Return to Article Details Memory as a Narrative Haven: A Reading of Ahlam Mostaghanemi's Novel Series

مراجعة كتاب:

Book Review Memory As the Narrative Haven: A Reading of Ahlam Mostaghanemi’s Novel Series by Abdulkhaleq Amrawi

رشيد الخديري

Rachid el-Khadiri

الملخّص

عنوان الكتاب: الذاكرة ملاذ السرد: قراءة في ثلاثية أحلام مستغانمي. المؤلف: عبد الخالق عمراوي. الناشر: مطبعة طوب بريس. مكان النشر: الرباط. تاريخ النشر: 2017. عدد الصفحات: 269 صفحة.

Abstract

Title : Memory as a Narrative Haven: A Reading of Ahlam Mostaghanemi's Novel Series Author : Abdulkhaleq Amrawi Place and Date of Publication : Rabat, 2017 Pages : 269

الكلمات المفتاحية:
  • الذاكرة
  • السرد
  • رواية
Keywords:
  • Memory
  • Narrative
  • Novel

عنوان الكتاب: المؤلف:

عبد الخالق عمراوي. الناشر:

مطبعة طوب بريس. مكان النشر:

الرباط. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

269 صفحة.

الذاكرة ملاذ السرد: قراءة في ثلاثية أحلام مستغانمي.

Poet, critic, and member of the Moroccan Writers’ Union. His works include Zara’s garden (2008) and Beyond Instructions: The Comedy of Being (2009).

مقدمة

يستلهم كتاب الذاكرة ملاذ السرد للناقد المغربي عبد الخالق عمراوي مادته الكتابية من روايات الجزائرية أحلام مستغانمي وعوالمها الموغلة في التداعي والتذكر واللغة الآسرة والأسلوب الدافق. ولعل هواجس اختيار ثلاثية أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد؛ وفوضى الحواس؛ وعابر سرير، راجعة في الأساس إلى أن عمراوي يُعدُّ واحدًا من أبرز الأصوات

النقدية في المغرب في وقتنا المعاصر، حيث خبرَ شواغل النقد من خلال اشتغاله ضمن هيئة

تحرير مجلة البلاغة والنقد الأدبي، أو من خلال عمله محاضرًا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية

في الرباط، إضافة إلى أن الاشتغال على الذاكرة يكتسي أهميةً بالغةً لأنها تتعيّن وعاءً يستوعب

هموم الذات والإنسان والعالم، كما أنه يعبِّر عن

صوت الفرد المتضامّ مع صوت الجماعة، عاكسًا

قضاياها وأفكارها ومواقفها. لذا، فإن من شأن اعتماد المادة الروائية على قيم الذاكرة والتذكر تجذير المتخيل وتخصيبه، خصوصًا أن «الرواية

الذاكرية» عند مستغانمي تتكئ على التموقع بين الخيال والذاكرة، الواقع والحقيقة، في أفق إنتاج أحداث مخضّبة بالتجارب الإنسانية، كما تتسم الكتابة عندها بالمساءلة والوعي بالأنوثة وأسئلة الواقع. على هذا الأساس، يقع الاشتغال على أعمال مستغانمي الروائية في صميم القراءات النقدية، من حيث هي إخصاب للجهاز المفاهيمي وتجديده، وضرورة ملحّة من أجل النهوض بأدوات الأدب

والنقد، في مسعى لتحقيق مداخل قرائية جديدة؛ فالنشاطية النقدية في المقام الأوّل هي «قراءة

نشطة ومنتجة حين يكون بمقدور القارئ أن يفهم

النص أو يرفضه. ويعرف كيف يصغي إليه فيسأله، ويقرأ أسئلته فيرى إلى احتمال الأجوبة»، بيد أن كتاب عمراوي يحاول أن يحيط بمنجزٍ روائي له جمهور متنوّع من القراء، ولا سيما أنه مُنجز يمسُّ

كينونات الذات والمجتمع والإنسان، ويرسم تحولّاته الفنية والتاريخية والموضوعية عبر

استحضار الذاكرة في مجابهة النسيان: الكتابة من خلال ملء الفجوات، ومحاولة الإجابة عن تلك الأسئلة التي ينسجها الواقع.

