انحرافات باسم العقل: مساهمة في نظرية نقدية للإرهاب
Abuses in the Name of Reason: Contribution to a Critical Theory of Terrorism
الملخّص
تقدم هذه الدراسة مساهمة لبناء نظرية نقدية للإرهاب، تنطلق من فرضية تقول إن هذا الإرهاب هو من طبيعة موضوعية، يرتبط في الصميم بالحداثة وانحرافاتها، بكونيتها الخاطئة وسياساتها في الهيمنة والتوسع، أكثر من ارتباطه بالدين أو الثقافة الإسلامية. وتقوم الدراسة على ثلاث مراحل تأويلية؛ تبدأ، في المرحلة الأولى، بمناقشة نقدية للسردية الغربية حول الإرهاب المسمّى إسلاميًا، ثمّ تنفتح، في المرحلة الثانية، على العمل الأنثروبولوجي لعبد الله حمودي في كتابه بعنوان الشيخ والمريد ، لتقرأ هذا الإرهاب باعتباره نتيجة للسلطوية والاستبداد الذي يدعمه النظام الدولي. وفي مرحلة ثالثة، تعرض الدراسة التحليل النفسي لظاهرة "الإرهاب الإسلامي"، وتوضح في الآن نفسه حدوده.
Abstract
Abstract: In this article, I present a contribution to a critical theory of so–called Islamic terrorism, which assumes that this terrorism is of an objective nature, that it has more to do with modernity and its false universalism and hegemonic politics than with the Islamic religion per se. Therefore, my contribution will be based on three levels of interpretation: First, I will discuss the Western philosophical narrative on so–called Islamic terrorism. Second, in the output from the anthropological work of Abdullah Hammoudi’s Master and Disciple , I will show why we must understand terrorism as one of the consequences of authoritarianism. And thirdly, I will present the psychoanalysis of Islamic terrorism and at the same time show its limitations.
- النظرية النقدية
- الإرهاب الإسلامي
- الكونية
- الشيخ والمريد
- الثقافوية
- Critical Theory
- Islamic Terrorism
- Universalism
- Master and disciple
- Culturalism
هذا الإرهاب هو من طبيعة موضوعية، يرتبط في الصميم بالحداثة وانحرافاتها، بكونيتها
الخاطئة وسياساتها في الهيمنة والتوسع، أكثر من ارتباطه بالدين أو الثقافة الإسلامية. وتقوم
الدراسة على ثلاث مراحل تأويلية؛ تبدأ، في المرحلة الأولى، بمناقشة نقدية للسردية الغربية
حول الإرهاب المسمّى إس ماايًا، ثمّ تنفتح، في المرحلة الثانية، على العمل الأنثروبولوجي
لعبد الله حمودي في كتابه بعنوان الشيخ والمريد، لتقرأ هذا الإرهاب باعتباره نتيجة للسلطوية
والاستبداد الذي يدعمه النظام الدولي. وفي مرحلة ثالثة، تعرض التحليل النفسي لظاهرة
«الإرهاب الإسلامي»، وتوضح في الآن نفسه حدوده.
مقدمة
تنطلق هذه الدراسة من فرضية تفهم الإرهاب بوصفه ظاهرة حديثة، ترتبط في أسبابها بالشروط الموضوعية التي تنتج التخلف وتعيد إنتاجه. وهذا يعني أنها تقطع، في نوع من النقد المزدوج، مع السردية الثقافوية بوجهيها المتناقضين ظاهريًا. أعني بالوجه الأول: «التفسير الغربي» للإرهاب باعتباره نتيجة
حتمية للدين الإسلامي، الذي، في زعمه، لم يعرف الإصلاح ولا التنوير، وبالوجه الثاني «السردية الإسلاموية» التي تعتبره «دفاعًا عن الأمة الإسلامية»، من دون أن تدرك أنها، عبر ذلك، تؤبد الدور الهامشي الذي اختاره لها المركز الغربي، وأننا مع الإرهاب، والإسلام السياسي عمومًا، أمام جواب خاطئ عن سؤال الحداثة. ستعمد الدراسة في مرحلة أولى، إلى عرض الموقف النقدي، داخل الثقافة الغربية، من ظاهرة الإرهاب من جهة، وتفكيك السردية المهيمنة داخل هذا الخطاب، التي تمثل، في رأيي، نوعًا من الهيغلية المتأخرة، من جهة أخرى؛ لتتجه في مرحلة ثانية، وانطلاقًا من العمل الأنثروبولوجي لعبد الله حمودي في كتابه الشيخ والمريد، إلى قراءة الإرهاب المسمّى إسلاميًا باعتباره الوجه الآخر للسلطوية العربية، قبل أن تعرج على التحليل النفسي
للإرهابي، موضحة، في الآن نفسه، إمكانياته وحدوده التأويلية، لتنتهي بمناقشة النقد الاجتماعي للثقافوية،
ولظاهرة الإرهاب، خصوصًا في السياق العربي، الذي يمثل، في رأيي، مرحلة وعي متقدمة داخل الفكر العربي المعاصر، ونقلةً لن ندرك قيمتها إلا بعد انكفاء الشطح الفكري حول الهوية والأصالة. إنني واعٍ بالاعتراضات التي يمكن أن يتم توجيهها إلى الاستعمال الذي أقوم به لمفاهيم مثل «الإسلام» و«الحداثة»، فلا شيء منهما يشكل جوهرًا محدد المعالم. ولهذا أتحدث عن الإسلام في «الآن – هنا»،
أي عن الإسلام في سياق الحداثة الذي هو عينُه سياق التخلف، أو ما أسميه «الإسلامية الحديثة» في تمييز لها من الإسلام بوصفه دينًا، تمامًا كما أتحدث عن حداثة محددة، أي تلك المرتبطة بالاستعمار والاستعمار الجديد. وأنطلق في هذه الدراسة من مداخلة لبيير بورديو (2002–1930) من أجل التأكيد
(((يكتب بورديو: «ينبعث من أعماق البلدان الإسلامية سؤال بالغ الأهمية، يتعلق بالكونية الغربية الخاطئة، أو ما أسميه بإمبريالية
الكوني. إن فرنسا تمثل تجسيدًا لهذه الإمبريالية بامتياز، التي خلفت هنا، في هذا البلد نفسه [يعني ألمانيا] شعبوية قومية، ترتبط
بالنسبة إليّ باسم هردر. وإذا ما كان صحيحًا أن بعض أنواع الكونية ليس سوى قومية تدعي الكونية [حقوق الإنسان وغير ذلك] لكي
تفرض نفسها، فسيصبح اتهام كل رد متطرف عليها باعتباره رجعيًا، أمرًا أقل يُسرًا. إن العقلانية العلموية، تلك المتعلقة بالنماذج
الرياضية التي تلهم سياسة صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، أو الشركات القانونية الدولية التي تفرض التقاليد القانونية
الأميركية على بقية الكوكب، أو تلك المتعلقة بنظريات الفعل العقلاني وغير ذلك. إن هذه العقلانية هي في الآن نفسه تعبير عن
استكبار غربي وسندٍ له في آن، وهو الذي يقود إلى التصرف كما لو أن بعض البشر يحتكرون العقل، واستطاعوا أن يجعلوا من
أنفسهم، كما نعبر عن ذلك عادة، شرطيًا للعالم، أي أن ينصبوا أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحق في احتكار العنف الشرعي،
والقادرين على وضع قوة السلاح في خدمة العدالة الكونية. إن العنف الإرهابي، وعبر لاعقلانية اليأس الذي يتجذر فيها على نحو
دائم تقريبًا، يحيل إلى العنف الداخلي للسلطات التي تدعي العقل. إن الإكراه الاقتصادي يتلبس دومًا بلبوس العقل القانوني، وتتدثر
الإمبريالية بشرعية المؤسسات الدولية، وعبر النفاق ذاته الذي يطبع العقلانيات الموجهة لإخفاء الأشكال المختلفة للكيل بمكيالين،
ينزع إلى أن يخلق ويبرر داخل الشعوب العربية وشعوب أميركا اللاتينية والشعوب الأفريقية، ثورة عميقة ضد العقل الذي لا يمكن
أن نفصله عن سوء استغلال السلطة الذي يتسلح بالعقل ويقوم عليه (العقل الاقتصادي، العلمي... إلخ). إن هذه اللاعقلانيات هي
في جزء منها نتاج عقلانيتنا الإمبريالية والغازية والمكتسحة أو الرديئة، ضيقة الأفق، الدفاعية، الرجعية والقهرية بحسب الأماكن
والأزمنة. وإنه لمن قبيل الدفاع عن العقل مقاومة أولئك الذين يخفون وراء مظاهر العقلانية، شططهم في استعمال السلطة أو الذين
يستعملون أسلحة العقل من أجل دعم وشرعنة سلطتهم الاعتباطية»، ينظر:
Pierre Bourdieu, «Les abus de pouvoir qui s’arment ou s’autorisent de la raison,» in: Pierre Bourdieu, Contre–feux: Propos pour servir à la résistance contre l’invasion néo–libérale (Paris: Raisons d’agir, 1998), pp. 25–26. التشديد من الباحث)(
أن «الإرهاب الإسلامي» أو، بالأحرى، المسمَّى إسلاميًا أو ما يسميه بورديو «لاعقلانيات الأطراف»
هو من طبيعة موضوعية، وأعني بذلك أن الأمر يتعلق هنا بظاهرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحداثة ومنطقها الإمبريالي من جهة، وبالتقليدانية الإسلامية، التي اعتبرها عبد الكبير الخطيبي (2009–1938) نسيانًا للتقاليد، من جهة ثانية. لكن هذه التقليدانية، التي يمكننا فهمها أيضًا بوصفها تعبيرًا عن فشل المشروع
التحديثي، هي نتيجة منطقية للفترة الاستعمارية التي عمدت إلى دعم البنى التقليدية في العالم الإسلامي وتثبيتها، ومحاربة القوى العصرية التي طلبت ربط العالم الإسلامي بالحداثة وإنجازاتها. إن «السياسة الغربية» في العالم العربي خلال الربيع العربي وبعده، تقدم لنا انطباعًا أن العالم الغربي متخوف أو على الأقل غير معني بدمقرطة المنطقة، ومستعد للتعاون مع الأنظمة الدكتاتورية من أجل حماية مصالحه. إن الميثاق الكولونيالي Colonial Pacte، الذي يسمح لفرنسا ودول أخرى باستغلال القارة السمراء حتى بعد استقلال بلدانها، يؤبد تبعية أفريقيا السياسية والاقتصادية ومناطق أخرى في العالم ومنها الشرق الأوسط، للمركز الغربي. بل أكثر من ذلك، إنه يدعم، على نحو أو آخر، الأنظمة الدكتاتورية بالقارة. إن الميثاق الكولونيالي يؤكد، في رأي عديد من النقاد، أن إعلانات الاستقلال لم تكن أكثر من «أمنيات أو ذر للرماد في الأعين». والواقع أن الميثاق الكولونيالي يقول الشيء الكثير عن الديمقراطية الفرنسية، والغربية عمومًا، التي يمكننا أن نقول عنها إنها ديمقراطية لا تشعر بالذنب.
فهناك حيث لا يتحقق للديمقراطية هذا الشعور بالذنب، الذي يعني أيضًا بلغة الوطنيين الدستوريين، علاقة نقدية بالماضي، فإنه من الصعب الحديث عن صفحة جديدة في العلاقة بين المركز الغربي ودول الأطراف في القارة السمراء. من أجل ذلك كله، وفي ظل ديمقراطية لا تشعر بالذنب، لا يمكننا أن نتحدث عن الإسلامية الحديثة إلا باعتبارها مشكلة للحداثة، لا كما يوهِم الشعبويون بأطيافهم المختلفة. ولا يبالغ من يعتبر السيطرة الإمبريالية على البلدان الإسلامية نتيجة لتخلف العالم الإسلامي، وليست هي سبب هذا التخلف؛ وذلك لأن «الذات الإسلامية» فقدت قدرتها على الخلق والإبداع منذ قرون، وانفصلت، لأسباب كثيرة ليست هذه الدراسة موطن ذكرها، عن العقل العلمي. لكن هذا التدخل الإمبريالي الذي قدم نفسه بوصفه «رسالة تحضيرية»، يتكشف اليوم باعتباره العائق الأكبر أمام تحرر بلدان العالم الإسلامي من إسار التخلف. لقد عبّر كارل شميت (1985–1888) منذ عام 1926، عن تشككه في الكونية
(2) Ibid. (3) Abdelkebir Khatibi, «Le Maghreb comme horizon de pensée,» Les temps Modernes , no. 375 (1977).
وتلك هي الفكرة نفسها التي يعبر عنها عبد الوهاب المؤدب في:
Abdelwahab Meddeb, La maladie de l’islam (Paris: Seuil, 2002), p. 51.
وهو يكتب أن ظهور هذا الإسلام الفقير يتحرك بدءًا ضد الإسلام نفسه بوصفه حضارة وثقافة. ولهذا السبب أؤكد مع مارسيل غوشيه،
أن ما يسمى «عودة الدين»، لا يمثل البتة عودة إلى الدين، ينظر:
Marcel Gauchet, La religion dans la démocratie (Paris: Gallimard, 1998), p. 38. (4) Frédéric Lejeal, «France–Afrique: La rupture inachevée du pacte colonial,» Libération , 5/12/2013. (5) Mamadou Koulibaly, Eurafrique ou Librafrique: L’ONU et les non–dits du pacte colonial (Paris: Editions L’Harmattan, 2009), p. 51.
