العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حفريات في الذاكرة السلفية ومتخيلاتها

حفريات في الذاكرة السلفية ومتخيلاتها

​On Salafi Imaginary and its Memory: An Archaeological Approach

زهير سوكاح *

Zouheir Soukah *

الملخّص

تهتم هذه القراءة بتعاطي المفكر العربي عزمي بشارة مع الظاهرة السلفية ومتخيلاتها ضمن كتابه "في الإجابة عن سؤال ما السلفية؟"، حيث تسعى إلى إبراز ومناقشة جوانب مهمة من طبيعة ووظيفة الاستذكار المؤدلج ضمن الظاهرة السلفية كما عالجها الكتاب الذي يضم بين دفتيه حفريات في ذاكرة الظاهرة السلفية بتنويعاتها المتباينة، في محاولة بينتخصصبة لتقديم فهم دقيق للظاهرة بوصفها استنادا مؤدلجا لماض متخيل، ببرز فيه الفعل السلفي من كونه فعلاً استذكاريا. مما يجعل من هذا الكتاب دعوة مستجدة لفتح أفاق بحثية للتعاطي البينتخصصي مع الحركات الدينية الحديثة بوصفها قطاعا مهما من مجموع المتخيلات الاجتماعية ذات الحضور الواضح في السياق السوسيوثقافي للمنطقة.

Abstract

Abstract: This review examines Azmi Bishara’s engagement with Salafism and its conceptualizations in his book What is Salafism. The review highlights key aspects of the nature and function of Salafi ideological memorializations in an inter–disciplinary effort to craft a clear understanding of the phenomenon as a collective memorialization of an imagined past. The book calls for opening up research horizons for cross–professional engagement with modern religious movements and their social imagination, clearly rooted in the sociocultural context of the region.

الكلمات المفتاحية:
  • السلفية
  • الأصولية
  • التراث
  • المتخيل الاجتماعي
  • الذاكرة الجمعية
Keywords:
  • Salafism
  • Fundamentalism
  • Heritage
  • Social Imagination

مقدمة

لم تعد مقاربة الظاهرة السلفية وقضاياها حكرًا على الدراسات التي تنتمي عادة إلى مجالَي العلوم الشرعية الإسلامية والتاريخية، ولا تكاد تفارقهما إلى تخصصات مغايرة. هذا هو الاستنتاج الذي يهتدي إليه قارئ كتاب في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟1 للمفكر العربي عزمي بشارة. فمعاينة الإشكاليات المركزية التي يتضمنها هذا الكتاب الراهني في طرحه المعرفي، إضافة إلى المسوغات المنهجية التي ينطلق منها مؤلفه، تجعل القارئ يدرك مدى أهمية، بل ضرورة، تناول الظاهرة السلفية، بكل أشكالها، بالمنهج «البينتخصصي»، الذي استقر عليه بشارة للمعالجة العميقة للتساؤل المفتوح، الذي وضعه عنوانًا لكتابه الجديد حول مصطلحٍ غير هيّن، يحفل، بحسب تعبير المؤلف، ب «الاتجاهات المتعددة»2، والذي يحيل بدوره مفهوميًا إلى ظاهرة «حديثة»، لها جذور عميقة في تاريخ المنطقة العربية – الإسلامية. إلى جانب المنطلق التحليلي التركيبي الذي يستند إليه هذا الكتاب الجديد، تنضاف راهنيّته، ولا سيما حينما نربطه بمؤلَّف آخر لبشارة، تناول بدوره، عبر منهج تحليلي تركيبي من منطلقات معرفية متعددة، ظاهرةً تكاد تكون شبيهة بالظاهرة السلفية، وهي الطائفية، إذ عالجها في كتابه الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة3، الذي لا يشير عنوانه إلى عينة من المصطلحات التي تبدو معقدة في تداخلها المفهومي فحسب، بل يحيل أيضًا إلى ما يربطه مع المؤلَّف الجديد لبشارة حول الثيمة السلفية، وهو ذلك السعي البحثي الحثيث نحو اقتفاء معرفي للتطورات الفكرية والتغيرات السوسيوثقافية، التي تعتور متخيلات أيديولوجية محددة، لعل من أبرزها في المنطقة العربية: الطائفية والسلفية، وذلك من خلال المعالجة البحثية العميقة للسياقات التاريخية والفكرية والمجتمعية، التي أفرزت هذه الظواهر، ما يؤكد أن هذا الكتاب الجديد ليس بالأمر الطارئ، بل هو أشبه بلبنة معرفية جديدة ضمن مشروع فكري بدأه هذا المفكر قبل عقود، ولا سيما مع كتابيه طروحات عن النهضة المعاقة4والدين والعلمانية في سياق تاريخي5. هو، إذًا، مسار فكري طويل يسعى الكاتب ضمنه إلى مقاربة ما يمكن أن نسميه «متلازمة الماضي الحاضر»، وبتعبيرٍ آخر؛ مع التضاد المؤدلَج، ومن ثمّ المُصطنع، بين حداثة غير مكتملة في سياقها العربي، وماضٍ متخيَّل ومُستعاد لأغراض سياسوية، وهي مفارقة لا يمكننا بأي حال إغفال ثقلها المجتمعي الحاضر، كما ظهر ذلك بوضوح في هذا المؤلَّف حول ظاهرة

  1. عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  2. المرجع نفسه، ص.9
  3. عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018
  4. ينظر: عزمي بشارة، طروحات عن النهضة المعاقة (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2003
  5. ينظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1: الدين والتدين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015

السلفية ومتخيلاتها6، التي هي موضوع هذه القراءة التي ستركز، كما سنرى، على طبيعة الاستذكار المؤدلج ووظيفته ضمن الظاهرة السلفية، الذي عالجه عزمي بشارة بتأنٍ وعمق.

