النظريات الأخلاقية المعاصرة وإشكاليات التطبيق: المعضلة الأخلاقية واتخاذ القرار نموذجًا
Contemporary Moral Theories and Problems of Application: Moral Dilemmas and Decision–Making as a Model
الملخّص
يتعلق السؤال الذي يوجّه الدراسة بإشكالية العلاقة بين الأخلاق واتخاذ القرار، وذلك من خلال النظريات الأخلاقية المعيارية، التي تظل المنبع الأكثر ثراءً للبحث عن الحلول للمشاكل السياسية والاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية. تهدف الدراسة إلى التحليل الأخلاقي لأنماط السلوك السياسي والاجتماعي، من خلال القضايا الأخلاقية، واتخاذ القرار الملائم أمام معضلة أخلاقية معينة. ولإنجاز ذلك، تسلط الدراسة الضوء على المعضلة الأخلاقية ووضعها الأنطولوجي. وتخوض في إرث المفكرين الأساسيين في التراث الفلسفي منذ أرسطو إلى تشارلز تايلور، من خلال ثلاثة توجهات: أخلاق المنفعة، وأخلاق الواجب، وأخلاق الفضيلة؛ لتوظيف هذا الإرث في القضايا المعاصرة، كالكذب السياسي التي اتخذته الورقة مثالًا لربط الفكر بالواقع.
Abstract
Abstract: This paper explores the relationship between ethics and decision–making through established theories of ethics that continue to be the richest source for solutions to political and social problems arising in democratic societies. The paper analyses patterns of political and social behaviour when making appropriate decisions in contexts of a particular ethical dilemma, exploring in particular the ontological status of moral dilemma. Then it delves into three streams of the legacy of the main philosophical thinkers from Aristotle to Charles Taylor (Utilitarianism, Deontological Ethics and Ethics of Virtue), and applies these to contemporary issues, such as political deception taken as an example providing linkage of thought and reality.
- الفلسفة الأخلاقية
- المعضلة الأخلاقية
- اتخاذ القرار
- النفعية
- الأخلاق الواجبة
- أخلاق الفضيلة
- العدالة
- الخير
- Moral philosophy
- Moral dilemma
- Decision-making
- Utilitarianism
- Deontological Ethics
- Virtue Ethics
- Justice
- Good
من خ لاا النظريات الأخ قااية المعيارية، التي تظل المنبع الأكثر ثراءً للبحث عن الحلول
للمشاكل السياسية والاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية. تهدف الدراسة إلى التحليل الأخلاقي لأنماط السلوك السياسي والاجتماعي، من خلال القضايا الأخلاقية، واتخاذ القرار الم ئاام أمام معضلة أخ قااية معينة. ولإنجاز ذلك، تسلط الدراسة الضوء على المعضلة الأخلاقية ووضعها الأنطولوجي. وتخوض في إرث المفكرين الأساسيين في التراث الفلسفي منذ أرسطو إلى تشارلز تايلور، من خ لاا ثلاثة توجهات: أخ ق المنفعة، وأخ ق الواجب، وأخلاق الفضيلة؛ لتوظيف هذا الإرث في القضايا المعاصرة، كالكذب السياسي التي اتخذته
الدراسة مثالً لربط الفكر بالواقع.
مقدمة
على الرغم من الاهتمام الجديد بالسؤال الأساسي الذي تنشغل به هذه الدراسة، والمتعلق بإشكالية العلاقة بين الأخلاق وصناعة القرار واتخاذه، في ضوء الظروف التاريخية التي تميز السياسة الغربية المعاصرة المحلية والدولية، فإن هذا السؤال مطروح قديمًا في الفلسفة السياسية والأخلاقية. فالفلسفة السياسية والأخلاقية تظل المنبع الأكثر ثراءً للبحث عن حلول للمشاكل السياسية
والاجتماعية الغربية الحالية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، على الأقل في الجامعات الغربية، هو: هل لمجال صناعة القرار أن يتمتع بقدر من الاستقلال عن مجال الأخلاق؟ وهل لنا أن نفهم الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي على نحو منفصل عن الأخلاق فلسفيًا ومعرفيًا ومنهجيًا؟
أم أنّ اتخاذ القرار في هذه الميادين يجب أن يخضع لفهم الطبيعة البشرية ودوافعها وأهدافها فهمًا أخلاقيًا حقيقيًا؟ تهدف الدراسة إلى مقاربة التفكير الأخلاقي في مجال صنع السياسات والتحليل الأخلاقي لأنماط السلوك السياسي والاجتماعي، وفهم دور الأخلاق في الصراعات السياسية والاجتماعية والإدارية، وغير ذلك، من خلال القضايا الأخلاقية، واتخاذ القرار الملائم لمعضلة أخلاقية معينة. للإجابة عن بعض جوانب الإشكالية المطروحة بين الأخلاق ومسألة اتخاذ القرار، وبما أنّ إشكالية العلاقة بين الأخلاقي والسياسي يُنظر إليها من زوايا مختلفة، سيعود البحث إلى تراث مفكّرين أساسيين، منذ الفلسفة اليونانية، متعرّضًا لبعض إشكاليات توظيفه في المناقشات المعاصرة.
وستكون البداية مع «العواقبية» (ومن أهم تياراتها أخلاق المنفعة)، والتي تعمل وفق المبدأ القائل إن الزيادة في رفاهية الإنسان هي العامل الوحيد الذي يسمح بالحكم على أخلاقية فعل معين. ثم «أخلاق الواجب» التي تركز على حقوق الأفراد وواجباتهم، وفكرتها الأساسية هي: أن القيمة الأخلاقية للأفعال أو القرارات تستند إلى أساس الالتزامات المتبادلة واحترام حقوق الآخرين. ثمّ «أخلاق الفضيلة» الموجهة نحو فكرة الخير بدلً من العدل، وسؤالها الرئيس هو: «أي نوع من الأشخاص يجب أن أكون؟» وليس «ماذا عليّ أن أفعل؟». وتختتم الدراسة بمثال تطبيقي حول
الكذب في الميدان السياسي، لإخضاعه للتقييم الأخلاقي من طرف تلك النظريات المعيارية؛ للوقوف على حدود شرعيته الأخلاقية. لكن قبل تفصيل ذلك، يُطرح تساؤل حول ما يمكن للمفكر أو الفيلسوف القيام به في ميدان الأخلاق، خصوصًا أمام مسائل تحتاج إلى البتِّ فيها أخلاقيًا في الوقت الحالي. وليس هذا
في قدرة الفيلسوف، ومن يعتقد ذلك قد يرتكب خطأ مركبًا. فإضافةً إلى تحميل الفيلسوف
مسؤولية الحل الأخلاقي للمشاكل المطروحة، هناك نوع من الخلط بين النظرية والتطبيق. بمعنى أنّه لا يكفي أن نمتلك مفاتيح النظريات لنكون قادرين على تطبيقها على أرض الواقع.
(((هذا التقسيم الثلاثي لنظريات الأخلاق حاضر في أدبيات الفلسفة الأخلاقية الغربية.
وهذا كما هو معلوم، ليس في قدرة أصحاب الفكر، ولم يكن حتى في قدرة المعلم الأول أرسطو Aristotle (385 ق. م 323–. ق. م.). في هذا الإطار، «يتوافق عمل الفيلسوف اليوم مع عمل خبير استشاري، لديه مهارات متخصصة في موضوعات محددة ويأتي صنّاع القرار لتجنيده للمهمات التي تتطلب خبرة فنية كبيرة». إنّ ما يمكن، إذًا، أن يقوم به الفيلسوف بوصفه خبيرًا أخلاقيًا، كما يؤكد الفيلسوف الكندي دانييل وينشتوك، هو
«تحديد المبادئ التي تحكم العيش معًا». وهذا في إطار المهمة الأكثر إلحاحًا للأخلاق، والتي يحددها في: «العمل على تحديد التوازن، الأكثر صمودًا، بين حماية مجال الاستقلال الذاتي للأفراد المحمي من طرف الحقوق الفردية، وحماية الخير العام». وانطلاقًا من أطروحات وينشتوك، يمكن القول إنّ عمل الفيلسوف الأخلاقي يتلخّص في المشاركة في المعرفة الأخلاقية وفي الثقافة الديمقراطية الخاصة بالمجتمعات الليبرالية، وتوفير الأسس والأدوات للمواطن، لتمكينه من اتخاذ قرار أخلاقي متماسك على المستوى المنطقي. مع الأخذ في الاعتبار أنّ حكم الفيلسوف الأخلاقي ليس أعلى ولا أحسن من حكم أي مواطن آخر. إذًا، فمهمة الفيلسوف الأخلاقي ليس أن يعطي أحكامًا نهائية بشأن القضايا، كما كان شأن الفلاسفة الإغريق وعلى رأسهم أفلاطون Plato (427 ق. م 347–. ق. م.)، بل أن ينير الحوار المجتمعي، وأن يحرص على أن تكون كل المسائل الأخلاقية المتعلقة بموضوع النقاش المطروح واضحةً للرأي العام. وبناء عليه، لا يستطيع الفيلسوف أو المفكر احتكار امتلاك الحقيقة في المسائل الأخلاقية، ولا أن يقرّر بدلً من الآخرين، ولا أن
يحكم على الممارسات الاجتماعية والمهنية من الخارج، إلا إذا كان معنيًا بها بارتباط مهني أو مجتمعي.
وفي هذه الحالة يتخلى عن رداء الفيلسوف، ليعبّر عن رأيه كأي مواطن آخر من موقع مسؤوليته. من جهة أخرى، في الإمكان مقارنة العلاقة بين الفيلسوف والمواطن عمومًا في ميدان الأخلاق، بالعلاقات
التي طرحها الفيلسوف الإسباني دانييل إينيرارتي في كتابه تحول السياسة، مستعيدًا ما قاله سيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856) حول استحالة ثلاث مهن؛ التعليم والتطبيب والسياسة، من دون مشاركة حرة من طرف المتلقي، أو المعني مباشرة بممارسة هذه المهن، أي الطالب والمريض والمواطن. فكما أنّ هذه المهن تبقى مستحيلة إذا لم يكن هناك طلبة مستجيبون، ومرضى قابلون لتشخيص الطبيب ودوائه، ومواطنون انتخبوا السياسي أو فوّضوه، فإنّ عمل الفيلسوف في ميدان الأخلاق يظل مستحيلً أيضًا، أو على الأقل متعثرًا، إذا لم يكن هناك وعي بجدوى الحل الأخلاقي المطروح معرفيًا من طرف هذا
الفيلسوف. زِدْ على ذلك أنّ الحجج الذي يقدّمها الفيلسوف في الميدان الأخلاقي هي بمنزلة مساعدة
(2) Martin Mongin, "Réflexions sur le métier de philosophe," Le Portique: Revue de philosophie et de sciences humaines , 7/12/2007, accessed on 29/8/2020, at: https://bit.ly/37wyXX8 (3) Daniel M. Weinstock, Profession éthicien (Montréal: Presses de l’Université de Montréal, 2006), p. 15. (4) Ibid., p. 19. (5) Daniel Innerarity, The Transformation of Politics: Governing in the Age of Complex Societies (Brussels: Editions scientifiques internationales, 2010), p. 118.
للتفكير الشخصي، وليس للحلول محلّه؛ عندها تبقى هذه الحجج سلطة، بالمعنى الذي نجده عند المؤرخ الألماني تيودور مومسن Mommsen Theodor (1903–1817)، أي أقل من أمرٍ وأكثر من نصيحة. بعد هذا التوضيح الذي يبدو ضروريًا، يأتي السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما فائدة التفكير الأخلاقي، إذًا؟ إنه يبقى مهمًّا، على الأقل لتوضيح المعضلة الأخلاقية، وعرضِ الالتزامات الأخلاقية المتضاربة، وكذلك نقد الحدْس الأخلاقي التلقائي، ثمّ إيضاح المبادئ الأخلاقية، التي في إمكانها توجيه الفعل أو اتخاذ القرار. وقبل الحديث عن التوجهات الكبرى للنظريات الأخلاقية الرائجة وعلاقتها باتخاذ القرار، يستحق الوضع الأنطولوجي للمعضلة الأخلاقية بعضًا من التوضيح.
