العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية لأكسِل هونيت

مراجعة كتاب الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية لأكسِل هونيت

Book Review: The Fragmented World of the Social, Essays in Social and Political Philosophy by Axel Honneth

بشير ربوح *

Bachir Rebouh *

الملخّص

عنوان الكتاب: الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية . المؤلف: أكسِل هونيت. المترجم: ياسر الصاروط. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 335 صفحة.

Abstract

Book Review: The Fragmented World of the Social, Essays in Social and Political Philosophy by Axel Honneth

الكلمات المفتاحية:
  • الاجتماعي
  • أكسِل هونيت
  • عالم ممزق
Keywords:
  • The Fragmented World
  • the Social
  • Axel Honneth

لأكسِل هونيت

عنوان الكتاب: أكسِل هونيت. المؤلف: المترجم: ياسر الصاروط. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 335 صفحة.

الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت.

يحتوي كتاب الفيلسوف الألماني أكسل هونيت الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية على مقالات مختلفة ومتعددة، تشكل مجتمعة 335 صفحة، مرفقة بفهرس عام، ويتضمّن تمهيدًا، واثنتي عشرة مقالة نقدية، وفق مسار اجتماعي، حيث يُدشن منجزه الفكري بمقالة موحية في عنوانها، ودالّة في ألفاظها، وهي «عالم من التمزق»، وفيها يناقش الفيلسوف المجري جورج لوكاتش، في مسائل تتعلق رأسًا بالتمزق الاجتماعي، من بينها: التشيّؤ، وانبثاق الأزمة الكبرى في الثقافة الغربية، والاغتراب الاجتماعي، وحديثه الرائع عن «نظرية الرواية»، ونقده مفهوم العقل، ومناهضته النظام الرأسمالي رومانسيًا، ورغبته في الدفاع عن مفهوم الحياة المُهدّد ماليًا. وهي جملة من المناقشات التي أجراها لوكاتش في فترته الشبابية الأولى، حيث كانت بالنسبة إليه محطّات فكرية ثرية جدًا، أغنت فكره وطوّرت طرائق تعامله مع المجتمع، بعد أن ارتبط بالفكر الماركسي، وخصوصًا في مؤلفه التاريخ والوعي الطبقي. وهذه الأعمال هي عبارة عن جهاز سيسموغرافي، يمكن أن نقيس به الزلازل التي تحدث في الفكر الغربي. في المقالة الثانية، يذهب هونيت إلى الحديث عن مدرسة فرانكفورت التي أطلقت النقاش النقدي من أجل تقييم مشروعها في تحليل المجتمع الغربي، إلّ أنها وقفت على أعطابه، بحثًا عن رؤية تجمع بين الحقائق الواقعية والرؤى الفلسفية، وبسببها انفتحت المدرسة، أو ما يسمى الحلقة الداخلية التي تكوّنت من هوركهايمر وأدورنو وماركوزه ولوفنتال وبولوك، في مقابل الحلقة الخارجية التي تكوّنت من فرانتس نويمان وأوتو كيرشهايمر وفالتر بنيامين وإريك فروم، وخصوصًا في زمن ماكس هوركهايمر وفليكس فايل، على أعمال هربرت ماركوزه (1979–1898) التي استثمر فيها ذلك الجدل بين الماركسية والتحليل النفسي، وعلى الاقتصاد السياسي وعلم النفس والنظريات الثقافية، والتأثر بمجموعة من المفكرين، من أمثال: فيلهلم دلتاي (1833–1911)، ومارتن هايدغر (1976–1889)، وفالتر بنيامين (–1892 1940)، وأرثور شوبنهاور (1860–1788). وفي هذا الجو الفكري، برز المفكر ثيودور أدورنو (1969–1903) من خال مؤلفه المشترك مع ماكس هوركهايمر جدلية التنوير: شذرات فلسفية، وهي محاولة جسورة للتحرر من القراءة الماركسية للتاريخ، بحثًا عن كلّ ما هو إنساني مبدع، وصفها أدورنو ب «العقانية الفاعلة». وفي عام 1950، أعيد فتح المعهد وبُدئ القطع مع البدهيات الاجتماعية والروابط الفلسفية والنظرية النقدية، والدخول في معترك العالم بمشكاته الكبرى، والاستعانة برؤية يورغن هابرماس (1929–)، مساعد أدورنو، الذي انفتح على الأنثروبولوجيا الفلسفية والفلسفة التأويلية والتحليل اللغوي، وفي المسعى نفسه الاتكاء على نصوص ماكس فيبر (1920–1864)، في قراءته الحداثة الغربية، والانفتاح على ما أنجزه موريس ميرلو – بونتي (1961–1908)، والتواصل أيضًا مع النتاج الأدبي الغزير لكلّ من: أنطونين أرتو Artaud Antonin (1896–1948)، وبيير كلوسوفسكي Pierre Klossowski (2001–1905)، وموريس بانشو Blanchot Maurice (2003–1907)، نظرًا إلى انشغال هذا النوع من الأدب الجديد، واهتمامه بالتصدّعات البشرية التي تلحق الإنسان المعاصر في كليته الوجودية. في المقالة الثالثة، نعثر على قراءتين للحداثة الغربية التي «أفضت إلى ما يُعرف ب ‘أزمة المعنى’؛ أي تفكّك العاقة أو حتى الهوية، والانفصام بين

