Return to Article Details The Concepts of Causality and Determinism: Between Averroes and Baruch Spinoza

مفهومَا السببية والحتمية بين ابن رشد وسبينوزا

The Concepts of Causality and Determinism: Between Averroes and Baruch Spinoza

بلال بازي

Bilal Elbazi

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في مفهوم السببية، باعتباره الأساس الذي قامت عليه العلوم خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكيفية تطوّره من ابن رشد إلى باروخ سبينوزا، خلال الفترة الحديثة، ليتسم بأقصى مظاهر الضرورة، ويتحوّل إلى نزعة حتمانية تسعى لتأطير البحث العلمي وتوجيهه نحو جادة الصواب. وترصد الدراسة، من خلال تناولها لهذا المفهوم، الامتداد الرشدي في النسق السبينوزي، والذي يفترض، إضافة إلى كون الحتمية تعبيرًا عن السببية، أن يكون هناك امتداد رشدي في النسق السبينوزي، وأنّ الرشدية اللاتينية أدّت دورًا مهمًا في هذا الامتداد، حيث احتضنت المفاهيم الأرسطية والرشدية التي وصلت إلى الفترة الحديثة.

Abstract

Morrocan Researcher in philosophy.

الكلمات المفتاحية:
  • السببية
  • الحتمية
  • ابن رشد
  • سبينوزا
Keywords:
  • Causality
  • Determinism
  • Ibn Rushd
  • Spinoza

The Concepts of Causality and Determinism:

Between Averroes and Baruch Spinoza

خ لاا القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكيفية تطوّره من ابن رشد إلى باروخ سبينوزا،

خلال الفترة الحديثة، ليتسم بأقصى مظاهر الضرورة، ويتحوّل إلى نزعة حتمانية تسعى لتأطير

البحث العلمي وتوجيهه نحو جادة الصواب. وترصد الدراسة، من خلال تناولها لهذا المفهوم،

الامتداد الرشدي في النسق السبينوزي، والذي يفترض، إضافة إلى كون الحتمية تعبيرًا عن

السببية، أن يكون هناك امتداد رشدي في النسق السبينوزي، وأنّ الرشدية اللاتينية أدّت دورًا

مهمًا في هذا الامتداد، حيث احتضنت المفاهيم الأرسطية والرشدية التي وصلت إلى الفترة

الحديثة.

مقدمة

يُعدّ مفهوم السببية من المفاهيم الرئيسة التي قام عليها العلم التجريبي، منذ أرسطو الذي اعتبر في كتابه الميتافيزيقا أنّ العلم هو معرفة الأسباب؛ فالمعرفة لا يمكنها أن تقوم من دون مبدأ السببية، بغض النظر عن طبيعة هذه المعرفة، سواء أكانت علمية أم لم تكن. فلا شيء يحدث خارج السببية، والعالم عبارة عن كتلة مادية لا تُفهم ولا تُفسَّر إلّ سببيًا. خلال العصر الحديث لم يعد الاهتمام بالعلل الأربع ذا أهمية، كما كان الأمر مع أرسطو ومحمد بن رشد، باستثناء العلة الفاعلة، هذه العلة التي قامت على كاهلها الفيزياء الكلاسيكية؛ ذلك أنّ مفهوم السبب الفاعل يتضمن في ذاته ضرورة تكفي لقيام النواميس والنظريات العلمية عبر منهج الاستقراء؛ فالشيء لا يمكنه أن يستمر ويتحوّل ويتغيّر إلّ بوجود سبب فاعل يضمن حركته وتحوّله. تتناول هذه الدراسة مفهوم السببية وتطوّره داخل الحقل الفلسفي العلمي، وتحوّله من مبدأ للتفسير إلى مبدأ للتنبؤ، حيث ترى الفيزياء أنّ أي حدث ناجمٌ بالضرورة عن حدث سابق له؛ لذلك إذا كنّا نعرف – بدقة – الحالة الحالية لشيء ما، فمن الممكن التنبؤ بمستقبله. هذا الموقف معروف ب «الحتمية»، وقد أصبح دقيقًا مع تقدّم العلم. ووفقًا لمبدأ السببية، دائمًا ثمة سبب لكل تأثير؛ أي إنه نتيجة لحدث سابق. إضافة إلى تناولها علاقة السببية بالحتمية، وعلاقة ابن رشد بسبينوزا، تركّز هذه الدراسة على إشكال ضمني يلتقطه القارئ، ويكمن هذا الإشكال في السؤال: كيف يمكن أن يؤثر تصوّرنا للإله في تفسيرنا

للعالم، وفي تصوّرنا لبعض المفاهيم والأفكار العلمية من قبيل مفهوم السببية؟ فهو، إذًا، سؤال حول ماهية العلاقة بين تصوّرنا للإله وتطوّر بعض الأفكار والمفاهيم العلمية أو تقهقرها، ولنا في ذلك عدة أمثلة من تاريخ الفلسفة والعلم سيأتي البحث على ذكرها.

أولا: السببية عند ابن رشد

1. السببية بين الإلهية والطبيعية

في فكر ابن رشد (1198–1126)، لا بد من التمييز بين نوعين من السببية: السببية الإلهية، وهي تتمثّل في الفعل الذي يُدخله الإله على المادة الأولى، أي إنها تكون مباشرة، والسببية الطبيعية (الحسية)،

(1) Aristoteles, Metafisica , Introduccion Traduccion y Notes: Tomas Calvo Martine (Madrid: Editorial Gredos, 1994), p. 69.

(((العلل الأربع: العلة الفاعلة، العلة الغائية، العلة الصورية، العلة المادية. يُنظر: عبد السلام بن مَيْسَ، قضايا في

الإبستمولوجيا والمنطق (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع، 2000)، ص.139 (((الذاتية في السببية الإلهية تقتضي وجود السبب خارج الزمان والسببية الطبيعية تخضع للزمان، بهذا المعنى يكون

هنالك تقابل بين الذاتية واللازمان، وبين العرضية والزمان، ربما هذا ما رمى إليه ابن رشد لمّا قال: «ولما كان كل شيء

في زمان ومكان قيل في كل ما وافقه في الزمن والمكان فقط إنه علة بالعرض على أنه علة بالحقيقة، بل من قبل موافقتها

إياه في الزمن أو في المكان»، ينظر: محمد بن أحمد بن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق موريس بويج (بيروت:

المطبعة الكاثوليكية، 1948)، ص 695–694. أي إن وجود الأشياء يعود إلى السبب الأول الحقيقي، وهو الله، وباقي

الأسباب إنما هي بالعرض فقط، السببية الإلهية هي الأساس أما السببية الحسية فهي ثانوية.

وهي كون شيء ما في العالم يكون سببًا لآخر. السببية عند ابن رشد اتصالية، ومثال ذلك أنّ الله خلق آدم، وآدم أصبح سببًا لكل البشر، وهذه هي عين السببية الطبيعية. إنّ القول بالأسباب الطبيعية، في فكر ابن رشد، لا يمسّ الإرادة الإلهية، بل من شأنه أن يثبت صانع

العالم وحِكمته، أما نفيها فهو يُسقط جزءًا من الاستدلالات على وجود الصانع، بخلاف ما ذهب إليه

الأشاعرة؛ إذ «لو علموا أنّ الطبيعة مصنوعة، وأنه لا شيء أدلّ على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الإحكام، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءًا عظيمًا من موجودات الاستدلال على وجود الصانع بجحده جزءًا من موجودات الله»؛ فالله أوْجَد موجودات بأسباب سخّرها لها من خارج، وهي الأجسام السماوية، بتعبير ابن رشد، وبأسباب أوجدها في ذواتها، وهي النفوس والقوى الطبيعية، حتى حُفظ بذلك وجود الموجودات وتمّت الحكمة. هذا التمييز بين السببية الإلهية والحسية لا يدل على انفصالهما، بل إن ابن رشد يربط بينهما باستخدام مفاهيم في السبب الحسّي تُعطي أبعادًا إلهية ميتافيزيقية؛ إذ يقول: «إنه لا ينبغي أن يُشكّ في أنّ هذه الموجودات قد تفعل بعضها بعضًا ومن بعض [...] ولكنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل، بل بفاعل من خارج، فعله شرط في فعلها، بل في وجودها، فضلً عن فعلها». فهذه الأسباب مشروطة بفاعل لها، وبطبيعة تخصّها، وقد طبعها الله على القواعد والقوانين الطبيعية الكامنة في المادة الأولى (الهيولى) التي كان هو سبب حركتها وتحوّلها، وهو ما يُضفي نوعًا من «الحتمية» على الأمر. على عكس الأشاعرة، يُقرّ ابن رشد بالسببية الحسية بين المحسوسات، ويلتزم بمنطق الضرورة. إنّ الذاتية في السببية الإلهية تحتم وجود السبب فيها خارج الزمان، أما السببية الحسية العرضية، فهي تُخضع السبب للزمان؛ إذ يقول «ولمّا كان كل شيء في زمان ومكان قيل في كل ما وافقه في الزمن والمكان فقط إنه علة بالعرض على أنه علة بالحقيقة، بل من قبل موافقتها إياه في الزمن أو في المكان». إنّ القوى الداخلية المخلوقة فينا تابعة لنظام السببية في أجسامنا، أما القوى الخارجية المسخّرة لنا فهي تابعة لنظام السببية في العالم، وهي تقوم بدور المتمم أو المعيق؛ وكما يقول ابن رشد، هي السبب في أن نريد أحد المتقابلين، فإنّ الإرادة إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيّل ما أو تصديق بشيء، وهذا

التصديق ليس هو لاختيارنا، بل هو شيء يعرض لنا عن الأمور التي من خارج.

(((محمد بن أحمد بن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال أو وجوب النظر العقلي

وحدود التأويل (الدين والمجتمع)، مدخل ومقدمة تحليلية وإشراف محمد عابد الجابري، سلسلة التراث العربي

الفلسفي، مؤلفات ابن رشد (1) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص.220 (((يُنظر: محمد بن أحمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مدخل ومقدمة تحليلية وإشراف محمد

عابد الجابري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.170 (((محمد بن أحمد بن رشد، تهافت التهافت، مدخل ومقدمة تحليلية وإشراف محمد عابد الجابري (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.508 (((ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص.695 (((ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص 189، فقرة.298

هذا الموقف ينسجم مع الطرح الأرسطي؛ إذ يرى ابن رشد أنّ الأسباب الخارجية تحرّك فينا شوقًا

وميلً للفعل، إذا كانت لنا القوة الداخلية؛ أي نظام السببية الداخلي للفعل، وكانت أيضًا الأسباب الخارجية ملائمة للقيام بهذا الفعل، فعندها نفعل ما نريد. وهذا يعني أنه لا بد من تحقيق التوافق بين نظامَي السببية الداخلي والخارجي لتحقيق الفعل، وهذا ما يمكن أن نصطلح عليه باللغة الفلسفية

الحرية والإرادة؛ إذ يقول ابن رشد: «إذا تؤُملت دلائل السمع في ذلك وُجدت متعارضة، وكذلك حجج

العقول»، حيث إنّ النص القرآني غني بآيات تثبت حرية الإنسان، وأخرى تنفي هذه الحرية وتؤكد أنّ الإنسان خاضع للحتمية، أي إنه مسيّر؛ فكل ما يفعله سبق وجوده وتحديده في اللوح المحفوظ،

وحُجج العقول تستوجب أنّ المسؤولية (الجزاء، والثواب، والعقاب) تتطلب أن يكون الإنسان حُرًا في

ما يفعل، وهذا موقف المعتزلة. أما الجبرية، فقد ذهبوا إلى أنّ هذا الأمر يتعارض مع إرادة الله المطلقة؛ ومن ثم نفوا الحرية والإرادة الإنسانية. في حين ذهب الأشاعرة إلى القول بالكسب؛ فإن للإنسان كسبًا، والمكتسب به والمكتسب

مخلوقان لله تعالى. أما ابن رشد فذهب إلى القول إنّ الله يخلق لنا قوى نستطيع بها أن نكتسب

أشياء هي أضداد، غير أنّ هذا الاكتساب مشروط بمواتاة الأسباب الداخلية والأسباب الخارجية.

2. الحركة والإمكان

أ. الحركة

يقوم التصوّر الأرسطي على فكرة أساسية مُفادها أنه لا يمكن التسلسل إلى ما لانهاية في الحركة، بل

لا بد من الوصول إلى محرّك أول لا يتحرّك، وهو المسؤول عن كل حركة. تطرق ابن رشد إلى مسألة

القِدَم التي كانت تشغل تفكير معاصريه، والذين سبقوه، ليثبت الحركة وقِدَمها، حيث يُقرّ بواسطة

هذه المسألة بوجود محرّك أزلي سبب لكل حركة. والحركة عنده لا تختلف عن الحركة الأرسطية، فهي

إما حركة نحو المركز، أو من المركز، أو حول المركز؛ ما يجعلنا نتصوّرها إما مستقيمة وإما دائرية.