أولا: المعضلة الأخلاقية بين الرفض والقبول
بحسب الباحث الأميركي/ الكندي بيتر فالنتاين Vallentyne Peter تنشأ معضلة أخلاقية عندما يكون الشخص في موقف اختيار لا يستطيع فيه تلبية إملاءات الأخلاق. وهي بحسب تيرينس ماكونيل تنطوي على تضارب بين المتطلبات الأخلاقية. فقد يجد الشخص نفسه أمام خيارات متعددة، وفي إمكانه القيام بكلّ منها لانعدام أي مانع أخلاقي لذلك (أو لوجود دافع أخلاقي لكلٍ منها)، لكنه لا يستطيع القيام إلا بإجراء واحد فقط، ومن ثم فإن تفضيله إجراءً معينًا على حساب آخر يفرض عليه وضعًا للاختيار بالغ الصعوبة.
. Anne–Claire Husser, "L’Autorité," Le Télémaque , vol. 1, no. 43 (January 2013), p. 4 (((ذكرَتْه:
تجدر الإشارة إلى أنّ حنة أرندت Arendt Hannah (1975–1906)، تستعمل الفكرة نفسها في دراستها الشهيرة: "What was
Authority?"، التي صدرت في:
Hannah Arendt, Between Past and Future: Six Exercises in Political Thought (New York: The Viking Press, 1961), pp. 93–141.
(((خير مثال على هذا النوع من النقد هو قضية دودلي وستيفنس لسنة 1884 Case Stephens and Dudley. v Regina. إنها قضية جنائية كبيرة، شكلت سابقة في القانون العام البريطاني؛ إذ أثبتت أن الضرورة لا يمكن اعتبارها دفاعًا عن تهمة القتل العمد. وتتعلق
القضية بحالة آكلي لحوم البشر الذين لم يموتوا بعد، أي في حال غرق سفينة، وتبرير ذلك بأنه من الأعراف المعمول بها في البحر، ضدًا للقوانين المتعارف عليها في هذا المجال. ورغم تعاطف الشارع البريطاني مع مرتكبَي هذه الجريمة، دودلي وستيفنس، فإنّ
القضاء البريطاني ذهب في الاتجاه المعاكس للحدس الأخلاقي التلقائي العام الذي كان في صالح المتّهمَين، وحكم عليهما بعقوبة
الإعدام مع توصية بالرحمة. ينظر في هذا الصدد على سبيل المثال:
Allan C. Hutchinson, Is Eating People Wrong? Great Legal Cases and how they Shaped the World (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), pp. 13–40; Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2009), pp. 31–33. (8) Peter Vallentyne, "Two Types of Moral Dilemmas," Erkenntnis , vol. 30, no. 3 (May 1989), p. 301.
(((ينظر تفاصيل ذلك في:
Terrance C. McConnell, "Moral Dilemmas," The Stanford Encyclopedia of Philosophy , Edward N. Zalta (ed.) (Palo Alto, CA: Stanford University Press, 2018), accessed on 4/9/2020, at: https://stanford.io/3mBqoOQ
ثمة نقاش فلسفي ومنطقي حول إمكانية وجود المعضلة الأخلاقية؛ فمن جهة، هناك حجج مؤيدة لوجود المعضلة الأخلاقية، كحجة «المشاعر الأخلاقية»، كما نجدها عند برنارد وليامز (2003–1929)، ومفادها أنّ النّدم بعدم اختيار إجراء معين يعني أنّ هذا الأخير لا يزال حاضرًا في وجدان الفرد.
وهناك حجة «التماثل»، ومفادها أنّ الندم يأتي هذه المرة من عواقب الاختيار نفسه، كما هو واضح في حالة صوفي في رواية ستايرن اختيار صوفي. وأخيرًا حجة «عدم التناسب»، ومفادها أنّ هناك قيمًا
لا يمكن جعلها في سلّم قياس موحّد، كمساعدة الآخر وخدمة الوطن، كما نجدها في المثال الواقعي
الذي ضربه جان بول سارتر (1980–1905)، في كتابه الوجودية مذهب إنساني. ومعضلة سارتر في الواقع غير قابلة للحل. فهناك واجبان شرعيان وقابلان للتعميم في الثقافات المختلفة، ولكن لا يمكن التوفيق بينهما. من جهة أخرى، هناك حجج معارضة لوجود المعضلة الأخلاقية، ونجد ضمنها مبدأ «الإلزامية». ومفاده أنّ الوظيفة الأساسية للأخلاق هي جعل الإجراء إلزاميًا، وهو المبدأ الذي أدخله ريتشارد هار
(2002–1919) منذ بداية خمسينيات القرن الماضي. ولكن في حالة المعضلة، تبقى الإجراءات المتناقضة، إمّا كلها إلزامية، وإمّا كلها غير إلزامية. وهناك أيضًا التناقض المنطقي عند تبنّي مبدأين يبدوان بديهيين. الأول هو المبدأ الكانطي «يجب، تقتضي، تستطيع» Can , Implies , Ought،
(((1 يُنظر الندوة الشهيرة التي حاور فيها أتكينسن Atkinson حول «الاتساق الأخلاقي:»
Bernard Williams & W.F. Atkinson, "Symposium: Ethical Consistency," Proceedings of the Aristotelian Society , Supplementary Volumes, vol. 39 (1965), pp. 103–138. (11) Ibid., pp. 107–108.
(((1 هناك حالة أصعب من تلك التي يشير إليها وليامز، وهي التي نجدها مفصلة بعناية في رواية وليم ستايرن Styron William
(1925–2006) اختيار صوفي Sophie’s choice. وعنوان الرواية التي صدرت في 1979، يحيل إلى صوفي وهي امرأة بولندية أ جبرتُ في معسكر اعتقال نازي إبان الحرب العالمية الثانية، على تحديد أي من طفليها، يان Jan وإيفا Eva، سيعيش، وأيهما سيموت، وإلا سيقتلان معًا. ستختار صوفي ابنتها إيفا للموت، ومهما يكن اختيارها، فإحساس الندم سيرافقها إلى آخر حياتها. وهو إحساس
مضاعف بالندم، بعدم اختيار الطفل يان، وباختيار الطفلة إيفا، والعكس صحيح. وقد أصبح عنوان الرواية اختصارًا لاختيار رهيب
ومُدمِّر بين خيارين بالغي الصعوبة. ينظر تفاصيل ذلك الاختيار في:
William Styron, Sophie’s choice (New York: Rosetta Books, 2000), pp. 507–508.
(((1 إبّان الحرب العالمية الثانية، كان على أحد تلامذة الفيلسوف الفرنسي الاختيار بين البقاء في باريس لعلاج ومراعاة أمّه
المريضة (مع العلم أن أباه كان قد هجرها وتوفي ابنها البكر في الهجوم الألماني على فرنسا في عام 1940)، أو التجنيد في «قوات فرنسا الحرة» والذهاب إلى إنكلترا. ينظر تفاصيل ذلك في:
Jean–Paul Sartre, L’existentialisme est un humanisme (Paris: Nagel, 1966), pp. 39–40.
(((1 تعتمد هذه الفقرة في الأساس على:
McConnell; Monique Canto–Sperber, Le Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale (Paris: PUF, 1996), pp. 443–448. David Lewis, "The trap’s dilemma," Australasian Journal of Philosophy , vol. 66, no. 2 (June 1988), pp. 220–223.
(((1 ينظر الفصلان الأول والثاني من كتابه:
Richard Mervyn Hare, The Language of Morals (Oxford: Oxford University Press, 1952), pp. 17–31.
(((1 تجدر الإشارة إلى أنّ المبدأ الكانطي «يجب، تقتضي، تستطيع»؛ رفضه بعض المفكرين، ومنهم وليامز. ينظر حجّته في:
Williams & Atkinson, p. 118.
ومبدأ «التكتل» (وهو مبدأ في المنطق التكليفي logic Deontic)، ومفاده أنّه إذا كان الفرد ملزمًا بالقيام بالإجراء (أ) وبالإجراء (ب)، فهو ملزم بالقيام بالإجراءين (أ) و (ب) معًا. لكن إذا أردنا حماية احتمال وجود المعضلة الأخلاقية، فعلينا أن نتخلّى إمّا عن المبدأ الكانطي، وإما عن مبدأ التكتل المنطقي. والمسألة تتلخص في الخطوات المنطقية التالية التي تؤدي حتمًا إلى التناقض: إذا اعتمدنا المبدأ الكانطي، فإنّ: و (أ) ← ق (أ) وإذا اعتمدنا مبدأ التكتل المنطقي، فإنّ: و (أ) و و (ب) ← و (أ و ب) وإذا افترضنا وجود المعضلة الأخلاقية، فإنّ: 1). و (أ 2. و (ب) 3. ¬ ق (أ و ب) وإذا كان مبدأ التكتل صحيحًا فإن:ّ 4. و (أ) و و (ب) ← و (أ و ب) وإذا كان المبدأ الكانطي صحيحًا فإن:ّ 5. و (أ و ب ← ق (أ و ب) وهنا يبدو التناقض جليًّا بين الخطوة (3) والخطوة (5). وإذًا، فالاحتفاظ بالمعضلة الأخلاقية يبقى
مرهونًا بالتخلي عن أحد المبدأين المذكورين اللذين يبدوان صحيحين من الناحية الحدسية، بتعبير ماكونيل. إذًا، كيف يمكن أن يكون التفكير الأخلاقي أكثر تماسكًا؟ لقد جرت العادة في المجال التداولي الغربي على العودة إلى ثلاثة تيارات فلسفية كبرى، كانت تسعى عبر التاريخ الفلسفي إلى منح الحدس الأخلاقي التلقائي، أو بعضه على الأقل، تعبيرًا أكثر اتساقًا ومنهجية.
(((1 نشير فقط إلى أن:ّ • (أ) و (ب) يرمزان إلى الإجراء (أ) والإجراء (ب.) • ق (أ) ترمز إلى (القدرة على القيام بالإجراء (أ)). • و (أ) ترمز إلى (واجب القيام بالإجراء (أ)). • ¬ (أ) ترمز إلى نفي الإجراء (أ).
(18) McConnell.
ثانيًا: العواقبية، أو عندما يقاس الفعل الأخلاقي بمعيار السعادة
لنبدأ بالتيار الأشهر وهو «العواقبية» Consequentialism، وأشهر أنواعها: «النفعية» Utilitarianism. تكمن أهمية هذا التيار في أنه لا يعترف بوجود المعضلة الأخلاقية، لأنّه يرتّب الخيارات بحسب أهمية النتائج. أمّا شهرة «النفعية» فتأتي من كونها ظلّت لصيقة باختيارات السياسة وعوالمها؛ نظرًا إلى أنها
تعبّر عن المصلحة العامّة، ويُفترَض فيها أن تعبّر عن رأي الأغلبية. وبالتعبير الأخلاقي النفعي: أن تعبّر
عمّا يزيد من سعادتها. وهنا يكمن تعريف النفعية، كما حددّها جيريمي بنثام (1832–1748)، وجون ستيوارت ميل (1873–1806). فبالنظر إلى نفعية مؤسسيها، يكون الفعل مقبولً من الناحية الأخلاقية، إذا زاد من سعادة أكبر عدد من المعنيين به، أو في المقابل إذا قلّل من معاناتهم. وينتج من ذلك مبدأ آخر سيرتبط بالمنفعة Utility التي تؤسِّس أخلاقيًا للفعل عند بنثام وميل، وهو «الحياد» Impartiality.
وهذا الحياد يفضي إلى تثمين سعادة الأشخاص، بغضّ النظر عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي.
