مراجعة كتاب: الحرية هي دومًا حرية أصحاب الفكر المختلف نصوص مختارة لروزا لوكسمبورغ
Book Review Freedom is Always and Exclusively Freedom for the One who Thinks Differently , by Rosa Luxembourg
الملخّص
عنوان الكتاب: الحرية هي دومًا حرية أصحاب الفكر المختلف . المؤلف: روزا لوكسمبورغ. تحرير: يورن شوترومبف. ترجمة: أحمد فاروق. الناشر: مؤسسة روزا لوكسمبورغ المكتب الإقليمي – فلسطين. تاريخ النشر: 2016. عدد الصفحات: 304 صفحة.
Abstract
Book Review: Freedom is Always and Exclusively Freedom for the One who Thinks Differently, by Rosa Luxembourg
- الحرية
- أصحاب الفكر المختلف
- روزا لوكسمبورغ
- Freedom
- the One who Thinks Differently
- Rosa Luxembourg
عنوان الكتاب: المؤلف: روزا لوكسمبورغ. تحرير: يورن شوترومبف. ترجمة: أحمد فاروق. الناشر: تاريخ النشر: عدد الصفحات: 043 صفحة.
الحرية هي دومًا حرية أصحاب الفكر المختلف.
مؤسسة روزا لوكسمبورغ المكتب الإقليمي – فلسطين.
يضم هذا الكتاب بين دفتيه نصوصًا مختارة، تُرجمت إلى العربية، للكاتبة والفيلسوفة الألمانية من أصل بولندي روزا لوكسمبورغ Luxemburg Rosa (919–18711)، وهي منظِّرة ماركسية، ومؤسسة الحركة العمالية الأوروبية إبان الحرب العالمية الأولى. يحتوي الكتاب، إلى جانب مقدمة المترجم ومقدمة إضافية لمحرر الكتاب، سبعة نصوص انتقاها المحرر الألماني يورن شوترومبف Jörn Schütrumpf من كتابات لوكسمبورغ لتشكل أيضًا الفصول السبعة للكتاب، وهي مأخوذة كلها من مؤلفات لوكسمبورغ الرئيسة: تراكم رأس المال، وأزمة الاشتراكية الديمقراطية، وحول الثورة الروسية، إضافة إلى نصوص أخرى مستقاة من الأعمال الكاملة للكاتبة. وعلاوة على ذلك، يحتوي هذا الكتاب ثماني صور فوتوغرافية للمؤلفة، تعكس مسارها الفكري الثري وحضورها السياسي القوي، رغم اغتيالها الصادم وهي في سن الثامنة والأربعين. وقد سبق أن تُرجِم بعض الأعمال الأساسية لهذه المثقفة العضوية إلى العربية، وذلك إلى حدود ثمانينيات القرن الماضي. والجدير بالذكر أن المؤلّفة خلّفت في حياتها القصيرة، والتي تخللتها فترات سجن طويلة، نتاجًا غزيرًا، عززت به المكتبة الاشتراكية داخل ألمانيا وخارجها. وهي كلها نصوص تُعتبر، على الأقل من الناحية التأريخية، مهمة في مجالها الخاص، أي الفلسفة الماركسية؛ على سبيل المثال، كتاب تراكم رأس المال Die
بصفة عامة، تُعدُّ لوكسمبورغ من أهم منظري اليسار ومفكريه في التاريخ الألماني والأوروبي، كما أن لدى هذه الفيلسوفة الاشتراكية تأثيرًا واضحًا في مفكرين وكُتاب غربيين خارج الفكر الماركسي. ولعل من بينهم الفيلسوفة الألمانية الشهيرة حنة أرندت التي استعانت، أثناء إنجازها كتابها أصول التوتاليتارية The Origins of Totalitarianism (9511)، بتصور لوكسمبورغ للإمبريالية الغربية. أما اليسار الأوروبي الجديد فقد احتفى بها بوصفها ناقدة شرسة للتسلط الشيوعي في شخصيتَي لينين وستالين. غير أن كتابات لوكسمبورغ ما تزال تُعدُّ جزءًا من إنتاج اليسار الراديكالي، على الأقل من زاوية نظر المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور. لكن، في