الفيروس والإرهاب كيف ترتبط أزمة كورونا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر لشتيفان فايدنر
Virus and Terror: How the Corona Crisis And 9/11 are Related
الملخّص
عندما اندلعت أزمة الفيروس التاجي عالميًا عمد كثير من الملاحظين، خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية إلى تشبيه الوضع العالمي الحالي بوضع العالم عقب أحداث 11 سبتمبر 2001. يتتبع شتيفان فايدنر في هذه الدراسة أوجه التشابه والاتصال العميقة القائمة بين الفيروس والإرهاب؛ مستقصيًا الدوافع والأسباب التي أنتجت كلًا منهما، وداعيًا إلى أسلوب تفكير بديل، يقطع مع منطق المواجهة المطلقة؛ أي منطق "من ليس معنا فهو ضدنا"، لحل معضلة الفيروس والمعضلات الأخرى التي تهدد وجودنا البشري وقيم العيش المشترك والديمقراطية وحقوق الإنسان.
Abstract
A Moroccan writer and translator, he graduated in German Language and Literature from Sidi Mohamed Ben Abdellah University in Fez and from the École normale supérieure in Rabat. Since 1997, he has been a qualified secondary school teacher at the Ibn Al Khatib High School in Tangier.
«Virus Und Terror,» Vita Activa , accessed on 14/10/2020, at: https://bit.ly/3lNN1zV
- فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).
- الإرهاب
- الاستعمار
- العولمة
- النيوليبرالية
- الشعبوية
- الشرعية السياسية
- Coronavirus
- Terrorism
- Colonialism
- Globalisation
- Neoliberalism
- Populism
- political legitimacy
الفيروس والإرهاب ***: كيف ترتبط أزمة كورونا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر
الولايات المتحدة الأميركية، إلى تشبيه الوضع العالمي الحالي بوضع العالم عقب أحداث 11 سبتمبر 001.2 يتتبع شتيفان فايدنر في هذه الدراسة أوجه التشابه والاتصال العميقة القائمة
بين الفيروس والإرهاب؛ مستقصيًا الدوافع والأسباب التي أنتجت ك منهما، وداعيًا إلى
أسلوب تفكير بديل، يقطع مع منطق المواجهة المطلقة؛ أي منطق «من ليس معنا فهو ضدنا»، لحل معضلة الفيروس والمعضلات الأخرى التي تهدد وجودنا البشري وقيم العيش المشترك والديمقراطية وحقوق الإنسان.
في الفترة 016–2001 2 مهمة رئيس تحرير مجلة فكر وفنالتي تعنى بالحوار مع العالم الإسلامي. ترجم لكبار الشعراء
العرب مثل ابن عربي وأدونيس ومحمود درويش. من آخر مؤلفاته: ما وراء الغرب: من أجل فكر كوسموبوليتي جديد
018(2) وألف كتاب وكتاب: آداب الشرق 2).019(اللغة الألمانية وآدابها وعلى دبلوم المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، يشتغل حاليًا أستاذًا للتعليم الثانوي التأهيلي بطنجة.
الحاضر انطلاقًا من روح أحداث الحادي عشر من سبتمبر. مولت هذه الأبحاث مؤسسة شمال الراين وستفاليا للفنون،
ونشرت أول مرة على شكل بودكاست على موقع الأدب العالمي – أكاديمية فنون العالم، في:
Abstract: When the coronavirus crisis erupted globally, many observers, especially in the United States of America, likened the current global situation to that of the world post–September 11, 2001. In this study Stefan Weidner traces similarities and deep connections between the virus and terrorism, investigating the causes underlying each of them, and calls for an alternative way of thinking that breaks with the logic of absolute confrontation, of «He who is not with us is against us,» to address the virus and other problems threatening human existence and the values of coexistence, democracy, and human rights.
أولا: مجتمع المراقبة
عندما استفحلت أزمة كورونا بداية آذار/ مارس 020[]2 كنت عاكفًا في إسطنبول على تأليف كتاب جديد حول ذاك الاستهلال الدموي للقرن الحادي والعشرين؛ أي حول هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على نيويورك وواشنطن. تتلخص أطروحتي في أن تلك الفترة لا تزال تسمنا بطابعها، إي نعم، وفي أن أسامة بن لادن والإرهابيين أحرزوا كثيرًا من أهدافهم: انقسام المجتمعات
الغربية، وتطرفها، وانتكاستها نحو القومية والسياسة الأمنية المستبدة، وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. في نهاية شباط/ فبراير 0202 اتفقت الولايات المتحدة الأميركية مع طالبان على الانسحاب من أفغانستان. وبذلك تكون أطول حرب في تاريخ أميركا قد انتهت بالاعتراف بأن رعاة الإرهاب السابقين لا يمكن هزيمتهم. لم يثر هذا الخبر أي اهتمام يذكر؛ فأزمة كورونا دشنت عصرًا جديدًا
ومحت ذكرى الفترة التي قبلها. أضحت الأنظار اليوم متجهة صوب علماء الفيروسات وليس صوب خبراء الإسلام السياسي. أردت أن أفسّر في كتابي إرهاب اليمين المتطرف، وعدم المساواة العالمية، وأزمة اللاجئين، وأيضًا التقاعس الحاصل في مواجهة تغير المناخ. ألا ينبغي لي الآن أن أبحث عن وظيفة جديدة؟ ربما لا؟ المثير للانتباه هو أن العديد من المراقبين، خصوصًا في الولايات المتحدة، لجؤوا إلى تشبيه الوضع الجديد بأحداث 11 سبتمبر بغرض ربطه بالسياق التاريخي. وهذا التشبيه ملائم لأن التأثيرات الفورية فعلً متشابهة: التعطيل شبه الكلي لحركة النقل الجوي، وإغلاق الحدود، والصدمة العالمية، وردة الفعل القوية للأسواق، وفرض القيود على الحياة العامة، والقلق الشامل، والإحساس بأننا نعيش منعطفًا تاريخيًا. قد تبدو عواقب أزمة كورونا عميقة، لكن تأثيرات أحداث 11 سبتمبر تمتد إلى أعمق
مما يدركه الكثيرون. علينا، إذًا، أن نتساءل: ألا يوجد ارتباط وثيق بين هذين الحدثين؟ ألا تكمن خلفهما الأسباب نفسها ويشكلان، من ثم، «استمرارية طويلة الأمد» durée longue؟ ما العبر التي يمكن استخلاصها من كلا الحدثين. واعتمادًا على كيفية الإجابة عن هذا السؤال، سيصير ممكنًا تقديم حجة دامغة على ضرورة نهج سياسة جديدة بديلة.
وفي الختام، علينا أن نتساءل كيف تصوغ الأنماط التي تبلورت على مدى عشرين عامًا الماضية – أي أثناء عصر الإرهاب وبتأثير منه – ردة فعلنا اليوم تجاه أزمة الفيروس؟ سيكون مدهشًا حقًا ألا يكون لهذه الأنماط تأثير قوي فينا. لكن هل هي صالحة لمواجهة جائحة عالمية؟ قدم لنا الفيلسوف الإيطالي الشهير جورجيو أغامبين (ولد سنة 1942 في روما) في بداية الأزمة مثالً مذهلً على مدى الارتباط القائم والمسكوت عنه بين أحداث 11 سبتمبر وأزمة كورونا، حيث نشر في الجريدة اليومية الشيوعية المانيفستو مقالً ساخرًا انتقد فيه بشدة الحكومات الغربية على إعلانها حالة الطوارئ، واتهمها بأنها تسعى بهذه الطريقة إلى كسب صلاحيات سلطوية جديدة: «حينما لم يعد الإرهاب يشكل سببًا مقنعًا لفرض حالة الطوارئ، جاء اختراع الجائحة ذريعة مثالية لتمديد حالة
الطوارئ وتوسيعها إلى ما لانهاية»، ففيروس كورونا بحسبه «نزلة برد عادية». يوضح لنا هذا الموقف مدى تأثر ردة الفعل تجاه الفيروس التاجي بفترة الإرهاب حتى لدى أفضل العقول؛ إذ مثلما استُغلت الهجومات الإرهابية فعلً لتعليق الحقوق الأساسية وبلورة نموذج محدد لحالة الطوارئ (كما حلل ذلك الفيلسوف أغامبين في موضع آخر)، يتم اليوم على ما يبدو استغلال أزمة كورونا للغرض نفسه. من هنا يتّضح لنا، بجلاء، كم هو خطير استيراد مخاوف من حقب تاريخية أخرى وإسقاطها على الوضعية الراهنة؛ الشيء الذي قد يؤدي إلى إساءة تقدير كبير للوضع، ومن ثم فقدان العديد من الناس أرواحهم. قد يكون رأي أغامبين مجانبًا للصواب تمامًا، لكن يستبعد جدًا أن يكون الوحيد الذي استهوته الأنماط
التفسيرية القديمة؛ إذ الحقيقة أنه يعبّر عن قلقٍ مشروع أساسًا؛ وهو أن يُسَاء استغلال حالة الطوارئ
من طرف الحاكمين والدول، وبعبارة أخرى، أن يَرتدّ الفاعلون السياسيون بالخصوص نحو أنماط سياسية مضلّلة ويستغلوا الوضع للإجهاز على الحقوق الأساسية بصفة دائمة، كما يبدو عليه الحال في هنغاريا. تظهر المخاطر الحقيقية، على سبيل المثال، في مجال حماية البيانات الرقمية، وهو مجال تتخلله فراغات كبيرة منذ 11 سبتمبر. واليوم يتم التخطيط لتحقيق مرونة أكبر بإزائه وعلى أساس طوعي. اخترعت لتحقيق هذا الغرض كلمة سحرية هي «التبرع بالبيانات الرقمية»؛ حيث يهب المرء بياناته مثلما يتبرع لغرض نبيل. لكن إلى متى سيبقى التبرع حقيقة طوعيًا؟ من لا يتبرع يُعَدّ غير متضامن،
وهكذا تتحول حرية الاختيار بذريعة الظرف الاستثنائي إلى شيء ملزم قانونًا. كما يحتمل أن تفي البيانات المجمّعة بالغرض وتزيد، لتستغل في مسائل أخرى غير مكافحة الفيروس. بطريقة مشابهة يتم اليوم في إسرائيل استخدام معلومات استخباراتية جمعت لغرض مكافحة الإرهاب في ملاحقة مخالطي المصابين بالفيروس.
(((ينظر: موقع المانفيستو Il manifesto، شوهد في 020/10/14:2، في https://ilmanifesto.it/login
(2) Giorgio Agamben, Ausnahmezustand (Frankfurt: Edition Suhrkamp, 2004), p. 31.
قد يظن المرء أن هذا أمر مفيد. لكن، دعونا نتخيل أننا مررنا بالأمس مصادفة بالقرب من شخص حامل للفيروس. في اليوم التالي تصلنا فجأة رسالة قصيرة من المخابرات تأمرنا باللزوم الفوري للحجر المنزلي مدة أسبوعين. هذا على الرغم من أنه لم يثبت بعد: هل نحن مصابون بالفيروس أم لا؟ ورغم أنه لم يتم إخضاعنا للتحاليل. ومع ذلك، يتم التلويح في وجوهنا بغرامة مالية كبيرة، إذا نحن لم نمتثل للتعليمات. في الوقت نفسه، يتم إرغامنا على حمل الهواتف الجوالة معنا حيث كنّا وعدم إطفائها، حتى يمكنهم في كل مرة التثبت من مقامنا. وللتأكد من انضباطنا للتعليمات سنتلقى بين الفينة والأخرى رسائل نصية قصيرة علينا أن نجيب عنها. لن يمكننا تسليم الهاتف الجوال لشخص آخر والخروج خلسة من البيت لأن هذا التطبيق لا يشتغل إلا ببصمات أصابعنا أو بالتعرف إلى وجوهنا أو عن طريق المسح الضوئي لأعيننا. اليوم، أصبح الهاتف الجوال الذي كان مصدرًا لاستقلاليتنا وحريتنا من قبل أشبه بقيد رقمي للأرجل.