(((ألفرد إدوارد تايلور، أرسطو، ترجمة عزت قرني (بيروت: دار الطليعة، 1992)، ص.74 (1((المرجع نفسه، ص.284

(1((﴿فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف.)29:

(1((﴿وَاللَّهُ خلقَكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جعلَكُمْ أَزْوَاجًا ومَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى ولَ تضَعُ إِلَّ بعِلْمهِومَا يُعمَّرُ مِن مُّعمَّر

ولَ يُنقَصُ مِنْ عمُرهإِلَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَِ علَى اللَّهِيَسِيرٌ﴾ (فاطر: 11 ي)؛ ﴿مَا أ صَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْ رْضِ ولَا فِ

أَنْفُسِكُمْ إِلّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرأهَا﴾ (الحديد).22:

(1((ينظر: أبو الفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحَل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، ج 1 (القاهرة:

مؤسسة الحلبي وشركاه، 1968)، ص.45 (1((المرجع نفسه، ص 87–85 (1((يُنظر: ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص 187، فقرة.291

(1((المرجع نفسه، ص 188، فقرة.297 (1((المتكلمون، وفلاسفة الإغريق. يُنظر نص لأبي حامد الغزالي، ضمن الملحق الذي أضافه محمد عابد الجابري

في: ابن رشد، تهافت التهافت، ص.561 (1((المرجع نفسه، ص.146–145

يتبع ابن رشد أسلوب أرسطو في دراسته للحركة؛ فهو يتحدّث عن المحرّك الأول الذي هو علة كل

حركة في الكون، وقد فعل هذا استنادًا إلى تبيُّن علاقات التضاد والتناقض بين العبارات، ويقول في

هذا السياق: «لكنّ المتحرّك ليس يمكن فيه أن يكون معًا يتحرك وقد تحرّك، وإلّ كان ساكنًا ومتحرّكًا

معًا. ومتى أنزلنا العِظَم مؤلفًا مما لا ينقسم، لزم ضرورة أن يكون المتحرّك يتحرّك وقد تحرّك معًا، أو

تكون الحركة مؤلَّفة من سكون». المحرك الأول ليس من الضروري أن يُحرِّكَ بشكل مباشر ما يُحرِّك،

بل قد يحرِّك بتوسُّط. في عالم الفساد، عالم المادة، يكون فعل التحريك من طرف المحرّك الأول

بواسطة حركة الكواكب التي ترجع حركتها بالضرورة إلى المحرّك الأول الذي يعطي الحركة والوجود

والنظام والترتيب، وما إلى ذلك من أسباب الوجود والاستمرار. إنّ الحركة في نظر ابن رشد، في موافقة منه لأرسطو، إما طبيعية وإما قسرية، أي إنها تحدث بفعل يُمارَس على الأجسام من خارجها. وهذا التصوّر ناتج بالضرورة من تبنّي ابن رشد لتصوّر مُفاده أنّ

الأجسام، بوصفها جواهر وطبائع، ذات وجود ثابت؛ ما يعني أنّ العناصر هي كيانات جوهرية ذات ماهيات سرمدية. فابن رشد يؤكد على التقسيم الثنائي (عالم فوقي/ عالم أرضي، الحركة الفاسدة/ الحركة الكاملة السرمدية، الحركة المستقيمة/ الحركة الدائرية). بحسب علم ما بعد الطبيعة، فإنه لا يمكننا التسلسل في المحركات إلى ما لانهاية، حيث إنّ لكل متحرِّك محرِّكًا يحرّكه، والمتحرِّك إنما يتحرّك من جهة ما هو بالقوة، والمحرِّك يحرِّك من جهة ما هو

بالفعل، والمحرِّك إذا تحرّك تارة ولم يُحرِّك أخرى فهو مُتحرّك بالقوة حينما لا يُحرِّك بالفعل. ولذلك،

حين يُزعَم المحرِّك الأقصى للعالم أنه يحرِّك تارة ولا يحرِّك أخرى لزم ضرورة أن يكون هنالك محرّك

أقدم منه فلا يكون هو المحرّك الأول. وإذا فرضنا أيضًا أن هذا الثاني يحرّك تارة ولا يحرّك أخرى لزم فيه

ما لزم في الأول؛ فباضطرارٍ إما أن يمرّ الأمر إلى غير نهاية وهو، بحسب ابن رشد، مُحال، وإما أن نقول

إنّ هناك محركًا لا يتحرّك أصل. وهذا، أيضًا، اتفاق لابن رشد مع أرسطو في هذه المسألة. وافق ابن رشد أرسطو كذلك في أن هناك حركة في الأين وحركة في الكيف، وحركة في الكمّ، وأن هذه الحركة تنقسم. وبيان ذلك أنّ كل متغيّر إنما يكون من شيء إلى شيء، أضف إلى ذلك أنّ هذا

التغيّر لا يخلو من أن يكون في ما منه يُتغيّر أو في ما إليه يتغيّر، حيث «إنه ليس يلزم في الأبيض، عندما

يتحرّك، أن يكون بعضه في البياض وبعضه في السواد، بل إنما يلزم أن يكون بعضه أبيض وبعضه في

(1((القائل بهذه الفكرة هو بناصر البعزاتي، ينظر: بناصر البعزاتي، «مكانة ابن رشد في تطور الأفكار العلمية: تصوّر

الحركة»، في: محمد المصباحي (إشراف)، الأفق الكوني لفكر ابن رشد: أعمال الندوة الدولية بمناسبة مرور ثمانية قرون

على وفاته، مراكش 15–12 ديسمبر 1998 (الرباط: منشورات الجمعية الفلسفية المغربية،.)2001 (2((محمد بن أحمد بن رشد، رسالة السماع الطبيعي، تقديم وتعليق رفيق العجم وجيرار جهامي (بيروت: دار الفكر

اللبناني، 1994)، ص.99 (2((يُنظر: مقدّمة محمد عابد الجابري في: ابن رشد، تهافت التهافت، ص 75–74؛ يُنظر فيما يتعلق بتحريك الله

للعالم: المرجع نفسه، ص.238 (2((المرجع نفسه، ص 146–144؛ وبخصوص ثنائية عالم الكون والفساد ينظر: المرجع نفسه، ص.305 (2((محمد بن أحمد بن رشد، علم ما بعد الطبيعة، نشره كرلوس كيروس (مدريد: المطبعة الأبيرقية، 1918)، ص.126

المتوسط». وأصناف هذه الأضداد ثلاثة، تكوّن أجناس الحركات الثلاثة، وقد عبّر عنها بالحركة في الأين؛ وهي النقلة ومنها فوق وأسفل، والحركة في الكم وهي تكون نموًا ونقصًا، والحركة في الكيف وهي استحالة. في تهافت التهافت، يقسم ابن رشد الموجود إلى نوعين: موجود في طبيعته الحركة وهو لا ينفك عن الزمان، وموجود ليس في طبيعته الحركة وهو أزلي. ويمكن تقسيم الموجودات التي في طبيعتها الحركة إلى موجودات تتحرك حركة دائرية أزلية في المكان، وهي حركة عالم ما فوق القمر، وموجودات تتحرك حركة أزلية في الجوهر، الأمر الذي يؤدي إلى فساد الأفراد، وحركة أزلية في المقولات العرضية، وهي التي تحدُث عنها بالاستحالة والصيرورة من حالة إلى أخرى، ومن وضع كمّي إلى آخر. والحركتان (الجوهرية والعرضية) تخصّان عالم ما تحت القمر. أما الموجودات غير المتحركة، فيقسمها إلى نوعين: العقول المفارقة، والمبدأ الأول. بحسب ابن رشد؛ الإله لا يسبقه عدم مطلق؛ فهو فاعلٌ دائمٌ، أي إنّ نظرته اتصالية، وفي هذا السياق يقول: «إنّ الذي أفاد الحدوث الدائم أحق باسم الإحداث من الذي أفاد الحدوث المنقطع». هذا يعني أنّ فعل الإله مستديم، فهو متصل بالعالم من خلال فعله فيه، و«أما إذا لم يكن بين الحركتين الكلّيتين نسبة، لكون كل واحد منها بالقوة، أي لا مبدأ له ولا نهاية، وكانت هنالك نسبة بين الأجزاء، لكون كل واحد منها بالفعل، فليس يلزم أن يتبع نسبة الكل إلى الكل نسبة الجزء إلى الجزء [...] لأنه لا توجد نسبة بين عظمين أو قدرين [كذا]، كل واحد منهما يفرض لا نهاية له». هذا يعني أنّ الحركتين لا نهاية لهما، وأنهما موجودتان بالقوة، ذلك أنّ ابن رشد يقول بوجود بالفعل ووجود بالقوة، وأنّ الحركة الجزئية الفعلية هي الحركة المحدودة، في حين أنّ الحركة الكلية هي غير متناهية وتوجد بالقوة، وهذه الحركة الكاملة هي الحركة الدائرية. إنّ المحرك الأول هو الفاعل الأول الذي حرّك الكون أول مرة، ويُقسّم الفاعل إلى صنفين: صنف يمكن أن يستغني عنه المفعول متى تم وجوده، وصنف يظل متعلقًا به مفعوله، فيصبح وجود المفعول من وجود الفاعل. وذلك حال الكون مع موجِده. فالخلق، بحسب ابن رشد، في عملية مستمرة، حيث إنّ حركة الانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل تحتاج إلى إيجاد مستمر ضمن نظام مُحكم يصدر عن العلة الأولى، ومن ثم فإنّ نظرته إلى الكون هي نظرة اتصالية، حيث إنّ الصانع الأول الذي نصل

(2((ابن رشد، رسالة السماع، ص.99 (2((المرجع نفسه، ص.80 (2((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.166 (2((يُنظر، مثلً، شرح محمد المصباحي لهذا التقسيم في: محمد المصباحي، الوحدة والوجود عند ابن رشد (الدار

البيضاء: شركة النشر والتوزيع،.)2002 (2((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.233 (2((المرجع نفسه، ص.125

إليه من خلال النظر في المصنوعات، كما جاء في فصل المقال، هو معطي الوجود كاملً؛ ف «معطي الرباط هو معطي الوجود». ويقتضي الحديث عن الحركة بالضرورة التطرّق إلى مسألة الزمان – باعتباره نتاج الحركة – من جهة، وفي علاقته بالحركة والخلق من جهة أخرى، فعندما نتحدّث عن البداية والنهاية فنحن نتحدّث بالضرورة عن الحركة إضمارًا، ومن ثم عن الزمان، حيث يمكن اعتبار تناول ابن رشد للحركة في علاقتها بالزمان تناولً إشكاليًا. فهو ينظر إلى الزمان باعتباره مستقلً عن الحركة – بنحو ما – فالحركة هي علة الزمان، لكنه ليس من ذاتها، والله هو الوحيد الذي ليس من طبيعته الحركة والخضوع للزمان، لأنه خارج الزمان، فهو ذلك الموجود غير القابل للحركة ومصدر كل حركة، أو بعبارة أرسطو «المحرّك الذي لا يتحرّك». يميّز ابن رشد بين ما هو مع الزمان وما هو في الزمان؛ ف «ما يوجد مساوقًا للزمان، والزمان مساوقًا له،

فقد يلزم أن يكون غير متناهٍ، وألّ يدخل منه في الوجود الماضي إلّ أجزاؤه التي يحصرها الزمان من طرفيه»، أي إنّ المخلوقات التي لها بداية ونهاية هي في الزمان، لأنّ قِدم العالم يقتضي بالضرورة قِدم الحركة وأزليتها، وهذا يعني أنّ العالم القديم مع الزمان. ويمكن اعتبار الزمان مفهومًا أساسيًا، إضافة إلى الحركة، في الربط الرشدي بين العالم والله. إنّ السببية بالتراتب تقوم أساسًا على الحركة، ونقصد حركة من موجودات أقل إلى موجودات أعلى وأفضل منها، فمن الأخس، أي من المادي، إلى صور العقل الإنساني، إلى صور العقول المفارقة للمادة، ثم إلى العقل الإلهي مبدع الصور، أشرف هذه العقول وأتمّها. وهكذا، تتسلسل الموجودات في حركة تصاعدية نحو الأشرف، وكلما كانت المعرفة بالصنعة أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم. لقد نبعَ كل هذا النقاش حول السببية من ضرورة الحسم في طبيعة وجود الإله ومسألة القِدم والحدوث. ويقول ابن رشد في هذا السياق إنّ تقدّم الإله على العالم ليس تقدّمًا زمانيًا، حيث إنّ «تقدّم أحد الموجودين على الآخر هو تقدم الوجود الذي ليس بمتغيّر، ولا في زمان، على الوجود المتغيّر في الزمان». يمكن القول إنّ هذا التناول للحركة من طرف ابن رشد، قد تم في ظل غياب إطار نظري علمي يمكنه أن «يقطّع الوقائع ويدمجها في بناءٍ مفهومي واستدلالي مثمر، ولا يتأتى هذا البناء إلّ بالاسترشاد بتقليد

(3((ابن رشد، فصل المقال، ص.85 (3((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.247 (3((المرجع نفسه، ص.169–166 (3((المرجع نفسه، ص.200 (3((المرجع نفسه، ص.273 (3((المرجع نفسه، ص.161

البحث الذي تطوّر لدى الممارسين للعلم»، لكن ابن رشد، على رغم محاولته في تحرير العقل، قيّد

نفسه بالالتزام التام بمذهب أرسطو الفلسفي، فبقي أسير أفكاره، أي إنّ الأرسطية شكّلت عائقًا أمامه لتطوير مفهوم الحركة أكثر في جانبه الإبستيمولوجي.