أولا: عن التباس مفهوم «السلفية»

تُعدُّ السلفية بوصفها مفهومًا وممارسةً، من أبرز المداخل البحثية للاشتباك المعرفي مع حيز مهم من هذه المتخيلات المؤدلَجة، التي يُستدعى فيها ماضٍ محدد ضمن الحاضر، أو يتم تحيينه، بمعنى أنه ماضٍ تم تخيله عن طريق استدعاء انتقائي له عبر وسائط ذاكرية معينة، بهدف تحقيق وظائف محددة سلفًا. ومن هذا المنطلق، لا يستكين هذا الكتاب لذلك الاستخدام المُنمط، ومن ثم الشائع لمفهوم السلفية، الذي يمكننا القول إنه يقوم على ثلاث قراءات، وهي: القراءة التبسيطية، والقراءة الاختزالية، والقراءة الاستشراقية. وهي ما سنعرج عليه في النقاط الثلاث التالية: • تتمظهر تبسيطية هذا المفهوم في كونه يحيل، في الأساس، «على منظومة أفكار متجانسة وصلدة متماسكة» متمثلة في معناه البديهي، الذي يتبادر إلى الذهن أولً، أي: العودة إلى الكتاب والسنة ونبذ البدع والمحدثات»7، وهو توصيف تبسيطي لظاهرة أشدّ تعقيدًا من هذا، على الأقل من منظور تاريخ الأفكار، وهو الأمر الذي ينتقده بشارة بقوله: «ليس مفهوم السلفية بسيطًا، لكنه معقد. وما زالت الموضوعية العلمية تحتم علينا الحديث عن سلفيات متنوعة حتى المرحلة المعاصرة»8، طارحًا في الوقت نفسه مجموعة من التساؤلات، التي تخلخل هذا التصور التبسيطي لهذه الظاهرة المعقدة، بقوله: «هل السلفية مرحلة زمنية ‘مباركة’ وفق تعبير محمد سعيد رمضان البوطي، لا ‘مذهب إسلامي’، أم هي مذهب فقهي واعتقادي في وقت واحد؟ أم هي مذهب اعتقادي فحسب؟ أم هي نزعة موجودة في شتى الاتجاهات المذهبية الإسلامية حنبلية وغير حنبلية؟»9• إلى جانب هذه القراءة التبسيطية لظاهرة متغيرة زمانيًا ومكانيًا، نجد أن البعد الاختزالي لهذا التوصيف النمطي، قد أسهم بدوره، وخاصة في رواجه الحالي الكبير، في التعامل البحثي معه، ولا سيما ضمن الدراسات الشرق أوسطية أو ما سمّاها بشارة «السوق» البحثية للدراسات الغربية حول الإسلام، التي تختزل السلفية في كونها «نمط تدين متزمت»، بل ينحصر حتى جغرافيًا، وذلك ضمن الجزيرة العربية بالدرجة الأولى، وهو أيضًا ما ينتقده بشارة بتأكيده أن «هذا النمط ليس خاصًا بالجزيرة العربية، فهو يشمل العالم الشيعي أيضًا، أي إنه ليس سنيًا فقط بل هو شيعي أيضًا»10. ومن هذا المنطلق، يرى

  1. يُقصد هنا بمفهوم «المتخيل» ما ذهب إليه تشارلز تايلر في كتابه المتخيلات الاجتماعية الحديثة، أي «الفهم المشترك» الذي يُمكّن ممارسات اجتماعية، وهو فهم «واقعي ومعياري في الوقت عينه»، ينظر: تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.36–35
  2. بشارة، في الإجابة، ص.9
  3. المرجع نفسه، ص.16
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه، ص.20

بشارة أن الأصح موضوعيًا هو الحديث عن سلفيات متعددة ومتنوعة بدلً من سلفية واحدة، مستخلصًا أن «السلفية [...] معطى تاريخي بحت يعبر عن وجود سلفيات سنية وشيعية متعددة»11. • في هذا السياق، تحديدًا، لا يفوت بشارة توجيه نقده إلى التمثل الاستشراقي للظاهرة السلفية، ولا سيما الراهن منه، الذي غالبًا ما يُصر في تناوله نشوء الحركات السلفية وخُفوتها، على كونها «أصوليات تكرر ذاتها» بوصفها «تقليدًا في التاريخ الإسلامي»، أو على مجرد كونها نصًا أصوليًا «يتكرر منذ ابن حنبل أو ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب وغيرهم»12. وإذا كان الأمر كذلك، يتساءل بشارة، «فهل المشكلة في تلك النصوص دينية» في حد ذاتها؟ مُضيفًا أن «مئات ملايين البشر قرأوا هذه النصوص ورددوها ولم يتعاملوا معها كنصوص سياسية ومنهج عمل، بل كنصوص دينية من زمن مقدس، وفقط قلة قليلة جدًا من المسلمين استخدمها بوصفها دليل عمل سياسي»13. على هذا الأساس يعتبر بشارة أن السبب الرئيس لهذا التناول التسطيحي للظاهرة السلفية يتمثل في كون أن «الدراسات الشرق أوسطية المعاصرة» قد «تخلت عن الحفر التاريخي في المؤلفات الكلاسيكية الإسلامية»، مشددًا في الوقت نفسه على أن «العودة إلى الحفر في التاريخ تأتي غالبًا بنتائج مخالفة، وأحيانًا مناقضة للترسيمات عنه»14. وبخلاف تلك الترسيمات يشدد بشارة على اللبس المحيط اليوم بهذا المفهوم حتى في معناه الواسع، بقوله: «يعني مصطلح السلفية في الأصل، في دلالته العامة، التزام القرآن والسنة وحدهما، والاستناد إلى سيرة الرسول وأقواله وأفعاله والسلف الصالح، أي الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، والتابعين في إنزال أحكام الكتاب والسنة على الواقع العيني». وهذا ما يعتبره توصيفًا مُجملً بقوله: «هذا تعريف مجمل بالطبع. فالمعيار فيما ينسب إلى السلف عندهم هو ما أجمعوا عليه»، وهنا يضيف متسائلً: «وما أجمعوا عليه خلاف: إجماع من؟»15. هذا التعدد في الإجماع، الذي يتم تناوله على نحو انتقائي كما سنرى، أسهم في تعقّد المصطلح، وهو ما نتبينه في الشوط الطويل الذي قطعه في تاريخه المتحول، وهذا ما يشير إليه بشارة بقوله: «كان مصطلح السلفية أشد التباسًا في معناه [...] وذلك قبل أن يستقر على تعريف ضيق نسبيًا يختص بتيار ديني مذهبي اعتقادي محدد. ولكن مؤخرًا عادت الظواهر التي يطلق عليها تسمية ‘سلفية’ فتعددت حتى ضاق المصطلح بها، مع أن البعض يراها متشعبة عن تيار ‘أصلي’ واحد، وهو ما يبرر تاريخيًا جمعها تحت عنوان السلفية»16.