لقد بدأت الترتيبات لمثل هذا التطبيق في الصين. وفي تركيا يلزم المصابون بالفيروس بتحميل تطبيق للترصد والتتبع يقتفي كل تحركاتهم. ومن لا يلتزم بإجراءات الحجر يتم تحذيره فورًا عبر رسالة نصية. هذه الأولوية التي أعطيت فجأة للصحة على حساب كل القطاعات الأخرى تثير العجب، وأيضًا التشكيك في هذه التطورات. فإلى وقت قريب كان الاقتصاد والترفيه يحظيان كلاهما بكل الأهمية والأولوية، بينما كان نظام الرعاية الصحية يتعرض لكل أنواع التقشف. وبناء عليه، يصبح السؤال عن علاقة الإجراءات الحالية بالصحة، فعلً، واردًا. أثق طبعًا بأن الأمر يتعلق، بالتأكيد، بالحيلولة دون تعرض المنظومة الصحية للانهيار، في حال أطلق العنان للفيروس ليصول ويجول. لكن خلف هذا القلق الجدّي حول المنظومة الصحية تكمن أيضًا أجندة وتحديات أخرى تخص السياسة والمجتمع. نعيش اليوم انهيار التماسك الاجتماعي على أرضية مغايرة هي أرضية الصحة. لا نطرح هذا السؤال عندما تسير الأمور على ما يرام: كيف يتم تدبير المجتمع وضمان تماسكه؟ ما الشروط الدنيا التي يجب توافرها كي لا تعم الفوضى، أو يصل دكتاتور إلى السلطة، أو ينزل الجيش إلى الشوارع؟ ارتبطت هذه الأسئلة في الأعوام الماضية بمجالات أخرى كانت تعتبر حيوية وذات صلة وثيقة بالنظام؛ فقد ارتبطت بالاقتصاد سنة 0082 عندما أوشكت بنوك عديدة على الإفلاس، وبمجال الأمن عندما ضرب الإرهاب بقوة بدءًا من أيلول/ سبتمبر.2001 في الحاضر، أصبح فاعلان أساسيان مهمين خلال محاولة حماية نظامنا الاجتماعي من الجائحة، وهما يقفان في تنافس إزاءها؛ من جهة، هناك الدول القومية المختلفة، ومن جهة أخرى، هناك شركات الإنترنت العالمية مثل غوغل وأبل وأمازون وإنستغرام وفيسبوك وغيرها. وحدها هذه الشركات تملك المعلومات الشخصية الكفيلة بسياسة الناس وتوجههم، مثل المعلومات المتعلقة بتنقلاتهم، واهتماماتهم الشخصية، وعلاقاتهم بالآخرين... إلخ. وفي المقابل، تمتلك الدولة الآلية الضرورية لفرض النظام؛ سلطة الأمن. فقط عندما تجتمع المعلومات الحميمية مع سلطة النظام العام، يغدو ممكنًا، خلال جائحة ما، توجيه المجتمع بدرجة تضمن حماية الصحة. أكيد، استخدم العديد من
الدول الإنترنت من قبل في مكافحة الإرهاب – أو ببساطة في مراقبة السكان – سرًّا ومن دون علم
المعنيين أو شركات الإنترنت. لكن أين يكمن الفرق هنا؟ يكمن الفرق، في الوضعية الراهنة، في أن مراقبة المواطنات والمواطنين تتم بطريقة شرعية وبصفة رسمية، وبعلمهم التام بها. وليس هذا فرقًا هينًا، وإنما هو فرق حاسم. لأن معرفتنا، فحسب، بالتعرض للمراقبة تؤثر في سلوكنا، وتجعلنا نكيّف سلوكنا بحسب الطريقة التي ترتضيها السلطة أو الدولة. حينها
لا نتعرض فقط لمجرد المراقبة ولكن، أيضًا وفعليًا، للتأثير والتوجيه. لا داعي إلى الإشارة إلى خطورة المراقبة وإمكانية سوء استخدامها؛ إذ الأمر ليس خطرًا في كل
الحالات. قد يروم هذا النوع من المراقبة والتوجيه الحاليين، فعلً، محاصرة انتشار الوباء، لكنه يصبح إذّاك خطرًا عندما تتولى المراقبة حكومات استبدادية غير ديمقراطية تصعب إطاحتها، مثلما هو الحال
في الصين وروسيا وإيران ودول أخرى عديدة. فعوض مراقبة الصحة قد تعمد هذه الدول إلى مراقبة أنواع التحركات كلها، حيث تستطيع الأنظمة الاستبدادية بواسطة تطبيق التتبع هذا، بصفة عشوائية، إرغام أي شخص على البقاء في المنزل أو عدم مغادرة نطاق محدد. فهي لا تحتاج في ذلك حتى إلى المؤسسات السجنية. وليست مضطرة إلى استخدام السلطة إلا في حال عدم الالتزام بالتعليمات. لكن ربما القليل فقط من الناس هم الذين لن يفضلوا الأسرة في منازلهم على زنازين السجن. نقف اليوم – نحن المواطنات والمواطنين سكان العالم – أمام تحديَين كبيرين متزامنين، ولا يمكن في الواقع الجمع بينهما: علينا، من جهة، أن نحاول بكل قوانا محاصرة الفيروس الفعلي ذي الطبيعة البيولوجية، خصوصًا إذا علمنا أنه يُتخذ مطية لفرض سياسة سلطوية. وعلينا من جهة أخرى في الحين نفسه أن نقاوم ضد فيروس مجتمع الرقابة، ذلكم الفيروس السياسي الذي يتعلق بأطراف الفيروس البيولوجي ويتخفى في ظلاله ويتبعه ظلً بظل، لا يدركه الناس وربما يرحب به بعضهم. كلما أمكن محاصرة الوباء بطريقة طبيعية أي عن طريق السلوك الواعي والوقائي، قلّ خطر اضطلاع التقنية والمراقبة بهذا الدور. ومن ثم تضعف مخاطر أن تتخذ الحكومات الأزمة مطية لتقييد حريتنا وتجريب تقنيات مراقبة جديدة. إن حريتنا التي نمتدحها كثيرًا، والفردانية، وأسلوب عيشنا ذاته، كل هذه الأشياء الجميلة هي، من دون
ريب، ليست من صميم النظام. وهو أمر لا يدعو إلى العجب: إنها بطبيعتها ومفهومها نقيض للمراقبة والأمن وسيطرة الدولة على المجتمع. أعادت الأزمة الحالية الدولة والسياسة إلى وظائفها الأساسية المتمثلة في المراقبة والأمن. ويعتبر مبعث الصدمة التي يعيشها الكثيرون اليوم إدراكهم المفاجئ أن كل شيء، ما عدا ذلك، لم يكن إلا خدعة وخطبًا رنانة. تجلى هذا، على وجه الخصوص، في تلك المجالات التي كانت، في الأوقات العادية، تدّعي لنفسها قدرًا كبيرًا من العناية والأهمية الرمزية مثل الرياضة والثقافة؛ إذ كانت أولى القطاعات التي تم حصرها
ووقف نشاطها بسهولة، والتي ربما لن تستعيد مجدها القديم والمبهر مجددًا.
فعلً، يطرح اليوم هذا السؤال نفسه بإلحاح: ما مقدار الرياضة التي نحتاج إليها حقًا؟ ما الذي يعنيه عدم إمكاننا الذهاب إلى الحفلات الموسيقية ودور السينما والمتاحف بعد الآن؟ ما الذي نفقده عندما لا نحضر قراءات الكاتبات والكتاب، عندما لا نحضر المناقشات، ولا نذهب إلى المسرح؟ ألا يصير من الهين على الحكومات أن تتقشف في ميزانية الدعم العمومي لقطاعات الثقافة والفنون إذا اتضح أنه يمكننا في الواقع الاستغناء عنها؟ ولكن هل يمكننا فعلًالاستغناء عنها؟ الفيروس والإرهاب مثلهما مثل مجسم بلوري على شكل منشور، يفككان مجتمعاتنا إلى ألوانها الطيفية ويظهران لنا من نحن، وما العناصر التي نتكون منها، وكيف تشتغل الأجهزة الصلبة الموجودة تحت واجهات الاستخدام الجذابة والمضللة حقًا. من خلاله تنكشف لنا الأولويات التي نضعها، عندما ينتهي زمن الاستعارات والأحلام. ننظر إلى ذواتنا في هذا التحليل الطيفي، نحك رؤوسنا ونسأل أنفسنا عن المصير الذي سنفيق عليه غدًا.
ثانيًا: البلاغيات الحربية
يتمثل تشابه آخر مثير مع أحداث 11 سبتمبر في الب غاايات الحربية التي استخدمها الكثير من الحكام والمعلقين لوصف التحديات المطروحة؛ إذ تمت الاستعانة بلغة 11 سبتمبر للتعبير عن جسامة الوضعية الحالية وصعوبتها، مع تجاهل الفوارق الحاسمة بين الحدثين. يجب الانتصار على الفيروس كما كان يجب، من قبل، الانتصار على الإرهابيين. سُمعت جملة «نحن في حرب»
في العديد من العواصم وليس فقط في الولايات المتحدة، كأن الحرب على الفيروس التاجي هي بمنزلة حرب عالمية. في تغريدة على تويتر شبّه عمدة نيويورك بيل دو بلاسيو Bill de Blasio في
هذه الحرب أجهزة التنفس الاصطناعي ب «الأسلحة». يلغي هذا التشبيه، أو بتعبير أدق المساواة بين أجهزة التنفس الاصطناعي والأسلحة، الفرق الحاسم بينهما، والمتمثل في أن أجهزة التنفس تنقذ الحياة بينما الأسلحة تفنيها.
(((ينظر في هذا الصدد:
Lawrence Freedman, «Coronavirus and the Language of War,» The New Statesman , 11/4/2020, accessed on 14/10/2020, at: https://bit.ly/33VROJm
وفي الختام يقول: «على نقيض الحروب التي يمكن حلها بواسطة مفاوضات السلام، لا توجد أساليب سياسية من شأنها
أن تحمل الفيروس على المغادرة. ليس هناك خيار آخر غير أن نكافح بأقصى ما نستطيع. إن كوفيد 19– يشكل تهديدًا
عالميًا. لذا يجمل بنا ونحن نصوغ الردود التي نحتاج، أن نتخلى عن لغة الصراع وأن نفكر عن طريق التعاون في بذل
جهد عالمي».
(4) Nicholas Kristof, «Brace Yourself for Waves of Coronavirus Infections,» The New York Times , 4/4/2020, accessed on 14/10/2020, at: https://nyti.ms/3lPWh6F
(((تغريدة أطلقها عمدة نيويورك: «نحن في حرب، وأجهزة التنفس الاصطناعي هي أسلحتنا»، تويتر،.2020/3/29
تزداد المسألة تعقيدًا ويتضح خطل هذه المقارنة إذا علمنا أن التنفس الاصطناعي نفسه يشكل تدخلً طبيًا إشكاليًا، قد
تكون له عواقب بعدية وخيمة، ولا يمكنه بأي حال إنقاذ الأرواح ببساطة. ينظر بهذا الصدد:
Kathryn Dreger, «What You Should Know Before You Need a Ventilator,» The New York Times , 4/4/2020, accessed on 14/10/2020, at: https://nyti.ms/2H0vyoE
لا يقلل تشبيه كهذا فقط من خطر الأسلحة، بل يعبّر أيضًا عن عجز كبير في التعبير وعن عيّ متفاقم.
