في المفهوم الفلسفي والقانوني لحالة الطوارئ: جدلية الدولة والمجتمع
Moral Philosophical and Legal Concept of State of Emergency: The Dialectic of the State and Society
الملخّص
تحاول هذه الدراسة أن تسلط الضوء على مفهوم حالة الطوارئ الذي يستعمل اليوم بكثرة في سياق ما يعيشه العالم بسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، سواء على مستوى بسيط في الحياة اليومية أو في الكتابات الصحفية، أو على مستوى التحليل الفلسفي والقانوني والتاريخي العميق. ويتصل هذا المفهوم بمفاهيم أخرى، لعل أبرزها مفهوم "دولة الحق"، التي توجد في بؤرة النقاش حول قدرتها على الوجود في حالات الاستثناء. ويقودنا ذلك إلى التفكير في العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع؛ إذ تُعاد أشكال التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، أو بين السلطة والأفراد، وحول تأثير هذا التعاقد في مفهوم الشرعية والمشروعية. لذلك، تركز الدراسة على تناول مجموعة من المفاهيم التي تترابط فيما بينها؛ لتشكّل نظيمة يمكن أن نجيب بها عن مفارقات، ترتبط أساسًا بالعلاقة بين المجتمع والدولة أو بين الحرية والقانون.
Abstract
Abstract: This study investigates the concept of state of emergency used today in the context of the Covid–19 pandemic, be that at the level of everyday life or at the level of press freedoms, or at deeper levels of philosophical, legal, and historical analysis. This concept relates to that of Rechtsstaat (State of Rights), the feasibility of which in "situations of exception" is under debate. The paper reviews the complex relationship between state and society, forms of the social contract between the state and society (or between the government and individuals) and the impact of this contract on the concepts of legitimacy and legality. The study thus addresses a set of interconnected concepts that form a framework to examine paradoxes in the relationship between society and state or between freedom and law.
- حالة الطوارئ
- دولة الحق
- الشرعية
- المشروعية
- المجتمع
- State of Emergency
- Rechtsstaat
- Law
- Legitimacy
- Society
مقدمة
استُعمل مفهوم «حالة الطوارئ» urgence ’ d état ’ L استعمالً مكثفً ا في المدّة الأخيرة، في سياق ما يعيشه العالم من ظرف استثنائي، عجّل بدخول المجتمعات حالة من الطوارئ، أعادت فيها الدول بناء هويتها في علاقتها بالمجتمع، وعلاقة الأفراد بالمؤسسات، وما رافق هذا الوضع من أسئلة حول معنى «حالة الطوارئ»، ومدى مشروعيتها، وخصوصًا أنها توجد في بؤرة النقاش حول مفهوم «دولة الحق»، أو «دولة الحرية». وتتداخل في هذا النقاش مجموعة من الحقول المعرفية، مثل الفلسفة والعلوم السياسية والقانون. لهذا كان من الضروري، لتجاوز الكثير من سوء فهم هذا المفهوم، العودةُ إليه مفهومًا فلسفيًا وقانونيًا، تردّد كثيرًا، منذ بداية الألفية الثالثة، مع ما سُمِّي ب «الحرب على الإرهاب»، ومنح للدولة شكلً جديدًا يتعارض في طبيعته مع النموذج السياسي السائد «دولة الحق»، وزاد من مساحة سلطتها على حساب سلطة المجتمع، أو ما يسمى في أدبيات القانون «دولة السلط الكاملة». ولئن كانت ظروف المجتمعات اليوم ركزت النقاش حول حالة الطوارئ، وحول شرعيتها القانونية، وكذلك كيفية ممارستها، وأشكال تركيز السلطة في يد الدولة، فإن هذا ليس يعني أنه مفهوم مستجد يتصل بما يقع اليوم، وإنما استُعمل في سياق النقاش حول دولة الحق منذ القرن التاسع عشر؛ ذلك أن وضع حالة الطوارئ مبهَم في علاقته بدولة الحق، ما يطرَح السؤال: هل توجد هذه الحالة خارج دولة الحق، ومن ثمة تعطلها أو تهدد وضعها القانوني؟ أم أن حالة الطوارئ جزء من دولة الحق؟ وهل يمكن أن نعتبر أن إجراءات حالة الطوارئ استثنائية؟ أم أنها طبيعية ومألوفة تندرج ضمن الحياة القانونية للدولة؟ لهذا انشغلت هذه الدراسة بالمفهوم، وليس فقط بتطبيقه اليوم. ذلك أننا نعتقد أن سوء فهم المفاهيم، وفي الحصيلة سوء استخدامها، مردُّه إلى «جهلٍ» – أو تجاهل – بسياق تكوُّنها، والمعنى الذي أخذته في سياق النشأة والتكون المشار إليه. لذلك، نبتغي من هذه الدراسة أن تعود إلى تشكل هذا المفهوم في علاقته بمفاهيم أخرى لا مندوحة عن مناقشتها، مثل مفهوم دولة الحق، ومفهوم السلط الكاملة، ومفهوم الدكتاتورية؛ لكونها مفاهيم تشكل شبكة علاقات ضرورية، يتعذر داخلها فهم مفهوم ما من دون ربطه بمفهومه الآخر. ولفهم حالة الطوارئ علينا العودة إلى سياق طرحها إشكالية قانونية– سياسية، الذي هو – أي السياق – دولة الحق.
أولا: دولة الحق: النشأة والمفهوم
يملك مفهوم دولة الحق تاريخًا ابتدأ من القرن الثامن عشر، مع كتابات هذا العصر الفلسفية والقانونية، التي نحَتْ إلى إعادة تشكيل مفهوم جديد للممارسة السياسية أو للسلطة السياسية، ومن ثمة بناء نظرية جديدة لشكل النظام السياسي الحديث، باعتباره أفضل نظام سياسي ممكن. كان هذا النظام هو دولة الحق بوصفه قطيعة مع تصورات السياسة القرووسطوية؛ وذلك بتفكيك المشروعية الفكرية المؤسسة لها، وهي فكرة حق الملوك الإلهي، القائم على قطيعة بين السلطة والمجتمع، من حيث إن مصدر سلطة الدولة الدينية متعالٍ عن بنية المجتمع وأفراده، وتستمد تلك السلطة مشروعيتها من تطابق ما هو زمني مع ما هو روحي، بل تبعية الأول للثاني.