  1. المرجع نفسه، ص.9
  2. المرجع نفسه، ص.120
  3. المرجع نفسه، ص.141
  4. المرجع نفسه، ص.11
  5. المرجع نفسه، ص.17
  6. المرجع نفسه.

ثانيًا: السلفية والحداثة

«السلفية» بوصفها مفردة جامعة ودالة على مجموع التيارات السلفية المتباينة فيما بينها، هي إذًا الصيغة التي استقر عليها بشارة في كتابه، بوصفها منطلقًا مفهوميًا للحديث عن الظاهرة السلفية عمومًا وما يرتبط بها من تمظهرات متعددة خصوصًا. وبخلاف التنميط الذي أشرنا إليه سابقًا، ينطلق بشارة من فكرة محورية، تُعتبر من أهم الأفكار المركزية للكتاب، وهي أن الحركات السلفية، على اختلافها وتنوعها، «تنشأ في الحداثة»، ومن هنا يستأنف من جهته تعريفها، كونها بالدرجة الأولى «حركات حديثة بمعنى أنها حركات أيديولوجية نشأت في العالم الحديث بآليات التنظيم الحديثة ونتيجة ضغوط العالم الحديث نفسه»، وهذا التعريف لا ينحصر، في نظره، في حركات سلفية راهنة دون غيرها، بل ينطبق في تصوره على «الحركات السلفية كافة، إصلاحية أكانت أم جهادية أو غير ذلك»17. من هنا يُشدد بشارة، أولً، على أنه من المتعذر فهم كل هذه الحركات المتنوعة، بل المتباينة فيما بينها «من دون فهم السياق الاجتماعي الثقافي الذي تكونت وصعدت فيه، والصراع بينها وبين النظم السياسية في الدول الإسلامية ذاتها»18، وهو صراع يرى أنه يتمحور حول عدة مسائل، ولعل من أبرزها المسائل الاجتماعية والثقافية العربية، وإشكالية التحديث في الوطن العربي، إضافة إلى تلك العلاقة المتوترة بين التاريخ والذاكرة ولا سيما في بعدها الجمعي، فيقول إنه: «صراع دائر حول قضايا مثل أزمة الدولة، وأزمات الهوية، والعلاقة بين الذاكرة والتاريخ والقضية الوطنية والقضايا الاجتماعية والاندماج وإشكاليات الظواهر الاجتماعية الثقافية الجديدة الناتجة عن عملية التحديث وقضية فلسطين»19. لذا، يشدد على أن هذا كله يحيل بوضوح «إلى كون السلفيات المعاصرة حديثة بالفعل وإن جذرت نفسها في الماضي، وعدّت نفسها امتدادًا أمينًا للفهم السلفي القديم»20، ويُبرهن بشارة على هذا بظاهرة ما يُعرف ب «تنظيم الدولة»، بقوله: «جينولوجيا تنظيم الدولة (داعش) وتعقب أصوله الفكرية لا يعني أن هذه الأصول أنتجته، فهو ليس مجرد فكرة أو نص، إنه ظاهرة اجتماعية هي نتاج الظرف التاريخي، الاجتماعي والسياسي، لكنه مثل كل الحركات الاجتماعية يدعي تجذير نفسه في الماضي التاريخي، معتبرًا نفسه ‘أصليًا»’21.

ثالثًا: «عودة» إلى الماضي أم «عودات»؟

يُعدُّ هذا الارتباط الجذري بالماضي، في منظورنا على الأقل، من أهم خصائص الحركات السلفية على اختلافها، ولربما كان هذا هو المرتكز الأوضح الذي تلتقي عنده، رغم اختلاف منطلقاتها الأيديولوجية فيما بينها. لذا، نجد بشارة يمارس حفريات عميقة في تاريخ وذاكرة الظاهرة السلفية،

  1. المرجع نفسه، ص.120
  2. المرجع نفسه، ص.10
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص.70
  5. المرجع نفسه، ص.84