مرد هذا العيّ غياب رؤية واضحة وفقر في البدائل. وهو غياب الرؤية نفسه الذي طبع الردود العاجزة
على الإرهاب: لم تخطر ببال أحد إلا الحلول الأمنية والعسكرية، التي أدت إلى حربين في العراق وأفغانستان، مدمرتين وخاسرتين بالقياس إلى الأهداف المسطّرة. عندما تتحدث فيه الحكومات عن حرب ضد كورونا، فهذا يزيد من احتمال أن يكون التدخل على شكل إجراءات كالتي تُتخذ في الحرب. وهو بالضبط ما حصل قبل تسعة عشر عامًا خلال «الحرب على الإرهاب»؛ حيث تم اتخاذ إجراءات مراقبة صارمة وتقرر تعليق الحقوق الأساسية. لم تخص هذه الإجراءات إلا قليلين (عندما سمح مثلً بتقنيات تعذيب معينة)، لكنها اليوم تعني كل البشر؛ إذ لولا هذه البلاغيات الحربية لما أمكن تحويل الشقق إلى زنزانات يصرف فيها الناس على أنفسهم، وتحولت الهواتف الجوالة إلى قيود إلكترونية للقدمين. وأخلي في الوقت نفسه سبيل العديد من السجناء خشية انتشار العدوى بينهم. يا له من عالم معكوس! أكيد أن كل هذا يجري من أجل هدف نبيل وهو حماية الأرواح، لكن أليس هذا ما يتم ادعاؤه دائمًا في أزمات مشابهة؟ فوفقًا للحكومة الأميركية لم يتم استخدام أساليب مشددة في التحقيق إلا من أجل حماية الأرواح والحيلولة دون وقوع المزيد من الهجمات الإرهابية. وبقدر ما تبدو هذه التشابهات مقلقة، يصبح عدم السكوت على الفروق الحاسمة مهمًّا: من المرجّح جدًّا أن التعذيب لم ينقذ حياة
ولم يحل دون وقوع أحداث إرهابية. كما من المرجح أن الحجر المنزلي سيسهم في إنقاذ الأرواح. قد يقول قائل إن هذه البلاغة الحربية المستخدمة اليوم لا تنذر بحرب وإنما تستخدم فقط مجازًا لبيان خطورة الوضع القائم واستعجاليته. لكن ألم يكن الحديث عن «حرب على الإرهاب» في البداية أيضًا
مجازيًا؟ تخلق العبارات المجازية ديناميتها الخاصة. تتحول الصورة المجازية فجأة إلى واقع مثلها مثل النبوءات التي تتحقق وحدها. ويبقى خطر حدوث دينامية ذاتية كهذه وتحقق المجاز في حالة الحرب على الفيروس قائمًا. يبقى هذا الخطر اليوم أيضًا قائمًا لأن الفيروس غير مرئي ولا ملموس وحاضر في كل مكان مثلما كان يبدو عليه حال الإرهاب بعد 11 سبتمبر، كرمز له، اعتُبِر ما أطلق عليه «الخلية النائمة»، والتي تعني الإرهابي الذي يعيش في تقية بين ظهرانينا والقادر على مهاجمتنا في أي لحظة. وبما أن المتهمين ضمنيًا بهذا الدور كانوا هم المسلمين، فإن الحديث عن الخلايا النائمة أجج العنصرية ضدهم. وهكذا
تطور في الفترة 020–20012 إرهاب يميني عنصري أبيض ينشط على المستوى العالمي، بلغ ذروته في ألمانيا مع الهجوم الإرهابي الدامي بمدينة هاناو، قبل أزمة كورونا بأيام قليلة. الواضح أن الإرهاب مثله مثل الفيروس يعدي، فهو ليس مشكِلً إسلاميًا فحسب، تمامًا مثل الفيروس الذي هو ليس شأنًا
صينيًا فحسب. الفيروس والإرهاب كلاهما يعدي على نحو مشابه، لكن يوجد ثمة فرق مثير بينهما؛ ففي الوقت الذي ينظر فيه إلى أن الإرهاب مصدره دائمًا الآخر أو الغريب، ولا يمكن أن نكون «نحن» مصدره (كيفما
كان الحال، لا يصدر عن الذات، لأننا نعتقد أننا نعرف أنفسنا جيدًا، ولا يمكن أن ننسب إليها مثل هذه الأفعال الشنيعة)، نجد أن الفيروس الحقيقي يستطيع أن يحوّل كل واحد منا أي «نحن» أنفسنا إلى
ناقلين للخطر ضد إرادتنا الخاصة، ورغمًا عنا ومن دون معرفتنا بذلك. قد يكون كل فرد في الوضعية الحالية خلية نائمة محتملة، يشكل خطرًا تصوب نحوه الحرب على
الفيروس بنادقها. ينطبق علينا جميعًا ما قاله سيجموند فرويد، مخترع التحليل النفسي عن الأنا: الأنا ليس سيدًا في عقر داره. لذا تجد الشخصيات النرجسية والمصابة بجنون العظمة صعوبة كبيرة في تقبل هذا الوضع. فهم لا يستطيعون أن يتصوروا أنفسهم «خلايا نائمة» يستطيعون أن يعدوا الأشخاص الآخرين، إما بالفيروس وإما بنرجسيتهم وجنون عظمتهم. ويزيد الطين بلة إذا كان مثل هؤلاء في مواقع قيادية، فهم يشكلون خطرًا كبيرًا بدرجة خطورة الإرهاب على مجتمعاتهم. سياسيون مثل الرئيس
الأميركي دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والرئيس البريطاني بوريس جونسون، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، يؤكدون ذلك في هذه الأزمة أسبوعًا بعد أسبوع. ليس السياسيون الواثقون فحسب هم من عبروا عن استيائهم، وإنما أيضًا ارتفعت أصوات بالاحتجاج – وهذا أمر طبيعي – بين عامة الناس ضد هذا التجريح والاتهام الشامل بكونهم حاملي فيروس، لأنهم بريئون ولا يشكلون خطرًا. وهناك تشابه مثير آخر مع المرحلة التي تلت أحداث 11 سبتمبر، ويخص الشعور الذي كان يتملك الكثير من المسلمين عندما كانوا يوضعون موضع الشك جملة ويتهمون بأنهم متعاطفون، ومساندون أو خلايا نائمة. في حين أننا اليوم كلنا جميعًا في موضع الاتهام، ونسعى جاهدين إلى أن نثبت أننا لسنا خطرين، بل أناس عاديون، نوضع جميعًا موضع اتهام شامل ونعامل بوصفنا عناصر خطرة، لا نشكل خطورة إسلاموية ولكن خطورة فيروسية. وهي تجربة مثيرة لكل واحد وواحدة منا. نتعلّم من النظر إلى الماضي، أي إلى فترة الإرهاب، أنه من السذاجة والاستخفاف أن نفترض أننا سنهزم الفيروس في القريب العاجل، حيث يمكننا أن نتوقع منذ الآن أن موجات عديدة قد تأتي، وأن «قطعانًا من الفيروسات» ستندلع هنا أو هناك مثل النار في الهشيم. وحتى لو وُجد لقاح في السنة المقبلة
فإنه لا ينبغي لنا أن نشعر بالأمان التام. في سنة 0002 بدا أن مقاتلي طالبان اندحروا، لكنهم عادوا من جديد، تقوّوا وأرغموا الولايات المتحدة على مفاوضات السلام. قتل بن لادن وأصبحت منظمة
القاعدة الإرهابية غير ذات أهمية، لكن بدلً منها برز تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» كمنظمة إرهابية أشدّ عنفًا وشراسة. وفي الأخير تجاوز الإرهاب الحدود الثقافية المتوهمة بين الغرب والإسلام مثلما تخطى الفيروس الحد البيولوجي الفاصل بين الإنسان والحيوان. من المؤكد أن الشكل الجديد للإرهاب – كما مارسه الإسلامويون – يجد جذوره في أوروبا القرن التاسع عشر، إذ أبدعته واعتمدته الحركات التحررية القومية والفوضوية وسيلة للتنبيه إلى مطالبها ولكسر شوكة الأنظمة السائدة وإضعافها؛ مما ألهم بدوره حركات المقاومة المناهضة للاستعمار مثل حركة جبهة التحرير الوطني في الجزائر ضد فرنسا، وفيما بعد الفلسطينيون ضد الإسرائيليين، وهكذا
دواليك. وعلى طريقة استعادة العدوى التي تم تصديرها من قبل، عادى الإرهاب الممارس على هذا النحو بدوره الحركات الغربية، بل ألهم، مثلً، إرهابيي التفوق العرقي للبيض، الذين يمارسون ما يطلق عليه بالإرهاب اليقظ أو الإرهاب الاستباقي. وفي حال القيام بإسقاط على الوضعية الراهنة، فإن هذا يعني أن فيروسات أخرى ستأتي، وأن الفيروس التاجي سيضرب في مرة أخرى موجات عديدة. ومن الممكن أن يعرف طفرة إلى درجة تجعل كل اللقاحات لا تصل إليه. هذا، وقد ينتشر الفيروس في أماكن مختلفة على نطاقات محلية، إلى درجة تصبح معها الإجراءات المتخذة حديثًا مستمرة ومتواصلة. ومثلما كان خطر الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر يحوم في الأفق، ويفرض من ثم اتخاذ إجراءات كيفما كان نوعها (سواء كانت مجدية أم لا)، لا لشيء إلا لبعث إشارات الطمأنينة وإظهار القدرة على الرد، فإنه سيتم بعد أزمة كورونا أخذ التهديد الفيروسي لمجتمعاتنا دائمًا في الحسبان. وسيتخذها بعض
السياسيين مطية لارتجال ممارسات شعبوية تتمظهر على شكل عنتريات وحركات استعراضية سلطوية (مثل إغلاق الحدود ووقف الهجرة والحجر المنزلي المشدد)، في حين سيستغلها آخرون بدورهم، وسيجدون ضالتهم السياسية في المناداة بالتخفيف من إجراءات كورونا والتقليل من مخاطرها كما بدأ يحدث منذ الآن بالضبط. قد يجتمع هذان الموقفان السياسيان المتناقضان، في بعض الحالات، في سياسي واحد، كما يتجلى ذلك في ترامب مثلًالذي يحاول أن يؤدي في الآن نفسه دور النوعين من الشعبوية معًا: شعبوية الحجر الصحي وشعبوية التخفيف من إجراءات كورونا، علمًا أن القاسم المشترك يكمن، من جهة، في
ترامب نفسه، ومن جهة أخرى في الشعبوية التي لا يهمها، حسبما تثبته التجربة، أن تكون التصريحات متناقضة أو لا. نرى، انطلاقًا من هذه الأمثلة، أن التشابهات بين الفيروس والإرهاب ليست ناتجة فقط من أن الفيروس والإرهاب موجودان، ولكنها بالأحرى نتيجة لطريقة تعاملنا معهما، بواسطة الأساليب الاستخباراتية والبوليسية والقانونية، والبلاغيات الحربية، والشعبوية والحركات المبالغ فيها. تتمثل التشابهات، أيضًا وعلى وجه الخصوص في الدول الديمقراطية، في النظر إلى مكافحة الإرهاب ومحاصرة الوباء كشكل من أشكال الحروب والقتال والمواجهة، كل ذلك لإثارة العواطف والتوجهات السياسية، واستمالة أصوات الناخبين عوض النظر إلى الأحداث بموضوعية وتقصي الأسباب وأخذها بالجدية اللازمة واستخلاص الدروس. ففيما يتعلق ب «الحرب على الإرهاب»، نعرف اليوم جميعًا أنها منيت بفشل كبير وأدت إلى تطورات كارثية. كم كان سيكون مجديًا لو تم الإنصات جيدًا لدروس الإرهاب وعبره مهما بدت غريبة، ومهما كانت رسائله مزعجة، ومهما ترتب على ذلك من عواقب سياسية.