ب. الإمكان

يؤدي الإمكان دورًا مركزيًا في عملية الخلق عند ابن رشد، حيث إنّ هذا الإمكان يحل في المادة الأولى

التي منها أخرج الإله الكون. ونَفي الإمكان يعني بالضرورة أنّ الإله أوجد العالم من العدم بعد أن كان ذلك ممتنعًا (وهذا القول الثاني هو مذهب عموم المتكلمين)؛ فالعالم، بحسب التصوّر الرشدي، لا

يمكن أن ينقلب من استحالة الوجود إلى إمكانه. وهذا ما عبّر عنه بقوله: «يلزم إذا فُرض أنّ العالم كان

ممتنعًا قبل حدوثه دهرًا لا نهاية له، أن يكون إذا حدث انقلبت طبيعته من الاستحالة إلى الإمكان». إنّ طبيعة الأجسام اقتضت وجودها على النحو الذي هي عليه، إما لضرورة أو أفضلية. فابن رشد لا ينكر الإمكان في المادة الأولى، أو في الأشياء والأجسام الموجودة في عالم الكون، بل يرى أنّ من أنكر «وجود قوى طبيعية تُخصّص وتُحدّد وجودها على نحو معيّن، وقع في محالات شائكة».

فالإمكان، إذًا، لا بد له من مادة يفعل فيها، وهي المادة الأولى، فهو كامن فيها، ذلك أنّ التكوين عنده هو انقلاب الشيء وتغيّره مما بالقوة إلى ما هو بالفعل؛ ما يعني أنّ المادة لا تخلو من الفاعلية

الذاتية، فهي بحسب هذا التصوّر الفاعل مادة للفعل بها ومنها. أما العدم عنده فهو وجود بالقوة له القابلية لتجسيد مختلف الإمكانات. يمكن القول إنّ المادة تحتوي على إمكانات لامحدودة ولامتناهية كامنة فيها، وإنّ الإله يحرّك

هذه الإمكانات بحركة أزلية، فتنطلق رحلة التغيّر والتحوّل والتبدّل. هذا التصوّر يأتي ضدّ الموقف

الأشعري الذي يرى أنّ الله خلق الكون بعد أن كان ممتنعًا عليه أن يخلقه من الأزل؛ لكنّ الإله، في فكر ابن رشد، فاعل في المادة التي وجودها مساوِقٌ لوجوده. فجعل الإمكانات في المادة، وربط – باستخدام مفهومَي الحركة والزمان – بين الإله والعالم، وحاول تحرير العقل بإعطائه القدرة على تبيُّن القوانين الطبيعية. ومن خلال هذا الربط بين المفعولات والفاعل، ترتقي بالذات هذه

(3((البعزاتي، ص.105 (3((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.179 (3((المرجع نفسه، ص.146 (3((جيرار جهامي، مفهوم السببية بين المتكلمين والفلاسفة (بين الغزالي وابن رشد): دراسة وتحليل (بيروت: دار

المشرق، 2002)، ص.42 (4((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.210 (4((المرجع نفسه، ص.209 (4((يقول ابن رشد: «والإمكان أيضًا ما هو في الفاعل، وهو إمكان الفعل ومنه ما هو في المنفعل، وهو إمكان القبول.»

ينظر: المرجع نفسه، ص 111. وفحوى هذا الكلام أن إمكان الفاعل يشترط إمكانًا في القابل. فالعدم عند ابن رشد

يرادف القوة والإمكان، وهما (القوة والإمكان) يستدعيان قابلً وموضوعًا، هذا القابل الذي يتمثل بالمادة الأولى.

المفعولات، رغم تأثير بعضها في بعضها الآخر؛ وهكذا فإنّ الإله، من وجهة نظر ابن رشد، هو محرّك

وفاعل في الآن ذاته.

ثانيًا: السببية الميكانيكية عند ديكارت

تقوم الفيزياء الكلاسيكية على مبدأ السببية الميكانيكية التي تحكم العالم، وهذا ينطبق على فيزياء غاليليو غاليلي (1642–1564) أيضًا؛ إذ تنطلق من فكرة أساسية مفادها أنّ الطبيعة عبارة عن آلة محكمة التنظيم بفضل القوانين التي تحكمها. وهذه الفكرة هي التي قامت عليها الفيزياء الغاليلية، خاصة من

جهة تصوّر غاليلي للحركة ومبدأ العطالة الذي يقوم بالدرجة الأولى على أسس سببية بحتة. تكمن أهمية فيزياء غاليلي، إضافة إلى كونها شكّلت ثورة على التصوّرات الكلاسيكية، وأدّت دورَ

المتمم للثورة الكوبرنيكية في الفلك، في كونها نظرت إلى المعادلة الرياضية والتجريب بدلً من مبدأ الهيولى القديم، وعملت على تخليص المعرفة العلمية من شوائب الميتافيزيقا، فهي ضدّ التصوّر

الميتافيزيقي للكون والحركة. هذه الفيزياء تؤدي فيها الأسباب إلى الوصول إلى النتائج بالضرورة، فهي علم يقوم على الميكانيكا السببية الصارمة، ونقصد ب «الصارمة» هنا أنّ السببية تتضمن الضرورة، بحسب غاليلي، فصرامتها تكمن في ما تتضمنه من ضرورة. لقد أيَّد رينيه ديكارتَ (1650–1596) التصوّر الميكانيكي الغاليلي للسببية، حيث نجده يقرّ، في رسالة

أرسلها إلى الأب ميرسين، بتبنيه للتفسير الميكانيكي الغاليلي، الذي يعتبره الطريقة المُثلى لبلوغ الحقيقة، ذلك أنّ غاليلي حاول تجنب أخطاء الفلاسفة السيكولائيين، وعمل على فحص الموضوعات الفيزيائية رياضيًا؛ إذ يعلن ديكارت في الرسالة نفسها عن اتفاقه مع غاليلي، مع بعض التحفظ، حيث

إنه لم يفحص المبادئ الحقيقية للفيزياء. هذا التحفّظ الديكارتي على بعض القضايا في فيزياء غاليلي، أدّى بصاحبه إلى تأسيس الميكانيكا على معطيات يمكن القول إنّها قبلية هندسية، وعلى تماثل المادة والامتداد، فالامتداد هو أساس الطبيعة المادية. وإذا ما أمعنا النظر فلن نجد في تصوّرنا للعالم الخارجي إلّ فكرة واحدة متميّزة

دائمًا باقية مهما تغيّرت الصفات الحسية، تلك هي فكرة الامتداد. فقد تصوّر ديكارت ميكانيكا

غاليلي بطريقة تجعلها قائمة بغير حاجة إلى مفهوم الآلة. وقد ترتب على هذا التصوّر صعوبة

(43) René Descartes, «Lettre à Mersenne,» in: C. Adam & P. Tannery (eds.), Œuvres de Descartes , vol. 2 (Paris: Vrin, 1975), p. 30.

(4((يميّز ديكارت بين ما يدركه العقل من صفات أولية، مثل الامتداد والشكل والعدد والحركة، وما تدركه الحواس،

مثل الطعم والرائحة واللون. وتشك ل هذه الصفات الأولية ماهية المادة والصفات الثانوية، وهي ناتجة من تأثر الحواس

بالمادة ولا تكمن في المادة نفسها.

(45) Edwin Arthur Burtt, The Metaphysical Foundation of Modern Physical Science , 2 nd ed. (London: Routledge & Kegan Paul, 1949(, pp. 97–98. (46) Jean–Pierre Seris, «Descarte et la Mecanique,» in: Bulletin de la société française de philosophie, Séance du 31 janvier 1987 (Paris: Colin, 1987), pp. 32–65.

التعرّف إلى السببية الميكانيكية الديكارتية من دون التفسير بواسطة الشكل والحركة لكل النتائج

التي تتولد في المادة. يؤكد ديكارت ضرورة استبدال الفلسفة النظرية بفلسفة عملية تمكّن من السيطرة على الطبيعة وتسخيرها، فمشروعه ضدّ الفلسفة المدرسية، والمذهب الأرسطي تحديدًا، وهو يقول بإمكانية إرجاع العلوم في علاقة سببية إلى العقل الذي يَدْرسها؛ أي العقل المشترك بين الكل. يناقض ديكارت التصوّر الأرسطي في عدة مسائل، منها المسائل العملية التي تنمو بها البذرة إلى نبات،

فهي عملية ميكانيكية محضة، وليس هنالك حاجة إلى النفوس التي تحدّث عنها أرسطو، بل تحتاج إلى النفس العاقلة فقط. ويناقضه كذلك في اعتباره الكائنات الحية مثل المادة الجامدة، تحكمها قوانين الفيزياء. وهذا يعني انتفاء الحاجة إلى مبدأ الكمال أو النفس لتفسير نمو الأعضاء وحركات الحيوانات، كما هو الحال مع أرسطو وابن رشد، فالعالم المادي يخضع للحتمية الخالصة، بحسب ديكارت، وهذه الفكرة سنجدها لاحقًا عند سبينوزا. هذه النزعة الآلية أصبحت بمنزلة النموذج النظري لتفسير الكائن الحي نفسه، كما يقول سالم يفوت في إبستيمولوجيا العلم الحديث، وذلك في إطار اختزال الطبيعة كلّها في قوانين ميكانيكية، ففي ذلك إنقاذ للعلم من شبح التفاسير الخرافية، وضمان للشريعة ودعم لها، باعتباره ينفي وجود فاعلين آخرين غير الله، ويعطي لمفهوم المعجزة مدلوله، من حيث إنه خرق لقوانين الطبيعة لا يتم إلّ بقدرة قادر. في هذا الصدد، يمكن اعتبار القرن السابع عشر قرن توسيع التفسير الميكانيكي بعبارة يفوت؛ إذ بلغ الأمر بهذا التفسير إلى حدّ انطباقه على الإنسان باعتباره آلة من الآلات الحية. يرفض ديكارت التأثير المباشر للنفس في البدن، ويقول بضرورة وجود «آليات ووسائل مادية منظمة تنظيمًا محكمًا كي يحدث

الفعل»، رغم أنه انطلق من فكرة أنّ النفس هي كل مبدأ الحركات البدنية. وفي خضم هذا النقاش، يرى أنه من اللافت جدًا للنظر أنّ أيّ حركة لا يمكن القيام بها، سواء تعلّق الأمر بالحيوانات أو الإنسان،

ما لم تتوافر للأبدان كل الوسائل والأدوات والأعضاء التي بفضلها يمكن لآلة من الآلات أن تؤدي الحركات ذاتها. وبحسب ديكارت، فإنّ الأمر نفسه ينطبق على البشر، فليست الروح أو النفس هي التي تحرّك الأعضاء الخارجية مباشرة، لكنها تحدد سيلان السائل الروحي المسمى بالأرواح الحيوانية التي

تتجه باستمرار من القلب إلى المخ، ومنه تنتشر في العضلات وتسري فيها، ذلك السائل هو علة كل حركات أعضائنا. يذهب ديكارت إلى أنّ بعض الحركات التي يقوم بها جسمنا، هي أفعال اضطرارية لا دخل للنفس فيها، كدقات القلب وعملية الهضم مثلً، ويقدّم مثال الشخص الذي يسقط من ارتفاع شاهق، فيقدّم

(4((النفوس الثلاث، هي: النباتية أو الغذائية، والحاسة، والناطقة. (4((سالم يفوت، إبستيمولوجيا العلم الحديث، ط 3 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2008)، ص.83 (4((المرجع نفسه، ص.84 (5((المرجع نفسه.