الوقت نفسه، خُلِّدت في ألمانيا الاتحادية ذكرى هذه الكاتبة والمثقفة العضوية في طابع بريدي تذكاري صدر سنة.1974 وفي مطلع القرن الحادي والعشرين لا يزال التعاطي الفكري والثقافي مع أدبيات هذه الكاتبة «المناضلة» مستمرًا إلى اليوم. ولا أدل على هذا الاهتمام المتواصل، وعلى راهنية روزا لوكسمبورغ، من تلك الإصدارات التي لم تزل تتوالى حولها؛ إذ صدر في مطلع سنة 2020 في ألمانيا خمسة كتب، اهتمت بسيرة حياتها التي كرستها للنضال «الطبقي»، إضافة إلى إعادة نشر مستمرة لمؤلفاتها الغزيرة. فضلً عن أن تاريخ اغتيالها في منتصف كانون الثاني/ يناير 9191 لا يزال يتجدد استذكاره سنويًا في أوساط اليسار الأوروبي عامة والألماني خاصة، بل أسس اليسار الأوروبي مؤسسة ثقافية تحمل اسمها1، ولدى هذه المنظمة فروعٌ داخل أوروبا وخارجها، ونشير في هذا السياق إلى أن تمويل هذا الكتاب، الذي نحن في صدد مراجعته، قد جاء من فرع هذه المنظمة في فلسطين المحتلة.
اهتم المشهد الماركسي العربي، بدوره، بالكاتبة، من حيث هي العقل الثاني للماركسية بعد الألماني كارل كارل ماركس Marx Karl 1–818(8831)، في نظر كثيرين. وقد نُشرت ترجمات كاملة إلى العربية لبعض كتبها المرجعية، ابتداء من ستينيات القرن الماضي إلى نهاية ثمانينياته، ككتابَي الاقتصاد السلعي والعمل المأجور، وما هو الاقتصاد السياسي. وعلى خلاف المشهد الأكاديمي التخصصي، والفضاء الفكري اليساري والماركسي تحديدًا في العالم العربي، فإن روزا لوكسمبورغ وكتاباتها غير معروفة عند أغلب قرّاء العربية، ويرجع السبب ربما إلى أن كتاباتها، على وفرتها، قد ركزت في غالبها على التنظير المتخصص لموضوعات ماركسية فحسب، إلا أن الوضعية العامة الحالية للمنطقة العربية تجعل من نصوصها ذات أهمية ملحوظة في السياق العربي الراهن، والذي يعاني الإشكاليات والمفارقات ذاتها التي سبق أن عالجتْها لوكسمبورغ في تعاطيها الفكري مع التجاذبات السياسية السائدة في عصرها آنذاك، ولا سيما في كل ما يرتبط بالسلطوية والدكتاتورية والحراك والثورة والحرية. وإلى جانب راهنية موضوعات هذا الكتاب على الصعيد العربي، يقدم الكتاب أيضًا نصوصًا متنوعة جديرة بالاهتمام، حيث تتوزع في مختلف مجالات اهتمام لوكسمبورغ من نصوص سياسية وأيديولوجية واقتصادية وثقافية، بل حتى أدبية، مثل نص «أسرار فناء أحد السجون» الموجود في آخر الترجمة. نقف في مستهل الكتاب على مقدمة قصيرة من إعداد المترجم المصري عن الألمانية، أحمد فاروق، والتي يشير فيها إلى مدى الراهنية الفكرية التي صارت تكتسبها روزا لوكسمبورغ في السياق العالمي، بل حتى في السياق العربي السوسيوسياسي الحالي، وبخاصة في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي وما تمخض عنها من انكسارات ونجاحات، وتحولات مجتمعية عميقة وتمظهرات سياسية جديدة. لذا يدعو المترجم إلى أهمية الاطلاع، بل والتعرف عن كثب إلى تصورات لوكسمبورغ التنظيرية حول مفاهيم سياسية محددة، مثل مفهوم الحزب، وأيضًا مفهوم الحراك الشعبي، أو الجماهيري كما يسميه المترجم، على وجه التحديد. ومن جهته اهتم محرر الكتاب في مقدمته المطولة بإلقاء المزيد من الضوء على جوانب من الحياة