أولا: الكتاب: منهجيته ومحاوره ومفاهيمه

1. منهجية الكتاب

ينطلق الكتاب في تصوّره النظري والمنهجي

من السرديات عمومًا، ومن الشعرية الاجتماعية

خصوصًا كما بَلورها ميخائيل باختين Mikhail

Bakhtin (1975–1895)، فلا غرابة في «كون الشعرية قد دشنت مغامرة جديدة نوعية ومختلفة في التعاطي مع إمكانات النص الشعري، باعتباره ممارسة تتأسس على دال اللغة الشعرية بدءًا

ومنتهى، وهي عودة إلى النص في حد ذاته كبنية مكتفية بذاتها، وقد تكرَّس هذا المنحى

منذ أطروحات الشكلانيين الروس الأولى، مرورًا

بالبنيوية الفرنسية، وجماعة مو البلجيكية، وجماعة يينا الألمانية، وغير ذلك من الباحثين والنقّاد ممن عملوا على تطوير حدود النظرية النقدية، وتجديد أدواتها خارج سلطة كتاب فن الشعر لأرسطو». لكن الشعرية لم تتبلور بمفهومها الحواري الواسع

(((يمنى العيد، الراوي: الموقع والشكل، بحث في السرد

الروائي (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1986)، ص.64 (((عبد الهادي روضي، معطف سوزان: مسالك المعنى في

قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها الشعري، سلسلة نقد 1 (مراكش: منشورات دار الشعر، 2019)، ص.27

إلّ على يد باختين، إذ ربط بين اللغة بوصفها دالًّ اجتماعيًا وبين المكَوِّنات الجمالية والوظيفية

المُتوَلِّدَة منها. ومن ثم، لا يمكن مقاربة الأعمال

الروائية على الخصوص إلّ ضمن شروط واشتراطات تحققها. ويبدو أن المؤلف، بنى تصوّره المنهجي على ما عرفه الاتجاه السردي –

البويتيقي من تطوّر وسيرورة، «لكن الاقتصار على

البويتيقا لن يكون مسعفًا في اكتشاف جمالية النص، ما لم يتم الإنصات إلى تعدد مستويات لغاته بتنبيراتها وبأسلباتها الساخرة بقصدٍ أو دون قصد، وفي هذا السياق، توجَّب استثمار شعرية

باختين» (ص. 7). ولهذه الاعتبارات، كان التّوجه نحو التحليل الباختيني للروايات، وهو توجه يعكس قدرة الشعرية «البويتيقا» على دراسة الخطاب الروائي في تلفظاته مع الانفتاح على شروط تحقّقها التاريخية والثقافية والاجتماعية، ومن ثم، يمكن النظر إلى الخطاب الروائي عند مستغانمي باعتباره رهانًا على شعرية النّص الروائي، من حيث هو تعدد للملفوظات وأسلوب وبنية ألسنية وباروديا وتناصات، وهكذا، فإن الخلفية التي يصدر عنها باختين، هي خلفية مزدوجة: • عبر لسانية، تداولية (لا ترفض الألسنية)، ترتكز على تصورٍ فلسفي غيري، يتبنّى معطيات التحليل التاريخي للمجتمع. • نقدية، سيمائية تسائل النص الروائي من منظور تشريح العلائق الداخلية والخارجية، وفي أفق تحليل سوسيولوجي لأشكال التعبير الأيديولوجي. ومن هذا المنظور، يبدو أن المؤلف على وعيٍ تام بقيمة التحليل الباختيني

(((ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1987)، ص.7

على محدوديته، إلّ أنه يناسب تمامًا هذا النمط الروائي الذي يسعى لربط الأدب بالذاكرة والتاريخ وهموم الفرد في علاقاته بالمجتمع. ومن هنا، يمكننا القول إن عمراوي يشيّد أرضية دراسته

على تمفصلات الشعرية الاجتماعية عند باختين، بوصفها خيارًا أوّلَ، من دون أن يعني هذا محاصرة

النصّيات وإثقال كاهلها بترسانةٍ مفاهيمية جاهزة، إنما، كان هناك انفتاح على نظريات أخرى من قبيل: نظرية التلقي Received view of theories والتأويلية Hermeneutic والسيميولوجيا Sémiologie والأسلوبية Stylistics، ومن شأن هذا إخصاب الدراسة وإغناؤها.

