لعلوم الروح، ولا سيما لمفهوم الفهم بوسائطه ومراتبه، ومنها في المقام الأول «التعبير الحيوي» Lebensässerung الذي لا يقتصر على «العبارات Ausdrücke التي تريد أن تعني، أو تدل على شيءٍ مّا، وإنما، بغض الطرف عن مثل هذا القصد، تلك التي تجعل أمرًا روحيًّا مفهومًا عندنا، من حيث هي تعبيرٌ عنه»72. ومن أصناف العبارات أشكال الفكر من المفاهيم والأحكام وغيرها، ومنها الأفعال، والتعبير عن المعيش، غير سائر التعبيرات؛ إذ يستخرج ما في أعماق البنية النفسية الباطنية ويستظهره للعيان: «هكذا، تنشأ، على التخوم التي بين المعرفة والفعل، دائرةٌ تنكشف فيها الحياة بما فيها من عمق، لا يمكن للمعاينة، ولا للتأمل، ولا للنظرية، أن تُقبل عليه أصلً»73. أما أصناف الفهم ومراتبه ودرجاته، فتبلغ اكتمالها، وتتوضح الفوارق بينها بعدما تبينت الرابطة بين المعيشات والعبارات على الأنحاء الممكنة كافةً. والملحوظ أن ديلتاي يجعل الحياة العملية، بتقلباتها ونزاعاتها وتبدلاتها الدائمة، مرتكزًا، لا في أشكال التعبير فحسب، وإنما في أشكال الفهم أيضًا. فحاجة الناس إلى التفاهم، أو إلى فهم بعضهم بعضًا، هي حاجةٌ حيويةٌ وعمليةٌ قبل كل اهتمام نظري، وهو ما كان شايرماخر أول المنبهين إليه، وما تمثله «الأشكال الأولية للفهم»، وكأنها «أحرف يسمح تأليفها بفهم الأشكال العليا للفهم»، فهي التي تخص «التعبيرات الحيوية الجزئية» وتأويلها. وأيضًا، فإن «الروح الموضوعي»، المأثور عن فينومينولوجيا هيغل، أي «الأشكال المختلفة التي يتموضع فيها المشترك Gemeinsamkeit بين الأفراد في العالم المحسوس»74، هو المحضن الأول لذواتنا، و«الوسط الذي يُستكمل فيه فهم الأشخاص الآخرين وتعابيرهم الحيوية»75، وموضع الاشتراك بين الأنا والأنت. لذلك يمكن عدّ هذه المرتبة حلقةً وسطى في مراتب الفهم، تصل بين أشكاله الأولية وبين الأشكال العليا، من جهة انطوائها على بنية مشتركة. أما المرور إلى «الأشكال العليا للفهم»، فإنه يشبه أن يكون من جنس تجربة الاصطدام بعدم الفهم التي كان شايرماخر قد وضعها في أصل النشاط التأويلي؛ وذلك من خال التناسب بين «مقدار المسافة الداخلية الفاصلة بين تعبير حيوي معطى، وبين القائم بالفهم Verstehende »، ومقدار الحيرة أو «الترددات» Unsicherheiten التي تعتوره، الأمر الذي يقتضي جملة من الاستدراكات التي تنشأ من التفاوت بين العبارة والقصد، ومن عدم مطابقة الإشارات والإيماءات والألفاظ، وما هو مستقر في التجربة الباطنية، ومن الاستدلالات بالقياس وبالاستقراء لتأويل التعابير الحيوية للآخر، إلى غاية فهم التعابير والآثار الروحية العليا، والإبداعات التي تتمتع بصدق وثبات وجودة تركيب، لا يبلغها إلا العارفون القادرون على تبين فردانيتها، ف «ها هنا الإسهام

