الحداثات البديلة والحداثات المتعددة نحو فهم جديد لمسألة الحداثة
Alternative and Multiple Modernities: Modernity Reconsidered
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على جوانب من النقاش الراهن حول "الحداثة" والدلالات المرتبطة بها على مر التاريخ، وكذلك الأوجه التي تمت بها مراجعة هذا المفهوم، وإعادة النظر في أصوله وطُرق تداوله. وتحاول إبراز هذا الضرب من التشكيك الذي مَسَّ، في سياقنا المعاصر، فهمًا مترسخًا حول الحداثة يعدّها "واحدة – غربية - كونية"، وذلك بناءً على مفهومين شاع استعمالهما مؤخرًا في حقول الإنسانيات، هما: "الحداثات البديلة"، والحداثات المتعددة". كما تراهن على فتح أفق التفكير في إمكان تحقق "حداثة عربية"، والمداخل الممكنة لها في عالم اليوم الذي يعرف أنواعًا شتّى من الاشتباك والتعقّد.
Abstract
Abstract: This article sheds light on some aspects of the actual debate concerning modernity. A debate that attempts to depict a critical review and reading of the theoretical framework within which the Western understanding of modernity was established as "Unique", "Western", and "Universal".The core of this debate is the two notions of multiple and alternative modernities which both assume that the best way to understand the contemporary world is for modernity to be seen as a story of continual formation, constitution, reconstitution , and development of multiple, changing and often contested and conflicting modernities. Furthermore, the article aims at laying the groundwork for thinking about the Arab modernity or even modernities and their possibility in a contemporary globalized world.
- الحداثة
- الغرب
- الحداثة البديلة
- الحداثة المتعددة
- العولمة
- Modernity
- the West
- Alternative Modernities
- Multiple Modernities
- Globalization
Alternative and Multiple Modernities:
Modernity Reconsidered
وإعادة النظر في أصوله وطُرق تداوله. وتحاول إبراز هذا الضرب من التشكيك الذي مسَّ،
في سياقنا المعاصر، فهمًا مترسخًا حول الحداثة يعدّها «واحدة – غربية – كونية»، وذلك
بناءً على مفهومين شاع استعمالهما مؤخرًا في حقول الإنسانيات، هما: «الحداثات البديلة»،
و«الحداثات المتعددة». كما تراهن على فتح أفق التفكير في إمكان تحقق «حداثة عربية»، والمداخل الممكنة لها في عالم اليوم الذي يعرف أنواعًا شتّى من الاشتباك والتعقّد.
مقدمة
إذا كان في وسعنا تشخيص الوضع التاريخيّ للعالم في نهاية الألفية الثانية، فإنه يمكننا القول
إنّ عنوانه البارز هو الأفول، أو بتعبير أدق: «زوال السحر عن العالم»، حتى إن هذه العبارة قد نالت حظًّا وفيرًا من الذيوع بسبب قدرتها الوصفية الدقيقة، رغم اختلاف المضمون الذي تحمله منذ
لحظة استعمالها الأولى في كتابات الأديب والمؤرخ الألمانيّ فريدريك شيللرSchiller Friedrich
(805–17591)، واستعارتِها منه في لحظة أخرى من لدن السوسيولوجي ماكس فيبر weber Max (920–18641) الذي وسع نطاقها النظريّ، وكذلك مارسيل غوشيه في كتاب قيّم له يحمل العنوان
نفسه. إن الأوجه التي انسحر بها العالم وافتُتن بها الإنسان عبر تاريخه، أيَّما افتتان، كثيرة متعددة، منها المفاهيم وأنساق المعنى والأيديولوجيات، أو السرديات الكبرى بتعبير جان فرنسوا ليوتار Jean Lyotard François (998–1924.)1 ونحن نذكر من ذلك: العلم والتقدم، والتقنية، والسياسة، والتاريخ والحداثة والتحديث والتنوير... إلخ. لقد شهدت نهاية الألفية الثانية أفولَ كثير من المفاهيم، وانهيارَ عديد من الأيديولوجيات تحت «مطرقة» النقد الفكريّ الذي أملته ضرورة تجديد النظر في واقعِ تجربة الجنس البشريّ، وإعمال النظر في التحولات السريعة التي عرفها هذا الواقع، والانحرافات التي ولَّدَتها. قصَدنا من ذلك: حربين كونيتين مُدمرتين، وأزمات الديمقراطية المتتالية، وتشعب السؤال عن «معنى الحياة»، وانتشار العنف والنمو غير المتكافئ بين ما صار يسمى بلدان الشمال وبلدان الجنوب. وإذا تحدثنا، مثلً، عن التاريخ والسياسة اليوم، فإننا في الواقع نجد أنهما، في نظر جمهرة من المفكرين الغربيين (مثل كلود لوفور، ومارسيل غوشيه، وميغل أبنسور، وغيرهم) لم يعودا مَنبعين نهائيّين للمعنى مثلما كانا من قبل في القرن التاسع
عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، لحظةَ التأسيس الفعليّ لما يُعرف اليوم باسم «الديمقراطية
الليبرالية»؛ إذ لم يعد في مُكنتهما تأسيس أنساق تامة من المعنى مكتفية بذاتها تتيح فهمَ الوجود أو تسويغَه. لقد كفّ العالم عن الانسحار، ونأى بالإنسان نفسه – في الغرب أساسًا – عن الإيمان بالوعود الكبرى والآمال العليا التي لا تَغدو واقعًا إلا في إطار ما سماه لوفور «عمومية الاجتماعي» Généralité
social du وانخراطَ الجَمْعيِّ الذي قد يتخذ صورة «مناضل» أو «سياسي» أو «مثقف نقدي». وآية ذلك
انهيار الأيديولوجيا الشيوعية التي بقيت تحمل وعودًا كبرى بالخلاص الأرضيّ، وانتباه شعوب الأرض
إلى «مأزق» أو «فخ العولمة» الذي وقعت فيه مؤخرًا. وأمَّا نتيجة هذا الوضع فهي انفتاح آفاق السؤال
مجددًا على إشكالية المصير الجمعيّ، والمستقبل والبيئة والقيم، أو عن الإنسان عمومًا. لم يكن مفهوم الحداثة، ولا ما بعد الحداثة، بمنأى عن تأثير روح العصر التي يغذيها أفول المعاني
(1) Jibu Mathew George, The Ontology of Gods: An Account of Enchantment , Disenchantment, and Re–Enchantment (London: Palgrave Macmillan, 2017), p. 22. (2) Marcel Gauchet, Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion (Paris: Gallimard, 1985).
(((يلقي الأستاذ حسن الوفاء الضوء على هذه المسألة الحيوية في كتاب صدر حديثًا يحمل عنوان: معنى الحياة، ينظر: حسن
الوفاء، معنى الحياة: دراسة في فلسفة برتراند فيرجلي (طنجة: سليكي أخوين،.)2018
وتداعي الأنساق؛ فإذا كانت الحداثة قد ارتبطت، في الغرب، بسياق نشوء الدولة الوطنية الحاضنة للجميع على أساس الحق والقانون، فإنّ هذا الغرب نفسه يتجه اليوم إلى مزيد من البلقنة والانفصال (إسبانيا مثلً) وإذكاء شُعلة النزعات الوطنية القائمة على أساس عرقيّ أو لغويّ، أو حتى دينيّ، كما
هو الحال في بولونيا (بمعنى أهمية المسيحية الكاثوليكية في بناء الهوية الوطنية). ورغم كل ذلك، فإن الغرب ما زال يسعى إلى تصدير نزعته الحداثية إلى الشعوب الأخرى؛ إذ ما فتئ يتحدث بإكبار عن حقوق الإنسان والديمقراطية والأسواق الحرة، وما زال يبيح لنفسه غزو الدول بهذه الذريعة. وربما يكون الغزو الأميركيّ للعراق وأفغانستان خير دليل على ذلك. بل إن الغرب يتحدث عمّا يمكن أن
يسمى نزعة ما بعد حداثية كما تظهر للعامّة في الإنترنت ومنتوجات «ديزني» و«ماكدونالد» و«كوكا كولا»... إلخ. غرضنا في هذه الدراسة أن نفتح أفق الانخراط الفكريّ في النقاش الراهن حول مفهوم الحداثة والمراجعات التي تمت بخصوصه، والتي تجلت ها هنا في مفهومين هما: «الحداثات البديلة»، و«الحداثات المتعددة»، ومن ثمة المساهمة في إضاءة بعض الجوانب النظرية المرتبطة بهذا الموضوع الحيوي، بالنظر إلى ما له من انعكاسات على واقع الأفراد والجماعات. ولأجل ذلك، ستعالج الدراسة ثلاث مسائل مترابطة؛ تتعلق المسألة الأولى بالإطار النظري الذي فهم فيه الغرب الحديث نفسه عبر التاريخ، وتتعلق الثانية بمفهوم «الحداثات البديلة» وفحواه وضرورته، ثم ستنظر المسألة الثالثة في مفهوم «الحداثات المتعددة» كما تم استعماله عند السوسيولوجي شموئيل نوح إيزنشتات).2010–1923(Shmuel N. Eisenstadt
أولا: الإطار النظري المؤسِّسُ لفهم الحداثة، أو الهويّة الميتافيزيقية للغرب
تشكلت «الهوية الميتافيزيقية» للغرب الحديث عبر مسار طويل، وهو الذي يوصف وضعه اليوم وفق أنسوجةِ مَعنى سُداسيةِ التَّركيبِ؛ إذ هو تحديدًا: «ديمقراطي – فرداني – دولتي – تاريخي – تقني – رأسمالي». يعود غوشيه، على سبيل المثال، بهذا التاريخ إلى ما قبل نشوء الدولة في القرن الثلاثين قبل ميلاد المسيح، ويصف ذلك التاريخ الواقع قبل مجيء الدولة، وهو تاريخ المجتمعات البدائية، ب «القارة المجهولة»، وهي التي يكتفي بوصفها اعتمادًا على مقولات مثل «الارتهان»، و«المحايثة»، و«التَّكرار»، و«المحافَظة». وتأتي هذه المقولات في الجهة المقابلة لمقولات أخرى، هي: «الاستقلالية»، و«التعالي»، و«التغيير»، و«التاريخية». ويكمن الفرق بين الأولى والثانية في ما يؤسس نظريًّا لاختلاف مجتمع قديم عن مجتمع حديث يسمه التغيير على نحو مؤسس لكينونته، بحيث صار هذا التغيير اليوم إطارًا عامًّا تعيش في ظله المجتمعات الغربية، وسائر المجتمعات غير الغربية كذلك، بدرجات متفاوتة.
(4) Gauchet, p. 136.