2. محاور الكتاب وإشكالاته

ينبسط الكتاب في أربعة فصول تتصدره مقدمة ومدخل عام. وقد جاء المدخل العام بوصفه حفريات في مفهوم الذاكرة، إذ ركز المؤلف على ارتباط هذا المفهوم بالفكر اليوناني، من خلال مقولات كبار الفلاسفة الإغريق، مثل أفلاطون وأرسطو، ثم امتداده إلى الأدب، خصوصًا

المرويات والنصوص السردية، وتمثَّل المؤلف برواية: البحث عن الزمن المفقود À la recherche

Marcel لمارسيل بروست du temps perdu

Proust (1922–1871)، كونها تحتفي بالذاكرة وانبثاق الشخصيات. كما نهض المدخل العام، من زاوية، بدور الذاكرة في حياة الإنسان وأهميتها، «إنها ديمومة لا رجع فيها، تحفظ في ثناياها ماضيًا

غير منقسم، يكبر كنبتة سحرية تجدّد خلق نفسها

في كل لحظة، ويستمر بالتراكم بعضه فوق بعض،

حاملً عنصر بقائه في ذاته، مالكًا قدرةً آليةً على

الاحتفاظ بها. وهكذا كلما شعرنا وفكّرنا ورغبنا منذ طفولتنا الأولى، يظل مائلً أمامنا، متوثّبًا نحو

الحاضر، الذي سرعان ما ينضم هو الآخر إلى

صفوفه»، ومن زاوية أخرى، تطرّق المدخل العام

إلى اشتباكات الذاكرة مع النسيان والصورة والكتابة والسياق والمعرفة، وهي اشتباكات غايتها إعادة كتابة الحروف الممْحُوّة من الذاكرة. أما الفصل الأول بعنوان «الذاكرة وبناء الزمن»، فيتمحور حول أهمية الذاكرة في تشكيل المعنى وتشظّي الدلالة، من حيث المقارنة بين التذكر الإرادي/ القصدي والتّذكر اللاإرادي، وتلازمهما في عملية البناء والتحليل الذاكراتي، «وهو تلازم كثيرًا ما يفرض – عن طريق التداعي – حكاية

المصير البشري الأسيان، المدفوع – رغمًا عنه –

إلى غياهب النسيان والتناهي». وعندما نراجع هذا الفصل، نلمس ذاك الاشتغال على الذاكرة في علاقتها بالحواس، في أفق إنتاج المعرفة وإيقاظ الذاكرة وتحريرها من إسار الماضي. وثمة لعبة تُؤطِّر امتدادات الزمن، حيث تصير الذاكرة ملاذًا للاحتماء من سطوة الماضي، فينتج من ذلك «توليد» استرجاعات بعيدة وصورٍ مخصبة بالرؤى والحدوس والتداعي، وفي هذا الإطار، يمكننا تقسيم «السرد الاستذكاري» إلى قسمين: السرد الاستذكاري الخارجي، وهو «عرض لأحداثٍ سابقة لزمن السرد؛ إذ يرويها في لحظة حدوثها وقد قسم الاستذكار إلى ثلاثة أنواع، خارجي وداخلي ومزجي، فالاستذكار الخارجي هو الاستذكار الذي يبقى مداه كله خارجيًا بالنسبة

إلى زمن السرد الأول الذي بدأ منه الرواية». أما

(((سمير الحاج شاهين، لحظة الأبدية: دراسات الزمان في

أدب القرن العشرين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980)، ص.18 (((بهاء بن نوار، الكتابة وهاجس التجاوز (عمان: دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2011)، ص.221 (((مراد عبد الرحمن مبروك، بناء الزمن في الرواية المعاصرة، سلسلة دراسات أدبية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998)، ص.23