الحقيقة والمعنى». قراءة يمثلها ميشيل فوكو (1984–1926)، وأخرى يُجسّدها أدورنو، وهما ينطلقان من نقطة واحدة، وهي «إنزال العنف بالجسم البشري؛ عند هذه الأطروحة المقتضبة تقع نقطة التقارب، على ما يبدو، لنقد الحداثة، ذاك الذي اشتغل عليه كِا المفكرَيْن طوال حياتهما» (ص. 85). غير أنّ فوكو يسعى لتطبيق الحفر الأركيولوجي على إشكالات الرّاهن، وخصوصًا المفاهيم في الهامش والمنبوذة من العقل الغربي، مثل: الجسد، والجنس، السجن، والجنون، وأعلن عن موت الإنسان في كتابه الكلمات والأشياء، استكمالً لموت الإله بالمعنى النيتشوي، وهي بوجه آخر: ما دعاه فوكو الفحص النقدي للحاضر ولنفوسنا. وصف هونيت نص فوكو أركيولوجيا المعرفة أو حفريات المعرفة، بأنّه «أكثر نصوصه هشاشة وقصورًا» (ص 90). وبعد العجز الذي ظهر في تحليات فوكو، وفشل ثورة 1968 الطابية، لجأ إلى تحليل مفهوم السلطة، استئناسًا برؤية نيتشه في السياسة، حيث «كرّس فوكو نفسه لمشروع تحليل للسلطة، مستوحى من نيتشه. إذًا يمكن القول إنّ صعوبات التحليل المعرفي البنيوي هي ما حفّزه باتجاه التحوّل نحو نظرية للسلطة، ذات مضمون سياسي – بيوغرافي من خال فشل ثورة 1968 في فرنسا بِدَورها» (ص 90). وفي هذا المستوى من التحليل، تحدّث أدورنو عن أزمة الحداثة، لكن من زاوية التطرق إلى أزمة العقل الغربي في حدّ ذاته، وخصوصًا بعد هيمنة العقل الأداتي وانحسار العقل النقدي والدخول في عصر «الذاتية العديمة التضحية» الذي تحدّث عنها في مؤلفه الجدل السلبي، والذي عبّر عنه بالصيغة التالية: «هذا المصطلح الجمالي ل ‘هوية الأنا’ الذي يعود الفضل في صياغته بكل وضوح إلى دمج متعمد بين نيتشه وفرويد وكاغس، لا يقدّم بالطبع لأدورنو المقياس لأجل نقد الذاتية المعاصرة فحسب، بل يزوّده في الآن ذاته بنقطة التوجيه لتفسير مُجْدٍ لعملية التمدّن» (ص. 102). وتُسعفنا هذه المقارنة في فهم أزمة الحداثة من زوايا أخرى، لكن وفق منطق يستجيب لمقتضيات الرّاهن وحاجاته. في المقالة الرابعة، يبحث هونيت عن طبيعة العاقة بين الأنثروبولوجيا وفلسفة التاريخ عند فالتر بنيامين. ومن المعروف عن بنيامين أنه أراد أنّ يجمع في توليفة طريفة ومبدعة بين الرؤية الماركسية والنزعة الدينية في قالبها اليهودي المتسربل برداء التصوف، وعلى الرغم من راهنيته الباهتة، وفق توصيف هونيت، فإنه يبقى موجودًا داخل ذلك «الشرخ بين الجهد التفسيري والحصيلة النظرية كان مقدّرًا في خصوصية نظرية بنيامين نفسها: مساراتها الفكرية المشوّشة والمتباينة غالبًا ما تشتمل في حد ذاتها على قوة حجة مفاجئة، بل على بريق جذّاب، لكن من غير أن تتحد أبدًا في مُركّب فكري كبير، قادر على الدخول منافِسًا في الخطاب الفلسفي. تخفق أعماله بسبب نسقها في تحقيق أي شكل من أشكال البناء النظري، ولو أنها كأي نصٍّ أدبي تتطلّب تفسيرات جديدة باستمرار، لكنها غير قادرة على الدخول في حقل النقاش العلمي» (ص. 107). واستثمر في المنجز المعرفي لكانط، من أجل إثبات ضرورة الدين باعتباره معطى قبليًا للتجربة البشرية، ويستمر هونيت في تقديم نقد لاذع لمشروع بنيامين، لأنه أراد إنشاء ميتافيزيقا مرتبطة بالدين.