وجدت هذه الفكرة صيغتها النظرية في كتابات فلاسفة العصر الوسيط، وعلى الخصوص في منحاها لجعل الأرض محكومة بالسماء، وممثلتها الكنيسة، لا بوصفها مجرد مؤسسة دينية، بل مركّبًا يجمع بين الديني والقانوني1، أو من خلال تحقيق وحدة بين الدولة والكنيسة، قبل أن تُفك ك هذه الوحدة بقوة لاهوت الإصلاح مع مارتن لوثر Luther Martin (1546–1483). ومن هذا التمازج بين السياسي والديني، نشأت نظرية السلطة المطلقة2، التي تعطي الملوكَ أو رجال الدين مجالً غير مقيد، ضد كل سيادة شعبية تُدخِل الحاكم في تعاقد اجتماعي، وتضبط سلطته السياسية والاجتماعية والاقتصادية بمنطق الاعتراف والإجماع (السيادة الاجتماعية). وحتى مع بداية المدّ القومي للجمهوريات الإيطالية وفرنسا، في محاولتها للاستقلال عن تبعية الكنيسة، وتأسيس الدولة الوطنية، مطلع القرن السادس عشر، بقيت السلطة المطلقة تجد لها من يسوِّغها في مواجهتها لدعاوى تقييد سلطة الملك بالمؤسسات التمثيلية للبلديات والمدن، بمشروعية سياسية وقانونية، بدافع بناء الدولة الوطنية في وجه الدويلات الإقطاعية في أوروبا. غير أن التحول في السلطة المطلقة ارتبط بمصدرها وتبريرها؛ فبعد أن كانت تستند إلى محاولات رجال الدين صياغة مشروعية الملوك بتحالفهم مع الكنيسة، انطلاقًا من أنها تمثل الوحدة الروحية للمؤمنين، والوحدة السياسية «للمواطنين»، أضحت، في الفترة الحديثة، قائمةً على تبريرات أعمال فقهاء القانون، وأبرزهم جان بودان (1596–1529) في نظريته للسيادة3، وفي دفاعه عن سيادة غير مجزأكَّة، بل مرز ة في يد سلطة الملك. وفرضت هذه النظرية حق سيادة الملك المطلقة، أو ما أطلق عليها قديمًا «حقوق الطاعة» régaliens droits Les، والتي تجعل الملك مصدرًا وحيدًا ومطلقًا لكل القوانين ولكل القرارات، وتفوض لبعض المؤسسات الخاصة – فيما يتعلق بتدبير المدن أو إدارة الحروب – حق ممارسة السلطة بتفويض من الملك نفسه4.
ويمكن العودة، كذلك، إلى سياسة «الدنْونَة» sécularité La5 بوصفها لحظةً مهمة في تشكل الدولة الحديثة؛ لأنها مست الممارسات البشرية في مجملها، وأحدثت انقلابًا في تراتبية الأشياء، أعطت فيها الأولوية للدنيا على العالم الآخر، وبنت مشروعية كل مجال على التطابق التام مع مبادئ العقل البشري وليس الحق الإلهي6. والسياسة – والدولة – واحدةٌ من مجالات المجتمع الحديث التي تغيرت بفعل نتائج سيرورة الد نْونَة. ذلك أن مفاهيم مثل مفهوم الدولة، ومفهوم المشروعية، ومفهوم الحق والقانون والسلطة، صارت مفاهيمَ مُدَنوَنة Sécularisées، لتقوم على مبادئ جديدة، تنهل من مفاهيم التعاقد الاجتماعي والسلطة المقيدة، ومذهب سيادة القانون والمشروعية العقلانية، والتي كانت تدور في فلك واحد، وهو: بناء النظام السياسي الحديث على مقتضى الإجماع. لقد فككت الدنونة كل مفاهيم العالم القديم وتصوراته؛ لتحل محلها مفاهيم العقل والعلم. وأخذ داخلَها المتناهي (الإنسان) مكان اللامتناهي (الإله)، وانحلت فكرة العصمة البابوية وقداسة الملوك، لصالح سيادة القانون؛ لتصير مشروعية السياسة محايثة للفعل السياسي نفسه، تتصل بما يحدده المواطنون من غايات دنيوية لكل جسم سياسي7. حوّلت هذه الغايات وظيفة الدولة من خدمة «مملكة الإله» إلى وسيلة لخدمة «مملكة الإنسان». وهنا تجردت الدولة مما لحق بها في القرون الوسطى، ومما لا ينتمي إليها، وعادت إلى جوهرها وماهيتها؛ مؤسسةً من إبداع العقل البشري أو مؤسسةً مصطنَعة تمثل الأرض ولا تخدم غير أعضائها. وحينما تفقد المشروعيةُ التقليدية قوتَها، وتعاد صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، فإن الدولة تحتاج إلى أن تستند إلى مبررات اجتماعية أو سياسية أو قانونية، تضمن لها صلاحية الوجود. وهنا ستبدأ كتابات فلاسفة التعاقد الاجتماعي: توماس هوبز Thomas Hobbes –1588(1679)، وباروخ سبينوزا Spinoza Baruch (1677–1632)، وجون لوك Locke John (1704–1632)، وجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712)، والكتابات القانونية لمونتوسكيو Montesquieu (1755–1689)، صياغة الشكل الحديث للمشروعية السياسية. إنها لحظات مهمة في سيرورة بناء نظرية دولة الحق. من دون أن نتجاهل الكتابات السياسية والفلسفية للقرنين السادس عشر
