العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نظرية الأدب في ظل الدراسات الثقافية التموضع والراهن والتحولات

نظرية الأدب في ظل الدراسات الثقافية التموضع والراهن والتحولات

The Theory of Literature, in the Light of Cultural Studies: Positioning, the Present, and Transformations

محمد عبد الله الـمحجري

Mohammed AL-mahjari

الملخّص

تقف هذه الدراسة على وضع نظرية الأدب، في ظل هيمنة الدراسات الثقافية على المشهد النقدي وعلى واقع الدراسات البحثية في العلوم الإنسانية، في زمن ارتحال الفكر الإنساني من الحداثة إلى ما بعد الحداثة؛ الارتحال من النسق المنهجي إلى اللاتحدد واللامعنى، ومن مفهوم الذات المفكرة إلى الذات المنتَجة اجتماعيًّا. وتقف الدراسة أيضًا على العوامل التي صنعت تلك الإشكالية، وعلى آثارها التي أنتجتها. وتقدم صورة موجزة عن رؤية مستقبل نظرية الأدب في ظل توسع الدراسات الثقافية.

Abstract

Abstract: This paper studies the status of the literary theory in light of the dominance of cultural studies over the critical scene and the reality of research studies of human sciences, at a time when human thought moves from modernism to postmodernism, from systematism to indeterminacy and meaningless, and from the concept of a thoughtful self to a socially–produced one. The paper also investigates the factors behind this problem and its influences. It briefly discusses the future of the literary theory in light of the expansion of cultural studies.

الكلمات المفتاحية:
  • نظرية الأدب
  • الدراسات الثقافية
  • ما بعد الحداثة
  • ما بعد البنيوية
  • الفكر الإنساني
Keywords:
  • Literary Theory
  • Cultural Studies
  • Postmodernism
  • Poststructuralism
  • Human Thought

The Theory of Literature, in the Light of

Cultural Studies:

Positioning, the Present, and Transformations

العوامل التي صنعت تلك الإشكالية، وعلى آثارها التي أنتجتها. وتقدم صورة موجزة عن رؤية مستقبل نظرية الأدب في ظل توسع الدراسات الثقافية.

أولا: نظرية الأدب: من التموضع إلى التبعية

تمثِّلُ نظريةُ الأدب Theory Literary الإطار المرجعي العام للنقد الأدبي، كما تمثل أداة التجسير بين الاتجاهات الفلسفية التي تشكِّلها ومناهج النقد الأدبي التي تنبثق منها. وقد أثْرَت نظرية الأدب بأفكارها ورؤاها وفرضياتها المتنوعة حقل الفكر الإنساني في شأن الأدب:

كينونةً، ونشأةً، ووظيفةً، بعلاقاتها مع بقية فروع الدرس الإنساني، من الثيولوجيا إلى الماركسية، ومن

الأنثروبولوجيا إلى علم الاجتماع، ومن الأنطولوجيا إلى الإبستيمولوجيا: محايثةً، وتأثيرًا، وتأثُّرًا. يمكن تحديد نشأة نظرية الأدب بوصفها إطارًا مرجعيًا عامًّا من الأفكار والمفاهيم المتماسكة حول

الأدب: ماهيةً، ونشأةً، ووظيفة، بجهود صامويل تايلر كوليردج Coleridge Taylor Samuel 1–772(8341) ووليام ووردزورث Wordsworth William (850–17701) في بدايات القرن التاسع عشر، متأثرين بأفكار إيمانويل كانط Kant Immanuel (804–17241) في علم الجمال. إلا أن الشكلانيين الروس هم من يستحقون بجدارة لقب المؤسس الحقيقي لنظرية الأدب بما هو أدب أو شكل، أو النظرية الأدبية التي ترتكز على ذاتها، منذ المقالة المشتهرة التي نشرها فيكتور شكلوفسكي Shklovsky Viktor 1–893(9841) في عام 9171 بعنوان «الفن بوصفه صنعة». شأنها شأن بقية النظريات في حقل الدرس الإنساني، تأثرت نشأة نظرية الأدب في القرن التاسع عشر بالتنوير والرومانسية والاتجاهات الإنسانية، وبالحداثة والعقلانية والفلسفة الوضعية، وفي القرن العشرين بعلم الاجتماع وعلم النفس ونظرياتهما، وبالمادية التاريخية الماركسية وعلم اللغة، وبالبنيوية وما بعد البنيوية، فأثْرَتْ وتعدَّدَتْ فرضياتُها حدَّ التباينِ وفقدانِ الاتساق، وتشَظّتْ وتعقَّدَتْ تفاصيلُها

حدَّ التراجعِ وفقدان المكانة. اتكأت نظرية الأدب في نظرياتها التي أولت الخارج عنايتها، في الغالب،

على افتراضات علوم من خارج حقلها الرئيس (الأدب): كالتاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم اللغة، ونكصت عن أن تنشئ لنفسها فرضياتها الخاصة التي تنبع من مركزية أدبية الأدب، أي ما يجيب عن سؤال الماهية والوظيفة والكيفية ضمن الأدبية نفسها. وفي محاولة جريئة لصناعة الاستقلال ومقاومة التماهي الذي حدث لنظرية الأدب نتيجة تأثرها بالعلوم الإنسانية ونظرياتها، بدأت نظرية الأدب في تحقيق ذاتها وكينونتها مع جهود منظري المدرسة الشكلانية في اتجاههم نحو الأدبية، واشتغالاتهم المبكرة في هذا الجانب، وعبر «شروعهم في

إنشاء لغة واصفة لعلم الأدب» المعنِي بالأدبية. ثم بجهود حركة النقد الجديد ونظريتها في الخلق

(((ينظر قول تودوروف: «لن [لم] يتخذ مفهوم الأدب استقلاله إلا مع حلول النزعة الرومانسية الألمانية، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق [...] لن ترى [لم تر] إذًا نظرية الأدب، بالأسلوب الجامعي، النور، إلا في القرن العشرين». تزفيتان تودوروف،

الشعرية، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 9901)، ص.14 (((أسست الشكلانية الروسية في وقت مبكر مفاهيم مركزية في أدبية الأدب كالتغريب أو كسر الألفة (شكلوفسكي)، والعنصر المهيمن (جاكبسون)، والتحفيز (توماشفسكي)، ثم الوظيفة الجمالية (موكاروفيسكي.) (((إلرود إبش [وآخرون]، نظرية الأدب في القرن العشرين، ترجمة وتقديم محمد العمري (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 9961)، ص.27 (((باعتبار «أن موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب، وإنما الأدبية» بحسب عبارة جاكبسون الشهيرة. يُنظر العبارة في مقالة

إيخانباوم «نظرية المنهج الشكلي» في: إبراهيم الخطيب (مترجم)، نظرية المنهج الشكلي: نصوص الشكلانيين الروس (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.)1982

الأدبي، ثم بالأفكار البنيوية التي أغرقت نظرية الأدب بتنظيراتها الشكلية وافتراضاتها بحثًا عن النسق الكامن وراء التشكُلّات الظاهرة. تاقت نظرية الأدب، التي كانت تبحث لنفسها عن هوية جديدة تتلاءم ومستجدات الكشوفات المعرفية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في القرن العشرين، إلى اكتشاف هويتها الخاصة، بعيدًا عن اتكائها على فرضيات من خارج ذاتها، إلا أن تعثر جهود الشكلانية بسبب المد الماركسي والأفكار الستالينية المتطرفة، وانحسار جهود النقد الجديد، وتطرف البنيوية في أنساقها المغلقة، أفقد نظرية الأدب فرصة تحقيق استقلالها وتكامل فرضياتها النابعة من أدبية الأدب؛ الأمر الذي أدى إلى انفتاح نظرية الأدب مرة أخرى على الخارج ممثلً بأفكار ما بعد البنيوية وفرضياتها المتعددة، مع نأيٍ بَيِّنٍ عن الأدبية، ثم أدى في نهاية المطاف إلى ارتماء نظرية الأدب في أحضان الدراسات الثقافية مجردَ أداة في سياقات اشتغالاتها. ومع أن نظرية الأدب أوسع من أن تتموضع ضمن سياق واحد، فثمة اتجاهات داخلية واتجاهات خارجية في رؤية أدبية الأدب ومحيطه، إلا أن تحقيق هوية ثابتة لها حدودها هو هدف تتوق إليه أي نظرية تسعى إلى الحفاظ على كينونتها واستقلالها وبيان حدودها. ولا يعني ذلك انتفاء التداخلات بين النظريات المختلفة واتكائها في تكامل رؤيتها بعضها على بعض، حتى وإن تباعدت اتجاهاتها الفلسفية؛ فقد مثل انفتاح نظرية الأدب على العلوم الإنسانية والاجتماعية ثراء جيدًا أفادت منه في تفسير الظاهرة الأدبية على مستوى نظرياتها التي ركزت على ظاهرة الأدب من خارجه، بل وتلك التي ركزت على الداخل. وحتى ضمن السياق الواحد، كالبنيوية على سبيل المثال، كان ثمة انفتاح على تفسير الداخل بالخارج في صور متخفية: الفرويدية المتخفية في جاك لاكان Lacan Jacques (981–19011)، والماركسية المتخفية في لوسيان غولدمان Goldmann Lucien)1970–1913(،

(((أسست حركة «النقد الجديد» مجموعة من المفاهيم والمبادئ المركزية في أدبية الأدب، من أهمها مبدأ الوحدة العضوية، والتأويل المحايث، والمفارقة، والمعادل الموضوعي. (((ما بعد البنيوية مجموعة من الكتابات التي ارتبطت بميشال فوكو وجاك دريدا على نحو رئيس. تلك الكتابات التي تقطع مع الإبستيمولوجيا التقليدية لفكر الحداثة وفلسفة التنوير، التي كانت تذهب إلى أن الذات المستقلة الواعية (كما تأسست في الكوغيتو الديكارتي) أنطولوجيًا وإبستيمولوجيًّا هي مصدر الفعل والفكر. تفكك ما بعد البنيوية مفاهيم الذات والمدلول المتعالي والمركز والكلية؛

فتذهب إلى أن الذات ما هي إلا أثر من آثار الثقافة والمجتمع، تتكوَّنُ فيها ولا تكوِّنها، وتتأثر بها أكثر مما تؤثر فيها، كما تذهب إلى

استحالة توصيف أنظمة دالة واضحة، وتنتصر للهامش على حساب المركز، وتقوض مفهوم الكلية. تأمل العبارات الآتية لكالر: «والحق،

لم تُثْبِت ما بعد البنيوية أخطاء أو قصور البنيوية وعجزها بقدر ما تحولت عن مشروع استنباط ما يجعل الظواهر الثقافية ظواهر مفهومة،

وشددت بدلً من ذلك على النقد الفاحص للمعرفة، والشمولية، والذات؛ فهي تتعامل مع كل واحدة مما سبق بوصفها أثرًا إشكاليًّا. إذ

إن بنى أنظمة الدلالة لا توجد بمعزل عن الذات، كموضوعات المعرفة، بل هي بنى للذات التي تتورط مع القوى التي تنتجها». جوناثان

كالر، النظرية الأدبية، ترجمة رشاد عبد القادر (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2004)، ص 0–14915؛ ينظر:

Jonathan Culler, Literary Theory: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 1997), p. 125.