في المقالة الخامسة، يتحدث عن الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو (1778–1712)، بعنوان مُثير، حيث وصفه بأنّه بنيوي النزعة، قبل الأوان، ومُتناغم مع طرح كلود ليفي شتراوس (–1908 2009)، لأنّ هذا الأخير ينطلق من مُسلّمة معرفية مفادها أنّ «العاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة قد دُمّرَت في الحداثة بشكل مؤلم» (ص). 129 وبهذه الصورة يعود شتراوس إلى رؤية روسو الفلسفية، باعتباره الناقد الأكبر للمجتمع المدني الذي سيتحوّل إلى مجتمع حداثي، ولأنّه أدرك أنّ المشكلة العويصة التي يعيشها الإنسان المعاصر، هي في الأصل «السمة الأساسية المميزة للمدنية الحديثة هي الانتزاع العنيف من الدورة الطبيعية للحياة» (ص 134)، متسائلً عن مسألة الهوية وربطها بقضية الفكر الطوطمي، والحديث عن التفكير الوحشي، بصورة ينافح فيها عن هذا النوع من العقل. أمّا في المقالة السادسة، فيعود هونيت إلى كتب الفيلسوف الظاهراتي موريس ميرلو – بونتي الذي قدم نقدًا حصيفًا للمجتمع الغربي المعاصر. تُؤمّن هذه الكتب من نواحٍ ثاث نظرة في مدى الراهنية الخفية لما هو متأصّل في عمل ميرلو – بونتي، حيث «نكتشف فيه مؤلِفًا فلسفيًا، بقي طوال حياته يبحث عن مخرج من فلسفة الوعي» (ص 152)، اعتمادًا على فكرة الاختزال الظاهراتي، ونبذ التصور الثنائي، والانشغال بكل ما هو أحادي، لذلك ارتبط ميرلو – بونتي بفلسفة الجشطالت، وخصوصًا عندما عالج مسألة الإدراك. في المقالة السابعة، يناقش هونيت المفكر وعالم النفس والباحث الاقتصادي الفرنسي كورنيليوس 1997) الذي انهمّ بالنقد، وفي هذا السياق، مارس نقدًا ذاتيًا للماركسية، معتمدًا على رؤية مخصوصة ذات أفق أنطولوجي لمفهوم الثورة، التي تمتح مقدرتها التفسيرية من الاقتراب القوي من العلوم المختلفة لعصره، وهذا النقد هو ثمرة طبيعية لحياة نضالية مبنيّة على فكرة الخبرة الحياتية، فبعدما «عانى في البدء شخصيًا من الاستراتيجية القمعية والسلطوية للحزب الشيوعي اليوناني الستاليني، انضمّ خال الحرب العالمية الثانية إلى الأممية الرابعة التروتسكية؛ إلّ أنّه، وبعدما انتقل إلى فرنسا كطالب جامعي في الفلسفة، سرعان ما دخل في صراع مع تنظيمه بالذّات، حيث إنّه لم يوافق على تقويمه للمجتمع السوفياتي ولا على تحليله للرأسمالية في البلدان المتطوّرة. وفي عمل مشترك مع كلود لوفور Lefort) Claude (، أحد تامذة ميرلو – بونتي، يؤسس كاستورياديس حلقة معارِضة سوف تصبح، بعد القطيعة المشتركة والنهائية مع الأممية الرابعة، الحامل (اشتراكية أم بربرية). وسوف تُشكِّل هذه المجلة بين عامي 1949 و 1966 النواة التنظيمية، كما أيضًا المركز الفكري لمواجهة ضخمة ومثمرة مع المشاكل النظرية والعملية للماركسية» (ص 165–164). ومن هذا المنطلق عمل على القطع مع المُسلّمات الفكرية للماركسية والحفاظ على نياتها الثورية، حيث «ابتعد كاستورياديس من الإطار النظري للماركسية، كي يتمكّن حاضرًا من إنقاذ نواتها العملية: فكرة قلب النظام الرأسمالي ثوريًا» (ص 163). وبناء عليه انخرط في حقل الممارسة العملية التي تنتمي إلى فضاء البراكسيس، ناقدًا بقوة التيار البنيوي الذي يُلغي الإنسان من رؤيته، ومعجمه الفكري عامر بمفردات الفعل الثوري التحرري، مثل