السرد الاستذكاري الخارجي، فهو الخروج عن سياق الزمن الداخلي إلى رصد أحداثٍ وقعت في الزمن الماضي، وبناء عليه، تبني مستغانمي سرودها انطلاقًا من الفضاء الزمني الخارجي، حيث تعود إلى الماضي، تستنطقه وتعيد تشكيل المعنى وبناء الزمن وفق هذه التصورات، وهي تقنيات استدعتها الروائية على نحو بعيد في كتابة ثلاثيتها. أما الفصل الثاني المعنون ب «التذكُّر وتشكيل الفضاء»، فقد ربط المؤلف الذاكرة بعملية تشييد الفضاء، من خلال البحث في السياقات الفضائية التي شكّلت عوالم الكتابة عند مستغانمي، وهي فضاءات توزّعت بين فضاءين: فضاء قسنطينة، باعتباره مسقط رأس الروائية والفضاء الذي يحتضن معانيَ الطفولة أيضًا، ثم فضاء باريس.

والملاحظ أن توزيع السياق الفضائي تميّز برصد

أهم الأمكنة الحميمة في مدينة قسنطينة، مثل البيت والسينما والحمام والمقهى، لكن فضاء باريس يؤطّره مكانان فحسب، هما: المطار، ثم الوطن. في حين يأتي الفصل الثالث وعنوانه «الذاكرة وبناء الشخصية»، في سياق الاهتمام بالشخصية وكيفيات بنائها في المتن الروائي؛ ذلك أن تشكيل الراوية لا يكتمل إلا بحضور الشخصيات، «فقد ظهر جيل جديد يكتب رواية الشباب، فخلق موجة جديدة في أدبنا الحديث، يحاول الروائي المبدع تكوين شبكة من العلاقات بين أناسٍ ليسوا من ساكني الأبراج العاجية المنعزلين عن حركة المجتمع، وتيار الحياة الهادر». ومن هنا، تتبدّى أهمية الشخصية في بناء العمل الروائي، حيث

(((عبد الفتاح عثمان، بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية (القاهرة: مكتبة الشباب، 1982)، ص.12

رصد المؤلف جملةً من أنماط الشخصيات التي تناولتها مستغانمي في أعمالها الروائية، وتتوزّع بين الشخصية المناضلة والخائنة والوصولية والمغتالة، للدلالة على ذاكرةٍ في مقدورها تخزين صور شتّى لشخصيات طبعوا حياة الروائية، وساهموا على نحو مباشر أو غير مباشرٍ في إنتاج هذه النصوص السردية. وأخيرًا الفصل الرابع بعنوان «الذاكرة واشتغال

التناص»، يسعى فيه المؤلف لرصد أهم التناصات التي تُقيمها ثقافة الذاكرة من خلال مبحثين أساسيين: التعدّد اللغوي والحوارية

بوصفها معبرًا للتناص. وهي في الواقع

مقولات مستلهمة من التحليل الباختيني، إذ ركّز المؤلف على الأجناس المتخللة عبر التتبع والتقصّي لأهم هذه التعدّدات اللغوية، مثل

اللهجة الجزائرية ولغة الاحتجاج ولغة الصحافة

Stylisation والأسلبة Hybridization والتهجين

والباروديا Parody واللغة الفرنسية، ونلاحظ أنها تؤكد منهجية الدراسة عبر الاتّكاء على مقولات باختين، إضافة إلى مقولة الحوارية في نسجها التفاعلات التناصية. هذه هي أهم المحاور التي حاول عمراوي النهوض بها، وهي محاور نرى أنها بالغة الأهمية حتّى تجد لها مكانًا في

كتابه، وهي حقيقة تجذّرت لديه وهو يغوص في اشتغال الذاكرة عند مستغانمي، وتحققت لدينا على اعتبار أن الذاكرة ليست معطى سكونيًا ثابتًا،

(((وردت هذه العبارة في كتاب سرديات الأمة للباحث المغربي إدريس الخضراوي، وتُشير إلى قدرة الذاكرة على تشييد

المتخيل الإبداعي والكتابة السردية على الخصوص، عن طريق مفاوضة الماضي والحاضر وتحديد كل ما له علاقة بالهويات الفردية أو الجماعية. للاستزادة، ينظر: إدريس الخضراوي،

سرديات الأمة: تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة في الرواية المغربية المعاصرة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2017)، ص 119 (خصوصًا المبحث «دال العتبات وثقافة الذاكرة»).