إذا كان غوشيه يجعل نشوء الدولة عاملً حاسمًا في إخراج المجتمعات من حالة السكون إلى حالة
الحركة المتواصلة (التي أثرت في تصور الإنسان للمقدس وللرابطة الاجتماعية ولذاته، وكذلك لعلاقته بالطبيعة؛ إذ يعتبر الدولة مُحولً قُدّاسيًّا Sacral Transformateur، وهذا من منظور المدة الطويلة
durée Longue، فإنّ علة التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السريعة التي عرفتها هذه المجتمعات، في المدة القصيرة، إنما ترجع إلى مَقدَم الرأسمالية الصناعية في أوروبا القرن التاسع
عشر. أما النتيجة العامة لذلك، فهي مجاوزة الأشكال التقليدية للحياة، أو تحويلها تحويلً شاملً، عبر مسار متواصل من التطورين الصناعيّ والسياسيّ. انشغل كثير من المفكرين والمنظرين الغربيين في الحقلين الاجتماعيّ والسياسيّ، إبان القرن التاسع
عشر وبداية القرن العشرين، بفهم طبيعة هذا التغيير ومساره الذي تحقق بموجبه الانتقال من مجتمعات ما قبل صناعية إلى مجتمعات يحكمها النظام الصناعيّ الحديث. ونجد، من ضمن هؤلاء، كارل
ماركس Marx Karl (883–18181)، وماكس فيبر، وإميل دوركايم Durkheim Emile (917–18581)، وأوغست كونت Comte August (857–17981)، وجورج سيمل Simmel George (918–18581)، وفردناند تُونيز Tönnies Ferdinand (936–18551)، وآخرين غيرهم، بذلوا جهودًا كبيرة في فهم طبيعة
التحولات الطارئة على مجتمعاتهم، وصاغوا، في محاولاتهم تلك، النماذج والفِكَر، وأبدعوا المفاهيم
ووضعوا المصادرات الفلسفية، وأطلقوا التعميمات، وأسَّسوا المناهج والرؤى التي ما زالت تغذي
النقاشات داخل حقول العلوم الاجتماعية وتوجِّهها إلى اليوم. ترى، في هذا السياق نفسه، أستاذة الدراسات ما بعد الاستعمارية في جامعة سَاسِيكس Sussex
الإنكليزية غورمندر ك. بمبرا Bhambra. K Gurminder، وهي من أصول هندية، أنّ نمطًا خاصًّا من
التفكير نشأ خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، هو ما شكّل الأساس النظري الذي من خلاله ترى الحضارة الغربية نفسها اليوم، وهي تدخل في علاقة مع المجتمعات والشعوب الأخرى. وتَحصرُ
السمات الأساس للبراديغم الناشئ في اثنتين، هما؛ أولً: التسليم بحصول قطيعة مع الماضي جعلت العالم الحديث في انفصال عن الماضي الذي تقدّمه، ثانيًا: التسليم بفرادة «الغرب»، وباصطناعه
شكلً متميزًا للمجتمع. وكان هذا هو الأمر نفسه عند المؤرخ الأميركيّ هايدن وايتHayden
White (2018–1928) الذي رأى أنّ هذه الطريقة في التفكير، لا تسم فقط علاقة الغرب بالثقافات أو الحضارات التي تقدّمته، وإنما تسم كذلك علاقته بالحضارات التي تعاصره في الزمان وتجاوره في المكان. تؤكد بمبرا أنّ الاختلافات القائمة، مثلً، بين دوركايم وفيبر، أو المنظرين الأوائل مثل سان سيمون Saint–Simon (825–17601) وأوغست كونت، لا تُخفي حقيقة أنهم جميعهم أيقنوا بكونهم يعيشون تحوّلً عظيمًا في التاريخ، وأنهم كانوا منشغلين بفهم كيفية حصول ذلك التحول، وبالسبيل المؤدي إلى
الدفع به ليبلغ غايته. ورغم أنهم قد اختلفوا في تأويلاتهم لِمَا تكون «الحداثة»، فإن تأويلاتهم كانت
(5) Gurminder K. Bhambra , Rethinking Modernity: Postcolonialism and the Sociological Imagination (London: Palgrave Macmillan, 2007), p. 34.
مطبوعة دائمًا بتمييز مفهومي واضح بين «ما قبل» و«ما بعد». وأما التاريخ فقد نُظر إليه بوصفه جُماع مراحل تُمثِّل كل مرحلة جديدة من مراحله تقدّمًا بالنسبة إلى الأخرى التي تسبقها، ولا تستثني بمبرا ماكس فيبر من هذا الفهم ذي المَنزَع التقدميّ؛ إذ رغم محاولته الابتعاد عن التأويل الخطّي وأحادي
الوجهة للتقدم التاريخيّ، فإنه لم يخرج عن التحيز القِيمي للغرب من جهة ما هو غاية ما يُمكن أن يبلغه أيّ تطور ممكن. بقيت هذه المسلمات حاضرة في السوسيولوجيا من جهة ما هي مبحث معرفيّ، بل إنها صارت جزءًا لا يتجزأ من الفكر الاجتماعيّ برمته، ولذلك عقدت بمبرا العزم على منازعة الغربيين هذا الفهم، ومقاومة نتائجه التي يمكن اختصارها في مفهوم جامع، هو «المركزية الأوروبية» التي تُقدّم لها تعريفًا جديدًا ومركَّزًا، بديلً ممّا قدّمه السوسيولوجيّ الأميركيّ إيمانويل والرشتاين Wallesrtien Immanuel (2019–1930)، حتى إنْ أقرّت بأنها تتفق معه، ترى فيه أن «المركزية الأوروبية هي الاعتقاد، سواء أكان خفيًّا أو غير ذلك، بالمدلول التاريخي العالمي للوقائع التي يُعتقد أنها تطورت على نحو ذاتي في
حاضِنة المجال الثقافي – الجغرافي لأوروبا». لقد سعت بمبرا إلى مناهضة هذه المركزية المزعومة وإلى الاعتراض على «حقيقة تمَيُّز أوروبا» من جهة ثقافتها ووقائعها، وعلى «حقيقة» التطور المستقل للوقائع وللمفاهيم وللنماذج. وتوجهت في النهاية إلى الاعتراض على «حقيقة أوروبا ذاتها»، من حيث هي كيان متناسق، ومحدّد، يمنح صورة عمّا سبق. فكان نهجها في العمل قائمًا على تحويل «الحقائق» إلى مزاعم، بحيث يسهل تفنيدها ما دامت المزاعم لا ترقى إلى أن تكون ذات مصداقية. وقد نجحت في هذا العمل، حتى احتفى العالم الأنكلوسكسوني بكتابها أيما احتفاء، وهو الكتاب الذي جمعت فيه كثيرًا من المعطيات التاريخية واستثمرتها بدقة بالغة. تَبيّن، إذًا، أنّ ثمة حاجة ملحّة إلى إصلاح الفهم، وإلى إعادة بناء المصادرات وتجديد المقاربات، وهذا
أمر لا يتم إلا في إطار نقدٍ يضع نُصب عينيه كل ما تم اعتباره – في زمن مضى – أمرًا كونيًا وصالحًا لكل زمان ومكان، رغم أنّ مصدره وشروطه لا تخص إلا أوروبا أوّلً، ثم الولايات المتحدة الأميركية ثانيًا. ونحن نجد أنّ هذه الحاجة باتت تحظى باعتراف كبير، وأخذت تترسّخ في هذه الآونة الأخيرة. ويظل أنتوني غيدنز هنا أحد أبرز المنظرين الاجتماعيين المعاصرين الذين انشغلوا بهذا النشاط المتعلق بإعادة
(6) Ibid., p. 35. (7) Ibid., p. 5.
(((إن كتاب بمبرا سجالي في طبيعته، وله طموح كبير واسع لإعادة التفكير جذريًا في المزاعم الأوروبية المتعلقة، مثلً، بخطاب
النهضة المسيطر من جهة اعتبارها «حديثة» و«أوروبية»، وامتحان المزاعم التي اصطنعها عنها متبحرون في العلوم المختلفة، بالنظر إلى مدلولها التاريخي وأصولها الداخلية–الذاتية، واكتمالها الثقافي... إلخ. وهي تسعى إلى تفنيد تلك المزاعم التي تقوم على استبعاد التأثيرات غير الأوروبية، وتجاهل التفاعلات التاريخية الحاصلة مع حضارات أخرى، كالعربية مثلً، من كل تواريخ النهضة،
وساندها في ذلك مختصون كبار في الإنسانيات نذكر منهم فقط كرايمر Kraemer ومقدسي Makdisi.
البناء والتجديد، ويقف إلى جانبه في هذه المهمة، في حقول الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، مختصون كبار وضعوا تصورًا مبتكرًا ل «الحداثات المتعددة»، مثل الأخوَيْن جين وجان كوماروف
Comaroff John and Jean اللَّذين رفضا الفكرة التي تزعم أنّ الحداثةَ نقطةُ الوصول التي ينبغي على الشعوب غير الأوروبية أن تتطلع إليها، فتسير نحوها بثبات. كما رفضا الاعتقاد أن الحداثة على النمط الغربي هي غاية ما يُطلب. من هنا، دافع غيدنز عن تصور مخصوص للحداثة، لا يحصرها في منطق الهوية والتطابق، بل يراها تتشكل من أنساق كوكبية متباينة ودينامية ومتعددة الاتجاهات، فالحداثة ينبغي أن تُفهَم بصيغة الجمع، لا المفرد. وقد دافع عن هذا التصور نفسه أكاديميون آخرون مثل الأنثروبولوجيّ الهولندي بيتر فان دير فيير Peter
Veer der van الذي ذهب إلى ضرورة الخروج من مآزق الحداثة الأوروبية، ومن المركزية الأوروبية، وأكد الحاجة إلى فتح أفق التفكير في الدلالة التي تكتسيها مواجهة الحداثة الأوروبية للمسارات التاريخية في مناطق عديدة من العالم، وكذا أشكال تعقدها وتنوعها. كما نافح عن ضرورة الحفاظ على معنى فرادة أوروبا، غير أن هذه الأمور كلّها تبقى رَهينة التفكير في مفهوم «تعدد التواريخ» بدلً من الكلام عن «حداثات متعددة».
ثانيًا: الحداثة والحداثات البديلة
فرَض واقع الحضارة المعاصرة على المجتمعات البشرية اليوم أن يدخل بعضها في علاقات إزاء بعض،
وأن تنسج الروابط فتتبادل الخيرات والخدمات، وتعيش داخل نظامٍ اقتصادي كوكبي، وداخل أسواقٍ مالية كوكبية، وتقيم أشكالً للتعاون عابرة للأوطان، لتعيش تحت تأثير مؤسسات اقتصادية عالمية، تحدّد طبيعة الخيارات الاستراتيجية التي ينبغي اتباعُها في كل بلدٍ، بُغية تحقيق مطلب التنمية الشاملة التي صارت لها مؤشرات عالمية مضبوطة. ومن ثمة، صارت هذه الأمور هي الواقع الذي نُفرد له وصف «العولمة» لكي نشير إليه، حتى إنْ كان فهمُ العولمة على هذا النحو الذي يركّز على وجهها الاقتصادي يَلقى من الاعتراضات أشدّها؛ إذ يبدو أنه أسهم بدرجة كبيرة في طمس أشكال التفاوت واللاتكافؤ والعنف المدمِّرة للبشر وللبيئة التي جلبتها العولمة معها. من الواضح، إذًا، أن المجتمعات المعاصرة قد صار بعضها اليوم أكثر اعتمادًا على بعض، وأن العالم أضحى مكانًا يُعزِّز حظوظ البشر في الاعتراف والامتنان لإنسانيتهم المشتركة، كما أن التحولات
المتنامية التي تشهدها البنيات الاجتماعية التي جاءت باسم العولمة قد أتاحت الدَّفق الكوكبي للفِكَر
والخِبْرات، والتطورَ السريع للتكنولوجيات التي مَكنت البشر جَميعَهم من التمتع بأشكال عظيمة من
الحرية والمساواة. ورغم هذه التحولات غير المسبوقة. وبغض النظر عن تلك التطورات المهمة، ثمة
(9) David Held et al., Social Theory of Modern Societies: Anthony Giddens and his Critics (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), p. 9. (10) Jean Comaroff & John Comaroff, Modernity and its Malcontents: Ritual and Power in postcolonial Africa (Chicago: University of Chicago Press, 1993).