(((باعتبار رؤية غولدمان التي ينتقل بها من الأبنية الفردية إلى الأبنية الجماعية، في توظيف مُنزاحٍ عن مفهوم البنيتين التحتية

والفوقية عند ماركس، من مفهوم يُعنى بتوَلُّد البنية الفوقية (الثقافة والأيديولوجيا والفن وطرائق التفكير) عن البنية التحتية (القوى

وعلاقات الإنتاج) إلى مفهوم يُعنى بالأبنية الجماعية، تلك التي تشير إلى أن الظواهر الثقافية ما هي إلا أبنية تتولد عن أبنية أوسع هي

الأبنية العقلية في تشكيلها رؤية العالم (وهو مفهوم مطور عن مفهوم الأبنية العقلية اللاواعية لستراوس).

والأنثروبولوجيا المتخفية في كلود ليفي ستروس Strauss – Lévi Claude)2009–1908( قبل ذلك. إلا أن ذلك الانفتاح على الخارج وعلاقاته ظل انفتاحًا يراوح في إطار محدود ضمن الداخل. ومع ذلك فقد كان لذلك الانفتاح آثاره الكبيرة في نظرية الأدب لصالح الدراسات الثقافية؛ فقد «فتح الربط الواعي بين النظرية الأدبية والأيديولوجية وبين النقد الأدبي والهيمنة الثقافية أعمال كل المثقفين الأكاديميين على مجالات السياسة وعلم الاجتماع والأخلاق والاقتصاد والأنثروبولوجيا والتاريخ. وهذا الانفتاح الحاسم هو الذي مثل الأرضية لمشروع متعدد العلوم وموسع من التحليل النقدي، وهو الذي يسمى عادة بالدراسات الثقافية». تفيد أدبيات الدراسات الثقافية Studies Cultural، التي ولدت في أحضان النظرية الأدبية الماركسية في بريطانيا، أنها نشأت بهدف توسيع نطاق الأسئلة، ودراسة التمركزات الثقافية، و«سعيًا إلى استعادة ثقافة الطبقة العاملة الشعبية واستكشافها». غير أن الهدف من توسيع نطاق الأسئلة قد توسع بعد ذلك ليشمل كل شيء تقريبًا له علاقة بالثقافة، ومع ذلك الإيغال في الاتساع كان ثمة إيغال في التباعد بين الجانبين: الدراسات الثقافية من جهة، وحركة النقد الأدبي الأكاديمي ونظرية الأدب من جهة أخرى، تباعد

(((باعتبار أن ستراوس قادم من حقل الدراسات الأنثروبولوجية وأراد تعميم أنموذجه على الظواهر الإنسانية. «وهو لا يفتأ يكرر أن الأبنية الحقة موجودة حتى لو لم نعثر عليها». ومن المعلوم أنه كان ينتقد أداء البنيوية الأدبية وأولئك الذين جاؤوا من بعده يطبقون أدواته وإجراءاته بعيدًا عن فكرته المركزية في الأبنية العقلية الكلية؛ إذ «يمضي ليفي شتراوس في توجيه ضرباته إلى البنيوية الأدبية

التي لا تفعل شيئًا أكثر من التطبيق الشكلي لبعض التقنيات الحرفية»، وإذ «تبدو المسافة بالغة البعد بين هذا كله وطريقة ليفي

شتراوس الأصلية التي كانت تبحث عن الأبنية العقلية الكلية. ويرفض ليفي شتراوس نفسه هؤلاء البنيويين الصغار، ويتهمهم في

مختتم كتابه الإنسان عاريًا (9711) بأنهم يستخدمون تقنيات البنيوية لكن دون أبنية حقيقية». تنظر العبارات السابقة في: إديث

كريزويل، عصر البنيوية، ترجمة جابر عصفور (الكويت: دار سعاد الصباح، 9931)، ص 01–36.36 (مع ملاحظة اختلاف كتابة الاسم «شتراوس» و«ستراوس» في الكتابات العربية). (((فنسنت ب. ليتش، النقد الأميركي من الثلاثينيات حتى الثمانينيات، ترجمة محمد يحيى (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.398 (1((نشأت الدراسات الثقافية ابتداء في بريطانيا مع نَشْر رايموند وليامز Williams Raymond 988–1921(1) كتابهُ الثقافة والمجتمع

من عام 1950–1780 الذي صدر عام 9581، ونَشْر ريتشارد هوغارت Hoggart Richard (2014–1918) (مؤسس مركز برمنجهام

للدراسات الثقافية المعاصرة) كتابَهُ استخدامات معرفة القراءة والكتابة عام 957.1 تركِّزُ الدراسات الثقافية على مقاومة الطبقات

المهمَّشة للنظم الاجتماعية السائدة من خلال الثقافات الفرعية. ينظر كلٌّ من:

Julie Rivkin & Michael Ryan, Literary Theory: An Anthology , 2 nd ed. (Oxford: Blackwell Publishing, 2004), pp. 1233– 1234; Philip Smith, Cultural Theory: An Introduction (Oxford: Blackwell, 2001), pp. 151–166.

(((1 كالر، ص.57 1(((جاء في «افتتاحية مجلة الدراسات الثقافية التي تعد واحدة من المجلات الأساسية في هذا الحقل، وقد نُشرت في منتصف

التسعينيات: «تسعى المجلة إلى نشر الدراسات التي تبحث العلاقة بين الحياة اليومية والممارسات والسياقات المادية والاقتصادية والسياسية والجغرافية والتاريخية؛ أي تلك الدراسات التي تتعامل مع الدراسات الثقافية بوصفها حقلً خاصًّا بتحليل التغير

الاجتماعي؛ الدراسات التي تخاطب حقلً من حقول البحث والدراسة ممتدًا ما تفتأ حدوده في التوسع، بما في ذلك العلاقات ما

بعد الكولونيالية والكولونيالية الجديدة، وسياسات الثقافة العامة، والموضوعات الخاصة بالقومية العابرة للقوميات Transnationality والعولمة، والأداء الخاص بالهويات الجندرية Gendered والجنسية Sexual وغير المحددة Queer، وعمليات تأسيس القوة والسلطة على حدود الاختلاف بين السلالات والأعراق والطبقات، إلخ؛ وهو ما ينعكس إيجابًا على مكانة الدراسات الثقافية، ويتصل

بالمعاني النظرية الضمنية والأساسات التي يقوم عليها النقد والمساءلة العملية». ينظر: رونان ماكدونالد، موت الناقد، ترجمة فخري صالح (القاهرة: المركز القومي للترجمة؛ دار العين للنشر، 2014)، ص.139

يكاد يؤدي إلى نسيان نظرية الأدب نفسها أو الوقوف في وجهها باعتبارها إحدى الواجهات الصلبة التي لا تنسجم وروح الدراسات الثقافية المتخففة من أحمال المنهجية وأعباء التنظير. وصحيح أن ذلك الاتساع في الدراسات الثقافية قد أكسب الموضوعات الأدبية ثراء في التناول من زوايا جديدة متعددة، إلا أنه مع كل اتساع كان يتباعد أكثر فأكثر عن منهجيات النقد الأكاديمي ونظرية الأدب، وهو أمر مفهوم في ضوء سيولة ما بعد الحداثة، وأفكارها غير المتوائمة مع المركز الثابت والافتراضات الصلبة وصرامة التنظير؛ الأمر الذي جعل «الدراسات الثقافية شكلً مفارقًا للدراسات الأدبية»، وحوَّل نظرية الأدب، شأنها شأن بقية النظريات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى

أدوات مساعدة، يمكن للباحث في مجال الدراسات الثقافية الإفادة منها وتوظيف افتراضاتها من دون الالتزام بمنهجياتها بالضرورة. وفي الوقت الذي كانت تبحث فيه الدراسات الثقافية عن وجود ومشروعية لدراسة الهامش والهويات الجانبية والأنساق المضمرة، تحول الشأن؛ ليصبح ما كان هامشًا في المركز، وما كان مركزًا في

الهامش: قُضي، أو يكاد، على الدرس النقدي في الحياة الثقافية، وطغت الصبغة الذاتية على الدرس الثقافي، وتخفف الباحثون من القيود المنهجية، وشاعت الأحكام التعميمية والنظرة الشمولية عند التناول والتحليل، وتحولت نظرية الأدب عن الصدارة في الدراسات الأكاديمية المعنية بالأدب إلى إطار ضيق في حيز التخصص. وفي الوقت نفسه، لم تقدم الدراسات الثقافية نظريتها الخاصة، تلك التي يمكن أن تقوم على افتراضات متماسكة، تُنْقَضُ بها الافتراضاتُ السابقة، وتُؤْسَسُ بها الأبدالُ

الصحيحة، وتُشَكِّلُ إطارًا مرجعيًّا للباحثين، وإن كانت قد أجادت في تعرية السائد ومسلماته، فقد

«كشف لنا الدرس الثقافي زيف فرضياتنا المسبقة وهشاشة أسسها ومسلماتها غير المنقودة، فأصبحنا أشد وعيًا بدور الثقافة (أي النظام الدلالي) في تكوين معرفتنا وطرائق تفكيرنا». وهو ما يجعل

الدراسات الثقافية والنقد الثقافي نشاطًا، لا درسًا أكاديميًّا خالصًا، كما يذهب أيزابرجر في قوله: «إن

النقد الثقافي نشاط، وليس مجالً معرفيًا خاصًّا بذاته [...] كما أن نقاد الثقافة يأتون من مجالات

مختلفة، ويستخدمون أفكارًا متنوعة». لقد مثلت الماركسية وما بعد البنيوية روافد أساسية للدراسات الثقافية اتكأت على أفكارها وفرضياتها. ففي الجانب الأول ظلت المادية التاريخية الجدلية ممثلة بأفكار البنية التحتية والبنية الفوقية، وتحَدُّد

الوعي بالوجود لا تحَدُّد الوجود بالوعي، وأولوية المادة على العقل الذي تراه انعكاسًا لها، والصراع

(((1 كالر، ص.63 (((1 ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، ط 3 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002)، ص.142 (((1 أرثر أيزابرجر، النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2013)، ص.31–30 (((1 بخلاف ما يذهب إليه جوناثان كالر، الذي يجعل البنيوية المصدر الرئيس للدراسات الثقافية، نذهب في هذه الدراسة إلى أن ما بعد البنيوية هي المصدر الرئيس لتلك الدراسات، بما أسسته من مفاهيم، وما أنتجته من فرضيات، وما وسعته من أفكار. وربما عنى كالر التأثير الأولي في نشوء الدراسات الثقافية لا مصدر التوسع والتمكن والهيمنة على المشهد. ويمكن الرجوع إلى رأي كالر في: كالر، ص.56