بل هي اندفاع تصاعدي وامتداد في خطية السرد، وزمنية انبثاقه.

3. المفاهيم وآليات اشتغالها في المتن

يقول الباحث عبد الرحيم الواثق العلوي إنه «لا يمكن لأي بحثٍ أن ينجح في تحقيق علميته، دون تحديد المفاهيم التي سيشتغل بها»؛ ما يعني أن المفاهيم تمثّل العنصر الأساسي في الاشتغال على أي بحث. وبناء عليه، نعتقد أن المؤلف

حاول التمثّل بمجموعةٍ من المفاهيم الواقعة في صميم المقولات الباختينية، مثل التناص بوصفه حوارية مع نصوص سابقة أو لاحقة. كما رأى سعيد علوش في كتابه معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة أن التناص «يكوِّن طبقات

جيولوجية كتابية تتم عبر إعادة استيعاب غير محدد لمواد النص: بحيث تظهر مختلف مقاطع النص الأدبي عبارة عن تحويلات لمقاطع مأخوذة من خطابات أخرى داخل مكون أيديولوجي شامل». وفي المفهوم الباختيني، يتبلور التناص باعتباره فعلين لفظيين، «أي ملفوظات في نوع خاص من العلاقات الدلالية ندعوها نحن علاقات حوارية، والعلاقات الحوارية هي علاقات دلالية بين جميع الملفوظات التي تقع ضمن دائرة التواصل اللفظي». معنى ما تقدّم أن التناص هو محاورة لتلفظات سابقة، في أفق إنتاج دلالات معيّنة ومحددة، لكنها تبقى مفتوحةً

(((عبد الرحيم الواثق العلوي، تقويم الكفايات اللغوية

واستراتيجيات تعليم وتعلم اللغة (الرباط: منشورات دار أبي رقراق، 2017)، ص.17 (1((سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة (بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ الدار البيضاء: سوشبريس، 1985)، ص.215 (1((تزفيتان تودروف، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996)، ص.122

على مجموعة من الاحتمالات، حيث يقودنا هذا المفهوم، مباشرة، إلى مفهوم آخر، مرتبط به، مشتبك معه، إنه المبدأ الحواري أو الحوارية التي تعمل السرود على توظيفها واستدماجها في العوالم الخاصة لكل روائي. وفي هذا الصدد، نعتقد أن الحوارية أشمل من التناص، فهي تطولُ وتطاول مستويات متعدّدة في العمل الروائي، مقارنة بالتعالي النّصي الذي يحاول إقامة ناصات

مع نصوص أخرى، من مختلف المرجعيات. وقد ركز المؤلف عند استدعائه هذين المفهومين، على ربطهما بالذاكرة، في كونها تقيم حوارات مع الزمن والفضاء والشخصية، وهذه معالم البنية الروائية، حيث لا يمكن أن نتخيل عملً روائيًا

خاليًا من هذه الأقانيم. لكن، في بعض الأحيان،

تتعامل الذاكرة مع الرواية بانتقائية، وتنصهر هذه

جميعًا.

الحواريات كلها، ناسجةً خيوطًا سرديةً في خطاب يعلن إدانته وشجبه كل ما تحمله هذه الذاكرة من أعطاب وتشويش وضبابية.

ثانيًا: تمثلات الذاكرة في الخطاب السردي

يرى أبو حيان التوحيدي (ت. 414 ه/ 1023 م)، أن «الكلام على الكلام صعب [...] لأن الكلام على الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحس ممكن، وفضاء هذا متّسع والمجال فيه مختلف.