أسئلة تبقى عالقة ينبغي التفكير فيها. وهي أسئلة ذات صلة بالأبعاد السياسية والثقافية والأيديولوجية والتكنولوجية والبيئية للعولمة، إلى جانب بعدها الاقتصادي ذي الأولوية، والذي تُركز عليه معظم الدراسات حول الموضوع. نحسب أن الدافع إلى هذه الأسئلة العالقة يتجلى في النزعة التحديثية التي تتيحها العولمة، وهي تتجلى في عملية الارتقاء بمناحي الوجود البشريّ. بحيث يصير «التحديث» هو «مجموع مسارات التغيير واسع النطاق الذي عبره يَتطلَّع مجتمع ما إلى اكتساب السمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
والثقافية التي تُعتبر خاصة بالحداثة». ومهمَا يكن من أمْرِ وصفِنا هذا، فإن العولمة والتحديث يحيلان على أصل واحد هو «الحداثة»، بصفتها ذلك المفهوم الشامل لتلك المعاني، وتلك الخلفية
المفسرة لحركة التاريخ في مجتمعات أُولى شكَّلت حول نفسها تصورات متماسكة كما بيَّنا سابقًا، أو
في مجتمعات ثانيةٍ قُدّر لَها أن تسلك طريق الحداثة؛ إذ تَحسبُها مَظنَّة ما ترنو إليه من تقدّمٍ وازدهار وهي
المتخلفة والمتأخرّة، أو النامية والصاعدة، أو العالَمثالثية. تباينت الرؤى حول ماهية الحداثة، وكذلك حول «تقييم مفعولاتها»، بيد أنها ارتبطت، عمومًا، في الدراسات التاريخية، بالتنوير. وارتبطت في حقول كثيرة، في ما يسمى بالتقليد الأنكلوسكسوني، بالإنسانيات Humanities، حتى غدا كل مفهوم منهما يستدعي الآخر ويحيل عليه، بل إن نقطة بداية الحداثة هي ما يُشار إليه بحركة التنوير ذاتها التي حدثت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى الحد الذي صار فيه الإقرار بهذا الأمر جزءًا من البداهات المستقرة. وإذا كان التنوير يُعرف ببداهة
الرجوع إلى العقل، وتنصيبه حكَمًا في أمور الحياة كلها، فإنه في المقابل لا يعدم الميل إلى فحص هذه البداهة وتقليب النظر في أوجهها والتشكيك في صلاحيتها، ومن ثمة تقويض الأساطير المؤسِّسة
للحداثة، أو بالأحرى المؤسِّسة لفهمنا لما تكونُ الحداثةُ عبر إعادة بناء حقائق التاريخ. فكان منطلقُ هذا الفحص، عند البعض، سؤالً هذه صيغته: ما هو الطابع العام للظاهرة الفكرية التي تُسمّى التنوير؟ ليس قصدنا تتبع هذا النقاش الذي يخص هذه المسألة بالذات، فحسبنا ها هنا تركيز النظر في التلازم الحاصل بين الحداثة والعقل والتنوير، وفي نتائجه. فقد صار التلازم، بل الاستلزام كذلك، هو المآل المحتوم لهذه المفاهيم الثلاثة في إطار نظرية ما بعد الحداثة، أو الحداثة البَعْدِيَّة، بدءًا من سنوات
السبعينيّات من القرن الماضي، التي بلغ فيها هذا الضرب من التأويل أوجَهُ. لقد ظُنّ أن الحداثة هي
التي مهدت الطريق لما بعد الحداثة، بحيث أقرَّ مفكرو ما بعد الحداثة، مرارًا وتكرارًا، بأن «الدَّنيوة»
و«التنوير» اللذين يقودهما العقل، هما المنبعان الوحيدان للحداثة. وبهذا مهدوا لأنفسهم سبيل إصدار حكم الإدانة على الحداثة وما تلَاها، لأنها في اللحظة التي تفترض الاعتماد على العقل وتتخذه حَكمًا
(11) Manfred B. Steger, Globalization: A Very Short Introduction (New York: Oxford University Press, 2003), p. 13. (12) Alberto Martinelli, Global Modernization: Rethinking the Project of Modernity (London: Sage Publications, 2005), p. 14. (13) S.T. Barnett, The Enlightenment and Religion: The Myths of Modernity (Manchester/ New York: Manchester University Press, 2003), p. 10.
على السلوك البشري، لم تتبيّن أن هذا الاعتقاد لم يكن عندها مؤسّسًا تأسيسًا كافيًا يمكّن من تفادي
نتائجه الضارة. ومن هنا، طفق مفكّرو ما بعد الحداثة يقدّمون الحجة تلو الأخرى على إثبات واقع فشل المشروع الحديث الذي لم يجلب معه الأحلام السعيدة للعقل فحسب، بل أتى بالحرب والمجاعة والمرض والكارثة البيئية. شهد الكلام عن الحداثة في يوم الناس هذا منعطفات ومراجعات مهمة غيرت كثيرًا من تصوراتنا
ومقولاتنا القبلية عنها، حتى ظهرت محاولات جادّة لمراجعة ما تراكم حول هذا المفهوم من رؤى ودلالات. ونذكر، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب الخطى الشمالية نحو الحداثة الذي يؤكد فيه أصحابه أن دول الشمال الأوروبي الخمس (الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد) قد شكّلت نموذجها الفريد للحداثة، بناءً على ما أضحى يجمعها من تقاليد وعادات ثقافية وبنيات مؤسسات
ولغات، وتعاون وثيق تبلور منذ العصر الوسيط المتأخر (القرن الرابع عشر)، واتسع نطاقه بُعيد الحرب الكونية الثانية حين اتجهت جهود هذه الدول الإسكندنافية نحو إقامة كيان سياسيّ موحد. والمقصد
العام من الكتاب هو إثبات التمايز القائم، في قلب الحداثة الأوروبية ذاتِها، بين دول الشمال والغرب والوسط، وإبراز وجوه الحداثات الأوروبية المختلفة، وأنّه لا وجود لحداثة واحدة ووحيدة (أي بصيغة المفرد). انبرت، غيرَ بعيدٍ عن هذا الرأي، أصوات عديدة في الغرب والشرق معًا، تتكلم عن الحداثات البديلة
Modernities Alternative، لا من أجل الإيحاء بنهاية الحداثة، أو ما سماه جون فرنسوا ليوتار تحديدًا «السرديات الكبرى»، بل لكي تفتح أفقًا آخر للتفكير في الحداثة من منطلق المُبايَنةِ والاختلاف. فهذا
ديلب بَرمِشورا غَونكار Parameshwar Dilip Gaonkar ذو الأصول الهندية، وهو أستاذ كرسي البلاغة
والثقافة العامة في الجامعة الأميركية University Northwestern، مثلً، يرى أنّ مكان نشأَة الحداثة هو الغرب في قرون قد خلت، وفي ظروف سوسيوتاريخية خاصة نسبيًّا، وأنها لم تأتِ فجأة، بل إن
مَقدمها كان على نحو بطيء، وأن الوعي بها قد حصل خطوةً خطوةً عبر الاتصال الحضاري، كما أن نقلها قد حدث في أول الأمر عبر التجارة. وها هي الآن تواصل ذيوعها في بقاع العالم بين الشعوب والأمم، بواسطة وسائل الإعلام الكوكبي والهجرة ورأس المال، وهي مصحوبة أحيانًا بضرب من الكلام المُرصع والطوباوي والوعود الكُبرى. وحتى إن لم يعد الغرب هو وحده اليوم مصدر هذا الضرب من الكلام، فإنه يبقى، رغم كل شيء، بيت المقاصّة الأعظم للحداثة الكوكبية. هكذا، اختار غَونكار أن يعبّر عن الوضع الراهن بلغة أهل الاقتصاد، وكأنه يرمي إلى الموازنة ها هنا بين وجهَي الحداثة؛ السّيئ
منهما، والحسن.
(14) Ibid., p. 12. (15) Jóhann P. Árnason et al., The Nordic Paths to Modernity (New York/ Oxford: Berghahn Books, 2012). (16) Ibid., p. 10. (17) Dilip P. Gaonkar, "On Alternative Modernities," in: Dilip P. Gaonkar (ed.), Alternative Modernities (Durham: Duke University Press, 2001), p. 3.