(((الإرهاب الاستباقي نوع من الإرهاب لا يهدف (بخلاف الأشكال الأخرى للإرهاب) إلى إضعاف نظام الدولة القائم،
بل إلى تعزيزه، وإن جرى ذلك بخرق القوانين التي يقوم عليها هذا النظام من خلال العدالة الذاتية. الإرهابيون الاستباقيون
أو اليقظون يعتقدون وجوب حماية مجتمعاتهم ضد عناصر يعتبرونها دخيلة أو ضد حكومة استبدادية. (المترجم)
إننا نحتاج إلى مقاربات أخرى غير المواجهة والحرب والتضاد كي نصغي إلى رسائل أزمات مثل هذه ونتصرف إزاءها بذكاء. فما إذًا المقاربات المتاحة؟ إننا إزاء معضلة عمدة نيويورك نفسها: تعوزنا اللغة وتعوزنا البدائل. لكن إذا أدركنا مرة واحدة أن المواجهة الساذجة والحرب المفتوحة لا يمكنهما أن تكونا الحل، فإن الجواب الملائم يتمثل بالضبط في نقيضهما: الحوار، التفاوض، الحلول التوافقية، التسوية، التضامن والتعاطف. كلما تأملنا هذه الأمور، ظهر لنا الحديث عن حرب ضد الفيروس أخرق وفي غير محله. الحرب التي تصلح فقط لتقليص عدد الضحايا ليست حربًا بطولية، بل هي مجرد «صدقة»، وإذًا هي نقيض الحرب. الحرب غير البطولية عبث؛ إذ يعوزها العدو المتمثل في الإنسان الآخر الذي يمكن أن نحمله الوزر ويستحق غضبنا، وينقصها المشجب الذي نعلق عليه كراهيتنا والذي يتمثل في «الإرهابيين»، وبالنسبة إلى الكثيرين وبامتياز: في «الإسلام». الحرب على الفيروس مجرد بلاغيات؛ لذا هي حرب يائسة وضعيفة، إنها مجرد «ملاكمة الظل». تفوق التضحيات المادية التي تتطلبها هذه الحرب من المواطنين حجم الخسائر البشرية؛ ففي الوقت الذي يمثل الناجون مجرد كتلة إحصائية ويبقون مجهولين وبلا أسماء، نجد أن إجراءات الحد من الحرية في الحياة اليومية تمس كل فرد بصفة ملموسة ومباشرة. وهذا ما يفسر لماذا يبقى التماهي مع موضوع الإجراءات مجردًا وذا تأثير عاطفي محدود. فمهما بذل من جهد لإذكاء نار البلاغية الحربية، فإن الشرارة لا تقدح. كي نتحكم في الفيروس علينا أن نتخلص من منطق الحرب. وعندما يواجهنا مشكل علينا أن نتخلص من منطق المواجهة وأن ندخل في حوار مع الخصم؛ إذ إن التفاوض مع الفيروس أسهل من التفاوض مع الإرهاب من ناحية، وأصعب من ناحية أخرى؛ فهو أسهل لأنه ليس جارحًا مثل التفاوض مع شخص يكرهك ويهاجمك. بينما هو أصعب لأن الفيروس لا يستطيع أن يبوح لنا بما يريد. نعم، لأنه لا يمتلك إرادة ذاتية خاصة. رغم ذلك، يقدّم لنا الفيروس رسالته والمغزى منه والذي يتوافق تمامًا مع ما كنا سنستفيده من مغزى الإرهاب لو كنا أصغينا إليه. الرسالة تقول إنه لا يمكننا التحكم في العولمة، وإنها ستكلف العديد من الضحايا سواء من البشر أو من كل ما يتصل بالبيئة والطبيعة. تقول الرسالة التي يحملها إلينا كل من الفيروس والإرهاب إنه يجب علينا أن ندبّر العولمة تدبيرًا أفضل، أشدّ لينًا، وأكثر مراعاة، وبالحوار، وإلا فإنها ستلتهمنا جميعًا.
(((قرأت استنتاجًا مشابهًا لهذا عند دافيد رونسيمان؛ إذ يصرّح: «في الحرب يقف العدو قبالتنا، بينما لا يظهر المرض نفسه في
هذه الجائحة إلا من خلال العدّ اليومي للإصابات الجديدة وحالات الوفيات. تصبح السياسة الديمقراطية هنا مثل ملاكمة الظل؛ إذ
لا تعرف الدولة أي الأجسام يشكل فعلً خطورة». ينظر:
David Runciman, «Coronavirus has not Suspended Politics – It has Revealed the Nature of Power,» The Guardian, 27/3/2020, accessed on 14/10/2020, at: https://bit.ly/2H4z8Os
ثالثًا: العولمة
توجد بين أحداث 11 سبتمبر والفيروس وشائج وقواسم مشتركة، يتجاوز عمقها المستوى البلاغي والحديث عن الحرب. انتشار الفيروس عالميًا والإرهاب الدولي، كلاهما نتيجة سلبية للعولمة. هما
منتوجها وغريمها في الآن نفسه. وبعبارة أخرى، تنتج العولمة باعتبارها تشابكًا دوليًا لمجتمعاتنا
قوى تتمرد على هذا التطور. الفيروس والإرهاب يردان العولمة على عقبها، يضعانها موضع الشك ويفضحان أضرارها وأخطارها؛ فمن المستحيل قيادة العولمة بأمان والتحكم فيها. يمكننا أن نتوقع منذ الآن أن النقاش حول العولمة سيعاد طرحه من جديد، ليس طواعية طبعًا، إنما نظرًا إلى الأزمات
السياسية والثقافية، التي باتت وشيكة. جدير بالملاحظة أن هذا النقاش سيستأنف في ظل تأزم أكبر انطلاقًا من وضعية النقاش التي كانت سائدة في فترة ما قبل أحداث 11 سبتمبر، حول أجندة مرشح الرئاسيات الديمقراطي آل غور مثلً المتعلقة بالسياسة البيئية لسنة 0002، أو انطلاقًا من المظاهرات المناوئة للعولمة التي اندلعت سنة 1999 ضد مؤتمر منظمة التجارة العالمية بمدينة سياتل. توقفت تلك النقاشات مع هجمات 11 سبتمبر الإرهابية. وتأجل النقاش حول البيئة الذي كان يومها ضرورة ملحّة مدة خمسة عشر عامًا. هذا في
الوقت الذي كان فيه الاقتصاد يستفيد من التركيز السياسي على الإرهاب، ويكمل من دون أدنى مراعاة للبيئة مسلسل العولمة، جاعلً منها تطورًا لا رجعة فيه؛ إذ يرتبط غياب الرؤية الذي نشتكي منه اليوم لمواجهة التحديات المقبلة أساسًا بوقف النقاشات البديلة عقب أحداث 11 سبتمبر، وب «الحرب على
الإرهاب». لم يترك الشعار الذي رفعه يومئذ الرئيس بوش «من ليس معنا، فهو ضدنا» أيّ مجال للأجوبة المرنة،
لا فيما يخص الإرهاب، ولا فيما يتعلق بالفيروس التاجي أو بالعولمة الاقتصادية. قبل فيروس كورونا، كان هناك فرق بين «نحن» و«الآخرين» المفترضين. لكننا اليوم نواجه الفيروس جميعنا، الجميع هنا يمثل ال «نحن». ما ينظر إليه الكثيرون على أنه شيء إيجابي، لأن الفيروس بحسبهم وحّد بين البشر
ولم يفرق بينهم، قد ينطوي أيضًا على جوانب سلبية. أمن الإيجابي فعلً ألّ يكون هناك قاسم مشترك أو طرف ثالث يجسّر الهوة بين هذه ال «نحن» المطلقة التي تمثل البشرية و«الآخر» المطلق الذي هو
الفيروس؟ إذا كان البشر يمثلون ال «نحن»، فما هو يا ترى منطقيًا هذا الذي هو ضدنا وعلينا مواجهته؟
أخشى أن يكون هو الجزء غير البشري، بقية الكون، أي الطبيعة والبيئة والتنوع الطبيعي. لا يبدو هذا التفسير مستبعدًا إذا ما نظرنا إلى العدوان البشري ضد الطبيعة المستشري في العقود الأخيرة.
(((«تشكل هذه الأزمة التي نمر بها منعطفًا تاريخيًا. لقد انتهت فترة ذروة العولمة». ينظر:
John Grey, «Why this Crisis is a Turning Point in History,» The New Statesman , 1/4/2020, accessed on 14/10/2020, at: https://bit.ly/3nHYcM6
(((«رغم ذلك يبقى الاعتقاد قائمًا أن الجائحات والأوبئة مجرد حوادث عارضة ولا تشكل جزءًا لا يتجزأ من التاريخ.
يختفي خلف هذا الطرح الاعتقاد أن الإنسان لم يعد يشكل جزءًا من العالم الطبيعي، وأنه في قدرته أن يخلق نظامًا بيئيًا
قائمًا بذاته ومنفصلً عن باقي محيطه الحيوي. أما فيروس كوفيد 19– فيقول إنه لا يمكنه ذلك»، ينظر:
Ibid.