والسابع عشر، الناقدة للاستبداد وأنظمة الملكية المطلقة، والمدافعة عن الحرية والتسامح الديني8. وهي الأفكار التي وجدت لها سندًا تاريخيًا مع الثورة الهولندية والإنكليزية، وتطورها في القرن الثامن عشر مع زخم نتائج الثورة الأميركية وإعلانها لحقوق الإنسان. كلها محطات مهمة في بلورة هذا الجسم السياسي الحديث، أسست للفعل السياسي على مقتضى الاتفاق والاعتراف الاجتماعيين، والذي أنتج إجماعًا جديدًا أساسه العقد الاجتماعي (الدستور)، وأعاد تعريف الصفة المشتركة بين أفراد المجتمع بمقتضى الاشتراك في «المواطنة»، بعد أن كانت الهوية الاجتماعية مؤسسة على الانتماء إلى الكنيسة (المؤمنون أو أبناء الرب). بعد أن تبين أن الدولة الحديثة إنما جاءت لاحقة على المجتمع، تأخذ مشروعيتها منه، وتتحول إلى أداة في يده، تقي د سلطتها بالحق (الحرية) وبالقانون، صار الآن واضحًا تعريف «دولة الحق». والحال أن هناك العديد من المداخل لتحديد مفهوم دولة الحق وتعريفها، فيمكن تحديدها من خلال كيفية النشأة والتكون (المقاربة التاريخية)، أو التركيز على علاقتها بالمجتمع وبالفرد (المقاربة الاجتماعية)، أو تعريفها من خلال غاياتها وأدوارها (المقاربة الفلسفية)، ثم يجترح البعض تحديدها من خلال طبيعة سلطتها وأدوات ممارستها وأجهزة تجسيد السلطة على أرض الواقع (النظرية السياسية)، أما المقاربة الأخيرة فهي تفحص علاقتها بالحق وبالقانون (علم القانون)9. وإذا حاولنا الاستفادة مما تقدمه هذه العلوم والمقاربات، ودمجَها للخلوص إلى مفهوم جامع لدولة الحق، فإننا قد نقول إن دولة الحق هي: النظام السياسي الناشئ من اتفاقية ويستفاليا سنة 1648، التي أنهت عهد الإمبراطورية المسيحية (الإمبراطورية المقدسة)، وأقامت نظامًا سياسيًا سياديًا داخل مجال جغرافي محدد10، يقطنه أفراد يشكلون أمة، وتدار شؤونها بمؤسسات تجسد سيادة الدولة على أرضها وأفرادها، وتتحدد غايتها في خدمة المجتمع، وضمان وحدته، عبر الحفاظ على أمنه وسِلمه؛ ما يمنحها مشروعية سياسية، وتتطابق مع مبادئ الحق لكي تكون سلطة شرعية قانونية. لقد حدث داخل الدولة الحديثة انقلابٌ في مبررات المشروعية11. فبعد أن كانت مشروعية الدولة مشخصة، تتصل بسيادة الملك أو الأمير وتحالفه مع رجال الدين والإقطاع، من دون أن يحوز مبدأ الإجماع شرطًا لصلاحية قراراته، أضحت هذه المشروعية légitimité La شرعية légalité la. وهنا يجب أن نعود إلى هذا الخلط الشائع في كثير من الكتابات، لا تفرق بين «المشروعية» و«الشرعية».
والحق أن المشروعية أعمُّ من الشرعية؛ لكون الأخيرة مجرد شكل من أشكال المشروعية. ذلك أن كل ممارسة سياسية تسعى لاحتكار السلطة وفرضها على المجتمع، تحتاج إلى ما يبرر فعلها ذاك وما يضمن صلاحية سيطرتها وهيمنتها على المجتمع. وقراءة تاريخ الدولة أو أشكال الأنظمة السياسية، هي قراءة لأشكال المشروعية التي قدمتها هذه الأنظمة للحفاظ على وجودها. وتعني الشرعية، بوصفها مشروعية حديثة، تطابق الدولة (السلطة) مع القانون، أو تلازم السلطة مع الحق. وأضحى شكل المشروعية الحديث قائمًا على سيادة القانون المطلقة، وتماهيه مع الحق لتحصين حقوق الأفراد الأساسية من كل سلطة. وتجرد الشرعية القانون من كل مضمون شخصي، وتحوله إلى قاعدة معقولة تستمد مبررها من خدمة الحق12. جاءت الشرعية، إذًا، لتحل محل المشروعيات المتعالية عن الجسم السياسي، تنزع عنه غائيته كتجسيد للقيم الأخلاقية (الفضيلة، العدل، الخير)، وتحوله إلى «آلة» تحكمها قوانين ثابتة13.
ثانيًا: دولة الحق أمام حالة الطوارئ
أخذت دولة الحق صيغتها النظرية الكاملة مع القانوني النمساوي هانس كلسن (1973–1881)، في بدايات القرن العشرين، من خلال «نظرية الحق الخالصة»14، بوصفها نظامًا سياسيًا يسود فيه القانون المجرد والكوني والثابت. ومن خلال سيادة القانون المطلقة، يمكن ضمان حقوق وحريات الأفراد من دون الخوف من استبداد السلطة؛ لأنها لا تملك قيمة في ذاتها، بل هي مجرد أداة لتطبيق القانون. لكن عندما نحاول أن نطبق القانون، فإننا لا ننفي الواقع السياسي المتغير، ومن ثَمّ إمكان تأويله أو تغييره أو تعليقه، وهو ما يصطدم بسيادة القانون في مواجهة سيادة جديدة، تظهر كمركز للقرار وهي سلطة رئيس الدولة الشخصية. والحال أنه إذا كان تمييز ماكس فيبر (1920–1864) المشروعية الحديثة من المشروعيات القديمة، يعود في الأساس إلى خاصية الشرعية الحديثة المجسدة في قوانين الدولة ومؤسساتهم وليس في الأشخاص الذين يجسدون دور الخادم لهذه القوانين والمؤسسات من دون أن تكون لهم السيادة؛ فإن هذه القاعدة تنتفي بوجود حالة الطوارئ. ذلك أن وضع الدولة الاستثنائي يعطي لها الحق في «نظام السلطات الكاملة» pouvoirs pleins Les، متعارضًا مع مبدأ دولة الحق الأساسي: مبدأ «فصل السُّلَط»، وتأثيره في التزامات الدولة القانونية والحقوقية، وإمكانية استغلال هذا الوضع لمصادرة الحريات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للأفراد. ومن هنا يحسن الحديث عن حالة الطوارئ ومناقشتها، لمقاربة الإجابة عن الأسئلة التي صدّرنا بها هذه الدراسة.