من أجل استدماج طريقة التفكير التي تخص «الحداثات البديلة»، وإيجاد مخرج لإنسانية اليوم من مآزق الحداثة الأوروبية الحالية، يقترح علينا غَونكار الاعتراف بالحاجة إلى مراجعة التمييز القائم بين دلالة «التحديث المجتمعيّ» ودلالة «الحداثة الثقافية»، لأن هذا التمييز لم يكن ضروريًا إلا في حضرة
سردية لا تُقاوَم، وشديدة الخداع، تنحصر في إقامة الميز بين ضربَي الحداثة الجيد والسَيّئ. وبعبارة
أخرى، لا بدّ من مراجعة هذا الحُكم ذي الوجهين الذي لا يُصدره شخص، أو مجتمع ما، إلا استنادًا
إلى الوضع الذي يتَّخذه في الوجود وحَساسِيَّتِه تجاهه. وتعود دلالة التحديث المجتمعي في تقدير
غَونكار إلى ما سماه «الفهم الذاتي المثالي البرجوازي» للحداثة الذي ارتبط تاريخيًا بتطور الرأسمالية
في الغرب، وأوجد نمطًا متميزًا من الإنتاج، وخَلق نوعًا جديدًا من «الذات الإنسانية» تنبسط بصفتها ذاك الفاعل الذي يتصوّر نفسه حرًّا إزاء القيود كلِّها التي يفرضها التقليد لكي يَجري وراء غاياته الخاصة. أَنشأَ هذا التحديث قاعدة من التحولات ذات طبيعة معرفية واجتماعية في آنٍ، بحيث تتضمن التحولات المعرفية، أو تستلزم، نمو الوعي العلمي وتطور الرؤية الدنيوية، والاعتقاد في مذهب التقدم، وأولوية العقلانية الأداتية، وانفصال الواقعة عن القيمة، والفهم الفردانيّ للحياة، والفهم التعاقدي
للمجتمع... إلخ. أما التحولات الاجتماعية، فترجع إلى مأسسة اقتصادات صناعية يوجهها السوق Market–driven industrial economies، وبروز دول منظمة وفق نمط الحكم البيروقراطي، وأنماطٍ من الحكومات الشعبية، وحكم القانون، ووسائط الاتصال الجماهيري، والحركية المتزايدة للأفراد والأدب والتمدين، وقد اعتُبِرت هذه التحولات مكسبًا متجانسًا وسليمًا. ضدًّا لهذا الفهم البرجوازي للحداثة، قامت الحداثة الأخرى – وهي الحداثة الثقافية – مُعترضة؛ إذ ظهرت في البداية داخل المجال الجمالي، وتزعمتها مجموعات متنوعة، وأحيانًا متنافسة من الكتاب الطلائعيين والفنانين، منذُ الرومانسيين في نهاية القرن التاسع عشر. وقد تبنّتها واهتمّت بها، تدريجيًا،
وسائط الاتصال الجماهيري الإخبارية الشعبية، وقنوات الترفيه والفن التجاري. وهكذا، اخترقت الحداثة الثقافية الحياة اليومية للشعوب وغزت حميمية الأفراد. يتبنى غَونكار، في آخر تحليلاته، فهمًا للحداثة يتماشى مع تحليل ميشيل فوكو للمفهوم في قراءته لنص كانط «ما التنوير؟»؛ إذ يعدّ الحداثة موقفًا في مساءلة الحاضر، فيبدأ كشفُه فحوى الحداثات البديلة بالاستفهام التالي: ما هو الوضع الذي يوجد عليه هذا الموقف اليوم؟ ويمضي قُدمًا نحو تحصيل الجواب بالقول إن موقف مساءلة الحاضر اليوم يشمله وصفان يبدوان متعارضين: فهو غازٍ مُكتسِحٌ ينتشر مثل العدوى، وهو يبدو مُحاصرًا أو في ورطة. إنه غازٍ لأن الحداثة أضحت كوكبية،
وهو محاصَر لأنه أمسى يواجه معضلات يبدو أنها غير قابلة للحل. وبناءً على ذلك، يرى أنّ البداية
البكر للحداثات البديلة تجد أصلها في هذه المساءلة المستمرة والعنيفة أحيانًا للحاضر، وتحديدًا بسبب أن هذا الحاضر يُعلن عن نفسه اليوم من موقع أنه يكتسي سمة «الحديث» بالنسبة إلى كلّ موقع قومي وثقافي. وفي هذا الإطار يمكن أن تُفهم الحداثات البديلة، وإسهاماتُ كبار المنظرين
(18) Ibid., p. 20.
الذين وضعوا أسس هذا الفهم الجديد. ويُذكَر منهم اثنان: السوسيولوجي الإنكليزي بول جيلروي Gilroy Paul، والسوسيولوجي الهندي، وعضو الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم منذ سنة 9971، أرجون أبَّدُورَاي Appadurai Arjun، وهما غير محسوبين على الغرب، ويمكن المنظور الذي يتبنيانه أن يُفضِي إلى أقلمة الحداثة الغربية كما ورد في تعبير المؤرخ الهندي الشهير دِبيش شكربرتي Chakrabarty Dipesh، وذلك من خلال التفكير في أشكال فهم هذه الحداثة لذاتها، وضد الأشكال الراسخة لهذا الفهم. يتلخص موقف غَونكار من الحداثة في قوله إن: «الحداثات البديلة تُنتج توليفاتٍ وتوليفات مُتجددة لا تَنتَهي مفاجآتها [...] والحداثة في كل مكان، وفي كل موقع وطني/ ثقافي، ليست واحدة بل [هي أنواع] شتى، ليست الحداثة جديدة، بل قديمة ومألوفة، إن الحداثة غير مكتملة، وهي بالضرورة كذلك». يُفضّل، في هذا السياق ذاته، الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور Taylor Charles، الحديث عن فكرة الحداثات البديلة بدلً من الحديث عن الحداثة بصيغة المفرد، ويعتبر أن فهم الغربيين للحداثة قد تحقق انطلاقًا من زاويتين: الأولى يُسميها «النظرية الثقافية للحداثة»، والثانية «النظرية اللاثقافية». يقصد بالأولى نموذجًا نظريًا يصف مُجمل التحولات التي كان الغرب الحديث مسرحهَا، وتحديدًا نشوء ثقافة جديدة؛ إذ إن العالم الأطلسي المعاصر يُنظر إليه بوصفه ثقافةً، أو مجموعةً مغلقةً من الثقافات، المرتبطة فيما بينها، تحوز فهمًا خاصًّا بها لمعاني الشخص والطبيعة والخير... إلخ. ويمكن هذه الثقافة أن توضع في تقابل مع كل الثقافات الأخرى التي تُجاورها في المكان، أو حتى الحضارات الغربية نفسها التي تَقدَّمتها في الزمان. في مقابل ذلك، تصف النظرية غير الثقافية تلك التحولات من زاوية تأخذ في الاعتبار تلك العملية المحايدة ثقافيًّا التي أدت إليها، وبهذا تكون الحداثة مُختزَلة في عملية لا تَحدُّها حدود الثقافات. بل
يُنظر إليها بصفتها نمطًا في الوجود يمكن أن تختبره أيُّ ثقافة، ويذكر مثالً على هذا النمط غير الثقافي للنظرية هو ازدهار الوعي العلمي، أو تطور الرؤية الدنيوية، أو نشوء العقلانية الأداتية، أو النظر إلى الحداثة من جهة التغيرات الاجتماعية والفكرية، أي من وجهة نظر تحولاتٍ يُفترض أنها جاءت نتيجة الحركية المتزايدة للمجتمع، أو تركيز الساكنة والتصنيع، أو ما شابه ذلك، ويتم في هذه الحالات كلّها تصوّر الحداثة بوصفها مجموعة من التحولات التي يمكن أن تَمُرَّ منها أيُّ ثقافة، والتي ربما تكون كلها، في المستقبل، مُجبرَة على اختبارها. لا تربط النظرية غير الثقافية للحداثة تلك التغيرات بوضعية اجتماعية خاصة، أو بسياق ثقافي محدّد، بل إنها تصفها كأنها نوع مخصوص من التحوّل، في وسع أيّ ثقافة أن تكون هي نفسها المدخل
(19) Dipesh Chakrabarty, Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000). (20) Gaonkar, p. 35.
إليه، أو حقلها التجريبيّ. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تعاني أيُّ ثقافة أثر ما يخلّفه نمو الوعي
العلمي، كما يمكن أن يشهد أيُّ دين صيرورة الدَّنيوة، ويمكن أن تواجه أيُّ مجموعة من الغايات القصوى تحدي التفكير الأداتي، كما يمكن أن تتزعزع كل ميتافيزيقا إذا تمَّ فصل الواقعة عن القيمة. ويمكن القول، في إيجاز، إنّ الحداثة في هذه النظرية اللاثقافية تُفهم بصفتها منتوجًا خالصًا للعملية العقلانية أو الاجتماعية المحايدة ثقافيًّا. هكذا يحصل مفهوم «الحداثات البديلة» عند تايلور على مشروعيته، لأنّ الفيلسوف يَنتقد تسَيُّد
هذا الفهم غير الثقافي للحَداثة على القرنين الأخيرين بدءًا بألكسي دوتوكفيل ومفهوم «الديمقراطية
الزاحفة»، وإميل دوركايم ومسار تحول المجتمعات من نمط «التضامن الآلي» إلى نمط «التضامن العضوي»، وانتهاءً بسياق العولمة المعاصر الذي يتجه فيه الكل إلى مشاكلة الكل، والذي يرى أن هذا الفهم المهيمن لا يُفيد سوى المجتمعات غير الحديثة التي هي في طريقها نحو تحقيق نوعٍ من التَلّاقي والتجانس مع نموذج الحداثة الغربية الأسبق في الزمان. يؤكد القول بأطروحة «الحداثات البديلة» عند تايلور أنّ أنحاء تكيّف المجتمعات التقليدية مع الحداثة
ليست أنحاءً متشابهة، وأنها لن تكون كذلك في المقبل من الأيام. والواقع أن أمورًا تتلاقى هنا، في حين أنّ أمورًا أخرى تتمايز هناك، وأنه من الملائم القول إن المؤسسات والممارسات تتلاقى، في حين أن الثقافات تتخذ أشكالً جديدة للتباين. وكما أنّ التحديث لا يَعني التنميط، فإن الحداثة كذلك ليست واحدة. ومن الأمثلة المبيِّنة لذلك ما يمكن التعبير عنه ب «إنشاء المقاولة»؛ إذ لمّا كان هذا الإنشاء شرطًا
لازمًا للمشاركة الناجحة في السوق، والمقاولة هي شرط النمو الاقتصادي (الرفاه والسلطة)، فإنه من الواضح أن الثقافات المقاولاتية Cultures Entrepreneurial، أو ثقافة الاستثمار في مجتمعَي اليابان والصين مثلً، تختلف عن الثقافة نفسها في الغرب، مثلما تختلف طبقة التجار الهنود عن طبقة التجار الغربيين، بل إن ثقافة الأعمال تتباين حتى بين مجتمعات المنطقة الأطلسية ذاتها. ويذهب تايلور كذلك إلى أن الثقافات المقاولاتية تشهد فروقًا في الشكل مثل الفروق الواقعة في حَجم المقاولة، وفي الأساس الذي تقوم عليه الثقة داخلها، وأنماط الإجراءات والمساطر المتبعة في كل ثقافة على حدة. صحيح أن الثقافات يستعير بعضها من بعض ويستلهم بعضها من بعض أيضًا، إلّ أن هذا لا يعني إمكانية التقائها يومًا ما في نمط واحد، أو أنها سوف تتجه نحو ذلك في مقبل الأيام.
ثالثًا: الحداثات المتعددة: أصل الفكرة ورهانات النموذج
تعود فكرة «الحداثات المتعددة» زمنيًا إلى شتاء سنة 2000، حين نشرت مجلة ديدالوس Daedalus
عددًا يحمل العنوان نفسه، تلا – بعد سنتين فقط – عددًا آخر في موضوع «الحداثات المبكرة»
(21) Charles Taylor, "Two Theories of Modernity," in: Gaonkar, Alternative Modernities , p. 184. (22) Ibid., p. 195. (23) Daedalus: Journal of the American Academy of Arts and Sciences , vol. 129, no. 1 (Winter 2000).