بتنوعاتها المتباينة إلى درجة التناقض أحيانًا، في محاولة جادة لفهم دقيق لهذا الاستناد المؤدلج إلى ماضٍ متخيل، بحسب تصور بول ريكور Ricoeur Paul (2005–1913)، حيث تبدو هنا الذاكرة أداتيةً محضًا، بمعنى أنها عُوملت حصريًا بوصفها أداة لا غير22. لذا يبرز الفعل السلفي بوصفه فعلً استذكاريًا. غير أنه ليس المقصود من مفهوم التذكر هنا تلك العملية البيولوجية النفسية المتمثلة في استحضار الماضي، بل بمعناه الذي أرساه سابقًا موريس هالبفاكس Halbwachs Maurice –1877()194523، ومعه حاليًا الدراسات الحديثة للذاكرة الجمعية، ولا سيما في بعدها الاجتماعي24، أي استعادة محتويات محددة من الماضي عن طريق استحضار الماضي، بصورة انتقائية وبكيفية منظورية؛ بمعنى أنه يتم هنا انتقاء محتويات ذاكرية محددة ووفق منظور أحادي ومحدد، وبهذا لا يتم استحضار الماضي بعينه، بقدر ما يتم بناء هذه المحتويات في زمن الحاضر. هي، إذًا، بناء أو إعادة بناء للماضي، وذلك تلبية لرغبات واحتياجات راهنة مرتبطة بالمصالح الراهنة للجماعة المتذكرة، وليس بسبب الماضي ذاته25. وبهذا المعنى يغدو الماضي مجرد أداة وليس غاية لهذا التذكر الجمعي أو حتى الفردي. وعليه، فما يتم استذكاره هو أقرب إلى الحاضر منه إلى الماضي. وفي ضوء هذا، فإن وظيفة أي استذكار جمعي هي، تحديدًا، بناء هوية ما والحفاظ على سيرورتها بوتيرة مستمرة. لكن لماذا يجري هذا الاستحضار البنائي لماضٍ متخيل في سياقه السلفي؟ في ضوء الطرح الهالبفاكسي، الذي يرى في بناء الهوية والحفاظ عليها وضمان سيرورتها، وظيفة أي استذكار منظوري لماضٍ منتقَى، يمكننا اعتبار أن الاستذكار «السلفي» لما يُوصف ب «السلف» هو استذكار انتقائي ومنظوري، وفي الحصيلة: متخيل، وليس هو استذكارًا للسلف طبقًا لما كانوا عليه، أي بوصف ما كانوا عليه حياة ماضية بتفاصيلها، فهذا من غير الممكن تحققه. وهنا يبرز جليًا أن وظيفة الاستذكار «السلفي» لسلف متخيل تتمثل في إعادة إنتاج الذات «السلفية» في انعزالٍ عن الآخر ضمن ذاكرة خاصة بها. وهذا، تحديدًا، ما يشير إليه بشارة من كون أن «المتخيل» السلفي ليس بالضرورة «زائفًا مختلقًا بقدر ما يعادل عملية إعادة تركيب المفهوم أو إعادة بنائه يكون فيه مفهومًا ‘جديدًا’ ويسهم في صناعة معناه من جديد، غير أنه يحيل على تجذر فيما سبقه على غرار دينامية الأفكار في تاريخ الفكر، تمد لها جذورًا في ما سبقها،

  1. بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (طرابلس، ليبيا: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.136
  2. استندت معظم موسوعات علم الاجتماع الغربية على تصور هالبفاكس للتذكر الجمعي في تعريفها لمفهوم الذاكرة الجمعية، حيث يعرّفها، على سبيل المثال، قاموس علم الاجتماع Wörterbuch der Soziologie بأنها «مجموع التوافقات الرمزية والفعلية بين أفراد مجتمع ما، التي تُنتج أرضية للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد، والتي تتيح تشكُّل الجماعة الذهنية الواحدة ذات المصلحة المشتركة»، ينظر: Karl-Heinz Hillmann, Wörterbuch der Soziologie , vol. 5 (Stuttgart: Alfred Kröner Verlag, 2017), p. 263.
  3. تهتم دراسات الذاكرة Studies Memory في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالذاكرة الإنسانية وما يرتبط بها من ظواهر مجتمعية وثقافية في بعديها الفردي والجمعي.
  4. زهير سوكاح، «نظريات الذاكرة الجمعية وتطورها في ميادين العلوم الإنسانية»، مجلة دراجومان، مج 3، العدد 5 (2015)، ص 140–128، وينظر تحديدًا، ص.130