1. حالة الطوارئ: وضع مبهم
للاستثناء القانوني والسياسي مجموعة من الوضعيات: هناك استثناء داخل حالة الطوارئ urgence ’ d état ’ L، وهناك حالة عامّة من الاستثناء exception ’ d état ’ L. بينما قد يكون الاستثناء أثناء حالة الحصار siège la de état ’ L، وهناك استثناء آخر يُعلَن عنه أثناء حالة حرب guerre la de état ’ L. بين هذه التسميات–الأوضاع مشترك واحد، وهو: الاستثناء في مواجهة القاعدة. الاستثناء هنا هو المتغير والطارئ، والقاعدة هي القانون الثابت؛ ليظهر السؤال عن العلاقة الممكنة بينهما، أو كيف يمكن أن نخضع المتغير إلى الثابت15. فإذا كان الثابت هو: مجموعة القواعد القانونية (الحق) التي وُضِعت من أجل تبرير فعل سياسي معين وفق مبادئ متفق عليها، أو هو تدبير قانوني ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع أو بين الأفراد، وتُستمد –أي تلك القواعد– مما هو طبيعي سابق على الاجتماع السياسي أو مما هو وضعي متفق عليه وفق مجموعة من الآليات بحسب خصوصية المجتمعات والثقافات16، فإن المتغير هو الحالات الاستثنائية التي تدرج في ما هو خارج المتعاقد عليه17. ولئن كانت المشروعية الحديثة شرعيةً قانونيةً تتصل بالقانون المجرد لا المشخص، ومن ثمة الانتقال من سيادة الشخص (الملك/ الأمير/ البابا) إلى سيادة القانون المطابق للحق (الحرية)، نستطيع به ضمان وحدة الجماعة السياسية؛ فإن سيادة هذا القانون تكون على المحك حينما لا يستطيع أن يستوعب المتغير والظرفي والطارئ. هنا تبدو الضرورة مبررًا لتأويل القانون، وبناء عليه، سؤال من يملك صلاحية تأويل هذا القانون، لنعود إلى نقطة البداية، وهي الرجوع إلى السيادة المشخصة والمجسدة في الحاكم. تختل موازين دولة الحق بفعل هذا التأويل؛ لأنه يلغي القاعدة التي تقول إن القانون فوق الشخص، أو إن السيادة متجردة من كل إرادة ذاتية، فهي تعبير عن مبادئ الحق المجردة. لكي نتجاوز هذا المأزق، علينا القول إن الضرورة الطارئة تفرض إعادة بناء القانون من جديد بتعليقه، لا لإلغائه، ولكن لإعادة بنائه بما ينسجم مع الطارئ. ذلك أن كل طارئ إنما هو تحييد للقانون وتعطيل له في أفق تجاوز حالة الضرورة القصوى والعودة إلى الحالة الطبيعية. من هذا التحديد نستنتج أن حالة الطوارئ ليست من قبيل حالة الفوضى في شيء، بل هي القانون الأسمى في هذا الوضع الاستثنائي. فوجود حالة حرب أو مرض جائح أو حصار أو فتنة داخلية، يسائل قدرة القانون على التطبيق في هذا الظرف الاستثنائي، أو قيمة وجوده في وضع يُلغى فيه كل شيء.
ليس التحدي، وحده، هو: كيف نعلق القانون من أجل الحفاظ عليه وليس إلغاءه؛ بل يزداد التحدي حينما ندرك أنه، في حالة الطوارئ، تُعلق حتى حقوق الأفراد الأساسية، التي ينبني عليها كل تعاقد اجتماعي بين الناس، وتقوم عليها كل مشروعية سياسية. تصطدم حالة الطوارئ بحق الحرية؛ حرية التعبير والرأي، وحرية الحركة والتنقل، وحرية الاحتجاج والتجمع، وغيرها، مما يضعنا أمام مفارقة القبول بحالة الطوارئ وتوابعها effets Ses على حساب حقوق الأفراد الأساسية أو إلغائها بمبرر قدسية الحقوق، ومن هنا توضَع الدولة أمام احتمال الضعف أو التفكك والانهيار. في هذه النقطة، تبدو العلاقة بين الدولة والمجتمع في موضع تساؤل، خصوصًا أن المجتمع يسعى لأن يحافظ على مجال سلطته Contre–pouvoir، ضد احتكار الدولة لكل الصلاحيات والاختصاصات التي تجعل المجتمع تابعًا للدولة لا يملك استقلالً ذاتيًا، كما تدافع عن ذلك الأطروحة الليبرالية. رأينا هذه الحالة في احتجاجات الأميركيين على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلانَ حالة طوارئ في البلاد، بمبرر أنه يتعارض مع الدستور الأميركي الذي يضمن لجميع الأميركيين الحق في الحرية (حرية الحركة والتنقل، وغير ذلك). وحتى العديد من الدول الأوروبية (هولندا مثلً)، استمر مواطنوها في ممارسة حياتهم الطبيعية تحت حماية القانون، الذي يعتبر حرية الناس ضمن المجال الخاص، خارج سلطة الدولة (المجال العام)18. فوق كل هذه الاعتبارات والسياقات، تأخذ الضرورة وضع القانون الأسمى الذي يتحكم في حياة المجال السياسي، وسير المجتمع. لكن باعث الخوف من أن تتحول الضرورة إلى قانون ثابت يخدم إرادة سياسية معينة أو مصلحة فئة داخل الدولة، يبقى حاضرًا باستمرار بين يدَي المشرع والحقوقي والفيلسوف19. لهذا بدأ التفكير في كيف يمكن استدماج حالة الطوارئ داخل القانون أو العقد الاجتماعي؛ لتنتقل بهذا الفعل من استثناء أو اضطراب في الممارسة السياسية والقانونية، إلى