الطبقي، أهمَّ موجهات الرؤية في كثير من الدراسات الثقافية. ولا غرابة في أن تتكئ الدراسات الثقافية على الفكر الماركسي؛ فقد نشأت في الأصل مع مفكرين يساريين ابتداء. وقد كان هدفهم التوجه نحو توظيف الثقافة الشعبية للفئات المهمشة من جهة، والتوجه نحو الثقافة الرسمية لكشف التحيزات والأنساق المهيمنة فيها من جهة أخرى، وتلك فكرة يسارية بامتياز. إلا أنه يجدر التنبه إلى أن الدراسات الثقافية قد تجاوزت الجدلية الماركسية التقليدية إلى نقاشات أوسع وأرحب، مستفيدة من التجسير بين الدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن توظيف النظريات المتعددة فيها، ومن التوسع في الفرضيات الماركسية نفسها. ويجدر التنبه إلى أن للدراسات الثقافية موقفًا، وأنها تدعي أنها غير حيادية، «فالدراسات الثقافية ملتزمة [...] بمعنى أنها ليست حيادية في ما يتعلق بالاستثناءات والمظالم والأضرار [...] ملتزمة هنا تعني سياسية نقدية». كما يجدر التنبه إلى أن الدراسات الثقافية المتعلقة بتحليل الخطاب ابتداءً بفوكو تخالف الماركسية في واحدة من أهم

مقولاتها، هي تلك المتعلقة بالبنية الفوقية والبنية التحتية، بل تقلِبُ الأمر رأسًا على عقب؛ إذ «طرح

دعاة الدراسات الثقافية في الثمانينيات متأثرين بالفكر ما بعد البنيوي مقولة عدم وجود حقيقة أو بنية تحتية اجتماعية اقتصادية خالصة سابقة على الخطاب وسابقة على الثقافة؛ فالخطاب الثقافي يشكل الأساس للوجود الاجتماعي وللهوية الشخصية». وفي الجانب الثاني أطلقت أفكار ما بعد البنيوية العنان للدراسات الثقافية للشك في النظريات والفرضيات والمسلمات السائدة، وتفكيك أسسها ومنطلقاتها، من دون التأسيس بالضرورة لنظرية جديدة، في ضوء استحالة الوصول إلى الحقيقة بحسب فرضياتها الشائعة. لقد مثلت ما بعد البنيوية، ممثلة بمجموعة الكتابات التي ارتبطت بكل من ميشال فوكو Foucault Michel (984–19261) وجاك

(1((تأمل العبارة المكثفة الآتية لستيوارت هول Hall Stuart (2014–1932) أحد مؤسسي الدراسات الثقافية «إن الكلمة مادية بقدر

مادية العالم». ينظر: سايمون ديورنغ، الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، ترجمة ممدوح يوسف عمران، سلسلة عالم المعرفة 425 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2015)، ص.47 (1((مثل توسع هنري لوفيفر Lefebvre Henri (991–19011)، على سبيل المثال، في مفهوم البنية الفوقية الذي يصله بمفهوم

اللاوعي الفرويدي، كما تشير إديث كريزويل في كتابها المشار إليه سابقًا عصر البنيوية (ص. 23)1 تأمل كذلك قول سايمون ديورنغ:

«إن كل أشكال التحليل التي طورها ويليمز وهول (معتمدين على عمل كل من غرامشي وميشيل دو سيرتو وألثوسير وفوكو... إلخ) كانت فريدة ومحددة، وأفصحت ضمنيًّا أنها ضد أطر اليسار التقليدي». ديورنغ، ص.53 (1((المرجع نفسه، ص.15 ((2(ليتش، ص.411 ويمكن النظر في قول سيجفريد ياجر وفلورينتاين ماير: «يختلف التحليل النقدي للخطاب لدى فوكوه في هذا السياق بصورة واضحة عن المواقف الماركسية التقليدية التي تشترط كون الوجود الاجتماعي يحدد الوعي [...] يتصور فوكو أن هذه العلاقة معكوسة بالأحرى (أي أن الوعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي)، ويشدد على مادية الخطاب». ينظر: سيجفريد ياجر

وفلورينتاين ماير، «الجوانب النظرية والمنهجية في التحليل النقدي للخطاب وتحليل التصرفات لدى فوكو»، في: مناهج التحليل النقدي

للخطاب، تحرير روث فوداك وميشيل ماير، ترجمة حسام أحمد وعزة شبل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 83. وقوله: «فلولا الخطابات لما كان هناك وجود للواقع الاجتماعي [...] فالخطاب بمثابة واقع مادي في حد ذاته»، ص.84 ((2(ثمة عبارة مشهورة لتودوروف يقول فيها في معرض حديثه عما بعد البنيوية: «وعلى خلاف البنيوية الكلاسيكية التي كانت تستبعد السؤال ذاته عن حقيقة النصوص، فإن ما بعد البنيوية يريد فعلً فحصه، لكن قوله الذي لا يتبدل هو أن السؤال لا يمكن أن

يجد له جوابًا. لا يمكن للنص أن يقول سوى حقيقة واحدة، هي أن لا وجود للحقيقة، أو أن بلوغها ممتنع إلى الأبد». ينظر: تيزفيتان

تودوروف، الأدب في خطر، ترجمة عبد الكريم الشرقاوي، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 9901)، ص.20

دريدا Derrida Jacques (2004–1930) بشكل رئيس، مشربًا جديدًا ومصدرًا ثريًا للدراسات الثقافية،

بجدة أفكارها وسعة طروحاتها وغرابة مخالفتها للمعهود، ليس في مجال الدراسات الثقافية التي تُعنى بالأدب والنقد فقط، بل في كل مجالات الدراسات الثقافية. ومنذ سيطرت البنيويةُ في الفكر الغربي، أوغلت نظرية الأدب في تفاصيل علميتها الشكلية المغلقة على ذاتها، بعيدةً عن روح الأدب والأدبية، وعما وراء الأفكار والافتراضات من نماذج وتمثيلات، وهي شكوى معهودة حتى لدى المنظرين أنفسهم، كما في تصريح تزفيتان تودوروف Todorov Tzvetan 1–939(2017) في كتابه المشهور الأدب في خطر، الذي صرّح بأن دراسة وسائل المدخل قد غلبت على دراسة

الأدب نفسه، مستنكرًا «أنه لا يمكن بأي حال أن تحل دراسة وسائل المدخل هذه محل دراسة المعنى

الذي هو غايتها»، وذلك ما هو حاصل في واقع الحال، وأدى بشكليته إلى هجرة بعض نقاد الأدب إلى الدراسات الثقافية، «شملت بعضًا من أفضل النقاد [...] ممن عارضوا بشدة أوجه النظرية الشكلية». لقد بدت البنيوية كأنها أسطورة الحل النهائي في تفسير التحولات في الإدراك وفي الظواهر من واقع استكشاف «الأبنية العقلية اللاواعية» المستترة وراء الأنساق الظاهرة، والحكم على السطح من خلال بنيته الكلية المستترة. غير أن تلك الأسطورة سرعان ما تلاشت بتلاشي اليقين بالكلي والشمولي والحتمي، وإن كانت التحولات لن تمحو تأثيرها بسهولة. وصحيح أن الفنون لا تنبتُّ عن واقعها، شأنها في ذلك شأن الوقائع التي يمكن تأملها واختبارها في الحياة، إلا أن ثمة فارقًا جوهريًّا يجعل الجمالي عزيزًا على إخضاعه إمبيريقيًّا على نحو ما يرد في

العلوم البحتة، وحتى في واقع الحياة الاجتماعية (وفقًا لعلم الاجتماع)، فإن «الوقائع لا تتكلم من تلقاء ذاتها، وإن ما يُنْتِج الدلالة الشارحة أو التفسيرية [...] إنما هي شبكة العلاقات التي تكتنف الوقائع».

وذلك هو الإشكال الذي وقعت فيه البنيوية، وأوقعت فيه نظرية الأدب. والبنيوية هنا أنموذج لنظريات الداخل التي لم توازن بين تحقيق الاستقلال في الأدبية والإفادة من الدلالات المحيطة.

((2(تأمل، على سبيل المثال، عبارة بريان كوتس في مقالتها «النقد الأنثروبولوجي»: «إن الأربعين عامًا الأخيرة من عمر النقد

الأنثروبولوجي مدينة بالفضل للتحول المزلزل الذي حدث في النظرية الأدبية نتيجة ظهور نظريات ما بعد البنيوية وخاصة ما بعد

الكولونيالية»، ينظر: بريان كوتس، «النقد الأنثروبولوجي»، ترجمة فاتن مرسي، في: موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، ج 9: القرن

العشرون: المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية، تحرير ك. نلووف [وآخرين] (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 89.3 (2((تودوروف، الأدب في خطر، ص.15 ((2(ليتش، ص.399 ((2(مفهوم «الأبنية العقلية اللاواعية» مفهوم مركزي لدى ليفي ستراوس؛ ف «بينما يذهب ماركس إلى أن الثقافة مشروطة بالبنية الاقتصادية للمجتمع، يضيف ليفي شترواس فكرة أن الثقافة تنبثق من الأبنية اللاواعية الكلية»، مع تسليم ستراوس بفكرة ماركس عن تحدد الوعي بالوجود لا العكس. وقد أثار مفهوم الأبنية العقلية اللاواعية جدلً واسعًا مع فلاسفة آخرين ولا سيما سارتر والوجودية.

ينظر: كريزويل، ص 49،.350 (2((آلن هاو، النظرية النقدية مدرسة فرانكفورت، ترجمة ثائر ديب (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 9.1 ((2(ينظر العبارة المكثفة لتيري إيغلتون: «يمكن رؤية البنيوية على أفضل وجه إذا ما نظرنا إليها بوصفها عرَضًا وارتكاسًا معًا للأزمة

الاجتماعية والألسنية التي أشرت إليها؛ فهي تفر من التاريخ وتلجأ إلى اللغة». ينظر: تيري إيغلتون، نظرية الأدب، ترجمة ثائر ديب (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 9951)، ص:241؛ ينظر

Terry Eagleton, Literary Theory: An Introduction , 2 nd ed. (Oxford, UK: Blackwell Publishers, 1996), p. 122.

