العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب: المرض طريق الموات: عرض مسيحي نفسي للتنوير والبناء لسورن كيرككَورد

قراءة في كتاب: المرض طريق الموات: عرض مسيحي نفسي للتنوير والبناء لسورن كيرككَورد

Book Review: The Sickness unto Death: A Christian Psychological Exposition for Upbuilding and Awakening by Soren Kierkegaard

كمال طيرشي *

Kamel Tirchi *

الملخّص

عنوان الكتاب : المرض طريق الموات: عرض مسيحي نفسي للتنوير والبناء. المؤلف : سورن كيرككَورد. المترجم : أسامة القفاش. الناشر : القاهرة: مكتبة دار الكلمة. سنة النشر : 2003. عدد الصفحات : 230 صفحة.

Abstract

Title of the book: The Sickness unto Death : A Christian Psychological Presentation of Enlightenment and Building. Author: Soren Kierkegaard. Translated by: Osama al-Qafash. Publisher: Cairo: Dar al-Kalima Library. Publication year: 2003 Pages: 230.

الكلمات المفتاحية:
  • المرض
  • طريق الموات
  • الواحد الأوحد
  • المسيحية
  • سورن كيرككَورد
  • الرب
  • الذات
Keywords:
  • The Sickness
  • unto Death
  • Soren Kierkegaard

عنوان الكتاب: المؤلف: سورن كيرككَورد. المترجم: أسامة القفاش. الناشر: القاهرة: مكتبة دار الكلمة. سنة النشر: عدد الصفحات: 023 صفحة.

المرض طريق الموات: عرض مسيحي نفسي للتنوير والبناء.

اليأس Despair من أعمق المفاهيم المسيحية الدارجة في المسرح اللاهوتي الكيرككَوردي هذا أهمية وتكمن. Theologian Theatre المفهوم في تواشجه أو بالأحرى تشابكه الغريب مع ما يُنعت بعلم النفس المسيحي Christian اكتناه أقانيمه، أفرد له سورن كيرككَورد Søren Kierkegaard (1813–1855) كتابًا بعنوان: المرض طريق الموات، عرض مسيحي نفسي للتنوير والبناء، ونشر هذا الكتاب في أوائل عام 1849 وجاء باسم مستعار كعادة كيرككَورد وبطله هو يوحنا كليماكوس Climacus John 606–525(م). والمثير أنّ هذا الكتاب كتب في فترة وجيزة جدًّا؛ أي في ما يربو على أربعة أشهر1، وكان كيرككَورد يلمّح كثيرًا في كتاباته السابقة إلى مفهوم اليأس، ولكنه لم يفرد له كتابًا خاصًّا يبسط فيه هذا المفهوم ويوضح عقيدته المسيحية حوله. وهو الكتاب الذي يظهر فيه كيرككَورد كيسوع جديد، يخاطب حوارييه بلغة لاهوتية ملغزة ومعقَّدة لا تحتمل الفهم الدنيوي كيرككَورد من يأس والده ميخائيل بيدرسون (1838–1756) الذي كان دومًا يستحضر عبارة

وعلينا ألّ نخلط هنا بين مفهوم القلق Anxiety ومفهوم اليأس Despair عند كيرككَورد؛ بحكم أنّ مفهوم القلق يتشابك جوهريًّا مع الحرية، أو هو بتعبير كيرككَورد دوخة الحرية Dizziness The Freedom of التي تحصل لنا، حينما تتوقّد الروح لإيقاف التحليق وتنظر الحرية من مكانٍ عالٍ إلى إمكانيتها وهي تتمسّك بالمحدود لدعم ذاتها، أو بشرح أبسط هو ذلك الشعور الذي يختلج في باطن نفسيتك وقد وُهِبَت لك الحرية المطلقة للاختيار الذي سيحدّد في النهاية قرارك الشخصي المطلق. سيُشعرك هذا القرار بالدوار لا محالة؛ لأنّ القلق وفق تصوّر كيرككَورد هو دوخة الحرية، فمثلً حين ينظر الإنسان إلى الأسفل تحت قدميه ويرى هاوية الإمكانات والاحتمالات اللانهائية السحيقة، يتمسك على الحافة بنهائيته كي يحافظ على نفسه. هنا، تخضع الحرية لهذا الدوار (أو هذه الدوخة...)، وبعدها يتغير كل شيء، فحينما تستيقظ الحرية من جديد سيرافقها شعور بالذنب2. والقلق شعور قديم يتواشج بالإنسان منذ نشأته الأولى، ويرتبط دومًا بالخوف وأكبر هاجس لتكوين القلق هو مخاوف الموت، والحلّ الأوحد لتلافيه هو الزهد والتجرّد لخدمة الحقيقة

  1. يعتبر كيرككَورد أن المفاهيم المفارقاتية Category Paradoxes التي تجبل بعض الأرموزات في المسيحية على أنها غير قابلة للحذق بأدوات المنطق الدنيوية وإنما تندرج ضمن باب التسليم بالغيب الأخروي، إذ يقول واصفًا إيمان النبي إبراهيم: «وبالإيمان خرج إبراهيم من أرض آبائه، وأصبح مُقيمًا في أرض الميعاد، ترك شيئًا واحدًا وراءه، وأخذ شيئًا واحدًا معه. ترك فهمه الدنيوي وأخذ معه الإيمان»، ينظر: سورين كيركجارد، خوف ورعدة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984)، ص.33 ويقول كيرككَورد في موضع آخر: «أما إبراهيم، فأنا لا أستطيع أن أفهمه ولا أستطيع أن أتعلم منه شيئًا، بمعنى من المعاني إلّ الدهشة، ولو تخيَّل الناس أنهم بتأمّل حصيلة هذه القصة قد يتركون أنفسهم للتأثّر بالإيمان، فإنهم يخدعون أنفسهم، ويريدون أن ينتزعوا الله في أول حركة للإيمان، وهي التسليم اللامتناهي، إنهم بذلك يمتصّون الحكمة الدنيوية من المفارقة، وربما نجحَ واحد أو أكثر في ذلك، لأنّ عصرنا ليس مهيئًا للوقوف على الإيمان، وعند معجزته في
  2. تحويل الماء إلى نبيذ، وإنما يمضي إلى أبعد من ذلك، فيقوم بتحويل النبيذ إلى ماء»، ينظر: كيركجارد، خوف، ص.52 Worldly Understanding، وهي أمثولة قبسها Michael Pedersen Kierkegaard كيركغارد اليأس الهادئ Despair Quiet The. عزمي بشارة، مقالة في الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 016 2)، ص.52