الديمقراطية، فالأمر يتعلق ب «مونوديمقراطيات» لا تسمح بالمساواة والانسجام إلا في داخل حدودها القومية. بتعبير آخر: إن الديمقراطية حق محفوظ للغرب فقط. لقد كان لهذا الأمر نتائج أثّرت في تطور الدين في السياق الغربي والإسلامي معًا؛ ففي الوقت الذي حولت الديمقراطية الدين ومضامينه، أو عمدت إلى «تذويته»، أو ربما يقال إلى تحريره من ربقة الجماعة، كما أوضح مارسيل غوشيه)1946–(، سيستمر الدين في السياق الإسلامي معاديًا للذاتية والعلمانية، وسيبقى طائفيًا ووسيلة
للسيطرة السياسية. فها هي الإسلامية الحديثة ما تزال تتمحور، بلغة غوشيه، حول «الحقيقي»، لأن الأمر يتعلق بتدين جمعي يكبت الفرد ويطلب السيطرة عليه. يعيش الفرد في الجماعة كأنها سجن له، وللتمزق الروحي التراجيدي للشباب المسلم اليوم في العالم الإسلامي علاقة وطيدة باستحالة التعبير عن أنفسهم كأفراد. لقد خرجوا للتظاهر ضد مبارك في شوارع القاهرة، ولكنهم عادوا ليلً إلى بيت الأب! إننا أمام ثقافة تعيش الحداثة خارجيًا، بوصفها موضوعًا لها ومستهلكًا لإنجازاتها، وتخطئ
موعدها مع إنجازاتها الأخلاقية والسياسية والحقوقية، التي تؤكد حرية الفرد وفردية الحرية. إن مجتمعًا لا يعيش الدين إلا على نحو جمعي، وبوصفه سلطة لا بوصفه اعتقادًا، يتوارى فيها الفرد عن الأنظار، أو يتحقق بوصفه صورة شاحبة للتقاليد. إن مثل هذا التدين لا يمكن مقارنته البتة بالمسيحية الغربية التي جعلت من النقد والنقد الذاتي مبدأ حياة.
أولا: هيغلية متأخرة
لا يولد الإرهابي إرهابيًا، ولكنه «يتحوّل» إرهابيًا. إن ما تصطلح عليه الأدبيات الغربية ب «الإرهاب
الإسلامي»، ظاهرة حديثة. وهذا ما يؤكده جان بودريار في لغة تذكر بما كتبه بورديو: «هذا الفيروس الذي نجده في كل مكان، كآخر مرحلة من مراحل العولمة. إنه يتموقع في قلب صيرورة العولمة». إن هذا يعني أن هذا الإرهاب نتيجة طبيعية للنظام العالمي وسياساته الاقتصادية ذات الطابع الدارويني، وأنّ لاعقلانية أطرافه، كما سمّاها بورديو، ترتبط صميميًا بعنف العقل الرأسمالي في المركز. إنه يمثل
استمرارًا لهذا العنف بوسائل أخرى أشدّ بدائية. لكن تعريف بورديو وبودريار كليهما للإرهاب لا
يحظى بشعبية في الخطاب الغربي المعاصر. ولنقدم أمثلة عن ذلك: يصف بيتر سلوتردايك الأديان التوحيدية بأن منطقها يقوم على «القطيعة والإقصاء والتبشير» باعتبارها محاولة لبناء «عضوية كلية» Totale Mitgliedschaft. وعبر هذا التعريف يحاول سلوتردايك،
(6) Carl Schmitt, «Der Gegensatz von Parlamentarismus und moderner Massendemokratie,» in: Carl Schmitt, Positionen und Begriffe (Berlin: Dunker & Humblot, 1994), p. 68. (7) Gauchet, p. 85. (8) Ibid. (9) Ibid., p. 150. (10) Jaean Baudrillard, «Vom Universellen Zum Singulären: Die Gewalt des Globalen,» in: Jérome Bindé (ed.), Die Zukunft der Werte (Berlin: Suhrkamp, 2007), p. 45. (11) Peter Sloterdijk, Im schatten des sinai– fußnote über ursprünge und wandlungen totaler Mitgliedschaft (Berlin: Suhrkamp, 2013), p. 43.
من جهة، الإمساك بظاهرة الدين. نعرف طبعًا أن مثل هذا الحكم ينطلق من مفهوم جوهراني عن الدين، ويغفل بنيته المتعددة وتحولاته التاريخية. ومن جهة ثانية، يزعم سلوتردايك أن الحداثة تتأسس على تقديس الشخص، لكن من دون أن يوضح ما الذي يعنيه بالحداثة، هل هي حداثة المغامرة الكولونيالية، حداثة الحروب العالمية ومعسكرات الاعتقال، أو تلك التي تخوض حروبًا دموية تحت شعار «دعم الديمقراطية» في العالم؟ وبتعبير آخر، في إمكاننا الوقوف على المنطق الإقصائي عينه في الحداثة، الذي وجده سلوتردايك في الأديان التوحيدية؛ فهي لا تريد أن تسمع شيئًا عن الماضي ولا تعترف بإنجازاته، وخصوصًا في خطها اليعقوبي – الهيغلي، وهي في الآن نفسه ترسم حدودها الأنطولوجية وتسيّجها بدقة. وهي من جهة ثالثة، لا تقبل بغير لغة التبشير، فلا يمكننا الخروج من
الحداثة، لأنه لا يمكننا سوى دخولها. بل، وحتى نترك النظرية جانبًا، من حقنا أن نتساءل أمام مثل
هذا التفكير إن كان في إمكان المواطن في المجتمعات الرأسمالية أن يعيش على نحو مختلف عن طريقة الحياة الرأسمالية، وبتعبير آخر، هل يمكننا أن نغادر أشكال الحياة بعضويتها الكلية التي تؤسس لها الرأسمالية من دون أن يقودنا ذلك إلى نوع من الموت الاجتماعي؟ إن هذه الأسئلة لن تدور في خلد سلوتردايك، فمشروعه من طبيعة هيجيانية Hygienic، نيتشوية يمينية؛ إنه يهتم أكثر بأسئلة من قبيل ما طرحه في نهاية كتابه في ظلال سيناء: «هل يمكن لإنسان، ومن دون نفاق، أن يكون مسلمًا
وفي الآن نفسه مواطنًا في دولة قومية غربية؟». هنا يسقط قناع سلوتردايك الثقافوي؛ فهو يتناسى أننا في ظل الديمقراطية مواطنون في عوالم مختلفة، فهذا الذي ينتقد بشدة منطق العضوية الكلية، لا يتوانى في مطالبة المسلمين بالتخلي عن دينهم. إنه يطالبهم بالعضوية الكلية، وهي عضوية، من حيث المبدأ، ليست من طبيعة اختيارية ولا متعددة. إن سلوتردايك، وحتى أستعمل عبارة لروسو، شاهد حي على «فلسفة لا تسافر البتة»، فهو غير مستعد للتفكير خارج الحكم المسبق. والحكم المسبق هوية كل فلسفة «لا تسافر»، أو حتى نقولها في لغة إتيقية، إنها هوية كل فلسفة لا تجرؤ على الضعف. فسلوتردايك لا يفعل ما هو أكثر من علمنة لتلك الأحكام المسبقة؛ فالعضوية الكلية ليست فقط من طبيعة دينية، بل هي منطق كل ثقافة، دينية كانت أم علمانية، مسكونة بعقدة التفوق. لكن هذه الأحكام المسبقة لا تنتشر فقط في أوساط فلاسفة محافظين أو يمينيين، بل وجدت طريقها حتى إلى مفكرين محسوبين على اليسار، ومنهم سلافو جيجيك الذي لا يتورع عن مقارنة «الإرهابيين الإسلاميين» بهتلر. وتلك مقارنة نعرفها من الخطاب الفرنسي الذي يتحدث عن الإسلام بوصفه «فاشية خضراء». لكن الأمرين مختلفان تمامًا، وإن كان كل منهما يمثل صدى للحداثة الرأسمالية المتأخرة ولعنفها. فخلف ظهور النازية تقف أسباب تختلف عن تلك التي تقف خلف ظهور الإرهاب المسمى إسلاميًا، حتى إن كانت تلك الأسباب كلها مرتبطة بمنطق الحداثة الإقصائي وجوعها إلى
(12) Ibid., p. 58. (13) Jean Jacques Rousseau, «Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes,» in: Jean Jacques Rousseau, Oeuvres complètes , vol. 4 (Paris: Lefevre, 1859), p. 208.
((1(ينظر كتابه الذي صدر بالألمانية بعنوان:
Slavo Žižek, Blasphemische Gedanken: Islam und Moderne (Berlin: Ulstein, 2015), p. 14.
الهيمنة. وليس بالمثير للعجب، أن ينتهي جيجيك إلى السقوط في فخ اختزالية تحليلية ترى في الإرهابي تعبيرًا عن عقدة نقص تجاه عالم لا يستطيع أن يفهمه. بتعبير آخر: إنه ينظر إلى عنفه
باعتباره عنفًا ذاتيًا، ولا يربطه البتة بعنف الحداثة ونزعات الهيمنة بداخلها. وهو (أي جيجيك)
في ذلك يتناسى أنه لا يمكن أن نتحدث عن الإرهابي بوصفه «ذاتًا». فهو لا يضحي بنفسه من أجل حريته، لأنه لا يعرف تلك الحرية، أو لم يُسمح له البتة بأن يعرفها، كما أنه، ربما، لا يعرف ذاته. إننا، في سياق التخلف، نفتح أعيننا على العنف، قبل أن نفتحها على الحرية. وهو، في حكمه على الإسلام، يعيد إنتاج العنف ذاته الذي يمارسه التخلف، حين يُفرغ الإسلام من بعده الأخلاقي وبعده
((1(بقي جيجيك في الفصل الثاني من كتابه المشار إليه رهينًا بالتحليل الذي قدمه المحلل النفسي فتحي بن سلامة للإرهابي، من
دون أدنى مراجعة نقدية لذلك التحليل. ((1(شغل العنف «النظرية النقدية» منذ بداياتها، مع بنيامين وهوركهايمر وأدورنو، بل لا يمكننا أن نفهمها إلا باعتبارها تفكيرًا في
العنف وتمظهراته المختلفة، وهو تفكير سيجد تعبيره الأقوى في «الجدل السلبي» لأدورنو، ولربما يؤكد انتشار ظاهرة الإرهاب اليوم بمختلف أشكاله، صحة تلك النظرة المتشائمة للرعيل الأول لمدرسة فرانكفورت إلى الحداثة وفكرة التقدم. أما هابرماس، فيمكن
تتبع موقفه من الظاهرة من خلال كتاب الباحثة الإيطالية: جيوفانا بورادوري، الفلسفة في زمن الإرهاب، ترجمة وتقديم خلدون النبواني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، وفي هذا الكتاب سنقف على نقد للعولمة المتسارعة وغير العادلة باعتبارها السبب الرئيس للإرهاب القادم من العالم الإسلامي. إنه ينظر إلى الإرهاب المعولم باعتباره ظاهرة حديثة، لكن
من دون أن يعني ذلك أي محاكمة للحداثة على طريقة جدل التنوير، فالحل في رأيه لن يكون إلا من داخل الحداثة؛ عبر نقدها، وليس عبر رفضها. فالبربرية ليست نتاجًا للتنوير، ولكن نتيجة لخيانته لنفسه ولمبادئه ولروحه النقدية. أما الحداثة نفسها فيشبهها
بالجسد السوي الذي يحمل مرضًا بين أحشائه؛ هو عبارة عن مزيج من العقلانية الأداتية بالمعنى الذي قدمه لها ماكس فيبر، وغربة الإنسان عن نفسه على النحو الذي شخّصه ماركس. ولا يمكن تجاوز هذا المرض الذي يعتمل في جسد الحداثة إلا عبر مواصلة طريق التنوير حتى نهايته. وسيكون من وظيفة النظرية النقدية القيام بذلك عبر دعم ميكانيزمات التواصل العقلاني، وعبر ذلك، دعم القدرة الفردية والمجتمعية على التفكير والنقد الذاتيين، ولا غرو أن مثل هذا التواصل سيؤدي، في رأيه، في النهاية إلى تحول
مجتمعي يحرر المجتمع من التلاعب والإكراه والاغتراب ويقود إلى إجماع عقلاني بين شركاء يتمتعون بالحرية. إن الحل، إذًا، هو في الديمقراطية، ومواجهة انحرافات النظام الرأسمالي أو ما يسميه هابرماس باستعمار عالم الحياة Kolonisierung der Lebenswelt. وتمثل الأصولية، بحسب رأيه، تعبيرًا عن الخوف من الحداثة ومن تهديدها للقيم وطرق الحياة التقليدية، ويلتقي هذا الموقف إلى
حد بعيد بتشاؤم ماكس فيبر تجاه الحداثة، بسبب النتائج السلبية لعقلها الأداتي ولصيرورة العلمنة. لكن هابرماس ينتقد هذا التشاؤم منافحًا عن التنوير، مقدمًا في الآن نفسه تفسيرًا جديدًا لظاهرة الإرهاب؛ إذ يرى أن لكل دين نواته العقدية الدوغمائية وأنه يرتبط
بسلطة معترف بها، هي ما يحدد التأويل الصحيح والخاطئ. ويرى أن الحداثة بتعدديتها تضع الدين في موقف صعب؛ إذ يجب عليه أن يواجه التحديات المعقدة وأن يحدد موقفه داخل فضاء متعدد وعلماني. وهنا سيكون مضطرًا إلى تنسيب موقفه من الأديان