أما الكلام على الكلام، فإنه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه». يُفضي بنا هذا القول

إلى تلك القراءة المزدوجة، أو قراءة ناقد النقد، وهي قراءة تأتي في المرحلة الثالثة، حيث التدرّج

(1((أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين، ج 2 (صيدا: منشورات المكتبة العصرية، [د. ت.])، ص.11

من كلام المبدع وقراءة الناقد ثم مقاربة ناقد الناقد، وهي على العموم، قراءات تختلف استراتيجياتها ومطافاتها، لأنها نابعة من ذوات مختلفة ومغايرة. إضافة إلى اختلاف منطلقاتها وخلفياتها النظرية، «ومن الطبيعي أن تكون الصورة المقدمة هنا عامة بقدر الإمكان ومحكومة بمنظور محدد يتم فيه التركيز على الجوانب الفكرية والتقنية ويكتفي بالإشارة الخاطفة لمجمل القضايا المثارة». ولهذا، من الصعب النفاذ إلى عمق الأسئلة الكبرى للنصيّات أو الكتابة فوق الكتابة. لكن،

ذلك لا ينفي أننا نمارس النقد بنيّة ممارسته، على

الرغم مما يتركه من فراغات وبياضات تستدعي قراءات أخرى لسبر أغوارها واستكناه عوالمها، في أفق بناء سيرورات المعرفة التي نسعى لها

تشكّل الذاكرة بما هي أصوات قابعة في عتمات النسيان، النواةَ المركزية للكتاب، وخصّها المؤلف

باهتمام بالغ، بل جعلها الأفق المتخيَّل في كتابات

مستغانمي، خصوصًا في ما تنسجه مع جملة من

المفاهيم التي أشرنا إليها آنفًا؛ فالذاكرة وجود وصيرورة، وامتداد الماضي في الحاضر، ومصدر تخييل وتجربة يتعالق فيها الذاتي بالموضوعي، والعلّة بالمعلول، والعرضي بالجوهري، إنها ببساطة لحظة تماسّ مع النسيان، النسيان الذي

يُشغِّل الذاكرة، يشتبك معها، يوقظها لتقول كل

شيء، ثم تتداعى، ف «الذاكرة والنسيان عنصران متلازمان، يشترط حضور أحدهما حضور الآخر، فهما بمثابة الموت والحياة، فحيي هي تذكر، وتذكر هي حيي، والأمر نفسه بالنسبة لنسي ومات، فمثلما الموت هو صيرورة الحياة، والحياة

(1((صلاح فضل، مناهج النقد المعاصر، ط 3 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2013)، ص.6

صيرورة الموت، فالشأن نفسه ينطبق على الذاكرة في علاقتها بالإنسان، فعندما يفقد الإنسان ذاكرته، يفقد تواصله وإحساسه بالعالم وكل ما يحيط به ويصير جمادًا تنفخ فيه الريح، ففقدان الذاكرة هو فقدان الإحساس بالذات والعالم» (ص. 14). ما نتقصّده ها هنا، هو مدى التواؤم بين الذاكرة

والنسيان، واندغامهما من أجل تحبيك خيوط السرد وتحريك الأفق الروائي نحو خوض مغامراته، ووجب الانتباه هنا، إلى أن عمراوي، وهو يقرأ سرود مستغانمي، نجده يربط الذاكرة بالتخييل وقدرتها على تشكيل عوالم سحرية خاصة، تنكشف من خلاله الصور والرؤى والإيحاءات بطابعٍ مرآوي، «وهي استعادة لصور الماضي عبر تمثلات ذوقية أو شمية أو لمسية أو لفظية. فما يعطي للصورة فاعليتها ليس حيويتها كصورة، بقدر ميزتها كحادثة ذهنية ترتبط نوعيًا

بالإحساس» (ص. 17)، فالذاكرة، لا تنفك، في استرجاعاتها وتمثلاتها اللفظية والحسية والحدسية، تُقدِّم تجارب كتابية تهتم اهتمامًا

كبيرًا بإعادة الاعتبار إلى ثقافة الذاكرة وانشغالات

التاريخ بما هو تخييل وتفاعل مع قضايا الذات والمجتمع والإنسان، ولا شك في أن مرويات مستغانمي في كلّياتها، تعمل على «تبئير» السارد عبر الذاكرة، ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الكلام

أن الذاكرة تعيد صوغ أسئلة الفرد والتاريخ والأمة على نحوٍ آلي تعسفي، إنما تنخرط في ذلك عطفًا على مدى تشرّبِها وقائع وأحداثًا لا تزال واقعةً

في صلب التجربة، وفي اللاوعي، وهكذا تصير اللعبة السردية في المقام الأول تعبيرًا «عن المفكّر