الإلهية والاستعداد للتضحية في سبيل الرب، والإيمان وحده هو طريق المتوحد3 إلى النصر. أمّا اليأس فهو مرض من أمراض الروح، ويتخذ أشكالً ثلاثة وفق كيرككَورد: اليأس بأن تكون شاعرًا بعدم امتلاك الذات، واليأس بألّ تريد أن تكون ذاتًا، واليأس بأن تريد أن تكون ذاتًا. ويفهم اليأس في جوهره لما يتعالق مع الخطيئة Sin؛ فالمتوحد الخطّاء هو فرد يائس بصورة أو بأخرى. والغريب أن كيرككَورد كتب مؤلفه المرض طريق الموات من طريق اسم مستعار، وأضاف اسمه على أنه المحرِّر العلمي لهذا الكتاب، فقد تواضع كيرككَورد بسبب المثالية المتعالية لهذا العمل، إلى درجة أنه لم يستطِع المغامرة بنشره باسمه، معتبرًا أنّ مهمته الجوهرية في هذا الكتاب هي طرح لغز اليقظة والصحوة لإنتاج عملٍ ديني وجمالي متوازن في الآن معًا4. ويوضح كيرككَورد مفهوم اليأس من خلال علاقته بالمرض، هذا الأخير الذي لا يؤدي إلى الموت، فالمرض لن يؤدي إلى الموت. ويتهكّم كيرككَورد من هذه العبارة المربكة. وذلك من خلال استحضاره لمثال قيامة إلعازر Lazarus الذي يعود على الرغم من اقتناعه الراسخ بأنّ المرض لا يؤدي إلى الموت إلا أنه مات، وحينما أساء الحواريون حذق ما قاله اليسوع فيما بعد إلعازر حبيبنا نام، ولكني أذهب لأوقظه (ص. 9)، وقال لهم على نحوٍ واضح وصريح إنّ إلعازر قد مات إلّ أن هذا المرض لا يؤدي البتة إلى الموت، بل كما كان المسيح قانعًا به فعَل لأجل مجد الرب، ولما عمد اليسوع إلى قبر إلعازر قائلً: هلم مبعوثًا من قبرك ألم يكن جليًّا للحواريين أن هذا المرض ليس مواتًا، ومع ذلك وبعيدًا عن كون السيد اليسوع تلفظ بمثل هذا القول، أليس هو في الحقيقة العلوية «قيامة»؟ إنّ وجود اليسوع أمام مقبرة إلعازر لدليل صارخ على أنّ هذا المرض ليس للموات؛ إذ ما فائدة قيامة إلعازر من

  1. الأقرب هنا في التداول الاصطلاحي الكيرككَوردي هو لفظ الصمدي أو المتوحّد، وهي قريبة نوعًا ما إلى الترجمة الحرفية للكلمة الدنماركية التي استعملها كيرككورد: Enkelte Den (الواحد الأوحد)؛ إذ إن في لفظ الأخير تعبير عن المتوحد، وهو لفظ اعتمده ابن باجة من قبل في كتابه تدبير المتوحد، لكن حالة المتوحد وفق التصور الكيرككَوردي تعبِّر عن الحالة القصوى للذات في عزلتها عن العالم المرئي، وحالة اعتكافها على نفسها من أجل اكتشافها، واكتشاف علاقتها الأزلية السرمدية بالحقيقة الربانية، والمتوحد فرد تجرَّد من كلّ اللواحق الحسِّية التي تلهيه عن اكتناه حقيقته المنعزلة، وكذا استشعار علاقته العميقة بالرب، والمتوحد في مقابل الجمعوي الذي يعيش تحت رحمة الحشد والذين يعمَدون في الغالب إلى تدبير حياته والتدخل فيها، أمّا المتوحد فيجد حقيقته في عزلته عن الناس الذين بالنسبة إليه مجرّد عوائق تحول بينه وبين إمكانية حذق حقيقته الملكوتية، ويعلِّق روزنتال في موسوعته الفلسفية عن اللفظ قائلً: «المتوحد مقولة من المقولات الرئيسة في فلسفة الأخلاق لدى النزعة الوجودية، ويعتبر هذا المفهوم عن فكرة مشوهة للإنسان، منظورًا إليه خارج العلاقات الاجتماعية، ويعتبر الوجوديون: الانفراد والتفرّد الملامح الرئيسة للإنسان، وإن خصوصية أو توحدية المتوحد هي مصدر الأخلاقيات ومعيار التقييم الأخلاقي، والوجوديون يستخدمون مقولة المتوحد لتبرير نزعة المتوحد وانعزاليته»، ينظر: روزنتال يودين، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، مراجعة صادق جلال العظم وجورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 0112)، ص 9.22 والمتوحد هو فيلسوف صاحب حكمة، دأبه وديدنه هو البحث عن سعادته كمتوحد، في المدن والمداشر الفاسدة التي لا تعرف إلّ التبعية والنكوص والشقاء. إنّه ذو وجهة صدوقة في مدينة تائهة وشاردة عن جادة الصواب. لذلك، فهو غريب في الوطن الذي يقطن فيه وغريب بين بني جلدته، غربة الرأي الحصيف الصحيح وسط الجماعة الجاهلة المتّصفة بالدهمائية. إنّها غربة فكرية وروحية، لا علاقة لها بالمنحى السوسيولوجي ولا حتى السياسي. وفي كوامن هذه الغربة، يدبر المتوحد حياته بطريقة ذاتية فردة، ليجنّبها آفات ومآسي الجموع. إذًا فهو متوحّد وغريب ومنفرد، يقبل العيش ولا يفضّل الموت، مع الاعتقاد بإمكانية تحقيق المتوحد لسعادته في الأرض وليس في عالم آخر. للتعمّق أكثر في مفهوم المتوحد، ينظر: ابن باجة الأندلسي، تدبير المتوحد، ترجمة
  2. وتحقيق وتقديم معن زيادة (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 0122)، ص.65–64 سورين كيركجارد، المرض طريق الموات، ترجمة أسامة القفاش (القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 0132)، ص.5