الحيزية، والطهارة، وفعل الجماهير، وإبداع نظام اجتماعي جديد، وتحت تأثير الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت (1975–1906)، ميّز بين الممارسة Praxis والتكوين Poiesis، وأشار إلى القوة التّأثيرية لكلّ من المخيلة والكام الخطابي والفعل التقني والغيرية والاختاف، وفي مستوى معيّن يصل كاستورياديس «إلى الهدف الحقيقي لمحاججته مع المصطلح المجازي ل ‘الصُهارة’ [الحمم البركانية الذائبة Magma]؛ ويعني بذلك، كما الزخم الحيوي عند برغسون، كتلة الطاقة الخاقة، النابضة أبدًا، تلك التي ترتكز عليها المعطيات – الخيال، الطبيعة، المعنى – كلها» (ص. 179) في المقالة الثامنة، يعود هونيت إلى ثيماته المفضلة، وهي الاعتراف والغيرية والآخر، طريق الاستعانة بالرؤى الفلسفية العميقة التي طرحها الفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول سارتر (1980–1905)، والاستفادة، قدر مستطاعه الفكري، من طريقته في عرض فكرة البيذاتية، وهي فكرة ظاهراتية مُستولدة من الواقع المديني العيني، حيث كان سارتر ابنًا بارًّا للمدينة، عاش في شوارعها وفضاءاتها، مثل الحدائق العامة والمقاهي ومحطات المترو التي تختزن وتشكّل «الخلفية المكانية والمغامرة الجنسية ومَشاهد الغيرة والصراعات اليومية، المادة المعالجة للهياكل النظرية. قد تكون هذه الحداثة البدهية هي ما يُفسّر احتفاظ أعمال سارتر بجاذبية فعّالة إلى اليوم، لكنها في أي حال هي ما يشكّل التحدي الذي مثّلته فلسفته منذ البداية. تبدو أمثولتها المركزية وكأنّها تحوز دائمًا خبرات نستطيع جميعًا تقاسمها، أو في الأقل تبدو كأننا نتشارك بها» (ص 185). وفي فلسفته نعثر على رؤية سارتر للآخر، منتقدًا فكرة السلبية، لأنها قتل لإمكانات التاقي كلها بين الأفراد، حيث يعتبر «كما قال سارتر بطريقة حادة، أن كوني منظورًا من الآخر هو ‘موت إمكاناتي’» (ص. 188)، التي تؤدي مباشرة إلى التشيؤ، فالآخر عند سارتر هو «الجحيم». في المقالة التاسعة، يستثمر هونيت في النصوص التي تعشقها مدرسة فرانكفورت، وهي التي تستند إلى دراسات اجتماعية، كي تُبقي رؤيتها لصيقة بالواقع، مع المقدرة على الاحتفاظ بمسافة محددة معه، هذا التماسف الذي يوازي بين ما هو نظري يحمي الفكر من التّصدع، وما هو واقعي يُغذّي النظرية بموارد تفكر جديدة، ومن بينها نصوص عالم الاجتماع بيير بورديو (2002–1930)، والغاية من الرجوع إليه، هي البحث في العوالم الجديدة التي أسسها بعيدًا عن الرؤية الماركسية التي انشغلت حصرًا بالعوامل الاقتصادية، وفيها بحث بورديو عن رأس المال الرمزي الذي يشمل الثقافة والدين واللغة والتاريخ والتقاليد، وخصوصًا في منطقة القبائل الجزائرية، برفقة صديقه الروائي الباحث الجزائري في اللسانيات الأمازيغية، مولود معمري (1917–1989)، وتُعبّر هذه الكتلة الرمزية عن جزء مفصلي في الصراع بين الطبقات، حيث «وجّه بورديو اهتمامه وبحوثه من البداية إلى عالم البُنى الرمزية التي يأتي بها المجتمع إلى منصّة العرض؛ فما يجذب انتباهه هو تلك المجالات التي تتمثل في العادات الثقافية وأشكال التعبير الرمزية التي اعتادت الماركسية المتصلبة رفضها ببساطة، معتبرة إياها منتوجًا جانبيًا لإعادة الإنتاج الاجتماعية» (ص. 199)، معتمدًا على جملة من المصطلحات التفسيرية، مثل الهابيتوس Habitus الذي يعني عنده جملة «الأذواق الثقافية والبنى الاجتماعية