قاعدة قانونية ثابتة متعارف عليها. لم يُطرح هذا الأمر في المرحلة الأولى من بناء نظرية دولة الحق؛ لأن ما كان يهم هو بناء الحق قبل التفكير في الاستثناءات؛ لأن الحاجة إلى القطع مع السلطة المطلقة أكبر من الحاجة إلى التفكير في الاستثناء. لهذا غاب مفهوم حالة الطوارئ عن فلاسفة الدولة ورجال القانون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ إذ كان الهاجس هو بناء مجتمع سياسي حديث، يقطع مع الممارسات السياسية التقليدية التي تستند إلى الدين أو العرف أو العصبية العائلية (العائلات الحاكمة في أوروبا الإقطاعية)، والدفاع عن مشروعية اجتماعية وقانونية (الشرعية) لكل سلطة سياسية مقبلة. ومن جهة أخرى، قامت فكرة المشروعية الحديثة على تجريد القانون من تبعيته لإرادة شخصية،
وتحويله إلى صيغة مجردة تطبق على الكل؛ لذلك فهو لا يتبع لسلطة تأويل ما، بل يملك سيادته الخاصة، حتى يتم حمايته من كل تدخل شخصي يؤوله بما يخدم مصلحة ذاتية. وهو شيء يمكن أن يقع أثناء الحديث عن حالة الطوارئ، التي تلغي هذه القاعدة، وتضع القانون تحت تصرف صاحب السيادة souverain Le، بإعلانه عن مجموعة من الإجراءات لا تدرك طبيعتها: أهي إجراءات سياسية أم قانونية؟ علمًا أنها تُطرح في معرض النقاش حول طبيعة السيادة: سيادة القانون أم سيادة رجل الدولة؟ وتتوجه هذه الإجراءات نحو تقوية دور السلطة التنفيذية؛ أي صلاحيات السلطة على حساب حريات الأفراد والجماعات. بهذا المعنى، لم تُدرَك طبيعة حالة الطوارئ داخل الدستور، لأنها لا تملك صفة قانونية، بل قرارًا سياسيًا يعلَن ويلغَى بمجرد تجاوز ضرورته، خصوصًا أن هذه الحالة تمثل مفارقة في حد ذاتها، لكون القانون يعلِّق نفسه. هكذا تمثل حالة الطوارئ أنطولوجيا سياسية معقدة؛ لكونها تحمل التهديد ونقيضه لدولة الحق. إنها تهددها لأنها، في الوقت ذاته، ركوض إلى دولة الحق؛ بسبب الخطر الذي يدهم الدولة والمجتمع ويعرضهما للانهيار، مثل الحرب أو الحصار أو الجائحة؛ أخطارٌ لا تستطيع معها المؤسسات والقوانين العمل. كما تهدد دولة الحق بتعطيل هويتها القانونية: سيادة القانون، فصل السُّلط، احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية. حالة الطوارئ، إذًا، هي ما لا يمكن أن تسمح به دولة الحق. لكن يحسُن التنبيه إلى أننا لا ننتقل من شكل معين في الدولة إلى شكل مختلف كليًا عن السابق، بل ما يحدث تغيرٌ إجرائي في عمل السلطة داخل دولة الحق. بمعنى أن حالة الطوارئ تتم داخل دولة الحق، ولا تنقلها من وضع سياسي معين إلى وضع آخر. ورغم تهديد هذا الإجراء للحق، فإن تقنين هذا الفعل الإجرائي داخل الدستور يحمي الحق في النهاية.
2. التعريف
تتحدد حالة الطوارئ بأنها قرار تتخذه الدولة (السلطة التنفيذية) تحت إكراه ظرف طارئ أصاب المجتمع والدولة بالخطر (حرب خارجية أو أهلية، جائحة، انقلاب، وغيرها)، وفرض عليها مواجهتها حمايةً للأفراد ولمؤسسات الدولة20. ولكي يتحقق هذا الوضع الطارئ والاستثنائي، يجب أن تُستوفى ثلاثة شروط: تعليق القانون dérogation La، والاستناد إلى وضعية غير عادية، ثم وجود هدف أسمى متمثل في حماية الدولة والمجتمع. وتبرز داخل هذا التعريف مشكلة تجاوز الدستور (مجموع القواعد الثابتة التي تحكم الدولة والمجتمع)، من خلال مسألتين: أ. الأولى، يتم فيها تجاوز الدستور في فعل «استيلاء» السلطة التنفيذية على اختصاصات السلطة التشريعية، على نحوٍ ما يعني انتهاك المبدأ القانوني المحدد للعلاقات بين سلط الدولة (مبدأ فصل السلط)، الذي يعني أن لكل سلطة اختصاصاتها المستقلة عن سلطة أخرى، بحيث لا يحق لسلطة أن تقرر قرارًا يخص سلطة أخرى أو تحتكر حق كل القرارات (تنفيذية، تشريعية، قضائية)، بما يضمن
توازن السلط21. وينتج من هذا أن قانون الرقابة البرلمانية والقضائية الضامن للممارسة الديمقراطية، ينتفي مع توسع صلاحيات السلطة التنفيذية. ب. الثانية، يتم تجاوز الدستور حينما قه حالة الطوارئ (للأسباب المذكورة سابقًا)، لأن العمل به تعلِّ يصبح غير ممكن، بفعل تعطل الحياة الطبيعية لتطبيق القانون؛ إذ يصبح من الضروري أن تواجه الدولة الخطر المهدِّدَ لها بواسطة تدابير وإجراءات استثنائية لا يتضمنها الدستور، وبهذا تصير هذه التدابير والإجراءات قانونًا أسمى من القانون نفسه. لكن ما انتبه إليه المشرع والحقوقي، هو إمكانية تحول الاستثناء إلى قاعدة ثابتة، فينقلنا من وضع استثنائي يعلَّق فيه الدستور، أي يتوقف العمل بأحكامه مؤقتًا، إلى وضع طبيعي يلغي الدستور إلغاءً كليًّا.