Modernities Early، فشاع منذئذ استعمال مصطلح «الحداثات المتعددة» في حقل العلوم
الاجتماعية، وأقيمت في شأنه مشاريع بحث ضخمة، وانعقدت حوله مؤتمرات وندوات، وأ لّفت في موضوعه مقالات وأسفار. وقد كان المؤتمر الدولي الذي دعا إليه معهد الاستراتيجية لمجموعة
عاملً حاسمًا في The Strategy Institute of The Boston Consulting Group بوسطن الاستشارية
جعل مصطلح «الحداثات المتعددة» يأخذ طريقه إلى الاعتراف به على نطاق واسع. انعقد المؤتمر في مدينة برلين، وتحديدًا في معهد البحث في العلوم الاجتماعية المستقل ذي الصيت العالمي Wissenschaftszentrum Berlin، والمعروف أيضًا اختصارًا بحروفه الثلاثة: WZB، في الحادي والعشرين أيار/ مايو 2001، وقد كان عُنوانه أيضًا «الحداثات المتعددة». جمع هذا المؤتمر
أعلامًا بارزين وروادًا دوليين في العلوم الاجتماعية، وقُدمت فيه أوراق بحثية جُمعت فيما بعد في سِفْر
ثري، بإشراف السوسيولوجي الإسرائيلي شموئيل إيزنشتات. أسهم مؤتمر برلين كثيرًا في اشتهار مفهوم «الحداثات المتعددة»، وفي جعله يتخطى حدود العناية التي
أولتها مجموعة بوسطن مسألة الاستراتيجية. وفي تقدير إيزنشتات نفسه، مكّن التعاون مع باحثين وأكاديميين من مختلف التخصصات المجموعةَ نفسها من تطوير فهمٍ غني للاستراتيجية وللمناخ الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ لمجال الأعمال والاستثمار الماليّ. لقد كان المؤتمر كذلك، في نظر
السياسي الألماني ورئيس مجموعة بوسطن الاستشارية في ألمانيا (خلال الفترة 992–19811)، بولكو
فون أَوتِنْغَر Bolko Von Oetinger، فرصة سانحة لتسليط مزيد من الضوء على تعقيدات الاقتصاد الكوكبي. وهذا ما جعل فكرة «الحداثات المتعددة»، التي هي مدار النظر فيه، بمنزلة تحدٍّ لضربٍ من التفكير الاقتصادي المُهيمن الذي يسعى إلى توحيد المناخ الاقتصادي بتحديد «قوانين» و«قواعد»
يقبلها الجميع، وقابلة للتطبيق على صعيد كوني، مع إنكار إمكانية تأثير العوامل غير الاقتصادية في القرارات الاقتصادية. وإضافة إلى ذلك، أسهم المؤتمر بقدر كبير في كشف فشل مؤسسات اقتصادية؛ مثل «المنتدى الاقتصاديّ العالمي»، و«صندوق النقد الدولي»، و«منظمة التجارة العالمية»، في تزويد
العالم بتوجيه مفيد Guidance Useful يمكّن مجتمعاته من إيجاد الأسئلة والحلول والمقاربات الملائمة، المفيدة على مستوى مجال الأعمال والسياسات العمومية المتبعة في الدول المختلفة. كما بين أن معظم الشركات الغربية – حتى وهي تحاول استغلال جميع الفرص الكوكبية المتاحة لها من الناحية الاقتصادية – صارت تعي، على نحو متنامٍ، أنّ المجتمعات المختلفة تقتضي أسئلة مختلفة وأجوبة مختلفة، ومقاربات مختلفة أيضًا. وهذا ما بات يستدعي فكرة أننا نعيش في عالم حداثات مختلفة غربية وغير غربية، وأنّ عالم اليوم أعقد بكثير مما يمكن تصوره، ولذلك كان المؤتمر بداية حوار معقد وشائك حول هذه المسائل.
(24) Daedalus: Journal of the American Academy of Arts and Sciences , vol. 127, no. 3 (Summer 1998). (25) Shmuel Noah Eisenstadt, "The Context of the Multiple Modernities: Modernities Paradigm," in: Dominic Sachsenmaier, Jens Riedel & Shmuel N. Eisenstadt (eds.), Reflections on Multiple Modernities, European, Chinese and Other Interpretations (Netherlands: Brill, 2002), p. 1. (26) Bolko Von Oetinger, "The Context of the Multiple Modernities Paradigm," in: Ibid., p. IX.
تكمن المشكلة في عالمنا اليوم إذًا، بحسب أَوتِنْغَر، في وجود هوّة فاصلة بين التأويل السوسيولوجيّ
الرفيع للتاريخ وبين القرارات الدنيوية اليومية المتخذة في مجال الأعمال، وهذان قطبان يتصارعان من
أجل البقاء أو الانتشار، كما تكمن المشكلة في أنّ هذه الهوة يعسر أَن تُردم بِمُجرد وجود قواعد بسيطة أو مفاهيم مجردة فقط، لأنّ الهوة نفسها في حاجة إلى أن تُكشف أولً، فلا حلول سهلة يمكن تصورها في هذا المضمار. كان الهدف من مؤتمر برلين هو البحث عن خريطة طريق للفهم يمكن أن تضيء عتمات الاقتصاد المُعولَم. ولذلك، لم يزعم أصحاب البحوث التي قُدّمت فيه أنّ هناك حلًّ رئيسًا يسمح بالتعامل مع عالم
الحداثات المتعددة، أو أنّ قائمة من الأسئلة قادرة على إنهاء المشكلات كلّها؛ لقد تجسّد هدف المؤتمر
في توفير أرسومة واسعة للتأويلات المختلفة والشروع في الحوار حولها، ولذلك قدّمت الدراسات حدوسًا و«أفكَارًا» ينبغي بسطها والغور فيها، وإشارات لطيفة يمكن الاهتداء بها للوصول إلى تفسير أفضل
لتعقيدات اقتصادنا الكوكبي. من هنا، كان مفهوم «الحداثات المتعددة» واحدًا من التأويلات الكثيرة التي تتنافس على التاريخ، وعلى واقعنا الراهن، وعلى عالمنا المُعولَم، وعلى ثقافته من داخل هذا العالم نفسه. لأننا لا نعلم علم اليقين ما هي الحقيقة؛ إذ تبقى موضوعًا للتأويلات الثقافية. يبقى السوسيولوجي العبري إيزنشتات، واحدًا من أهم منظري «الحداثات المتعددة» في الغرب، وذلك بالنظر إلى مكانته البارزة في حقل السوسيولوجيا منذ الخمسينيات من القرن الماضي. وفي هذا الصدد، يؤكد أستاذ السوسيولوجيا في جامعة غوته بمدينة فرنكفورت الألمانية غِرهارد بريِّير Preyer Gerhard، أنه لا وجود لسوسيولوجي واحد دامت أبحاثه وتنظيراته ما يقارب ستين سنة، مثلما حدث لأبحاث إيزنشتات الذي أسس منذ منتصف السبعينيات مشروع البحث في الحضارات المقارنة، وتزعّم فيه البحث في حاضنة شعبة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الاجتماعية، داخل معهد البحث ترومان في الجامعة العبرية بمدينة القدس. كما أسهم بمقدار رفيع في تكوين النظرية السوسيولوجية منذ بداية اشتغاله في ميدانه. ويظل تميزه مرتبطًا بالانقلاب الذي شهده عملُه السوسيولوجي ومسارُه الفكري على وجه الإجمال؛ إذ تَحوّل اهتمامه في سياق النظرية السوسيولوجية من التحليل المقارن
للمؤسسات، إلى برنامج البحث في الحضارات المقارنة. فحدث أن قادته هذه الخطوة إلى توجيه نقده لنظرية التحديث الكلاسيكية، وقد استعمل فيه برنامج البحث الخاص بالحداثات المتعددة الذي
أسَّسَه في الجامعة العبرية. فما هو مضمون النظرية الكلاسيكية – أو بالأحرى النظريات الكلاسيكية –
وما النواة الصلبة التي تدور حولها فكرته عن الحداثات المتعددة؟
1. نظريات التحديث
احتلت النظريات الكلاسيكية الخاصة بمفهوم التحديث مقدمة المشهد الفكريّ خلال سنوات الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن العشرين. وقد كانت تُعنى ببناء «النماذج المثالية» وتحديد الآليات
(27) Gerhard Preyer, "The Perspective of Multiple Modernities on Shmuel N. Eisenstaedt’s Sociology," Journal of Political and Moral Theory , no. 30 (2013), p. 189.
المجردة الفاعلة في التغيير، وصاغت، كغيرها من النظريات، سلسلةً من الفرضيات والتنبؤات القابلة للتحقق تجريبيًا، وهي تقترح، على نحو ظاهر أو خفيّ، الاستراتيجيات الملائمة لمجاوزة التخلف. لقد
بقيت هذه النظريات قائمة على مُسلَّمة «التَلّاقي» التي تتبنى مصادرةً مفادُها أنّ المجتمعات المتخلفة،
أو النامية، وهي تسير في طريق التحديث، لا وجهة لها إلا نقطة وصول واحدة هي «الحداثة» كما تجلّت في المجتمعات الغربية. وفضلً عن ذلك، يرى مؤلف كتاب التحديث الكوكبي أن الاختبارات
التجريبية التي أُجريت للتحقّق من التنبؤات الخاصة بالتنمية السريعة التي وضعتها تلك النظريات، كانت محدودة أو متناقضة. وأنه حتى إنْ بقي ارتفاع نسبة الإنتاج الوطني لما سمي بالعالم الثالث، في الربع الثالث من القرن العشرين، حقيقةً ثابتةً (بلغ نسبة تُقدر ب 3.4 في المئة، وهي أعلى من نسبة معدّل نمو الاقتصادات الغربية في تلك الفترة)، فإن تلك التنبؤات المتفائلة لهذه الدراسات تبقى مفتقدةً أسَاسًا متينًا، وذلك لأن النمو الاقتصادي لم يجلب معه بالضرورة التحديث المرجو إذا ما نُظر إليه من حيث دلَلتُه العامة، أي من حيث إنه التَّغيير الاجتماعي الشَّامل. كما أنّ النمو الذي حدث على صعيد الإنتاج الوطني في تلك البقاع من العالم، لم يَكن قطّ مصحوبًا بارتقاء في مستوى العيش، وفي مستويات التربية وفي أوضاع الصحة، ولم ينعكس إيجابيًا على انتشار التكنولوجيات الحديثة، أو على
تقوية المؤسسات السياسية. ويُرجِع رئيس المجلس الدوليّ للعلم الاجتماعي International The
ISSC , Council Science Social، الإيطالي ألبرتو مَرْتنِلليAlberto Martinelli سبب هذا الأمر
إلى أنّ العوائق الموضوعة أمام عملية التحديث، وهي تحديدًا: مُقاومة المصالح المكتسبة له ومُمانعة المواقف التقليدية، والنتائج المربكة التي تخلفها النماذج المستوردة، وظواهر الاستعمار الداخلي، قد انتصبتْ معانِدةً التَّغييرَ؛ فصارت أقوى وأشد مما كان متوقعًا من قبلُ. أثار هذا الوضع مَوجةَ انتقاداتٍ واسعة النطاق، وأسهم في تطور موجة ثانية من التنظيرات للتحديث رفضت المقاربة الخاصة ب «النماذج المثالية» وب «المنظور التطوري» التي تهيمن، على نحو ظاهر أو خفيّ، في معظم الدراسات الخاصة بالنظرية الكلاسيكية. وما يهمنا من هذا الأمر هو أنّ مفهوم
التحديث ذاته، وبالنظر إلى أسباب ذات طبيعة ميثودولوجية وأيديولوجية، قد أصابه ضمور في النقاش العلمي منذ نهاية الستينيّات من القرن الماضي، وذلك تحت وطأة الانتقادات الموجهة إليه في ذلك
الإبان من لدن كتّاب من اتجاهات مختلفة. ولا يخرج موقف إيزنشتات كثيرًا عن هذا النقد في تقييمه
لتلك المسألة، بحيث تَعتَبر «النظرية الكلاسيكية» بالنسبة إليه، أنّ البنية الاجتماعية للمجتمعات الغربية قد تأسست من خلال الانقلاب على بِنْيَة الحضارة الأوروبية الوسيطة، وأن البرنامج الثقافي
الذي تحمله تلك المجتمعات الحديثة يتسم بتمايز بنيويّ عن السابقة، ينبسطُ في المجال الاقتصادي والسياسي والعلمي والديني والأنساق التربوية الفرعية للمجتمع. ثم إن مسار التمايز هذا إنما يسير جنبًا إلى جنب مع انتشار التمدن وشُيوع القنوات الخاصة للتواصل ورُسوخ أسلوب حياة فردانيّ
يزداد قوّةً وانتشارًا كل يوم. أمّا مفهوم «الحداثات المتعددة» عند إيزنشتات فيُفهم من جهتَي السلب
(28) Martinelli, p. 53. (29) Ibid., p. 55.