يديه ليقي بهما رأسه من التهشم، وهو ما يُحدث تغيّرًا آليًا في المخ، فتنبعث الأرواح الحيوانية في

الأعصاب، فتُحدث هذه الأخيرة الفعل الآلي مثلما يحدث أي فعل آلي، من دون أن يكون للإرادة عليه أي سلطة. والحركة عند ديكارت عبارة عن تعاقب الأمكنة التي يشغلها جسم واحد في الامتداد؛ إذ لا يمكن، بحسب ديكارت نفسه، تصوّر الحركة في غير الامتداد. لقد سمح التصوّر العلمي والفلسفي الديكارتي بذوبان مشترك لكل من الآلة في الميتافيزيقا والميتافيزيقا في الآلة بعبارة يفوت، حيث تمّت الاستعاضة عن استقلالية العقل بنموذج ميكانيكي، فأضحت الآلة نموذجًا يخدم التفكير الميتافيزيقي.

ثالثًا: الحتمية عند باروخ سبينوزا

جاءت فلسفة باروخ سبينوزا (1677–1632) خلال الفترة التي عرَفت المراحل الأولى للعلم الحديث،

وتحديدًا أثناء الفترة التي عاصرت ظهور مفهوم الحتمية بوصفه براديغمًا فرض نفسه على الحقل العلمي، رغم أنه كان بعيد التحقق آنذاك كبراديغم يؤطر البحث العلمي الذي كان يعاني ما علق به من شوائب الميتافيزيقا، فقد ظهرت فلسفته في فترة مخاض العلم، وهي فترة سعت فيها الفلسفة إلى تجاوز التقاليد الأرسطية والمدرسية، وتخليص الفكر من رقابة الكنيسة؛ ذلك أنها مرحلة يمكن تمييزها بكونها مرحلة الثورات العلمية والفكرية التي أدّت إلى تقهقر دور الكنيسة وسلطانها، وأيضًا لحظة انتقالنا فيها من التفسيرات اللاهوتية والميتافيزيقية للظواهر إلى تفسيرات علمية تقوم على التجربة والمعادلة الرياضية. إنّ فلسفة سبينوزا من أبرز الفلسفات التي قلبت تصوّرنا للعالم، وشكّلت ثورة ضدّ التقاليد المدرسية، وهدمت التصوّر اللاهوتي للإله، وخالفت التصوّر الديكارتي القائل بالتعالي. وهو أول فيلسوف

انطلقت فلسفته من الإله نزولً إلى باقي الموجودات؛ إذ افتتح علم الأخلاقبتعريفه للجوهر ثم الصفات.

1. في وحدة الجوهر

يعرّف سبينوزا الجوهر بكونه «ما يوجد في ذاته ويُتصوّر بذاته؛ أي ما لا يتوقف بناء تصوّره على تصوّر

شيء آخر»، القائم بذاته الذي لا يحتاج إلى غير ذاته في وجوده واستمراره. كما هو وارد في التعريف

(5((هذا يشبه مبدأ الكوناتوس عند سبينوزا (النزوع نحو البقاء، وحفظ الذات بشتى الوسائل الممكنة). وهذا النزوع

يحكم الكائنات الحية من دون تمييز، إضافةً إلى قول سبينوزا: «نحن لا نعلم ما يستطيع الجسم أداءه وما لا يستطيع

بقوانين الطبيعة وحدها»، يُنظر: باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة، 2009)، ص.150 (5((يفوت، ص.84 (5((يُنظر مثلً:

Burtt, p. 100.

(5((مثل محاكم التفتيش، وما تعرّض له جوردانو برونو G. Bruno (1600–1548)، وغاليلي، ثم ما تعرّض له سبينوزا

نفسه من تكفير وتنكيل.

الثالث من علم الأخلاق، وهو «متقدّم بالطبع على أعراضه»، كما جاء في القضية الأولى. وفي التعريفين الرابع والخامس، يعرّف سبينوزا الصفة بكونها «ما يدركه الذهن في الجوهر مقوّمًا لماهيته» ويعرّف الحال بأنه «ما يطرأ على الجوهر، وبعبارة أخرى ما يكون قائمًا في شيء غير ذاته ويتصور بشيء غير ذاته»، ويعرّف اللامتناهي إطلاقًا بأنه جوهر «يتألف من عدد لامحدود من الصفات، تعبّر كل واحدة منها عن ماهية أزلية لامتناهية».

أ. الصفات والأحوال

إنّ الجوهر، في التصوّر السبينوزي، واحد يعبّر عن ذاته بأشكال لانهائية، بحيث إنّ لكل الصفات جوهرًا واحدًا، ولكل الأجسام طبيعة واحدة. ويؤدي هذا المبدأ إلى القول بوحدة الجوهر، وهي وحدة لا تُقصي التعدد الظاهري ولا تنفيه، ولكنها تنفي تعدد الجواهر؛ فالذات الإلهية منقسمة، ولكنها ليست مفكَّكَة، بعبارة جيل دولوز، صفاتها مختلفة ولكنها ليست متفرّقة. بحسب التعريف الرابع، يجب أن تُتَصوّر كل صفة من صفات الجوهر بذاتها، ما دامت الصفة هي ما يدركه الذهن في الجوهر مقوّمًا لماهيته؛ أي تصوّرها بذاتها، وهذا راجع إلى كون كل صفة من صفات الجوهر قد وُجِدت فيه دائمًا معًا. ويذهب سبينوزا إلى أنّ كل صفة تعبّر عن حقيقة الجوهر أو كيانه، وينبغي تعريف الكائن اللامتناهي إطلاقًا ككائن يتألف من عدد لامحدود من الصفات، تعبّر كل واحدة منها عن ماهية أزلية ولانهائية. من هنا، كان تصوّره للإله (الطبيعة) جوهرًا يتألف من عدد غير محدود من الصفات المعبّرة كل واحدة عن ماهية أزلية ولامتناهية – واجب الوجود – كما ورد في القضية الحادية عشرة. الصفات هي فعل وحركة وقوة نمو؛ إذ إنّ الجوهر لا يتقَوّم إلّ بصفاته التي تعبّر عنه، والصفات لا تتقوّم إلّ بالأحوال التي تعبّر عنها. فالصفات تعبّر عن الجوهر، والجوهر يضمن ويعبّر عن الصفات، والأحوال تضمن وتعبّر عن الصفات. لكنّ هذا التعدد لا يعدو أن يكون تعددًا في التعبير فقط، وليس

(5((سبينوزا، ص.31 (5((المرجع نفسه، ص.33 (5((المرجع نفسه. (5((المرجع نفسه، ص.32–31 (5((عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الفلسفة والاختلاف (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012)، ص.59

(60) Gilles Deleuze, L’ile déserte et autres textes: Textes et entretiens 1953–1974 (Paris: Les éditions de Minuit, 2003), p. 209. (61) Baruch Spinoza, Ética demostrada según el orden geométrico , Atílano Domínguez (ed. & trad.) (Madrid: Editorial Trotta, 2000), p. 39. (62) Ibid., p. 45. (63) Ibid.

في الماهية، فالجوهر هو الطبيعة نفسها في صورتها الطابعة وصورتها المطبوعة؛ أي الجوهر من حيث هو صفات وعلة، والصفات من حيث هي أحوال وآثار. هذا هو أبلغ تعبير عن وحدة الوجود. لا يمكن إدراك الصفات إلّ من حيث هي الجوهر وقد عبّر عن ذاته؛ ومن ثم لا يمكن فصل الصفات

عن الجوهر، ولا يمكن فصل الجوهر عن الصفات، ولا الصفات عن الأحوال، فالصفات في تماهٍ مع الجوهر، والأحوال في تماهٍ مع الصفات. وبعبارة دولوز، فإنّ الصفات هي ماهية الإله أو قوة الإله، ذلك أنها هي عين الذات. وكل صفة من هذه الصفات، كما قال سبينوزا، مُدرَكة بذاتها وفي ذاتها. والصفات لامتناهية في العدد، لكننا لا نعرف إلّ اثنتين، هما الفكر والامتداد، لأننا لا نستطيع أن ندرك ممّا هو لامتناهٍ إلّ ما كانت بعض خصائصه تنتمي إلى ماهيتنا. ويعرّف الفكر باعتباره صفة من صفات الإله، وبعبارة أخرى، فإنّ الإله شيء مفكّر Res Cogitans، فالفكر صفة من الصفات اللانهائية للإله، وهي تعبّر عن ماهية الإله الأزلية اللامتناهية، وهذا بيّن من خلال التعريف السادس. فكلما كان الكائن يستطيع التفكير في عدد لامحدود من الأشياء، بعدد لامحدود من الطرائق، كان حتمًا كائنًا لامتناهيًا بفضل التفكير. نستنتج أنّ الجوهر من دون صفات غير ممكن الوجود، وأنّ الصفات من دون أحوال غير ممكنة الوجود، أي إنّ الطبيعة الطابعة لا تستغني عن الطبيعة المطبوعة في وجودها، وهذه عين المحايثة. أما الأحوال، فقد أطلق عليها «الآثار التي تلحق الجوهر»، أو بحسب فهم دولوز، فهي في حقيقتها عبور، مع أنه ينبغي التمييز بين الأثر والتأثير، من حيث إنّ الأول عبور يلحق بالجسم، أي الامتداد، والثاني يلحق بالعقل، أي الفكر. يقوم التصوّر السبينوزي على أطروحة رئيسة هي أنه لا يوجد إلّ جوهر واحد يضم ما لانهاية من الصفات، وأنّ الموجودات ما هي إلّ أحوال للصفات. ويتداخل في هذا الطرح، وحدةُ الوجود ونفيُ

وجودِ إلهٍ، ذات متعالية وخالقة، أي إنه تصوّر ضدّ التصوّر الديكارتي واللاهوتي ونظرية الفيض. في القضية الرابعة، ينظر سبينوزا إلى الصفات على أنها تميّز بين الأشياء المتباينة من خلال تنوعها. وبحسب القضية الخامسة، لا يمكن أن يوجد في الطبيعة جوهران أو عدة جواهر من طبيعة أو صفة

(6((يميّز سبينوزا بين الطبيعة الطابعة، وهي الإله، أو الطبيعة في كليتها، والطبيعة المطبوعة، وهي الطبيعة في جزئيتها

. Natura Naturas and Natura Naturata

(6((جيل دولوز، سبينوزا: فلسفة عملية، ترجمة عادل حدجامي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2015)، ص.109 (6((المرجع نفسه، ص.137

(67) Gilles Deleuze, Spinoza Philosophie Pratique (Paris: Les Éditions de Minuit, 2003), p. 137. (68) Baruch Espinosa, Ética , Parte 2 J. de Carvalho (trans.), 2 ed. (São Paulo: Abril Cultural, 1979), p. 78.

(6((سبينوزا، ص.31

(70) Espinosa, p. 79. (71) Deleuze, Spinoza Philosophie , p. 69.

واحدة، وإنما تنوع الصفات والأعراض هو ما يميّز شيئين متباينين. وتُميَّز الجواهر من بعضها بتنوع

الصفات، ما يعني أننا سنسلّم، بحسب برهان القضية نفسها، بأنه لا يوجد غير جوهر واحد للصفة الواحدة؛ وهذا يعني أنه لا يمكن أن يوجد في الطبيعة جوهران لهما صفة واحدة. وبحسب برهان القضية السادسة، يقتضي هذا الأمر بالضرورة أنه لا يمكن لأحدهما أن ينتج من الآخر. إن كل الماهيات التي تتمايز في الصفات تتّحد في الجوهر الذي تردّه إليها الصفات، بعبارة دولوز. والجسم عند سبينوزا هو حال في الامتداد، مثلما أنّ النفس حال في الفكر. والقول بالوحدة يترتب عليه، أو يقتضي، نفي وجود صفة تعلو على أخرى، ووجود صفات خاصة بالخالق، وأخرى خاصة بالمخلوق. العلاقة التي تجمع بين الامتداد والفكر هي علاقة تكافؤ في الوجود، يمكن التعبير عنها بأنّ نظام جسمنا وانفعالاته موافق بالطبع لنظام أفعال النفس وانفعالاتها، فهي علاقة من التوازي، وهو توازٍ إبستيمولوجي؛ توازٍ بين الفكرة وموضوعها. يستلزم هذا التوازي التساوي والتماهي بين حال من الفكر وحال آخر متحقق في صفة واحدة محددة بدقة هي الامتداد. ويقوم هذا التوزاي الإبستيمولوجي أساسًا على التساوي بين قوتين؛ القوة الصورية للوجود، وهي مشروطة بكل الصفات، والقوة

الموضوعية للفكر، وهي مشروطة بصفة الفكر وحدها. وتؤدي فكرة الإله، في هذا المضمار، الجسر الذي ينقلنا من التوازي الإبستيمولوجي إلى التوازي الأنطولوجي القائم أساسًا على التساوي بين كل

الصفات باعتبارها صورًا للماهية وقوى في الوجود.