فلا فرق بين الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والعالم والجاهل. وهذا في حدّ ذاته مبدأ رئيس في الديمقراطية الحديثة. وإذا نقلنا هذه الفكرة إلى مستوى الدول، فيمكن القول إنّ سعادة الناس هي على حدّ سواء أينما وُجدوا في العالم؛ أي إن سعادة الفرد في البلدان الفقيرة تساوي سعادة الفرد في البلدان الغنية. ولا يكون أيّ فعل سياسيٍّ أخلاقيًا على المستوى الدولي، وفقًا للنفعية، إلا إذا كان في صالح
سعادة الأكثرية من سكان العالم. وهنا يظهر سوء الفهم الذي لحق بالتيار النفعي، فربَطه بالمنفعة بغض
النظر عن الأسلوب، وباقتصاره على فئة معينة دون غيرها. من جهة أخرى، يفضي مبدأ الحياد من الناحية السياسية إلى رؤية حد أدنى من الأخلاق التي لا تملي سلوكًا أخلاقيًا معيّنًا على الآخرين، وتُجرد، إذًا، الدولة أو أي مؤسسة أخرى من حق فرض النظرة
(((1 سنقتصر على الحديث عن النفعية بوصفه التيار الأشهر ضمن النظريات العواقبية التي نجد بينها أيضًا، على سبيل المثال
لا الحصر: العواقبية الجمالية Consequentialism Aesthetic، عندما يجري تقييم نتائج الفعل لجمالها. وهنا يمكن إدراج ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926)، رغم أن منهجه مختلف عن التيارات الأخلاقية المعروفة. لكنّ ما يسو غ ربط الفيلسوف
الفرنسي بهذا التيار هو جوابه عن سؤال طلابه في نيسان/ أبريل 1983، عندما كان أستاذًا زائرًا في جامعة بيركلي في كاليفورنيا:
«ما نوع الأخلاق التي يمكننا تحقيقها اليوم؟» وكان رده كما يلي: «ما يفاجئني هو أن الفن في مجتمعنا أصبح مرتبطًا فقط بالأشياء وليس بالأفراد أو بالحياة؛ وأيضًا أنّ الفنّ مجال متخصص صنعه خبراء همُ الفنانون. لكن ألا يمكن أن تكون حياة كل فرد عملً فنيًا؟
لماذا يُعتَبر المصباح أو المنزل مواضيع فنيّة وليس حياتنا؟»، ينظر تفاصيل ذلك في:
Michel Foucault, Dits et Ecrits (1980–1988), Tome IV (Paris: Gallimard, 1994), p. 392.
وهناك أيضًا العواقبية المعرفية Consequentialism Epistemic، عندما يجري تقييم عواقب الفعل بحسب قدرته على زيادة المعرفة.
لمزيد من التفاصيل ينظر:
Kristoffer Ahlstrom–Vij & Jeffrey Dunn (eds.), Epistemic Consequentialism (Oxford: Oxford University Press, 2018). (20) Jeremy Bentham, The Collected Works of Jeremy Bentham: An Introduction to the Principles of Morals and Legislation (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 11.
(((2 يناقش ميل هذين المبدأين ويربطهما بمفهوم العدالة في الفصل الخامس، بعنوان «في الاتصال بين العدالة والمنفعة» من كتابه
النفعية. ينظر:
John Stuart Mill, On liberty: Utilitarianism and other essays (Oxford: Oxford University Press, 1998), pp. 176–201.
الأبوية، تحول دون إملاء رؤيتها على المواطنين. كما أنّ هذه النفعية تفترض حرية الإنسان في الاختيار وعدم خضوعه لسلطة الجماعة التي ينتمي إليها. ويبقى ضمان سعادة أكبر عدد ممكن من الأفراد، هو ما يسند القرار المتّخَذ. وهذه السعادة هي العامل الوحيد الذي يسمح بالحكم على أخلاقية الفعل. لكن سرعان ما يظهر عدد من نواقص النفعية، رغم استنادها إلى مبدأ المنفعة الذي يبدو أقرب إلى واقع الإنسان. فهذا التيار لا يُعير أي قيمة أخلاقية لاختلاف الأفراد، ولا إلى الفعل نفسه، ويفرض رؤية اختزالية للفرد. والأهم من هذا، أنّ النفعية تفترض أنّ الأفراد يقبلون دائمًا بالتضحية بمصالحهم الشخصية لرفاهية أكبر عدد. وهذا يبقى صعبًا في الحياة اليومية، حتّى عند من آلت إليهم مسؤولية الحفاظ على المصلحة العامة. هذه النواقص، أو بعضها على الأقل، سيحاول تجاوزَها هذا التيارُ نفسه الذي سيفرق بين المتع العليا والمتع الدنيا، ويضفي قيمة أكبر على الفرد وخياراته، مع إعطاء الأولوية للسعادة الفكرية، كما يظهر جليًّا في ما قاله ميل: «من الأفضل أن تكون إنسانًا غير راضٍ، من أن تكون خنزيرًا راضيًا. ومن الأفضل أن تكون سقراطًا غير راضٍ من أن تكون غبيًا راضيًا. وإذا كان الغبي، أو الخنزير، على رأي آخر، فذلك لأنهما لا يدركان سوى جانب من المسألة. الطرف الآخر في المقارنة يُعلم الجانبين كليهما». إضافة إلى ذلك، ظهرت الصعوبات التي واجها التيار النفعي، خلال القرن التاسع عشر، في تحديد سعادة الأكثرية، ومن ثم تحديد جودة حياة الأفراد. وهو ما حاول تجاوزه أحد أكبر المفكرين النفعيين المعاصرين، وهو ريتشارد هار. لقد اقترح الفيلسوف الإنكليزي، رائد ما يصطلح عليه ب «النفعية التفضيلية» Utilitarianism Preference، التمييز بين مستويين من التفكير الأخلاقي: مستوى التفكير الحدسي، ومستوى التفكير النقدي. في المستوى الأول، يطبق الناس الحدس الأخلاقي أو
(((2 ليس الغرض هنا هو الخوض في سيكولوجية الفرد، لكن في الإمكان التذكير بأنّه في حالة الضغط التي تولّدها الاختيارات
المطروحة على الفرد في الحياة اليومية، غالبًا ما يتمّ اللجوء إلى تبني منطق نفعي بطريقة تلقائية.
(23) Mill, pp. 140.
(((2 هناك العديد من الأمثلة التي تُظهِر مأزق النفعية كسؤال: لماذا تكون سعادة شخص عند سماعه أغنية شعبية أو شبابية أدنى من
سعادة شخص يستمع للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن Beethoven (1827–1770) مثلً؟ أو المثال الذي طرحه مايكل ساندل Michael
J. Sandel حول ما يمنحنا سعادة أكبر: قراءة مسرحية لشكسبير Shakespeare (1616–1564) أم مشاهدة إحدى حلقات مسلسل عائلة سيمسن Simpsons The؟ ولماذا شكسبير هو الأفضل في منح سعادة عالية بحسب منطق ميل في محاولة تصحيحه لنفعية بينثام. ينظر تفاصيل ذلك في: Sandel, pp. 54–57.
(25) Richard Mervyn Hare, Moral Thinking. Its Levels, Method and Point (Oxford: Oxford University Press, 1981), pp. 1–43.
(((2 الفعل المقبول أخلاقيًا في نظر هار هو الفعل الذي يُفَضّل (يُرغَب ويُطلَب)، وهو الفعل الصحيح. ينظر في هذا الصدد:
Ibid., pp. 101–105.
(((2 يُقرّ هار أنّ هذا التمييز كان معروفًا لدى فلاسفة اليونان، كأفلاطون وأرسطو. ينظر: Ibid., p. 25.
المبادئ العامة الأولية Facie Prima (التي يعتبرونها أمرًا مفروغًا منه) على المواقف الأخلاقية
الفردية. وتُستمَدُّ هذه المبادئ من التعلم من الآخرين ومن التربية والتجارب الماضية، وتتأصل بعمقٍ في الأفراد، مشاعرَ وأحكامًا. وهذا المستوى الحدسي هو المطبّق في الحياة اليومية، حيث يمكننا اتباع
المبادئ العامة الأولية، لأنها عادةً ما تولد العواقب الأكثر فائدة لسعادة أكبر عدد من الناس. أمّا مستوى التفكير النقدي فهو الذي نلجأ إليه في المواقف المصطنعة أو المتخيّلة، مثل التمارين الأخلاقية أو
الفلسفية. في هذه الحالة، من المحتمل أن يكون هناك استثناء من القاعدة الأخلاقية الراسخة وارتكاب عمل يُعَدُّ غير أخلاقي في مستوى التفكير الحدسي. لكن المستوى الثاني لا يهدف إلا إلى تعميق المتطلبات الأخلاقية، ولا يجري تطبيقه بالضرورة في الحياة اليومية. إن هار يسمّي من يستطيع الالتزام بمستوى التفكير النقدي، وبه فقط، «رئيس الملائكة» Archangel، ويسميه أيضًا «المراقب المثالي»، و«الواصف المثالي». لكن يبقى أهم تصحيح في هذا التيار، هو ما جاء به الفيلسوف الأسترالي بيتر سينجر، الذي أعطى تعريفًا أخلاقيًا للشخص، آخذًا في الاعتبار أنّ هذا الأخير يكتسب هويته عندما يتجسّد في جسم الإنسان
ويستغل محيطه ويؤدي دورًا فيه. لهذا يُفضِّل سينجر الحديث عن الشخص Person بدلً من الإنسان Being Human. ويستند سينجر في تعريف الشخص إلى جوزيف فليتشر Fletcher Joseph (1991–1905)، رائد تطوير أخلاقيات البيولوجيا، ويحدد أربع خصائص لاعتبار الكائن، ويدخل فيه الإنسان، مؤكدًا أنّه إذا كان في إمكان الكائن أن يُظهر أياصًّ من هذه الخصائص، فإن هذا الكائن هو شخ ويستحق اعتبارًا خاصًا. وهذه الخصائص التي تضمن بقاءه على قيد الحياة هي كونه عقلانيًا Rational
(((2 حول مفهوم Facie Prima، ينظر على سبيل المثال ما كتبه وليم روس William D. Ross (1971–1877) الذي يرفض المنطق العواقبي المعتمد على زيادة السعادة في تقييم الفعل أخلاقيًا. يعتقد روس أنّ هناك مبادئ عامة أولية هي التي تؤدي دورًا في تحديد
ما يجب على الشخص فعله في أي حالة، وهي التي تخضع لمنطق زيادة الخير والسعادة: الإخلاص • Fidelity: وجوب السعي للوفاء بالوعود والصدق. • جبر الضرر Reparation: وجوب الإصلاح والتعويض في حالة الظلم. • الامتنان Gratitude: وجوب الامتنان للآخرين ومحاولة رد الجميل. • عدم الأذى Non–injury: وجوب الامتناع عن إيذاء الآخرين جسديًا أو نفسيًا. • الإحسان: Beneficence وجوب التعامل بلطف مع الآخرين، ومحاولة العمل على تحسين صحتهم وحكمتهم وأمنهم وسعادتهم ورفاهيتهم. • تطوير الذات Self–improvement: وجوب السعي بجهد لتحسين صحتنا وحكمتنا وأمننا وسعادتنا ورفاهيتنا. • العدل Justice: وجوب محاولة الإنصاف وتوزيع المنافع والأعباء على نحو عادل ومتساوٍ. ينظر في هذا الصدد:
William D. Ross, The Right and the Good (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp. 19–28.
(((2 في الإمكان إعطاء المثال التالي: التخلي عن شخص يموت أمام أعيننا، فقط لأننا نعلم ماضيه الإجرامي الثقيل. فتركه يموت يكون سببًا في إسعاد عدد كبير من الأفراد، ويكون موته خدمة للمجتمع. وكذلك افتراض أنّ المشرلاِّع يجرمقِّ هذا الفعل لأنه حقّ
السعادة للمجتمع والمنفعة أيضًا، لأنه تخلص من مجرم خطير. لكن في الواقع، لا تخضع الأمور لهذه الحسابات.
(30) Hare, Moral Thinking , p. 55. (31) Peter Singer, Practical Ethics (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), p. 73.
ويتمتّع بوعي ذاتي Self–Conscious، ومن ثم يدرك نفسه على أنّه سيكون قادرًا على امتلاكه رغبات حول مستقبله، ولمواصلة العيش، إضافة إلى أنّه كائن مستقل Autonomous Being. وفي السياق الذي بدأه هار، سيُدخِل سينجر مفهوم «التفضيلات»، بمعنى أنّ القيمة الأخلاقية للفعل
تتحدّد بحسب تفضيلات الأفراد الذاتية، أي قدرتهم على التفكير في مشاريع، وعلى تخيّل مستقبلهم.