والإيجاب؛ فهو من جهة السلب يقومُ ضد كثير من رؤى السوسيولوجيا الكلاسيكية التي أشرنا إليها من
قبلُ، وضد نظريات التحديث التي تفترض فكرة «التلاقي» الذي ينبغي أن يتم بين المجتمعات التقليدية وهي تسير نحو الحداثة وبين نموذجها القائم في الغرب. وهي الرؤى التي كانت سائدة في فترة ما بعد الحرب الكونية الثانية، وذات تأثير بالغ حينها، والتي تُجمِع على أنّ المشروع الثقافي للحداثة، كما تمَّ
تطويره في أوروبا الحديثة، سوف يسود في كل المجتمعات التي تم تحديثها مثلما سوف تسود مختلف المؤسسات القاعديّة المرتبطة به. يسير مفهوم «الحداثات المتعددة» أيضًا ضد أطروحتين حديثتين عن العالم المعاصر ذوَاتَي تأثير كبير،
هما تلك الخاصة ب «نهاية التاريخ» لصاحبها فرنسيس فوكاياما Fukuyama Francis، وتلك المتعلقة ب «صدام الحضارات»، التي دافع عنها صمويل هنتنغتون Samuel Huntington (2008–1927). كما يُجسِّد قطيعة مع المقاربات الكلاسيكية للسوسيولوجيا الغربية التي تسعى – رغم تمايز مقارباتها –
إلى المطابقة بين التحديث وتنميط العالم Homogenization أو إضفاء التجانس عليه، حتى يصير وضع الثقافات فيه إلى مآل التشابه والمُشَاكلَة. وإجمالً، إنّه مفهوم تم تطويره ضدًّا على إطار نظري
خاص بالأحداث الخاصة بالقرن العشرين وبالتطورات الأخيرة الحاصلة فيه، وبخاصة منها واقع «الدول–الأمم» التي نشأت بعد جلاء الاستعمار، وواقع الدول الثورية ومسار العولمة، وسقوط نظام الاتحاد السوفياتي. لقد أذكت هذه الأحداث شُعلةَ استفهامِ طبيعةِ العالم الحديث والمعاصر الذي بتنا نعيش فيه. أما من جهة الإيجاب، فإنّ مفهوم «الحداثات المتعددة» إنما يقوم على فكرة أن ما يجعل مجتمعًا ما حديثًا، لا ينبغي أن يُحمَل على «المفرد» بل على «الجمع»، وأنّ الطرق إلى الحداثة تتعدد مثلما تعددت
الطرق إلى روما قديمًا. ولذلك تنطوي فكرة «الحداثات المتعددة» على فرضيتين تخصّان طبيعة
الحداثة. تقوم أولاهما على أن الحداثة عبارة عن حضارة متميزة، مزودة بِسمات ثقافية ومؤسساتية، خاصة أنّ هذه الحضارة المتميزة التي تشكلها الحداثة قد ظهرت أولً في الغرب، قبل أن تنتشر في العالم بأسره. ويُذَكِّرنا هذا الانتشار الذي عرفته، بحسب إيزنشتات، بنشوء الأديان الكبرى: المسيحية،
والإسلام، والبوذية، وكذلك الكونفوشيوسية، وبشيوعها في بقاع العالم. وتقوم ثانية الفرضيّتين على
اقتراح أنْ تكون هذه الحضارة والبرنامج الثقافي المتميز والتنظيم المؤسسي اللذان يترتبان عليها، قد تبلورت أولً في أوروبا الغربية، وفي بقاع أوروبا الأخرى، وفي أميركا، ثم في أصقاع العالم بأسره بعد ذلك. فتكون الحداثة بهذا المعنى قد ولَّدَت نماذج ثقافية ومؤسساتية هي في تحول دائم، وهي ليست
سوى بعض أجوبة عن الإمكانات والتحديات الملازمة للأسس الحضارية للحداثة. وبتعبير آخر، إن انتشار الحداثة لم يكن فرصة لوجود حضارة متجانسة ذات نمط واحد وإنما كان، بخلاف ذلك، برهانًا ساطعًا على تبلور حضارات شتى؛ أي حداثات عديدة. يترتب على وجهة النظر هذه التي ينافح عنها إيزنشتات وأَضرابُه من منظري الحداثات
(30) Shmuel N. Eisenstadt, "Une réévaluation du concept de modernités multiples à l’ ère de la mondialisation," Sociologie et sociétés , vol. 39, no. 2 (2007), p. 200.
المتعددة – ومنهم السوسيولوجيون والمؤرخون والخبراء وعلماء الاقتصاد – أن تكون للحداثةِ ماهية حدُّها اجتراح نمط أو أنماط عديدة من الفهم لتأويل العالم، أو – بتعبير كورنيليوس كاستورياديس Castoriadis Cornelius (997–19221) – تكوين متخيل اجتماعي يتركب، أولً، من رؤية أنطولوجية وبرنامج ثقافي متميزين، ويتركب ثانيًا، من سلسلة جديدة من المؤسسات. ويترجم هذان المكونان،
بحسب إيزنشتات، انفتاحًا وارتيابًا غير مسبوقين في تاريخ الفكر البشريّ. يتأسس فهم إيزنشتات للحداثة، كذلك، على ما بسطه الألماني ماكس فيبر من فِكَر (جمع فكرة)، وفيبر هو المفكر الذي يَعده إيزنشتات، بلا جدال، أفضل من صاغ ماهية البرنامج الثقافي للحداثة. والشاهد على ذلك هو استعارَتُه ما قاله جيمس فوبيان عن عمل فيبر، والقصد هو أنّ فيبر قد رأى:
«العتبة الوجودية للحداثة [قائمة] في تفكك ما سماه المصادرة الإيتيقية لعالم أنشأَ إلهٌ فيهِ النِّظامَ، وكوسموس محمول في واقعه بمعنى وإيتيقا يخصانه». ويتابع فوبيان استنتاجه بالقول إن الدخول في الحداثة يوافق ترنّح مشروعية المُصادرة التي بموجبها يتم القبول بفكرة كوسموس سبق أن رتّب
أموره إلهٌ مَا وحدَّد قدَره. وهكذا فإنّ الحداثة، أو نمطًا، منها يبرز فقط إذا ما كفّت الأَفكَار (جمعُ فِكْرٍ) والأذهانُ عن التسليم بفكرة الكوسموس كما هو معطى، بحيث تبدأ في اتخاذ «الاعتراض» نهجًا في التفكير. وبتعبير آخر، تكون الحداثة ممكنة فقط إذا كان الكوسموس الذي يُعتقد أن نظامه قد
وُهب من مصدر براني مُتعالٍ قد صار يوضع على محكّ الاعتراض والمساءلة، بحيث يفقد قدسيته أو كونه مُنزَّهًا. وحول هذه المسألة الحيوية يختلف الحداثيون وأعداء الحداثة أو المناهضون لها، الذين يعترضون على إمكانِ الاعتراض على ما يُحسب أنه وُهب وحُسم أمره إلى الأبد، ويحافظون على اعتقادهم هذا مهما كلفهم هذا الاعتقاد من ثمن. يتأسس فهم إيزنشتات للحداثة كذلك على أعمال الفيلسوف الفرنسيّ كلود لوفور Lefort Claude
924–1910(1)، وخاصة مقالته الكثيفة: «أَهِي استمراريةُ اللاهوتي–السياسي؟» التي بث فيها أهم فِكَرِه بخصوص طبيعة الرابط القائم بين «الديني» و«السياسي»، ومسألة ديمقراطية المحدثين التي جعل ماهيتها كامنة في «المكان الفارغ للسلطة»، ويستعير منه عبارة «تحلّل ثوابت اليقين»، واصفًا إياها ب «العبارة السعيدة»، ويدمجها في فكرة أن البرنامج الثقافي والسياسي الحديث قاد إلى «تحلّل ثوابت اليقين»، في تصور العالم وفي المبادئ المؤسَّسِيّة المرتبطة به. وأن هذا التحَلُّلَ، أو التفكك،
قد سمح بوجود جهود حثيثة لإعادة بناء مثل تلك الثوابت، وأن هذه الجهود قد رافقها وعي بتعدد الرؤى والنماذج الموجودة والإمكان الواقعي للاعتراض على تلك الرؤى والنماذج لإعادة صوغها على نحو لانهائي؛ فلا شيء بديهي في مجتمعات الحداثة، لا المبادئ، ولا مشروعية النظام الاجتماعيّ
والأنطولوجيّ والسياسيّ، ولا غيره من أمور الحياة على وجه الإجمال.
(31) Ibid., p. 201. (32) Ibid. (33) Claude Lefort, "Permanence du théologico–politique?" in: Claude Lefort, Essais sur le politique: XIX–XXe siècles (Paris: Seuil, 1986 [1981]), pp. 275–329.
هكذا نخلص إلى أن النواة الصلبة لمنظور «الحداثات المتعددة» ترجع إلى إقرار وجود أشكال متنوعة للحداثة، تتّسم بخصوصية ثقافية وحضارية تندّ عن النمطية، وأن ما صنع هذه الأشكال هو الموروثات الثقافية المتميزة والشروط السوسيوسياسية المختلفة، وأنّ الأشكال المشار إليها مستمرة في التباين من حيث نسقُ القيمِ الخاص بها ومؤسساتها ورؤاها. وأخيرًا، إذا كان منطلق تميز البنيات والمؤسسات
والأنساق الثقافية الحديثة هو أوروبا وأميركا، فإن المجتمعات غير الغربية؛ الآسيوية والأميركية اللاتينية والأفريقية، على سبيل المثال، قد اجترحت لنفسها أفهامًا ورؤى متمايزة عمّا تم في الغرب، أو لنقلْ إنها
تسعى إلى تملّك الحداثة وفق خصوصياتها الثقافية والحضارية.