وبإيغال نظرية الأدب في متاهات الأزقة التخصصية الضيقة، ومفاهيمها التجريدية الدقيقة، ومصطلحاتها الخاصة، وبالتفاوت بين نظرياتها، وتداخل افتراضاتها، حاصرت نظرية الأدب نفسها وحاصرت الأدب معها؛ فابتعدت بذلك عن بساطة الطرح على مستوى المفاهيم، وعن سهولة التطبيق على مستوى المنهج، وعن فعالية الحضور على مستوى التنافس مع بقية الدرس الإنساني. «لقد أقيمت الأسس النظرية الأدبية المعاصرة خلال القرن العشرين، غير أنها لم تُقبل على نطاق واسع». غير أن ذلك قد يُبرَّر بكون نظرية الأدب تتموضع في فضاء وسَطٍ بين الفلسفة والمنهج، وهي إلى الفلسفة أقرب،

الأمر الذي يبرر تعدد المداخل وتفاوت الرؤى، بمقدار تفاوت الظاهرة الإنسانية نفسها. وتلك مشكلة متأصلة، ليس على مستوى نظرية الأدب فحسب، بل في الدرس الإنساني برمته. وبسبب من ذلك، تحولت نظرية الأدب من المركز إلى الهامش، ومن تخصص رئيس في حقل الدراسات التخصصية في النقد الأدبي إلى رافد من روافد النظريات المتعددة في الدراسات الثقافية. لقد كانت نظرية الأدب أداة التجسير الأساسية بين الاتجاهات الفلسفية بأبعادها ورؤاها المتباينة والمناهج النقدية؛ وحين فقدت نظرية الأدب زخمها مع تصاعد موجة الدراسات الثقافية، اتكأت الدراسات الثقافية، في شأن الدراسات الأدبية، على النظريات القائمة في حقول العلوم الإنسانية، ولكن بعيدًا عن نظرية الأدب في أكاديميتها التي تلبس عباءة الصرامة. فحين تتناول الدراسات الثقافية الأدب ونصوصه بالبحث، فإنها لا ترجع إلى نظرية الأدب بقدر ما ترجع إلى توظيف النظريات المتعددة من حقولها الأساسية في العلوم الإنسانية: علم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والأنثروبولوجيا. ومرة أخرى، ربما كانت فرضية قرب نظرية الأدب الشديد من الفلسفة، وعملها في الجمالي بعيدًا عن التجريبي (التجريبي كما هو في بقية العلوم الإنسانية فضلً عن العلوم الطبيعية البحتة)، السببَ في ما

سبق طرحه وتفسيرًا معقولً له. وربما كان السبب هو المتاهات التي عاناها الفكر الإنساني برمته في

النصف الثاني من القرن العشرين، في ارتحاله من المركب إلى البسيط، ومن المعقد إلى المختزل، ومن الصلابة إلى السيولة، بتقويض ما بعد الحداثة وتفكيك ما بعد البنيوية، كما سيأتي بيانه في مكانه في هذه الدراسة. فما بعد الحداثة هو بشكل ما تجسيد لنزق الفكر في تعبيره عن «تحرير الجمالي عن الوظيفي»، وفي رؤيته للظواهر من منطلق السيولة عوضًا عن الصلابة والتماسك، ونسبية الحقيقة في الرؤى والتصورات والأحكام، وتأجيل المعنى على نحو دائم. وأيًّا كان السبب، فإن ما أصاب نظرية الأدب من تراجع عن موقع الصدارة في مجالها تفلسفًا ونقدًا

((2(إبش [وآخرون]، ص 34 (مع التصرف بحذف ما بين الأقواس من إدخالات المترجم.) (2((التعبير ب «تحرير الجمالي عن الوظيفي» ل: كريغ كالهون، النظرية الاجتماعية النقدية، ترجمة مروان سعد الدين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص.187 (3((التعبير ب «السيولة» مفهوم مركزي لدى زيغمونت باومان Bauman Zygmunt (1925–2017) في كتبه مثل الحداثة السائلة Liquid Modernity. وتأجيل المعنى Differance مفهوم مركزي لدى دريدا، يدل على معنيي الاختلاف المكاني Differe والتأجيل

الزمني Defer، وقد اشتق له الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه الحداثة وما بعد الحداثة مصطلح «الاخترجلاف» للدلالة على الاختلاف والإرجاء معًا.

لحساب الدراسات الثقافية قد مَوْضعَها مجرد أداة في سياق تلك الدراسات إلى جانب أدوات أخرى، بدلً من مكانتها السابقة التي كان لها بها الصدارة والاستقلال في حقل الدرس النقدي.

ثانيًا: عوامل تراجع مكانة نظرية الأدب

يمكننا تحديد عوامل تراجع نظرية الأدب عن مكانتها السابقة على النحو الآتي:

1. تحول المزاج العام في الفكر الإنساني

ونعني بالمزاج العام، في هذا السياق، تلك الرغبة الجامحة للفكر الإنساني ما بعد الحداثي في ارتحاله من المركب إلى البسيط، ومن المعقد إلى السهل، ومن المركز إلى الهامش، ومن الكلي إلى الجزئي، ومن الإيجاب إلى الاحتفاء بالسالب، ومن الإيمان بمركزية الذات إلى الاعتقاد بهشاشتها وتبعيتها لظروف تكوينها؛ الأمر الذي أحدث انقلابًا جوهريًّا في الاهتمامات والتطلعات، وفي طرائق التفكير والنظر؛ ودفع بالإنسان إلى التخلي عن الإيمان بالحدِّيات والحتميات. لقد استبدل الفكر ما بعد الحداثي بأسسيَّة رينيه ديكارت Descartes René 0–1596(561) وذاتها

المفكرة، شكوكيَّتَهُ المفرطة إزاء الحقائق والنظريات، واستبدل بالمركزية التي قوَّضها وأطلق عليها

مسمى «السرديات الكبرى» Narratives Grand قصصَه الصغرى التي تحكي تطلعات أفراده، فتحولت الذات الواعية إلى ذات أخرى؛ هي الذات التي تصنعها الهياكل الاجتماعية، الذات المتأثرة لا المؤثرة، والمفكَّر لها سلفًا لا المفكِّرة، بحسب أدبيات ما بعد البنيوية. وهي الذات المعولَمة في الهوية الثقافية المتعينة «تاريخيًّا لا بيولوجيًّا» بحسب أدبيات الدراسات الثقافية، تلك التي نسقط أنفسنا

عليها فتتشكل. وبتخلخلِ المركز وتراجع نماذجه، وارتحال الهوية وتذاوتها في الفضاء العام، وتصدُّر النسبية على الحتمية في الرؤية والحكم؛ تجزَّأ التفكير، وتعددت المداخل، وتعاظمت قيمة الهامش على المركز، والأداة على المنهج، والافتراض على النظرية. ويبدو هذا الأمر واضحًا ليس على مستوى الدرس النقدي الأدبي ونظرية الأدب فحسب، بل يتعداه إلى بقية العلوم الإنسانية وفي المقدمة منها علم الاجتماع ونظريته الاجتماعية. إلى منتصف القرن العشرين كان يُنظر إلى الظواهر في العلوم الإنسانية على أنها ظواهر مركّبة ومعقدة،

(((3 المقصود بالأساس الديكارتي أو الأسسية الديكارتية Foundationalism التفكير الممنهج وفقًا لمرجعية أولى متعالية

Transcendental سابقة على التجربة، ولا تقبل الشك. (3((السرديات الكبرى Narratives Grand مصطلح صكه جان فرانسوا ليوتار Lyotard François – Jean ‏ (998–19241)، في كتابه

المشهور: الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة أحمد حسان (القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع،.)1994 (((3 التذاوت Intersubjectivity مفهوم مركزي في فلسفة موريس ميرلوبونتي Merleau–Ponty Maurice (961–1908.)1 وأما مفهوم الفضاء العمومي Sphere Public فقد وظفه يورغن هابرماس Habermas Jürgen في نظريته في الفعل التواصلي، وأصله مأخوذ من إيمانويل كانط Kant Immanuel 1).804–1724(

ناشئة عن تعَقُّد الظاهرة الإنسانية نفسها؛ ومن ثم فإن تلك الظواهر المركّبة كانت تستدعي نظريات مركبة للتعامل معها وصفًا وتفسيرًا وتفكيكًا، وبحثًا عن علائقها في إطار الفكر والحياة والمجتمع. ومع

رحلة الفكر الإنساني من عقلانية الحداثة وشموليتها إلى تفكيكية ما بعد الحداثة وسيولتها، اتجه ذلك الفكر إلى النظر في الظواهر الإنسانية برؤية شكيَّة ريبيَّة، احتلَّت فيها النسبية والاحتمالية مكانة الحتمية

والضرورة، وبمعالجات تجزيئية تفكيكية، يقوم فيها الافتراض البسيط مقام النظرية المركبة، والاجتهاد أحادي البعد مقام المنهج الشامل، تشككًا في ما وصلت إليه مركزية الخطاب ونظُمهِ الشمولية في الرؤية البنيوية التي تجسد مركزية الفكر الغربي وافتراضاته الراسخة. وقد مثلت الدراسات الثقافية رحلة الفكر الإنساني في ما بعد الحداثة، تفكيكًا لخطاب الحداثة الشمولي، واستهدافًا لفرضياتها المركزية، وتأسيسًا لفرضيات بديلة مغايرة لا تنبع من الوسط الغربي بالضرورة. وعلى الرغم من افتراضات الدراسات الثقافية البسيطة غير المركبة، واجتهاداتها أحادية البعد المتنصلة

من المنهج الصارم، وتحيزاتها الواضحة، فإنها قد أدت دورًا مشهودًا في حقل الفكر الإنساني: أُنتج

كثير من الدراسات في حقول المعرفة الإنسانية بالتجسير بين فروعها، وفُكك كثير من الافتراضات القائمة، وتم إثراء النظريات القائمة بأفكار مستجدة يمكن أن تجدد بها منطلقاتها وفرضياتها. كما أن الدراسات الثقافية انفتحت على كل ما له علاقة بالإنسان هويةً وكينونةً وثقافةً وأدبًا، وحاولت التجسير

بين حقول المعرفة الإنسانية، ولفتت الانتباه إلى موضوعات جديدة في الدراسات النسوية، والجنسية، وما بعد الاستعمار، والدراسات المعنية بعلاقات القوة والسلطة. وذلك على الرغم من كونها مثَّلت انعطافًا عن دراسة الظاهرة الإنسانية في نطاقها المركب كما أسلفنا. ومع تعاظم حضور الدراسات الثقافية وانتشارها، أسست لنفسها تموضعًا جديدًا في الدرس الأكاديمي يتجاوز المنطق التقليدي في تصنيف الأقسام والتخصصات بتجسير بينيٍّ يحاول الربط بين الحقول

المعرفية المتعددة، بجسارة تصل حدَّ التهور وتجاوز يصل حدَّ الإلغاء. «إن الدراسات الثقافية تفضل أيضًا الانتهاك، والتدمير، والهويات المختلطة غير الخالصة. إنها تسعى عن سابق إصرار وتصميم إلى إعادة النظر في التصنيفات المؤسساتية».