ومسألة التفضيلات هذه هي التي سيعتمدها سينجر في البحث الأخلاقي في مسألة الإجهاض من الناحية النفعية. وكما هو معلوم، فإن الإجهاض في نظر سينجر مبرَّرٌ أخلاقيًا، لأنّ الجنين لا يمتلك
تفضيلات. ويقول في هذا الصدد: «وبالمثل، فإن السبب النفعي التفضيلي لاحترام حياة شخص لا يمكن تطبيقها على طفل حديث الولادة. لا يستطيع الأطفال حديثو الولادة رؤية أنفسهم ككائنات قد يكون لها مستقبل أو لا يكون، وهكذا لا يمكن أن يكون لديهم الرغبة في الاستمرار في العيش. للسبب نفسه، إذا كان الحق في الحياة يجب أن يستند إلى القدرة على الرغبة في الاستمرار في العيش، أو على القدرة على رؤية الذات كموضوع ذهني مستمر، فإنّ الطفل حديث الولادة لا يمكن أن يكون له الحق في الحياة. وأخيرًا، فإنّ المولود الجديد ليس كائنًا مستقلً، قادرًا على الاختيار، ومن ثم، فإن
قتل طفل حديث الولادة لا يمكن أن ينتهك مبدأ احترام الاستقلالية». والشيء نفسه بالنسبة إلى المولود الجديد غير المرجوّ شفاؤه، وكذلك بالنسبة إلى القتل الرحيم. وفي ما يخصّ ترتيب الأولويات، يعطي سينجر الأسبقية بالطبع للتفضيلات، وبعدها تأتي المتعة.
فإزالة تفضيلٍ لا يساوي أخلاقيًا إزالة متعة. إن إزالة تفضيلٍ تعني إزالة مشروع حياة لا يمكن تعويضه،
على عكس التخلي عن متعة أو سعادة، كما هو الحال في النفعية الكلاسيكية. ورغم ما تحمله النفعية من تناقضات، فقد كانت، وما تزال، تجدّد نفسها تيارًا قادرًا على ربط الأخلاق
بسعادة الفرد والمجتمع (بمعنى الأكثرية). ولتفادي بعضٍ من هذه التناقضات، برزت تيارات أخرى،
(32) Ibid., p. 76. (33) Ibid., p. 152. (34) Ibid., p. 152.
(((3 تجدر الإشارة أيضًا أنه في قضية آشلي Ashley الشهيرة، يتخذ سينجر موقفًا يعدّ صادمًا لمستوى التفكير الحدسي، بحسب
تعبير هار، لكنه يتناسق مع مبادئ النفعية التفضيلية التي أرساها. والقضية مفادها أنّ طفلة أميركية تدعى آشلي، من مواليد سنة 1997،
كانت تعاني إعاقات شديدة في النمو؛ تركتها عقليًا في مستوى الرضيع، لكنها استمرّت في النمو جسديًا. وجرى اتفاق بين الأطباء
المسؤولين وأبوي آشلي على إجراءات علاجية تتضمن تقليص النمو، واستئصال الرحم، وإزالة براعم الثديين، وغير ذلك. وكان الغرض الرئيس من هذه الإجراءات تحسين نوعية حياة آشلي، من خلال الحد من نموها في الحجم؛ لتسهيل نقلها مع إخوتها الآخرين، والقضاء على تقلصات الدورة الشهرية والنزيف، ومنع الانزعاج من الثديين الكبيرين. ونتج من ذلك انقسام على المستوى الوطني، بين المعارضين والمؤيدين منذ بداية سنة 2007. وقد اتخذ سينجر موقفًا مؤيدًا لرأي الأبوين ودافع عنه في صفحات الجرائد
الأميركية. ينظر مقاله في نيويورك تايمز على سبيل المثال:
Peter Singer, "A Convenient Truth," The New York Times , 26/1/2007, accessed on 2/10/2020, at: https://nyti.ms/38zJFvc
(((3 تجدر الإشارة إلى أنّ سينجر كان يفضل إنهاء حياة أمِّه التي كانت مصابة بالزهايمر بالمنطق نفسه، لولا أنّ القرار لم يكن بيده
وحده؛ فهناك أخته وأفراد عائلته المقربون، كما صرّح بذلك لجريدة الإندبندنت. ينظر تفاصيل ذلك في:
Johann Hari, "Peter Singer: Some people are more equal than others," The Independent , 10/10/2011, accessed on 15/9/2020, at: https://bit.ly/34AF8HA
انقسمت في أغلبها إلى «أخلاق الواجب» و«أخلاق الفضيلة». ومن أهّم ما يلوم هذان التياران النفعية عليه؛ إهمالُها الالتزامات الأخلاقية الخاصة بالأفراد، كما رأينا؛ إذ تهمل مصالحهم الخاصة وتضحّي بتوجهاتهم الأخلاقية على مذبح التوجه الأخلاقي العام الذي تقرره الأغلبية، وعلى الأفراد العيش وفقًا لما يريده الآخرون. وهناك أيضًا فكرة «المحظور الأخلاقي»، ومجموعة الأفعال التي لا يجوز القيام بها. وكما رأينا، لا تهتم النفعية إلا بنتائج الفعل. فمن السهل، بحسب المنظور نفسه، أن تبرر النتائجُ وسائلَ الوصول إليها، ما دامت النفعية لا تقيم لهذه الأخيرة وزنًا رغم تصحيحات ميل. وبناء عليه، فالمحظور أخلاقيًا، على الأقل في مستوى التفكير الحدْسي، بتعبير هال، قد يصبح مبرَّرًا،
وربّما مستحَبًّا.
ثالثًا: أخلاق الواجب أو الصرامة الكانطية للفعل الأخلاقي
التيار الثاني الذي يُعدُّ ردًّا على العواقبية، هو تيار «أخلاق الواجب الكانطية» Ethics Deontological.
يتصور إيمانويل كانط (1804–1724) الأخلاق مستقلةً عن أي سلطة خارجية، تركّز على حقوق الأفراد وواجباتهم. ففي مقدمته للطبعة الأولى عام 1793 لكتابه الدين في حدود العقل، يبدأ كانط بالجملة التالية: «إنّ الأخلاق، من حيث كونها مؤسّسةً على مفهوم الإنسان […] لا تحتاج أبدًا، في ما يتعلّق بذاتها، إلى الدّين […] بل هي مكتفية بذاتها». هي، إذًا، جزء من الطبيعة البشرية، وتنحدر من العقل ومنه فقط (بديهية Priori A)، وهي فطرية وليست مكتسبة. لذا؛ فهي ضرورية وخالصة ومُلزِمة،
وتتّسم ببُعدٍ كوني. والفكرة الأساسية هنا هي أنّ القيمة الأخلاقية للأفعال والقرارات تستند إلى
أساس الالتزامات المتبادلة واحترام حقوق الآخرين؛ انطلاقًا من مفهوم «الأمر المطلق» الذي تعدّدت صيَغُه في «ميتافيزيقا الأخلاق»، والذي يمكّن الفرد من وضع نفسه مكان الآخرين؛ إذًا، يوجب
(((3 يمكن تقديم المثال التالي: إذا اعتمدنا التصور الأخلاقي النفعي للمجتمع، فمن المنتظر من شاعر أو روائي مثلً، أن يتخلّى
عن كتابة الشعر أو الرواية، لفائدة مجتمعه، إذا كان هذا الأخير يرى هذا النوع من الفن لا يتماشى مع التوجه الأخلاقي العام، والذي تحدده الأكثرية كما رأينا. (((3 هناك عديد من الأمثلة، ونقتصر على المثال التاريخي الروماني. فقد كان الرومان يُلقون بالمسيحيين الأوائل إلى الأسود
ويتفرجون عليهم وهم في سعادة جماعية قصوى، وهذا الفعل يبقى مقبولً من الناحية الأخلاقية في التيار النفعي لأنّه يجلب سعادة
الأكثرية الرومانية. وتجدر الإشارة إلى أننا نتفادى هنا الجدل حول صحة هذا الفعل من الناحية التاريخية، لأنّه لا يدخل في أهداف
هذه الدراسة. ينظر في هذا الصدد كتابَا كانديدا موس:
Candida R. Moss, Ancient Christian Martyrdom: Diverse Practices, Theologies, and Traditions (New Heaven: Yale University Press, 2012); Candida R. Moss, The Myth of Persecution: How Early Christians Invented a Story of Martyrdom (New York: HarperCollins, 2013).
وسواء أكان ذلك صحيحًا أم لا، فالفكرة من وراء المثال إماطة اللثام عن إمكانية قبول الفعل المحظور أخلاقيًا من طرف الأغلبية. كما أنّه
يمكن، باعتبار مستوى التفكير النقدي، افتراض أغلبية تفضّل التخلص الجماعي من أقلية معينة (دينية أو عرقية أو جنسية... إلخ)، وترى
أنّ في ذلك سعادتها أو تقليلً من معاناتها. فهذا الفعل سيعتبر في النفعية مبرّرًا من الناحية الأخلاقية، وعليه يتخذ قرار تنفيذ الإبادة.
(39) Immanuel Kant, La religion dans les limites de la simple raison (Paris: Vrin, 1968), p. 23. (40) Peter Singer (ed.), A Companion to Ethics (Malden: Blackwell Publishing, 1993), p. 177.
(((4 وهذه إحداها: «افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة إرادتك أن تصبح دائمًا وفي الوقت نفسه مبدأ تشريع عام.»
Immanuel Kant, Métaphasique des mœurs , Tome 1 (Paris: Flammarion, 1994), p. 178.
ذلك الامتناعَ عن أيّ شيء قد يسبب لهم ضررًا، ماديًا كان أم معنويًا. ولكنه قبل هذا يعني أيضًا خروج الإنسان من حالة القصور، أي إنه لا يهم إلا الإنسان الحر والعقلاني على وفق تعاليم فلسفة الأنوار. يلاحظ هنا أنّ الصرامة الكانطية تُصعِّب الأمور، وخصوصًا في العديد من المعضلات الأخلاقية المطروحة، كواجب قول الحقيقة في أي ظرف من الظروف، وواجب منع الإجهاض في كلّ الظروف، لأنه قتلٌ للنفس (حتى في حالات الجنين المشوّه والحمل الناتج من اغتصاب، وغير ذلك)، كما أنها
تساعد على الامتناع عن الفعل، خصوصًا إذا كان الاختيار بين واجبات سلبية كلّها، وهي (أي تلك الواجبات السلبية) في نظر كانط كاملة وصارمة ومطلقة في جميع الحالات، كعدم الكذب مطلقًا وعدم القتل مطلقًا، وبين واجبات إيجابية كلّها، وهي غير كاملة وموسعة، كواجب الرحمة والمساعدة والتعاطف. أمّا في حالة «التعارض» بين واجب سلبي وواجب إيجابي؛ فالتفضيل للأول لأنه مطلق. ومن صعوبات الأخلاق الواجبة أيضًا، غياب المشاعر في المجال الأخلاقي. وهذا يتطلّب جهدًا جبّارًا
من الفرد في حالة دفعه إلى اختيارٍ في معضلة أخلاقية تهمّ أحد المقربين منه، مثلً. وهناك العديد من الأمثلة في هذا المجال، حيث يبقى اختيار القرار – امتثالً لأخلاق الواجب – صعبًا وربّما مستحيلً
في بعض الأحيان. ورغم استحضار مبدأ «التأثير المزدوج» الذي أدخله القديس توما الأكويني Aquinas Thomas –1225(1274) في ميدان الحرب العادلة (أو التي يجب أن تكون عادلة، بحسب الأكويني)، من طرف التيار الكانطي لحل المعضلة الأخلاقية، فإنه يُضعِف الأساس الكانطي من أصله، ويقرّبه أكثر من العواقبية،
ما دام سينظُر هو أيضًا إلى عواقب الفعل، مركّزًا على تأثير هذا الأخير الإيجابي والسلبي، والإصرار على أن يكونا مقبولين أخلاقيًا. وهذا في حدّ ذاته نسْفٌ، أو على الأقل، خيانة لمبادئ كانط الصارمة.