الموات وبعثه؟ وما قيمة وجوده إذا لم يقُم مبعوثًا من مواته ويعيش الحياة مع كلّ مَن يؤمن به؟ (ص. 10). لأننا أمام مفارقة كبيرة، تجبل الواحد منّا حينما يقول هذا العذاب أسوأ من الموت، لهذا تبقى الأشياء بعذاباتها تؤلم وتضارع في بؤسها المرض؛ لهذا فإنّ الفهم المسيحي السديد يقرّ بأنه ليس المرض هو المؤدي إلى طريق الموات. إنّ المسيحية السليمة وفق كيرككَورد تعلِّم المتوحد المؤمن أن يتعالى بروحه عن اللواحق الحسِّية، أو عالم الدنيوة بما في ذلك الموت بحكم أنه من اللواحق الدنيوية، ووحده المتوحد المسيحي المخلص القادر على فهم القصدية المحايثة لعبارة المرض طريق الموات (ص. 12). فمن خلال ما سلف ذكره، هل يمكن الاعتقاد بأنّ المرض طريق الموت هو اليأس؟ هذا السؤال الجوهراني يحيلنا إلى سؤال آخر أعقد منه هو: أيكون اليأس ميزة إيجابية أم من النواقص أم كليهما معًا؟ يعتقد كيرككَورد أنّ القدرة على اليأس ميزة عظيمة لا يمكن موازنتها أيّ قيمة أخرى في سؤدديتها، وفي الآن عينه فإنّ يأسك هو السوء الرهيب الذي يحلّ بذاتك، بل هو ضياع ذاتك وتبعثرها لهذا يبقى المتوحد اليائس بين حدود الإمكان والفاعلية (ص. 19)، ولكن من أين يأتي اليأس؟ وما مصدره؟ إنّ اليأس وفق الطرح الكيرككَوردي ينبجس من طبيعة علاقة الذات بنفسها في حالة رجوعها إلى نفسها، وما يحصل لها نتيجة قطعها العلاقة بالرب. فالمتوحد هو في أساسه عبارة عن توليفة، والذات المجرّدة هي يأس خالص بعد تملّصها من العلاقة الأزلية بالرب؛ فتحرّر الذات من قبضة الرب جعلها تنحو إلى نفسها فتقع في اليأس، ولكن ما علاقة اليأس بالمرض حتى الموت؟ صحيح أنّ المرض هو أحد الدروب التي من الممكن أن توصل الفرد إلى الموات، لذا نحبِّذ في الدارج اليومي الحياتي أن نعبّر عن هذه الحالة بمرض الموت. لكننا لا نفهم هنا هذا اليأس المنجر عن مرض الموت على أنه المرض طريق الموات؛ لأنّ الموت وفق المفهوم المسيحي ما هو في الحقيقة إلّ عبور بمنحى حياة ثانية، لهذا يكون الموت هو نهاية المرض وليس النهاية (نهاية كل شيء). ولو فكّرنا على نحو مغاير وفهمنا المرض كطريق للموات وأن المرض نهايته الموت والموت هو نهاية كل شيء ولا شيء يجيء بعده حينها يضيع الفرد الأوحد في يأس محض لا رجاء بعده (ص. 23) والموت في المفهوم اللاهوتي المسيحي هو موات مادي فيزيقي، وعذاب اليأس الوخيم هو عدم القدرة على الموت، وتأكيدًا لذلك يقول سورن كيرككَورد: «عذاب اليأس هو تحديدًا عدم القدرة على الموت ومن ثم فهو يشابه حالة ذلك المريض الذي على شفا الموت، قابعًا في سريره يصارع الموت وما هو بميت ولا يستطيع الموات، وهكذا أن تكون مريضًا على طريق الموات يعني ألّ تستطيع الموت، لكن لا يعني هذا أنّ ثمة أملً في الحياة، لا..، فانعدام الأمل يصل إلى درجة عدم وجود الأمل المطلق أي الموت، وعندما يكون الموت هو الخطر الأعظم نتمنى الحياة ونتشبث بها. لكن عندما يكون الخطر في أقصاه بحيث يصير الموت هو الرجاء، عندئذٍ يكون اليأس هو انعدام الأمل حتى في القدرة على الموت (ص. 23)