قد يقول قائل، لا عجب إذًا أن ترد الطبيعة بقوة وتتصرف أيضًا على أساس أن الذين ليسوا معها هم ضدها. ستكون محقة في هذا لا محالة. لكن، بما أنها فاعل بمواصفات غير بشرية، فإنه من غير الممكن أن نتفاوض، أن نتوصل معها إلى حل وسط، أن نعقد معها اتفاق سلام. لا يبقى لنا إذًا إلا أن نتبعها ونتأقلم معها أو أن نتابع بغرور أملنا في النصر عليها بفضل التكنولوجيا والعلم. فكرة ال «نحن» التي تقتصر فقط على الإنسان، أو ما يمكن أن نطلق عليه النزعة الإنسية المتمركزة حول الإنسان فكرة محكوم عليها بالفشل كما يتبين لنا اليوم. وهو استنتاج كان في الإمكان التوصل إليه قبل 11 سبتمبر أو ربما أيضًا من دونه. حيث أسهم الإرهاب وما تلاه من سياسة عدوانية في أن تكلفنا الطبيعة ضحايا مادية وبشرية جسيمة، و«تهزمنا» قبل أن تتاح لنا فرصة التعاون معها، وقبل أن تتاح لنا إمكانية أن نقوم طواعية بخطوات صغيرة بما اضطررنا إلى القيام به اليوم متعجلين ومن دون سابق تحضير وفي ظروف مأساوية. فلكي ننجح اليوم في صد «العدو» الجديد ومقاومته، ها نحن اليوم مضطرون إلى تقديم الاعترافات، إلى التوقف عن السفر بالطائرة، إلى التقليل من الاستهلاك. المثير في هذا هو أن الأمر لم يكن يختلف كثيرًا بعد أحداث 11 سبتمبر. فرغمًا عن كل بلاغيات
الحرية التي اعتبرت حتى ذلك الحين جوهرية بالنسبة إلى الغرب المتخيل الذي نشكله «نحن»، قصدت كل الإجراءات المتخذة لمحاربة الإرهاب إلى تقييد الحريات. بينما توجه الفاعلون السياسيون والاجتماعيون العقلاء بالاهتمام نحو المسلمين وبحثوا عن الحوار وباشروه. مهما بدا للبعض الاعتراف بالجوانب الإيجابية لأزمة كورونا وتعلقها بأحداث 11 سبتمبر غير سائغ، إلا أن كثيرين مستعدون أن يقروا أنها قد تغير بصفة مستدامة عاداتنا الحياتية نحو الأفضل، وأن لها تأثيرات إيجابية أخرى، مثل النقص الواضح في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتضامن الجيد والمفاجئ بين بني البشر ومسألة وضع أولويات أخرى... إلخ. لو كنا عوّدنا أنفسنا منذ عشر سنين أو عشرين سنة خلت على أسلوب حياة أقل توسعًا (وإن بدت هذه
الفكرة طوباوية)، وذلك بالتزام سياسة بيئية حساسة وواعية، لما كنا لنشعر بحدة التقييدات (الحجر المنزلي، وغيره) التي نعيشها الآن، ولما كانت هي نفسها لتصير بهذه الدرجة. لا يجرؤ أحد منا على قول هذا بوضوح حتى لو بدا جليًّا. لكن التعبير عنه مهم. لأننا بذلك سنقول بما ينبغي لنا فعله بعد
مرور هذه الأزمة. وأيضًا من جانب آخر، لسياسة ما بعد 11 سبتمبر تأثيرات مباشرة في ردة الفعل السياسي إزاء فيروس كورونا: لا يمكننا أن نستوعب بصورة صحيحة تنامي الشعبوية اليمينية في الديمقراطيات الغربية من دون تلك الأحداث، حيث كان يتم تحفيز الخطاب اليميني المعادي للأجانب بواسطة الإرهاب أولً، وبعدها بواسطة التدفق المتزايد للمهاجرين. أزمات اللاجئين بدورها نتيجة مباشرة لزعزعة استقرار الشرق الأوسط والشرق الأدنى بواسطة الحرب على الإرهاب. بالنظر إلى موضوع كورونا، يتضح إذًا أن الشعبوية تمثل خطرًا على أبدان الشعوب وحيواتها، وذلك بنزوعها نحو المبالغات ونظريات المؤامرة،
وباحتقارها للعلم، وردود فعلها السياسية المبالغ فيها وبسلوكياتها الانفعالية.
تتجلى هذه المسألة بوضوح في سياسيين بعينهم. كلهم قللوا من أهمية الفيروس ومخاطره، ونادوا متأخرين أو لم ينادوا أصلً بإجراءات احترازية حاسمة (أو دعوا إلى إجراءات غير ملائمة)، وعلاقتهم بالعلم علاقة إشكالية. تعامل البلدان المختلفة مع أزمة كورونا وطبيعة السياسيين الذين يقررون في شؤون الحياة والموت، كلها أمور ترتبط أساسًا بالسياسة المنتهجة إثر أحداث 11 سبتمبر. علينا فقط أن
نرغب فعلً في إدراك هذه الارتباطات. حتى ما اصطلح عليه في الأدبيات الغربية «الإرهاب الإسلامي»، كان عبارة عن ردة فعل خاصة على الموجة الجديدة للعولمة التي بدأت سنة 1989؛ إذ نعثر في طبقات تاريخية أعمق على روابط بينه وبين عولمة الاستعمار والحركات الارتجاعية الناتجة منه. لقد كان للاستعمار نفسه دور قيادي في عولمة الفيروسات، حيث استفاد منها وجنى ثمارها. تقول الإحصائيات إن الإبادة شبه الكاملة للسكان الأصليين في الأميركتين الشمالية والجنوبية لم تكن في معظمها نتيجة للعنف الاستعماري المباشر، وإنما كانت نتيجة انتشار العدوى بفيروسات وبكتيريا، لم يكن للسكان الأصليين أي مناعة ضدها. وكما جوبِه العنف الاستعماري بعنف استند في مجمله إلى خطابات مشروعة مناهضة للاستعمار، يتعلق الأمر اليوم بعدوّ فيروسي Nemsis Viral يعتبر بدوره إرهابًا ويشبّه به. لم تكتسب بلدان
النصف الشمالي للكرة الأرضية بعد مناعات اقتصادية وسياسية ضد هذا العدو الفيروسي، ولم تطوّر
ساكنتها بعد حصانة نفسية ضده. فهم غير معتادين على ظروف كهذه، على عكس ساكنة النصف الجنوبي ضحية الاستعمار والعولمة، أو الناس في الصين ومصر والعراق وسورية وأفغانستان وقطاع غزة، الذين خبروا منذ مدة طويلة معنى القمع وحظر التجوال وتقييد الحريات. يمكن أن ندرك العدوى الفيروسية ليس بمعناها البيولوجي فحسب، وإنما أيضًا باعتبارها وسائطية؛ اتصالات، تصدير أفكار، دعاية، تبشير، تلفيق Framing. وهي كلها علامات للحداثة التي تم نقلها إلى العالم في عصر الاستعمار. سيكون من المفيد حقًا أن نتأكد من الأطروحة القائلة إن أفضل ما يمكن أن توصف به الحداثة ليس كونها سياسية أو اقتصادية، وإنما حداثة فيروسية تتعلق مجازًا بالأفكار والتصورات. وهو ما من شأنه أن يفسر لنا اقتران الحداثة جنبًا إلى جنب بالتطورات المتسارعة
في تقنيات الاتصال وسر اهتمامها بتطوير هذه التقنيات أكثر من غيرها، بدءًا بالتلغراف، مرورًا بالراديو
والوسائط البصرية، وانتهاء بشبكة الإنترنت التي صارت تمكّننا حاليًا من التبادل الفردي للمعطيات
وفي وقت قياسي. تضعنا هذه الفيروسية الافتراضية عالية السرعة في موضع محظوظ، حيث تمكّننا من إبطاء الفيروسية الحقيقية الطفيلية والبيولوجية وكبحها. لكن كلما تشددنا في إبطاء الانتشار الفيروسي البيولوجي، أسلمنا أنفسنا أكثر لهذه الفيروسية الوسائطية المتعلقة بالبيانات، والتي ستكون عواقبها أشد وخامة،
(1((تعني نمسيس Nemsis في الأسطورة الإغريقية إلهة الانتقام العادل. (المترجم) (1((تعني Framing مفعول التأطير أو تأثيره، ويقصد بها كيف أن رسالة معينة لها المضمون نفسه يمكن أن تؤثر تأثيرات
مختلفة في المتلقي، اعتمادًا فقط على طريقة عرضها. (المترجم)
ولا يمكن السيطرة عليها أكثر من الفيروس البيولوجي الذي سنجد له يومًا لقاحًا. وعلى الرغم من أن
فيروس كورونا قد يكون فظيعًا، فإن العدوى السياسية من قبيل انتشار الأساليب البوليسية وإجراءات المراقبة المتعلقة بالبيانات اللازمة لمكافحة الفيروس الحقيقي قد يتبين في الأخير أنها أخطر وأشد؛ لأنه لا يوجد ضدها لقاح. لكن إذا كانت الفيروسية الافتراضية هي في حد ذاتها مبدأ أساسيًا للحداثة وللتشابك الكوني، فلا غرابة
إذًا في أن تستعصي على السيطرة وأن تنقلب أيضًا ضد أولئك – الأشخاص في الديمقراطيات الليبرالية – الذين استخدموها فترة طويلة بنجاح لصالحهم ولأهدافهم الخاصة. الشعار الذي رفعه القيصر الروماني قسطنطين، الذي سميت القسطنطينية/ إسطنبول باسمه (signo hoc in vinces باسم الصليب ستنتصر)، جعل من النصر، بصفته انتشارًا و«انتقالً وعدوى» للمسيحية اختبارًا للحقيقة: الإله الحق هو الذي ننتصر باسمه. وهكذا يصبح النصر في نهاية المطاف نفسه إلهًا. تحت هذا الشعار تم إخضاع العالم. وكما سبق، فإن فتح أميركا ترافق مع هجوم فيروسي مضاعف؛ الفيروس البيولوجي الذي أزهق ملايين الأرواح، والفيروس الأيديولوجي المتمثل في المسيحية. إن الفيروس والتبشير يمشيان جنبًا إلى جنب، كلاهما يخدم الآخر ويدعو إليه. ادّعت المسيحية لنفسها خصائص فيروسية وطمحت إليها. إن انتشارها وفيروسيتها وقدرتها الكبيرة على الانتقال والعدوى اعتبرت كلها دليلً على صحتها وحقيقتها. وحيثما تعذر الانتشار بالوسائل السلمية – وهذا بمنزلة تشكيك في صدقيتها ومشروعيتها – كانت الكلمة للسيف وللفيروس الحقيقي. إن انتصار العقيدة الخاصة هو في نهاية المطاف دليل على الإله. وهي ذات الاستعارة التي حولتها/ ترجمتها النيوليبرالية في القرن الحادي والعشرين إلى عملة للترويج لسيادة الغرب الليبرالي على العالم. لكن، حيثما توقفت، ليس من تلقاء نفسها، وواجهتها قوى شريرة – محور الشر وما إلى ذلك – وعارضت قوتها الإقناعية بالعنف والوسائل الاستبدادية، جاء دور السلاح، مثلما حدث في العراق بعد أحداث سبتمبر، ليمهد لها الطريق. المقاومة المتكررة التي تشنها الفيروسية الطفيلية البيولوجية ضد الفيروسية المجازية للحداثة ليست جديدة؛ جيلنا ليس أول من خبرها. حيث أعاقت وأبطأت، من قبل الاستعمار، وربما أخرت، انتشار الحداثة على الطراز الغربي عدة قرون، كما يمكننا أن نرى ذلك من خلال معدل الوفيات المهم الناتج من الأمراض الاستوائية بين الأوروبيين المبعوثين إلى المستعمرات. يشكل انتشار الفيروس ردة فعل بيولوجية على العولمة، تمامًا مثل الإرهاب الدولي الذي هو ردة فعل سياسية مناوئة. لذا فإن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن نستفيده من تاريخ تعاطينا مع الإرهاب ليس هو كيف ندمر الفيروس أو الإرهاب؛ حيث ستكون تكلفة ذلك جد مرتفعة (وكانت كذلك في حال الإرهاب). لا يكمن الجواب في إعلان حرب لا انتصار نهائيًا فيها، نظرًا إلى غياب أهداف عسكرية أو
طبية واضحة. السؤال الذي ينبغي أن نطرحه يجب أن يكون: كيف ننجح في عزل الفيروس والإرهاب اللذين أثبتا لنا بما فيه الكفاية خصائصهما الفيروسية، وقطع التجاوب عنهما والحد من استشرائهما؟
يظهر إذًا، وهذه خلاصة أخرى من سلسلة المقارنات التي قمنا بها بين أحداث سبتمبر وأزمة كورونا، أن الفصل بين السياسة والبيولوجيا، بين الإرهاب والفيروس، ثانوي بل مضلل في نهاية المطاف. حيث يعوقنا عن فهم الأحداث الجارية ويحول بيننا وبين إمكان الاستفادة من أحدهما من أجل الآخر. تتمثل واحدة من العبر التي يمكننا أن نستخلصها هنا من أجل التعامل المستدام مع أزمة كورونا، والتي أيضًا نستنتجها من إعادة النظر في أحداث سبتمبر في أنه يجب أن نصغي جيدًا إلى ما يقوله أو يريد أن يقوله لنا الخصم، سواء أكان إرهابيًا أم فيروسًا، نصغي إليه مهما بدت الرسالة مزعجة أو حتى غير
مقبولة. يجب ألّ نكرر السلوك المتغطرس الزائف الذي تلا أحداث سبتمبر. فإذا كان الدرس الذي نستفيد من أزمة ما، هو فعل الشيء نفسه الذي كنا نفعله من قبل، بل بحماسة أكبر، فهو لا يستحق أن يلقب درسًا. ما نقامر به هنا ليس هينًا، إنه قدرة المجتمعات على التعلم – على وجه الخصوص مجتمعات الديمقراطيات الليبرالية – فإذا لم يكن لديها هذه القدرة على التعلم، فلن تكون قادرة على الوقوف بحزم ضد النزعات الاستبدادية. إننا نقامر بشيء ثمين جدًا.