التي رأى أنها تتموقع ضمن الهابيتوس (التطبُّع أو السجيّة أو السَّمت) الموجّه للطبقة». في المقالة العاشرة، ينغرس هونيت في الوقع الفعلي من أجل فهم عميق للجماهير وكيفية تعاملها مع السلطة، وهي طريقة أنثروبولوجية في قراءة هذه الظاهرة، وذلك بالرجوع إلى نصوص الروائي والكاتب المسرحي الألماني إلياس كانيتي Canetti Elias) 1994–1905(الذي قدّم دراسة فريدة من نوعها، تجلّت في كتابه العمدة، الموسوم بعنوان دّال وموحٍ الحشد والسلطة Crowds and Power، صدر في عام 1960، فهو من حيث المنطلق، لا يعترف مطلقًا بأي مرجعيات فكرية، ولا يعود إلى نصوص تنشغل بالرؤية نفسها، مثل نصوص حنة أرندت وماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، ولا يُقيم «وزنًا على الإطاق لعلم النفس الفردي بأجمعه، ولا لعلم التفسير كله أو حتى لأساليب العلوم الإنسانية؛ هو لا يعرف ظاهرة اجتماعية، أو واقعة في التفاعل بين البشر، لا يمكن إرجاعها بصورة من الصور إلى الغرائز البدائية للجسد الإنساني» (ص. 225). ويُرجع كلّ السلوك إلى عامل الخوف الذي اشتغل عليه الفيلسوف توماس هوبز؛ إذ يرى «أنّ التفاعل الاجتماعي برمّته قد حدّده الشعور بالخوف الذي يكبّل جميع البشر بالتساوي» (ص. 228) في المقالة الحادية عشرة، ينفتح هونيت على الفلسفة الغربية في الجهة المقابلة للحداثة الأوروبية، وتحديدًا عند الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور الذي سحب مفهوم الذّات من الامفكر فيه إلى فضاء التفكّر الفلسفي الجديد، نتيجة الهجمة الشرسة التي تعرّض لها من النزعات التي تعشق المشي في جنائز الإنسان، مثل الفلسفات المُغالية في النسق والبنيوية وفلسفات ما بعد الحداثة، أو كما تُسمى عند البعض، مجتمعات المراقبة والعقاب. وعند التعمّق في الشخصية المعرفية لتايلور، نعثر على الكثير من الخصائص، من بينها، أنّه تلميذ تربّى على مناهج ورؤى المدرسة التحليلية، وخصوصًا التزامه القوي بتقاليد جامعة أكسفورد، وله عاقة قوية بالفكر القارّي، وخصوصًا الألماني منه، وعلى دراية عميقة بالأفق التأويلي وانشغال متين بفلسفة هيغل، ومحاور لرؤية هايدغر الأنطولوجية. ومن المعروف أنّ مفهوم الذّات تشكَّل بدوره في ربوع الفلسفة الظاهراتية، وفق بناء فكري عماق، موسوم، ب «أنثروبولوجيا فلسفية»، التي «يُفترَض أن تكون مهمّتها اكتساب السمات الأساسية لفهم جديد لشكل الوجود الإنساني من طريق نقد الفلسفة الحديثة» (ص 250)، وخصوصًا مفهوم الذّات الذي يرتبط بكوكبة كبرى من المفاهيم، من بينها: الهوية والآخر والاعتراف والحوار. فما يميز «تايلور عن غيره من الفاسفة المعاصرين هو دعوته إلى الاعتراف بوصفه حلً أخاقيًا وسياسيًا لمشكات الهوية، وذلك لأنّ الاعتراف يمثل حاجة فردية أولية وأصيلة، ويشكل قاعدة لتسيير التعدد الثقافي والاختاف الثقافي في المجتمع. ويقوم الاعتراف على مُسلّمة أساسية وهي أن لا