لكن ما ضروب هذا اليأس؟

يتمظهر اليأس عند كيرككَورد على ثلاثة ضروب: أدناها على الإطلاق اليأس الذي لا ترغب فيه النفس أن تكون نفسها، وهنا تضيع الذات في المجموع الغفل وفي لعبة الجمهور؛ ويأس ثانٍ تمتلك فيه الذات وعيًا بأنها ذاتها، وهنا تقع التركيبة الأصلانية المنفلتة من قبضة الرب؛ ونوع ثالث من اليأس شيطاني، وهو أشدّ أنواع اليأس إيلامًا وهو اليأس الذي تريد أن تكون نفسك، وتوضيحًا لذلك يقول كيرككَورد: «ليس الأمر ههنا مجرّد تعذيب كالرواقيين، ومن ثم يريد المرء في هذا اليأس أن يكون نفسه ولا يقدر، لأنها تريد أن تكون النفس الكاملة ولن تقدر، إنها تريد أن تكون نفسها وهي تحقد على الوجود، تريد أن تكون نفسها وفقًا لمعاناتها وبؤسها» (ص. 104)

هل يمكن القول إنّ اليأس خطيئة؟

يعتقد كيرككَورد أنّ الخطيئة تكمن في اليأس، إنها الضعف الكبير الذي يلحق الذات؛ فالخطيئة ما هي إلّ تضخيم لليأس وتبرير لذلكم، يقول كيرككَورد: «الخطيئة أمام الإله أو بتصوّر الإله، هي في اليأس حيث لا تريد أن تكون نفسك أو في اليأس حيث تريد أن تكون نفسك من ثم الخطيئة هي الضخم المضخم: الخطيئة هي تضخيم اليأس، والتوكيد هنا على فكرة التواجد أمام الإله أو في وجود مفهوم الإله، فمفهوم الإله هو الذي يجعل من الخطيئة سواء جدليًّا أو أخلاقيًّا أو دينيًّا ما يدعوه المحامون اليأس المركّب» (ص. 107). وبذلك نفهم من كلام كيرككَورد أنّ الخطيئة هي عبارة عن يأس والعمل والسعي لتضخيمها ما هو في الحقيقة إلّ خطيئة جديدة؛ فالمتوحد الخطّاء حينما لا يتوب من خطيئته، يكون قد بدأ في الخطيئة الجديدة أي عدم التوبة من الخطيئة هو خطيئة أخرى جديدة. فبقدر ما تكون حالة اليأس على الخطيئة في الحياة، تكون هناك خطيئة جديدة وهي بالضبط ما يدعوه كيرككَورد خطيئة اليأس من غفران الذنوب والخطايا (ص. 165) كما يعتبر كيرككَورد أنّ أعلى درجة لليأس في سلّم الخطايا والذنوب هي خطيئة التجديف ضدّ الروح القدس؛ لأنّ النفس ها هنا لا تنفي المسيحية فقط، بل تعمَد إلى رفضها وتجعلها افتراءً باطلً مَحضًا، وهو شكلٌ من أشكال التعدّي. ولهذا يجب على النفس القيومية إذا أرادَت أن تتملّص إطلاقًا من حالة اليأس أن ترجع إلى نفسها، وتسعى لأن تكون نفسها، بحيث تستقر النفس في شفافية ونقاوة وطهارة في القدرة التي خُلقت لأجلها، وهو بالضبط مفهوم كيرككَورد للإيمان (ص. 192) وبذلك نفهم ممّا سلف أنّ المتوحد ينتهي إلى اليأس بطرائق مختلفة، وليس كلّ يأس شرطًا ضروريًّا لإحقاق سبيل الخلاص؛ إذ إنّ النوع الذي يُسعفنا ويُنجينا هو اليأس المتمظهر في الإنكار المطلق والقطعي للمتناهي. وهو على هذا التمثّل السبيل الذي ينحو بنا إلى التبجيل والعظمة؛ ذلك أنّ مَن يختار اليأس بهذا المعنى هو في حقانية الأمر يختار ذاته القيومية في أبديتها، أي إنه يخاطر بالمتناهي كله على هذا الرهان المتَّسم بالمفارقة، كما يستحيل أن نتملص من اليأس، لأنّ اختفاء اليأس يساوي العدم، ومَن يدعي القول بالوعي والروح والتأمل الجواني، فهو يقول باليأس، ما دام الاختيار مفروضًا بالضرورة. وإننا لكي نختار الأبدي، لا بد من أن نيأس ممّا نحن عليه، وما نملكه وفقًا لمعيار المتناهي. والكائن البشري