رابعًا: سؤال الشرعية
يشترك الإرهاب مع أزمة كورونا في شرط آخر لولا توافره لما أمكنهما أن ينشآ وأن يكونا، على أي حال، بكل هذا الزخم. الشرط الذي أعنيه هنا هو الحكم السياسي القهري، أو ضعف الشرعية السياسية. قد يبدو هذا مجردًا، لكن من السهل شرحه: من المرجح أن الفيروس التاجي كان سيتوقف بسرعة، لو لم تفرض السلطات الصينية رقابة على التقارير الأولى للأطباء. الرقابة علامة وفي الآن نفسه أسلوب مفضل لدى الأنظمة السياسية الاستبدادية المفتقرة إلى الشرعية. يمكننا أن نقول إن ما مكّن الصين من مكافحة الفيروس بشكل فعال في وقت لاحق – وبالتحديد سيطرة الحكومة الاستبدادية الواسعة على المجتمع (وهو ما يتم الإشادة بالصينيين بسببه عالميًا في
غالب الأحيان، وهذا من أوجه المفارقة) – هو بالضبط ما مكّن الفيروس من الانتشار؛ أي قمع الرقابة للتقارير الأولية للأطباء. ترتبط نشأة «الإرهاب الإسلامي» أيضًا بصفة واضحة بالأنظمة الاستبدادية قليلة الشرعية في العالم الإسلامي. حيث مثلت هذه الأنظمة – قبل استهداف الغرب بمدة طويلة – الهدف الأساسي ل «الإرهاب الإسلامي». وينطبق هذا بالدرجة نفسها على الأنظمة العلمانية والأنظمة الإسلامية، ولا سيما المملكة العربية السعودية (الخصم الرئيس لبن لادن وداعش). إن تدويل الإرهاب، مثله مثل الانتشار الدولي للفيروس، يمكن تفسيره أيضًا انطلاقًا من خلفية/ زاوية غياب الشرعية الديمقراطية والقبول؛ فبغرض صرف حركات المعارضة عن التركيز على الوضع الداخلي، تم تصدير الأيديولوجيا الإسلامية بدعم من بعض الدول – خصوصًا الإمارات وبعض دول
الخليج العربية – التي وجدت نفسها في مرمى النار، كما تم حظر الجماعات الداعية إلى العنف والدفع بناشطيها إلى الخارج أو إلى مناطق الحرب مثل أفغانستان أو العراق. انطلاقًا من هناك بدأ المقاتلون – بن لادن أحد الأمثلة – يبحثون عن أهداف جديدة. لقد كان تصدير التطرف والإرهاب، الذي نشأ في الأصل داخليًا، نحو الخارج أساسيًا جدًّا لاستمرار
هذه الأنظمة، ودرء الانتقادات الموجهة إليها وإخفاء صدقيتها المتآكلة وشرعيتها الناقصة. انطلاقًا من هذا المِهاد، يتضح لنا الجانب الذي لا ننتبه إليه غالبًا أثناء الإشادة بفاعلية الرد الصيني:
تصدير الفيروس – والمشاكل التي نتجت من استشرائه عالميًا – هو ما يمنحُ، بأثر رجعي، التعامل
الصيني السلطوي مع الفيروس شرعيةً ما كان ليحظى بها لو لم يحصل تصدير الأزمة. لو بقي الفيروس محصورًا داخل الصين، لاعتبرت أزمة كورونا فضيحة صينية خاصة، ولتمّ الحديث عن تطور معيب أو خروج على السيطرة ولكانت المجتمعات الديمقراطية المنفتحة لتظن نفسها في مأمن. يتضح هذا التطور المعيب من خلال تعبير جميل ليورغن هابرماس Habermas Juergen ورد مؤخرًا في مقابلة معه، حيث قال إنه «على الرغم من المثال المضاد المذهل الذي تقدمه جمهورية
الصين الشعبية، فإن القدرات التحكمية التي تتمتع بها الأنظمة السياسية الاستبدادية، تبقى غير كافية للمجتمعات المعقدة». لكن بما أن الجميع اليوم ملزمون مثل الصين بالتدابير نفسها، فإن السلوك الصيني يبدو الآن مثاليًا، وهو
ما يوضح عكس ما ذهب إليه هابرماس. ففشل الصين في بداية الأمر، والذي من شأنه أن يثبت صحة أطروحة هابرماس (باستثناء كلمة «مذهل»)، تم إصلاحه بالوسائل الاستبدادية نفسها التي تسببت في المشكلة. وبذلك يسود الانطباع أن هذه الوسائل استخدمت عن حق، بل ينصح باعتمادها واتباعها. لكن هذا تم، فقط، لأن الفيروس تم تصديره من قبل، وسمح له بالانتشار على حساب تحصيل معرفة أفضل؛ إذ لم يتم في نهاية كانون الثاني/ يناير 020[]2، عندما كان الصينيون يتوقعون بالفعل ما سيحدث، فعل أي شيء لوقف الحركة الجوية الخارجية. الثمن الذي دفعته الصين لاستعادة شرعية نظامها وإثبات «قدرتها على التحكم في الوباء» ندفعه جميعًا، يدفعه العالم على شكل أموات كورونا، وأزمة اقتصادية مقبلة ومأزق سياسي. بفضل تصدير أزمة الفيروس التاجي، التي تختبر الآن كل نظام سياسي في العالم، نجحت الصين في صرف الأنظار عن أخطائها.
(1((مقابلة مع يورغن هابرماس، في مجلة ليفياثان Leviathan، ينظر:
Claudia Czingon, Aletta Diefenbach & Victor Kempf, «Moralischer Universalismus in Zeiten politischer Regression,» Leviathan , 7/1/2020, accessed on 19/10/2020, at: https://bit.ly/3m10zYG
(1((بخصوص محاولات التستر الصينية، ينظر:
«Birth of a Pandemic: Inside the First Weeks of the Coronavirus Outbreak in Wuhan,» The Guardian , 10/4/2020, accessed on 19/10/2020, at: https://bit.ly/2TazcPq
وبالطريقة ذاتها، أثنى الناس، وما يزالون، على الأنظمة الاستبدادية والممالك والإمارات التي رعت الإرهاب في بلدانها وصدرته. يثنون عليها لأنها استخدمت تدابير لا ترحم لمكافحة الإرهاب. وهي التدابير ذاتها التي تتبنّاها أيضًا – عندما تثبت نجاعتها – الدول الديمقراطية. ففي اللحظة التي يصبح فيها الإرهاب مشكلة دولية وتجد المجتمعات الديمقراطية نفسها مضطرة إلى مكافحته أيضًا، ينسى ظهور الإرهاب في تلك الدول كردّ على الاستبداد؛ إذ بمجرد التصدير، يبرر كل من الإرهاب والفيروس الوسائل التي يدينان بوجودهما لها، ويمنحان الشرعية لأنظمة لا تمتلكها. من بين الدروس التي تفيدها أزمة كورونا من أزمة الإرهاب، نذكر مبدأ التباعد الاجتماعي الذي يطبق في التعامل مع الأنظمة المفتقرة إلى الشرعية الديمقراطية. فهذه الأنظمة، في حال التقرب منها أكثر من اللازم، تعدي بافتقارها إلى الديمقراطية مثل الفيروس تمامًا. لا يعني «التباعد الاجتماعي» عند التعامل مع هذه الدول (تمامًا مثل التباعد الاجتماعي في الحياة الواقعية) قطع كل حوار أو تعليق كل نشاط تجاري أو وقف كل اتصال بشري. بل يعني تقليل التبعيات، والحفاظ على شفافية الروابط وإنشاء آليات للضبط سياسية واقتصادية تعمل كشكل من أشكال الحجر الصحي: بناء التأخيرات والعزل في التفاعلات، على سبيل المثال، وضمان الاكتفاء الذاتي عندما يتعلق الأمر بالمعدات الطبية والغذاء والطاقة. الخطر الحقيقي ليس إذًا في حركية الناس، بل في حركية السلع ورأس المال، أو الاتفاقيات التجارية الليبرالية على نحو مفرط. إذا سلكنا هذا المسار، فسيتضح لنا قريبًا أننا سلكنا أيسر السبل وسهلنا على أنفسنا، وتشبثنا بنفس
براديغم النظرة الليبرالية المهووسة بتفسيرها للعالم، وذلك لأننا نحصر أصل المشكل فقط في الطبيعة غير الديمقراطية للدول والأنظمة غير الليبرالية. بدلً من ذلك، ينبغي لنا أن ندرك – كما يجبرنا الإرهاب والفيروس على ذلك – أن شرعية الأنظمة السياسية وعدم شرعيتها توجدان في علاقة تكافلية بين أحدهما والآخر، بل حتى طفيلية. إن أحدهما في حاجة إلى الآخر، وإن الإرهاب والفيروس يستغلان هذا التكافل. ترتبط شرعية المجتمعات الليبرالية بالرفاهية التي تشكل دعامة مركزية لرضا الساكنة. إن الرفاه الحالي للعديد من المجتمعات لم يكن ممكنًا إلا من خلال العولمة، ومن ثم من خلال انخفاض الأجور في البلدان الأخرى. في المقابل، لا يمكن لحكومات هذه البلدان الأخرى أن تقدم وعودًا مماثلة بالرفاه
(1((قالت فيونوالا ني أولان Aolain Ni Fionnuala مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بمكافحة الإرهاب وبحقوق
الإنسان: «قد نعرف وباءً موازيًا من الإجراءات الاستبدادية والقمعية يتساوق مع الوباء الصحي أو قد يعقبه مباشرة». وبما
أن القوانين الجديدة توسّع من هامش دولة المراقبة، بسماحها للحكومات باحتجاز الأشخاص إلى أجل غير مسمى،
وانتهاك حريات التجمع والتعبير، فإنه يمكنها أيضًا أن تؤثر في الحياة المدنية وفي السياسة والاقتصاد في السنوات
القادمة. لقد شرع الوباء اليوم في إعادة تحديد المعايير من جديد. حيث تتم اليوم الإشادة بأنظمة قمعية استخباراتية مثل
كوريا الجنوبية وسنغافورة نجحت في إبطاء انتشار الفيروس بأساليب كانت لتؤدي في الظروف العادية إلى حجب الثقة
عنها. اليوم، تحذو الحكومات التي انتقدت الصين سابقًا لوضعها الملايين من مواطنيها رهن الاحتجاز، حذو هذه
الدول. ينظر:
Selam Gebrekidan, «For Autocrats, and Others, Coronavirus Is a Chance to Grab Even More Power?» The New York Times , 14/4/2020, accessed on 19/10/2020, at: https://nyti.ms/2Tk2HPf