3. حالة الطوارئ وقيام نظام السلط الكاملة
يعلن قيام حالة الطوارئ عن وضع قانوني وسياسي استثنائي غير عادي، كما ذكرنا، يتمثل في حصول السلطة التنفيذية (أو السلطة العسكرية في حالة الحرب) على السيادة التامة داخل الدولة، وذلك على حساب سيادات أخرى؛ تشريعية وتنفيذية. وبناء عليه، ننتقل من وضع فصل السلطة إلى وضع السلط الكاملة المركزة Concentrés في يد السلطة التنفيذية. ويسم ى وضع السلط الكاملة في الأدبيات القانونية بنظام «الدكتاتورية». وهو قرار تتخذه السلطة التنفيذية من دون الحاجة إلى استيفاء شرط الإجماع أو الموافقة البرلمانية22. لهذا قلنا إن وضعها المضطرب يتمثل، أساسًا، في وجودها بين قاعدة قانونية مُدَسترة Constitutionalisée أو مجرد قرار سياسي استثنائي. في هذا السياق، لا يبدو أن غياب نظرية قانونية حول حالة الطوارئ، مردُّه إلى سهوٍ من المشرع، بل هو فعل مقصود، مردُّه إلى التعارض الحاصل بين دولة الحق ودولة السلطات الكاملة. تنشأ الدكتاتورية، أو دولة السلط الكاملة، من هذا الوضع الاستثنائي23 الذي يعجز فيه القانون عن إدماج المتغير في معاييره الثابتة. لهذا، يظهر قانون جديد متصل بإرادة سياسية سيادية (السلطة التنفيذية أو السلطة العسكرية)، يستثني من اعتباره كل القوانين المكتوبة (الدستور) الضامنة للحقوق والحريات، ويكون المبررُ الوحيد حمايةَ الدولة نفسها. ولئن كانت الشرعية القانونية تفرض احترام مبدأ فصل السلط الضامن للعدل (حماية الحقوق والحريات)، واحترام التعددية السياسية والتداول العمومي للقرار السياسي، فإن هذه القواعد تعو ض باحتكار السلطة التنفيذية (السلطة السياسية) جميعَ الاختصاصات الموزعة بين السلطة
التشريعية والقضائية، لكي تصير سلطة مطلقة لا تقيدها سلطة أخرى، ولا تراقبها مؤسسة ما (حكومية أو غير حكومية) بمقتضى الضرورة الطارئة. لنكون، هنا، أمام صراع بين سيادتين: سيادة القانون وسيادة سياسية24. السيادة الأولى مقيدة بالحق (الحرية)، أما السيادة الثانية فإنها مطلقة25؛ وذلك لأنها لم تعد في حاجة إلى موافقة السلطة التشريعية على قراراتها، ولا إلى مطابقة هذه القرارات مع مبادئ الحق التي يحميها القانون، بل تصبح هي المشرِّع والمنفِّذ في الوقت نفسه26. إن حالة الطوارئ إعلان، إذًا، عن سمو التنفيذي على التشريعي والقضائي، وإعلان عن مصدر جديد لحماية الحق، لم يعد هو قانون فصل السلط، بل قانون السلط الكاملة (الدكتاتورية)، قوةً سياسيةً لإصدار القرار بقوة إكراه الضرورة. والحال أننا لا نريد من هذا التحليل المماهاة بين دولة الحق في حالة الاستثناء والدولة الدكتاتورية. رة دستوريًا بتشريع يمنع انزلاق هذا الإجراء المؤقت إلى وضع وذلك لأن حالة الطوارئ المؤط دائم، لا يمكن أن تتساوى مع حالة الطوارئ كما تُستغَل في الأنظمة الدكتاتورية التي لا تكون فيها الطوارئ إجراءً مؤقتًا، بل وضعًا سياسيًّا وقانونيًّا دائمًا. ولهذا السبب، سنبين عمل المشرِّع على إدخال الاستثنائي ضمن القاعدة القانونية، حتى يكون جزءًا من تعاقد اجتماعي يقوم على الاعتراف بهذا الإجراء، بمقتضى أن كل فعل سياسي حديث إنما هو اعتراف وقبول اجتماعيان، وليس إكراهًا.
4. من الوضع المبهم إلى الوضع القانوني
كان مجموع مفارقات حالة الطوارئ دافعًا للنظر القانوني فيها، وذلك لإخراجها من وضع استثنائي إلى وضع قانوني طبيعي. هذا إضافة إلى تنبُّه المشرِّع، ومعه الحقوقي والفيلسوف، إلى إمكانية أن تتحول هذه الحالة من وضعية سياسية وقانونية مؤقتة تفرضها الضرورة، إلى وضع سياسي قارّ وثابت، لا يخدم غير تحرر الدولة من التزاماتها القانونية والحقوقية، وما يرافق ذلك من محاولة الدولة التضييق على سلطة المجتمع، وتضييق الفضاء العمومي الذي يمارس فيه الأفراد سلطتهم. انطلاقًا من هذا الخوف من تأثيرات الإجراءات الاستثنائية في حقوق الأفراد وحرياتهم، وفي الممارسة القانونية الشرعية، كان لزامًا أن يُدخل المشرِّع législateur Le قوانين تنظم العمل في حالة الطوارئ،
وتنقلها من الاستثناء المضطرب قانونيًّا إلى الطبيعي والمقبول دستوريًّا. بدأ التفكير في شرعنة légitimation La حالة الطوارئ، بإخضاعها لمجموعة من القوانين والمواثيق الدولية الضامنة لحقوق الأفراد. نتكلم هنا عن اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية لعام 1950، في الفقرة 1 من المادة 15، وكذلك الميثاق الجماعي الأوروبي لعام 1961، وأيضًا الميثاق الدولي لحقوق الأفراد المدنية والسياسية لعام 1966، والذي يقر في الفقرة 1 من المادة 4، بحق الدول في اللجوء إلى حالة الطوارئ بمقتضى ضرورة تهدد حياة الدولة وأفرادها. كما أدرجت الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان لعام 1969 ضمن موادها (المادة 27) قانون حالات الطوارئ. هت إلى هذه الهوّة التي تقع بين الدولة والحق في حالات إذا عدنا إلى هذه الاتفاقيات سنجد أنها تنب الاستثناء (التي سبقت الإشارة إليها، إلا أن المشرّع في تلك الاتفاقيات لم يكن يتطرق إلى ما يسمّى اليوم «حالة طوارئ صحية»)، وحاولت تلك الاتفاقيات أن تضبط هذه الهوة بمنطق الضرورة المتمثل في التعطيل الضيق والمقي د والمؤقت لحقوق الإنسان. ويتجلى هذا الضبط في إخضاع حالة الطوارئ لقانون يحدد العمل بها في فترة زمنية مقيدة، تجد د بمقتضى الضرورة، وتكون قابلة للمساءلة القانونية والاجتماعية (هيئات المجتمع الوسيطة) بعد نهايتها. ولعل المبرر الذي أعمله المشرع الدولي في إدخاله لحالة الطوارئ، أو لكل حالات الاستثناء، ضمن الممارسة القانونية الطبيعية، هو قيامها على تطابق تام مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؛ لكونها جاءت من أجل الدفاع عن الحق في الحياة والصحة، كما حدده ميثاق حقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدولي الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، وطُبِّق بدءًا من عام 1976، بتصديق 170 دولة عليه؛ الأمر الذي يعني أن الاستثناء ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة تحدد حماية مجال تطبيق القانون هدفًا أسمى لها، وينتهي الاستثناء بانتهاء قيام مبرره. حاول المشرِّع، إذًا، أن يخفف، في تقنينه للعمل بحالات الطوارئ، من تأثيرها في الحق، وفي الممارسة السياسية الشرعية، بتقييدها ببعض الثوابت الحقوقية والقانونية، مثل الحفاظ على عمل كل مؤسسات الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الضرورية، وعلى عدم تجاوز الالتزامات الدولية الخاصة بمنع التعذيب، والسجن التعسفي، وانتهاك حق المساواة، واستعباد الناس، وحماية حرية الفكر والوجدان والعقيدة، وضمان حق الأفراد في الاعتراف بالشخصية القانونية27. في حين يُسمَح للسلطة، خارج هذا الإطار، أن تتخذ كل ما يستوجب حماية المجتمع والدولة، بتبرير شرعية قرار حالة الطوارئ، ومدتها المؤقتة، وضمانتها الحقوقية. والحق أن الحريات التي تهدد حالة الطوارئ، والتي لا تجد الدولة بُدًّا من أن تقيدها من دون انتهاك لجوهرها (الحق)، هي الحريات المتعلقة بالحركة والتجمع والتظاهر والاحتجاج، والإضراب.