يصطدم بتخومه الخاصة وهو يحسّ ويشعر بأن العالم كله لا يقتدر على إحقاقه، وأنه لا يقتدر أن يحقّق ذاته؛ ذلك أنّ لوجوده علاقة بالمتعالي، علاقة مطلقة بالمطلق، وإلّ فإنه لا شيء. واليأس على هذا التمثّل ينتزع الإنسان من نفسه باعتباره متناهيًا، ويُعيده إلى ذاته من حيث هو ما هو أبدي في تلك الذات. وإذا أخفق اليأس في أن يحدث قطعًا للعلائق في أعماق النفس وأفضى إلى التصلّب، فإن الإنسان يهلك، وهذا هو الموت، ولكنه موت لا ينتهي البتة. وعلى العكس من ذلك، إذا أرغم اليأس النفس على حشد آخر ما عندها من قوى، وعلى أن تيأس يأسًا حقانيًّا، أعني يأسًا مطلقًا، فإنه يوقظ النفس لإدراك قيمتها الأبدية؛ وعلى هذا، لا بدّ من اليأس الحقيقي فهو صفة الموجود الذي بلغ الذروة من الانفعال الوجودي5. نفهم ممّا سلف ذكره أن كيرككَورد لم تكُن لديه البتة شكوك بشأن حقيقية المسيحية، مع أنه أدرك صعوبات الإيمان على نحوٍ لم يكُن لدى أي إنسان آخر. إنه كان يشعر في فترات مختلفة من حياته أنه أكثر قربًا من المسيحية أو أكثر بُعدًا عنها. ومن المؤكد أنه لم يَعتبر نفسه مسيحيًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يدلّ هذا على أيّ اهتزاز في الإيمان، ولكنه يدلّ على نقدٍ قاسٍ فيما يتعلق بتحقيق مطالب الإيمان (بطريقة وجودية)، كما تصوّرها وعايشها روحيًّا، وفي كتابه المرض طريق المواتنلاحظ في فقرة رائعة في بداية القسم الثاني وصفه لما يمكن أن يسمّي الوجود – الشاعر الذي موضوعه الجوهري هو النزعة الدينية. وفي الفقرة التي تلي هذا نقطتان رئيستان: أولً – إيجاز مثل هذا الوجود – الشاعر ليس متعلقًا بما هو ديني من الناحية الوجودية؛ ثانيًا، بتفصيل أكبر، إن الوجود – الشاعر المطروح شيء ملحوظ في أنّ هناك شيئًا ما في نفسه، انفعالً سريًّا، شوكة في اللحم لا يقتدر ولا يريد في الإيمان أن يُخضع نفسه لها ولا يأخذها على عاتقه لنفسه. وهذه الفقرة هي على هذا النحو: من وجهة النظر المسيحية كلّ وجود – شاعر هو خطيئة. إنه خطيئة إضفاء الطابع الشعري بدلً من إضفاء الطابع الوجودي، والوقوف في علاقة بما هو خير وحقّاني من خلال التخيّل بدلً من أن يكون هذا الخير وهذه الحقيقة؛ أي يسعى وجوديًّا إليها. إن الوجود – الشاعر الخاص هنا موضع النظر مختلف عن اليأس العادي في أنه يتضمن فكرة الإله أو أنه بإزاء الإله، لكنه للغاية وكما لو كان في تشوش ديالكتيكي لا يخترق. فإلى أيّ حدٍّ هو داعٍ بأنه مخطئ وآثم؟ مثل هذا الشاعر قد تكون لديه حاجة دينية عميقة جدًّا، وفكرة الإله متضمّنة في يأسه، إنه يحبّ الرب فوق كلّ شيء، الإله الذي هو الراحة الوحيدة له في انفعاله السرّي. ومع هذا فإنه يحبّ الانفعال، ولا يريد أن يدَعه يغلق، إنه يريد كثيرًا أن يكون نفسه بإزاء الإله ولكنه ليس عند النقطة المحدودة التي عندها تعاني النفس، وهناك يريد يائسًا ألّ يكون نفسه بإزاء الرب ولكنه ليس عند النقطة المحدودة التي عندها تعاني النفس. وهناك يريد يائسًا ألا يكون نفسه، إنه يريد الأبدية أن تقتلعه وهنا فيما هو زماني ووقتي، لا يهمّ مَن الذي سيعاني لها، إنه لا يستطيع أن يتّخذ قرارًا بتقبّلها وهو لا يستطيع في الإيمان أن يتصنّع لها، ومع هذا يستمرّ في ارتباط نفسه بالإله وهذه هي نعمته الوحيدة، سيكون أكبر رعب بالنسبة إليه ألّ يكون مع الإله. ويقصد أن يكون الإله مختلفًا قليلً عن

  1. محمد علي عبد المعطي، سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية، ط 4 (الإسكندرية: دار منشأة المعارف، 0002)، ص.296–295

الرب المعروف، مختلفًا قليلً مثل الأب المعبود الذي يشبع إلى حدٍّ بعيد رغبة طفله الوحيدة، إنه أشبه بالإنسان التَّعس في الحب، والذي يصبح شاعرًا على سعادة الحب وهكذا يصبح شاعر النزعة الدينية6. وبذلك نفهم ممّا سلف أنّ الموات الحقاني الذي يطلبه سورن كيرككَورد هو الموات عن النفس، وهو النداء نفسه الذي أعلنه المسيح للمُنكسرين المُنهكين. وكما عبَّرت كل حياته على الأرض في كل يوم مبارك لها وفي كلّ ساعة. والآن يتساءل كيرككَورد: هل تجد دعوة المسيح لك لراحة نفسك، دعوة محبَّبة إلى نفسك؟ ينطبق هذا المبدأ نفسه على الحق؛ في الكتاب: الروح هو الذي يحيي، الحقيقة الحياتية تقول إنه لا يوجد شيء يتمسك به الإنسان مثل إحساس الحياة، لا شيء يتُوق إليه بقوة ورغبة أكيدة مهيمنة مثل إحساس نبض الحياة في نفسه، لا يرتجف من شيء مثل ارتجافه من كلمة الموت. والكتاب هنا يعلم عن الحياة ويقول إن الروح يحيي ويَهب الحياة، لهذا على المتوحد أن يتغلغل فيها ويبحث، ومَن يتردَّد في ذلك (أي في البحث في الحياة)؟ يقول الإنسان أعطني الحياة والمزيد من الحياة وليدب ويتمدَّد هذا الإحساس في النفس المتوحدة. لكن السؤال الذي يُطرح هو: هل هذه الحياة التي يعطيها الروح القدس للإنسان المتوحد هي امتداد للحياة الطبيعية التي في الإنسان؟ لا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق، مَن يظن هذا فإنه مهرطق كبير، وهذا بالتحديد هو فداحة الفهم الخاطئ للمسيحية الحقانية. إنّ الحياة التي يعطيها الروح هي حياة جديدة؛ بحُكم أنّ الموت يأتي قبلها والحياة التي تأتي بعد الموت (التي هي الموت مع المسيح)، هي الحياة الجديدة الحقيقية الخالدة. إذًا الموت يأتي قبل الحياة وهذا هو بالضبط تعليم السيد المسيح؛ وتحديدًا فإنّ الروح الذي يحيي هو الذي يحدث الموت، وهذا الموت هو النتيجة الحقانية الأولانية لعمل الروح الذي يُحيي، وهذا الموت يُحدثه ويسببه الروح بالضبط لكيلا يأخذ الإنسان المتوحد المسيحية بطريقة باطلة7. وبهذا يقرّ كيرككَورد بأن النهائية الحدّية الممكنة للفرد المتوحد تنتهي به إلى اليأس، ولكن بضروب شتى، كما لا نفهم أنّ كلّ يأس يعرض للمتوحد في حياته الوجودية والدينية يتطلّب الخلاص، من منظور أن اليأس هو تمظهر للخطيئة، ومن ثمّ لا بد من البحث عن درب أو دروب للتضحية والتكفير، وبالنتيجة الحصول على الخلاص. والأنموذج الأوحد الذي في إمكانه أن ينقذنا هو اليأس المتجسّد في الإنكار المطلق واللامحدود واللانهائي والقطعي كذلك للمتناهي. وبذلك يكون مؤدّاه هنا هو طريق التبجيل والسؤددية؛ بحكم أنّ مَن يسلك سبيل اليأس بهذا المعنى يكون قد اختار ذاته القيومية في أبديتها، أي إنه يُجازف بالمتناهي كله على هذا الرهان الموصوف بكلّ نعوت المفارقة. ومن المحال البتة أن نتملّص من اليأس، بحكم أنّ تلاشي اليأس يقابله العدم التام، ومَن يصرح بالوعي والتأمل الجواني يقول باليأس، ما دام الاختيار مفروضًا بطريقة لزومية، وأنت كالمتوحد لكي تعمَد إلى اختيار الأبدي، فلا بد من أن نيأس ممّا نحن عليه، وما نملكه