الأخرى ومن العلوم، من دون أن يمس بنواته الدوغمائية. والفرق بين الإيمان الدوغمائي والإيمان الأصولي، عنده، يتمثل في أن هذا
الأخير يرفض تلك التحديات متمسكًا بطابعه الكوني، وبمضامينه السابقة على الحداثة. وهو يفهم الأصولية باعتبارها ردة فعل على مشروع التحديث وعلى العولمة خصوصًا. إن العولمة تعني، بالنسبة إلى هابرماس، تحديثًا متسارعًا، وعبر ذلك تأثيرًا أكبر. والإرهاب
المعولم يعني له أصولية متشددة وردة فعل أكثر تطرفًا. وفي نظر هابرماس تقسم العولمة المجتمع العالمي إلى رابحين وخاسرين، وإلى الخاسرين ينتمي العالم العربي، الذي في تجربته للفقر والخسارة من جهة، ولقوة الغرب ونجاحه من ناحية أخرى، يسقط على المستوى النفسي في رؤية استقطابية إلى العالم، يعمد فيها إلى استعمال الدين من أجل مواجهة التأثير الغربي وشيطنة العلمانية. إن هابرماس يؤكد أن السياسة الغربية تقف وراء انبعاث ردة الفعل الأصولية في العالم العربي، التي قد تتطور إلى إرهاب يفضي إلى فشل للتواصل العقلاني على مستوى العالم. إنه تعبير عن باثولوجيا تواصلية. ويرى هابرماس أن تحقيق حل دائم للإرهاب المعولم لا بد من أن يمر من تحليل نقدي للشكل الحالي للعولمة، لأنها هي ما يمثل السبب الرئيس خلف الخلل الذي يعتور العملية
التواصلية، في حين لا يمثل الإرهاب المعلوم إلا جوابًا عنيفًا عن ذلك. إن دمقرطة العلاقات الدولية من شأنها أن تحد من ظاهرة
الإرهاب وتساهم في انفتاح الشعوب المغلوبة على الحداثة وإنجازاتها. يتحدث هابرماس هنا مثل كانط من القرن الثامن عشر، كما أنه لا يدرك أنه لا دمقرطة في النهاية من دون إعادة النظر في النظام الرأسمالي برمته، وفي الزواج القسري بين الرأسمالية والديمقراطية،
وهذا ما انتبه إليه عالم الاجتماع الاقتصادي فولفغانغ شتريك مثلً، ينظر كتابه، الذي اعترض هابرماس على أطروحته الأساسية في: فولفغانغ شتريك، شراء الوقت: الأزمة المؤجلة للديمقراطية الرأسمالية، ترجمة علا عادل (القاهرة: دار صفصافة،.)2017
الثقافي. إن الحداثة الغربية غير معنية بدمقرطة الأطراف، إن هدفها المحافظة على استقرارها فقط، استقرارها في ظل الوصاية. إن من لا يريد أن ينتقد الرأسمالية، يجب عليه أن يسكت عن الإرهاب. وبالنظر إلى انتشار ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي، وبلوغه إلى الضفة الأخرى من المتوسط، يميل عديد من المراقبين إلى الحديث عن ثقافة موت إسلامية؛ ففلاسفة مثل جياني فاتيمو يفرقون بين ثقافة ناضجة، علمانية، عجوز هي ثقافة الغرب، وأخرى حيوية، أي غير ناضجة وغير علمانية هي ثقافة الإسلام. إن فاتيمو يصف الثقافة الغربية باعتبارها عالمًا متعبًا، ضربته الشيخوخة. مؤكدًا أنه «إذا تم تصديق ما
تقوله الصحافة، فإن الفكرة التي تقول إن الغرب المتمحور حول الاستهلاك، يلم به شك عميق، وأنه ليس في قدرته الدخول في صراع من أجل الحياة والموت، كانت منتشرة انتشارًا كبيرًا حتى قبل الحادي عشر
من سبتمبر». لنتأمل هذا الكلام: في ما يتعلق بالاستهلاك، لا ريب أننا في العالم العربي أمام نزوعات استهلاكوية تتخذ طابعًا مرضيًّا، يتجاوز السلوك الاستهلاكي الغربي بكثير؛ إذ لا يجب أن ننسى هنا أن
الغرب يستهلك ما ينتجه، وأننا نستهلك ما لا ننتجه. الملاحظة الثانية تتعلق بالمفاهيم التي يستعملها
فاتيمو وهي كلها من طبيعة جوهرانية، كما في حديثه عن العالم الغربي أو الإسلامي، ولم يحِد فرانسوا جوليان عن الصواب حين اعتبر أن مفهوم الغرب «أيديولوجي [...] أو هو قطب معياري للهيمنة». لكن المفاهيم الجوهرانية ليست وحدها ما يؤثر سلبيًا في الخطاب وتعصف بموضوعيته، فهناك أيضًا الأحكام
الفلسفية المسبقة، التي تقول، مثلً، بنضج الثقافة الغربية، وتذكرنا بالهذيان التاريخي لهيغل، المحكوم بمثالية مجتثّة. أمّا أن يصدّق فاتيمو وسائل الإعلام ويكوّن أحكامه من خلالها وحدها، فهذا، ربما، ما
يمكننا اعتباره علامة من علامات التعب والشيخوخة. وفي ما يتعلق بمفهوم الصراع، يبدو أن فاتيمو يُغفل،
أو ربما يتغافل، عن أنه لا يمكننا الحديث عن الرأسمالية بعيدًا عن الحرب. ألم يكن هيغل نفسه من كتب أن المجتمع البرجوازي مدفوع إلى البحث عن مستعمرات؟ وهو الذي في شططه التاريخي الكوني، يضحّي بتواريخ الآخرين على مذبح الحرية. فحماسته الكونية لا تملك سوى أعينٍ محضة لضحايا
التاريخ الكوني، وضحايا حماسته للمستقبل، أي لأولئك الذين لم يكن لهم تاريخ ولا يجب أن يكون لهم تاريخ. لقد عبّر لاسلو فولدينيي عن ذلك بدقة متناهية، حين قال: «إن إلهًا يخضع خضوعًا تامًا للعقل،
ليس بإله للحرية ولكن للسياسة والغزو والاستعمار، وكان دوستويفسكي محقًا حين وجد أن هيغل لا يقوم فقط بإخراج سيبيريا [ومع سيبيريا دوستويفسكي نفسه] من التاريخ، ولكنه يحاول مثل مُبشر أن يقنع بذلك
البشرية كلها، بأنه لا يمكن اعتباره تاريخًا، إلا ذلك الذي تقبل به رقابة نسقه العقلي».
(17) Gianni Vattimo, «Der Untergang der Werte?» in: Bindé (ed.), p. 26. (18) Ibid. (19) François Jullien, Il n ’ y a pas d’identité culturelle (Paris: Gallimard, 2016), p. 28. (20) Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Grundlinien der Philosophie des Rechts oder Naturrecht und Staatswissenschaft in Grundrisse, vol. 7 (Frankfurt: Suhrkamp, 1989), p. 392. (21) László F. Földényi, Dostojewski liest Hegel in Sibirien und bricht in Tränen aus (Berlin: Matthes & Seitz, 2012), pp. 32–33.
إن الخطاب الثقافوي لفاتيمو حول نضج الغرب ولا نضج الإسلام يتحرك في سياق هذا اللاهوت التاريخي لهيغل، ليبرر سيطرة الغرب على بقية العالم، كما برر هيغل سيطرة العقل أو العقل الأوروبي على توحش الآخرين وحسيَّتهم. فالآخرون، وفق هذا المنطق، «طبيعة»، أو على الأقل، لم ينضجوا بعد لكي يصبحوا
أحرارًا، أو لكي يعيشوا في ديمقراطية. ولهذا لا يمكننا الحديث عن حرب بين الإسلام والغرب، بل إن
«الإسلام» لا يبدو في هذا الخطاب أكثر من كذبة نيوليبرالية؛ فالنظام العالمي يقوم على صناعة للخوف، والنيوليبرالية استثمرت الكثير في الغباء، وها هي دعايتها تهدد بابتلاع فيلسوف «ضعيف» مثل فاتيمو. لربما هناك بالفعل صراع من أجل الحياة والموت، ولكنه صراع في داخل الرأسمالية نفسها التي تتمنع وتحجم وتكافح من أجل حرمان الآخرين من حقوقهم، وتأبيد تبعيتهم لها.
ثانيًا: في ما وراء الهوية
يتحدث بودريار عن تمرد للخصوصيات على العولمة. وهو يفهم هذا التمرد، شأنه شأن بورديو، بوصفه نتيجة منطقية للعولمة وطموحاتها في الهيمنة، وفي الآن نفسه تمثل هذه الخصوصيات، في رأيه، وهمًا
فلسفيًا؛ خرافة. ولن أبالغ إذا قلت إن عليها يسري تمامًا ما كتبه ماركس عن مسيحية عصره، فقال: «زفرة
الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف التي لا روح لها. إنه أفيون الشعب». إذ إننا، رغم روح الخصوصيات المتمردة ظاهريًا، أمام جواب خاطئ عن أسئلة الحداثة، إننا أمام
خصوصيات تعيد إنتاج عنف الكونية. فحين تعتنق جماعةٌ معينةٌ خصوصيةً ما، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، وتطلب خروجًا من الزمن أو من الحداثة، فهي تؤبد وضعها الهامشي في النظام العالمي، أي
تتماهى مع الدور النكوصي الذي اختاره لها المركز. أي إن الخصوصية تمثل الوجه الآخر للكلية، ولا يمكن أن ننتظر منها، بحسب بودريار، «بديلً من النظام العالمي القائم»، كما أنها لن تستطيع، في رأيه، أن تكون «تفكيرًا مضادًا»، فهي لا تمثل أكثر من حجر عثرة في طريق الكونية. ومشكلة مثل هذه
الخصوصيات، وعلى رأسها الخصوصية المسماة إسلامية، أو التي تحاول اختزال الإسلام بكل تاريخه المتعدد و«المتسامح مع الالتباس» في خصوصية ضيقة، هي أنها لا تفرّق، كما يرى بودريار، بين
«عولمة التبادل التجاري» وما يسميه «كونية القيم»، ولهذا السبب أيضًا ستفقد هذه الخصوصية، رغم حقوقها المشروعة، تضامن بقية العالم معها، وسينتهي بها المطاف إلى نوع من الانغلاق على نفسها، أو الخروج من العصر، والسقوط في التطرف وعودة المكبوت الطائفي وما يمثله ذلك، في لغة عزمي بشارة، من عكس «وظيفة الهوية بإحلالها محل القيم، والتعصّب محل المعايير الأخلاقية، ما يؤدي إلى
طمس الحدود بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة، وإحلال الحدود بين ‘نحن’ و‘هم’ في مكانها».
(22) Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Vorlesungen über die Philosophie der Geschichte (Leipzig: Reclam, 1989), p. 275. (23) Karl Marx, «Einleitung zur Kritik der Hegelschen Rechtsphilosophie,» in: Karl Marx & Arnold Ruge (eds.), Deutsch–Französische Jahrbücher 1844 (Leipzig: Reclam 1981), p. 71. (24) Baudrillard, p. 49. (25) Ibid.
(2((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.15
لا غرو إذًا أن العنف الديني، أو بالأحرى الذي يبرر نفسه بالدين، ليس ظاهرة تنحصر في السياق الإسلامي فقط، لكن صورة الانتحاري تنتشر في هذا السياق، خصوصًا، أكثر من غيره. هل يعني
ذلك أن هذا الانتحاري نتاج إسلامي صرف؟ لو بحثنا في أربعة عشر قرنًا من تاريخ الإسلام، فلن نجد شبيهًا له البتة. هذا لا يعني أننا أمام تاريخ مسالم؛ فالزواج القصري والمبكر بين الدين والسياسة على امتداد قرون أثر عميقًا في تطور المجتمعات الإسلامية، وهو تاريخ ما يزال ينتظر من يكتبه، بعيدًا عن السرديات التبجيلية أو الأيديولوجية. ليس الانتحاري نتاج الإسلام ولا التاريخ الإسلامي، بل هو بالأحرى نتاج للحداثة وتناقضاتها، هو من أبنائها، ومثله في ذلك مثل القراءة التي يقدمها المتطرفون لدينهم. فهذه القراءة تمثل إلى حد بعيد صدى لسياق التخلف وتعبيرًا عنه، وهو التخلف ذاته الذي قطع
الطريق بيننا وبين معرفة علمية بالتراث. ولم يبالغ طلال أسد لما افتتح حديثه عن قضية الإرهاب بنقد لسردية صراع الحضارات، أي لتلك السردية، التي في حديثها عما يسمى «الإرهاب الإسلامي»، تنطلق من جذور إسلامية للإرهاب، كما يفعل مثلا برنار لويس، الذي يرى في الجهاد تعبيرًا عن لا تسامح
وتكبر إسلاميّين ضد غير المسلمين، سيتحول بعد انتصار الغرب إلى غضب متطرف ضد الحداثة.