2. نخبوية نظرية الأدب

ظل الدرس النقدي الأدبي نخبويًّا طوال تاريخه بفعل خصوصية حقله الجمالية. ومع تطور الدرس

النقدي في القرن العشرين، بفعل تطور الدرس الإنساني من حوله وتأثيره فيه، تطورت نظرية الأدب ومناهج النقد المنبثقة منها. إلا أن ذلك التطور الذي أسهم في صقل المفاهيم، وسبر الفرضيات، ورسم المناهج، قد أحاز نظرية الأدب في الوقت نفسه إلى ضيق التخصص، وأغرقها في نخبويتها؛ الأمر الذي أسهم في تراجع مكانة نظرية الأدب في ظل توسع الدراسات الثقافية. لقد أصبحت الدراسات الثقافية «الحقلَ الأكاديمي العملاق العابر للتخصصات»، بحسب وصف ماكدونالد في كتابه موت الناقد الذي يربط بين صعود نجم الدراسات الثقافية وشعبيتها وتزايد أعداد الطلبة في الجامعات، في «إعادة

(((3 ماكدونالد، ص.138

توزيع ملحوظ للسلطة النقدية»، وبما يجذر «عملية الدمقرطة في الحقل النقدي»، بفعل مرونة تفاعلها البيني في حقول المعرفة، وتخففها من أعباء المنهجية، وبعدها عن النخبوية. يحاجّ بعض الكُتّاب، من مثل أيزابرجر، بأن «النظرية الأدبية ترى أنه كلما كان النص الأدبي أدنى

ذوقًا، كلما زاد عدد الأفراد المتذوقين والمحبين له»، وإن كان يستثني الأعمال الجيدة التي يكتنفها الغموض. غير أن ذلك التصور، في رأينا، قد يكون صحيحًا في شأن شيوع الأعمال الأدبية الشعبية في نطاق زمانها، أما الأعمال الخالدة فلا يمكن أن ينطبق عليها هذا التصور؛ فالأعمال الأدبية والفنية الخالدة، تلك التي تتسم بمعايير الأداء العالية، تحقق استمرار فرادة الأداء على زمن ممتد، في الوقت الذي تترفع فيه عن الفئوية الضيقة وشعبوية الخطاب. وإن ذهاب الدراسات الثقافية إلى عكس ذلك راجع في الأساس إلى كونها تناهض المعيارية، ويستوي لديها نص يمثل أرقى منجزات الثقافة ونص يقوله أي أحد؛ «إذ ليس للمعياري قيمة مطلقة أكثر من غير المعياري» كما يصف سايمون ديورنغ، بدعوى أن الذي يضع المعيار هو الثقافة السائدة والمهيمنة، كما يذهب پيير بورديو Bourdieu Pierre (2002–1930) (الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع). ووفقًا لنظرية بورديو، «يرث الأفراد من الطبقة المهيمنة رأسمالً ثقافيًا أكثر مما يرثه أولئك المنتمون إلى الطبقة المهيمَن عليها، تمامًا

مثلما يمتلكون رأسمالًاقتصاديًا أكبر»؛ ومن ثم فإنهم هم من يضع المعيار، وبهذا يفقد المعيار حياده وموضوعيته. «وبشكل أكثر وضوحًا تعتمد نظرية بورديو على تطابق شديد للغاية بين المرتبة

والذوق»، وتفترض «أن معظم الناس في المجتمع يسلمون بالمعايير الثقافية الطاغية نفسها ». كما يمكننا إضافة إشكالٍ آخر، ضمن تلك النخبوية، يتمثل في بُعْد تمثُّل النظرية في واقع النقد الأدبي من جانب النقاد أنفسهم؛ ف «عدم القدرة على إتقان النظرية، هو سبب أساسي لمعارضتها». وفي مقابل نخبوية نظرية الأدب مرت الدراسات الثقافية «بمكواة بخارية فوق التراتبيات الهرمية جميعها، مسطحة كل شيء، ومحولة النشاط الإنساني كله إلى ممارسات ثقافية محايدة فاترة». إن هذا يشي بأن جزءًا من المعركة هو صراع سياسي وأيديولوجي بين مصالح متباينة لمجموعات الثقافات

المتعددة، وأنها في عمقها رؤى كلية متفاوتة للحياة: رؤية تنبع من الإيمان بالتراتبات الهرمية، في شأن

(((3 المرجع نفسه، ص.125 (((3 المرجع نفسه. (3((أيزابرجر، ص.52 (3((ديورنغ، ص.21 (3((«الهيمنة» Hegemony مفهوم مركزي لدى المنظر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي Gramsci Antonio (1937–1891)،

وهو كذلك في الدراسات الثقافية. ويُبْرِز مفهوم الهيمنة أثر الاتجاهات السائدة غير الواعية المنبثقة من النظام الطبقي في المجتمع. (4((ديورنغ، ص.329 (((4 المرجع نفسه، ص.330 (4((المرجع نفسه. (((4 كالر، ص.26 (((4 ماكدونالد، ص.137–136

الأدب على الأقل: الرفيع منه، والشعبي أو المحلي (وهي رؤية نابعة من رؤية لا شعورية أعمق، تخفي وراءها إرادة الحفاظ على تراتبية المجتمع في كل مظاهره)، ورؤية مناقضة تنبع من الإيمان بأهمية درس كل الظواهر الثقافية، رفيعها وشعبيها؛ كونها جزءًا من الظاهرة الإنسانية.

3. تضاؤل الثقة بالأحكام الجمالية

تتفاوت الرؤى والتفضيلات الجمالية بفعل اختلاف الأذواق والمداخل الفلسفية والتحيزات الخاصة؛ وهو ما يؤدي إلى تباين الأحكام الجمالية عند النقاد حدَّ التناقض. ترسم نظرية الأدب خريطة ذلك التباين وتبرزه عبر نظرياتها التي تجسد تلك الرؤى والاتجاهات. إلا أن الإغراق في التفاوت قد شكَّل عاملً رئيسًا في عزوف الذائقة العامة عن نظرية الأدب وتفاصيل تضاربها واختلافها البيني، ولا سيما

في وقت تميل فيه تلك الذائقة إلى العابر والعابث والسائل والهامشي. بل «إن الطور ما بعد البنيوية من الثورة الفرنسية قد قوَّض حتى إمكانية وجود نظرية عامة في الأدب»، بعد أن شكلت البنيوية نفسها

«إهانة محسوبة للحس السليم» بحسب تعبير تيري إيغلتون Eagleton Terry. لقد تشظَّت نظرية الأدب إزاء الأحكام الجمالية، وتشتتت رؤاها في أحراش قناعات منظّريها، الذين لم تتكاتف جهودهم لعمل ما يخلق للنظرية كيانًا متماسكًا؛ ما يسَّرَ للدراسات الثقافية أن تحتل المكانة.

ف «عدم الثقة بالأحكام الجمالية، أيًّا كان نوعها، هي الحافز وراء نشوء هذه الدراسات». وصحيح أن

النظرية في العلوم الإنسانية، ونظرية الأدب على وجه التحديد، ليست محايدة؛ فهي انعكاسٌ لرؤية فلسفية

تحاول تفسير العالم، أو تغييره بتعبير كارل ماركس Marx Karl)1883–1818(، وموقفٌ من الظاهرة الإنسانية يحاول أن يستدل لفرضياته، إلا أن واقع الدراسات الثقافية ليس أحسن حالً من واقع نظرية الأدب في هذا الشأن، فتحيزاتها الصارخة معلنة لا موارِبة، وتحليلاتها ما تزال تقدم نفسها في أشكال مؤدلجة.

4. إيغال البنيوية في الانغلاق وإيغال ما بعد البنيوية في اللاتحدد

أسهمت البنيوية وما بعد البنيوية معًا، وعلى نحو رئيس، في تراجع مكانة نظرية الأدب، وفي خلخلة النظام العام في النقد الأدبي. في الجانب الأول، أسهمت البنيوية في تراجع مكانة نظرية الأدب بانغلاقها على مفاهيمها الخاصة وعلى فكرها الشمولي، وأوغلت في ما كان الفكر الإنساني قد وصل إليه من وجود عامل خفي وراء الظاهر (على غرار لاوعي فرويد، وبنى ماركس)، وأن ذلك العامل هو الفاعل من وراء البنى الظاهرة. ف «البنيوية هي وارث حديث لهذا الاعتقاد بأن الواقع وتجربتنا له منقطعان واحدهما عن الآخر». وفي الجانب الثاني، أسهمت ما بعد البنيوية باعتقادها بتشظي الذات، وهلامية اللغة ولاتحدد المعنى، وبتفكيكها كل ذلك، وصولً إلى إثبات هامشية الذات، وهشاشة ما وراء الخطاب،

(((4 ليونارد جاكسون، بؤس البنيوية: الأدب والنظرية البنيوية، ترجمة ثائر ديب، ط 2 (دمشق: دار الفرقد، 2008)، ص.355 (((4 إيغلتون، ص.168 (4((ماكدونالد، ص.135 (4((الإشارة هنا إلى عبارة ماركس المشهورة: «ظلت الفلسفة تفسر العالم بطرائق مختلفة، ولكن المهم هو تغييره.» (4((إيغلتون، ص.188

وتحقق اللامعنى. بل ذهبت ما بعد البنيوية إلى قلب الأمر رأسًا على عقب، بمواجهة كل فكرة يمكنها

أن تعتقد أن أي معنى هو معنى حقيقي، «وأصبح أعداؤها، كما أشار بارت لاحقًا، أنظمة الاعتقاد المتماسكة مهما يكن نوعها، وخاصة كل أشكال النظرية والتنظيم السياسيين التي سعت إلى تحليل بنى المجتمع ككل والعمل عليها». إضافة إلى ما يمكن تسميته خلفية الماضي البنيوي المسيطر على طرائق التفكير والنظر لدى منظري ما بعد البنيوية؛ «فممثلو ما بعد البنيوية هم بنيويون اكتشفوا خطأ طرائقهم على نحو مفاجئ». وهو الأمر الذي أحال نظرية الأدب إلى أحكام شمولية وشكلية مع البنيوية، وطبعها بطابع اللاتحدد مع ما بعد البنيوية.

5. نكوص نظرية الأدب عن تقديم إطار مرجعي نسقي ومتماسك

مع أن النظرية نظام من الافتراضات المحاجّةِ بفعل الاستدلالات، وإطار مرجعي من التفسيرات

المتماسكة بفعل نسقية الاتجاه في رؤية الظاهرة، فإنها، في حقل الدراسات الإنسانية وفي الأدب ودرسه الجمالي على وجه التحديد، تظل رؤية قابلة للتفنيد والنقض والتفاوت أكثر مما هو حاصل في حقل الدراسات العلمية البحتة. وتلك سمة في النظرية في حقل الدرس الإنساني تعكس تعقُّد الظاهرة الإنسانية وصعوبة تفسيرها، غير أنها، في الوقت نفسه، تحقق لها كينونتها بحسب كارل بوبر Popper Karl)1994–1902(؛ إذ إن قابلية النظرية للتفنيد تمكّنها من تطوير افتراضاتها باستمرار. فالنظرية التي تؤثِّر في محيطها ليست تلك النظرية التي تردم الأسئلة بالإجابات، وتحصّن فرضياتها بالاستدلالات وحسب، بل هي تلك التي تُثَوِّر الأسئلة في فضاء فرضياتها واستدلالاتها، وتتيح إمكانات

التفسير على الدوام، بما يُمكِّنها من توقُّع الاحتمالات والإمكانات، ومعالجة التفاوتات والاختلالات.