فيه، وما يمكن قوله في تجربتنا». ويشمل هذا

(1((بول ريكور، صراع التأويلات: دراسة هيرمينوطيقية، ترجمة منذر عياشي، مراجعة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005)، ص.130

التعبير الوجود والذات والفرد والمجتمع. ومن هذه الزاوية، يبدو عمراوي واعيًا تمامًا بالبعد

القيمي لاشتغال الذاكرة المكثّف على إنتاج نصوص روائية تنبثق وتمتد في حضن الزمن والفضاء والشخوص، وما تحفل به هذه البناءات من جدلٍ كبير ومستمر. إن الذاكرة مثل الأطراس، تعيد صوغ حوارات مع عددٍ من الأقانيم والمسارب. وفي الأجرومية السردية لمستغانمي، تبدو الذاكرة مفتوحة وقادرة على استيعاب هذه الحوارية بالمفهوم الباختيني الواسع، إذ إن مفاصل المتن المدروس توزّعت بين الذاكرة في علاقاتها المشتبكة والمتشابكة مع «الزمن» و«الفضاء» و«الشخصيات» و«التذكّر» و«التناص»، وتعكس هذه الحواريات، في جوهرها، قيمة النصيات من خلال سياق كتابتها أولً، وتتثنى مع علاقاتها الدلالية من خلال الملفوظات، وتتثلّث مع ما تقيمه من علائق وتناصات مع جملةٍ من الأنساق التعبيرية والفنية. عمل الناقد على «بنْينة» البعد الاسترجاعي/ التذكري للسرد، ومعها النصيات، مستخلصًا مجموعة من الرؤى والتصوّرات والمواقف بشأن طريقة اشتغال الروائية، ويمكن حصر ذلك في ما يلي: • اللغة الشعرية الموظّفة في المرويات، من خلال الانهمام ببلاغة الإمتاع وجمالية التصوير وتوليد البؤر الحكائية انطلاقًا من إعمال الذاكرة واستنطاقها، وفي ذلك استثمار للذاكرة في بعديْها الفردي والجماعي، في أفق بناء عمل روائي مبني على الحوارية والمفارقة والتناص مع ثيمة التاريخ والشخوص وأدوارهم وطبيعة العلاقة بينهم.

• الرهان على الشعرية الاجتماعية لباختين في طرائق هذه السرود بوصفها إجراءًاحترازيًا بعيدًا عن سطوة المفاهيم والإغراق في ليّ

عنق النصوص؛ ذلك أن عمراوي، حتى إن كان يمارس النقد، لا نجده يثقل كاهل المتن بكثرة الاستشهادات والأمثلة، فالغاية هي التقرب من التحققات النصية في مجاورتها الذاكرة. من هذا المنظور، يحرّرنا النقد من خنق النصوص وطاقاتها الإبداعية الخلّقة، ووعودها في الانصهار والذوبان مع رؤية الروائية، ووجب الانتباه إلى أن نقد الرواية في الوطن العربي لا يمكنه أن يتخلّى عن تنظيرات باختين، باعتبارها آليةً مغايرة ومختلفة في «التشديد على حوارية العالم والعلاقات بين البشر». • التأكيد أن لأعمال مستغانمي الروائية ميسمًا خاصًا، وهو الاشتغال على الذاكرة، والانطلاق منها نحو «تبئير» السرد، برؤية تعيد الاعتبار إلى الزمن في مفهومها الممتد عبر النصوص. وفي هذا السياق، يرى عمراوي أن «الذاكرة وهي العصب البنيوي في تشكيل لحمة السرد وهندسة فضاءاته ورسم بورتريه لشخصياته، تكاد تكون ذاكرة سجينة الماضي بمتخيّله

وقيمه الإنسانية والحضارية والثقافية في أبعاده الروحية والرمزية، ويلاحظ أن هذه القيم بدأت تتلاشى وتختفي أمام استبداد الزمن الحاضر الموسوم بقيم زائفة جعلت الخطاب عنه، يأتي دائمًا مصحوبًا بلعنة الإدانة والاحتجاج» (ص

(1((تزفيتان تودروف، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، ط 4 (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2012)، ص