لساكنتها – على الأقل ليس لشرائح كبيرة منهم – ومن ثمّ لا يمكنها اكتساب الشرعية بالطريقة نفسها. في سياق مبسط ومثير للجدل إلى حد ما، يمكننا القول إن المجتمعات الليبرالية في الغرب تدين بشرعيتها للأنظمة الاستبدادية في بقاع أخرى من العالم. في المقابل، يتم ضمان الشرعية أو القبول من طرف السكان في المجتمعات غير الديمقراطية أو غير الديمقراطية بالكامل، بطريقة مغايرة، عن طريق الوعد؛ أي الوعد بتوفير الأمن والنظام الضروريين لتلبية حاجات الوجود الأساسية فقط، ليس أكثر. يوجد هذا الوعد الأساسي (بالأمن والنظام) في علاقة متوترة أو في تناقض مع الوعد الأشمل والأكثر سخاء في المجتمعات المنفتحة، والقاضي بمنح جميع الناس أكبر نطاق ممكن لتحقيق الذات. فمن أجل الجمع بين الاثنين، نظام مستقر وحرية قصوى، يحتاج الأمر إلى ثراء كبير يعطي شرائح واسعة من السكان الشعور بأنهم قادرون – رغم النظام والأمن – على العيش بالطريقة التي يريدونها. وهذا ما لا يتيسر بسبب الإنفاق والاستهلاك المطلوب تحقيقه إلا في مجتمعات أو بلدان قليلة. تعتمد مجتمعات الرفاه لكي تكون قادرة على توليد القيمة المضافة اللازمة للحرية وتحقيق الذات، دائمًا على مجتمعات أخرى غير قادرة على القيام بذلك. هذا الاعتماد المتبادل الإشكالي بين المجتمعات الليبرالية وغير الليبرالية هو المفصلة والواجهة، التي يستغلها كل من الإرهاب والفيروس للانتقال عبرها من شكل مجتمعي إلى آخر. إن أي علامة على انعدام الأمن، أو أي مظهر من مظاهر فقدان السيطرة، مثل تلك التي يمثلهما الإرهاب والفيروس، تقوض شرعية الأنظمة والحكومات التي لا تقدّم، عدا ضمان النظام والأمن والحد الأدنى للوجود، سوى الشيء القليل. وحيث إن رفاه المجتمعات الليبرالية يتوقف على استقرار هذه النظم، وإذًا، على قيودها وآليات التحكم فيها، فإن هذا يجعل المجتمعات الليبرالية في علاقة تواطؤ مع الاستبداد والرقابة، ومن ثم مع الشروط الأساسية التي وفرت أرضًا خصبة للإرهاب وللفيروس، ومكنت من انتشارهما في جميع أنحاء العالم. هل تحافظ يا ترى المجتمعات المنفتحة على شرعيتها المشتراة بالرفاه أيضًا في ظل ظرف «التباعد الاقتصادي» العالمي، والانفصال الاقتصادي المنصوح به الآن؟ هذا سؤال يبقى مفتوحًا. بالنسبة إلى معظم الناس، يتجلى التشابه الأوضح والملموس مع الفترة المنعطف؛ أي مع فترة أحداث سبتمبر في الحضور القوي والمفاجئ للدولة. فإذا كانت الدولة – حتى وقت قريب – في وضعية انسحاب وتبرير، تحت ضغط الأيديولوجيات التي ترى في التحرر من قيود الدولة خلاصًا للعالم من كل شر، فإنها أصبحت من جديد بفضل الأزمة الحالية فاعلً حاسمًا وقائدًا أساسيًا. يتمثل الجديد في أزمة كورونا في أن الدولة نصبت نفسها وصية على سكانها، وهذا ما يجعلها، وفق المفهوم الليبرالي للدولة، في علاقة نزاع معهم. عليها أن تؤدبهم لأجل الصالح العام، ومن ثم تضعف، أكثر، من أهليتهم، وأن تفرض عليهم طرقًا معينة للتصرف ما كانوا ليتبنوها طوعًا. مثل هذا النزاع بين الدولة والسكان لم يحدث بعد أحداث سبتمبر، حيث مرت التقييدات التي مست بعض الحقوق
الأساسية بالنسبة إلى معظم الناس على نحو غير ملحوظ، على عكس اليوم، إذ تعتبر أساسية عند القليلين، بل مرحبًا بها عند الأكثرية. تفضيل نظام الرعاية الصحية بوضوح على القطاعات الاجتماعية الأخرى المهمة، وهو ما يبدو حاليًا
محل إجماع في مختلف ربوع العالم، هو منطقي بالنظر إلى الوضعية التي يفرضها الفيروس، كما أنه أيضًا مثير للدهشة إذا ما نظرنا إليه من زاوية السياسة التقشفية المتمحورة حول الاقتصاد، المتبعة خلال السنوات والعقود الأخيرة. ليس مفاجئًا أن تتجند الدولة إزاء التهديد المحدق للموت. لكنه ليس مفاجئًا بالقدر الكافي، لأنه ليس من الواقع في شيء أن تتصرف الدولة عند كل خطر محدق بحياة مواطنيها. وهو أمر غير ممكن بتاتًا. بل حتى في المواقف التي يكون فيها التدخل ممكنًا، تتصرف معظم الدول – هذا في حال تدخلت – بتردد، كما هو الحال مثلً في موضوع المناخ والبيئة. من الواضح إذًا أن مسألة الحياة والموت أقل أهمية من مسألة ما إذا كانت الدولة قادرة على إقامة شكل من أشكال السيطرة على الوضع، وفي النتيجة الحفاظ على شرعيتها. هذا ما توضحه المقارنة بأحداث سبتمبر: كانت الهجمات الإرهابية علامة على فقدان المؤسسات الأميركية (أي الدولة) الجذري للسيطرة. كان فقدان السيطرة هذا مرئيًا للجميع، واضحًا وضوحًا فاحشًا بسبب البث المباشر
للهجمات في جميع أنحاء العالم؛ الشيء الذي أدى إلى صعود الشعبوية والرغبة في «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، وهو ما يتجلى اليوم في فقدان مفهوم مشترك للحقيقة على مستوى المجتمع، سواء في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر. يتبين لنا في ضوء أحداث سبتمبر، أن أزمة كورونا بمنزلة اختبار لسيادة الدولة وقدرتها على السيطرة، حيث وجدت الدولة نفسها مجبرة – خاصة بعدما فقدت السيطرة على الفيروس وصار هو وعواقبه يحددان أجندتها وصورتها الإعلامية – أن تظهر القدرة على السيطرة بطرق أخرى وإن كانت رمزية كاستعانتها بإعلان حالة الطوارئ مثلً. انطلاقًا من هذه الوضعية، يلوح خطر أن يتم اعتماد إجراءات معينة ليس لأنها فعالة ضد انتشار الفيروس، ولكن فقط لأنها تعطي الانطباع بأن الدولة قادرة على السيطرة والتدخل، ويكون، في الحصيلة، الهدف الأساسي منها هو مقاومة تآكل الشرعية واستعادة الثقة بالدولة والنظام المجتمعي عمومًا. لكن هذا بالتحديد ما يمكن أن يؤدي إلى تقويض الثقة بالدولة
أكثر فأكثر.
خامسًا: القومية
تتحمل النزعات القومية التي تنامت شعبيتها من جديد بعد أحداث 11 سبتمبر وما نجم عنها من أزمات اللجوء والهجرة، إلى جانب سياسة «العزلة الرائعة» أو التحصين، قسطًا وافرًا من المسؤولية في هذا
(1((لو كان هذا هو الهدف فعلً في أزمة كورونا، لوجب من أجل هذا المبتغى وقف انتشار الفيروس تمامًا وبسرعة،
وهو ما يستحيل من دون وجود لقاح، ولا يمكن تحمل تبعاته اقتصاديًا. ما ترمي إليه السياسة الحالية هو فقط الخفض
من عدد الإصابات، حتى يتمكن النظام الصحي من استيعابها. هكذا يتضح لنا أن المقصود ليس هو الحيلولة دون وقوع
موتى بسبب الفيروس، وإنما تأمين معالجة عادية وطبيعية للموت، وضمان موت متحكم فيه.
المنحى الذي يرى في أزمة كورونا أزمة وطنية ويحاول مقاربتها من هذا المنطلق؛ إذ لا يمكن في الكثير من البلدان التمييز بين ما يتطلبه الوضع الصحي والأغراض الأيديولوجية، فعوض مساعدة أولئك الذين أصابتهم الجائحة بصفة أشد حتى يتمكنوا بدورهم من مساعدة الآخرين فيما بعد، انقلبت الأزمة إلى تنافس شامل طبي، اقتصادي، وسياسي غير ذي جدوى. يوشك الاتحاد الأوروبي على الانهيار بسبب الأخلاق الاقتصادية البروتستانتية للألمان والهولنديين. كما تذكرنا الأرقام اليومية التي تنشرها جامعة جون هوبكنز بجداول المنافسات الرياضية، وتثير لدينا صور تنافس شامل. من يخرج قويًا من الأزمة هو الرابح، هكذا هي المعادلة، رغم أنها غير ذات قيمة بالنظر إلى تشابك الاقتصاد العالمي. تتمثل إحدى المشكلات هنا في أن تعزيز سيطرة الدولة، مهما بدا مطمئنًا، عادة ما يؤدي إلى سيطرة الدولة ذات الطبيعة القومية؛ حيث يتم تعزيز الحدود الوطنية والبحث عن حلول أحادية على نحو منفصل، بدلً من الحلول المشتركة والتنسيق. تزيد هذه المقاربة من حدة الأزمة التي تريد حلها. هكذا أصبحت الأزمة الصحية أزمة نظام ووجود بالنسبة إلى الكثير من الدول لأنها حاولت منذ البداية حلها فقط على المستوى الوطني. لكي ندرك إمكانيات التعاون في مكافحة الفيروس علينا أن نأخذ عامل الوقت في الحسبان؛ فالفيروس لا يوجد في البلدان كلها في الوقت نفسه، وإنما يتحرك في صورة موجة حول العالم. وهذا يعني أن البلدان الأقل ضررًا غالبًا ما تتوفر على إمكانات صحية وسعة احتياطية تستطيع أن تساعد بها البلدان
الأشد ضررًا، وأن تتلقى بدورها مساعدات من هذه الدول عندما تتقدم نحوها الموجة. فلو كان هناك تعاون دولي طبي، لاستطاع كل نظام رعاية صحية أن يتخفف ويواجه ذروة موجة العدوى بكل أريحية. الشيء ذاته ينطبق على معدات الحماية التي لا نحتاج إليها بالكمية نفسها في الوقت عينه، ويخص أيضًا الأطر الطبية والتحاليل وأجهزة التنفس الاصطناعي، وغير ذلك. بالطبع، حتى في حالة التعاون الوثيق وزيادة التضامن بين الدول، فسيكمن الأمر الأكثر أهمية في ضمان عدم السماح للفيروس بالانتشار. ربما سيكون من الضروري الحد من حرية التنقل، بما في ذلك بالطبع التنقل عبر الحدود. ولكن إذا كانت التقييدات الصحية متطابقة إلى حد بعيد في بولندا وألمانيا وفرنسا، على سبيل المثال، فمن الصعب استيعاب سبب عدم السماح للأشخاص بعبور تلك الحدود الوطنية. في المقابل، يخلق إغلاق الحدود انطباعًا بأن الآخرين، البولونيين أو الفرنسيين أو غيرهم، مصدر عدوى، وأن علينا أن نقي أنفسنا من الاختلاط بهم. هنا وهناك، يغذي إغلاق الحدود الوهم، ويزرع أفكار النقاء المرضي الثقافي أو الوطني، ويخلق انطباعًا أن هناك اكتفاءً ذاتيًا واستقلالية لم تعد موجودة
أصلً منذ مدة طويلة، والتي كشف لنا الفيروس، ومن قبله الإرهاب الدولي والعولمة الاقتصادية أنها محض تخييل.