  1. فريتيوف برانت، كيركجارد، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص.121–120
  2. سورين كيركجارد، دينونة المحبة والمحبة التي لم تحب: ثلاث رسائل في المسيحية، ترجمة سامي فوزي (القاهرة: سامي فوزي، 0102)، ص.60–59

وفقًا لمعيار التناهي الوجودي، والإنسان المتوحد بحدوده الذاتية الخاصة وهو يشعر بأن هذا الوجود برمّته لا يقتدر على إحقاقه وأنه لا قدرة له أن يحقِّق ذاتيته، ذلك أنّ لوجوده المتوحد أو الصمدي علائقية بالمتعالي في عروجه، علاقة مطلقة بالمطلق إن صحّ هذا التعبير، وإلّ فإنه عدم، واليأس على هذه الشاكلة يستأصل من المتوحد ذاته باعتبارها محكومة بالزوالية والفناء، ويرجعه إلى ذاته الصمدية من حيث ما هو أبدي في تلك الذوات8. وإذا فشل اليأس في أن يحدث قطيعة لكلّ العلائقيات داخل جوانية المتوحد، وأفضى إلى التصلّب، فإنّ المتوحد سيهلك، وهذا هو: الموت، ولكنه موت لا ينتهي أبدًا وعلى العكس من ذلك إذا أجبر اليأس النفس القيومية على حشد أعظم ما لديها من قوى وعلى أن تعمَد لأن تيأس يأسًا حقانيًّا مطلقًا، فإنه يوقظ النفس لحذق قيمتها الأبدية. وعلى هذا، فيلزم ضرورة من اليأس الحقاني المطلق لكونه صفة الموجود الذي بلغ أقصى وأعظم انفعال وجوداني ممكن، وبهذا يختلط مفهوم اليأس بالأحوال السيكولوجية للفرد المتوحد أو بالأحرى يختلط التفسير اللاهوتي بالسيكولوجي لماهية اليأس. وهذا بالفعل ما حصل لكيرككَورد، لما أراد أن يفسِّر هذا الأقنوم الروحي والديني «اليأس»، فهو يعتبر أنّ يأس المتوحد ينبجس من جوانيته المحضة، ولا علاقة له بأيّ مصدر براني عنها؛ أي إنّ اليأس لا يأتي من طريق ضربة حظ أو من القدر. ويعتقد أن هذه الذات التي يحملها المتوحد تتّصف بكونها مؤلفة من المتناهي واللامتناهي؛ أي يُعالقها الزماني والأبدي، الزماني في صورتها الجسدية والأبدي في صورتها الروحانية، بين الضرورة والحرية. وينتهي إلى أن المتوحد بسبب عدم تنعّمه باكتفاء ذاتي، وبعلة عدم قدرته على إحقاق ذاته القيومية إحقاقًا كاملً وصحيحًا إلّ بوساطة الرب، يقع في براثن اليأس بسبب توليفته من جهة، ونأيه عن الربّ من جهة أخرى9. وبهذا فاليأس الذي يتمخّض عن صميمية الذات، وما تتألف فيه ممّا هو متناهٍ ولامتناهٍ، يحصل عندما يخلّ عامل من هذين العاملين بالتآلف؛ أي حينما يغلب عامل اللاتناهي على عامل التناهي. ويتجلى بصورة أكثر تمظهرية في المخيال الغريب والجامح الذي يفقد فيه المتوحد كلّ ما له علاقة بعالمه الواقعي وحوادثه، ويستبدله المتوحد بنزوع تعاطفي لاهوتي حميمي مجرد تجاه البشرية عمومًا على عدم النظر إلى أي شخص عياني. وفي حين تتخذ المعرفة المخيالية من الانهمام على القراءة والبحث والكتابة بغية هروبها من الواقع الصادم، ترتبط الإرادة بالمبتغيات المرسومة في مخيلتها بغية تحقيقها على نحو أسمى وأفضل، وبابتداع الحلول المتملّصة من الواقع الدنيوي. فضلً عن ذلك، فإنّ التعالقية الأصلانية بالرب غير ممكنة بالنسبة إلى المتوحد الخيالي؛ لأن الرب يعمَد إلى تحطيم تخيّلنا في أن نكون كيانات متوحّدة غير متناهية ولا يغالبها الزوال والفناء. أما حينما يغلب الزوال على اللاتناهي في الذات الصمدية، ينبجس حينها ضيق الأفق وأفق الانتظار وتتنزَّل الروح إلى درك الخساسة وفي هذا الضرب من اليأس يحيا المتوحد في منحى ميت من التآلف والانسجام مع قرنائه من البشر. فيفقد توحّده من أجل إرضاء المجتمع والناس الذين حوله،