ب. اللامتناهي

نشير أولً إلى بعض الصعوبات التي يطرحها تناول مفهوم اللامتناهي، فقد عدّه سبينوزا مسألة شائكة، وكانت هذه المسألة غير قابلة للحل؛ وذلك من جراء الفشل الحاصل في التمييز بين ما يجب أن يكون لامتناهيًا بطبيعته ذاتها أو بتعريفه، هذا اللامتناهي، اللامحدود، ليس بفضل ماهيته، بل بفضل سببه،

وبين ما يسمى لامتناهيًا لأنه غير قابل للحدّ، هذا اللامتناهي الذي لا يمكن لأجزائه أن يقابلها أي عدد

رغم إمكانية معرفة حدّيه الأقصى والأدنى. فضلً عن الفشل في التمييز بين ما يُعقل بالعقل وحده، وليس بالمخيلة، وما يمكن أن يُعقل بهمَا معًا. في مستهل حديثنا عن اللامتناهي، ينبغي أن نميّز في فلسفة سبينوزا بين المطلق واللاتناهي، حيث

إنّ المطلق كما يقول دولوز – في شرحه للامتناهي السبينوزي – هو طبيعة لهذا الوجود، في حين أنّ

(7((سبينوزا، ص.34 (7((المرجع نفسه، ص.35

(74) Deleuze, Spinoza Philosophie , p. 129.

(7((دولوز، ص.86

(76) Baruch Spinoza, «Letter 12 (to Lodewijk Meyer),» in: Spinoza’s: Complete Works , Michael Morgan (ed. & intro.), Samuel Shirley (trans.) (Indianapolis, IN: Hackett Publishing Company, 2002), pp. 787–788.

اللاتناهي ما هو إلّ خاصية لكل جنس أو لكل واحدة من الصفات التي هي فيه، ذلك أنّ كل صفة من صفات الجوهر الذي له خاصية الإطلاق «المطلق»، هي لامتناهية في جنسها. وينتج من هذا أنّ المطلق هو خاصية للقدرة الإلهية؛ إذ إنّ الكائن اللامتناهي إطلاقًا له بذاته قدرة لامحدودة إطلاقًا على الوجود والفعل والتفكير والفهم. بناءً على هذا، يمكن القول إنّ هنالك قوتين متساويتين، لكنهما لا تختلطان بصفتَي الفكر والامتداد؛

إذ إنّ قدرة التفكير عند الإله مساوية لقدرته الفعلية على الفعل، وتفسير هذا هو أنّ ما ينتج صوريًا من

طبيعة الإله اللانهائية ينتج أيضًا موضوعيًا في ذات الإله من فكرة الإله، وفق النظام نفسه من الترابط.

فالجوهر المفكّر هو الجوهر الممتد ذاته، يُدرَك تحت صفةٍ من الصفات، وطورًا تحت صفة أخرى.

ويمضي سبينوزا إلى اعتبار الحال الذي ينتمي إلى الامتداد، وفكرة هذا الحال، هما الشيء نفسه أيضًا، معبّرًا عنه بطريقتين مختلفتين، لأنّ كل ما يمكن أن يدركه عقل لامحدود مؤلِّف لماهية الجوهر إنما

ينتمي إلى جوهر واحدٍ، كما عبّر عن ذلك في حاشية القضية السابعة من الباب الثاني. إنّ اللامتناهي هو الإله ذاته الذي يعرّفه سبينوزا بكونه كائنًا لامتناهيًا بإطلاق؛ أي إنه جوهر يتألف من

عدد لامحدود من الصفات، تعبّر كل واحدة منها عن ماهية أزلية لامتناهية. إنّ هذا اللامتناهي إطلاقًا

ليس لامتناهيًا في ذاته فحسب (شرح التعريف السادس) لأنّ ما يكون لامتناهيًا في ذاته فحسب إنما

نستطيع أن ننفي عنه عددًا لامحدودًا من الصفات، أما ما يكون لامتناهيًا إطلاقًا، فهو كل ما من شأنه

أن يعبّر عن ماهية من الماهيات من غير أن ينطوي على أي نفي، فهو ينتمي بالضرورة إلى ماهيته. من طبيعة الجوهر أن يكون موجودًا، بحسب القضية السابعة، وهو علة ذاته. وكل جوهر هو لامتناهٍ بالضرورة، بحسب القضية الثامنة من الكتاب الثاني من علم الأخلاق؛ فالجوهر الذي يملك صفة من الصفات لا يمكن أن يكون إلّ أحدًا. هذا الجوهر الذي وجوده ضروري، هو إما أن يوجد كشيء

متناهٍ وإما كشيء لامتناهٍ، لكنّ هذا الجوهر لا يمكنه أن يوجد كشيء متناهٍ، وإلّ كان محدودًا من طرف جوهر آخر من طبيعته نفسها، وفقًا لبرهان القضية السابقة. ينفي سبينوزا في حاشية القضية الثامنة إمكانية أن ينتج من تعريف الجوهر وجود جواهر كثيرة، ليثبت أنه ينتج من ذلك بالضرورة أنه لا يوجد سوى جوهر واحد من الطبيعة نفسها، أي ليثبت وحدة الجوهر؛

(7((دولوز، ص.57 (7((سبينوزا، ص.42 (7((المرجع نفسه، ص.88 (8((المرجع نفسه. (8((المرجع نفسه، ص.32–31 (8((المرجع نفسه، ص.32 (8((المرجع نفسه. (8((المرجع نفسه، ص.35 (8((المرجع نفسه، ص.36

إذ لا وجود لغير جوهر واحد ذي طبيعة معيّنة. وتنص القضية نفسها على أنّ كل جوهر إنما هو لامتناه

بالضرورة، كما سبق القول. إنّ الجوهر اللامتناهي إطلاقًا لا يتجزأ، كما ورد في القضية الثالثة عشرة، حيث إنه لو كان كذلك فإما أن توجد جواهر كثيرة من الطبيعة نفسها، وهذا محال، وإما أنّ الجوهر اللامتناهي إطلاقًا سيكفّ عن الوجود، وهذا أيضًا يدخل في خانة المحال. وثمة دليل آخر

على وحدة اللامتناهي مفاده أنه لا يوجد في الطبيعة سوى جوهر واحد، وهو جوهر لامتناهٍ إطلاقًا، كما بينّا سابقًا، وكما وضّحت ذلك حاشية القضية العاشرة من الكتاب الأول؛ وذلك لأنه لا يمكن

أن يوجد جوهر خارج الإله، ولا أن يُتصوّر، بحسب القضية الرابعة عشرة من الكتاب الأول، حيث إنّ

الإله أحد، بحسب التعريف السادس. لقد ورد في حاشية القضية الحادية عشرة أنه لمّا كانت ماهية الإله الذي هو اللامتناهي إطلاقًا، أو

المطلق الكمال بتعبير سبينوزا، تستبعد كل نقص وتنطوي على الكمال المطلق، فهي بذلك تلغي كل ما يدعو إلى الشك في وجوده، وتثبته بكامل اليقين. إنّ هذا الإله اللامتناهي هو الجوهر الواحد الموجود في الطبيعة، ولا توجد أعراض عدا الأعراض الموجودة في هذا اللامتناهي الذي هو الإله أو الطبيعة.

2. الحتمية الطبيعية

أ. إلغاء الغائية وإثبات الضرورة

سبق القول إنّ السببية في الفلسفة الكلاسيكية مع أرسطو كانت قائمة على العلل الأربع، ثم إنها مع ابن رشد قامت على الأسس الأرسطية نفسها، مع بعض الاختلافات في بعض التفاصيل التي طبعت التصوّر الرشدي، بحيث اتسمت السببية عنده بنوع من الضرورة. ثم بعد ذلك، مع الفيزياء الحديثة،

جرى التخلي عن كل من العلة المادية، والصورية، والغائية، والإبقاء على العلة الفاعلة التي قامت عليها الفيزياء الحديثة. ومع ديكارت، تم الاحتفاظ بالسببية في ثوبها الميكانيكي، كما احتُفظ بالغائية. لقد كانت العلة الغائية بمنزلة الدفة الموجِّهة للسببية التي هي ما وُجِد الشيء من أجله، وما يسعى

الموجود إليه ومن أجله، فكل موجود يسعى شوقًا إلى مكانه الطبيعي عند أرسطو، وكل موجود يسعى إلى الكمال عند ابن رشد، ومن تبعه في مذهبه. لكنّ سبينوزا يقلب هذا التصوّر «رأسًا على عَقِب»،

حيث نفى العلة الغائية وألغاها، معتبرًا إياها تقلب الطبيعة «رأسًا على عَقِب»؛ ففي هذا المذهب الغائي،

ما يكون في الواقع علة يُعتبر معلولً، والعكس بالعكس، ثم إنه يحُط بالشيء الرفيع والكامل إلى أدنى

درجات العيب والنقص؛ فلو كان الإله يتصرّف بغية تحقيق غاية معيّنة لكان يرغب بالضرورة في

(8((المرجع نفسه. (8((المرجع نفسه، ص.44 (8((المرجع نفسه، ص.39 (8((المرجع نفسه، ص.43 (9((المرجع نفسه، ص.75

شيء يفتقر إليه، وقد سبق القول إنّ الإله كامل في ذاته، ولا يشوبه نقص، ولا يفتقر إلى شيء، فهو موجود بالضرورة، وكماله بالضرورة، ولا يوجد شيء ولا يتصوّر خارج الإله ومن دون الإله. إنّ إلغاء سبينوزا للعلة الغائية يعني إفساح المجال أمام الضرورة التي هي تعبير عن الحتمية. الطبيعة لا تسعى إلى أي غاية محددة، وما العلل الغائية في نظره إلّ الرغبة الإنسانية من جهة كونها المبدأ الأول أو العلة الأولى لشيء ما، كما جاء على لسانه في تمهيد الكتاب الرابع، ولا تعدو أن تكون غير أوهام بشرية، كما جاء في تذييل الكتاب الأول. هذا الإلغاء والنفي للعلة الغائية بُنيَا على براهين تمثّلت في كون العلة الغائية تقوم على الجهل بالعلل والأسباب والأحكام المسبقة. تقوم البرهنة على المذهب الغائي، كما أطلق عليه سبينوزا، من خلال تسلسل العلل، وصولً إلى مشيئة الرب، وهي، بحسب تعبير سبينوزا، مأوى الجهل؛ ذلك أنّ أتباع هذا المذهب كلما جهلوا كيفية حدوث الأشياء وقوانين الطبيعة فسّروه بالغاية الإلهية، وقالوا إنّ الجسد الإنساني صُنع الإله. لقد أسقط أنصار الغائية الانفعالات الإنسانية على الإله، فبما أنّ كل إنسان يسعى إلى غاية تضمن سعادته وسلامته وبقاءه... إلخ، فإنهم اعتقدوا أنّ الإله أيضًا يسعى إلى غاية، وخلق العالم وفق نظام محكم لتحقيق غاية ما أرادها منه. ما دمنا نفترض أنّ لكل شيء غاية، فإننا نفترض أنّ كل ما يحدث في الطبيعة إنما يحدث وفق ضرورة أزلية وبغاية الكمال. ويغذّي افتراضنا هذا جهلنا بالطبيعة وقوانينها، واعتقادنا أنّ كل ما يوجد في العالم قد وُجد بطريقة تصلح لكل حاجات الإنسان، أي إن وجوده هو لخدمة هذا الكائن المسمى الإنسان. يلغي سبينوزا الغائية؛ لأنّ العالم مُحتّم عليه أن يسير كما يسير، وليس له أي غرض أو مقصود محدد سلفًا. والضرورة في تصوّره هي النظر في الشيء ذاته من دون إقحام للعلل، فيكون منتظمًا وفقًا لقوانين مستمدة منه ومعبّرة عنه. خالف سبينوزا التقليد الفلسفي الكلاسيكي بانطلاقه من الإله نزولً إلى الموجودات، حيث يتساءل في مناقشته للضرورة، هل يستطيع الإله أن يفعل غير ما فعل؟ لم يكن في الإمكان أن تنتج الأشياء من الله بطريقة أخرى وبنظام آخر، غير الطريقة والنظام اللذين نتجت بهما. إنّ الإله، أو الفاعل، فعَل فعله وفقًا لضرورة طبيعية. وبعبارة ابن رشد، ليس من الكمال الإلهي أن يفعل الإله غير ما فعل، أو بعبارة سبينوزا، كل شيء يحدث وفقًا لقوانين الطبيعة وضرورتها. لا بد للإله من أن يفعل ما فعل، فبحسب لازمة القضية الثانية والثلاثين من الباب الأول، في علم الأخلاق، فإنّ الإرادة لا يمكن أن تسمّى علة حرة، بل هي علة