لقد عبر دو توكفيل (1859–1805)، كما ذكر آشيل ميمبي، عن الجهل بوصفه سياسة للإمبراطورية، أو بتعبير ميمبي نفسه: «الجهل تتم رعايته». وبالعودة إلى طلال أسد، إن أدلجة الحرب بين الإسلام والمسيحية تبدأ في رأيه بالحروب الصليبية، مؤكدًا أن التاريخ الأوروبي عن الإسلام سيصنع من الجهاد موضوعًا مركزيًا، وذلك على الرغم من أن
الجهاد لا يمثل مفهومًا مركزيًا في الفكر الإسلامي. وما يصدق على فلسفة لا تسافر ولا تخجل من
الارتفاع بأحكامها المسبقة إلى مستوى النسق، يصدق أيضًا على المؤرخ. إذ يرى طلال أسد أن المؤرخ الغربي يخلط بين مفهوم الجهاد والمفهوم القروسطي للحرب الصليبية، وهو بذلك يريد أن يقول، أي هذا المؤرخ، إن الإسلام ما زال يعيش في القرون الوسطى، وإن المجتمعات الإسلامية لم تعرف التنوير، وما كتبه ميمبي عن أفريقيا، وفولدينيي عن صورة سيبيريا في «التاريخ الكوني »، يصدق على الإسلام أيضًا. فلا يحق للإسلام، في ادّعاء الغرب، أن يمتلك تاريخه ولا لغته؛ فالخطاب الغربي هو وحده الذي يملك حقيقة الإسلام، وإذا ما طلب المسلم في السياق الغربي الحديث عن هذا الدين، فسيجد نفسه مضطرًا إلى تقليد وتأكيد ما يقوله هذا الخطاب. فصناعة الإسلام جزء لا
(27) Talal Assad, On suicide Bombing (Columbia: Columbia University Press, 2007), p. 48. (28) Achille Mbembe, Critique de la raison nègre (Paris: La découverte, 2013), p. 142. (29) Assad, p. 57. (30) Ibid.,
(3((يكتب ميمبي في نقد العقل الزنجيالآتي: «إن أفريقيا كما هي، ويجب أن نضيف إلى ذلك الرجل الأسود أيضًا، لا توجد إلا من خلال النص الذي يكونها مثل خيال الآخر. وإلى هذا النص ستمنح بعد ذلك سلطة مكونة للآخرين، إلى درجة أن الأنا التي تزعم
الحديث بصوتها الأصلي تواجه خطر أن لا تعبر أبدًا إلا انطلاقًا من خطاب قائم مسبقًا، يسدل قناعه على خطاب الأنا، ويعمل مبضع
الرقابة به أو يرغمه على التقليد»، ينظر:
Ibid, p. 42. (32) Földényi, pp. 13–56.
يتجزأ من الصناعة الثقافية في العصر النيوليبرالي. والصناعة الثقافية، كما وصفها هوركهايمر وأدورنو، «تفرض التقليد على نحو مطلق»، ومنطقها يقوم على الخضوع للتراتبية الاجتماعية. وهي هنا في رأينا تراتبية يراد لها أن تكون حضارية أيضًا. إن طلال أسد محقٌّ حين يؤكد أن الاختلافات بين الحرب الصليبية والجهاد أعقدُ مما يراد لها أن تكون في الخطاب الغربي: «في البداية كانت نظرية وممارسة الحرب الصليبية مرتبطتين صميميًا بصعود
الممالك البابوية، أما بالنسبة إلى الجهاد فلا يوجد تاريخ موازٍ لذلك في العالم الإسلامي. وعلاوة على ذلك، فإن مفردة ‘مقدس’ لا يتم استعمالها في النصوص الكلاسيكية العربية في الحديث عن الحرب. ولأنه لم توجد في العالم الإسلامي قط سلطة لاهوتية مركزية، فإنه لم يسبق أن كان هناك إجماع حول فضيلة الحرب الدينية». ويمكننا أن نضيف إلى استدلال أسد، النقاط التالية: الأولى، أن المساواة بين الإرهاب المسمى إسلاميًا والجهاد تمثّل نوعًا من المغالطة التاريخية، لأن الجهاد يمثل ظاهرة
مختلفة، مرتبطة بمرحلة تاريخية مختلفة، وهي ظاهرة لم تعرف الانتحار ولم تدعُ إليه. وهذه النظرة في المساواة شبيهة بتلك التي تساوي بين الإسلام والنازية مثلً. والثانية، أن وظيفة الجهاد كانت الدفاع
عما كان يسمى الأمة، بمختلف مكوناتها العرقية والدينية. والثالثة، أنه أُسيءَ توظيف الجهاد في السياق
الإسلامي، فلئن كان بعضه دفاعًا عن الأمة في مواجهة الصليبيين والمغول وغيرهم، فإن بعضه كان هدفه خدمة أغراض شخصية أو سياسية. إن سردية صراع الحضارات تمثل، بالنظر إلى منطقها المانوي الذي يتحدث عن شعوب متحضرة وأخرى غير متحضرة، استمرارًا لما يسمى في الأدبيات الألمانية «عداء العقل لليهودية» der Antijudäismus
Vernunft، داخل الثقافة الغربية. إن ذلك يدعم نوعًا من الأبارتهايد الحضاري، إن جاز هذا التعبير، الذي ينظر إلى المسلمين باعتبارهم جماعة يجب تحريرها من ظلاميتها، كما كان الحال في مراحل مختلفة من حياة اليهود في أوروبا منذ عصر التنوير. ففي فلسفة التنوير والمثالية الألمانية، بقيت اليهودية هي «الآخر» الذي يستعصي على الإدماج، أو الآخر بامتياز بالنسبة إلى نظام الحرية. ولهذا طالب فلاسفة تلك المرحلة ب «تحرير» اليهود من «أغلال» دينهم. في ذلك السياق، أكد كانط أن الإيمان في اليهودية، يقوم على طاعة للأوامر الإلهية، من دون اختبار عقلي لتلك الأوامر. إنه الموقف نفسه الذي عبّر عنه هيغل أيضًا، واصفًا اليهودية بأنها دين الطاعة، والوعي اليهودي بأنه وعي
عبودي، لأنه لا وجود لوساطة حسية بين الإنسان والإله في اليهودية. وسيبقى هيغل وفيًا للأحكام
المسبقة الكنسية على اليهودية، وسيشمل نقده صورة الإله في اليهودية، باعتباره حاكمًا لا يقبل بغير
الطاعة، في مقابل التصور المسيحي عن الإله بوصفه أبًا محبًا. وللسبب عينه يرى أن العبودية هي
(33) Max Horkheimer & Theodor Adorno, Dialektik der Aufklärung: Philosophische Fragmente (Frankfurt: Suhrkamp,1988), p. 139. (34) Espinosa, p. 78. (35) Markus Kneer, Die dunkle Spur im Denken: Rationalität und Antijudiäsmus (Paderborn: Ferdinand Schöningh, 2003), p. 16. (36) Ibid., p. 124.
الشكل الوحيد للعلاقة بالإله في اليهودية. إن الإله اليهودي هو بالنسبة إليه: «إله الأوامر والقوانين في مقابل الإله المسيحي الذي هو إله الحرية والحب». هذا الخطاب هو عينه المنتشر اليوم حول الإسلام. إنه خطاب لم يكلف نفسه عناء اختراع لغة ومفاهيم جديدة، أو حتى اختراع أحكام مسبقة مغايرة، ولكن ما قيل في الماضي عن «القانون اليهودي» يقوله اليوم صقور «الإسلاموفوبيا» وصناعة الثقافة عن الشريعة الإسلامية. إنهم يختزلون التعدد كلّه الذي طبع الإسلام ديانة وثقافة في هوية دينية مغلقة، وهم في ذلك يلتقون مع التطرف الإسلامي على أرض واحدة. إن من حق الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان (1951–)، الذي يفكر من خارج الثنائية التقليدية هوية – اختلاف، أن ينظر إلى خطاب الهوية كله في حديثه عن الثقافات باعتباره خطأً في التفكير. وما يطبع الثقافات، في رأيه، ليس هوياتها ولكن ينابيعها. لنأخذ أوروبا مثالً: هل أوروبا مسيحية؟ أهي بنت التنوير؟ أم بنت الثورة الصناعية؟ بالنسبة إلى جوليان؛ تأثرت أوروبا عميقًا بالمسيحية والتنوير معًا، ولكن لا أحد من الاثنين يستطيع إقصاء الطرف الآخر وتحديد «الهوية» الأوروبية وحده. فخلافًا للقيم التي يمكن المرءَ أن يدافع عنها في حماسة، فإن الينابيع الثقافية تقبل القسمة. وما يقوله جوليان عن أوروبا يمكننا قوله عن أي ثقافة أخرى، ومنها الثقافة الإسلامية. هل الإسلام، كما يُزعَم اليوم، بل أحيانا كما نعيشه، ثقافة للموت؟ هل هو ثقافة متسامحة مع الالتباس، وسيأتي التحديث ليجهز على تنوعها، كما يزعم آخرون؟ هل هو ابن للعصور القديمة المتأخرة antiquity Late بثقافاتها وأديانها وفلسفاتها الوثنية؟ وهل يمكننا الحديث عن ثقافة إسلامية محضة؟ أولم يدخل الإسلام عصرًا جديدًا بعد انتقاله إلى المجال المتوسطي؟ كلها أسئلة تقف على النقيض من سردية صراع الحضارات. ولهذا السبب أيضًا أقول: إن الحداثة حين تدين الإسلام، لا تدين إلا ذاتها.
ثالثًا: «الشيخ والمريد»
إلى جانب نقد النظام العالمي وعنفه المتعدد الأبعاد، السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري، أعني النقد الذي يقدمه فلاسفة مثل هابرماس وبودريار، وعلماء اجتماع مثل بورديو، في تحليلهم الشروط الموضوعية المنتجة لهذا العنف، سنجد أنفسنا، من أجل فهم ما يسمّى «الإرهاب الإسلامي»، مضطرين إلى بحث شروط إمكانه الذاتية، التي تبقى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بشروط موضوعية، مسؤولة على نحو مباشر عن إنتاج وإعادة إنتاج «لاعقلانيات الأطراف». إن أبرز تمظهرات هذه اللاعقلانية تتمثل في السلطوية العربية، أي إن علينا طرح السؤال عن طبيعة النظام السياسي العربي وعلاقة ذلك بظهور الإرهاب.
(37) Ibid., p. 128. (38) Jullien, p. 7.
يتحدث الأنثروبولوجي عبد الله حمودي في كتابه الشيخ والمريد عن ممارسات ثقافية معينة، تساهم في إعادة إنتاج السلطوية وتثبيت دعائمها في العالم العربي. إنه يطلب فهم الأسباب الكامنة في انتشار أنظمة سلطوية في المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. ويمكن أن نجمل جوابه عن هذا السؤال في تلك الخطاطة التي تسود كل العلاقات التراتبية في المجتمع، وتحدد المنطق الداخلي للمؤسسات الاجتماعية، مثل الأسرة والشركات الاقتصادية والمؤسسات التربوية والأحزاب السياسية، الموالي منها والمعارض... إلخ. إن هذه الخطاطة تفسر أشكال السلطة في الدول العربية والإسلامية، وتجد تطبيقها الأمثل في الزوايا الصوفية. ولهذا السبب تقول الفرضية الأساسية للكتاب إن الزاوية هي «الأصل الاجتماعي» للسلطوية. يفسر حمودي الظاهرة السلطوية عبر تفسير عملية الخضوع والتخلي عن الذات من طرف المريد لشيخه، وعبر ذلك يفسر التطبيق الاجتماعي لهذه الخطاطة الدينية في المجال السياسي. فالهدف المثالي للسلطة السياسية يكمن في ترجمة السلطة المطلقة للشيخ على المريد داخل الزاوية، ومن الأقوال المعبّرة جدًا عن هذه السلطة قول أحدهم: كن في يد
الشيخ كالميت في يد الغسّال. هذه السلطة في الزاوية أو الرباط، لا تختلف في جنسها عن السلطة في مجال السياسة أو دار الملك، كما يرى حمودي. ويرى أيضًا أنه على الرغم من نشوء بيروقراطية عقلانية في زمن الاستعمار، وكذلك التحولات الاجتماعية الكبرى، فقد تمكنت السلطوية العربية، أيضًا بدعم من الاستعمار، من بعث الحياة في خطاطة قديمة من القرن التاسع عشر، وتوسيع مداها إلى كل المجالات؛ السياسية ونظام الأحزاب والاقتصاد والمجتمع المدني، وغير ذلك. ومن أجل الحصول على الامتيازات وجمع الثروات ومراكمة المناصب، سنكون مضطرين في ظل السلطوية إلى تقبل أنواع القمع كلها، والانبطاح للسلطة، والتخلي عن «الرجولة»، والتنازل عن الإرادة. إن المريدين يبقون أطفالً، بل حتى القوى المعارضة التي تتمرد ضد السلطة تعيد إنتاج الخطاطة ذاتها من أجل توجيه الحشود ضد الحكم القائم. إن هذه الخطاطة تقوم أساسًا على تنشئة اجتماعية وتربية. وبالأحرى، تقوم على الترويض وليس التربية؛ إذ يفرّق كانط بوضوح بين التربية والترويض. يمكن أن يقال إن التربية هي هبة التنوير؛ لأن هدفها خلق مواطن حر الإرادة، في حين يهدف الترويض إلى خلق أتباع. يكتب كانط: «يمكننا أن نروض الإنسان ونلقنه على نحو ميكانيكي، أو أن نعمد فعلً إلى تنويره. يمكننا ترويض الكلاب والأحصنة ولكن يمكن أيضًا ترويض الإنسان». يؤكد كانط، كما لو أنه معلق من عصرنا، بوضوح ما يشير إليه حمودي، أعني العلاقة التي يقيمها الشيخ بالمريد: «فهم يُربَّوْن مثل الأطفال، والحال أنهم بلغوا سن الرجال»!.