لتأصيل نفسها»26، ليخلص إلى أن الاستناد إلى «السلف» لا يكون بدوره إلا «انتقائيًا تخيليًا مختلطًا بمفاهيم حديثة»27. في هذا السياق لا تكتفي الجماعة المتذكرة بهذا الاستحضار الانتقائي والمنظوري للماضي، بل تُصر على جعل الحاضر نفسه خاضعًا للماضي التليد المتخيل، بمعنى أنه يتم، كما ذهب إلى ذلك يان أسمان Assmann Jan، «وضع الزمن الحاضر في ضوء التاريخ»28، ما يجعل الزمن الحاضر ذاته يبدو هنا ذا مغزى، بحسب تعبير أسمان، بمعنى كونه في الأساس «امتدادًا طبيعيًا للماضي» أو على الأقل هكذا ينظر إليه من طرف الجماعة المتذكرة في علاقتها بالماضي المتذكَّر/ المتخيل، وهو ما يشير إليه بشارة بدوره في تحليله لثنائية الماضي – الحاضر في سياقها السلفي، واصفًا كيفية تناول الرؤية السلفية لهذه الثنائية، بقوله: «رؤية العصور السابقة على أنها هي العصور الذهبية وأن تقدم التاريخ ما هو إلا عملية فساد وتقهقر عن ‘كمالها’، وهذا هو الوعي النكوصي بالتاريخ، بوصفه انحرافًا عن أصل مؤسس متخيل، أضيفت إليه خصائص الكمال والخير»29. هذا التخيل للحاضر أنه انحرافٌ عن الماضي المجيد، هو ما يمكننا أن نسميه هنا «الاستذكار المُضاد» للحاضر. وأساس هذه الوظيفة التضادية يتمثل، بحسب أسمان، في «تسليط الضوء على النقص والقصور الموجودين في الزمن الحاضر، وعلى الشيء المختفي والمفقود في هذا الزمن، أو الشيء الذي أطيح به على هامش ذلك الحاضر، وبهذا يظهر الفرق، وتبرز ‘القطيعة’ بين ‘ما كان موجودًا’ و‘ما هو موجود الآن»’30. ويؤكد أسمان أنه «لا تصبح المسألة تأصيل الزمن الحاضر، أكثر من كون العكس: وهو قلب هذا الحاضر رأسًا على عقب أو على الأقل وضعه في مقابل مع ماضٍ أعظم وأكثر جمالً وبالتالي إظهار نسبية هذا الحاضر […] وبهذا يقع الإحساس بالنقص والقصور في الحاضر، يُوقظان تصورًا بوجود عصر بطولي خلف انحدار الحاضر، ووراء هذه ‘القطيعة’ التي حدثت مع الماضي»31. وهذا القلب للحاضر والماضي نجده أيضًا مستعملً في الاستذكار السلفي المُبجل للماضي المعياري والمتخيل من منظور حاضر مُتأزم، وهو ما يحيل إليه بشارة بوضوح في تحليله لمقاربة تنظيم الدولة للثنائية التضادية، الماضي – الحاضر، الذي سمّاه «الوعي المقلوب» حينما يشير إلى أن «نصوص تنظيم الدولة هي على وجه الضبط أيديولوجية بتعريفها كوعي زائف، ويتخذ شكلها الأيديولوجي المتطرف كوعي مقلوب. وهي لا تعتقد باستعادة التاريخ ثانية إلا بعد تخيله الجديد الذي يفسره حاضرها»32. ومن هنا يعتبر بشارة الذاكرة السلفية، إن صح التعبير، «لا تلوذ [...] بظواهر النصوص فحسب، بل تعود أيضًا إلى حياة المدينة المنورة

  1. بشارة، في الإجابة، ص.17
  2. المرجع نفسه، ص.118
  3. يان أسمان، الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى، ترجمة وتعليق عبد الحليم عبد الغني رجب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص.137
  4. بشارة، في الإجابة، ص.33
  5. أسمان، ص.137
  6. المرجع نفسه.
  7. بشارة، في الإجابة، ص.141

المتخيلة» حيث «تلوح حياة المسلمين الأوائل» هناك «مثل عصر ذهبي مندثر وكأمثولة»، وهذا كله من منظور «عصر التمزق والانحطاط والتبعثر»33 الراهن. على هذا الأساس، يرى بشارة أن الفعل السلفي، الذي يمكننا القول هنا إنه أيضًا فعل ذاكري، ما هو إلا «تكرار نمط التفاعل مع الظرف التاريخي يهدف الحفاظ على ذات جماعية مفترضة بالعودة إلى سير الأوائل [...] أو مرتكزات فكرية عند سلف من الفقهاء»34. غير أنه قد يقول قائل إن هذا الاستذكار التبجيلي لماضٍ «مجيد» من منظور الحاضر المتأزم لا ينحصر فقط في الذاكرة السلفية، بل يتجاوزها إلى الذاكرة الجمعية للمسلمين في عموم نظرتها إلى تاريخ الحضارة الإسلامية. وهذا ماأبرزه بشارة حينما يتساءل بدوره قائلً: «الإسلام السياسي يستند إلى أمثولة راسخة في متخيل الناس في البلدان والمجتمعات الإسلامية والذاكرة الجماعية عن نهج النبوة وحكم الراشدين وعدالة الأتقياء، ولكن هذا بحد ذاته لا يفسر شيئًا، بل قد يؤدي دورًا أخلاقيًا إيجابيًا كمثال أعلى مقبول لدى العامة، حيث كانت كلمة ‘متدين’ تعني شخصًا يخاف الله، أي ذا خلق»35، مضيفًا أنه «لو كانت الشريعة مقدسة بهذا المعنى فلا بأس، ولكن من يُصر على قدسيتها يعتبرها إلهية، ويعتبر نفسه المبعوث لتطبيقها. وهذه مهمة ذلك ‘الذي يجدد للأمة أمر دينها’، بحسب فهم هؤلاء للتجديد (يجدده بمعنى يعيده إلى قديم عهده»)36.

رابعًا: أوتوبيا العودة وأنماطها

نلُاحظ، إذًا، أن بشارة يُميز بين تلك الأمثولة الشعبية السائدة وما سمّاه الأوتوبيا السلفية، التي تختلف عن التمثل الشعبي من كونها أوتوبيا ماضوية، وفي المآل مُؤدلَجة، «تسعى لإعادة إنتاج الانسجام العضوي في الجماعة»، وبخاصة حينما يتحدث عن السلفية الوهابية التي يصفها ب «استعادة تخيلية لنسخة محددة من السلفية الآثارية أو الحنبلية»37. في هذا السياق يربط أسمان بين الأوتوبيا، ولا سيما السياسية والاجتماعية، بوصفها ذلك النمط من الحياة الذي يُطمح إليه، مع الاستذكار ذي الطبيعة الأيديولوجية، بقوله إن: «الذكرى تنقلب هنا إلى توقع وانتظار، والزمن الذي تكون من أنسجة ‘الدينامية الأسطورية’ يبدأ الآن يأخذ طابعًا مختلفًا، فبدلً من الدوران الدائم للزمن والذي يأخذ شكل ‘العودة الأبدية’ – كما الحال في ‘الماضي الأسطوري’ – يأخذ الزمن الآن شكل ‘الخط المستقيم’ الذي يقود إلى هدف بعيد»38. وبهذا المعنى، أيضًا، يتحدث بشارة بدوره عن الأوتوبيا السلفية ووظيفتها، لكن ليس من كونها مستقبلية بل ماضوية، أي من كونها تعبيرًا عن لحظة انتظار دائمة، وفي الحصيلة جامدة،