اليومية و«النضالية» للكاتبة، التي امتزجت، إلى حد بعيد، بمسيرة روزا لوكسمبورغ الفكرية الغنية، لهذا الغرض سعى المحرر لتقديم ثلاثة كتب محورية تعكس فكر الكاتبة، وقد انتقى منها نصوصًا وفصولً لهذا الكتاب الجامع، وهي إلى جانب تراكم رأس المالالذي سبق ذكره، كتاب أزمة الاشتراكية الديمقراطية Die Krise 1) المدرج بأكمله 916(der Sozialdemokratie بين دفتي هذا الكتاب، وكتاب الثورة الروسية المكتمل، ويستعرض المُحرر، بإيجاز، الحيثيات التاريخية، التي رافقت تشكل الكتب الثلاثة. هنا يرى المحرر أنه رغم تنوع هذه النصوص، يمكن اقتفاء الخط الناظم لها والمتمثل في ثلاث أفكار مركزية: أولها، موقف لوكسمبورغ الفكري من الحركة الاستعمارية الغربية الذي شرحته في كتابها تراكم رأس المال، المشار إليه؛ وثانيها، موقفها الأيديولوجي المؤيد للثورة في روسيا، بل وفي أوروبا عمومًا ضد الأوضاع السوسيوسياسية والاقتصادية الطاغية آنذاك؛ وثالثها، تمثلها للحراك السوسيوسياسي ومستقبل الاشتراكية الألمانية.
بالعودة إلى النصوص المدرجة في هذا الكتاب، نجد أن لوكسمبورغ اهتمت في الفصل الأول من المختارات بالخطوط العريضة للفكر الماركسي، كما يشير إلى ذلك عنوان مقالها «كارل ماركس». وقد كتبت هذا المقال النقدي لفكر ماركس سنة 9031، بمناسبة مرور عشرين سنة على وفاته. في هذا النص القصير نسبيًا تعرِض لوكسمبورغ لمراحل تشكل الفكر الماركسي المبكرة معتبرة إياه «استجابة فكرية لمرحلة معينة من التطور الاقتصادي والسياسي» (ص 22 في)، مشيرة الوقت ذاته إلى صراع الطبقة البرجوازية من أجل القضاء على الروح الثورية التي بعثها ماركس في الطبقة العاملة الحديثة، والتي تصفها بكونها «طبقة تتمتع بشروط وجود تاريخية محددة وذات قوانين حركة تاريخية»، تؤهلها في آخر المطاف إلى التحرر من التبعية والعبودية، وهو الأمر الذي جعل المؤلفة تعتبر ماركس وفكره «أكثر حيوية من أي وقت مضى» (ص. 22). وتورد لوكسمبورغ اقتباسًا لماركس في بداية المقال يقول فيه: «لم يقم الفلاسفة بشيء سوى تفسير العالم بأشكال مختلفة، إلا أن بيت القصيد يبقى هو تغييره» (ص. 15)، وهذا لا يوضح نظرة ماركس للعالم فحسب، بل أيضًا نظرة لوكسمبورغ إلى معلمها ماركس، الذي لم تتوان رغم ذلك عن نقده. أما في الفصل الثاني المعنون ب «تراكم رأس المال» فهو نص تنظيري مأخوذ من كتابها الأساسي «تراكم رأس المال»، الذي يعد من أهم التنظيرات الفكرية حول الرأسمالية قبيل الحرب العالمية الأولى. في هذا النص تتحدث لوكسمبورغ عما أسمته ب «القانون الأساسي للإنتاج الرأسمالي»، وهو محور هذا الفصل، ويعتمد في نظرها على «الاستغلال»، وتحديدًا استغلال «البروليتاريا»، بل وتسخيرها من أجل تحقيق ربح مستدام. كما تشير إلى آلية هذا الاستغلال الذي توظفه الرأسمالية، من أجل «ضمان إنتاج الحصة الضرورية من وسائل الإعاشة المزودة بالرفاهية الضرورية للرأسماليين» (ص. 29)، بحسب تعبيرها. وهذا تحديدًا ما تعدّه في نهاية النص أفولً مزدوجًا للرأسمالية، بقولها: «فهو من ناحية يتوجه عبر توسعه [...] إلى اللحظة التي ستتحول فيها البشرية فعليًا إلى رأسماليين وبروليتاريا مأجورة فحسب، حيث سيصبح [...] التراكم، لهذا السبب مستحيلً. وفي الوقت نفسه ستتفاقم [...] التناقضات الطبقية والفوضى الاقتصادية والسياسية الدولية لدرجة أنها ستقود [...] إلى تمرد البروليتاريا العالمية ضد استمرار سيطرة رأس المال» (ص. 36)، بحسب تعبيرها. بخلاف هذا الفصل القصير، يضم الفصل المطول الذي يليه، والمعنون ب «الشروط التاريخية للتراكم»، ستة فصول منتقاة من الكتاب نفسه، وتحديدًا من الفصل السابع والعشرين إلى الفصل الثاني والثلاثين. هنا تسهب لوكسمبورغ في شرح الآليات التي استخدمتها الرأسمالية الغربية تاريخيًا من أجل تثبيت مكانتها غربيًا وعالميًا، والقضاء على بنية الأنظمة الاقتصادية البديلة الموجودة في شتى بقاع العالم، ولعل من أهمها اقتصاد المقايضة التقليدي والاقتصاد الفلاحي، عن طريق الاستعمار العسكري والاقتصادي لتلك البقاع، ومن ثم «رسملتها»، بل وإحكام تبعيتها الاقتصادية بقوة الضرائب الداخلية والاقتراض الدولي، مُشددة هنا على دور النزعة العسكرية الغربية بوصفها مجالً لازدهار الرأسمالية الغربية، وتورد في هذه الفصول إحصائيات مهمة ومتنوعة، تعكس كيفية التدمير الرأسمالي لاقتصاديات مناطق ودول غير رأسمالية، مثل الإمبراطورية العثمانية ومصر والجزائر والهند والصين، التي فُتحت أسواقها «بالقوة أمام حركة تجارة البضائع» (ص. 53)،
مما أفضى إلى جعل تلك المناطق من العالم غارقة في الديون؛ الشيء الذي سهّل استنزافها من طرف قوى غربية مثل فرنسا وإنكلترا. وبهذا الصدد تضيف لوكسمبورغ: «يستحق تاريخ السياسة الفرنسية في الجزائر أن يتبوأ، إلى جانب عذابات الهند البريطانية، مكانة سامية في الاقتصاد الرأسمالي الاستعماري» (ص. 45) لذا يرى العديد من الدارسين أن لوكسمبورغ في هذا الكتاب بالذات، الذي عرضت فيه بإسهاب نظريتها حول الرأسمالية، قد تجاوزت تنظيرات ماركس ذاته، ولا سيما في كتابه الشهير رأس المال Das 1). 867(Kapital أما الفصل الرابع والمعنون ب «أزمة الاشتراكية الديمقراطية» فهو تعريب لكُتيب المؤلفة الذي يحمل عنوان der Krise Sozialdemokratie، الذي اشتُهر لاحقًا أيضا الصادر إبّان الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا في إحدى فترات سجنها؛ إذ اهتمت فيه بالتطرق إلى الطموحات الاستعمارية الغربية والصراعات الدائرة بين القوى الاستعمارية، من أجل بسط نفوذها على مناطق مختلفة من العالم، ومن بينها المنطقة العربية. إضافة إلى ذلك، يتضمن هذا الكتيب نقدًا لاذعًا من طرف لوكسمبورغ لموافقة النقابات العمالية في أوروبا إضافة إلى الأحزاب الاشتراكية، على قروض الحرب سنة 9141، وذلك لأن الكاتبة رأت أن هذه النقابات والأحزاب الاشتراكية التي انضوت تحت ما يسمّى بالأممية انقلبت بهذه الموافقة على نفسها وعلى أهدافها، بل وتنكرت لمبادئها «التقدمية». ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتيب لم يُسمح بنشره في ألمانيا القيصرية، بل طُبع في سويسرا التي اتخذت موقفًا محايدًا في الحرب العالمية الأولى، وهي الحرب التي عارضتها لوكسمبورغ بشدة؛ الشيء الذي تسبب في إيداعها في السجن. تصف لوكسمبورغ هذه الحرب في آخر الكتيب بقولها إنها «ليست مجرد جريمة قتل كبرى، بل هي أيضًا انتحار للطبقة العاملة الأوروبية. إنهم جنود الاشتراكية، بروليتاريو إنكلترا وفرنسا وروسيا، وحتى بلجيكا، الذين يذبح بعضهم بعضًا منذ أشهر بأمر رأس المال، ويغرسون في قلوب بعضهم البعض خناجر القتل الباردة، ويتعانقون بأذرع قاتلة ليترنحوا ويسقطوا سويًا في قبورهم» (ص. 236) Die يحمل الفصل الخامس عنوان «حول الثورة الروسية»، وهو يعدّ من أشهر نصوص الكاتبة، وفي بدايته تعقد لوكسمبورغ مقارنات بين بدايات هذه الثورة المندلعة سنة 9171 بكل من الثورة الإنكليزية 88(61) والفرنسية 789(1)، معتبرة أنه «في أي ثورة لا يمكن سوى للحزب الذي يمتلك شجاعة إطلاق الشعارات الدافعة للأمام وتحمل كل التبعات المترتبة على ذلك أن يتولى القيادة وانتزاع السلطة» (ص. 246)، معربة في نهاية هذه المقارنة عن صدمتها من مآل الثورة الروسية، التي أصبحت بين خيارين لا ثالث لهما، أي: «إما انتصار الثورة المضادة أو دكتاتورية البروليتاريا» (ص. 245)، حيث انتقدت هنا بصراحةٍ ووضوحٍ نهج لينين وتروتسكي زعيمَي الثورة الروسية في تشرين الأول/ أكتوبر 9171، معتبرة أن الثورة الروسية قد خرجت عن مسارها الحقيقي الذي تقوده الجماهير الروسية، وليس
بعض قيادات الحزب البلشفي فحسب، وهو الأمر الذي أفقد فكرة الاشتراكية مصداقيتها منذ بدايتها بدكتاتوريتها اللاحقة على أرض الواقع، والتي تسببت في مآسٍ عجلت بانهيار المنظومة الشيوعية انهيارًا تدريجيًا. النقد ذاته نجده في صورته المبكرة ضمن الفصل السادس من هذه المختارات، وهو نص صدر سنة 9041، بعنوان «القضايا التنظيمية للاشتراكية – الديمقراطية الروسية»، وهو ذو طابع تنظيري في عمومه، تعرض فيه الكاتبة، بإسهاب، نقدها لفكرة لينين حول الحزب الواحد المُجسد للمركزية الصارمة، بوصفها «مبدأً ثوريًا – ماركسيًا مميزًا» (ص. 274)، من خلال تعاطيها النقدي مع كتابات «الرفيق» لينين كما تصفه (ص. 274)، وذلك على نحو أكثر تفصيلً. غير أنه كان من الأجدر أن يأتي هذا النص المبكر في ترتيب فصول الكتاب سابقًا على الفصل الخامس حول مآل الثورة الروسية. من الملاحظ هنا، استخدام لوكسمبورغ مصطلحات التمييز الهيمني ذاتها الذي تقيمه الإمبريالية الغربية بين دول العالم، من قبيل دول «متخلفة» ودول «متقدمة» (ص. 271) على الأقل كما يبدو ظاهرًا في هذا النص المُعرب. وبعيدًا عن نظريات المؤلفة فيما تسميه «أفول الرأسمالية وصعود الاشتراكية»، نجد أن الفصل السابع والأخير من الكتاب ضم نصًا قصيرًا يحمل عنوان «أسرار فناء أحد السجون»، وهو رسالة تأملية ذات نفَسٍ أدبي، يعكس إحدى تجاربها المتكررة في سجون ألمانيا القيصرية؛ بسبب مبادئها السياسية، ولا سيما موقفها الرافض للحرب العالمية الأولى، كما تقدم. وفيه تسرد لوكسمبورغ حوارًا تأمليًا لها مع نزيلة في فناء السجن الضيق، والذي تصفه في هذا النص بأنه «مملكة الطبيعة الصغيرة» (ص. 293)، حول موضوعات فكرية وفلسفية وثقافية متنوعة، ما يدل على أن شخصية لوكسمبوغ لم تكن تنم عن «مناضلة» ماركسية أو حتى متخصصة في الاقتصاد السياسي فحسب، بل شخصية مرهفة الحس، مثقفة إنسانية، ومفكرة ملتزمة بمبادئها، ارتبطت عضويًا كما هو معروف عنها بهموم عصرها وصراعاته.