وذلك أمر لم تبتعد عنه نظرية الأدب، بدليل التعدد حدَّ التفاوت في نظرياتها، إلا أن الإشكال الرئيس في نظرية الأدب، في هذا الجانب، تمثَّل في عدم الوصول إلى إطار مرجعي نسقي متماسك يمكن التوافق على كثير من معاييره وافتراضاته ونتاجاته. إن نكوص نظرية الأدب عن تقديم إطار مرجعي نسقي متماسك قائم على افتراضات محاجَّة، تجمع

فيه بين الداخل والخارج، وبين صرامة المنهج ورحابة المنظور، وبين التنظير للفكر النقدي والتمكين للإجراءات في منهجية التناول، سببٌ رئيس في فقدانها مكانتها. وفي وقت يميل الفكر الإنساني إلى

الضجر من تلك السرديات المركزية التي تتظاهر بالتماسك، وتلك النظريات التي لم تخلِّق سوى الارتحال من مراياها المقعرة إلى مرايا أكثر تقعُّرًا، ليس أمام النظريات الشمولية المركَّبة إلا التراجع

والنكوص لما يمكن أن يحل محلها، وإن كان أكثر إشكالً وأقل تماسكًا، كما هو الحال مع الدراسات الثقافية، تلك التي شجعها واقع الحال على التموضع في الصدارة؛ فاحتلت الدور، وخاضت غمار التجارب، وحققت النجاح النسبي، إلى جوار ما خلَّقته من مشكلات.

(5((المرجع نفسه، ص.243 (((5 رامان سلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور (القاهرة: دار قباء، 9981)، ص.117 (5((يذهب كارل بوبر إلى أن معيار النظرية هو القابلية للتكذيب لا القابلية للتجريب كما هو سائد في المجتمع العلمي والفلسفي.

ينظر: كارل بوبر، منطق البحث العلمي، ترجمة محمد البغدادي، ط 01 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)1994

والحقيقة أن وجود نظريات متماسكة وفرضيات محكمة ذات نظام واستدلال في العلوم الإنسانية، هو أمنية عزيزة المنال. إننا حين نقف بتجرد أمام نظريات علومنا الإنسانية، سنجد أن كثيرًا من فرضياتها

التي تأسست عليها يسهل نقضها أو التشكك في حيثياتها بمجرد تغيير الاتجاه الفلسفي وتغيُّر موقع

الرؤية وزاوية النظر؛ ومن ثم فإن الوصول إلى ذلك الإطار المرجعي النسقي المتماسك للنظرية في العلوم الإنسانية، ونظرية الأدب على وجه الخصوص، سيظل حلمًا يراود المفكر والناقد والمتلقي معًا. ولعل ذلك هو ما يجعل الفكر الإنساني برمّته عرضة للتقلب والارتحال بحسب المؤثرات؛ وهو ما أتاح الفرصة أمام الدراسات الثقافية للانتشار والتوسع، بل تحول نظرية الأدب إلى مجرد أداة في سياق الدراسات الثقافية. ومن ثم فإننا بحسب توقعات الدراسات الثقافية نفسها، «سوف نجد أننا بصدد مرحلةٍ يصبح فيها مصطلح الأدب جزءًا من الإطار الأكبر للثقافة»، وباحثين «يقومون باستخدام

النظرية الأدبية كأدوات نقدية في تحليلاتهم لأمور متعددة».

ثالثًا: إشكالات نظرية الأدب في ظل الدراسات الثقافية

1. فقدان الهوية الخاصة

ظل النقد الأدبي يباهي بنظرية الأدب ويتكئ عليها في دراساته إلى ما يقارب أواخر ستينيات القرن العشرين؛ حيث مال الفكر الإنساني، كما أسلفت الدراسة، إلى منحى جديد في طرائق التفكير والنظر؛ عزف الفكر الإنساني عن العقلانية ومنهجيتها الصارمة، ونظر بكثير من الارتياب إلى الفرضيات الشائعة، ومال إلى نظرية اللانظرية الصارمة في العلوم وإبستيمياتها المتعددة؛ الأمر الذي انعكس على الدرس الأكاديمي في بعض جوانبه: تشككًا في أصوله، وارتيابًا من نظرياته، وابتعادًا عن منهجياته الصارمة. ولم تكن نظرية الأدب، ولا الدرس النقدي المنهجي، بعيدَين عن التأثر بهذا الارتحال. لقد فقدت نظرية الأدب هويتها الخاصة، في إطار الانقلاب الذي أحدثته أفكار ما بعد البنيوية داخليًّا، ومنذ توسع

الدراسات الثقافية في المجال البحثي على حسابها خارجيًّا. وتحولت نظرية الأدب من كيان نظري ذي

بُعْدٍ فلسفيّ يستقل بكثير من فرضياته إلى مجرد أداة مساعدة في الدراسات الثقافية يستصحبها الباحثون

عند حاجتهم إليها، في إطار نظريات أخرى وبادعاء رؤية أشمل. لقد نشأت الدراسات الثقافية ل «تقلب الطاولة» على الأدبية النخبوية السائدة، ومن المنطقي أن يتلو ذلك نقض الأصول المنهجية التي تقوم عليها تلك الأدبية، لإتاحة الفرصة للانقضاض عليها وعلى الأسس المفترضة التي قامت عليها، وفي مقدمة كل ذلك نظرية الأدب؛ الأمر الذي يقوض النظرية ويفقدها هويتها الخاصة.

(((5 تأمل تفاوت نظريات الداخل والخارج، وارتحال البنيويين إلى ما بعد البنيوية وتنكرهم لبنيويتهم، واختلاف اليونغيين والفرويديين في وجود النماذج الأصلية، وتقابل عقدة أوديب وعقدة إلكترا، ونظرية القضيب والرحم، وتفاوت نظريات تحليل الخطاب... إلخ. (((5 العبارة لبريان كوتس في «النقد الأنثروبولوجي»، ص.392 (((5 المرجع نفسه.

2. الاضطراب المنهجي

تعاني نظرية الأدب، شأنها شأن الإبستيمولوجيا في بقية العلوم الإنسانية، إشكالَ ضعف المناهج قياسًا على العلوم الطبيعية كما هو معلوم. «ومنذ انبثاق النظرية، فقد كانت الدراسات الأدبية بصورة خاصة مبحثًا علميًّا مثيرًا للنزاع ومحل نزاع». وبتحول الفكر الإنساني من صرامة عقلانية الحداثة

إلى «سيولة» ما بعد الحداثة، ومن «لوغوس» الكلمة إلى فضاء الصورة ودينامية حركتها، ومن صرامة الدراسات الأكاديمية إلى مرونة الدراسات الثقافية وسطحية بعضها، زاد الإشكال المنهجي، وتراجعت مكانة الدرس الأكاديمي. وقد نشأت الدراسات الثقافية في الأساس لإتاحة فضاء أرحب عند تناول القضايا البحثية في العلوم الإنسانية؛ شكًّا في النظريات القائمة، وتوسعًا في الافتراضات المستبعدة، بالتحرر من دقة الإجراءات، وبالتجسير بين المناهج، وبالإفادة من الحقول المعرفية المتعددة. إلا أن ما حدث، في رأي بعض الدارسين، هو «تسطيح الأشكال الفنية جميعًا، الرفيعة والشعبية، على أيدي الدراسات الثقافية، وتحويلها إلى أنظمة من العلامات الثقافية». وهو ما سبب للنظرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولنظرية الأدب على وجه الخصوص، اضطرابًا منهجيًّا إضافيًّا إلى جانب إشكالاتها السابقة، وإن

كان قد منح الدراسات الثقافية امتدادًا أفقيًّا بانتشارها في حقول الدراسات الإنسانية، بحكم تخففها

من المنهج. هذا الاضطراب المنهجي، الذي فتحت بابه واسعًا الدراسات الثقافية، لم يتوقف عند حدودها، فقد أصبح سمة تطبع أغلب الدراسات التي تعنى بالأدب والنقد الأدبي وتحليل الخطاب.

3. تراجع حركة النقد الأدبي

بتوسع الدراسات الثقافية واكتساحها مجالات الدرس الإنساني على حساب الدراسات الأكاديمية في حقول التخصص، تراجعت حركة النقد الأدبي المستند إلى نظرية الأدب ومناهجها، وبرز التحليل الثقافي بدلً من النقد الأدبي إلى الواجهة. تُمثِّل الدراسات الثقافية، على نحو ما، الهروب من فكرة النقد الممنهج في العقل الغربي على نحو ما أسس له كانط وحد له الحدود، وعلى نحو ما تؤسس لها النظريات في العلوم الإنسانية. وهو هروب يجسد طبيعة مرحلته؛ هروب إلى نقد الفضاء والهامش والمحيط دون المركز والنص والقضية، وإن عُلِّل له بمحدودية النقد الأدبي وانغلاقه.

(((5 كالر، ص.60 (5((ماكدونالد، ص.143 (5((يضرب النقاد لتهاون الدراسات الثقافية بالمنهج مثالً شهيرًا يدعى خدعة سوكال Sokal’s Hoax، أستاذ الفيزياء في جامعة

نيويورك، في مقالته A Physicist Experiments With Cultural Studies" ". التي دبج فيها مقالً علميًا وهميًا بأسلوب ما بعد الحداثة. (5((تأمل قول روث فوداك: «من المهم أن نؤكد على أن التحليل النقدي للخطاب لا يمكن أن يكون – ولم يحاول أن يكون – واقعًا تحت إغراء تقديم نظرية محدودة أو واحدة. لا توجد سمة منهجية للبحث في التحليل النقدي للخطاب. بل على العكس من

ذلك تمامًا فإن الدراسات المتنوعة في التحليل النقدي للخطاب شديدة التباين، ومستمدة من أسس نظرية شديدة التباين، وتدرس

بيانات مختلفة بمنهجيات متباينة». ينظر: روث فوداك وميشيل ماير، «التحليل النقدي للخطاب»، في: مناهج التحليل النقدي

للخطاب، ص.25–24

ل «قد اتفق النقاد اليساريون عامة على اختلافاتهم المزاجية والمهنية والسياسية على عدم كفاية مؤسسة الدراسات الأدبية الأكاديمية والحاجة إلى التغير فيها. وساد إجماع من الستينيات وإلى الثمانينيات بين نقاد الأدب اليساريين على ضرورة توسيع نطاق البحث النقدي بصورة درامية، وعلى توسيع مفهوم الأدب بشكل له مغزى. وتميز النقد اليساري بالهجوم على محدودية النقد الأدبي وعلى ضيق نسق الأعمال الكبرى المعتبرة». كانت تلك هي أهم الأسباب التي بنت عليها الدراسات الثقافية مبرر وجودها. إلا أن ما صنعته الدراسات الثقافية، من توظيف الجمالي في سياق خدمة الثقافي، يشبه ما صنعته ماركسية ستالين قبل ذلك، من توظيف الجمالي في سياق تأكيد الاجتماعي؛ الأمر الذي أفقد الجمالي هويته وكينونته، وأصاب حركة نقده بالتراجع والنكوص. تتصدى الدراسات الثقافية للدرس النقدي وفقًا لرؤيتها وأدواتها، فتسقط الأحكام والتصورات والتعميمات من واقع تحيزاتها الخاصة، وإن كان ثمة نقاد لا يرون فيها غير انعكاس لبرنامج سياسي لا يثق بالسلطة، وغير واجهة سياسية ذات مصالح أيديولوجية خالصة. لقد «كشف لنا الدرس الثقافي زيف فرضياتنا المسبقة وهشاشة أسسها ومسلماتها غير المنقودة». إلا أنه على الرغم من ذلك لم يتمكن من بناء فرضياته الخاصة التي يمكن أن تؤسس لحركة نقدية بديلة ذات أسس منهجية متينة. وفي الوقت الذي خلخلت فيه الدراسات الثقافية مكانة النقد الأدبي وأسهمت في تراجع حركته، لم تقدم ما كان يمكن أن يسهم في دفع الدرس النقدي في اتجاه التطور.