(3((عبد الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ((4(المرجع نفسه، ص.29–15 ((4(المرجع نفسه، ص.64–63
(42) Emmanuel Kant, Über die Erziehung (München: Deutschtürken Verband, 1997), p. 22.
((4(حمودي، ص.127
لا خلاص من دون الخضوع، وذلك ليس بالمعنى الديني للكلمة فحسب، بل بالمعنى السياسي أيضًا؛ فالسلطة السياسية تتواشج بالسلطة الدينية، فتروّض الناس على نحو لا يسمح لهم بأن يصبحوا
ناضجين وأصحاب إرادة. إن المعركة كلها تدور حول قضية الإرادة، فالترويض دينيًا داخل الزاوية
الصوفية أو سياسيًا داخل مختلف المؤسسات الاجتماعية، مهمته كبت الإرادة، أو دفع «المريدين»
أو ما يسمّى «المواطنين» إلى كبتها، بل وإلى والاحتفاء بذلك أحيانًا. لكن ألا يحق لنا أن نسأل في
هذا السياق عن إمكان الحديث عن إنسان كامل الإنسانية، في ظل نسق ثقافي – سياسي لم يكتشف الإرادة؟ ألم يكن كانط صادقًا في دعوته إلى الحؤول دون نشوء عادات لدى الطفل، لأن ذلك يحول دون شعور الطفل بالحرية؟ إن الترويض يقوم على إنتاج وإعادة إنتاج العادات، وهي التي تتحول إلى نوع من التقاليد لاحقًا، أو طبيعة ثانية للإنسان، ويصبح الخروج عليها ضربًا من التهور أو الهرطقة. يكتب المحلل النفسي مصطفى صفوان أنه «ليس الإله من يخلق الناس على صورته، بل الملِك. إن المستبدين يصنعون الشعوب على صورتهم». لكن الأمر لا يتعلق هنا باكتشاف جديد، فلقد كتب دينيس ديدرو منذ القرن الثامن عشر عن هذا الاستغلال السياسي للدين قائلً: «لقد كانت مهمة الحاكم أن يفرض على الشعوب تصوره عن الإله والأمور الإلهية». إن الاستبداد لا يسمح بالفراغ. تمتد سلطته من السماء إلى الأرض، وتحتل الظاهر والباطن، وهي تتناقض مع ما يسميه كلود لوفور المكان الفارغ للسلطة في النظام الديمقراطي على نحو مطلق. ففي الاستبداد على الطريقة القروسطية، لا يمكن فصل السلطة السياسية عن جسد الملك. أو كما كتب لوفور عن ملوك العصر القديم في كلمات لم تفقد شيئًا من راهنيتها، على الأقل في السياق العربي، «سلطته تعبر عن قطب
غير مشروط ومفارق للعالم، وفي الآن نفسه يطرح شخصه باعتباره ضامنَ وممثلَ وحدة المملكة». هذه الترنسندنتالية تختفي في النظام الديمقراطي، فالحكومة لن تأخذ بمقاليد السلطة إلا فترة محددة. ففي ظل الديمقراطية نقف على فارق لا يمكن ردمه بين الرمزي والواقعي، أي بين الأشخاص الذين يتم انتخابهم فترةً زمنية محددة والذين سيمسكون بمقاليد السلطة، وبين السلطة نفسها. لكن، في ظل الخطاطة، الشيخ والملك يقولان ما الذي على الدين قوله، إنه نص حي بمعنى أنه سلطة حية ومطلقة، إنه «نصف إله» كما وصف الرحالة الإيطالي أدوميسيس سلطانًا مغربيًا من القرن التاسع
عشر. يتحدث حمودي في تمهيده للطبعة العربية لكتابه عن نموذج تفسيري ثانٍ لاستمرار السلطوية العربية، ذلك الذي قدمه هشام شرابي (2005–1927) في «النيو–بطريركية». لكن بالنسبة إلى حمودي
(44) Kant, p. 48. (45) Mustapha Safouane, Pourquoi le monde arabe n’est pas libre? (Paris: Denoel, 2008), p. 26. (46) Meddeb, p. 91. (47) Claude Lefort, Essais sur le politique (Paris: Seuil, 1986), p. 26. (48) Hugues Politier, Claude Lefort, La découverte du politique (Paris: Michalon, 1997), p. 79.
((4(حمودي، ص.99 ((5(المرجع نفسه، ص.13–6
تظل البطريركية غير كافية لتفسير ظاهرة السلطوية، لأن العلاقة أب – ابن ليست بالعلاقة الدينية (يمكننا الوقوف على هذه العلاقة في المجتمعات العلمانية أيضًا)، كما أن هذه العلاقة لا يمكنها، في رأيه، أن تؤدي وظيفة الأم التي تعتبر ضمان إعادة إنتاج النموذج. فالشيخ لا يمثل أبًا للمريد فقط، بل هو يؤدي الدور الرمزي للأم أيضًا. إنه يشبه شخصية ثنائية الجنس، تضمن إعادة الإنتاج الاجتماعي. وتقود التربية، ونقول التربية تجاوزًا، داخل الزاوية إلى محوٍ للأنا. ولهذا، لم يكن هناك مفر من هذه الخطاطة، في نظر حمودي، إلا عبر الهرب من الشيخ أو قتله، لكن من دون أن يعني ذلك أي تصدع في الخطاطة. ولربما يبعث هذا التشاؤم على اعتقاد نوع من القدَرية الاجتماعية، إن لم نقل «الحضارية». وهي ترتبط خصوصًا بموقف ثقافتنا العربية – الإسلامية من الابن، إذ لن نبالغ إذا قلنا إننا
لا نعيش في هذه الثقافة صراع أجيال، بل وصاية أجيال على أخرى. إننا أمام ثقافة «غير ابنِيَّة» بامتياز،
يندحر فيها الابن لصالح «النموذج المتخيل». لا تسمح دار الاستسلام بأي شكل آخر من أشكال المعارضة الشرعية. إننا نولد ونكبر ونشيخ في ظل الاستبداد. نفتح أعيننا على الخطاطة قبل أن نفتحها على الجسد أو الفرد. حتى المستبد نفسه ليس حرًا، فهو ابن هذه الخطاطة، ولربما لذلك السبب يعيش خادمًا للاستعمار، إنه لا يخاف شيئًا أكثر من
حريته، وهو، في قمعه للآخرين، لا يقمع سوى حريته. وللسبب ذاته أيضًا تنتج الخطاطة المعارضة الوحيدة التي تستحقها: «الإرهاب». إننا في ظل الخطاطة لا نثور؛ إننا ننقلب فقط.
رابعًا: الإرهابي على سرير المحلل النفسي
تحدثنا حتى الآن عن الثقافة السياسية – الدينية التي يمكن اعتبارها «بنية فوقية» لظواهر مثل الإرهاب والسلطوية، كما أكدنا العلاقة بين سياق التخلف والنظام العالمي، كما شرح ذلك بورديو خصوصًا. لكن السؤال الذي لم نطرحه حتى الآن، هو سؤال الهوية النفسية ل «لإرهابي». من الصعب، بطبيعة الحال، أن نتحدث عن «الإرهابي» بوصفه فردًا، فهو استنساخ، في النهاية، لنموذج معين؛ نموذج متخيل. إنه فرد من دون فردانية، إن صح هذا القول، أو فرد مع وقف التنفيذ، يتجلى فيه «الحشد» بنزعاته البدائية المدمرة. يصف هانس يورغن فيرت المتطرف، انطلاقًا من إريك فروم، بأنه مثل «شخص قتل كل أحاسيسه تجاه الآخرين، وعمد إلى إسقاطها على الحزب، أو الجماعة التي يشعر بالقرب من أيديولوجيتها. إنه يؤله الجمعي والأيديولوجيا المشتركة ويرمي بنفسه مثل عبد بين يديهما». أي إن المتطرف بكل أشكاله يخاف حريته الشخصية؛ إنه يحاكمها ويحكم عليها، مضحيًا بفرديته. يجب أن نفهم التطرف
باعتباره جرحًا حقيقيًا أو متخيلً. إنه بالنسبة إلى فتحي بن سلامة يمثل جوابًا عما يسميه «جرح المثال
الإسلامي»، وهو جواب يعيش الحداثة خارجيًا لا داخليًا. إنه يعيش الدين خارجيًا، ويعتقد بصوت
مرتفع. لربما كان هذا ما جعل بن سلامة يصف المتطرف بأنه شخص يطلب التجذر في السماء، لأنه
(51) Hans–Jürgen Wirth, Narzismus und Macht (Giessen: Psychosozial–Verlag, 2011), p. 366.
يعجز عن تحقيق ذاته في الأرض. إن الأمر يتعلق، في لغة محلل نفسي آخر هو فرانسيس باش، باكتئاب عقدة النقص infériorité ’ D Dépression، يطلب المتطرف تجاوزه عبر رفض مطلق للإنسانية، أو عبر ترنسندنتالية خاطئة، تتحقق بوصفها طاعة غير مشروطة. في لغة بن سلامة: «الذات تفسح الطريق للآلة». لكن بن سلامة يسقط في نوع من الاختزالية حين ينظر إلى الإسلاموية باعتبارها أيديولوجيا أنتجها المسلمون. فهو يغفل عن أن التطرف يضرب اليوم العديد من الأديان، وأن ذلك مرتبط بإجهاز الحداثة على التقاليد، وبفشل مشروع حركات التحرر العلمانية، أو فشل مشروع التحديث في المجتمعات العربية. ولم يبالغ بن سلامة حين اعتبر أن الأمر الحملي الذي يتحكم في المسلم الأعلى surmusulman Le يقول بالعودة وليس بالتحقق. لأنه لا يرى الإسلام إلا في أمثلة للماضي، وهي عودة تضحي بالفردية والحرية والزمانية. لكن هل يتعلق الأمر هنا فعلً بما يعتبره بن سلامة التناقض القائم بين الجماعة والمجتمع؟ لا، لأن الإسلاموي يرفض التقاليد، فهو لا يعدّها ندًا له. ولهذا فهو يخلق لنفسه جماعة أو تقاليد بديلة، متخيلة. إن التطرف مزايدة على التقاليد، وهو ما لم ينتبه إليه التحليل النفسي للإسلام. إنه لا يمثل رفضًا راديكاليًا للحداثة، ولكن للتقاليد أيضًا. لكن، مع هذا، لا
يمكن التحليل النفسي رؤية هذه التقاليد، أو هو لا يريد ذلك. وفي الوقت الذي تحاول فيه التقاليد ترويض الجسد كما تفعل الحداثة بأجسادها، سنقف لدى المتطرف على جسد بلا أنت Duloser، يخترقه عنف مزدوج، ضد ذاته وضد الآخرين. جسد لم يكتشف جسديته بعد، لأنه لم يكتشف حريته. في بحثه الموسوم ب «الطهرانية» pureté la De، يفهم المحلل النفسي بيلا غرونبيرغر (2005–1903)، الطهرانية أنها كالمحاولة التي تطلب بلوغ الكمال النرجسي عبر إنكار للغرائز، ورفض للجسدية والأحاسيس، وإن فعل الأَمْثلَة، يخفي الغرائز البدائية التي تسكن في داخلنا. إن المثالية والشر
يتوافقان، أو كما كتب غرونبيرغر؛ إن قضية نرجس وآنوبيس واحدة، فهما يعبران عن العلاقة المباشرة بين الطهرانية والعدوانية، ليكتب لاحقًا: «إن الطهراني يصطدم مباشرة بإحباطه حين يلتقي بالواقع، إنه لا يستطيع حينها سوى أن يهرب من الواقع أو أن يختار نظيرًا رجعيًا، يحاول عبره إصلاح
جوهره النرجسي، أو، وهذا هو الحل الذي يتم استعماله غالبًا، يعمد إلى إسقاط الشر على الآخرين، إن
لم يسلط تلك العداونية ضد نفسه». ويرى غرونبيرغر أن الطهرانية، بوصفها مثالً للنرجسية الكونية، تعبر عن نفسها غالبًا من خلال المعتقد الديني أو الأيديولوجيا، التي يطلب أتباعهما حماية طهرانيتهما
مهما كلّف الأمر. إن الطهرانية عجز عن مواجهة الواقع، لكن هذا العجز غير مرتبط بالضرورة بذات المتطرف أو ثقافته أو تربيته، إنه يتجلى عبر هذه الثقافة وهذه التربية، أكثر من كونه نتاجًا لهما، وهذا
تحديدًا ما لا يراه التحليل النفسي، أو ذلك التحليل النفسي الذي لم يتحول إلى نقد اجتماعي، كما أرادته النظرية النقدية. إن الطهرانية تبقى في هذا المنظور عجزًا عن استبطان أوديب، أو عجزًا عن
المسؤولية. لكن هذا العجز المستمر عن تحمل المسؤولية أو عن الحرية، يرتبط لا ريب بسياق التخلف. إن التخلف هو عجز مجتمع عن امتلاك قدره، وعجزه عن المسؤولية. وتظل الطهرانية هوية
(52) Fethi Benslama, Un furieux désir de sacrifice: Le surmusulman (Paris: Seuil, 2016), p. 48. (53) Béla Grunberger, Narcisse et Anubis, études psychanalytiques 1954–1986 (Paris: Des Femmes, 1989), p. 476. (54) Ibid., p. 477.