  1. Ibid., p. 205.
  2. Ibid., p. 207.
  3. Ibid., p. 208.
  4. Ibid.

الأخص للفهم في علوم الروح. ذلك أن الروح الموضوعي، وقوة الفرد، يحددان معًا العالم الروحي. أما التاريخ، فيقوم على فهم لكليهما»76. تلك هي مقومات المنهج في المشروع الفلسفي لعلوم الروح، علوم الإنسان والمجتمع والتاريخ، كما تشكلت في سياق بعينه، سياق نهاية التأسيسات الميتافيزيقية الكبرى، وكلياتها النظرية، في أواخر القرن التاسع عشر، وابتداء المزاولة العلمية لحقول المعارف الإنسانية، في وحدتها التي أقر بها ديلتاي للأنموذج التأويلي، وفي منهجها التفهمي الذي لا يناقض طرائق التفسير بإطاق، وإنما يتميز منها ما دام الإنساني غير مردود إلى الطبيعة في كل الأحوال، ويجادلها أو ينازعها معناه، ولا يدعي لهذا المعنى استيفاءً أخيرًا، «بين الفهم والتفسير Erklärung und Auslegung، ليس ثمة حدّ ثابت، وإنما هو فرقٌ في الدرجة لا غير. ذلك أنّ الفهم مهمةٌ لانهائية»ٌ77. أليس لنا أن نسأل، في نهاية المطاف، إن كان ديلتاي قد أفلح، في ما وضع لنفسه من الرهان ومن التحدي، أن يبلغ معرفة علمية موضوعية بالمفرد، أعني أن يبلغ بالفهم درجة الكلية التي تجعله يناسب مطالب المعرفة، وأن يرفع بذلك التأويلية من رتبة الصناعة الجزئية، أو من رتبة من العمومية غير مكتملة، ولا وافية بمقصود النسق العلمي المطلوب، نسق علوم الروح، علوم الإنسان والمجتمع والتاريخ. تلك أسئلةٌ قد يكون ديلتاي نفسه، على الأرجح، مترددًا في الإجابة عنها إجابات قاطعة، ذلك أن إصراره إلى آخر كتاباته على راهنية المطلب التأويلي، في صلب منظومة علمية ناشئة، بحيث يقر «للتأويلية أن تنخرط في مساق يمنح علوم الروح مهمةً جديدةً بالغة الدلالة»78، إنما هو المسعى الأول عينه الذي جعله يَثبُت على مغالبة التشكيكات، ويبحث عن نمط من اليقين في مقام الفهم، لا يصلح للعلم فحسب، بل يُستفاد منه أيضًا في توجيه الإنسان في حياته، ودفعه إلى استصاح قواعد العمل، وآداب المعاشرات، وسِيَر الحياة، بتفاهم مع أغيارٍ هم في الوقت نظائر وأغراب.

References

المراجع

العربية

ديلتاي، فلهلم. إقامة العالم التاريخي في علوم الروح. ترجمة فتحي إنقزّو. مراجعة محمد محجوب. تونس: المركز الوطني للترجمة؛ دار سيناترا،.2015

______. «نشأة الهرمينوطيقا». تأويليات. ترجمة فتحي إنقزّو. العدد 2 (خريف.)2018

غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. مراجعة جورج كتورة. طرابلس: دار أويا،.2007

  1. Ibid., pp. 212–213.
  2. Dilthey, «Die Entstehung der Hermeneutik,» in: Dilthey, Die geistige Welt , vol. 5, p. 336.
  3. Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften , vol. 7, p. 217. Alexander, W. Hermeneutica Generalis: Zur Konzeption und Entwicklung der allgemeinen Verstehenlehre im 17. und 18. Jahrhundert. Stuttgart: M&P Verlag, 1993. Apel, K.O. «Das Verstehen (Eine Problemgeschichte als Begriffsgeschichte).» Archiv für Begriffsgeschichte. vol. 1 (1955). ________. Die Erklären, Verstehen–Kontroverse in transzendental–pragmatischer Sicht. Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1979. ________. Understanding and Explanation: A Transcendental–Pragmatic Perspective. Georgia Warnke (trans.). Cambridge, MA: Massachusetts: The MIT Press, 1984. Berner C. & D. Thouard (eds.). Sens et interprétation: Pour une introduction à l’herméneutique. Lille: Presses Universitaires du Septentrion, 2008. Berner, Ch. Au détour du sens: Perspectives d’une philosophie herméneutique. Paris: CERF, 2007. Böckh, A. Enzyklopädie und Methodologie der philologischen Wissenschaften. E. Bratuscheck (ed.). Leipzig: Teubner, 1877. Dilthey, W. Die geistige Welt: Einleitung in die Philosophie des Lebens, zweite Hälfte. G. Misch (ed.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1924. ________. Einleitung in die Geisteswissenschaften: Versuch einer Grundlegung für das Studium der Gesellschaft und der Geschichte. B. Groethuysen (ed.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1960 [1922]. ________. Leben Schleiermachers. M. Redeker (ed.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1966 [1870]. ________. Leben Schleiermachers. vol. 14, no. 1-2. M. Redeker (ed.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1966. ________. Die Wissenschaften vom Menschen, der Gesellschaft und der Geschichte. H. Johach & F. Rodi (eds.) Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1977. ________. Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften. B. Groethuysen (ed.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1979 ________. Grundlegung der Wissenschaften vom Menschen, der Gesellschaft und der Geschichte. H. Johach & F. Rodi (eds.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1982. ________. Die geistige Welt: Einleitung in die Philosophie des Lebens. G. Misch (ed.). Stuttgart: B.G. Teubner; Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1990 [1957].

الأجنبية