(9((المرجع نفسه، ص.231 (9((المرجع نفسه، ص.75–74 (9((المرجع نفسه، ص.76 (9((المرجع نفسه، ص.75 (9((نجد قول ابن رشد بهذه الفكرة عندما شبّه الله بالملك الطاغية الذي يفعل في مملكته من دون قوانين، إذا ما كان

الله يفعل في الكون من دون قوانين مسبقة كامنة في المادة، ينظر: ابن رشد، تهافت التهافت، ص.513

ضرورية فحسب. ويُعدّ هذا التفكير انتصارًا للضرورة على العرضية، انتصارًا يقوم على إيمانه بأنّ كل شيء يسلك وفقًا لقوانين لا تتغيّر، وهذه القوانين تشمل كل الموجودات، بما في ذلك الإله والعقل، فهو

بهذا يخالف ديكارت الذي يعتبر قوانين الطبيعة تستثني الإله باعتباره ذاتًا متعالية؛ ذلك أنّ إله سبينوزا محايث للأشياء جميعًا وليس مفارقًا لها، وقوانين الطبيعة لا تحابي أحدًا. ينص التصوّر السبينوزي على أنّ كل شيء يتصرف ويتحدد حتميًا وفقًا لقوانين محددة؛ إذ ينتج حتمًا

من وجوب الطبيعة الإلهية عدد لامحدود من الأشياء، بعدد لامحدود من الأحوال، أي كل ما يمكن أن يدركه عقل لامحدود. فيلزم عن هذا بالضرورة أنّ الإله هو العلة الفاعلة لجميع الأشياء التي يمكن أن يدركها عقل لامحدود، بحسب اللازمة الأولى عن القضية السادسة عشرة من الباب الأول. ويلزم أيضًا أنّ الإله علة بذاته لا بالعرض، بحسب اللازمة الثانية عن القضية نفسها. ويلزم أنّ الإله علة أولى على وجه الإطلاق، بحسب اللازمة الثالثة عن القضية نفسها. كل ما يوجد في الطبيعة محدد بضرورة الطبيعة الإلهية كي يوجد، وينتج معلولً ما بنحو ما، فلا شيء حادث؛ ذلك أنّ الإله موجود بالضرورة، وأحوال طبيعته تنتج من هذه الطبيعة بالضرورة. تماشيًا مع ما

سبق، لا يمكن أن تُسمى الإرادة علة حرة، وإنما هي علة ضرورية، وبرهان ذلك أنّ «الإرادة كالعقل، نمط معيّن من التفكير»؛ ومن ثم لا يمكن لأي فعل إرادي أن يوجد ويحدد لإنتاج معلول ما إلّ من

قِبل علة معيّنة، وهذه العلة بدورها توجدها وتُحددها علة أخرى، وهكذا دواليك إلى ما لانهاية له في

سلّم العلل. فهي، إذًا، علة ضرورية أو مقهورة فحسب؛ لأنها سواء تصوّرناها محدودة أو لامحدودة،

فهي تقتضي علة محددة لوجودها، وتقتضي لإنتاجها معلولً ما.

ب. السببية الجوهرية

كان سبينوزا من أوائل المؤيدين للعلم الحديث الذي هدف بشكل أساسي إلى تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرًا سببيًا. وطوّر نموذجًا للتفسير السببي الذي اعتقد أنه سينطبق على جميع الظواهر الطبيعية، من

حركات الأجسام الفيزيائية إلى سلوك الكائنات الحية، بما في ذلك السلوك البشري. إنّ حتمية سبينوزا تخضع لها كل الموجودات، بدءًا من الإله والعقل، فالكائنات كلها لها المكانة

الأنطولوجية نفسها، لا فرق بين الكائنات الحية وباقي الموجودات، وقوانين الطبيعة تسري على الكل،

(9((سبينوزا، ص.65 (9((المرجع نفسه، ص.54 (9((المرجع نفسه، ص.51 (9((المرجع نفسه. (10((المرجع نفسه، ص.63 (10((المرجع نفسه، ص.65 (10((المرجع نفسه. (10((هذا بيّن من تقسيمه للإتيقا؛ موضوع الميتافيزيقا، ثم النفس وانفعالاتها.

وما يميّز كائنًا من آخر هو قوته؛ أي قدرته على الاستمرار في البقاء، فهي في نهاية المطاف تشترك

في كونها خاضعة لقوانين ثابتة وضرورية، وكلما كانت أكثر وعيًا بهذه القوانين وضرورتها كانت أكثر

حرية ومقدرة على الاستمرار والتكيّف. تعدّ هذه الفلسفة بمنزلة صدمة للكائن البشري؛ فبعد أن جرى إلغاء التصوّر الذي كان ينصّ على مركزية

الأرض – ومن ثم مركزية الكائن البشري – أنزله سبينوزا من برجه العاجي، وعدّه جزءًا من الطبيعة،

لا يعدو أن يكون إلّ كائنًا محكومًا بمبدأ الكوناتوس Conatus، ويسعى لحفظ بقائه، وفقًا لقدراته العقلية والبدنية. إنّ كل موجود في الطبيعة يتحدد بعلاقاته وتركيبه وحركته وقدرته على التأثير والتأثر، فسؤال فلسفة سبينوزا، بشكل عام، ليس سؤالً قيميًا، وإنما هو سؤال القدرة؛ ما الذي يستطيعه جسم

ما (موجود)؟ وهذا يعني الاستعاضة عن مفهوم «الماهية» ب «العلاقة». عمومًا، لا يمكن فهم فلسفة سبينوزا – في اعتقادنا على الأقل – من دون الأخذ في الاعتبار مفهوم السببية الجوهرية عنده، التي هي السبب في ذاته Causa Sui، وتتعلق بالمواد في وسائط من خلال جوهرها أو الكوناتوس. ورغم أنّ وسائط وجودها ينتج بعضها من بعض، فإنها تأتي إلى الوجود ويتم تدميرها في سلسلة لا حصر لها من أسباب الكفاءة. مع هذه الفكرة عن السببية الجوهرية، يمكن اعتبار التطوّر بمنزلة تطوّر لنظام ديناميكي، أو عملية تعقيد وتنظيم ذاتي للمادة، جاء نتيجةً ضرورية لقوانين

الطبيعة وقوانين الفيزياء. وفي هذه العملية، تظهر أنواع جديدة، واحدة تلو الأخرى، كآثار للطفرات وظروف الاستقرار التي تعمل كأسباب فاعلة لها، في حين أنّ منظماتها الخاصة هي حالات خاصة للعملية بأكملها. وجهة نظر التطوّر هذه متوافقة مع فكرة المشهد التطوري الديناميكي؛ الديناميات الكاملة الناتجة من

القيود الفيزيائية للهيئات المنظمة المركبة هي وصف نظري مؤقت للكائنات الحية المحتملة. ويتم ملء القمم الفعلية للاستقرار، واحدًا تلو الآخر، بطريقة تاريخية مشروطة جزئيًا، وهي التي تشكّل العمليات

التطورية الزمنية. قد تكون هذه الأخيرة موجهة عن طريق الانتقاء الطبيعي التكيّفي، لكنّ هذا ليس هو

الحال دائمًا بالضرورة. فالتطوّر الزمني هو أيضًا عملية ذاتية التنظيم، مدفوعة بمسار عشوائي، حيث

المزيد من «التطوّر». الضامن الوحيد لهذا التطوّر هو فاعلية مبدأ الكوناتوس، والقدرة الكامنة في

الكائنات والمواد. يعتمد وجود الإله كليًا على قوته، لأنّ الإله قوة؛ أي إن قدرة الإله هي عين ماهيته. من جهة أخرى،

الإله هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوجِد؛ ومن ثم يجب أن يحتوي جوهر الإله على كل القوة الموجودة. قوة الإله لا حصر لها، لا شيء يحدّها، ولأنه لا يوجد شيء يمنعه من الوجود، فهو موجود بالضرورة. إنّ الإله، بصفته كائنًا لانهائيًا على الإطلاق، لديه، في حدّ ذاته، قوة لا حصر لها على

(10((يؤدي مفهوم القوة دورًا رئيسًا في فلسفة القرن السابع عشر.

(105) Spinoza , Ética , parte 3, p. 129. (106) Ibid., parte 4, proposición, p. 34.

الإطلاق، لذا فإنّ كل ما هو موجود يتكوّن من هذه القوة. قوة الإله في التصرّف هي قوته الموجودة

عينها؛ يتصرف الإله (فقط) في قوانين طبيعته، ولا يخضع لأي قهر، لأنه لا يوجد شيء محتمل في الإله، فمن الضروري أن يمارس كل قوته. بطريقة ما، تجسّد هذه القوة قوة تفكير الإله، وبواسطتها يمكن أن يشكّل الإله فكرة جوهره، وكل

ما يتبعه بالضرورة، حيث توجد في الإله بالضرورة فكرة عن ماهيته، وعن كل ما ينتج بالضرورة من ماهيته، بحسب سبينوزا. والأفكار في عقل الإله هي بالضرورة «كافية»؛ واضحة ومميّزة تمامًا؛

لذلك فهي صحيحة تمامًا وكاملة. من جهة أخرى، فإنّ قوة الإله هي السبب الكافي لجميع الأشياء

الممتدة، ليس فقط بمعنى التسبب في وجود الأشياء، بل أيضًا بمعنى التسبب في جوهرها، ومن ثم تحديد كيفية تصرفها، فهو العلة الفاعلة لماهيتها، وليس لوجودها فقط. إنّ جوهر الشيء يحدد إلى أي مدى يمكن أن يوجد ويتصرف بقوّته الخاصة. وعندما تنصّ القضية

الرابعة والعشرون من الكتاب الأول على أنّ ماهية الأشياء التي يوجِدها الإله لا تنطوي على الوجود، فيجب أن نعتبره يقصد أنه لا يمكن وجودها كليًا من خلال القوة التي تتكوّن منها ماهيتها. ومع ذلك،

فهي قادرة على الوجود، إلى حدّ ما، من خلال هذه القوة، لأنها هي القوة نفسها التي يوجد بها الإله في حدّ ذاته، فقط إلى درجة محدودة. الإله موجود بالضرورة، لأنه لا يوجد شيء يمنعه من الوجود. عندما نرى أنّ جوهر الأشياء المحدودة يعبّر عند سبينوزا عن القوة السببية الكونية، يمكننا أن نفهم

ما يعنيه ب «شيء ما في حدّ ذاته»، فالأشياء قادرة على أن تكون موجودة أو في حدّ ذاتها بالقوة نفسها الموجودة في المادة ذاتها، فقط إلى درجة محدودة ومعيّنة. لنطلق عليها «القوة الجوهرية» للأفراد

المحددين (تبقى كما هي أثناء الوجود المحدود للأفراد)؛ يقول سبينوزا إنّ أي شيء سوف يستمر دائمًا

بالقوة نفسها الموجودة به الآن، إلّ إذا دمّره سبب خارجي. وإنّ أي شيء، مهما كان، سواء أكان

مثاليًا أم أقل مثالية، سيكون دائمًا قادرًا على المثابرة في الوجود بالقوة نفسها التي تبدأ بها في الوجود؛

لذا فهي متساوية في هذا الصدد. ليس الإله سوى السبب الأساسي والفاعل في كل شيء، ذلك لأنّ الإله هو الجوهر، هو ما هو موجود بالضرورة؛ فهو السبب الأساسي لجميع الأشياء. وبعبارة أخرى، إذا التزمنا حقًا بفكرة الإله باعتبارها تلك التي لا تحتاج إلى أي شيء آخر غير وجودها، فإننا نلتزم أيضًا بفكرة أنّ كل شيء موجود ويحدث في الإله، لا يوجد شيء خارج الإله يمكن أن ننشده لسبب أو سبب وجود بعض الأشياء. لهذا، لا تحتاج هذه المادة أبدًا إلى تجاوز نفسها، نظرًا إلى كون كل ما هو موجود يتضمن المادة بالضرورة؛

(107) Ibid., parte 1, proposición, p. 17. (108) Ibid., parte 2, proposición, p. 3. (109) Ibid., parte 1, proposición, p. 25.

(11((سبينوزا، ص.59

(111) Ibid., parte 3, proposición, p. 4. (112) Ibid., parte 4, prologo, introducción.

لذلك فإنّ الإله بما أنه سبب لكل الأشياء، فهو ببساطة فكرة عن السببية التي لا تزال داخلية تمامًا للمادة نفسها.