4. نظرية الأدب والدراسات الثقافية: رؤية المستقبل

إلى نهاية ستينيات القرن العشرين، كانت نظرية الأدب قد شكلت خلفية النقد الأدبي الفلسفية والنظرية، وشكَّل هو واجهتها المنهجية والإجرائية. وبوساطة نظرية الأدب تمكن النقد الأدبي من التصدر للأحكام النقدية، مستندًا إلى أبعادها الفلسفية التي انعكست في مناهجه الداخلية والخارجية. وبإحكام نظرية الأدب الطوق على رقبتها بقيد الفكر البنيوي، أحالت النظرية نفسها نحو انكماش محقق في اتجاه حلقة التخصص الأكاديمي الضيقة في الدراسات الأدبية. وصحيح أن ما بعد البنيوية كانت أكثر رحابة في طروحاتها ومجالات دراساتها التي قدمت عبرها جِدَّةً في المنظور، وتعددًا في الافتراضات، وجرأة في الطرح، إلا أن التزامها بما حددته لنفسها منهجيًّا بعدم

تجاوز التحليل إلى التفسير، تجنبًا لاتخاذ مواقف سلطوية تأسست لنقدها وتفكيكها، قد حجَّم دورها

في الدرس النقدي، بقدر ما فتح لها من آفاق في تفكيك المنظورات والمفاهيم المركزية السائدة. هذا إضافة إلى أن الأسئلة التي أثارتها كانت أكبر من قدرتها على التحليل الذي استهدفته.

(6((ليتش، ص.408 (((6 ينظر عبارة ماكدونالد في كتابه موت الناقد: «ورغم أن الدراسات الثقافية لا تصدر أحكامًا قيمية جمالية، فهي ليست بريئة

وخالية من حكم القيمة. إن ما يحركها هو برنامج سياسي– يساري، راديكالي، لا يثق بالسلطة ولا يشعر بالراحة تجاهها. وهي تناضل للكشف عن المصالح والأيديولوجية الكامنة وراء العمليات المزعومة الناعمة التي تديرها معظم الأشكال الثقافية». ماكدونالد، ص.137 (6((الرويلي والبازعي، ص.142

وفي الوقت الذي كانت نظرية الأدب تنكمش فيه على نفسها، كانت الدراسات الثقافية منذ توسع انتشارها في السبعينيات أكثرَ جرأة في التناول: تحليلً، وتفسيرًا، وإصدارًا للأحكام بحكم تخففها من

المنهجية الصارمة؛ وهو ما أمكنها من أن تتموضع وأن تتولى الدور؛ فتتجاوز التحليل إلى التفسير، وتتجاوز التفسير إلى تصدير الأحكام وتصدُّر المواقف، ولا سيما أن «الدراسات الثقافية تتحدى أشكال التراث الثقافي المعتمد والحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية». لم تنبع قوة الدراسات الثقافية من اجترائها على محايثة المواقف والرؤى والأفكار بالتنظير والتحليل فحسب، بل من قدرتها (النسبيّة) على استنطاق ما وراء تلك المواقف والرؤى والأفكار من فرضيات،

وفي مساءلة مضمراتها التي تتخفى خلف أنساقها الظاهرة، بل وفي نجاحها في تفكيك فرضيات التنظير القائم في حقل الدرس الإنساني برمته، في شكل يتضح معه استفادتها من ألوان الطيف المتعدد في العلوم الإنسانية بمختلف تبايناتها، وقدرتها على التجسير بين مختلف تلك العلوم. إضافة إلى عالميتها وعالمية القضايا التي تطرحها؛ ف «قد تكون السمة الأبرز للدراسات الثقافية اليوم هي طريقة توجهها نحو العالمية». وهي سمة ذات حديَّن: العالمية الإيجابية، والتحيز السلبي، مثلما أن التجسير بين

الحقول المعرفية سمة ذات حدَّين كذلك: الإفادة من الطيف المتعدد إيجابيًا، والارتهان للخلفيات

المؤسَّسة وفرضياتها سلبيًا. لقد اكتسبت الدراسات الثقافية بتخففها من المنهج وباستهدافها البحث في طيف واسع من القضايا في مجال الفكر والثقافة الانفتاح على تعدد المصادر وحرية اختيار استراتيجيات التناول، نائيةً بنفسها عن نسقية العلم المحكمة ومناهجه المعتادة. ونتيجة لما تتيحه الدراسات الثقافية لنفسها من رحابة في التخفف من التزامات المناهج الصارمة، فإن ذلك قد أكسبها الاتساع في دراسة الظواهر المتعددة في حقول المعرفة الإنسانية، وإن كان قد أكسبها، في الوقت نفسه، عيب الضعف المنهجي في كثير من طروحاتها. وبحسب سايمون ديورنغ، فإن «النظريات والمناهج نفسها في الدراسات الثقافية تلتزم بمنطق الموضة [...] ومن المفارقة، أنها مناهج تتنصل من صلابة المنهج». وبقدر ما فككته الدراسات الثقافية من فرضيات، وعرَّت من مسلمات، فإنها في استراتيجياتها كثيرًا

ما تتكئ على النظريات القائمة في العلوم الإنسانية. ومثلما ارتهنت نظرية الأدب للفلسفات والأفكار في مناخ العلوم الإنسانية في أرض الواقع، ارتهنت الدراسات الثقافية لمحيطها الفلسفي والمعرفي، بما يكشف إرادة الإفادة من ذلك المحيط، وعدم استهدافها القطيعة المعرفية أو التأسيس لمنظورات فلسفية مستجدة؛ الأمر الذي أضعف لديها القدرة على خلق نظريتها الخاصة، وعلى تحديد الحدود بين التداخلات المتعددة، ف «حقل الدراسات الثقافية، تبعًا لتطوره، يقوم على فروع معرفية متداخلة Interdisciplinary على نحو مربك وصعب التحديد شأنه شأن النظرية ذاتها». هذا إضافة إلى أن

(((6 كريس ويدُن، «الدراسات الثقافية»، ترجمة هاني حلمي، في: موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، ج 9، ص.237 (((6 ديورنغ، ص.21 (((6 المرجع نفسه، ص.25 (((6 كالر، ص.55

كثيرًا من بحوثها قد قام على فرضيات يمكن مساءلتها، وعلى مسلمات يمكن تفكيكها أيضًا، ولا سيما

أن الدراسات الثقافية متهمة بالتحيز ابتداءً. إن أخطر ما يمكن أن يواجه الدراسات الثقافية، إلى جانب إشكال التخفف من المنهجية الصارمة وإلى جانب إخفاقها في خلق نظريتها الخاصة، هو قلق الذاتية وإشكال التحيز؛ إذ كثيرًا ما تُسائلُ الدراسات

الثقافية عن المعايير الدقيقة التي تلتزمها في سبيل موضوعية التناول وصولً إلى صحة الاستنتاجات إذا كانت الذات نفسها منتجًا ثقافيًّا، أي إنها ليست مكوِّنة بقدر ما هي مكوَّنة سلفًا؛ وإذا كانت كذلك، أي

«كانت نتيجةً لا سببًا، فإنها أعجز من أن تتجاوز محلية النظام وآلياته، فاستقرت مسجونة ضمن بنياته

وسياقه». يضاف إلى ذلك أن الدراسات الثقافية لا تنظر في الظواهر والنصوص من حيث هي نسق من العلم، بل من حيث هي معطيات واقعية دالة على الأنساق المضمرة في الثقافة والفكر. وعليه، ف «يمكن للدراسات الثقافية أن تغدو بيسر ضربًا من السوسيولوجيا اللاكمية، حيث تعالج الأعمال

بوصفها أمثلة أو أعراضًا لشيء آخر بدلً من كونها مثار اهتمام في حد ذاتها». وصحيح أن «سؤال العلاقة بين النقد والأدب أعمق من أن يختزل في حدود الاشتغال على دراسة العناصر التي تجعل من عمل ما عملً أدبيًّا»كما هي الدعوى الشائعة لدى الباحثين في حقل

الدراسات الثقافية لتبرير العمل في حقل النص الأدبي من زوايا الثقافة المتعددة؛ إلا أن هذه الدعوى بقدر ما تحمله من الدعوة لانفتاح النص على آفاق أرحب في الدرس الثقافي، فإنها، في رأي آخرين، تستهدف ضمنًا هوية النص الأدبي في كونه نصًّا جماليًّا خالصًا قبل أي اعتبار أو هوية أخرى كفضائه

الثقافي العام. ومع ذلك فالسؤال هنا: إلى أي حدّ ينبغي أن تنفتح نظرية الأدب على أطروحات الدراسات الثقافية والعلوم الإنسانية؟ وإلى أي حدّ يجب أن تنغلق على نفسها في حدود النص الأدبي وحدود الفن؟ ثمة دفاع مستميت من جانب نقاد الأدب عن ضرورة النظر في الأدب وفي الفنون بشكل عام، من خلال نظرية الأدب وفرضياتها وما ينتج منها من مناهج؛ لخصوصية الظاهرة الأدبية من بين بقية الظواهر الإنسانية. وثمة من يحاجّ بأن الأدب والفنون، وإن كانت ظاهرة خاصة، فإنها أيضًا ظاهرة

ثقافية واجتماعية في نهاية المطاف، وأن دراستها باعتبارها الجمالي فقط هي تضييق لفضائها ودلالاتها وارتباطاتها الاشتراطية. «يترتب على هذا المنظور المنفتح للعمل الأدبي والثقافي الذي لا يقتنع بجدوى مقولات من قبيل ‘لا شيء خارج النص’ و‘النص المكتفي بذاته’، إعادة الاعتبار إلى التواصل المفقود بين الآداب والفنون وسياقات تشكلها التاريخية والاجتماعية، وقراءتها من منظور يستكشف الثقافة في تعدديتها وتنوع أنساقها وسياقات إنتاجها الاجتماعية والتاريخية». ويترتب على المنظور الآخر، الذي ينزوي في اتجاه نظرية الأدب، الحفاظ على هويتها، وهوية المناهج النقدية التي تنبثق