2. الحداثات المتعددة ومساءلة الغرب
في سياق مَنظُور «الحداثات المتعددة» من موقع الآخر غير الغربيّ، ينبري الأستاذ في جامعة هارفارد،
المؤرخ والفيلسوف الصيني، وأحد أعمدة الكونفوشيوسية الجديدة تو وي مينغ Ming Wei Tu، مستفهمًا هذا الأمر، وموضحًا أنّ النظام العالمي الجديد الذي نعيشه اليوم لا يمكن أن يُفهم من منطلق
الثنائية الحادة: رأسمالية/ اشتراكية، وأنّ هذا الفهم قد يبدو ملائمًا لو كانت الحرب الباردة تطغى على
مسرح الأحداث، والحال أننا اليوم أمام مجتمع كوكبي صاعد، نسيجه غنيٌّ ومتشعب، بل حتى نموذجَا
الفهم الكوكبي البديلان اللذان قدمهما فوكوياما (نهاية التاريخ) وهنتنغتون (صدام الحضارات) ليسا غير تعميمين تبسيطيين، يبدو أنهما قراءتان متناقضتان للوضع البشري، وقصَد مينغ من ذلك أنهما: تصريحان مفعمان بالتفاؤل، مقتضاهما أن الانقسامات الأيديولوجية السابقة لم تعد موجودة، في إشارة مصحوبة بنوع من الحذر إلى أن الاختلافات الثقافية، وخاصة الدينية منها، هي المصادر الكبرى للصراع العالمي. يعاني الموقفان المشار إليهما عيبًا حقيقيًّا يكمن في كونهما ما زالا يؤمنان بمصادرة أن الثنائية الراهنة
والفاعلة هي «الغرب والبقية» rest the and West The، ولا يعبّر هذا الموقف إلا عن النزعة المركزية
الغربية على نحو آخر جديد. يقرُّ المؤرخ الصيني بحقيقة أنّ الأمم الديمقراطية الليبرالية في الغرب الأوروبي وشمال أميركا، التي
تعيش على اقتصاد السوق، تدخل طورًا جَذريًّا من التحول الكوكبيّ. ويرى أنه من المعقول الوعي بأن
تحدياتٍ معينة آتية من بعيد – من المنطقتين الثقافيتين الكونفوشيوسية والإسلامية على سبيل المثال – يمكن أن تعرقل مسار هذا التحول الكوكبي، ولكنه يتساءل: هل يمكن اتخاذ مسار تأثير الثقافة الغربية بوصفه نوعًا من الحتمية التاريخية؟ وهل يمكن الإطار المفهوميّ الذي يفهم به الغرب نفسه و«الآخر»
أن يلائم الدفع بالتنمية الاجتماعية إلى الأمام من حيث هي «مشروع مشترك»؟ يفهم مينغ التنمية الاجتماعية بوسمها إلهامًا ووعدًا بالرخاء البشريّ. ولذلك يذهب إلى ضرورة معالجة
المشاكل الأخلاقية والروحية الأساسية التي تواجه المجتمع الكوكبي، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمُجاوزة
العقلية الغربية القديمة التي ثَملت بالعُجب وبالانتشاء بالظفر وبالصدام، حتى قادت إلى نتائج ضارّة على المستويات جميعها. كما يتوجه إلى الولايات المتحدة الأميركية رأسًا، ولسان حاله يقول لها: إن
الأوان قد آن لكي تقود عملية إصلاح هذا الفهم الغربي، فيتحوّل وضعها من «حضارة معلِّمة» لغيرها
إلى «ثقافة تتعلّم» من هذا الغير، من خلال العودة بالخصوص إلى شرق آسيا منذ الحرب الكونية الثانية. وهذا لن يتم إلا إذا وضع الغرب في حسبانه تسع مسائل كبرى، ننتقي منها أربعًا هي: • أيّ الأَمْرَين أنسبُ للاندماج الاجتماعي، النظر إلى أنفسنا بوصفنا أفرادًا معزولين أم النظر إليها
بوصفها أوساطًا لِقيامِ العلاقات البين–شخصية؟ (انتقاد النزعة الفردانية الغربية). • حتى إنْ كنا نستعمل شروطًا مادية ذات منحى كمّي لكي نحدّد ونقيس مدى رفاهنا، فهل في الإمكان
أن نُقدِم على اقتلاع أنفسنا من أنحاء التَّجَذُّر الروحي لثقافاتنا؟ • إذا كان النجاح يُقاس، فقط، بمِقياسِ الثروة والسلطة، دون الخيرات الأخرى مثل رأس المال الاجتماعي والتأثير الأخلاقي والقدوة الحسنة، فأنَّى لنا نَقْل القيم النفيسة بالنسبة إلينا إلى الجيل اللاحق؟ • لمَّا أضحينا على وعي تامٍّ بهشاشة كوكبنا وبأننا قد استنزفنا مصادره الطبيعية، فأيّ خُطى يلزمنا
اتخاذها للحفاظ عليه؟ ما أثار مينغ مثل تلك المسائل إلا من أجل بيان الحاجة إلى نقد ذاتيّ تقوم به كل جماعة سياسية
تجاه نفسها لتُخرج العقول من وضع «الانعكاس» (أو محاورة الذات) إلى وضع «الانفتاح» على هذا العالم. والنتيجة المرجوة من هذا النهج هي البداية الحقيقية للتاريخ الكوكبي، بدلً من «نهاية التاريخ». وينبغي أن تتّخذ هذه البداية الجديدة الرغبةَ في «الإسناد المتبادل» نقطةً لبدايتها، عوض أن تبقى الحضارات منقسمة إلى معلِّم ومُتعَلِّم كما هو عليه حالها في الوضع السابق. وإذا اتجهت العقلية
الأميركية نحو احتضان قيم المسؤولية والمدنية والودّ، على النحو نفسه الذي احتضنت به قيم الحرية والحق، ثم تبنّت منظورًا كوكبيًّا في تحديد المصالح الوطنية، فإنها ستطور على نحو دالٍّ مخطط التنمية
الكوكبية. يصف مينغ حالة اللاتكافؤ القائمة بين الغرب وآسيا، ويورد حقيقة تاريخية مفادها أن المفكرين الآسيويين كانوا فيما مضى قد نذروا أنفسهم تلامذةً للتعليم الغربي، ويذكر مثال إمبراطورية اليابان التي كان الإشراف الأوروبي والأميركي قد أدّى فيها دورًا مهمًّا في التحديث. بيد أن ما جعل
اليابان اليوم واحدة من أكثر الدول تقدمًا في العالم، هو اقتدارها على التعلم من الغرب، من دون التفريط
في مصادرها الداخلية فيما يتعلق بالهوية الوطنية والثقافية. وفي مقابل ذلك، كان الغرب، ولا يزال، في حِلٍّ من الحاجة إلى أن يتعلم شيئًا من باقي أعضاء الجماعة الكوكبية. ويَبرز هذا اللاتكافؤ اليوم، أكثر، في علاقة أميركا بشرق آسيا، وبالصين على وجه الخصوص؛ إذ إنّ أميركا ليست على استعداد، بعد، للتخلي عن نظريات التحديث التي شغلت في حاضنتها مكانة مركزية منذ سنوات الخمسينيّات
والستينيّات من القرن المنصرم، فقد أعاد التحديث، على الطريقة الأميركية، تَعرِيفَ الحداثة على نحو
أصبحت معه هي نقطة إنتاج هذا التحديث، ومرجعيته العليا.
(34) Tu Wei Ming, "Mutual Learning as an Agenda for Social Development," in: Sachsenmaier, Riedel & Eisenstadt, p. 130. (35) Ibid., p. 136.
لقد غدت «الحداثات المتعددة»، في تقدير مينغ، أمرًا واقعًا، وما على الغربيّين إلا الاعتراف به، بحيث إنّ الرؤية التي تقدمها هذه الحداثات لم تعُد مجرد وهمٍ وسراب، بل صارت دليلً عمليًّا للتعامل مع العالم. كما يجب على الغربيين أيضًا الانخراط في توسيع دلالة مفهوم «التنمية الاجتماعية»، حتى لا ينحصر فقط في البعد الاقتصادي، وحتى يشمل ما هو اجتماعي وإيتيقي وروحي كذلك. وتلك أبعاد ينبغي الإقرارُ بجدواها وإدماجُها في كل استراتيجية للتنمية المستدامة. وهكذا لن تكون العولمة التي يعيش الكوكب على إيقاع مَفعولاتها اليوم، مرادفًا للتنميط، بل سوف يُنظر إليها من جهة أنها تعزّز أشكالً مختلفة للمحلية (القيم والغايات العليا ومصادر الذات) بقدر ما تهدم أشكالً أخرى. وإن هذا هو المعنى الذي يقصده السوسيولوجيّ البريطانيّ رونالد روبرتسونRobertson Roland، عند استعماله مفهوم Glolocalization الذي نقترح لترجمته مصطلح «العَوْلمحَلِّية». وهو مركب من لفظين هما: Global (= كوكبي/ عالمي)، و Local (= محلي). ويبتغي من ورائه تأسيس فهم جديد لدينامية الحداثة في عصر العولمة مفاده أن «العالمي» ليس ضد «المحلي»، ولا هو مُستبعدهُ بإطلاق، بل إن «المحلي» مُتضمّن في «العالمي». ويوضح هذا المزيج بين «الكوني» و«المحلي»، من جهة، أن كثيرًا من وجوه الحداثة الغربية قد انتشرت في بقاع العالم غير الغربية، وهذا ما قد يُعطي انطباعًا مفاده أن حضارة حديثة متجانسة هي في طور البناء. بيد أنه، من جهة أخرى، يُوضح أن «الدول–الأمم» أو المجتمعات غير الغربية صارت تتمسك بحاجتها إلى البحث عن هوياتها الثقافية الخاصة، وبالحاجة إلى سلك طُرقها الخاصة نحو التحديث. يمكن، إذًا، أن نكون مُحدَثِين من دون أن نكون غربيّين بالضرورة. هذا ما أثبتته تجارب دول شرق آسيا وجنوب آسيا (ماليزيا وإندونيسيا بخاصة)، والتجربتان الأميركية اللاتينية والأفريقية، لأن كلّ بلد هو، نظريًّا وعمليًا، قادر على تحقيق الازدهار البشري، تبعًا لظروفه الخاصة، كما أن تعبئة مصادره الثقافية المحلية الداخلية من أجل الاقتدار على البناء لَهو الشرط القبلي لمثل ذلك السعي؛ فلا الحداثة تعني التغريب، ولا التحديث يعني التنميط، ولا الحداثة واحدة لا تعدد؛ بحيث لا تمثلها إلا الولايات المتحدة الأميركية مثلً. وكما قال أستاذ كرسي السوسيولوجيا في جامعة هونغ كونغ الصينية أمبروس كينغ King Ambroce، فإنّ آسيا الشرقية تريد الحداثة ولا تريد التغريب، إنها تريد الحفاظ على قيمها التي صارت تُعرف اليوم ب «القيم الآسيوية»، هذا المصطلح الذي يستعمله الغربيون لوصف ما يحسبونه سلطوية واستبدادًا خاصّين بالنظامين السياسيين السنغافوري والماليزي، ولكنه عند الآسيويين يعني أمرًا مختلفًا يشير إلى وجود عائلات قوية ومتماسكة، ومجتمعات تتأسس على حُسن التربية وعلى قيم الاجتهاد والكد.