ثالثًا: الدولة والمجتمع
يختلط في ذهن الكثير مفهومُ الدولة بمفهوم المجتمع (ويحدث على مستوى آخر الخلط بين الدولة والسلطة والنظام السياسي)28، فيُعتقَد أن الدولة هي المجتمع عينُه، وأن وجود جماعة بشرية مشكِّلة لوحدة، يفيد قيام دولة. يمكن القول على نحو مُجمَل لا يستغرق في التفاصيل: إن المجتمع سابقٌ على الدولة29، وهو يعبِّر عن الحاجة إلى العيش المشترك أو الاجتماع بوصفه ضرورة بشرية لا مندوحة عنها، لكن لا بضرورة أن تكون هناك دولة. هذا إذا أخذنا في الحسبان أن الدولة مفهومٌ حديث، لم يُستعمَل إلا في القرن الثامن عشر، أما الاجتماع البشري فأقدم من الاجتماع السياسي الدولتي30. والسلطة أقدم من الدولة؛ لأنها تعبر عن حاجة المجتمع إلى حماية نفسه من خطر التفكك الداخلي؛ بسبب عجز الناس عن تدبير الاجتماع تدبيرًا عفويًّا، أو بسبب ما يداهم المجتمع من العداء الخارجي. لهذا نشأت السلطة بفعل الضرورة؛ لتجاوز استحالة استمرار الاجتماع غير المؤسس. وهو درس استفدناه من كتابات فلاسفة العقد الاجتماعي في اعتبارهم الاجتماع السياسي نتيجةً ضروريةً لعدم القدرة على استمرارية حالة الطبيعة، التي وإن كانت تفيد فرضية لا تاريخية، فإنها مع ذلك تعلمنا وضع التجمعات البشرية من دون سلطة أو دولة. هناك مجتمعات استطاعت أن تنقل الوحدة الاجتماعية إلى وحدة سياسية، بفضل قدرتها على تدبير تعدديتها الثقافية والسياسية، داخل جسم سياسي تذوب فيه الإرادات الفردية لصالح الإرادة العامة. وفي داخل هذا الاجتماع السياسي الحديث تمكنت المجتمعات الحديثة من أن تمنع تحول الاختلاف إلى مبرر لتفكيك المجتمع إلى عصبيات ومجتمعات أهلية، كما هو الشأن في المجتمعات العربية التي لم تنجح في أن تنتقل من العلاقات التقليدية القائمة على الانتماء العائلي والعشائري أو الطائفي أو الديني، إلى العلاقات الحديثة المؤسسة على المواطنة، حيث يكون القانون هو الهوية المشتركة داخل الدولة. وحين تتحقق الوحدة في المجتمع والدولة، تكون النتيجة أن الدولة والمجتمع يكمل أحدهما الآخر؛ وذلك لأن المجتمع يرى في الدولة ضرورة لاستمراره والحفاظ على أمنه وأمن أفراده. لهذا، تبدو المواطنة ممارسة يومية، تتجلى في احترام القانون والنظام العام وحقوق الآخرين وحرياتهم، من دون حاجة الدولة إلى التوسل بالعنف المادي للحفاظ على القانون والنظام. وهو أمر نعاينه اليوم
في المجتمعات العربية التي ما زالت ترى في الدولة طرفًا نقيضًا للمجتمع أو عدوًّا لها31. ولعل عدم احترام الناس للقانون، ومجافاته، والإخلال الدائم بالنظام، وعدم احترام حرية الآخرين، وتبخيس أمور الشأن العام (الانتخابات مثلً)، دليل على غياب الدولة في وعي المجتمع. ليس الذي يهمنا أن نبين هذه العلاقة الجافة بين الدولة والمجتمع في البلدان العربية، بل أن نطرح العلاقة على المستوى النظري، من خلال العلاقة المعقدة بين سلطة الدولة والمجتمع، في معرض التفكير في حالة الطوارئ هذه. وإذا عدنا إلى النظرية الليبرالية في شقها السياسي والاقتصادي، سنجد أن المجتمع مجالٌ مستقل عن سلطة الدولة؛ فهو يمثل فضاءً للملكية الاقتصادية، وللحرية الفردية والاجتماعية، يخضع للتنظيم الذاتي، بمقتضى قوانين السوق والمنافسة الحرة، الضامنة للرخاء الفردي والجماعي باستقلال عن الحاجة إلى تدخل قسري للقوة العمومية، أو بمقتضى مبادئ التسامح واحترام الاختلاف والإيمان بالتعددية، مجس دةً بوصفها حقوقًا أساسية، يعطي الدفاع عنها المعقولية والشرعية للقوانين الوضعية. ويجسد هذا التصور رفضًا لتدخل الدولة في المجتمع أو إضعافًا لهذا التدخل، كما هو رفض أو إضعاف لتعاظم سلطتها على حساب سلطته. من هنا جعلت الليبرالية الحرية والسوق حدودًا لسلطة الدولة، لتصير محايثة للتنظيم الاجتماعي، لا سائدة عليه. لكن هذا الدور قد يتغير في مثل حالات الاستثناء والطوارئ، بحيث إن ميلاد دولة السلطات الكاملة يكون على حساب سلطة المجتمع واستقلالية الاقتصاد، وعلى حساب حرية الأفراد التي تتراجع بمقتضى الدور الجديد للدولة، أي: الدولة صاحبة السيادة souverain état ’ L، أو الدولة المركز central état ’ L. وحينما تنشأ الدولة صاحبة السيادة، فهذا يعني أن السلطة المضادة تضعف أو تختفي لصالح تركُّزِ جميع السلط في يد الدولة؛ ذلك لأن كل ما يمنع سيادة الدولة المطلقة يتراجع أو يضعف دوره في حالة الطوارئ، فتضعف الرقابة والمساءلة القانونية بتجاوز وضع فصل السلط، وتضعف سلطة المجتمع المقيدة لسلطة الدولة؛ نتيجة الاستثناءات التي تبرر بها الدولة دورها السيادي الجديد. إن تنبيه الحقوقيين والفلاسفة ورجال القانون إلى توابع تركيز السيادة في يد الدولة، مردُّه إلى الخوف من قيام الاستبداد متذرّعًا بحماية المجتمع32 الذي لا يملك القدرة على تسيير نفسه وحماية وجوده، من دون الدولة المالكة للسلطة العمومية. فالحديث عن سلطة داخل المجتمع، يسائل قدرته على مواجهة الطوارئ بغير أجهزة الدولة، مما يعني ضعف الحجة الليبرالية لاستقلالية المجتمع عن الدولة.