رابعًا: الامتداد الرشدي في المتن السبينوزي

قدّم ابن رشد أفكارًا كان من شأنها أن تُغني البحث العلمي، لكنّ احتفاظه بالإطار النظري الأرسطي، واطمئنانه التام له، أجهضت تطوّر أفكاره العلمية، وخاصة السببية التي لم يحقق من ورائها النتائج العلمية المرجوة، فعرف تصوّره انتكاسة على المستوى الإبستيمولوجي. ظلّت أفكار ابن رشد، رغم ما تعرّضت له من تنكيل ومحاولات تشويهية مستمرة، من خلال ما عُرف بالرشدية اللاتينية التي تعرّضت هي الأخرى لمقاومة شديدة من طرف رجال الدين المسيحي وبعض السيكولائيين، والرشدية العبرية (اليهودية)، حيث احتضن أفكاره عدة فلاسفة ومفكرين، سواء كانوا معارضين من طينة المدرسيين أو المساندين، مثل سيجر دو برابانت Siger de Brabant الذي ذهب إلى أبعد مما يمكن أن تذهب إليه الأفكار الرشدية. انتقلت الأفكار الرشدية، ذات الطابع الأرسطي في بعض جوانبها، إلى الحقل العلمي. وبهذا الصدد نؤكد أنّ مفهوم السببية، الأرسطي الأصل، الرشدي البناء، قد ظل مفهومًا مركزيًا في علوم القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ إذ نجده حاضرًا بقوة في ميكانيكا ديكارت، وأيضًا في تفسيرات غاليلي. هذه الأفكار الرشدية التي احتضنتها فلسفة القرون الوسطى، وعلوم القرنين السادس عشر والسابع عشر، أضفيَ عليها نوع من التجديد، خاصة من طرف غاليلي في تصوّره للحركة، ومحاولته تخليص العلم من شوائب الميتافيزيقا، وديكارت في محاولته تجاوز التقاليد السكولائية. لقد اطلع سبينوزا على بعض الأفكار الرشدية، من خلال اطلاعه على كتابات الرشديين اللاتينيين والعبريين (حسداي كريكس، وموسى بن ميمون، وموسى الأربوني، وغيرهم)، حيث كان ابن رشد رائد أوروبا إلى حدود القرن السابع عشر. كل ذلك شكّل الإرهاصات الأولى لظهور فلسفة سبينوزا الذي بدأ ديكارتيًا. لقد كان هو أيضًا غير

راضٍ عن التقاليد المدرسية، فسعى إلى تجاوزها، وبناء نسق فلسفي جديد متكامل ينهل ممّا سبقه. كان هدف النسق السبينوزي زرع الروح العلمية، وتحويل الحتمية إلى براديغم يقود البحث العلمي ويؤطره، عن طريق مناهضة التقاليد الأرسطية والسيكولائية، وعيوب الميتافيزيقا التي عرقلت التقدّم العلمي، وأغرقت الناس في تفسيرات خرافية للعالم، وتبنّي تصوّرات عن الإله والعالم والإنسان يراها سبينوزا تنمّ عن جهل أصحابها. يمكن أن نثبت علاقة ابن رشد بسبينوزا، وأن نقدّم حجج زعمنا بوجود امتداد رشدي في المتن السبينوزي، من خلال تقديم مجموعة من التوافقات والتشابهات نجملها في ما يلي:

• فكرة اللامتناهي: اللامتناهي بإطلاق؛ الجوهر أو الإله عند سبينوزا، يناظر الإله عند ابن رشد، المحرّك

الأول الأزلي الذي لا يتغيّر. ولاتناهي الأحوال عند سبينوزا يقارب العالم والفلك المحيط والمتحرّك

الأزلي عند ابن رشد. ولاتناهي الإله عند ابن رشد، أي إنه خارج الزمان، هو لاتناهي الجوهر عند سبينوزا. ولاتناهي العالم يمكن أن نقول عنه إنه الاستمرار الأبدي للحركة، وهو هنا يشابه لاتناهي الأحوال عند سبينوزا. إنّ الإله عند ابن رشد لا هو خارج العالم ولا هو داخله، هذا ما قال به سبينوزا أيضًا، ولربما كان الفرق متمثّلً بأنّ ابن رشد لم يتوصّل إلى النتائج التي يمكن أن تترتب على هذه الفكرة، في حين أنّ سبينوزا فعل ذلك. الوجود عند سبينوزا يتكوّن من الجوهر والأحوال، والجوهر هو ما يمكن أن نطلق عليه الواقع الكلي، الضروري واللامتناهي. هذا الجوهر هو الذي يشكّل الوحدة والهوية المطلقة بين الإله والطبيعة. ومن خلال هذا التقسيم، يحدد سبينوزا مفهوم اللامتناهي، حيث قسّمه إلى نوعين: اللامتناهي بإطلاق، واللامتناهي داخل نوعه، فالأول هو الجوهر، أما الثاني فهو الأحوال. إنّ لاتناهي الجوهر مثل لاتناهي المحرّك الأول الثابت. وهذا النوع من اللاتناهي يمكن الاصطلاح

عليه ب «اللاتناهي الزماني». أما لاتناهي الأحوال، فهو لاتناهٍ في الزمان، وهو أقرب ما يكون إلى لامتناهي العالم عند ابن رشد. ما دام كل متحرّك جسمًا، وكل جسم ممتدًا، فإنّ المتحرّك ممتد، كما أنّ هذا المتحرّك يقتضي وجود مكان يتحرّك فيه، والمكان ممتد، لهذا فإنّ الحركة تنتمي إلى صفة الامتداد، وينتج منها الزمان، وهو ما يدركه الذهن من دوام الحركة واستمرارها في الأيس (الوجود)؛ ومن ثم فهو ينتمي إلى صفة الفكر. وما دامت صفتَا الفكر والامتداد لامتناهيتين، فإنّ الحركة والزمان أيضًا لامتناهيان، تابعان في وجودهما لصفتَي الفكر والامتداد، كما قلنا، وهما صفتان للجوهر. هذه الفكرة نجد ما يماثلها عند ابن رشد، حيث إنّ الحركة عنده تفترض وجود جسم متحرّك. وكما قلنا، كل جسم هو ممتد، ولا بد من وجود مكان تحدث فيه هذه الحركة، والمكان كما قلنا هو امتداد، والحركة الأزلية عند ابن رشد تعتمد على خصائص الجرم السماوي، وهذه الخصائص تجعل من حركة السماء حركة أزلية. وهذا يفترض أيضًا أنّ لاتناهي الزمان هو من لاتناهي الحركة، باعتباره تابعًا لها وناتجًا منها، بتعبير ابن رشد. وإذا كان من المعروف بنفسه أنّ الزمان موجود، فيتبقى أن يكون

(11((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.167

(114) Baruch Spinoza, «Metaphysical Thoughts,» in: Spinoza’s: Complete Works , p. 180.

(11((سبينوزا، ص.31

(116) H. F. Hallett, «Spinoza’s Conception of Eternity,» Mind , New Series, vol. 37, no. 147 (July 1928), pp. 283–303.

(11((الشكل الكروي، والأثير، والحركة الدائرية. (11((محمد بن أحمد بن رشد، في جوهر الأجرام السماوية، نقله إلى العربية عماد نبيل عن العبرية (بيروت: دار

الفارابي، 2011)، ص 135–134،.166–159

هذا الفعل للذهن من أفعاله الصادقة المنسوبة إلى العقل، لا من الأفعال المنسوبة إلى الخيال. هذا تقريبًا ما ذهب إليه سبينوزا لمّا اعتبر الحال اللامتناهي هو ما يدركه الذهن على أنه تنويع للجوهر وتعبير

عنه، والعقل يدرك الزمان بكونه طريقة يوجد بها الجوهر بالنسبة إلى الذهن؛ فالجوهر فكر وامتداد، وهذا – بحسب تحليلنا – ما هدف إليه ابن رشد عندما قال إنّ الزمان ما يدركه الذهن من هذا الامتداد المقدّر للحركة. • كون الإله علة فاعلة في الوجود: لقد رأينا سابقًا مع ابن رشد، أنّ الإله حرّك الكون وتركه يسير بشكل

آلي – كما هو الحال مع أرسطو – وأنه هو سبب كل حركة في الكون، وظل يحرّكه دائمًا عن طريق

الأسباب الحسية التي يرجع أصلها إلى الإله، فهو يتعدى فعل التحريك إلى فعل الترتيب والتنظيم، فالإله هو السبب الحقيقي الوحيد، وباقي الأسباب هي بالعرض فقط. هذه الفكرة نجد صداها في كتاب علم الأخلاق؛ فالإله، أو الطبيعة بلغة سبينوزا، هو العلة الفاعلة لجميع الأشياء التي يمكن أن يدركها عقل لامحدود. إنّ الإله ليس العلة التي تجعل الأشياء تشرع في الوجود فقط، بل هو علة كينونة الأشياء وبقائها. وتصوّر إله غير فاعل لا يقل امتناعًا عن تصوّر لإله غير موجود. هذه الفكرة نجد جذورها عند ابن رشد

في تصوّره الاتصالي، حيث يتحدّث عن الإله الفاعل في الكون، وعن أنّ تعقّل هذا الإله لذاته ينجم

عنه تعقله لباقي الموجودات، وهو ما نصّت عليه القضية الثالثة من الكتاب الثاني؛ إذ يترتب على وجوب الطبيعة الإلهية أنّ الإله يعقل ذاته، كما يترتب عليها أيضًا أنّ الإله ينجز عددًا لامحدودًا من الأعمال، بعدد لامحدود من الصور. وبحسب ما بيّن سبينوزا في القضية الرابعة والثلاثين من الكتاب

الأول، فإنّ قدرة الإله ليست غير ماهيته الفاعلة. وهذا يعني أنّ الإله توجد فيه فكرة عن ماهيته، وعن كل ما ينتج منه، وهذا الإله الموجِد للأشياء هو واحد، كما نصّت على ذلك القضية الرابعة من الكتاب الثاني، وهو يماثل المحرّك الذي لا يتحرّك عند ابن رشد. • أن الفعل الإلهي يتسم بالضرورة: إنّ فعل الإله في العالم يتقيّد بمجموع القوانين الطبيعية الكامنة في

المادة الأولى، وإلّ كان أشبه ما يكون بملك مستبد يتصرّف من دون قوانين. هذه الفكرة نجد لها أثرًا

بيّنًا في القضية الثالثة والثلاثين من الكتاب الأول، ومُفادها أنه لم يكن بالإمكان أن تنتج الأشياء

من الإله بغير الطريقة التي نتجت بها علته، فالأشياء تابعة بالضرورة لطبيعة الإله، وتحددها ضرورة طبيعته، وقد قلنا سابقًا إنّ من طبيعة الإله أن يوجد بالضرورة. وهذا عين ما قال به ابن رشد؛ إذ إنّ

(11((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.175 (12((سبينوزا، ص.51 (12((المرجع نفسه، ص.59 (12((المرجع نفسه، ص.83 (12((المرجع نفسه، ص.71 (12((المرجع نفسه، ص.86 (12((المرجع نفسه، ص.66

الله فعل فعله، وفقًا لقوانين محددة؛ ومن ثم فإنّ فعله يتسم بالضرورة، وهذا ما ذهب إليه سبينوزا لمّا

اعتبر أنّ الإله قد قدّر جميع الأشياء ليس بإرادة حرة، أي ليس بحسب هواه بإطلاق، وإنما بناءً على

طبيعته المطلقة، أي على قدرته اللامحدودة، كما ورد في تذييل الكتاب الأول، وهذا يثبت ما ورد في القضية الثانية والثلاثين من الكتاب الأول، أي إنّ الإله، بحسب سبينوزا، لا يتصرف بإرادة حرة، بل إنه يتصرّف بالضرورة. • الأسباب الداخلية والأسباب الخارجية: هي الأسباب الإلهية والأسباب الطبيعية، وتُسمى العلة إلهية عندما يكون الفعل صادرًا عن الإله بشكل مباشر، وتسمى العلة طبيعية عندما تكون الأشياء بعضها علة

بعض، وهذا ما نحا نحوه سبينوزا في كتاب علم الأخلاق. العلة الموجِبة لوجود شيء ما، عند سبينوزا، إما أنها موجودة ضمن طبيعة الشيء الموجود وحدّيه؛ ما يعني أن يكون من طبيعته أن يوجد، وإما أنها موجودة خارج هذا الشيء. ويقدّم سبينوزا مثلً، على سبيل التوضيح، مفاده أننا نفترض وجود عشرين شخصًا في الآن نفسه، فلكل واحد منهم علة أوجدته، لكن لا يمكن لهذه العلة أن توجد ضمن الطبيعة البشرية ذاتها، ذلك أنّ التعريف الصحيح للطبيعة البشرية لا يتضمن العدد عشرين، وهذا يعني أنّ علة وجود كل واحد منهم توجد حتمًا خارجهم، فكلما كانت طبيعة شيء ما تسمح بوجود عدد كثير بالضرورة، وُجدت علة خارجية يوجد بموجبها هؤلاء الأفراد. «لا يمكن لأي شيء جزئي، أي متناهٍ ومحدد الوجود، أن يوجد ويتحدد إنتاجه لمعلول ما إن لم يتحدد وجوده وإنتاجه لهذا المعلول بعلة أخرى هي ذاتها متناهية ومحددة الوجود. هذه العلة لا يمكنها أن توجد هي الأخرى وأن يتحدد إنتاجها لمعلول ما إن لم يتحدد وجودها وإنتاجها لهذا المعلول، بعلة هي أيضًا متناهية ولها وجود محدد، وهكذا إلى ما لا نهاية». وهذا يعني أن هنالك أشياء نتجت من الإله مباشرة، وهي تلك التي تلزم بالضرورة عن طبيعة مطلقة، كما ورد في حاشية القضية الثامنة والعشرين من الكتاب الأول، وأخرى نتجت منه عن طريق العلة التي نتجت منه مباشرة، ولكن رغم هذا يستحيل وجودها وتصوّرها من دونه، فهذا يعني أنّ الإله هو العلة القريبة إطلاقًا للأشياء الناتجة منه مباشرة. فالإله أوْجَد موجودات بأسباب سخّرها لها من خارجها، وهي الأجسام السماوية بتعبير ابن رشد، وبأسباب أوجدها في ذوات تلك الموجودات، وهي النفوس والقوى الطبيعية، حتى حُفظ بذلك وجود الموجودات وتمّت الحكمة، ولكنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل، بل بفاعل من خارجها، فعله شرط في فعلها ووجودها.