غير لحمية، في حين أن الجسد في الإسلام، في القراءة الشخصانية على الأقل، يمتلك حقوقًا كاملة. فهو دليلٌ من الأدلة على وجود الله. أجل، يمكن التحليل النفسي أن يساعدنا في معرفة ما يعتمل داخل نفس المتطرف أو الإرهابي، وفهم طريقة تفكيره، لكن فهمه للظاهرة الدينية، يظل متماهيًا مع الموقف المهيمن على الحداثة والتنوير.
ولهذا، لم يكن مفاجئًا أن يخطئ الطريق إلى البعد الثوري للدين، الذي كتب هوركهايمر (–1895
1973) في عام 1971، عنه يقول: «إن ذلك الحنين الذي ما زال حيًا في الدين، والذي يقول إن واقع
العالم بكل وحشيته ليس الواقع الأخير، يوحد ويجمع بين كل البشر، أولئك الذين يرفضون التصالح مع الظلم في هذا العالم ولا يستطيعون ذلك، ويتحول الإله بذلك إلى موضوع للحنين والتقديس البشريين. إنه يتوقف عن الوجود كموضوع للعلم والملكية. إن مثل هذا الاعتقاد ينتمي لا ريب إلى ما نسميه الثقافة الإنسانية». لكن عبر هذا التمرين على الحنين، الذي يقف على النقيض من كل مشروع ملكية، والذي لا يجب فهمه بوصفه وهمًا ميتافيزيقيًا، يرتبط المؤمن أكثر بالممكن ولا يرتبط
بالحقيقي، أو فنلقل: إنه لا يرتبط بحقيقي متخيل، يكتفي، عن وعي أو لاوعي، بإنتاج النظام القائم.
خامسًا: نقد الثقافوية
إن نقد الموقف الثقافوي الضارب بجذوره في الثقافة الغربية ليس بالأمر الهين، وإن بدا يسيرًا أول وهلة.
خصوصًا أن هذا الموقف يتردد ويتكرر في صيغ مختلفة في دول الأطراف، على نحو يدفعنا لموافقة
سمير أمين (2018–1931) في حديثه عن «مركزية مقلوبة»، أو مجرد تكرار للمركزية الغربية. يعمد أمين في كتابه الذي لم يُقرأ جيدًا حداثة، دين وديمقراطية: نقد المركزية الغربية، نقد الثقافويات،
في البدء، إلى تقديم تعريف للثقافوية، ليرى أنها نظرية تظهر على نحو متسق، وتفهم نفسها باعتبارها نظرية شاملة، إنها تقوم على فرضية تقول بوجود خصائص ثقافية ثابتة، تملك القدرة على الاستمرار، وذلك على الرغم من التحولات الاقتصادية والثقافية. إن هذا يعني أن الخصوصية الثقافية ستتحول، وفقًا لهذه الرؤية، إلى المحرك الأساسي للتاريخ. ويضرب أمين مثلً على ذلك بالنظرية الفيبرية، التي رأت في البروتستانتية السبب الرئيس في التحول إلى الحداثة الرأسمالية. لكن بالنسبة إلى أمين، القادم من الماركسية، أن البروتستانتية نفسها هي نتاج للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها أوروبا. ومن الضروري أن نؤكد ذلك في هذا المقام؛ وذلك لأن الثقافويين، بنقدهم السطحي، دائمًا ما
يزعمون أن مشكلة الإسلام ترجع إلى أنه دين لا يسمح بالإصلاح ولم يعرف التنوير. ولربما يكون
(55) Max Horkheimer, «Bemerkungen zur Liberalisierung der religion,» in: Max Horkheimer, Sozialphilosophische Studien (Frankfurt: Suhrkamp, 1972), p. 238. (56) Samir Amin, Modernité, Religion et Démocratie: Critique de l’eurocentrisme, critique des culturalismes (Paris: Parangon, 2008). (57) Ibid., p. 5. (58) Ibid., p. 21.
من الضروري هنا أن نتحدث عن بعض أوهام التنوير، وخصوصًا في ما سمي الحرية. فهذه الحرية التي يُحتفى بها بوصفها قيمة من قيم التنوير المركزية، يعمد النظام الرأسمالي إلى تحديد معالمها ورسم حدودها، حركاتها وسكناتها، بحيث لا يمكننا أن نتحدث عن حرية متعينة ولكن عن حرية محضة؛ هذه الحرية التي ستنتهي اليوم، في العصر الأميركي، إلى نوع من العقل الأداتي، وتنتهي معها الذات الحرة إلى ذات مستهلكة، فتجد جوهر حريتها في الاستهلاك، كما بيّن ذلك أقطاب «النظرية
النقدية». لكن ما تفعله الرأسمالية بالحرية، تفعله بالدين. لا يعني هذا أن الرأسمالية هي ما يحدد المضمون اللاهوتي للدين، ولكنها ما يرسم دوره الاجتماعي والسياسي، وهو ما من شأنه أن يعبث في النهاية بذلك المضمون، ويجعله مجرد انعكاس أو تبرير لذلك الدور. وبتعبير آخر؛ في ظل نظام ديمقراطي، كما الحال في الديمقراطيات الغربية، يملك الدين دورًا مختلفًا عن الدور الذي يؤديه في دول الأطراف، بل حتى في دول غربية حديثة العهد بالديمقراطية. ولا يختلف ذلك الدور لأن المسيحية الغربية أكثر تطورًا من الإسلام أو البوذية أو المسيحية الشرقية من وجهة نظر لاهوتية كما يدعي الثقافويون. بل إن السبب في هذا السياق هو من طبيعة اجتماعية وليس من طبيعة لاهوتية. لقد اضطرت المسيحية الغربية إلى الدخول في حوار مع إنجازات الحداثة، وأعني الديمقراطية والتحديث والعلمنة، وتمكنت بفضل هذا الاصطدام المبكر بالحداثة وتحدياتها من التحرر من دوغمائيتها، وهو ما لم يتحقق للإسلام التاريخي الذي حرم من حقه في الدخول في حوار جدي مع الحداثة، أو لم يكن مستعدًا لذلك، لأسباب داخلية وأخرى خارجية، وخصوصًا الأسباب الخارجية؛ وذلك لأن الحداثة الرأسمالية لا تسمح، إلى يومنا بدمقرطة الأطراف، وهي التي ما برحت تدعم مختلف أشكال الدكتاتوريات في المنطقة العربية من ثيوقراطية، وعسكراتية، وطائفية، ومافيوية. وهي عبر ذلك تدعم سيطرة تدين دوغمائي يؤبد طلاقنا الداخلي مع الحداثة. إن الرأسمالية الغربية تعوق قيام وعي حداثي في دول الأطراف، تمامًا كما فعلت كل شيء من أجل ضرب الوعي الطبقي في دول المركز نفسها. إن ثقافة الرأسمالية تزعم أنها تقوم على كونية إنسانوية، لكنها في صيغتها الأورومركزية، تقف ضد هذه الكونية، وذلك ليس لأن «المركزية الأوروبية تدمر الشعوب والحضارات، التي ترفض نموذجها»، كما كتب أمين، بل لأنها تدمر الشعوب التي تطلب استنساخ ذلك النموذج، وتريد التحول إلى شعوب حرة. إنه من الضروري أن نؤكد أن لكل حقبة إسلامها، أو أن لكل حقبة تدينها، ولا يمكننا أن نعتقد التدين نفسه، فما قاله هيرقليطس عن الكينونة، يمكننا قوله عن التدين. قد يكون الدين ثابتًا في النصوص، لكن الموجود في الواقع المعيّن هو تديّن متحوّل. ولهذا السبب، إن الزعم الثقافوي الذي يتكرر منذ
القرن التاسع عشر، ويرى أن الإسلام لم يعرف الحداثة لأنه معادٍ لكل تطور على نحو جوهراني، يمتح أفكاره من تلك الصورولوجيا الفلسفية المغلقة التي أسست لها الحداثة. كلا، إن التديّن المعاصر في بعض جوانبه متأثر بالحداثة، ومعبّر عن تناقضاتها. إن له الحداثة التي يستحقها، حداثة الأطراف
(59) Ibid., p. 173.