  1. جوليفيه ريجيس، المذاهب الوجودية من كيركجور إلى جان بول سارتر، ترجمة فؤاد كامل (بيروت: دار الآداب، 1988)،
  2. ص.84 عبد المعطي، ص.298

وتغور ذاته القيومية وتطمس، وغالبًا ما لا يلاحظ هذا الضرب من اليأس؛ لأنّ المتوحد يتوافق فيه وينسجم بنجاح في زجّ نفسه في عادات المجتمع وأعرافه، فيصبح حكيمًا في عالمه الدنيوي، فالاتجاه إلى العالم البراني المتخارج عن الذات يصنع من الإنسان شخصية ناجحة لكنه يفقد ذاته10. أما في الضرب الثاني من اليأس المنظور إليه في ضوء تكوين الذات (ممّا هو ممكن)، و (ممّا هو ضروري)، فاليأس ممّا هو ممكن أو يأس الممكن، إنْ صحّ هذا التعبير، يحصل حينما تنفصل عرى المتوحد عن تخوم حياته التي لا مفرّ منها. وهنا يتحرّك المتوحد دومًا بالممكنات الاحتمالية المتخيّلة، كما تتحرك دمية الأراجوز تمامًا؛ فهو تحرّك لم يبلغ النضج بعد، حيث يخسَر المتوحد دومًا في اكتشاف ما هو متاح وما هو غير ذلك. أحيانًا يحصل له شغف كبير إلى الذود بشيء لا يمكنه بتاتًا تحقيقه، وأحيانًا أخرى يرتجف وجلً من تمثّل الممكنات المخيفة؛ فهي الحالة التي يشعر فيها المتوحد في أثناء تبعثره في عالم الممكنات فيؤدي به الحال إلى الترنحية الوخيمة بين (إما هذا.. أو ذاك) ويجد نفسه محتارًا بين زمرة الممكنات المتاحة فيُصاب بالدوار من جرّاء ذلك. أمّا يأس ما هو ضروري أو يأس الضرورة، فهو متلازم بالقدرية من جهة وبالتشبث بالنزعة المادية من جهة أخرى. وفي حين تعني القدرية الخضوع الصامت والاختناق الروحاني، تعني المادية القضاء على كلّ ما يمتّ بصِلة إلى عالم الروحانية. ويعتقد كيرككَورد أنه لا منفَذ نَجدة من هذا الضرب من اليأس الذي تخضع فيه الذات للقدر أو للمادة، إلّ من طريق تدخّل الإرادة الربانية التي تمكِّن لهذه الذات أن تتراجع عمّا خضعت له. وهذه الحالة يستشعرها المتوحد، حينما يؤمن بأنّ ما أصابه كان من جرّاء القدر، ومن ثمّ عليه أن يسلّم به ويذعن ولا سبيل له ليَعمَد إلى تفسيره ومعرفة البغية الحقيقية من وراء حصول هذا الأمر له. وقد يضخم المجتمع بما فيه من عادات وتقاليد وأعراف هذه الحالة، ويَعمَد إلى إخضاع كلّ الأمور التي تحصل للفرد المتوحد في حياته إلى قدرية ضرورية لا يمكنه أن يتدخل فيها وعليه أن يؤمن بها ويسلِّم. ويعبِّر عنها في بعض المجتمعات بلفظ «المكتوب»، وهي تكثر في المجتمعات التي يكثر فيها الخطاب الديني أو الشعوب التي تؤمن بوجود رقابة غيبية دائمة ومستمرة، فتحاول أن تجد سبيلً لتفسير ما يحصل لها من ضرورات إلى القدر والمكتوب (كالزواج والأرزاق مثلً). إذا نظرنا إلى اليأس في ضوء ظاهرة الوعي، فإنه يكون لدينا يأس غير واعٍ ويأس واعٍ. ويحصل اليأس غير الواعي، حين يعمَد المتوحد إلى الاحتفاظ بأوهامه التي يظنّ أنها تحقّق سعادته وفرحته من دون أن يجابه الحقيقة التي هي الخير الأسمى. وحينما يكون المتوحد غير سعيد حقيقة، ومع ذلك يتخيّل أنه سعيد، فإنه ينظر إلى كلّ فرد يبدو تخيّله هذا على أنه عدوّ له؛ فهناك مَن يخدع نفسه بظنّه أنّ كلّ شيء يمكن أن يحكم عليه في ضوء مقولات حسِّية كالعامل الجنسي مثلً عند فرويد. يعتقد الأخير أنّ كلّ الأحوال النفسية التي تحصل للفرد تعود بدرجة أساسية إلى اللاشعور والمكبوت الجنسي، وأنه إذا تمّ التنفيس عن هذه المكبوتات يشفى المتوحد من أمراضه وعقده النفسية. وهناك مَن يخدع نفسه بتشييد نسق ميتافيزيقي عريض، يقبل كلّ شيء عن الحقيقة، ولكنه لا يفعل شيئًا من أجل الحياة ومن ثم يعلّق أوهامه من أجل تحقيق نسقه. والتمييز بين اليأس