وهو ما نلاحظه في استخدام مبدأ التأثير المزدوج باختيار الإجراء الأقل ضررًا، في المعضلة التي تعود
(((4 يرى كانط أن القصور هو حالة العجز عن استخدام العقل عند الإنسان، والرضوخ لتوجيه الآخرين. وهو يقول في نصه الشهير «ما الأنوار؟»: مريحٌ جدًا أن تكون قاصرًا! إذا كان لدي كتاب، يقوم منّي مقام العقل، ومرشد يقوم منّي مقام الضمير، وطبيب يقرر
نظامي الغذائي... إلخ؛ فلست في حاجة إلى القيام بمجهود من تلقاء نفسي. لست مضطرًا إلى التفكير، ما دمت قادرًا على الدفع.
سيتكفّل الآخرون بهذا العمل الممل عوضًا عنّي». ينظر:
Immanuel Kant, Qu’est–ce que les lumières? (Saint–Étienne: Publications de l’Université de Saint–Étienne, 1991), p. 73. (43) Singer (ed.), A Companion to Ethics , p. 178.
(((4 يحدد مبدأ التأثير المزدوج بعض الشروط الضرورية ليصبح فعل الحرب مبرّرًا أخلاقيًا، حتى إن كانت له آثار سلبية: • يجب أن يكون الفعل جيّدًا، أو على الأقل محايدًا أخلاقيًا. • يجب أن يكون التأثير المباشر للفعل مقبولً أخلاقيًا. • القصد من الفعل أن يكون حسنًا من الناحية الأخلاقية. والنتيجة السلبية متوقعة، وغير مرغوب فيها ولكن مقبولة. والتأثير
السلبي للفعل ليس هدفًا ولا وسيلة مباشرة لتحقيق الغايات. • يجب أن يكون التأثير الجيد أقوى من التأثير السيئ، أو على الأقل يجب أن يكونا متساويين (قاعدة التناسب). للمزيد من التفاصيل، ينظر:
Michael Walter, Guerres justes et injustes (Paris: Belin, 1999), pp. 220–221.
أصولها إلى الفيلسوفة فيليبا فوت (2010–1920) في مقالها الشهير بعنوان «مشكلة الإجهاض ومبدأ التأثير المزدوج»، الذي صدر في عام 1967، واشتهرت بعد ذلك ب «معضلة العربة» Dilemma Trolley، بفضل جوديث طومسن (2020–1919)، التي أضافت لها بعض البدائل لجعل حلّها أكثر صعوبة. تتلخّص معضلة العربة، التي لها صياغات متعدّدة، في هذا المثال: هناك قاطرة، بلا كوابح، منطلقة على السكة الحديدية، وتقترب من مفترق السكة. وفي الطريق الرئيس، يوجد خمسة أشخاص يشتغلون، وغير قادرين على سماع اقتراب القاطرة المتجهة إليهم مباشرة. وبجوار رافعة تغيير مسار القطارات على المفترق، يقف شخص ما. إذا قام بسحب هذه الرافعة، فستتحول القاطرة إلى طريق ثانوي يوجد فيه شخص واحد فقط، هو أيضًا يشتغل وليس قادرًا على سماع اقتراب القاطرة إذا اتجهت نحوه. بناء على هذه الحالة؛ لدى الشخص بجوار الرافعة خياران؛ ألّ يفعل شيئًا ويترك القاطرة تقتل الأشخاص الخمسة على المسار الرئيس، أو أن يسحب الرافعة لتحويل مسار القاطرة إلى الطريق الجانبي حيث ستقتل شخصًا واحدًا فقط. فما الخيار الأكثر أخلاقية هنا؟ أو، بالتعبير الأخلاقي، ما الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله؟ يقضي مبدأ التأثير المزدوج وفيليبا فوت أيضًا، بأنه ينبغي للشخص الواقف بجوار الرافعة أن يختار الطريق الجانبي؛ ففعله جيّد لأنه يريد إنقاذ عدد أكبر من الأشخاص. والتأثير المباشر لفعله مقبول
أخلاقيًا لأنّه قد لا يؤدي إلى موت الشخص الوحيد. فالقصد من فعله هو الموت الممكن لشخص
واحد، وهو قصدٌ غير مرغوب فيه، وليس هو هدفًا في حدّ ذاته، ولا وسيلة مباشرة (لأنّ تغيير مسار السكة الحديدية هو الوسيلة المباشرة). هنا جرى إعمال قاعدة «التناسب»، لأنّه سيتمّ إنقاذ خمسة أشخاص بدلً من شخص واحد. في المقابل، يطرح تطبيق «أخلاق الواجب الكانطية»، على معضلة العربة، بعض الصعوبات. أولً: إذا اعتبرنا أنّ الخيارين القائمين متعارضان كالتالي: قتل خمسة أشخاص مقابل قتل شخص واحد، فالخياران ينتميان إلى منظومة الواجبات السلبية المطلقة. ومن ثم يتساوى قتل شخص واحد مع قتل خمسة أشخاص. لكن اختيار قتل شخص واحد يبقى هو الأفضل، لأنه يتسبّب في ضرر أقل. ثانيًا: وهنا يبرز الإشكال، إذا اعتبرنا استخدام الرافعة لتغيير مسار القاطرة، واجبًا إيجابيًا يدخل في
نطاق المساعدة. ففي هذه الحالة، سيتعارض مع النتيجة وهي قتل الشخص على الطريق الثانوي. وهذا يدخل في منظومة الواجبات السلبية المطلقة. وبما أنّ هذه الأخيرة لها الأفضلية على منظومة الأخلاق الإيجابية، فإنّ الاختيار يكون لمصلحة هذه الأخيرة. وهكذا، فإن عدم استخدام الرافعة لتغيير
(45) Philippa Foot, Virtues and Vices: And Other Essays in Moral Philosophy (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp. 19–32.
(((4 لمزيد من التفاصيل حول الإشكاليات التي تطرحها هذه المعضلة وبدائلها المتعدّدة، ينظر على سبيل المثال:
Sandel, pp. 21–24. (47) Judith Jarvis Thomson, "The Trolley Problem," Yale Law Journal , vol. 94, no. 6 (1985), pp. 1395–1415.
مسار القاطرة يكون الاختيار الأفضل، وهذا غير مقبول أخلاقيًا عند كانط أيضًا. وهنا يكمن بعض
الوهن في الصرح الفكري لأخلاق الواجب، ففلسفة كانط الأخلاقية تبقى غير قادرة على الإخبار بما يجب القيام به عندما تتعارض الواجبات، إذا كانت جميعها تنتمي إلى الفئة نفسها، أي إذا كانت كلها سلبية أو كلها إيجابية. من جهة أخرى، وبين الكانطيين المعاصرين المنتقدين للتيار العواقبي؛ نجد رونالد دووركين Ronald Dworkin، وجون رولز Rawls John)2002–1921(، يعيبان على العواقبية عدم اهتمامها بالتصورات الأخلاقية للأقلية في المجتمع. في كتابه الأشهر نظرية العدالة، يبدأ رولز بما انتهى إليه ميل في كتابه النفعية حول العدالة. وإذا كان الفيلسوف الإنكليزي يؤسس العدالة على المنفعة، التي تتطلّب الزيادة في إشباع الرغبات، من دون تمييز بين الرغبات العادلة والرغبات غير العادلة، فمن الممكن أن تبرر النفعية مجتمعًا تكون فيه الأغلبية سعيدة بقمع الأقلية. وهذا غير مقبول لدى الفيلسوف الأميركي الذي يؤكد أنّه: «في مجتمع عادل، تعتبر المساواة في الحقوق المدنية والحريات للجميع نهائية، والحقوق التي تضمنها العدالة لا تخضع لا للمساومة السياسية ولا لحسابات المصالح الاجتماعية». بهذا الطرح، يمكن اعتبار رولز كانطيًا بامتياز، من حيث
إنه يضع الحقوق والحريات المكفولة في إطار المجتمع العادل، خارج الحسابات والمصالح. كما يضيف في معرض نقده لعواقبية ميل: «مبادئ الفعل العادل، وفي الحصيلة العدالة؛ تُعيِّن الحدود التي تكون فيها
للرغبات قيمة، والحدود التي تكون فيها مفاهيم الخير الشخصي معقولة». للوصول إلى تخليص الحقوق والحريات من عواقبية ميل وضمان النزاهة والعدالة الحقيقية، ابتكر رولز مفهوم «الوضعية الأصلية» position Original كعقد افتراضي، لا يَعرف فيها المتعاقدون أي شيء عن أنفسهم وعن الآخرين (أي يغطيهم حجابُ الجهل ignorance of Veil). لكنهم
سيتحاورون للوصول إلى العيش في مجتمع عادل. يؤكد رولز أنّ مبدأين فقط للعدالة هما اللذان سيقوم عليهما الاتفاق المبدئي. الأول هو مبدأ الحرية، حيث «يجب أن يكون لكلّ شخص حقّ معادل للنظام الأكثر امتدادًا للحرّيات
الأساسية التي يتساوى فيها الجميع، ويكون متوافقًا مع النظام نفسه بالنسبة إلى الآخرين».
(((4 هناك من لا يعتبر رولز ضمن هذا التيار. لكن ما دام صاحب نظرية العدالة ينطلق هو أيضًا من فكرة مفادها أنّ الالتزامات
الأخلاقية تنشأ من اتفاق مبدئي، وهو الذي حدّده في الوضعية الأولى وحجاب الجهل. وهذا العقد المبدئي بين الأفراد هو الذي
ينظم علاقاتهم، فهناك تيار آخر يعتبره قريبًا من أخلاق الواجب. لمزيد من التفاصيل، ينظر: الحرية في الفكر العربي المعاصر، مراد
دياني (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.318–309
(49) John Rawls, Théorie de la Justice (Paris: Points, 2009), p. 30. (50) Ibid., p. 57.
(((5 الشيء الوحيد الذي يعلمونه هو قائمة الخيرات الأولية، التي يقسمها رولز إلى خمسة تصنيفات: الحريات الأولية، وحرية الحركة وحرية اختيار النشاط، وسلطات وصلاحيات وظائف ومناصب المسؤولية، والدخل والثروة، والأسس الاجتماعية لاحترام الذات. ينظر:
John Rawls, Justice et Démocratie (Paris: Seuil, 1993), p. 175.
والثاني هو مبدأ الاختلاف، الذي ينص على أن «أشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي يجب أن تكون منظّمة تنظيمًا يكون في آن واحدٍ لمصلحة كلّ فرد، ومرتبطًا بمواقع ووظائف مفتوحة للجميع». وهكذا يؤسس رولز لنظرية عقد اجتماعي، تكون فيها الحريات الأساسية منافع اجتماعية يحفظها الدستور، لا تسقط بالتقادم، وتسمو على المعايير القانونية والتقاليد والأعراف الاجتماعية التي تمّ تجاهلها عند صياغة العقد في الوضعية الأولية. كما أنه يجب صيانتها حتى لو تطلّب ذلك التضحية بالمزايا الاقتصادية والاجتماعية. بهذا المعنى يقول رولز إن الفعل مبرّرٌ أخلاقيًا، إذا، وفقط إذا، تمّ
اعتماد مبدأي العدالة، وكل العواقب الناتجة منهما.
رابعًا: أخلاق الفضيلة أو تحمّل الفرد مسؤولية خياراته الأخلاقية
التيار الأخير هو تيار «أخلاق الفضيلة» Ethics Virtue، كما نجدها عند أرسطو. فقد اعتبر فلاسفة اليونان أنّ الإنسان جزء من الطبيعة. والفضيلة في معناها العام تكمن في العيش المنسجم مع الطبيعة المعرفسَّة بأنها «الكوزمو» Cosmos؛ ذلك الكل المنظّم حيث لكلّ فرد مكانه، ويجب عليه أن
يجده. في هذا الإطار، يتصور أرسطو أن الطبيعة، من حيث المقصد والغاية، لا تفعل شيئًا عبثًا.
(52) Rawls, Théorie de la Justice , p. 91.