المعطوبة والمحرومة والمقهورة، أو حداثة التخلف المزدوج، الذي يحرمنا من معرفة تراثنا ومن معرفة الحداثة وأهمية إنجازاتها، ويربطنا بوهم الأصل وفخ الأصالة. إن نظرية التبعية كما طورها أمين، التي تربط التخلف واستمراره في دول الأطراف بآليات الاستقطاب في الرأسمالية ما بين المركز والأطراف، لم تفقد الكثير من قدرتها التفسيرية؛ فالرأسمالية الغربية، ويبدو ذلك واضحًا من خلال صراعها اليوم مع الصين، لن تقبل بتطور مراكز رأسمالية مستقلة في الأطراف. إن
روح الرأسمالية مناقضة للاستقلال، فنحن أمام عبودية مُقنَّعة. ولم يبالغ ميمبي حين تحدّث عن القدر
الزنجي للعالم Le devenir– nègre du monde في ظل سيطرة النظام النيوليبرالي. إن تخلف الأطراف شرط استمرار وهيمنة للرأسمالية الغربية، ولربما من شأن قراءة تاريخية نقدية للعلاقات بين فرنسا ودول أفريقيا، أو ما يسمى الميثاق الكولونيالي، الذي لم نكتب تاريخه بعد، أن ترسم بوضوح سبل اشتغال هذه الهيمنة، أو هذه التبعية، وتجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، أو تجليات هذه التبعية المطلقة. لكن ما نفترق فيه اليوم عن سمير أمين، هو أننا لا نعتقد أن الاشتراكية هي البديل المنشود من هذا النظام، لأننا لا نعتقد أن المشكلة تكمن في الرأسمالية ذاتها، ولكن في سيطرة الرأسمالية على الديمقراطية في المركز والأطراف. فالمشكلة الرئيسة تكمن في غياب الديمقراطية أو كونها ثانوية الدور داخل النظام الرأسمالي الذي يتحكم اليوم في مصير البشرية. إن الحلم الكانطي بديمقراطية كونية لم يفقد شيئًا من راهنيته، وإن بدا أشبه بحلم مستحيل، لكنه على الأقل يشير إلى الأفق الذي يجب أن
نرنو إليه جميعًا، في المركز كما في الأطراف، الذي لا ريب أنه سيتطلب دمقرطةً لعلاقات الإنتاج على المستوى الكوني وترشيدًا لها، فلا يمكننا الحديث عن الديمقراطية في ظل التبعية. لقد غادر الاستعمار البلدان العربية، بعد أن سلم السلطة لبرجوازية كومبرادورية، تعمل على تصفية بؤر المقاومة القائمة والممكنة، وتحمي مصالحه التي غدت هي مصالحها، ومعها تعيد إنتاج التخلف، وتزاوج على نحو مقيت بين التقنية والخرافة. إن دمقرطة الرأسمالية لن تطالب بلدان الأطراف بتبنّي سياسة تصنيعية، ولن ترغب حتى في دعوتها إلى الدخول في منافسة مع الدول الكبرى في هذا المجال، ولكنها ستدعوها إلى بناء اقتصاد محلي يسمح ببناء ديمقراطية وعلاقات اجتماعية واقتصادية حرة. إن «أخطاء» أمين النظرية، كما يعددها عصام الخفاجي لا تفنّد البتة تأكيده، وتأكيد منظري التبعية عمومًا، للعلاقة الداخلية
بين التخلف في الأطراف وتطور الرأسمالية في المركز. أما الحديث عن نشوء مراكز رأسمالية جديدة، فإنه لا يؤكد البتة، خلافًا للخفاجي وغيره، أن ثنائية المركز – الأطراف لم تعد تمتلك قيمة تحليلية. إن هذا الادعاء، وإن استند إلى نماذج معينة، يغفل واقع أن من يتحكم في الرأسمالية العالمية هو «الغرب»، وأن ظهور دول مثل كوريا أو غيرها لا يلغي الاحتكار الغربي إن لم يدعمه، وسيظل مجرد استثناء كما وصفه أمين، كما أنها ستظل استثناءات تابعة للمركز الغربي ومرتبطة برأسماليته. ثم كيف يمكنني الحديث عن تطور للرأسمالية في دول تنتمي إلى الأطراف وأغفل أن هذا التطور قد يخرجها من تبعية اقتصادية على الطريقة العالم ثالثية، ولكنه يدخلها إلى ما يمكن
(6((ينظر: عصام الخفاجي، «سمير أمين: في نقد حلم انكسر»، عمران، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.24–7
أن نسميه التبعية المطلقة؟ إن ذلك يترافق مع انتصار مطلق لنموذج الحياة الغربي الذي سيكبل من هنا فصاعدًا شعورها ولاشعورها الجمعييّن، فلا حلم اليوم ولا حق لها في الحلم خارج «الحلم
الأميركي». إنها لا تقدم لنا حداثة بديلة. والأرقام الإيجابية وحدها لا تكفي لكسر التبعية وبناء مجتمع ديمقراطي. ولا بأس هنا أن نعود إلى قضية اللاهوت السياسي، الذي لا يمكننا أن نشكك في طبيعته السياسية، ولا في ضرورة فهم نشوئه وتطوره في ارتباطه بالاستبداد أو السلطوية العربية. إن كل الحركات السياسية التي تؤسس للاهوت سياسي في السياق العربي، هي في الآن نفسه امتداد للسلطوية العربية من جهة، وتعبير عن فشل مشروع التحديث من جهة ثانية، ولاستمرار تبعيتنا للمركز الغربي وسياساته وحروبه من جهة ثالثة. لكن هل يعني ذلك أن نرفض مشاركة الأحزاب المحسوبة على الإسلام السياسي في العملية السياسية، ولو بأن ندعي أننا نرفضها لحماية الديمقراطية التي لم نعرفها من قبل؟ إن ذلك يشهد على العماء الأيديولوجي الذي طبع جيلً بأكمله، وهذا العماء الذي يصب في مصلحة الدكتاتوريات التي ما برح أمين ينتقدها عن حق، باعتبارها خادمة لدى المركز الرأسمالي ومنفذة لسياساته. إن الحركات الشعبية والحركات التقدمية التي يحتفي بها أمين كل مرة، تعبّر عن نفسها اليوم في لغة دينية،
وتوجب أن ننتبه إلى مطالبها لا أن نتوقف، في نوع من الحساسية المرضية، أمام لغتها، وتوجب أيضًا أن لا ننسى أنه لم يسمح لها بتعلم لغة غيرها أو لم يسمح لها بترجمة لغتها إلى لغة دنيوية كما فعلت المسيحية الغربية. إن دعوة أمين وغيره في السياق العربي إلى ضرورة وقوف القوى التقدمية ضد ما يمسيه «المشروع المتطرف»، تعوزه الدقة. فالعالم العربي لم يعرف قوى تقدمية، ولكن قوى تسلطية باسم التقدم، وما يحدث اليوم في العالم العربي يفضح ذلك. لقد بقي أمين ابنًا وفيًا لسياقه التاريخي،
ولأدلوجة التحرر الوطني التي فشلت في جميع المستويات، إلا، ربما، في بناء «دولة انفصالية»، كما يريدها المركز الرأسمالي؛ انفصلت بنفسها عن مصير الشعوب. لنُصْغِ إلى رأي أمين حتى النهاية؛ إنه يكتب أن الإسلام السياسي المعاصر يمثل مشروعًا فارغًا، لأن الأمر يتعلق بمشروع لا يتضمن بعدًا اجتماعيًا، وهو الضروري لتحقيق التغيير الذي يسمح بمواجهة تحديات الرأسمالية. يتعلق الأمر،
بالنسبة إليه، بمشروع محافظ، يرحب به النظام العالمي للرأسمالية. ولو تأملنا لحظة في السياسات غير الاجتماعية التي نفذتها بعض الأحزاب المحسوبة على الإسلام السياسي، ومنها مثلً حزب العدالة
والتنمية في المغرب، فلن نعترض البتة على كلام أمين. أَجل، لا شك في أن الإسلام السياسي، أو بعض تياراته حتى نكون أكثر دقة، يقدم جوابًا خاطئًا عن تحديات الحداثة؛ لأنه جواب يتمحور حول هوية
متخيلة وليس حول أسئلة مجتمعية، ولكنه في الآن نفسه جواب مشروع. هل أحاول هنا تربيع الدائرة؟ إذ كيف يكون الأمر خاطئًا ومشروعًا في آن؟ أريد فقط أن أقول إن الإسلام السياسي في العالم العربي، الذي أعتبره مع أمين جوابًا خاطئًا عن تحديات الحداثة، هو ما يمثل اليوم صوت الجماعات والطبقات
المسحوقة التي تمثل أغلبية المجتمع، ورويدًا رويدًا، مع اتساع دائرة فشل «الدولة الانفصالية» سيمتد
(61) Amin, p. 185. (62) Ibid., pp. 181–187.
ليعبر عن مطالب الطبقة الوسطى أو ما تبقى منها. للسبب عينه، يجب، بدلً من محاكمة غير عادلة للإسلام السياسي، والتباكي على غياب المضمون الاجتماعي في مشروعه، وهو ما ليس صحيحًا
دائمًا، أن نقدم لهذا المشروع المضمون الاجتماعي الذي ينقصه، ولن يتم ذلك إلا عبر تحريره من فخ
الأصالة، وترجمة مواقفه إلى لغة ديمقراطية. إن التحليلات التي يقدمها عزمي بشارة لظاهرة السلفية، تتمتع بأهمية كبيرة في سياق نقد الثقافوية. فهو يرى في سوء استغلال مفهوم الإرهاب وسيلة لمحاربة المعارضة. فالولايات المتحدة الأميركية حولت، في رأيه، محاربة الإرهاب إلى نوع من الأيديولوجيا، وهو ما قاد إلى نوع من المنطق المانوي الذي يقسم العالم إلى «إرهاب» – «محاربة الإرهاب»، وهو تقسيم يرتبط بالمصالح السياسية ولا يحل هذه المشكلة، إن لم يجعلها أشدّ تعقيدًا. إن هذا التقسيم المصطنع يؤدي، بحسب بشارة، إلى تهميش قضايا الديمقراطية والعدالة والتحرر، مغفلً في الآن نفسه رؤية العلاقة بين معاناة الشعوب ونشوء الإرهاب. لكن بشارة ليس وحده من يقول ذلك. فالباحث الألماني أولريش شنيكنر يرى بدوره في فشل المشروع التحديثي والفساد السياسي في العالم العربي، شروطًا ملائمة لنشوء الإرهاب، لأن ذلك يخلق بُنى تعوق صيرورة التطور الاجتماعي، وهو ما يعني، في رأيه، أن مجموعة
من الطبقات الاجتماعية لا تملك البتة فرصة للصعود الاجتماعي، وهو ما يمس، خصوصًا، تلك
الطبقات الوسطى التي كانت تملك مثل هذه الإمكانية في الماضي، والتي تشعر بنفسها اليوم على المستوى السوسيو–اقتصادي مهمشة ومهددة بالنزول في السلم الاجتماعي. ونتيجة مثل هذا الانسداد الاجتماعي، انتفاضات شعبية وتطرف. ويمكننا أن نستقي نقد بشارة للثقافوية من تحليلاته لظاهرة السلفية. إنه يقرأها انطلاقًا من سياقها الاجتماعي؛ فالأمر يتعلق بقراءة اجتماعية. وبشارة حين يدخل في حوار نقدي مع التراث الديني الذي تستند إليه السلفية المعاصرة، فهو لا يفعل ذلك ليحرفنا عن سياقنا المعاصر. إن تحليلاته تثبت أن ظواهر معاصرة مثل «الدولة الإسلامية» هي تكوينات معاصرة، وإن ربطها بعضهم بالإسلام بوصفه دينًا وثقافة. يبدأ بشارة جوابه عن السلفية بنقد للسردية الاستشراقية التي تظل على المستوى الإبستيمولوجي حبيسة نموذج تفكير مسبق يؤسس للثنائية شرق – غرب، وينبني على حجج جوهرانية إن لم تكن إثنية. إنها تنظر إلى الإسلام باعتباره وحدة، يحكمها جوهر لاتاريخي، ويُختزل الإنسان المسلم في هويته الدينية فقط Religiosus Homo. إن الكونية الخاطئة
التي تحدث عنها بورديو، تنتج أيضًا لغة خاطئة. ويقدم بشارة مثالً على هذه اللغة الخاطئة حين يشير إلى استعمالات مفهوم «الأصولية» الذي نشأ في السياق البروتستانتي، والذي يعني نوعًا من إعادة إنتاج حرفية للتقاليد. يسقط الخطاب الاستشراقي هذا المفهوم على ظاهرة السلفية، مغفلً من خلال ذلك البعد الإيجابي لهذا المفهوم في الثقافة الإسلامية، الذي يعني في الأصل فعل اجتهاد
(6((عزمي بشارة، «الإرهاب: بموجب هوية الفاعل أم بموجب هوية الضحية؟»، سياسات عربية، العدد 29 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، ص.19–7
(64) Ulrich Schnekener, Transnationaler Terrorismus (Frankfurt: Suhrkamp, 2006), p. 175.
(6((عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.12
وتجديد. لكن الصورولوجيا Imagology المغلقة لا تلتقي بالآخرين، فهي تكونهم فقط، بعيدًا من واقعهم التاريخي. ولهذا تفهمهم، في هذا السياق، باعتبارهم جوهرًا مطلقًا غير قابل للتغيير،
وهو ما يفنده بشارة من خلال حديثه عن سلفيات متنوعة، مذهبية وإصلاحية وجهادية. وهو هنا يؤرخ للظاهرة من خلال تحققها في التاريخ، ولا ينحرف إلى تاريخ ما فوق التاريخ، الذي نعرفه من القراءات الثقافوية. ويوجه بشارة في هذا الكتاب، من جهة أخرى، سهام نقده إلى السردية السلفية نفسها، فيفككها من الداخل، ويفضح شططها في التعامل مع التراث الديني، ويقدم نقدًا قويًا لما
يسمّى «المذهب الوهابي»، موضحًا كيف أننا نقف أمام دعوة تخطئ في حق الماضي وحق الحاضر،
وتعمد إلى التعصب لماضٍ متخيل من جهة، وترفض كل أشكال الاجتهاد من جهة أخرى. ولا ريب أن ما يميّز هذا الإسلام، أو بالأحرى هذا الفهم للإسلام، هو التعامل الانتقائي مع نصوصه الكبرى.
إنه يمارس عنفًا على النص. ولم يبالغ بشارة حين كتب: «ليست المسألة إذًا الحفاظ على التقاليد والتراث؛ فالسلفية الجهادية بأسمائها ومسمّياتها المختلفة، كثيرًا ما تعمل على هدمهما بمعول الإسلام
النقي كما تتصوّره أو تتخيّله وتعيد إنتاجه». وقد ربط بشارة السلفية الجهادية وتمظهراتها المختلفة
بسياقها التاريخي، مفنّدًا إمكانية الحديث عن «تاريخ أفكار مستقل» يقود إليها. وفي تأكيده أن الحركات الإسلامية المختلفة «ليست مجرّد نص أصولي يتكرّر منذ ابن حنبل أو ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب
وغيرهم»، يلتقي بموقف السوسيولوجيا النقدية. غير أن بشارة لا يكتفي بردّ الأعراض إلى المرض، أو لا ينحصر في إطار إيثيولوجيا Etiology اجتماعية، بل يعمد، علاوةً على ذلك، إلى تفكيك «هوية»
هذه اللاعقلانية. إن الأمر يتعلّق بهوية استئصالية، لا تعود إلى الماضي كما هو، ولكن إلى ماضٍ
متخيَّل، ماضٍ هو الحاضر وتناقضاته. إنها بطريقةٍ ما عنف ضد الإسلام. ولهذا يجب، أيضًا، أن نعتمد
التفريق المنهجي داخل هذه النظرية النقدية للسلفية التي يقدمها بشارة بين الدين والتديُّن. فصناعة
السلف الراهنة، وتخيّله، جزء من الصناعة الثقافية للعصر النيوليبرالي، وهي تعبير عن تديُّن يرتبط
صميميًا بسياق التخلُّف. إن مشروع «العودة إلى الدين»، يبقى مشروعًا أيديولوجيًا، كما يمكن أن
يكشف لنا ذلك كل تحليل علمي للسردية الإسلاموية المعاصرة، فهي لا تدرك حتى الهوية التاريخية والثقافية للنص القرآني، أو بالأحرى، تقف ضد بناء وامتلاك تلك المعرفة، لأن عودتها إلى التراث ليست من طبيعة نقدية – تاريخية، تلك العودة التي استمرّت حتى يومنا هذا حكرًا على الاستشراق
الغربي. إنه وهم عودة أو وهم أصل. إننا لا نعود، لكننا نتخلّف.