خاتمة: محاولة تركيب

لا شك في أن كتاب الذاكرة ملاذ السرد هو مادة نقدية جديرة بالاهتمام والمتابعة، كونها تقدّم للقارئ مداخل قرائية جديدة، خصوصًا الاشتغال على الذاكرة، وهو اشتغال له أهمية كبرى في الجهود الرامية إلى مساءلة الذاكرة واستكناه جوانبها، سواء المضيئة أم المعتمة، وهو رهان حاول المؤلف الخوض فيه انطلاقًا من مقولات الشعرية الاجتماعية، ولا سيما مقولات باختين في هذا المجال. وواضح من خلال مفاصل الكتاب، أن ثمة جهدًا مبذولً، حيث ربط المؤلف بين الذاكرة وعبوراتها بين التناص والحواريات والسياق الفضائي ولعبة الزمن والشخوص، ف «فهم الرواية على هذا النحو، يتطلّب إذن مقاربة نقدية ثقافية حوارية تبحث في علاقتها كنص بالكاتب والقارئ والبنيات الخارجية والسياقات الثقافية المؤثرة في الإنسان وتطلّعاته وبحثه اللاهث عن الحقيقة». ويتساوق هذا المطلب المتشابك، تمامًا، مع المعرفة والمعاني الإنسانية التي تنتجها الرواية عمومًا، روايات مستغانمي بوجه خاص، من حيث هي حوارية مع الذاكرة وتناصاتها، اعتمادًا على المتخيّل والثاوي في

أعماق الذاكرة، وأمكننا أن نلمس كيف اجترح عمراوي مقاربته النقدية، وهو يتوغل عميقًا في هذه المسارب السردية وعوالمها المتشابكة. وفي تصوّري، فإن الاعتماد على استقصاءات باختين لسبر أغوار الكتابة، ما هو إلّ انعكاس لبحث متجدّد في تحولّات الكتابة الروائية العربية المعاصرة، في مسعى لتثبيت الاختلاف والمغايرة في أثناء مقاربتنا النصيات.

((1(الخضراوي، ص.22

المراجع

والتوزيع،.1987 بن نوار، بهاء. الكتابة وهاجس التجاوز. عمان: دار فضاءات للنشر والتوزيع،.2011

منشورات المكتبة العصرية، [د. ت.].

العربية للدراسات والنشر،.1996

للدراسات والنشر،.1980

الشعري. سلسلة نقد 1. مراكش: منشورات دار الشعر،.2019

بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005.

بريس للنشر، 2017.

منشورات دار أبي رقراق،.2017

سوشبريس،.1985 فضل، صلاح. مناهج النقد المعاصر. ط 3. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2013

References

باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر

التوحيدي، أبو حيان. الإمتاع والمؤانسة. صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين. صيدا:

تودروف، تزفيتان. ميخائيل باختين: المبدأ الحواري. ترجمة فخري صالح. ط 2. بيروت: المؤسسة

________. ميخائيل باختين: المبدأ الحواري. ترجمة فخري صالح. ط 4. القاهرة: دار رؤية للنشر،

الحاج شاهين، سمير. لحظة الأبدية: دراسات الزمان في أدب القرن العشرين. بيروت: المؤسسة العربية

روضي، عبد الهادي. معطف سوزان: مسالك المعنى في قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها

ريكور، بول. صراع التأويلات: دراسة هيرمينوطيقية. ترجمة منذر عياشي. مراجعة جورج زيناتي.

عمراوي، عبد الخالق. الذاكرة ملاذ السرد: قراءة في ثلاثية أحلام مستغانمي. الرباط: مطبعة طوب

العيد، يمنى. الراوي: الموقع والشكل، بحث في السرد الروائي. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،

عثمان، عبد الفتاح. بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية. القاهرة: مكتبة الشباب، [د. ت.]. العلوي، عبد الرحيم الواثق. تقويم الكفايات اللغوية واستراتيجيات تعليم وتعلم اللغة. الرباط:

علوش، سعيد. معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة. بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ الدار البيضاء:

الخضراوي، إدريس. سرديات الأمة: تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة في الرواية المغربية المعاصرة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2017 مبروك، مراد عبد الرحمن. بناء الزمن في الرواية المعاصرة. سلسلة دراسات أدبية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.