وتجدر الإشارة إلى أنّ صيغة هذين المبدأين جرى تنقيحها من طرف رولز خلال ثلاثة عقود بعد صدور الكتاب في طبعته الأولى
سنة 1971. لتفاصيل أكثر حول تنقيح صيغة المبدأين، ينظر: محمد أوريا، «الحرية في الفكر والممارسة العربيين من المنظور
الرولزي للعدالة الاجتماعية كإنصاف»، في: الحرية في الفكر العربي المعاصر، ص. 318–316 ((5(في كتاب آخر بعنوان العدالة كإنصافيكرس رولز الفقرة 32 لإعادة تفسير أولوية مبدأ الحرية، التي لا يمكن التضحية بها لصالح الرفاهية، ولا يمكن أن تخضع لحساب الربح والخسارة. لمزيد من التفاصيل، ينظر:
John Rawls, La justice comme équité: Une reformulation de théorie de la justice (Paris: La Decouverte, 2003), pp. 156–
((5(يعتمد أرسطو أحد الفروق في شرحه المطوّل حول الفضيلة في كتابيه الأخلاق الأوديمية والأخلاق النيقوماخية، ويعتبر:
الفضيلة في معناها العام kalos–kai–agathos التي تشمل معاني الصلاح والجمال. ينظر:
Aristote, "Éthique à Eudème," in: Aristote, Œuvres complètes , tome VIII (Paris: Flammarion, 2014), pp. 2317–2319 (1248b–1249b).
والفضيلة في معناها الخاص وتشمل الشجاعة، والاعتدال، والكرم، وعظمة الروح، والوداعة، والصدق، واللطف، وضبط النفس، والسخط المشروع... إلخ. ينظر في هذا الصّدد:
"Éthique à Nicomaque," in: Aristote, Œuvres complètes , tome II, pp. 2011–2015 (1107a–1108b).
كما تجدر الإشارة إلى أنّ مؤرخ الفلسفة الإيطالي والمتخصص في الفلسفة الأرسطية كارلو ناتالي Natali Carlo، يذهب إلى أن
المعلّم الأول اعتمد في تصنيفه الفضائلَ الخاصة على الآراء الشعبية في عصره والتجربة المشتركة، ولم يعتمد التمييز الأفلاطوني
للفضائل الأربع، أي الحكمة والشجاعة والاعتدال والعدالة. ينظر مقاله في:
Enrico Berti & Michel Crubellier, Lire Aristote (Paris: PUF, 2016), pp. 161–176.
(((5 حول مفهوم الطبيعة وعلاقتها بالأخلاق عند أرسطو، ينظر:
Pascal Mueller–Jourdan, "La nature: Un nom aux acceptions multiples: Physique et éthique dans la pensée d’Aristote," Revue d’éthique et de théologie morale , no. 261 (2010), pp. 71–98. (56) Aristote, "de l’âme," in: Aristote, Œuvres complètes , tome III, p. 1038 (434a); Aristote, "La génération des animaux," in: Œuvres complètes , tome II, p. 1633 (741b).
بمعنى آخر، إن الطبيعة تعمل دائمًا بذكاء في السعي وراء الغايات، ويبقى الخير هدفًا نهائيًا للطبيعة.
بهذا المعنى، وفي الحياة العملية (أي مجال الأخلاق بامتياز)، يتعلّق الأمر بمعرفة كيفية التصرف بأفضل صورة ممكنة أمام الوضع الذي نواجهه. هنا يكون التصرف الأخلاقي هو التصرف المنسجم مع الغايات التي تحددها الطبيعة. فمثلً، في حالة القتل الرحيم السلبي، سيكون الفعل أخلاقيًا من منظور
أخلاق الفضيلة الأرسطية، وليس أخلاقيًا في حالة القتل الرحيم الإيجابي، لأنّه يحصل تدخّل يُربِك
سير الطبيعة المتناغم، بحسب الطرح الأرسطي. من جهة أخرى، تتمثل الصعوبة في تكييف هذا المبدأ مع خصوصية الموقف المطروح، انطلاقًا من مبدأ «المتوسط الذهبي» والتفكير الصائب، كما ورد في الأخلاق النيقوماخية. إضافة إلى هذه الصعوبة التقنية التي تواجه تطبيق أخلاق الفضيلة في الحياة المعاصرة، لتشعّب المعضلات الأخلاقية؛ هناك أيضًا إنكار التعدد الأخلاقي الذي يميّز المجتمعات المعاصرة. إذًا، الفضائل عند
مجموعة بشرية قد تختلف عن، إن لم تكن تتناقض مع، مجموعةٍ أخرى. كما أنّ الأخلاق الأرسطية لا تعتبر الفرد في مجاله الحيوي، بل تريده مواطنًا متساميًا. لهذا سيحاول ألسدير ماكنتاير Alasdair
MacIntyre التأكيد أنّ الالتزامات الأخلاقية لا يمكن إلّ أن تأتي من الممارسات الاجتماعية (أي من مجتمع الإنشاء). ويعني بها الأشكال المنظمهَّة للتعاون الاجتماعي مثل الرياضة والترفي والعلوم والفنون والحياة الأسرية. بمعنى آخر، إنّ الدور الذي تؤديه الطبيعة في الفلسفة الأخلاقية الأرسطية، هو نفسه الدور الذي يؤديه المجتمع، أو جماعة الانتماء، عند ماكنتاير. وهنا يظهر بوضوح التقارب مع (أو الانتماء إلى) الميول الأخلاقية للجماعتية Communitarianism؛ الشيء الذي يفتح المجال على تشرذم المرجعية الأخلاقية، خصوصًا في المجتمعات الغربية الحديثة التي تخوض منذ عقود طويلة تجربة التعددية الثقافية. فتصبح المعضلة الأخلاقية في الاختيار
(((5 المتوسط الذهبي بحسب أرسطو هو التوازن بين نقيضين، وهو الوضع الوسيط الأمثل الذي يتجنب كرُلًّ من الزيادة والتقصي.
وهو لا يحتلّ المكان الوسط، بل الموقع الأفضل والمثالي. فالحكمة، مثلً، هي فضيلة وسط بين السفه والبلَه، والشجاعة فضيلة
وسط بين التهور والجبن. ينظر في هذا الصّدد على سبيل المثال:
Aristote, "Éthique à Nicomaque," p. 2065 (1126a–1126b).
(((5 فمثلً، الفضائل الخاصة التي عدّدها أرسطو هي فضائل تخصّ المواطن الأثيني. في حين أنّ الفضائل في العصور الوسطى،
على سبيل المثال، كان على رأسها الإيمان. وفي مجتمعات أخرى قديمة أو معاصرة، تتغير الفضائل أيضًا ولا تحمل بالضرورة
المعاني نفسها.
(59) Christophe Rouard, La vérité chez Alasdair MacIntyre (Paris: L’Harmattan, 2011), p. 74. (60) Alasdair MacIntyre, After Virtue: A Study in Moral Theory (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007), pp. 187–188.
(((6 الجماعتية فلسفة اجتماعية وسياسية تؤكد على أهمية المجتمع في الحياة السياسية، وفي تحليل وتقييم المؤسسات السياسية، وفي فهم هوية الإنسان وقيمه الأخلاقية. يحسب العديد من الفلاسفة المعاصرين على هذا التيار، رغم اختلاف توجهاتهم الفكرية، أمثال: تشارلز تايلور، ومايكل ساندل، وشلومو أفينيري Avineri Shlomo، وسيلا بن حبيب Benhabib Seyla، وألسدير ماكنتاير، وفيليب سيلزنيك Selznick Philip، ومايكل والتزر Walzer Michael. للمزيد من التفاصيل حول علاقة هؤلاء الفلاسفة، وآخرين أيضًا، بتيار الجماعتية، ينظر:
Amitai Etzioni, "Communitarianism. Political and social philosophy," Encyclopædia Britannica , 25/9/2013, accessed on 30/11/2020, at: https://bit.ly/3b2V21R
بين استقرار سياسي واجتماعي مؤسس على التقارب الأخلاقي وتوحيد النظرة المجتمعية لمفهوم العدالة، واستقرار سياسي واجتماعي مؤسس على التنوع، ويعترف ببقاء هوية الآخر المختلف أخلاقيًا Stranger Moral، في إطار جماعته (عرقية أو دينية أو لغوية)؛ من أجل بناء مجتمع
ليبرالي، ما دام للحقوق الفردية أسبقيةٌ على حقوق الأقليات القومية (بوصفها جماعات)، وهذا من أهم مبادئ المجتمع الليبرالي، كما هو معلوم. من جهة أخرى، فإنّ هذه الممارسات الاجتماعية هي التي تَنقُل ما يسميه ماكنتاير «الخيرات الداخلية» Goods Internal. وهي الخير الخاص الذي يجنيه الفرد المزاوِل لفعل معيّن، بغض
النظر عن أي استفادة خارجية كمالٍ أو شهرة أو غيرهما. ولن تتحقق هذه الخيرات الداخلية، بحسب ماكنتاير، إلا إذا قَبِل الفرد بسلطة المعايير في المجتمع الذي يعيش فيه. أمّا الفضيلة التي من
المفترض فيها توجيه القرار الأخلاقي للفرد، فإنها مرتبطة ارتباطًا قويًّا بهذا النوع من الخيرات. بهذا
الصدد يقول ماكنتاير: «الفضيلة صفة إنسانية مكتسبة، يميل امتلاكها ومزاولتها إلى تمكيننا من تحقيق تلك الخيرات الداخلية للمزاولات، ويمنعنا عدم وجودها من تحقيق أيٍّ من هذه الخيرات
على نحو فعّال». وإضافة إلى هذه التّعديلات، هناك إضافات أخرى قام بها تشارلز تايلور، في ما يخص عدم قدرتنا على فصل مجال الأخلاق عن مجالات الحياة الأخرى؛ ما دفع به إلى تبنّي فكرة «خيرات الحياة» Goods Life وتنوعها، ومطالبة الفرد بتبرير اختياراته ذات الأولوية إزاء خيرات الحياة، ثمّ دمج هذه
الخيارات في حياته الخاصة. وفي إثرها، يقوم بما يراه أخلاقيًا، ويطرح جانبًا ما هو عكس ذلك. ويعني
تايلور ب «خيرات الحياة»: الأفعال، وطرق الوجود، والفضائل التي تُحدِّد ما الحياة الجيدة حقًّا؛ أهو الإخلاص لله، أم الشجاعة التي لا تتزعزع في مواجهة الشدائد، أم الاهتمام والعطف تجاه إخواننا من بني البشر، أم هي مزيج مما سبق من الصفات وأخرى أيضًا؟ وهذه الخيرات التي تُكوِّن ردود الأفعال الأخلاقية أمام الأشياء والوقائع، تحتلّ المستوى الأول من
التفكير الأخلاقي، ويجري التعبير عنها بمستوى ثانٍ، تشغله ما يسميه تايلور «الخيرات التأسيسية» Goods Constitutive، التي يكمن دورها في إعطاء معنى للحياة الخَيِّرة. وهي بمنزلة المصادر
(((6 نقتبس فكرة Strangers Moral من الفيلسوف والطبيب الأميركي تريستام إنغلهارت Engelhardt Tristram)2018–1941(
الذي يدافع في كتابه أخلاقيات البيولوجيا والإنسية العلمانية عن «النزعة الإنسية العلمانية» كمفهوم يتجاوز كل الأخلاق الدينية والعقلانية؛ الشيء الذي يوجب البحث عمّا هو مُشترَك بين البشر كبشر، بغض النظر عن المعتقدات الدينية أو الميتافيزيقية. ينظر:
H. Tristram Engelhardt, Bioethics and Secular Humanism: The Search for a Common Morality (London: SCM Press, 1991), p. 119. (63) MacIntyre, p. 190. (64) Ibid., p. 191. (65) Charles Taylor, "La conduite d’une vie et le moment du bien," Esprit , vol. 3–4, no. 230–231 (Mars–Avril 1997), p. 159. (66) Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modern Identity (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), pp. 92–97.