  1. المرجع نفسه، ص.142
  2. المرجع نفسه، ص.102
  3. المرجع نفسه، ص.146
  4. المرجع نفسه، ص.149
  5. المرجع نفسه، ص.19
  6. أسمان، ص.138

لماضٍ متخيل لم يكن موجودًا بالكيفية أو الكيفيات التي يتم استذكاره بها في الحاضر، ويراد له مع ذلك أن يعود مستقبلً، هي إذًا أوتوبيا تقهقرية «لا تكتفي بالانعزال وإقامة مجتمع الأتقياء الخاص، بل تتصور أن لديها برنامجًا خلاصيًا للمجتمع برمته»39. انطلاقًا من هذا المبتغى الخلاصي، فإن هذه العودة الأوتوبية إلى «الدين» ليست رجوعًا إلى الدين ذاته واتباع أصوله بعد انقطاع أو ابتعاد مفترض عنه، بل إنها بحسب تعبير بشارة تلك «العودة إليه بوصفه أيديولوجيا سياسية، وتحويل الأوتوبيا التراجعية المتخيلة عن مرحلة الرسول والخلفاء، والقائمة أصلً في التدين الشعبي، إلى برنامج سياسي لحركة سياسية تتعامل مع الشريعة كأنها مجموعة قوانين وضعية للتطبيق، ومع حكم النبي والخلفاء الراشدين كأنه دولة [...] ويرافق هذه ‘العودة’ تفشي مظاهر تدين جماهيري غير معروفة في السابق في التدين الشعبي»40. نستشف مما سبق، وعلى نحو أوضح الآن، ذلك التفريق الذي يقيمه بشارة بين الرجوع إلى الماضي والنظر إليه كأمثولة أعلى وبين اختلاقه، ومن ثمة استغلاله لأغراض راهنة، نحن إذًا أمام استذكار مُؤدلج بحسب تعبير ريكور، إلا أن بشارة يحيلنا، ضمن هذا السياق، إلى عدة أنماط لهذا الاستذكار المؤدلج للمتخيل السلفي، وهو استذكار يختلف حتى في وظيفته باختلاف السلفيات، ففي إطار تمييزه بين السلفية الإصلاحية والسلفية الوهابية، يعتبر بشارة أنه بينما ترى السلفية الإصلاحية «السلف في هذه الحالة [...] نقطة انطلاق مرجعية للتقدم»، تعتبرهم «الوهابية نقطة عودة وانكفاء وإعادة إنتاج ‘الإسلام الأول الصحيح’ المتخيل. وبهذا المعنى يمكن وضع فكر السلفية الإسلامية على النمط الوهابي وأشباهه في فضاء الإنتاج الإسلامي لأيديولوجيا الوعي التقهقري بالتاريخ، في إطار ترسيمة أن كل زمان شر مما قبله. أما في السلفية الإصلاحية فالعودة تتم من أجل التقدم، اشتقاقًا من روح السلف ومقاصد الشريعة في فهم النص. وهذه المقاصدية هي ما يميز جوهريًا الإصلاحية الإسلامية عن السلفية النجدية (الوهابية»)41. وللمزيد من إلقاء الضوء على هذا التمايز الجوهري، يرى بشارة في موضع آخر من كتابه أن كلا النمطين الاستذكاريين يعود «إلى إسلام نقي مفترض أو متخيل. ولكنهما عودتان لا يجمعهما جامع. واحدة تعود إلى روح الإسلام النقية كما تقرأها في النصوص والسير وتتمثلها من جديد في عملية تخيل [...] لبناء تركيب نوعي جديد متخيل كي تنطلق منها إلى الأمام [...] وهي تعيد الاعتبار إلى المقاصد في إطار سلفيتها [...] أما السلفية الأخرى فتعود إلى ظاهر النص [...] إنها تعود نكوصيًا إلى روح أخرى غير روح النص ومقاصده الشرعية [...] وتقرأها في النص من منظور ‘ماضوي’ وليس من منظور ‘الماضي’، وتنتقي نصوصًا تؤكد هذه الروح، فتجتزئها كي تلوذ بها، وتنعزل فيها عن التطور والتقدم والمجتمع الحديث، أو لكي تنطلق منها في عملية انتقام دموي من الحداثة، مجتمعات ودولً، بل من الحضارة والمدنية عمومًا»42.

  1. بشارة، في الإجابة، ص.142
  2. المرجع نفسه، ص.132
  3. المرجع نفسه، ص.28–27
  4. المرجع نفسه، ص.30–31