  1. المرجع نفسه، ص.299

غير الواعي واليأس الواعي بسيط جدًّا؛ ذلك لأن هناك عدة مستويات من الوضوح والغموض11. أمّا اليأس الواعي، فيتمظهر وفق تصوّرين جوهريين، هما الضعف والتحدي. ويتجسّد يأس الضعف في عدم رغبة المتوحد في إحقاق ذاته القيومية إحقاقًا كاملً، في حين يتجسّد يأس التحدي في رغبة المتوحد في أن يحقّق ذاته القيومية. ويحصل يأس الضعف، حين يصبح المتوحد عبدًا لظروفه البرانية خاضعًا خانعًا لشتى الأمور المتخارجة عن ذاته الجوانية. فإذا اعتبر المتوحد نفسه مجرد شيء زمني متضمّن في أشياء أخرى، فإنّ كلّ رغباته ومسراته وطموحاته تتخذ تمظهرًا دنيويًّا؛ فيصبح شخصًا دنيويًّا خالصًا لا استثناء فيه ولا تميُّز ولا خصوصية، إنسانًا يلهث وراء الفنائيات وعالم الزوال يحبّ إشباعه. كما أن وضعه هذا يجعله تحت إمرة الحوادث الخارجية البرانية، وتمنعه بذلك من تعلّم أيّ شيء متعلِّق بالمحنة الجوانية، بل هو يلجأ بنفسه إلى إبعاد هذا الضرب من المحنة والمعاناة بأسرع ما يكون. ويعتقد المتوحد الواقع تحت رزح يأس الضعف أنّ في إمكانه تغيير شخصيته لا بواسطة تغيير جوانيته، وإنما بوساطة تغيير الظروف الخارجية. لكنه إذا تأمل حالته الجوانية، وعرف أنّ ثمة عناصر سيكولوجية وتعاطفية لا بدّ من مراعاتها، سرعان ما يشعر بأنه كان ضحيّة سلبية لنواحي النقص الموجودة فيه، إلّ أنه يميل إلى الفرار من مثل هذا التأمّل وذاك الإدراك قدر الإمكان12. ويمكن أن نجلوَ يأس الضعف هذا في أولئك الذي يلهثون شوقًا إلى حذق الأبدية، ولكنهم فقَدوا الأمل في الوصول إليها وتحصيلها. وكلما كان يأسهم شديدًا كانوا أقرب إلى العبودية، وأدنى من أن ينفُذ جرح التأمل في ذواتهم إلى الأعماق، وربما يكون نتيجة ذلك الانطواء على الذات، الذي يتخيلونه مغطيًا لضعفهم وفقدانهم للأمل، وقد يؤدّي بهم هذا النوع من اليأس إلى الانتحار أو الجنون. والضرب الثاني من اليأس الواعي يتمثّل في يأس التحدي؛ والإنسان المتحدّي يحاول هزيمة التناهي والضرورة والزمانية الموجودة فيه بإرادة ما يبتغيه بقوة هائلة تجعله حرًّا وكاملً. ويعتبر كيرككَورد أنّ ثمة نوعًا إيجابيًّا من التحدي وثمة نوعًا سلبيًّا منه؛ في النوع الإيجابي يتصور الإنسان حريته حرية مطلقة لا تخضع للضوابط، ولا تتسم بالمسؤولية، فيتجه أحيانًا إلى التخريب، وأخرى إلى ثورات طائشة. ويصف كيرككَورد مثل هذا الإنسان بأنّ أقدام قوته الإرادية الحرة قد بُنيت على رمال، أمّا النوع السلبي من التحدي فيتمثل في عدم رغبة الإنسان في أن يُدرك أنّ مصائبه يمكن أن يكون لها حلّ، ومن هنا يتصوّر المعاناة الزمانية على أنها أبدية، فيكره الحياة ولكنه يصمِّم على أن يكون هو ذاته رغمًا عنها، إنه يرفض الاستعانة بالرب أو بأيّ إنسان آخر، مع أنه محتاج إلى ذلك، إنه يرفض الاستعانة بأيّ كائن آخر غير ذاته، وبهذا انتقل كيرككَورد من التحليل السيكولوجي لليأس إلى التفسير اللاهوتي له. وقرّر في هذا الصدد أن عظمة الروحانية الإنسانية يجب أن ترى في ضوء الحقيقة القائلة إنّ الرب هو معيار الذات وهدفها، سواء أدرك الناس ذلك أو لم يدركوا، إنّ الوثني والإنسان الطبيعي حاصلان على مقاييس الإنسان المتناهي لأنهما يكونان غير واعيين بخطيئتهما، في حين أنّ المسيحية حين تعمّق اهتمام المتوحد بالخطيئة، وحين تقدم فهمًا أعمق لهذه المشكلة، تفتح في الوقت نفسه الطريق إلى العلاج، الطريق إلى الإيمان؛ فحين يرغب الإنسان في تحقيق ذاته لا بد من أن يؤمن بالرب13.

  1. المرجع نفسه، ص.300
  2. المرجع نفسه، ص.301
  3. المرجع نفسه، ص.302–301

المراجع

والتوزيع،.2012

والنشر،.1981

دار الآداب،.1988

منشأة المعارف،.2000

_______. خوف ورعدة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1984

القاهرة: سامي فوزي،.2010

بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2011

References

الأندلسي، ابن باجة. تدبير المتوحد. ترجمة وتحقيق وتقديم معن زيادة. القاهرة: دار رؤية للنشر برانت، فريتيوف. كيركجارد. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات بشارة، عزمي. مقالة في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 جوليفيه ريجيس، المذاهب الوجودية من كيركجور إلى جان بول سارتر. ترجمة فؤاد كامل. بيروت: عبد المعطي، محمد علي. سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية. ط 4. الإسكندرية: دار كيركجارد، سورين. المرض طريق الموات. ترجمة أسامة القفاش. القاهرة: مكتبة دار الكلمة،.2013 _______. دينونة المحبة والمحبة التي لم تحب: ثلاث رسائل في المسيحية. ترجمة سامي فوزي. يودين، روزنتال. الموسوعة الفلسفية. ترجمة سمير كرم. مراجعة صادق جلال العظم وجورج طرابيشي.