الأخلاقية العليا التي تجبرنا على اتخاد قرار في المسائل التي لها علاقة بالأخلاق، فتحّدد لنا «خيرات الحياة» وكذلك سلّم الأولويات عند تعارض القيم في معضلة أخلاقية معيّنة. وهذا ما يعطي مفهوم الخير في فلسفة تايلور أسبقية على العدالة. وهنا أيضًا يكمن اختلافه الجذري مع تصور رولز للعدالة وأسبقيتها على الخير كما رأينا. بهذا التصور، تصبح النظرة الأخلاقية مسألة ذاتية، يُخرجها تايلور من دائرة الموضوعية التي حصرتها فيها العواقبية وأخلاق الواجب. وينحت تايلور من أجل ذلك مبدأ «أفضل تفسير» Account Best Principle الذي يدمج الذاتي في علاقة الفرد بالخير. وعليه يُبنى رفض فكرة البرهان العقلاني على وجود الخير، لتصبح التجربة الحدْسية هي الأهم في هذه العلاقة. وهذا النوع من التجربة لا يمكن تبريره منطقيًا، بل تكمن قوته في الشعور المباشر بالخير إيمانًا وقناعةً، يؤدّي إلى الحرص على الالتزام بممارسته. في ختام هذا المحور، تجدر الإشارة إلى أنّ أخلاق الفضيلة منذ أرسطو إلى تايلور، مرورًا بإليزابيث أنسكوم Anscombe Elizabeth (2001–1919) وآخرين، تبقى هي الأكثر انفتاحًا على حل المعضلة الأخلاقية وأكثر قبولً لها. فهي تعير الاهتمام للفرد في تحمّل مسؤولية خياراته الأخلاقية، ولا تملي عليه شيئًا من خارجه كسعادة أكبر عدد أو العدل، كما هو الأمر في العواقبية وأخلاق الواجب. وإضافة إلى ذلك، هناك اعتراف بمصادر مختلفة للأخلاق، كما رأينا في أطروحة تايلور، إذ يتم وضع الفرد في مركز التقييم الأخلاقي، لأن المتطلبات الأخلاقية ليست كلها مقنّنة. ومن ثم، فإنّ أخلاق الفضيلة تجعل التفكير الأخلاقي مقبولً أكثر في الحياة العامة.
خامسًا: الكذب السياسي بحسب النظريات الأخلاقية المعيارية: مثال تطبيقي
هذه التيارات الأخلاقية وعدد آخر تفرّع عنها أو جاء مكم لً لها، تسهم في إيجاد حلول للمعضلة الأخلاقية، ونجد تطبيقاتها في مجالات متعدّدة وحيوية. وفي هذا الإطار تقدم الفيلسوفة البريطانية من أصل نيوزيلندي روزاليند هيرستهاوس الفرق بين أخلاق الفضيلة وأخلاق الواجب والنفعية، على النحو التالي: «لنتخيل أنه ينبغي مساعدة شخص يحتاج فعلً إلى المساعدة. سيؤكد النفعي أن عواقب مثل هذا العمل من شأنها أن تزيد من الرفاهية؛ وسيؤكد المتبني لأخلاق الواجب أنه عند القيام بذلك (أي مساعدة الشخص) سيتصرف الفاعل (أي الذي قام بتقديم المساعدة) وفقًا لقاعدة أخلاقية مثل ‘افعل للآخرين ما تريد أن يفعله الآخرون لك’؛ ومن يتحلى بأخلاق الفضيلة سيقول: إن مساعدة ذلك الشخص ستكون خيرية أو حميدة».
(67) Ibid., pp. 58–59. (68) Rosalind Hursthouse, On Virtue Ethics (Oxford: Oxford University Press, 1999), p. 1.
لنحاول، إذًا، تطبيق هذه النظريات الأخلاقية على مثال معضلة الكذب السياسي. وذلك للإجابة عن السؤال التالي: هل في الإمكان إضفاء الشرعية على استخدام الكذب عند ممارسة مهنة السياسي وفقًا للنظريات الأخلاقية المعيارية الرئيسة؟ يبقى السؤال مشروعًا، لأنّه في ميدان السياسة، بحسب فكرة منسوبة إلى جوناثان سويفت (1745–1667)، يتطّلب الأمر «فنًّا لإقناع الناس بحقيقة مفيدة أكثر من جعلهم يؤمنون ويتلقون كذبًا مُخلِّصًا». أمّا مكيافيلي Machiavelli (1527–1469) الذي اشتهر طرحه بشرعنة الخداع والكذب في الميدان السياسي، فيقول: «نرى من التجربة أن الأمراء الذين قاموا بأشياء عظيمة في عصرنا، لم يعطوا لكلمتهم أدنى اعتبار، وأنهم تمكنوا من التحايل على عقول الناس بالمكر، وفي النهاية فاقوا أولئك الذين اعتمدوا على الوفاء». وعندئذ تُطرَح الإشكالية بسبب مبدأين متناقضين؛ أحدهما سياسي والآخر أخلاقي: الأول يفضي إلى اعتقاد استحالة حكم الناس وإدارة شؤونهم من دون خداعهم. أمّا الثاني فيعتبر الكذب خطأ جسيمًا يجب حظره. فكيف، إذًا، تقيم النظريات الأخلاقية الثلاث الكذبَ السياسي؟ ما يتعلق بأتباع النفعية، كما رأينا، يبقى الخيار الصحيح في أي قرار؛ هو الخيار الذي ينتج منه أفضل النتائج للأغلبية. ورغم أن هناك افتراضًا أخلاقيًا بعدم الكذب عمومًا (لأنه قد يؤدي إلى عواقب وخيمة في المجتمع أو لأغلبية الناس)، فإنه عندما تفوق آثارُه الإيجابية آثارَه السلبية، يُصبح محمودًا، بل مطلوبًا. فما على المعني بالكذب السياسي إلا أن يحسب الفائدة الإجمالية للكذب: هل سيحقق الكذب أكبر قدر من الرفاهية لأكبر عدد من المعنيين بالقرار؟ يتعلق الأمر بتقييم موضوعي للعمل الذي ينتج منه أكبر قدر من السعادة، مع الأخذ في الاعتبار أيضًا، مَن سيتأثرون سلبيًا بقرار يستند إلى الكذب. أما في أخلاق الواجب، كما رأينا، فإنّ عدم الكذب واجب سلبي، كامل ومطلق. وهذا يجعل قول الحقيقة ضروريًا في أي ظرف، وفي أي ميدان، بما فيها السياسة. في الواقع، فاقت صرامة كانط، اعتمادًا على المبادئ الكونية في عدم قبوله أي نوع من الكذب، حتى تصورات رجل دين مثل القديس أوغسطين Hippo of Augustine (430–354 م.)؛ إذ يُفرِّق أوغسطين بين أنواع مقبولة من الكذب وأخرى غير مقبولة
(((6 ليس من مهمّة تطبيق هذه النظريات الأخلاقية على مجال الكذب السياسي، الخوض في الوضع الأنطولوجي للكذب، لكن
للمزيد من التفاصيل، نحيل القارئ على المراجع التالية على سبيل المثال لا الحصر:
Pierre Sarr, "Discours sur le mensonge de Platon à Saint Augustin: continuité ou rupture," Dialogues d’histoire ancienne , vol. 36, no. 2 (2010), pp. 9–29; Arendt, Hannah, La crise de la culture (Paris: Gallimard, 1972), pp. 289–336.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الصفحات تشير إلى الترجمة الفرنسية لمقال حنة أرندت بعنوان « Politics and Truth » نشر في مجلة
The New Yorker، وغير موجود في النسخة الأصلية الإنكليزية للكتاب Between Past And Future الذي اعتُمِد مرجعًا سابقًا في
هذه الدراسة. لكنه أضيف مع مقال آخر، إلى النسخة الفرنسية.
(70) Jonathan Swift, L’art du mensonge politique: Précédé de Le Mentir vrai de Jean–Jacques Courtine (Grenoble: Jérôme Million, 1993), p. 34. (71) Nicolas Machiavel, Le prince et autres textes (Paris: Gallimard, 1980), p. 107.
أو محرّمة. تجدر الإشارة إلى أنّ الفيلسوف الفرنسي بنجمان كونستان (1830–1767) حاول في كتابه
في ردود الفعل السياسية الصادر في عام 1796، الرد على طرح كانط الذي أورده في كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاقالصادر في عام 1785، حول عدم قبول الكذب لأنه لا يمكن أن يكون مبدأ كونيًا. أمّا جواب
كونستان فينطلق من أنّ عدم وجود الكذب في المجتمع يجعل هذا المجتمع مستحيل. لكن لعلّ ما يفتح الباب لإمكانية قبول الكذب في تيار الأخلاق الواجبة هو، كما رأينا، مبدأ التأثير المزدوج الذي بموجبه، يصبح الكذب اختيارًا مفروضًا، ولو على مضض، في حالة تعارض منعه مع واجب سلبي آخر، كمنع القتل مثلً. وأخيرًا، في ما يخص أخلاق الفضيلة، نجد عند أرسطو، أنّ استخدام الكذب يرتبط بالسعادة والفضيلة.
فالسعادة خير مطلق. وهذا يعني أن مقصد الفعل هو السعادة لذاتها فقط. من جهة أخرى ترتبط السعادة بالفضيلة، لأنه من خلال هذه الفضيلة يستطيع الإنسان تحقيق تلك السعادة. وعبر التوسط الذهبي، يتجنب الشخص الفاضل النقائض، كما رأينا، وتكون فضيلة الحقيقة هي الصراحة أو الوضوح، وهي متوسط ذهبي بين التبجح (أو الغرور وهو كذب) والتبخيس (أو تقليل الإنسان من قيمة نفسه وهو نوع من تشويه الحقيقة). «الكذب في حد ذاته قبيح وملُامٌ عليه، بينما الحقيقة شيء جميل وجدير بالثناء». بهذا المعنى، ليست الحقيقة فضيلة ضد الكذب، كما هي عند الفلسفات الأخلاقية الموجهة نحو فكرة العدالة، بل هي توسط بين التبجح والتبخيس. من جهة أخرى، ما ينطبق على الإنسان عمومًا، لا ينطبق بالضرورة على أفعال من يزاول العدل (بمعنى صانع القرار أو رجل السياسة)، ف «قد يكون لأفعال من هذا النوع فضيلة أخرى». فمثلً، عندما يستخدم رجل السياسة البلاغة Rethoric لتشجيع العمل الصالح، فإن الغاية المنشودة هي المهمة، وليست الوسائل التداولية لتحقيقها. ولأنّ العدالة فوق كل شيء، فإن استخدام البلاغة مقبول من الناحية الأخلاقية عند أرسطو، على الرغم من أن أسلوبها قد يؤدي إلى بعض الكذب. أمّا عند ماكنتاير وتايلور، فقد رأينا أنّ هناك تأكيدًا لأهمية السياق والتقاليد الاجتماعية لتبرير العمل الأخلاقي. وإذًا، فإن استدلال المقبل على اتخاد القرار يقوم على انتمائه إلى مجتمع معين، وعلى المزاولات الاجتماعية التي فرضتْها مؤسسات، وكذلك على الأعراف المجتمعية في وقت معيّن من
تاريخ هذا المجتمع. لذلك يبقى استخدام الكذب غير مقبول عمومًا، لأنه لا يُعترف به فضيلةً في المجتمع وإن تفش.َّى
(((7 ينظر في هذا الصدد:
Saint Augustin, Sur le mensonge: Le menteur aime à mentir et goûte le plaisir de le faire: Suivi de Du maître (Paris: J’ai lu, 2014).
(((7 ينظر نصّ هذه المناظرة في:
Benjamin Constant & Immanuel Kant, Le droit de mentir (Paris: Mille et une nuits, 2003). (74) Aristote, "Éthique à Nicomaque," p. 2068 (1127a). (75) Ibid.