(16) Peter S. Goodman et al., «A New Front for Nationalism: The Global Battle Against a Virus,» The New York Times , 10/4/2020, accessed on 19/10/2020, at: https://nyti.ms/359PfTr
(1((ينظر: موقع جامعة جون هوبكنز، في: https://coronavirus.jhu.edu
ولكن ماذا يمكننا أن نفعل بدلً من ذلك لكبح انتشار الفيروس؟ الجواب بسيط: يجب أن نتبع استراتيجية مشابهة جدًا للاستراتيجية الحالية، ولكن نربطها بأهداف مختلفة، ونرتبها بصورة مختلفة، ونعلن عنها بصيغة مختلفة. كما سبق القول، من المعقول تقييد السفر وحركة الناس. لكن من الممكن أيضًا الحد من حركة المرور، وبالتحديد الملاحة الجوية أو وقفها تمامًا، من دون تصوير هذه الإجراءات على
أنها إجراءات وطنية، ومن دون استخدام الحدود الوطنية علامةً أو معيارًا لهذه التدابير، ومن دون إيلائها أهمية ومنحها قيمة؛ إذ تبقى الحدود الوطنية مجرد وهم عندما يتعلق الأمر بمواجهة الفيروس أو الإرهاب. وقد تكلف ثمنًا باهظًا حد العبث، وتتسبب في المزيد من الضرر. إن فكرة الخلاص الوطني الأحادي ليست فقط مستهجنة أخلاقيًا وخطرة صحيًا ومكلفة اقتصاديًا، بل
تدل أيضًا على أننا لسنا مستعدين بعد للإنصات للفيروس وقبول دروسه والتأقلم معه. نعرف طبعًا أنه يمكننا إبطاء انتشار الفيروس إذا أقللنا السفر، لكننا نعرف أيضًا أنه لا يهتم بالحدود، ولا يتوقف عندها، ومن هنا ستكون سياسة الانغلاق التي تروم تحقيق مثل هذه الأهداف أكثر تكلفة من تشييد سور لن يقدر أي لاجئ على تسلقه. إن تعليق كل تنقل للأشخاص عبر الحدود، كما اعتمدته معظم البلدان، هو سياسة تجميلية للسلطة، وذر للرماد في الأعين، الهدف منه جعل الناس يعتقدون أن الحكومة تتخذ إجراءات فعالة. إنه يخدم بالدرجة الأولى التحيزات الأيديولوجية والعرقية المتعلقة بالهوية والقومية. والأسوأ من ذلك أن مثل هذه السياسة تسلّم نفسها لهذه التحيزات، وتقع في فخها، وتضخمها، وتمنحها فاعلية لا وجود لها، بالنظر إلى طبيعة انتقال الفيروس واستعصائه على السيطرة. وفي الحصيلة إن مثل هذا التفكير يقلل من خيارات التدخل المتاحة للفاعل الأهم، الذي هو الدولة، ويحصرها في الشؤون الوطنية وحدها، متجاهلًالترابط الوجودي العالمي والتداخل القائم بين جميع الدول. وهذا من شأنه أن يعرض، على سبيل المثال، أمن إمدادات السكان للخطر، أو الاقتصاد الذي لا تدور عجلته في أي بلد من دون الحاجة إلى عبور الحدود الوطنية. تقدم لنا السياحة مثالً بسيطًا على ذلك. إن العديد من الدول التي تغلق حدودها بناء على تفكير قومي، تقوض بنفسها أساسها الاقتصادي، في حال كانت تعتمد على السياحة. إن اتباع نهج مرن سيكون أكثر فائدة. وهكذا يمكن السماح للسياح القادمين من البلدان أو المناطق التي تعرف تحكمًا في الفيروس
بالسفر إلى مناطق ريفية معينة، مثل الشواطئ والجزر، تقل فيها بدورها نسبة الإصابات. في المقابل، يمكن للمدن الكبرى والمراكز الحضرية الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية أن تبقى مغلقة في وجه السياح، لأن خطر العدوى المتبادلة سيكون فيها مرتفعًا جدًا. تتبدى لنا بجلاء سخرية الحلول الوطنية الخالصة وغباؤها عندما يجري، مثلً، حرمان البواخر السياحية من الدخول إلى المرافئ عند الاشتباه بحالات كورونا، على الرغم من فرضية توافر أماكن للعزل الصحي على اليابسة في أغلب الحالات. إن ترك البواخر السياحية عالقة في أعالي البحار ليس إلا شعبوية مناعية، وخيانة لجميع القيم الحضارية، ليس أدناها الدعوى التي يتذرع بها لتبرير التدابير اللاشعبية، مثل الحجر المنزلي؛ أي دعوى إنقاذ الأرواح.
تكمن السخرية العجيبة لهذا التعامل مع البواخر السياحية، والتشابه الغريب مع سياسة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، في حقيقة أن الميسورين من سكان العالم (من غيرهم في قدرته ماديًا أن يحجز على سفينة
سياحية؟) هم من يتعرضون اليوم للإقصاء، ويعاملون كما لو كانوا مجذومين. تعامل كهذا مع طالبي الحماية لم نره حتى الآن إلا مع الفقراء. كلنا يعرف أوديسيات مراكب الإنقاذ التي لا يسمح لها بالرسو في أي المرافئ. مهما كانت التباينات بين السفن السياحية ومراكب اللاجئين كبيرة، فإننا نلفي المنطق العبثي نفسه تجاه أشخاص في وضعية معاناة يسود في كلتا الحالتين؛ الاعتقاد أنه من الممكن منع العدوى – في الحالة الأولى عدوى الفيروس، وفي الثانية عدوى الفقر والمعاناة والاضطهاد والحرب – عن طريق تطبيق سياسة حدودية بدائية لا اجتماعية، وبالتحديد تلك التدابير التي اعتمدتها الدول الغنية لصدّ الفئة الأشد فقرًا من سكان العالم، ومنع الاختلاط بها، أضحت هي التي تطبق الآن في حق الفئات الأكثر غنى،
وتعاملها وكأنها هي الفيروس حقيقة، وتعرضها لخطر الموت، مثلما كان يحدث، من قبل، للّجئين، وتقصيها وتصِمها. أولئك الذين في قدرتهم الحجز على السفن السياحية، والذين يعيشون في أوطانهم في جماعات مغلقة ما أمكن، ويودون لو تبقى بقية العالم بعيدة عنهم، يتم اليوم إغلاق العالم دونهم. ومع ذلك، ليس هناك سبب للشماتة؛ لأن طريقة التفكير في كلتا الحالتين هي نفسها، وهي سيئة. إن طريقة التفكير هذه ليست مميتة فحسب، بل يمكن أن ترتد في كل وقت إلى نحور أولئك الذين يظنون أنهم يستغلونها لمصالحهم، والذين يعتقدون أن في قدرتهم إقصاء الآخرين وتهميشهم، وأنهم في الداخل آمنون لا يصل إليهم فقر ولا إرهاب ولا دكتاتورية ولا حرب ولا فيروس. إذا اتضح الآن أن طريقة التفكير وهذه السياسة قد ترتدان ضد أي شخص، حتى الأغنياء، فإنه من
الحمق اعتمادها مبدأ أساسيًا للسياسة المناعية، والاعتقاد أنها بالذات قادرة على حمايتنا. وكما ذكرنا
من قبل، مهما كانت تقييدات الاختلاط والحركية القصيرة الأمد مفيدة، فإنه أيضًا لا ضير، ولن يزيد الكارثة (التي حلت منذ فترة طويلة) سوءًا، أن يسمح باستقبال السفن السياحية أو مراكب اللاجئين
في الموانئ، وبالحركية المحدودة عبر الحدود، وأن يتم إفراغ مخيمات اللاجئين المكتظة باستقبالهم وتوزيعهم على بلدان مختلفة. إن القيام بذلك سيكون رمزًا قويًا للتضامن الدولي، الذي هو مطلوب
أيضًا عندما يتعلق الأمر بمعالجة أزمة اللاجئين. بذلك أيضًا سنعمل على تعزيز القيم الكونية التي غالبًا
ما ندّعيها لأنفسنا وندافع عنها على المستوى الوطني. أما إذا نظرنا إلى هذه القيم فقط كقيم قومية، فإننا نناقض أنفسنا، لأن القيم الكونية، بطبيعتها، تنطبق على الجميع. يقول هابرماس في الاستجواب المذكور آنفًا: «تقوم الأنظمة السياسية في الغرب على الإيمان بالحقوق الأساسية وحقوق الإنسان، التي ثبتت معياريتها». فإذا كانت هذه الأنظمة السياسية ترتكز فعلً على هذا الاعتقاد – وهذا ما نأمله – فإنه ينبغي لها أن تبذل كل ما في وسعها كي لا يحدث «الارتداد» (هابرماس) إلى النماذج القومية للدولة، وتحصل في النتيجة خيانة المعايير الكونية المؤسسة. كما
(1((نسبة إلى الأوديسة والمقصود بها مراكب التيه. (المترجم)
يحدث الآن في كل مكان. حقًا إن «الارتدادات تبقى دائمًا ممكنة لأننا ككيانات تاريخية نجدّف في
بحر من الاحتمالات». في الختام، لا توجد سياسة تطمح إلى مكافحة الفيروس أشد خرقًا من تلك التي تقسّم البشرية. مثل
هذه السياسة أثبتت بالفعل فشلها في مكافحة الإرهاب، بل لم تفشل فقط، وإنما ولّدت إرهابًا جديدًا
يتمثل فيما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، أو الإرهاب اليميني الذي أصبح الآن ينشط عالميًا. تهدد
سياسة كورونا الحالية في خلق شيء مشابه جدًّا: إنه فيروس الانعزال والتحصين، القديم والمتجذر في مجتمعاتنا. هذا الفيروس، كما تعلمنا حروب القرن العشرين، أخطر بكثير من كورونا، وعلينا مكافحته في السنوات والعقود المقبلة. وإذا لم ننجح في ذلك، فإن هذا العالم المقلوب الذي نعيش فيه منذ كورونا، إذا لم يكن منذ أحداث 11 سبتمبر، سيتطور ليصبح حالة دائمة.
References
المراجع
Agamben, Giorgio. Ausnahmezustand. Frankfurt: Edition Suhrkamp, 2004. Czingon, Claudia. Aletta Diefenbach & Victor Kempf. «Moralischer Universalismus in Zeiten politischer Regression.» Leviathan. 7/1/2020. at: https://bit.ly/3m10zYG Freedman, Lawrence. «Coronavirus and the Language of War.» The New Statesman. 11/4/2020. at: https://bit.ly/33VROJm Grey, John. «Why this Crisis is a Turning Point in History.» The New Statesman. 1/4/2020. at: https://bit.ly/3nHYcM6 Weidner, Stefan. «Virus Und Terror.» Vita Activa (2020). at: https://bit.ly/3lNN1zV
(19) Czingon, Diefenbach & Kempf.