وجود لهوية وأصالة شخصية من غير حوار، ومن دون مساهمة الآخرين، ومن دون تبادل معهم». بهذه الطريقة، يتوجّه تايلور صوب تقديم تشخيص عاجي للعصر، وهو الأفق ذاته الذي يتقاسمه مع مدرسة فرانكفورت، وساعده في ذلك عاقته المعرفية بصديقه وأستاذه أشعيا برلين Berlin Isaiah (1997–1909)، وقراءته نصوص موريس ميرلو – بونتي، ودوريس ليسنغ Doris Lessing (2013–1919)، وستوارت هول Stuart Hall (2014–1932)، وباستثماره لكلّ هذا التراث الفكري المتعدد المشارب، انشغل تايلور بمفهوم الذّات وفق مسار أنثروبولوجي، وظهر هذا جليًّا في كتابه تفسير السلوك The Explanation of Behavior الصادر في عام 1964، وفيه نعثر على «الشروط الأولى لأنثروبولوجيته الفلسفية بشكل ضمني، فالغرض الأساسي من هذا البحث هو فتح المجال في داخل الفلسفة التحليلية لنماذج سلوكية لا تخضع للقيود التجريبية للنظرية السلوكية» (ص. 252). وكذلك في مؤلفه منابع الذات: تكون الهوية الحديثة Sources of the والغرض المفصلي من أبحاثه هو أنّ «تصبح أنثروبولوجيته الفلسفية فعّالة كقاعدة معيارية لنظرية أزمة الحداثة» (ص. 268). في المقالة الثانية عشرة، يذهب هونيت إلى جهة الباحث أفيخاي مرغليت Margalit Avishai (1939–) الذي يبحث عن مجتمع با إذلال، استنادًا إلى تقعيد هذا المجتمع على سياسة الكرامة، لأنّه يريد أنّ يربط عرفيًا وعمليًا بين الاعتراف ومفهوم العدالة، حيث يقول: «توصّلنا في هذه الأثناء إلى الوعي، بأن الاعتراف بكرامة أشخاص أو جماعات يشكّل جزءًا جوهريًا لمفهومنا عن العدالة» (ص 272). وهذا العلم هو نتيجة طبيعية لاشتغال فلسفي بشأن المحرقة اليهودية، فهو «أحد الدروس التي يقدمها لنا الكتاب الجديد لأفيخاي مرغليت؛ إذا ما وُضِعت المحاججات التي طُوِّرت في كتاب سياسة الكرامة، في سياق كتابات أخرى للمؤلِّف، يتبيّن بسرعة، أنّ الالتفات هنّا إلى مقولات ك ‘كرامة’، ‘احترام’ أو ‘اعتراف’ هو نتيجة لشغل فلسفي على المحرقة [اليهودية]» (ص. 273). وعلى الرغم من هذه الحسنات الفكرية، المنتشرة في متن المنجز، يمكن الحديث عن بعض النقائص التي توجد فيه، حيث ينقص الكتاب ذلك الإطار النظري الكبير الذي يؤمّن الرؤية العامة التي تصنع نسغه ولحمته، لا يمكن التغاضي عن أن مقالات الكتاب كُتبت وجُمعت في ظروف مختلفة وفي مناسبات منوعة، إلّ أنّه كان قادرًا على تجاوز غياب الخيط الناظم، بوساطة إعادة تنظيم العمل وفق تصور جديد، ينطلق من المشكات الكبرى التي أفرزتها تجربة الحداثة، مثل التجربة النازية أو الهولوكوست التي تعامل معها أفيخاي مرغليت فلسفيًا، وهي فرصة كي نطرق مشكل الاعتراف في صورته الصارخة، وانسجامًا مع هذا، يتوجّه صوب تحليل كانيتي ل« الحشد والسلطة»، كي نفهم أنّ التصدّع ينبع من الواقع، ومن الخوف تحديدًا، ثم مقاربته منجز كاستورياديس، بشأن الطريقة التي يمكن أن ننقذ بها مفهوم الثورة، بحسبانها الأمل الأخير للإنسان المعاصر. وبناء عليه، نتوجّه صوب عمل بورديو الذي فهمنا منه أنّ رأس المال الرمزي جزءٌ مفصلي من الحل الإنساني، وفي أثناء هذا التحليل، نقف عند ذلك الاشتغال