خاتمة
كان موضوعُ هذه الدراسة تحليلَ نظم القيم التي تسدّد عمل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والقانونيين في تطوير القدرة على صنع القرار، من خلال مراعاة الضوابط الأخلاقية، وفهمِ أدوات الحكم على السلوك الأخلاقي لدى صناع القرار، خاصةً في سياق اتخاذ القرارات في حالات تشكِّل في أغلب الأحيان معضلات أخلاقية؛ ما يقربنا من فهم سلوك المواطنين في مجتمع ديمقراطي في ما يتعلق بخيارات واعية وأخلاقية مسؤولة، من خلال فهم النماذج النظرية التي عرضناها في مجال الأخلاق، وأيضًا في حدودها. وفي الختام، نعرض بإيجاز أهم استنتاجات هذه الدراسة. • أولً: قدّمت الدراسة لدور الفيلسوف في ميدان الأخلاق، الذي ينحصر، كما رأينا، في تحديد المبادئ التي تحكم العيش معًا، أي في المشاركة في المعرفة الأخلاقية، مع التأكيد أنّ هذا
الفيلسوف ليس له أن يلبس ثوب دور القائد الأخلاقي؛ فسلطته المعرفية تبقى محدودة في مجال الأخلاق. • ثانيًا: كان علينا تحديد المعضلة الأخلاقية، لأن وضعها يطرح إشكالية أنطولوجية، فعرضنا من
خلال النقاش إمكانية وجود المعضلة الأخلاقية. وقد ساعدنا هذا على طرح مناقشة المعضلة في إطار التيارات الأخلاقية الثلاثة: العواقبية، وأخلاق الواجب، وأخلاق الفضيلة. • ثالثًا: رأينا كيف أن النفعية عند كلّ مفكري هذا التيار محايدة وكونية، وهدفها الزيادة في سعادة الكثيرين من دون تمييز. وبذلك فهي غير بديهية، وتتيح أيضًا حل المعضلات الأخلاقية باعتمادها على قاعدة البحث عن سعادة الأغلبية؛ انطلاقًا من عواقب الفعل فقط. لذلك يبقى مجال التطبيق هو السياسات العامة وكل ما يتعلّق بالصالح العام. • رابعًا: أمّا أخلاق الواجب التي انطلقت فكرًا أخلاقيًا مع كانط – رغم أنّنا نجد لها سوابق في
ديانات التوحيد (كالوصايا العشر في «العهد القديم») –، فهي تنطلق من معيار أخلاقي محدّد، وتتّبع قواعد لا تحيد عنها. لكن هذه الصرامة الأخلاقية جرى تخفيف حدّتها باستعمال مبدأ التأثير المزدوج باختيار الإجراء الأقل ضررًا، ما جعلها تقترب من المبدأ الأصلي للعواقبية. من
جهة أخرى، تبقى أخلاق الواجب أخلاقًا كونية ومحايدة موجهة ونحو فكرة العدالة أيضًا. لكن يبقى من الصعب حلُّ المعضلات الأخلاقية، إذا اعتمدنا على المبادئ البديهية، في حالة تضارب هذه الأخيرة. ثم إن هذه المبادئ عامة جدًا، ولذا؛ فهي غير ملائمة لمعضلات أخلاقية تظهر في
مجالات معينة، خصوصًا في السياسة والعلاقات الاجتماعية المتشعبة التي تتطلّب مرونة وتجاوزًا
عن الهفوات والأخطاء. لكن يبقى مجال تطبيق هذا النوع من الأخلاق هو احترام الغير ووضع حدود للعلاقة معه. • خامسًا: أمّا أخلاق الفضيلة التي تعتمد على حكمة أرسطو وعلى الفضائل الأساسية Cardinal
Virtues في الدين المسيحي، فهي تتوجّه أساسًا نحو الفضيلة بحثًا عن الخير. ويتصف هذا النوع
من الأخلاق بالمرونة والتكيف مع المواقف، ويأخذ في الاعتبار العلاقات والمشاعر الإنسانية.
ويدخل في حساباته العلاقة بالماورائي، التي سقطت من حسابات فلسفات أخلاق العدالة (العواقبية
وأخلاق الواجب)، مثلما نجد عند تايلور مثل أنها لا. كما تتطلّع إلى الكونية والحياد، بل تُقِرُّ بنسبيتها
وتحيزها، خصوصًا باعتمادها على أخلاق ثقافة معيّنة، وهي بالضرورة الثقافة الغربية بجذورها
المسيحية. وتبقى أخلاق الفضيلة من دون معايير واضحة، ولا وصفَة عامة للأخلاق، لكنها رغم ذلك تبقى جدّ مفيدة في العلاقات المجتمعية وفي التربية الأخلاقية داخل الأسرة. • سادسًا: في الفقرة الأخيرة، كان الهدف تقييم الكذب في ميدان السياسة بحسب النظريات
الأخلاقية المعيارية، وهو مثال تطبيقي للوقوف على قدرة هذه التيارات الأخلاقية على إيجاد حلول للمعضلة الأخلاقية في مجالات متعدّدة وحيوية. ففي ما يتعلق بالنفعية، رأينا أنّها لا تأخذ
موقفًا معاديًا أو مساندًا للكذب السياسي. فإذا حقّق هذا النوع من الكذب سعادة الأكثرية، أو قلل
من معاناتها، فهو مرغوب فيه. أما في أخلاق الواجب، فعدم الكذب واجب سلبي، بمعنى كامل ومطلق. وهو، إذًا، غير مقبول في السياسة وفي كل ميدان. ورغم هذه الصرامة، في إمكاننا استنتاج قبول الكذب في أخلاق الواجب إذا كان هناك تعارض بين الواجبات السلبية، وتم اللجوء إلى مبدأ التأثير المزدوج لارتكاب أقل ضرر. وأخيرًا، في ما يخص أخلاق الفضيلة، يرتبط فيها الكذب
بالسعادة والفضيلة، ولذا، هو مذموم لذاته. لكنّ هذه الفلسفة تفتح باب الكذب لرجل السياسة من
خلال البلاغة، رغم ما قد تحمل من خداع، وذلك لتشجيع العمل الصالح بحثًا عن العدالة. أمّا عند
فلاسفة الفضيلة المعاصرين، الذين يؤكدون على أهمية السياق والأعراف المجتمعية لتبرير العمل الأخلاقي، فإنّ الكذب غير مقبول في السياسة ما دام يهدّد العيش المشترك والأعراف الديمقراطية. في الختام، تجدر الإشارة إلى أنّ هذه النظريات الأخلاقية، كانت وما زالت منبعًا لحلّ الإشكالات التي تطرحها السياسة والعلاقات المجتمعية المتشعبة في الحياة المعاصرة. وعلى سبيل المثال، في الأزمة التي تسبب فيها فيروس «كوفيد 19–» خلال سنة 2020، ظهر على الأقل نوعان من المعضلة الأخلاقية: • أولً، على المستوى السياسي هناك الاختيار الصعب، الذي كان على دول العالم البتُّ فيه، بين صحّة الأفراد على المستوى الوطني، وصحة الاقتصاد، ووجدنا من يعلن اختيار هذه الأخيرة لأنها
هي أيضًا ضرورية للمجتمع، ومن يفضّل تعطيل الاقتصاد خوفًا على صحّة المواطنين. • ثانيًا، على مستوى مجال الصحة، طُرِحت معضلة أخلاقية في الاختيار بين من في إمكانه ولوج
المستشفى في ظل أزمة الأسرّة وغرف الإنعاش، خصوصًا في الشهور الأولى من الأزمة. وهنا
أصبح الاختيار صعبًا، وربما شبه مستحيل بالنسبة إلى العاملين في قطاع الصحة مباشرة.
References
المراجع
العربية
الحرية في الفكر العربي المعاصر. مراد دياني (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
الأجنبية
Ahlstrom–Vij, Kristoffer & Jeffrey Dunn (eds.). Epistemic Consequentialism. Oxford: Oxford University Press, 2018. Arendt, Hannah. Between Past and Future: Six Exercises in Political Thought. New York: The Viking Press, 1961. ________. La crise de la culture. Paris: Gallimard, 1972. Aristote. Œuvres complètes. Paris: Flammarion, 2014. Bentham, Jeremy. The Collected Works of Jeremy Bentham: An Introduction to the Principles of Morals and Legislation. Oxford: Oxford University Press, 2005. Berti, Enrico & Michel Crubellier. Lire Aristote. Paris: PUF, 2016. Canto–Sperber, Monique. Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale. Paris: PUF,
Constant, Benjamin & Immanuel Kant. Le droit de mentir. Paris: Mille et une nuits, 2003. Engelhardt, H. Tristram. Bioethics and Secular Humanism: The Search for a Common Morality. London: SCM Press, 1991. Foot, Philippa. Virtues and Vices: And Other Essays in Moral Philosophy. Oxford: Oxford University Press, 2002. Foucault, Michel. Dits et Ecrits (1980–1988). Paris: Gallimard, 1994. Hare, Richard Mervyn. Moral Thinking: Its Levels, Method and Point. Oxford: Oxford University Press, 1981. ________. The Language of Morals. Oxford: Oxford University Press, 1952. Hursthouse, Rosalind. On Virtue Ethics. Oxford: Oxford University Press, 1999. Husser, Anne–Claire. "L’Autorité." Le Télémaque. vol. 1, no. 43 (January 2013). Hutchinson, Allan C. Is Eating People Wrong? Great Legal Cases and how they Shaped the World. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Innerarity, Daniel. The Transformation of Politics: Governing in the Age of Complex Societies. Brussels: Editions scientifiques internationales, 2010. Kant, Immanuel. Métaphasique des mœurs. Paris: Flammarion, 1994. ________. Qu’est–ce que les lumières? Saint–Étienne: Publications de l’Université de Saint–Étienne, 1991. ________. La religion dans les limites de la simple raison. Paris: Vrin, 1968. Lewis, David. "The trap’s dilemma." Australasian Journal of Philosophy. vol. 66, no. 2 (June 1988). Machiavel, Nicolas. Le prince et autres textes. Paris: Gallimard, 1980. MacIntyre, Alasdair. After Virtue: A Study in Moral Theory. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007. Mill, John Stuart. On liberty: Utilitarianism and other essays. Oxford: Oxford University Press, 1998. Mongin, Martin. "Éflexions sur le métier de philosophe." Le Portique: Revue de philosophie et de sciences humaines. 7/12/2007. at: https://bit.ly/37wyXX8
Moss, Candida R. Ancient Christian Martyrdom: Diverse Practices, Theologies, and Traditions. New Heaven: Yale University Press, 2012. ________. The Myth of Persecution: How Early Christians Invented a Story of Martyrdom. New York: HarperCollins, 2013. Mueller–Jourdan, Pascal. "La nature: Un nom aux acceptions multiples: Physique et éthique dans la pensée d’Aristote." Revue d’éthique et de théologie morale. no. 261
Rawls, John. Justice et Démocratie. Paris: Seuil, 1993. ________. La justice comme équité: Une reformulation de théorie de la justice. Paris: La Decouverte, 2003. ________. Théorie de la Justice. Paris: Points, 2009. Ross, William D. The Right and the Good. Oxford: Oxford University Press, 2002. Rouard, Christophe. La vérité chez Alasdair MacIntyre. Paris: L’Harmattan, 2011. Saint Augustin. Sur le mensonge: Le menteur aime à mentir et goûte le plaisir de le faire: Suivi de Du maître. Paris: J’ai lu, 2014. Sandel, Michael J. Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrar, Straus and Giroux, 2009. Sarr, Pierre. "Discours sur le mensonge de Platon à Saint Augustin: Continuité ou rupture." Dialogues d’histoire ancienne. vol. 36, no. 2 (2010). Sartre, Jean–Paul. L’existentialisme est un humanisme. Paris: Nagel, 1966. Singer, Peter (ed.). A Companion to Ethics. Malden: Blackwell Publishing, 1993. ________. Practical Ethics. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Styron, William. Sophie’s choice. New York: Rosetta Books, 2000. Swift, Jonathan. L’art du mensonge politique: Précédé de Le Mentir vrai de Jean– Jacques Courtine. Grenoble: Jérôme Million, 1993. Taylor, Charles. "La conduite d’une vie et le moment du bien." Esprit. vol. 3–4, no. 230– 231 (Mars–Avril, 1997). ________. Sources of the Self: The Making of the Modern Identity. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. Thomson, Judith Jarvis. "The Trolley Problem." Yale Law Journal. vol. 94, no. 6 (1985). Vallentyne, Peter. "Two Types of Moral Dilemmas." Erkenntnis. vol. 30, no. 3 (May
Walter, Michael. Guerres justes et injustes. Paris: Belin, 1999. Weinstock, Daniel. Profession éthicien. Montréal: Presses de l’Université de Montréal,
Williams, Bernard & W.F. Atkinson. "Symposium: Ethical Consistency." Proceedings of the Aristotelian Society. Supplementary Volumes. vol. 39 (1965).