سادسًا: الفوضوية والتطرف الديني
عمدنا حتى الآن، وانطلاقًا من مفكرين غربيين وعرب إلى نقد الجينالوجيا الدينية – الثقافية المتخيلة للإرهاب، لكن إلى جانبها، يتحدث باحثون في السياق الغربي عن جينالوجيا سياسية للإرهاب
((6(المرجع نفسه، ص.64 ((6(المرجع نفسه، ص.47 ((6(ينظر في هذا السياق العمل الكبير للمستشرقة الألمانية أنغيليكا نويفيرت:
Angelika Neuwirth, Der Koran als Text der Spätantike: Ein europäischer Zugang (Berlin: Suhrkamp, 2011).
المسمّى إسلاميًا. ولا يعنون بذلك البتة، أن هذا الإرهاب هو استمرار لحركة إسلامية قديمة، بل
يربطونه خصوصًا بالسردية الفوضوية أو التوتاليتارية. وسنكتفي هنا بالحديث عن واحدة من أهم تلك المحاولات وهي تلك التي قدمتها الفيلسوفة الفرنسية هيلين لوييه. إنها ترى أن لا مندوحة من أن نكون واعين بأهمية الخطاطة الفوضوية، إذا ما أردنا فهم التطورات التي يعرفها عالمنا المعاصر. تحاول لوييه أن تفهم «الإرهاب الإسلامي» باعتباره استمرارًا للعدمية والفوضوية الروسية، موضحة منذ البداية أن الحركتين معًا، الإسلاموية والفوضوية، وبغضّ النظر عما يميز كل واحدة منهما من الأخرى، تمتلكان معًا البنية نفسها، وتعني بذلك الميسيانية، التي تقول إنها عدمية وتسميها بميسيانية الحدث، التي لا علاقة تجمعها بالميسيانية التقليدية. لا تذكر لوييه في كتابها البتة الدور الذي يمكن أن تؤديه العلاقات النيوكولونيالية في تطور ظاهرة الإرهاب، وحين تعرّج، مثلً، على فرانز فانون Frantz
Fanon (1925–1961) في كتابه المعذبون في الأرض، أو مقدّمة سارتر لكتابه، التي يجب أن نفهمها انطلاقًا من سياقها التاريخي باعتبارها جوابًا عن الاستعمار وإرهابه في دول الأطراف، فإن لوييه لا تجد في مثل هذه الكتابات غير استفزاز ودعوة إلى القتل. إنها لا ترى آلام الشعوب المستعمَرة، ولا
ترى أيضًا عنف الاستعمار. أجل، إننا نعتقد مع سارتر أن العنف مكون داخلي للحرية. لكن الإرهاب يمثل عنفًا خاطئًا، وهو عنف يهدد حريتنا، ويشرعن الحروب الكولونيالية. وحتى نتكلم على الضد من مايكل فالزر، الذي يجب ألّ نندهش من حضوره الكبير والمزعج في كتاب الفيلسوفة الفرنسية، فإن الاستعمار هو ما يلغي كل إمكانية للوساطة، ويرفض اللغة. إن الاستعمار هو القابلة التاريخية للإرهاب. و«الإرهاب الإسلامي» هو حرب أولئك الذين لا حرب لهم ولا لغة. إن وصف هذه الحرب باعتبارها «الوجه الجديد للطغيان»، هو لا غرو وصف أحادي، لأنه يتناسى الحرب الكبرى التي تقودها المراكز الرأسمالية في دول الأطراف، ويصمت عن آلامها ولا يكتفي بذلك، بل قد يبررها فلسفيًا. إن أي مقارنة بين ما يسمى «الإرهاب الإسلامي» والحركة الفوضوية هي لا ريب جزء من تلك القراءات الثقافوية التي انتقدها سمير أمين، التي تنتشر كثيرًا في السياق الغربي كما رأينا. ويكفي أن نشير في هذا
السياق إلى أن مبدأ الفردية في السياق الفوضوي يؤدّي دورًا حاسمًا، في حين أن مشروع «الإرهاب
الإسلامي» هو مشروع جماعي. فهو حتى إن رفض السلطة الدينية القائمة، وأحيانًا يكون محقًا في ذلك، فالزعم أنه يتجاوز خطاطة الشيخ والمريد، فيه كثير من المبالغة. فللإرهاب الإسلامي سرديته الدينية و«إكليروسه» الخاص به، وتفسيره الديني، وللسبب عينه لا يمتلك الإرهابيون فرديتهم أو لا يعرفونها. إنهم لا يفجرون الخطاطة القائمة من الداخل، بل يواصلونها بوسائل أخرى، كنسخ شاحبة عن ماضٍ أو تاريخ متخيل. إنهم يرفضون السلطة ليفرضوا سلطتهم. أما النسيان الذي يميز الفوضويين، كوسيلة لتجاوز التضخم التاريخي، فإنه لا يعني لهم شيئًا، ربما لأنهم، كذلك، لا يعرفون التذكر، ولأن النسيان يشترط فردية الفاعل التاريخي وحريّته. إن الفيلسوفة الفرنسية تكتب بنفسها أن «الحياة بالنسبة إلى باكونين هي
(69) Hélène L’Heuillet, Aux sources du terrorisme (Paris: Fayard, 2009), p. 12. (70) Ibid., p. 15. (71) Ibid., p. 43.
الفردي». ولا يمكننا البتة أن نزعم الأمر نفسه بالنسبة إلى الإسلاموي الذي يجد الحياة «الحقيقية» في التماهي مع جماعة الموتى. إنه لا يعرف الحرية، لأنه لا يستطيع أن يكون غير هوية أو وهم هوية. وللسبب عينه لا أرى في الإسلاموي ثوريًا حقيقيًا، لأن «الثوري يعرف علمًا واحدًا وهو علم التدمير»، كما يقول
سيرجي نيتشاييف (1882–1847) في بيانه الثوري الشهير. أما الإسلاموي فغارق في التقليد. إنه يريد استعادة الموتى المتخيَّلين ومعهم كل ذلك الماضي الذي انفصلنا عنه، الذي ننظر إليه بعيون الحاضر. إن
الإسلاموي يريد ذلك، في نوع من الانهزامية النفسية، لأنه لا حاضر له. ففي ظل الاستبداد جميعنا يعيش بلا حاضر، وكل يجرب هروبه إلى الأمام. إن الأمر لا يتعلق هنا ببازاروفيزمية Bazarovism، أي بعدمية مطلقة، تبحث تدمير كل شيء ولم تعد تأمل بشيء. إن الأمر لا يعدو كونه شكلً من أشكال البوفارية.
تساؤلات ختامية
إن «النظام العالمي» الذي أسست له الرأسمالية الغربية، الذي يعرف منذ السبعينيات، في رأي فولفغانغ شتريك، طلاقًا بين «عدالة السوق» و«العدالة الاجتماعية»، أو طلاقًا بين الديمقراطية والرأسمالية، سيتطور إلى نوع من «الأزمة المؤجلة»، وينعكس ذلك على دول الأطراف، وإن «الثقافة الدينية – السياسية» للمجتمعات العربية هي وليدة سياق التخلف، وهي مرتبطة بهذا النظام العالمي أكثر منها بهوية دينية أو ثقافية متخيلة. ويجب ألا نفهم «الهوية النفسية» ل «الإرهابي»، خارج هذه السياقات السياسية والاجتماعية، تلك هي المحطات الثلاث التي عرجنا عليها في محاولتنا تفكيك ظاهرة ما يسمّى «الإرهاب الإسلامي». وعلى الرغم مما سبق؛ لم نعطِ «الإرهابي» حقه في الكلام. أصغينا إلى مختلف السرديات حوله، انتصرنا لبعضها ورفضنا الآخر، ولكن ألسنا هنا نحاكي الخطاب السائد فنجعل من هذا «الإرهابي» مجرد موضوع؟ ألم نغفل الطريق إلى ذاتيته؟ لكن هل يمكننا الحديث عن ذات في ظل الاستبداد؟ إن الاستبداد يحرمه لغته ويحرمه حريته. وإذا كان الإنسان يعي نفسه والآخرين عبر اللغة، وإذا كان الوجود الإنساني يكمن في صلب اللغة، فإن الإرهابي يقف خارج حدودها، محرومًا من حقه في جسده ولغته
ووجوده. إن الضحية لا تكتب تاريخها.
References
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. «الإرهاب: بموجب هوية الفاعل أم بموجب هوية الضحية؟». سياسات عربية. العدد 29 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2017
(72) Ibid., 142.
((7(للاطلاع على البيان، ينظر:
Sergey Nechayev, «The Revolutionary Catechism,» Marxist Internet Archive, accessed on 10/2/2020, at: https://bit.ly/39qKZ2b (74) Wolfgang Streeck, Gekaufte Zeit, Die vertagte Krise des demokratischen Kapitalismus (Berlin: Suhrkamp, 2013), p. 235.
_______. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 _______. في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 بورادوري، جيوفانا. الفلسفة في زمن الإرهاب. ترجمة وتقديم خلدون النبواني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2014 الخفاجي، عصام. «سمير أمين: في نقد حلم انكسر». عمران. العدد 27 (شتاء.)2019 شتريك، فولفغانغ. شراء الوقت: الأزمة المؤجلة للديمقراطية الرأسمالية. ترجمة علا عادل. القاهرة: دار صفصافة،.2017
الأجنبية
Amin, Samir. Modernité, Religion et Démocratie: Critique de l’eurocentrisme, critique des culturalismes. Paris: Parangon, 2008. Assad, Talal. On suicide Bombing. Columbia: Columbia University Press, 2007. Benslama, Fethi. Un furieux désir de sacrifice: Le surmusulman. Paris: Seuil, 2016. Bindé, Jérome (ed.). Die Zukunft der Werte. Berlin: Suhrkamp, 2007. Bourdieu, Pierre. Contre–feux: Propos pour servir à la résistance contre l’invasion néo–libérale. Paris: Raisons d’agir, 1998. Földényi, László F. Dostojewski liest Hegel in Sibirien und bricht in Tränen aus. Berlin: Matthes & Seitz, 2012. Gauchet, Marcel. La religion dans la démocratie. Paris: Gallimard, 1998. Grunberger, Béla. Narcisse et Anubis, études psychanalytiques 1954–1986. Paris: Des Femmes, 1989. Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. Grundlinien der Philosophie des Rechts oder Naturrecht und Staatswissenschaft in Grundrisse. Frankfurt: Suhrkamp, 1989. ________. Vorlesungen über die Philosophie der Geschichte. Leipzig: Reclam, 1989. Horkheimer, Max. Sozialphilosophische Studien. Frankfurt: Suhrkamp, 1972.
Horkheimer, Max & Theodor Adorno. Dialektik der Aufklärung: Philosophische Fragmente. Frankfurt: Suhrkamp,1988. Jullien, François. Il n’y a pas d ’identité culturelle. Paris: Gallimard, 2016. Kant, Emannuel. Über die Erziehung. München: Deutschtürken Verband, 1997. Khatibi, Abdelkebir. «Le Maghreb comme horizon de pensée.» Les temps Modernes. no. 375 (1977). Kneer, Markus. Die dunkle Spur im Denken: Rationalität und Antijudiäsmus. Paderborn: Ferdinand Schöningh, 2003. Koulibaly, Mamadou. Eurafrique ou Librafrique: L’ONU et les non–dits du pacte colonial. Paris: Editions L’Harmattan, 2009. Lefort, Claude. Essais sur le politique. Paris: Seuil, 1986. L’Heuillet, Hélène. Aux sources du terrorisme. Paris: Fayard, 2009. Marx, Karl & Arnold Ruge (eds.). Deutsch–Französische Jahrbücher 1844. Leipzig: Reclam 1981. Mbembe, Achille. Critique de la raison nègre. Paris: La découverte, 2013. Meddeb, Abdelwahab. La maladie de l’islam. Paris: Seuil, 2002. Neuwirth, Angelika. Der Koran als Text der Spätantike: Ein europäischer Zugang. Berlin: Suhrkamp, 2011. Politier, Hugues. Claude Lefort, La découverte du politique. Paris: Michalon,1997. Rousseau, Jean Jacques. Oeuvres complètes. Paris: Lefevre, 1859. Safouane, Mustapha. Pourquoi le monde arabe n’est pas libre? Paris: Denoel, 2008. Schnekener, Ulrich. Transnationaler Terrorismus. Frankfurt: Suhrkamp, 2006. Schmitt, Carl. Positionen und Begriffe. Berlin: Dunker & Humblot, 1994. Sloterdijk, Peter. Im Schatten des Sinai– Fußnote über Ursprünge und Wandlungen totaler Mitgliedschaft. Berlin: Suhrkamp, 2013. Streeck, Wolfgang. Gekaufte Zeit, Die vertagte Krise des demokratischen Kapitalismus. Berlin: Suhrkamp, 2013. Wirth, Hans–Jürgen. Narzismus und Macht. Giessen: Psychosozial–Verlag, 2011. Žižek, Slavoj. Blasphemische Gedanken: Islam und Moderne. Berlin: Ulstein, 2015.