(6((الرويلي والبازعي، ص.147 (6((كالر، ص.64 6(((إدريس الخضراوي، «السرد موضوعًا للدراسات الثقافية»، تبيُّن، مج 2، العدد 7 (شتاء 2014)، ص.107 ((7(المرجع نفسه، ص.114–113

منها، ومن ثم الحفاظ على قدر جيد من العلمية، تلك التي يذهب جزء كبير منها في الدراسات الثقافية وتساهلها المنهجي في أحيان كثيرة. لقد «مالت الدراسات الثقافية إلى أن تصبح وريثًا للتفكيكية، والنسوية، وما بعد الاستعمارية والتاريخية الجديدة، كما لو أنها مجرد طريقة أخرى لإنتاج الأدب [...] وغالبًا ما يُنظر إلى الدراسات الثقافية

على أنها في المقام الأول اختصاص أدبي مخضب بما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، بسيط في البحث التجريبي وخال من التحليلات الإحصائية». إلا أن توافقها مع ميل الفكر الإنساني إلى السيولة والتفكيك، كما أسلفت الدراسة، قد أكسبها ذلك الشيوع والانتشار الواسع، الذي يبدو أنه سيواصل تمدده على حساب النظريات التقليدية في العلوم الإنسانية، بفعل ذلك الميل في الفكر الإنساني وذائقة ما بعد الحداثة. وبعيدًا عن تلك النظرة التي تذهب إلى أن حقل الدراسات الثقافية ما يزال حقلً يحبو لدى بعض النقاد، يبدو أن الدراسات الثقافية اليوم في توسع واضح على حساب الدراسات النقدية الأدبية. ف «في الجامعات المنتشرة في المملكة المتحدة، كما في الولايات المتحدة، يُنظر إلى الدراسات المعاصرة في مجال

الإنسانيات التي تستخدم أسلوب ‘البحث العابر للتخصصات’ Inter – Disciplinary نظرة إيجابية غير متشككة في العادة». غير أن شيوع الدراسات الثقافية في بلد كالولايات المتحدة وبريطانيا مبرَّرٌ له

بالتعددية الثقافية المتباينة التي تنادي بتمثيلها، كما يذهب إلى ذلك أيزابرجر. لكن ماذا عن الشعوب التي لم تسمح بعد لفكرها الصلب بالذوبان في سيولة ما بعد الحداثة، وإن كانت ترتاد التحديث، كشعوب شرق آسيا والصين، أو تلك التي تمتلك ثقافة مركزية جامعة لهويتها، كالثقافة العربية، التي تقدم في وعيها هويتها الجامعة على تمثيل ثقافات مجموعاتها المحلية الخاصة، أو تحاول صناعة التوازن بين الجانبين، في محاولة مستميتة لمقاومة الذوبان الثقافي في الآخر وعولمته. لا شك في أن الأمر مختلف هنا، وهو ما يشير إلى أهمية التنبه إلى عدم تعميم التصورات السابقة، والاحتراز من المبالغة بشأنها، إلا أن ذلك لا يعني التقليل من أهمية الدراسات الثقافية، كما أنه لا يعني أن تلك الثقافات المتمركزة حول هوية جامعة بمنأى عن خلخلة تماسكها ومساءلة جذورها وتفكيك أسسها.

خاتمة

يشير واقع نظرية الأدب الحالي في ظل الدراسات الثقافية إلى تراجع مكانتها، وإلى تحولها من نظرية مرجعية للنقد الأدبي إلى مجرد أداة تُستصحب في أثناء الدرس الثقافي. يقف وراء ذلك التحول جملة

((7(ديورنغ، ص.62–61 ((7(يُنظر في هذ الرأي، على سبيل المثال، قول عبد القادر فيدوح: «وإذا كانت أرض الدراسات الأدبية خصبة بمقوماتها الفكرية

والإبداعية والثقافية، وبمرجعياتها العريقة، فإن حقل الدراسات الثقافية الشائك ما زال يحبو، نظرًا إلى أن موضوعاتها لا تتعدى

الثقافة الشعبية المهمشة، أو اللامعقول في الخطاب المهيمن على الثقافة العليا، في مقابل الثقافة الدنيا». عبد القادر فيدوح،

«الدراسات المخملية والنقد الثقافي»، مجلة كلية الآداب–جامعة ذي قار، العدد 24 (2017)، ص.119 ((7(ماكدونالد، ص.140 ((7(أيزابرجر، ص.196

من العوامل؛ يأتي في مقدمتها ارتحال الفكر الإنساني من الكلي إلى الجزئي، ومن المركب إلى البسيط، ومن عقلانية الحداثة إلى سيولة ما بعد الحداثة، إضافة إلى نخبوية نظرية الأدب ونكوصها عن تقديم إطار مرجعي نسقي متماسك، ولا سيما في مرحلة ما بعد البنيوية؛ الأمر الذي أدى إلى تواريها، وإلى تصدِّر الدراسات الثقافية في ساحة الدرس الأكاديمي وفي الفضاء الثقافي العام، كما جاء تفصيله في هذه الدراسة. وذلك تحوّل مفهومٌ في ظل الاهتمام بالدراسات البينية على حساب الدراسات

التخصصية الدقيقة؛ بدافع النفعية، وسهولة التناول، والتجسير بين المعارف المتعددة، وبفعل طبيعة المتلقي التي باتت ذائقته تميل إلى الدراسات الثقافية عن تلك التخصصية المغرقة في التفاصيل. لقد مثّل تواري نظرية الأدب إشكالً معمقًا في الفكر النقدي الأدبي، تمثّل بفقدانه هويته الخاصة، واستقلال فرضياته، وتراجع حراكه وتأثيره في الوسط الأكاديمي وفي الفضاء العام الثقافي. ومع ذلك يمكن القول إن نظرية الأدب بالنسبة إلى النقد الأدبي ومناهجه ستظل ضرورة ملحّة؛ كونها أداة التجسير

بين الأبعاد الفلسفية للمذاهب الأدبية من جهة ومناهج النقد الأدبي من جهة أخرى، وإن كان هدفها في سبيل تحقيق كيانها المتوازن، الذي يشكل إطارًا مرجعيًّا نسقيًّا متماسكًا، ما يزال بعيد المنال؛ وهو

ما يحتاج إلى جهود نقدية دقيقة، تفيد من الإنجازات، وترصد العثرات، وتتجاوز ما تجاوزه الزمن، وتستشرف المستقبل، في سبيل إنجاز ذلك الإطار المرجعي المتماسك لنظرية الأدب.

References

المراجع

العربية

إبش، إلرود [وآخرون]. نظرية الأدب في القرن العشرين. ترجمة وتقديم محمد العمري. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1996 أيزابرجر، أرثر. النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية. ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2013 إيغلتون، تيري. نظرية الأدب. ترجمة ثائر ديب. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.1995 بوبر، كارل. منطق البحث العلمي. ترجمة محمد البغدادي. ط 0.1 بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

تودوروف، تزفيتان. الأدب في خطر. ترجمة عبد الكريم الشرقاوي. ط 2. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 990.1 ________. الشعرية. ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة. ط 2. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1990 جاكسون، ليونارد. بؤس البنيوية: الأدب والنظرية البنيوية. ترجمة ثائر ديب. ط 2. دمشق: دار الفرقد،

الخضراوي، إدريس. «السرد موضوعًا للدراسات الثقافية». تبيُّن. مج 2 العدد، 7 (شتاء.)2014 الخطيب، إبراهيم (مترجم). نظرية المنهج الشكلي: نصوص الشكلانيين الروس. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1982 ديورنغ، سايمون. الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية. ترجمة ممدوح يوسف عمران. سلسلة عالم المعرفة 25.4 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2015 الرويلي، ميجان وسعد البازعي. دليل الناقد الأدبي. ط.3 بيروت: المركز الثقافي العربي،.2002 سلدن، رامان. النظرية الأدبية المعاصرة. ترجمة جابر عصفور. القاهرة: دار قباء،.1998 فيدوح، عبد القادر. «الدراسات المخملية والنقد الثقافي». مجلة كلية الآداب–جامعة ذي قار. العدد 24.)2017(كالر، جوناثان. النظرية الأدبية. ترجمة رشاد عبد القادر. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.2004 كريزويل، إديث. عصر البنيوية. ترجمة جابر عصفور. الكويت: دار سعاد الصباح،.1993 كالهون، كريغ. النظرية الاجتماعية النقدية. ترجمة مروان سعد الدين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

ليتش، فنسنت ب. النقد الأميركي من الثلاثينيات حتى الثمانينيات. ترجمة محمد يحيى. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2000 ليوتار، جان فرانسوا. الوضع ما بعد الحداثي. ترجمة أحمد حسان. القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع،.1994 ماكدونالد، رونان. موت الناقد. ترجمة فخري صالح. القاهرة: المركز القومي للترجمة؛ دار العين للنشر،.2014 مناهج التحليل النقدي للخطاب. تحرير روث فوداك وميشيل ماير. ترجمة حسام أحمد وعزة شبل. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي. تحرير ك. نلووف [وآخرين]. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،

هاو، آلن. النظرية النقدية مدرسة فرانكفورت. ترجمة ثائر ديب. القاهرة: المركز القومي للترجمة،

مراجع إضافية إدجار، أندرو وبيتر سيدجويك. موسوعة النظرية الثقافية: المفاهيم والمصطلحات الأساسية. ترجمة هناء الجوهري. ط 2. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014

إيغلتون، تيري. النقد والأيديولوجيا. ترجمة فخري صالح. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،

بوبر، كارل. أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية. ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة 292. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2003 التميمي، عبد الله حبيب وسحر كاظم الشجيري. «سيرورة النقد الثقافي عند الغرب». مجلة جامعة بابل – العلوم الإنسانية. مج 22، العدد 1.)2014(ستروك، جون. البنيوية وما بعدها: من ليفي شتراوس إلى دريدا. ترجمة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة 206. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1996 موران، إدغار. الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2004

الأجنبية

Culler, Jonathan. Literary Theory: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 1997. Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. 2 nd ed. Oxford, UK: Blackwell Publishers, 1996. Rivkin, Julie & Michael Ryan. Literary Theory: An Anthology. 2 nd ed. Oxford: Blackwell Publishing, 2004. Smith, Philip.  Cultural Theory: An Introduction. Oxford: Blackwell, 2001.

مراجع إضافية

Harland, Richard. Literary Theory from Plato to Barthes: An Introductory History. New York: Palgrave, 1999. Newton, K.M. Twentieth–Century Literary Theory. 2 nd ed. New York: Palgrave Macmillan, 1997. Ryan, Michael. Literary Theory: A Practical Introduction. Oxford: Blackwell Publishers,