المعرفي القوي بين روسو الناقد الأكبر للمجتمع المدني، وشتراوس البنيوي، المنافح عن التفكير الوحشي، وبعد ذلك، ينطلق في عرض مقاربات سارتر وميرلو – بونتي وتايلور، وفي منتهى العمل، يبدأ في عرض رؤيته، انطاقًا من راهنية لوكاتش، ثم الحديث عن محتوى النظرية النقدية الذي يتمظهر في فلسفة أدورنو وبنيامين، رُبما بهذه الطريقة نستطيع أن نخرج من الكتاب برؤية عن منجزه المعرفي، ونعثر على خيط ناظم يُؤمن انتظام الرؤية. نلحظ في تحليله ممارسةً على درجة عالية من الإتقان لسياسة الهوية: ففي أثناء حديثه عن الفيلسوف المجري جورج لوكاتش، يشر إلى «عمليات التفريق التي يُمهّد الرأسمال الصناعي لها الطريق» (ص. 17)، ويتولّد منها ظاهرة التفسّخ الفردي والجماعي، وأخيرًا العاقة المضطربة بينه وبين الطبيعة، التي يُرجعها إلى عامل التّرشيد الرأسمالي، وهي فكرة، نلحظ حضورها في المتن اللوكاتشي، لكنه يلتزم الصمت أمامها، ولا يتحدث عن أسبقية لوكاتش في هذا المضمار، وهو يُبقيها ضمن معجمية ماكس فيبر الخالصة، لكن عندما يتعلق الأمر بمصادر تفكيره، فإنّه يكشف مباشرة عن مرجعيتها اللوكاتشية، وغالبية مفاهيم لوكاتش مأخوذة ومستوحاة من نصوص صديقه إرنست بلوخ (1977–1885)، مثل فكرة الوطن، حيث «لا يتردد لوكاتش، عند الحديث عن هذا النمط من المجتمع الجمالي المتصالح مع نفسه، في استعمال ‘كلمة’ وطن Heimat، تمامًا كما استعملها بلوخ الذي كانت تربطه به صداقة في ذلك الوقت» (ص 21–20). ويُصرّح هونيت علنًا بأنّ أفكار لوكاتش مأخوذة أيضًا من الفلسفة الماركسية، قائلً: «كان لوكاتش الشاب، ضمن التقليد الذي يعود في أصله إلى ماركس» (ص. 23). ومن فلسفة الحياة عند عالم الاجتماع الألماني جورج زيمِل (1918–1858 فهو)، «يتناول هنا فكرة الثقافة الجمالية الرائدة ويُعيد تأويلها مجددًا في إطار أنموذج إفصاحي، أصبح هنا مدموغًا بنظرية الإنتاج الماركسية بصورة أقوى من تأثّره بمفهوم الحياة عند زيمِل» (ص).21 في قراءة المنجز المعرفي لِفوكو، نلحظ لديه بعض الأحكام السلبية، تحُط من قيمة الفيلسوف المعرفية، وخصوصًا عندما قال: «صحيح أنه، كَتلميح مستتر عن نيتشه، أطلق على نفسه لقب ‘وضعي مَرِح’، لكنه أخفى بذلك أكثر دوافع نظريته الثقافية عمقًا» (ص 89). ونلحظ مدى حرص هونيت على تأكيد حضور نيتشه، في رؤية فوكو الناظمة، الذي يظهر مثل الملهم أولً، ثم مثل المنقذ الفكري ثانيًا؛ إذ بعد فشل مؤلَّفه أركيولوجيا المعرفة الذي هو من منظور هونيت: «أكثر نصوصه هشاشة وقصورًا؛ وبعد فشل هذه المحاولة التي وقعت في شرك تحليل معرفي مقتصر على حقيقية مجريات اللغة فحسب، كرّس فوكو نفسه لمشروع تحليل للسلطة مستوحى من نيتشه» (ص 90)، حيث سينتقل فوكو، بعد ذلك، من ميدان التاريخ إلى فضاء السلطة التي نلج إليها رواق المعرفة، ويغدو أسيرًا لإشكالية مدرسة فرانكفورت، وبذلك «يتحرّك فوكو في الحقل الذي استوطنته أيضًا تقاليد مدرسة فرانكفورت ونظرية أدورنو» (ص 91). ويُقدّم هونيت في نهاية المقالة الثالثة نقدًا لاذعًا لِفوكو، فهو يعثر على معضلة نظرية تمزق رؤية فوكو للحداثة انطاقًا من إنزال الممارسات القمعية على الجسد، وهذه الرؤية هي صورة موجودة سلفًا في كتاب جدلية التنوير، فمع أنّ «كل شيء في نقده الحداثة يبدو مُركّزًا حول معاناة الجسد البشري من الممارسات القمعية للأجهزة الحديثة للسلطة، لا نجد في