(12((المرجع نفسه، ص.72 (12((المرجع نفسه، ص.36 (12((المرجع نفسه، ص 61، بتصرف يسير. (12((المرجع نفسه، ص.62 (13((المرجع نفسه.

واجب الوجود: هو مفهوم من المفاهيم الرشدية – المأخوذة في الأصل عن أرسطو – التي يمكن رصدها في المتن السبينوزي. وهذا المفهوم الذي ناقشه ابن سينا، ثم من بعده ابن رشد، والذي انتقل إلى سبينوزا عن طريق الرشدية اللاتينية، – وعن طريق الرشدية اليهودية – ظل يناقشه الفلاسفة المدرسون وغيرهم. إننا نستبعد معرفة سبينوزا بابن ميمون (1204–1135)، من دون معرفته بابن رشد، ومعرفته بمفهوم واجب الوجود السينوي الذي انتقده ابن رشد، من خلال كتاب دلالة الحائرينلابن ميمون؛ إذ نجده أكثر من مرة يستشهد به في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة. كما كان سبينوزا مطّلعًا على النقاش الذي دار بين الغزالي، في كتابه تهافت الفلاسفة، وابن سينا، حول مفهوم واجب الوجود، عن طريق كتاب الفيلسوف اليهودي كريكس بعنواننور الإله، وهو كتاب استشهد به سبينوزا في رسالة في اللامتناهي. كما نرجّح اطلاعه على النقد الرشدي لمفهوم واجب الوجود بغيره الممكن بذاته

لابن سينا، من خلال كتاب نور الإلهلحسداي، وشرح موسى بن يشوع الأربوني (1362–1300)، على كتاب دلالة الحائرينلابن ميمون. هكذا نكون قد بينّا الامتداد الرشدي في المتن السبينوزي، من جهة الحجج التاريخية، ومن جهة

التوافق والتناظر في الأفكار والمفاهيم. ونخلص إلى تأكيد افتراضاتنا التي نصّت على وجود علاقة امتداد رشدي في فلسفة سبينوزا.

خاتمة

إنّ غاية النظر العلمي عند ابن رشد لا تختلف عن وجهة نظر أرسطو في هذا الشأن، فهي تتمثّل في البحث عن الأسباب في تسلسلها، فالعلم عنده هو العلم بالكلّيات، والمعرفة العقلية غايتها معرفة الأسباب البعيدة؛ أي إن المعرفة بالمبادئ السببية العامة تُمكّن من معرفة الوجود برُمته، حيث تتسلسل

الأسباب والمسببات، وصولً إلى سبب لكل الوجود. إننا نجد ابن رشد يأخذ بالربط العضوي بين الطبيعة الأرسطية وما بعد الطبيعة، حيث إنّ الأمور المشتركة التي تظهر أنها حادثة بالعرض، يعني من جهة ما هي في شخص فيشبه أن يكون السبب في حدوثها هو الطبيعة، كما جاء في كتاب علم ما بعد الطبيعة، وأن يكون السبب في كون حركات الأجرام السماوية معطية لهذه الطبيعة هو الصور المفارقة المعقولة. ويؤكد ابن رشد أنّ المتكوّنات الطبيعية تكون من

عنصر وعن فاعل هما من جنسها (أي من المتكوّنات بالطبع)، ويخبر بأنّ الأمور الصناعية تشترك مع

الأمور الطبيعية في أنها من عنصر ما، وأنها بشيء ما، أو أنها عن شيء ما.

(13((باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا (بيروت: دار التنوير،

2005)، ص.211

(132) Spinoza , «Letter 12 (to Lodewijk Meyer),» p. 791.

(13((يُنظر: ابن رشد، علم ما بعد الطبيعة، ص.56

(13((يُنظر: ابن رشد، «المقالة السابعة»، في: محمد بن أحمد بن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ضبط نصّه وحقّقه

موريس بويج (بيروت: دار المشرق، 1967)، ص.840

رغم تجاوز ابن رشد للتصوّر الأرسطي – في بعض الجوانب – وتقويمه له، فإنه ظل حبيس إطاره

النظري، حيث تناول الحركة على سبيل المثال بلغة أرسطو، وهي كما نعلم لغة كيفية. وقد شكّل هذا الأمر حِجابًا بينه وبين اعتماده التكميم الذي كان قد تطوّر مع بعض العلماء الذين مارسوا البحث

العلمي، مثل الحسن بن الهيثم وأبي سهل القوهي وأبي الريحان البيروني. ومن جانب آخر، جعل ابن رشد العلمَ الوضعي تابعًا للفلسفة الأولى، وهذا ما شكّل عائقًا حقيقيًا أمام تطوّر الأفكار العلمية

الرشدية، ونخصّ من ذلك السببية. لقد حاولت السببية في الأنساق العلمية، كما رأينا مع ديكارت، أن تضع قطيعة إبستيمولوجية مع التصوّرات الكلاسيكية والمدرسية، وأعطت تصورًا جديدًا للعالم يقوم على أساس ميكانيكي وآلي،

وهو ما فتح الباب لبروز التصوّر السبينوزي للعالم المتّسم بالضرورة والحتمية. وقد عرض سبينوزا كتاب علم الأخلاقعلى غرار أسلوب إقليدس (تعريفات، وبديهيات). وكل ما بعد البديهيات يُفترض البرهنة عليه بشكل صارم عن طريق الحجة الاستنباطية، وهو ما يُعرف ب «المنهج الهندسي» عند سبينوزا، وهذا المنهج ضروري ومرتبط بأدق أجزاء نظرية سبينوزا في الجوهر. إنّ الذهن والمادة جوهران مستقلان، يُعرفان على التوالي من خلال صفتَي الفكر والامتداد، فهما من صفات الإله اللامتناهية، ولكننا لا ندرك إلّ الفكر والامتداد. كل النفوس والأجزاء المنفصلة للمادة هي نعتية؛ فهي ليست أشياء، بل مجرد مظاهر للكائن اللامتناهي، وكل شيء محكوم بضرورة منطقية مطلقة؛ فليس هناك إرادة حرة في المجال العقلي، أو الصدفة في العالم المادي.

References

المراجع

العربية

ابن رشد، محمد بن أحمد. تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويج. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،

________. تفسير ما بعد الطبيعة. ضبط نصّه وحقّقه موريس بويج. بيروت: دار المشرق،.1967 ________. تلخيص الآثار العلوية. تحقيق جمال الدين العلوي. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.1994 ________. تهافت التهافت. مدخل ومقدمة تحليلية وإشراف محمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1998

(13((«فهكذا ينبغي أن يُفهم الأمر عن أرسطو في هذه الأشياء، لا أنه قصّر في ذلك وترك شيئًا يجب ذكره في هذا العلم،

فسبحان الذي خصّه بالكمال الإنساني، وكان المدرك عنده بسهولة هو المدرك عند الناس بعد فحص طويل وصعوبة

كثيرة، والمدرك عند غيره بسهولة خلاف المدرك عنده [...] وبهذه القوة الإلهية التي وُجدت فيه، كان هو الموجد

للحكمة، والمتمم لها»، يُنظر: محمد بن أحمد بن رشد، تلخيص الآثار العلوية، تحقيق جمال الدين العلوي (بيروت:

دار الغرب الإسلامي، 1994)، ص.146–145

________. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. مدخل ومقدمة تحليلية وإشراف محمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1998 ________. رسالة السماع الطبيعي. تقديم وتعليق رفيق العجم وجيرار جهامي. بيروت: دار الفكر اللبناني،.1994 ________. فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع). مدخل ومقدمة تحليلية وإشراف محمد عابد الجابري. سلسلة التراث العربي الفلسفي. مؤلفات ابن رشد (1). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1997 ________. في جوهر الأجرام السماوية. نقله إلى العربية عماد نبيل عن العبرية. بيروت: دار الفارابي،

________. علم ما بعد الطبيعة. نشره كرلوس كيروس. مدريد: المطبعة الأبيرقية،.1918 بن مَيْسَ، عبد السلام. قضايا في الإبستمولوجيا والمنطق. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع،.2000 تايلور، ألفرد إدوارد. أرسطو. ترجمة عزت قرني. بيروت: دار الطليعة بيروت،.1992 جهامي، جيرار. مفهوم السببية بين المتكلمين والفلاسفة (بين الغزالي وابن رشد): دراسة وتحليل. بيروت: دار المشرق،.2002 حدجامي، عادل. فلسفة جيل دولوز عن الفلسفة والاختلاف. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2012 دولوز، جيل. سبينوزا: فلسفة عملية. ترجمة عادل حدجامي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2015 سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة حسن حنفي. مراجعة فؤاد زكريا. بيروت: دار التنوير،.2005 ________. علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 الشهرستاني، أبو الفتح محمد عبد الكريم. الملل والنحَل. تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل. القاهرة: مؤسسة الحلبي وشركاه،.1968 المصباحي، محمد [وآخرون]. الأفق الكوني لفكر ابن رشد: أعمال الندوة الدولية بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاته، مراكش، 15–12 ديسمبر 1998. الرباط: منشورات الجمعية الفلسفية المغربية،.2001 المصباحي، محمد. الوحدة والوجود عند ابن رشد. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع،.2002 يفوت، سالم. إبستيمولوجيا العلم الحديث. ط 3. الدار البيضاء: دار توبقال،.2008

الأجنبية

Aristoteles. Metafisica. Introduccion Traduccion y Notes de Tomas Calvo Martine. Madrid: Editorial Gredos, 1994. Bernard, Claude. Principes de médecine expérimentale. Paris: PUF, 1947. Bulletin De la Société française de philosophie, Séance du 31 janvier 1987. Paris: Colin, 1987. Burtt, Edwin Arthur. The Metaphysical Foundation of Modern Physical Science. 2 nd ed. London: Routledge & Kegan Paul, 1949. C. Adam & P. Tannery (eds.). Œuvres de Descartes. vol. 2. Paris: Vrin, 1975. Deleuze , Gilles. L’ile déserte et autres textes: Textes et entretiens 1953–1974. Paris: Les éditions de Minuit. ________. Spinoza Philosophie Pratique. Paris: Les Éditions de Minuit, 2003. Hallett, H. F. «Spinoza’s Conception of Eternity.» Mind. New Series. vol. 37, no. 147 (July 1928). Laplace, P. S. Essai philosophique sur les probabilités. Paris: Gauthier-Villars, 1921. Spinoza, Baruch. Ética demostrada según el orden geométrico. Atílano Domínguez (ed. & trad.). Madrid: Editorial Trotta, 2000. Spinoza: Complete Works. Michael Morgan (ed. & intro.). Samuel Shirley (trans.). Indianapolis, IN: Hackett Publishing Company, 2002. Van Laer, P. H. «Causalité, déterminisme, prévisibilité et science moderne.» Revue philosophique de Louvain. vol. 48 (1950).