خامسًا: من الاستذكار إلى الاستعداء

في إطار هذا التحليل للعودة الأيديولوجية نحو المُتخيل، يفرد بشارة مساحة أكبر في كتابه المذكور، وتحديدًا في الفصل الرابع منه، لما يسميه تارة السلفية النجدية وتارة الوهابية، التي يعرفها بأنها «تيار صغير ذو توجه طهراني تقشفي في فهمه للدين [...] لم يخرج من الجزيرة العربية إلا إلى قبائل التخوم، وذلك غالبًا في إطار غزوات البدو الموسمية على ريف العراق وبلاد الشام»، مُبرزًا في الوقت عينه كيفية تطورها وانتشارها عبر «أساليب دعوية منظمة»، وذلك في سياق «الثروة النفطية والحرب العربية الباردة في ستينيات القرن العشرين بين محوري السعودية ومصر، والاستغلال السياسي الغربي لها لمحاربة المعسكر السياسي الراديكالي العربي في تلك الحرب، ومحاربة اليسار والشيوعية»، ثم تحولها في آخر المطاف إلى «عقيدة سلفية منظمة ومنظومية أو نسقية لدولة ثرية ذات مؤسسة دينية متكاملة»43. من هذا المنطلق الوصفي، يشير بشارة إلى «أربعة عناصر أساسية» يتأسس عليها هذا التوجه السلفي، وهي بحسب تعبيره: «تنقية العقيدة بالعودة إلى القرآن والسنة والسلف المتخيل، وتكفير المخالف، والبيئة الاجتماعية البدوية [...] ثم القتال لفرض دعوته وإجبار الناس على الالتزام بها، وأخيرًا ربط ذلك كله بطاعة ولي الأمر بعد تمأسس الدعوة في الدولة»44. في هذا السياق يشير بشارة إلى علامة مهمة بحثيًا تُميز الوهابية من باقي التوجهات السلفية، على الأقل ضمن حدودها السنية، وهي أنها «لا تعد نفسها حركة سياسية ولا تنظيمًا من أي نوع، وإن شكلت ما يمكن وصفه ب ‘أخوية’». فأتباع هذا التوجه الطهراني يقدمون أنفسهم «على أنهم المسلمون الحقيقيون حُماة التوحيد ونهج السلف وحراس العقيدة»45. كما يرى بشارة أن العودة الأيديولوجية للوهابية إلى ما تعتبره الإسلام النقي والصحيح جعلها، على العكس من باقي التوجهات السلفية، تنتقل «من دعوة تدعي تجاوز المذاهب إلى مذهب جديد»، مضيفًا أنها «كانت تبغض التقليد، لا من منطلق أنها دعوة إلى الاجتهاد والتجديد ضد التقليد، بل من منطلق التعصب للماضي المتخيل وللدين البسيط الأول كما تصورته»46. هذا التشكل المذهبي جعلها في نظر بشارة، تتخطى أيضًا «الحدود الثقافية والتقاليد المحلية، متجهة نحو عولمة الإسلام من خلال ربط المسلمين بمجتمع متخيل من المؤمنين الحقيقيين الذين يُمثلون أمة إسلامية متخيلة، أمة مجردة، أو ‘جماعة المسلمين’»، التي هي عبارة عن «جماعة إسلامية محض، بسيطة ومبسطة، ومن ثم تجسدها مجموعة من المؤمنين بها، المجردين من الانتماءات والولاءات الأخرى»47. وأما وظيفتها الأيديولوجية فتتمثل، كما يشير إلى ذلك بشارة بشيء من التفصيل، من كونها «لا تعترف بالمجتمعات الإسلامية وتراثها الحضاري، بما في ذلك الديني، بل الدين وحده كما

  1. المرجع نفسه، ص.168–167
  2. المرجع نفسه، ص.180
  3. المرجع نفسه، ص.85
  4. المرجع نفسه، ص.26
  5. المرجع نفسه، ص.51–50

تتصوره منفصلً عن المجتمعات ومنزلً نقيًا، وبالجماعة الإسلامية، الأمة المجردة، المنفصلة عن كل ظرف تاريخي، كما تتخيلها في المدينة، وكما تتصورها الأحاديث التي ينتقونها، وكما تخيلتها قصص السير والمغازي، وليس كما وُجدت فيها، إنها الأمة الإسلامية المحض، الجماعة المقدسة المجردة التي لم توجد ولن توجد»48. وبخلاف السلفية الإصلاحية، سلفية علال الفاسي، ومحمد عبده ورشيد رضا، على سبيل المثال، يخلص بشارة إلى أن «الوهابية وجهتها الماضي [...] وليس المستقبل. فهي لا تعود إلى الماضي لتنهض من جديد في ملاءمة الدين مع الحداثة، بل تعود إلى الماضي المتخيل لتعيد إحياءه»، وهكذا «لم تفسح الوهابية طوال أكثر من قرنين مجالً للتنوير، بل شكلت سدًّا في وجهه»49. في سياق الحديث عن التمثل الوهابي لثنائية الحاضر – الماضي، لا يفوت بشارة هنا التطرق إلى السلفية الجهادية، وتحديدًا تنظيمات مثل القاعدة ومعها تنظيم الدولة أو ما عُرف إعلاميًا ب «داعش» بوصفها توجهًا مناهضًا للحضارة الإسلامية ذاتها «فقهًا وفلسفةً وعلم كلام وتاريخًا، فضلً عن الأدب والفن»50، حيث يربطها بالسلفية الوهابية كونها سليلة لها وإن تبرأت منها. في هذا الصدد يرى بشارة في تنظيم الدولة، تحديدًا، مثالً آخر على ازدراء الحاضر والهروب إلى الماضي، مضيفًا أن أتباع هذا النهج الانغلاقي على الذات والإقصائي للآخر لا يكتفون فقط بمعاداة «الثقافة والإنتاج الثقافي والمدنية الحديثة على الرغم من استخدام منتجاتها أداتيًا، فماضويتهم تتجلى أيضًا في العداء لكل ما هو غير إسلامي، بالتعريف الضيق للإسلام المحصور في نهجهم»، بل إنهم «يتحولون إلى معول هدم موجه ضد مظاهر المدنية والعمران والتاريخ، وكأن العودة الفكرية إلى البدايات النقية المفترضة للإسلام تتلخص بأن تكون وظيفتهم الهدم والتصحير للبدء من جديد»51. في هذا السياق، يحاول بشارة تقديم تفسير تاريخي لهذا الانغلاق التقهقري صوب الماضي المتخيل من جهة والصراعي تجاه حاضر يتسم بالدينامية من جهة أخرى، بقوله إن سلفية الجزيرة العربية «بقيت بعيدة عن هذه التطورات والسياقات»، مضيفًا في آخر المطاف أنه «لا يمكن في عصرنا فهم أفكار تنظيمات مثل القاعدة وتنظيم الدولة، من دون النظر إلى الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة، واحتلال أفغانستان والعراق ونشوء الطائفية السياسية في المنطقة العربية، وإثارة موضوع السنة والشيعة، وأزمة الدول العربية، وازدياد اعتمادها على العنف، وغيرها من العوامل»52.