نظريته شيئًا يمكن أن يعبّر عن تلك المعاناة بوضوح بوصفها كذلك. وهكذا كان على نظريته عن الحداثة أن تذوي في النهاية، عبر نظرية النظم، إلى نسخة مختزلة عن جدل التنوير» (ص. 103). يُمكن أن نعثر على بعض الأحكام المعرفية المُتعسّفة في حق بعض الأسماء الثقيلة التي تنتمي إلى التقليد الألماني، ومن بينها، عالم الاجتماع ماكس فيبر الذي يظهر مثل صورة باهتة في متن الكتاب، وحكم عليه بأنّه ينتمي إلى المسار الماركسي، حيث قال هونيت: «كما يفهمها مثقف ماركسي كماكس فيبر» (ص 95)، وينكر عليه أي أصالة في طرحه، ويُرجِعها إلى نيتشه، ويتناسى قراءته الطريفة لظاهرة نشوء الشخصية الرأسمالية بإرجاعها إلى عوامل ثقافية تتمثل في القيم الدينية، المبنية على قيم الزهد والتقشف التي أرساها المذهب البروتستانتي. يُركّز هونيت كثيرًا على التأثير الفلسفي الألماني في الفلسفة الفرنسية، وخصوصًا في نصوص الفيلسوف الفرنسي سارتر الذي هو، في رأي هونيت، ليس سوى صدى فكري لكلّ من إدموند هوسرل (1938–1859) وهايدغر، وهي محاولة

المراجع

دار الطليعة،.2009 العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 حاج إسماعيل وهيثم غالي الناهي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2015 بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 قام «سارتر في أعماله الأولى بمحاولة اكتساب أنطولوجيا لعالَم الاجتماعي من المنظور الداخلي لوَعْي ذاتٍِ قصدية. ويتمتع بأهمية كدافع للمشروع برمّته العزم الواثق على محاولة المصالحة المتأخرة بين أنطولوجيا الكينونة لهايدغر والفلسفة الترنسندنتالية لهوسرل في مقاربة واحدة» (ص. 186)، وحتى بعض أفكاره مستوحى أيضًا من متن الفلسفة الألمانية، وخصوصًا عندما يتحدث سارتر عن مشكل البيذاتية، أو الوعي الانعكاسي للذات، وطريقة حلّه؛ إذ يقول: «الإجابة التي يُعطيها سارتر، تُذَكِّر للوهلة الأولى بنمط أفكار بادر إليه فيخته وتابع هيغل تطويره، تلك الذات تستطيع أن تصل إلى وعي نفسها، أي إلى الثقة بالنفس، فقط عندما تستطيع التعرف إلى نفسها كذات في وعي ذات أخرى مماثلة» (ص 187). والشيء نفسه بالنسبة إلى أعمال تايلور، حيث يشير إلى المرجعيات الفلسفية الألمانية التي ساهمت في صنع الفكر الفلسفي لتايلور، مثل «اكتشاف الجناح الرومانسي للتنوير الألماني، الانشغال بالعصور الكاسيكية القديمة، تحديث فلسفة هيغل، وأخيرًا الجدال مع أنطولوجيا الكينونة لهايدغر» (ص. 249)

References

بغورة، الزواوي. ما بعد الحداثة والتنوير، موقف الأنطولوجيا التاريخيَّة: دراسة نقدية. بيروت: جيجيك، سافوي. العنف: تأملات في وجوهه الستّة. ترجمة فاضل جتكر. الدوحة/ بيروت: المركز هارت، مايكل وأنطونيو نيغري. الجمهور، الحرب والديمقراطية في عصر الإمبراطورية. ترجمة حيدر هونيت، أكسِل. الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية. سلسلة ترجمان. الدوحة/