(36) Roland Robertson, "Glocalization: Time–Space and Homogeneity–Heterogeneity," in: M. Featherstone, S. Lash & R. Robertson (eds.), Global Modernities (London: Sage Publications, 1995), p. 34. (37) Sachsenmaier, Riedel & Eisenstadt, p. 146. (38) Ming, p. 132.
خاتمة
تبين مما سلف أن تجديد النظر في أوجه «الحداثة» قد أثمر رؤى ومقاربات كثيرة، إن كانت تتفق على الإقرار بالحاجة إلى الخروج من الفهم الغربيّ المؤسس للحداثة، فإنها لم تُجمع على ضرب
واحد، ولم تذهب في وجهةٍ واحدة، بل ذهبت في اتجاهات متباينة. ورغم ذلك نلاحظ أنّ مضمون فكرة «الحداثات البديلة»، التي عرضنا لها في هذه الدراسة، لا يختلف كثيرًا عن مضمون «الحداثات
المتعددة»، حيث إن مزيد التركيز على الجانب النظري في فهم الحداثة وأنحاء اختبارها في المجتمعات غير الغربية في المفهوم الأول، كما هو الشأن بالنسبة إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية في المفهوم الثاني، لا يعني أنهما يتنافيان أو يستبعد أحدهما منهما الآخر، بل يعني – بالأحرى – تكاملهما في رسم ملامح فهمٍ جديد يلائم سياق المجتمع الكوكبيّ المعاصر الذي آل إلى التعقيد والاشتباك. يضاف إلى
ذلك أنّ المفهومين اللذين ألقينا عليهما بعض الضوء في هذه الدراسة، هما وجهان بارزان للتّحول العميق الذي مسّ فهمَ الغرب لذاته، ذلك أننا نحسب أن الاعتراف، في حاضنة الغرب، بوجود حداثات غير غربية، لم يكن يُتصور قبل أقلّ من قرن من الآن؛ إذ تكفي مثلً مطالعة ما كتبه المؤرخ لوسيان فيبر عن أوروبا أو الفيلسوف إرنست رينان لتبيُّن هذا الأمر. ويبدو أنّ «اختراقَ الفكر الديمقراطيّ» لبنية عالم
اليوم، بتعبير مارسيل غوشيه، يبقى واحدًا من أهم الأسباب التي جعلت هذا الاعتراف المعاصر يصير ممكنًا. وإذا كان من نتائجه المهمة ترسيخ قيمة التسامح والإقرار بالتعددية التي شملت الاعتقاد الديني ذاته، بحسب غوشيه، فإننا نرى أنّ هذه النتائج قد صارت اقتصادية واجتماعية وثقافية على حد سواء. أو بكلمة واحدة، صارت التعددية حداثيّة والحداثة تعدّدية. لهذا السبب، فإنّ السؤال عن الحداثات البديلة والمتعدّدة ليس شأنًا بعيدًا عن موقعنا الثقافي الخاص (وليس لهذه ال «نحن» من معنى آخر غير السؤال الذي تطرحه حول نفسها؛ إذ إنها لا تحيل على الهوية أو الخصوصية إلا بقدر ما تثير هذه الهوية من أسئلة في عالم نُذِر للصيرورة والتحول)، فإذا كانت الحداثات الآسيوية والأفريقية والأميركية اللاتينية واقعًا قائمًا يحظى باعتراف الغربيين أنفسهم، كما تبين سابقًا، فما حقيقة الوضع في «الحداثة العربية»؟ وما موقعها في عالم اليوم الذي لا تكون فيه الذات الإنسانية ذاتًا، جماعية كانت أو فردية، إلا بمقدار مشاركتها في «الكونيّ»؟ بل هل يمكن الكلام
فعلً على «حداثة عربية»؟ وماذا يمكن أن تعني إن وجدت بالفعل؟ أيمكن لِمزْعمَة الخصوصية العربية أو الإسلامية التي يدافع عنها نفرٌ من الكتاب العرب المعاصرين أن تؤّسس واقعًا تتحقق فيه كرامة
الإنسان – وهو الرهان الأول والأخير في كل هذا النقاش الجاري – أم أنها محض خطابة فجّة موجهة للاستهلاك الأيديولوجيّ بالمعنى السيِّئ للفظ؟ الحقيقة أنّ السؤال بهذا النحو لا يخصّ واقع المنطقة الناطقة بالعربية فحسب، بل لعله يخص المناطق الجغرافية الأخرى غير الغربية كذلك؛ إذ يبدو أنّ النقاش حول الحداثة، في المجتمعات غير الغربية،
(3((لتعميق هذه الأسئلة حول «حداثة» عربية أو «حداثات عربية» يمكن الرجوع على سبيل المثال إلى:
Khalid Zekri, Modernités arabes: De la modernité à la globalisation (Casablanca: La Croisée des Chemins, 2018).
ينحو منحى «ردّ الفعل» التاريخيّ على واقع الاستعمار الغربيّ القديم منه والجديد، الذي خلف
جروحًا عميقة في البلدان التي غزتها المدفعية الغربية، وأحدثت فيها شروخًا روحية جعلتها تتساءل
عن جدوى القول ب «خصوصيتها» و«تراثها» و«تاريخها». لا بد، إذًا، من أن يحمل هذا النقاش ملمحَ
الصراع الشهير بين مسألة الأصالة والمعاصرة، رغم تباين معانيها ورهاناتها بحسب البلدان والمواقع الاستراتيجية لمجتمعات المعمور. بيد أنّ نقطة الإحراج الحقيقية تظل بالفعل قائمة في التساؤل التالي: هل يمكن بناء بديل حداثيّ من خارج الحداثة فعلً؟ وهل يمكن اعتبار النموذج الصينيّ بديلً؟ لأن
السؤال عن طبيعة النظام الصينيّ ما زال مطروحًا حول ما إذا كان نظامًا اشتراكيًا بالفعل، أم أنه رأسمالية
من غير ديمقراطية، أم هو شيء آخر يستعصي على التصنيف، وربما تتجلى مشروعية هذا السؤال أكثر في هونغ كونغ المستعمرة البريطانية القديمة، والتوتر الحاصل الآن بين الصين وبريطانيا حول موضوع حقوق الإنسان في «دُويلة» خاضعة لنظامين سياسيين بخلفيتين ثقافيتين متباينتين، تتمركز في النظام الأول (الصينيّ) السلطة في يد الحزب الواحد، بينما تتوزع في الثاني (البريطانيّ) السلطة في المجتمع
بحكم طبيعته البرلمانيّة الديمقراطيّة. ولذلك، باتت أصابع الاتهام تتجه إلى الصين بخصوص معاداتها
لحقوق الإنسان، واستخدام القوة المفرطة في قمع الاحتجاجات، وغير ذلك. عمومًا، يظهر من خلال تأمّل مسار الحضارة الغربية، أنّ الحداثة لا تعدم القدرة على التفكير ضد نفسها، وعلى مراجعة أسسها ومصادراتها. وهذا لا يخفى على أيّ متتبع لما كتب في هذا الشأن منذ فريدريش نيتشه، على الأقل، وهايدغر، وكذلك أعلام مدرسة فرنكفورت. ثم إن كتاب آلان تورين معروف في هذا الباب. وربما يكون أهمّ ما عُرف اليوم وأكثره حيوية، هو النقد الذي تتعرض له الحداثة باسم ضرورة الحفاظ على البيئة والأنساق الحية، وحماية كوكبنا من الخطر الذي يُهدده بعد أن عبثت به يد التقنية، والجنوح إلى الإفراط في استغلال ثرواته. لكن هذا النقد المشروع لا ينبغي أن يدفع إلى تبنّي نزعة مضادّة للحداثة كليًّا، كما يحصل عند بعض المتشدّدين في العالم العربي، لأنّ السؤال عن الحداثة يبقى هو نفسه
السؤال عن الأسباب التي جعلت الحضارة الغربية تتفوق على باقي الحضارات، وتُؤسس نُظمًا اجتماعيةً
وسياسيةً قويةً مَكّنتها من استعمار الحضارات الأخرى عسكريًا وثقافيًا أيضًا. ولذلك، يبدو أنّ رفض
الحداثة جملةً وتفصيلً دعوةٌ إلى الإلقاء بالذات خارج التاريخ، وبعيدًا عن المستقبل.
References
المراجع
العربية
الوفاء، حسن. معنى الحياة: دراسة في فلسفة برتراند فيرجلي. طنجة: سليكي أخوين،.2018
الأجنبية
Árnason, Jóhann P. et al. The Nordic Paths to Modernity. New York/ Oxford: Berghahn Books, 2012.
(40) Alain Touraine, Critique de la modernité (Paris: Librairie Arthéme fayard, 1992).
Barnett, S.T. The Enlightenment and Religion: The Myths of Modernity. Manchester/ New York: Manchester University Press, 2003. Bhambra, Gurminder K. Rethinking Modernity: Postcolonialism and the Sociological Imagination. London: Palgrave Macmillan, 2007. Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000. Comaroff, Jean & John Comaroff. Modernity and its Malcontents: Ritual and Power in Postcolonial Africa. Chicago: University of Chicago Press, 1993. Daedalus: Journal of the American Academy of Arts and Sciences. vol. 129, no. 1 (Winter 2000). Daedalus: Journal of the American Academy of Arts and Sciences. vol. 127, no. 3 (Summer 1998). Eisenstadt, Shmuel N. "Une réévaluation du concept de modernités multiples à l’ ère de la mondialisation." Sociologie et sociétés. vol. 39, no. 2 (2007). Featherstone, M., S. Lash & R. Robertson (eds.). Global Modernities. London: Sage Publications, 1995. Gaonkar, Dilip P. (ed.). Alternative Modernities. Durham: Duke University Press, 2001. Gauchet, Marcel. Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion. Paris: Gallimard, 1985. Held, David et al. Social Theory of Modern Societies: Anthony Giddens and his Critics. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. George, Jibu Mathew. The Ontology of Gods: An Account of Enchantment , Disenchantment, and Re–Enchantment. London: Palgrave Macmillan, 2017. Lefort, Claude. Essais sur le politique: XIX– XXe siècles. Paris: Seuil, 1986 [1981]. Martinelli, Alberto. Global Modernization Rethinking: the Project of Modernity. London: Sage Publications, 2005. Preyer, Gerhard. "The Perspective of Multiple Modernities on Shmuel N. Eisenstaedt’s Sociology." Journal of Political and Moral Theor. no. 30 (2013). Sachsenmaier, Dominic. Jens Riedel & Shmuel N. Eisenstadt (eds.). Reflections on Multiple Modernities: European, Chinese and Other Interpretations. Netherlands: Brill Academic Pub, 2002. Steger, Manfred B. Globalization: A Very Short Introduction. New York: Oxford University Press, 2003. Touraine, Alain. Critique de la modernité. Paris: Librairie Arthéme fayard, 1992. Zekri, Khalid. Modernités arabes: De la modernité à la globalisation. Casablanca: La Croisée des Chemins, 2018.