  1. المرجع نفسه، ص.55
  2. المرجع نفسه، ص.163
  3. المرجع نفسه، ص.51
  4. المرجع نفسه، ص.51–50
  5. المرجع نفسه، ص.123

خاتمة

استهل بشارة كتابه بالإشارة إلى مدى اللبس الذي يكتنف مفهوم السلفية بسبب تنوع استعمالاته وتغيرها باختلاف الزمان والمكان، ليقدم للقارئ المتفحص في آخر المطاف، وبعد اقتفاء تاريخي مُضنٍ لذاكرة هذا المفهوم المتشعب، تعريفًا موضوعيًا ودقيقًا يمكننا الركون إليه، من كونه بالأساس يُحيل إلى ذلك التمسك الأيديولوجي المستدام «بتفسيرات انتقائية تخيلية لمفهوم السلف»53، مشيرًا في تناوله هذا المفهوم، إلى الأنماط الأربعة للتمثلات السلفية الحديثة، حيث يتعلق الأمر، كما يرى، ب: 1«. نمط تستخدمه لأغراض المحافظة على ما هو قائم، وغالبًا ما يكون متزمتًا وطهرانيًا، وإن بدرجات متفاوتة، و 2. نمط يعتبر السلفية عودة إلى أصول الدين من أجل التخلص من الخرافات وكل ما يعيق التطور والتكيف مع التحديث و 3. نمط تستخدمه للتدخل بواسطة الدين في الشأن العمومي ونقد ما هو قائم، وهو السلفية السياسية، و 4. نمط تستخدمه في التمرد العنيف على الإسلام الواقعي القائم في المجتمعات والدول، يبرر نفسه بالسلف»54. رغم هذا التنوع الوظيفي في الأنماط السلفية ومن ثم في تعاملها مع الماضي المتخيل، فإنها تشترك مع ذلك في الاستخدام الأيديولوجي للرجوع الهوياتي إلى هذا المتخيل، تحديدًا بوصف هذا الرجوع آلية مهمة «من آليات الحفاظ على الذات في الأزمات المتجسدة»، وليس لكونه مجرد «ردة فعل على الحداثة»55، وهذا ما يشدد عليه بشارة بقوله: «إنهم جميعًا يعودون إلى القرآن والسنة. والحقيقة أنهم لا يعودون إلى المكان نفسه، بل إلى متخيلات للماضي وللسلف مختلفة تمامًا، وإن كانوا يستخدمون النصوص ذاتها في رسمهم وتصويرهم لأتباعهم»56. وهذا من أهم الإشكاليات المركزية للتمثلات السلفية التي عالجها الكتاب كما رأينا، الذي يعتبر مؤلفُه أن الدوافع الأيديولوجية للحركات السلفية، رغم تنوعها واختلافاتها هي بالدرجة الأولى دوافع قادمة من صميم الحاضر الحداثي، وليست ذات طبيعة تراثية خالصة كما تدعي ذلك، مهما تعاملت معها بمنظور ولغة ماضويين57. لهذا يدعو بشارة، في نهاية كتابه، إلى ضرورة أن تُدرس التيارات الإسلامية، سواء أكانت سلفية أو غير سلفية، بصورة أشمل عما تنتهجه طرائق البحث الراهنة، أي أخذ «سياقها الحضاري القائم والغني والمثقل بالتراث والتاريخ» في الاعتبار البحثي «وليس انطلاقًا من كونها ردة فعل»58 فحسب. هي، إذًا، دعوة مستجدة تُفتح معها آفاق بحثية رحبة للمقاربة البينتخصصية للحركات الدينية عمومًا، وليس للتيارات السلفية فحسب، بوصف هذه الحركات في الأساس قطاعًا مهمًّا من مجموع المتخيلات الاجتماعية المستحكمة في المنطقة العربية، وهذا ما يستدعي مزيدًا من الحفر البحثي العميق في ذاكراتها المؤدلجة غالبًا، وما

  1. المرجع نفسه، ص.51
  2. المرجع نفسه، ص.32–31
  3. المرجع نفسه، ص.102
  4. المرجع نفسه، ص.32
  5. المرجع نفسه، ص.132
  6. المرجع نفسه.

المنطقة من العالم.

المراجع

العربية

ترجمة وتعليق عبد الحليم عبد الغني رجب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003.

للأبحاث ودراسة السياسات،.2013

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

السياسات،.2018

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

الجديد المتحدة،.2009

مج 3، العدد 3.)2015(

الأجنبية

تختزنه من محتويات متخيلة لا تزال تلقي بظلالها على السياقات الثقافية المُشكلة لمجتمعات هذه

References

أسمان، يان. الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى. بشارة، عزمي. طروحات عن النهضة المعاقة. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2003

______. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1: الدين والتدين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي ______. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. ______. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة. الدوحة/ ______. في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة تايلر، تشارلز. المتخيلات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. سلسلة ترجمان. الدوحة/ ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب سوكاح، زهير. «نظريات الذاكرة الجمعية وتطورها في ميادين العلوم الإنسانية». مجلة دراجومان.

Hillmann, Karl-Heinz. Wörterbuch der Soziologie. Stuttgart: Alfred Kröner Verlag,