وقد تجلى لنا، بوضوح، كيفية ضعف الفرد والمجتمع والاقتصاد، بمعزل عن دور الدولة القوية التي ركزت القرارات كلها في يدها؛ لتجاوز حالة غير طبيعية تمر بها. بل إن مفاهيم مثل «اليد الخفية» آدم سميث Smith Adam (1790–1723) التي تؤكد قدرة المجتمع–الاقتصاد33، على أن يسير بذاته، مستقلً عن الحاجة إلى «اليد المادية» (الدولة)، أظهرت «لا واقعيتها» مع توقف الاقتصاد وعدم قدرته على العمل بعيدًا عن تدخل الدولة القوي، سواء للحفاظ على الحرية (محاربة الاحتكار) أو من أجل العدالة الاجتماعية (المساواة بين الجميع وإنصاف المؤسسات الهشة)، أو من خلال سياستها المالية في دعم الاستثمار وحماية الاستهلاك وضمان الأجور (السياسة الإنفاقية) أو الحفاظ على العدالة الاقتصادية في دعم المؤسسات الهشة ضريبيًّا (السياسة الضريبية)، أو إعادة بناء السيادة المالية للدولة من خلال سياستها النقدية. هذا التدخل، يعيد للدولة الوطنية مركزيتها داخل المجتمع، بعد أن وضعت الليبرالية الحرية الاجتماعية والسوق حدودًا لسلطتها، بحيث تصير، مع حالة الطوارئ، مؤسسة اجتماعية مركزية في حياة الناس، تحافظ على وجود المجتمع، لا أن تكون مجرد مؤسسة قانونية للتشريع وحارسة للمجتمع. وحينما تعود الدولة القوية إلى المجتمع، يختلف التعاقد بينها وبينه. وذلك لأنه إذا كان الإجماع، في الوضع الطبيعي، مردُّه إلى تعاقد السلطة مع المجتمع مصدرًا لمشروعيتها وسيادتها، فإن الإجماع في الحالات الاستثناء، يكون بحضور الدولة القوي في تسيير الحياة العامة للناس؛ لتجاوز كل ما يهددهم. لكنه تعاقدٌ يبقى مؤقتًا أو مفو ضًا بالدستور في ظل حالات الاستثناء؛ لأن التعاقد الأول والأسمى إنما هو الذي يوازن بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع حفاظًا على الحرية والعدالة. هكذا تتحول العلاقة بين المجتمع والدولة في حالة الطوارئ؛ من علاقة توازن بين عالمين مستقلين للسلطة، إلى وضع يصير فيه المجتمع تابعًا لسلطة الدولة أو تكميلً لها. وهو ما يبرر تخوفات المدافعين عن الليبرالية السياسية والاقتصادية، في تأكيدهم على ضرورة احترام الاستقلال الذاتي للمجتمع والاقتصاد؛ استقلال الأفراد عن سيادة الدولة، وحرية المنافسة. لكن على الرغم من هذه التخوفات، فإن ضعف قوانين المجتمع الذاتية، يفرض العودة إلى النمط القديم للدولة؛ أي دولة التدبير التي تجلب السعادة للناس في ظل «حالة الحرمان» من حقهم في الحياة والصحة في حالة الطوارئ الصحية هذه. وهو النموذج السياسي النقيض لنموذج الليبرالية السياسية؛ دولة الحق، حيث يأخذ الحق وضع تقييد السلطة داخليًا وخارجيًا ضد عقلانية قانونية، تضمن للدولة تدخلً لا محدودًا في المجتمع والاقتصاد. والنتيجة مفادها أن مفهوم الاعتراف يتغير من اعتراف تقني–اقتصادي مبني على النافع والضار، إلى اعتراف قانوني–سياسي بمقتضى الشرعية واللاشرعية، التي بررها المشرع بمنطق الضرورة القصوى.
لكن يمكن إدماج منطِقَي الاعتراف التقني–الاقتصادي، والاعتراف القانوني–السياسي داخل حالة الطوارئ أو الاستثناء، بالقول إن ما يحدد تدخل الدولة (إجراءاتها وتدابيرها) الشرعي، هو تأثيره النفعي في المجتمع والاقتصاد، سواء بحماية حياة الناس الخاصة من التهديد الصحي، أو حماية الاقتصاد من الانهيار بتدخل الدولة القوية في السياسات الإنفاقية والضريبية والمالية. يمكن القول إن العودة إلى دولة التدبير أو الدولة الاجتماعية داخل حالة الطوارئ على حساب الدولة الحارس أو الدولة المشرِّعة المقيدة بالحق، لا يعني انتهاكًا كليًا لسلطة المجتمع، بل محاولة التوازن بين الحرية (المجتمع) والعدالة (الدولة)34. فإذا كان تقليص دور الدولة مبررًا للحفاظ على الحرية الاجتماعية والاقتصادية، فقد يكون هذا الأمر على حساب العدالة الاجتماعية والاقتصادية، حيث تنهار قيمة الإنصاف لصالح الحرية الاقتصادية، من خلال عدم قدرة فئة (أفراد ومؤسسات) ضعيفة داخل المجتمع، على مواجهة الوضع الطارئ بقدراتها الذاتية البسيطة. لهذا نحتاج إلى تدخل الدولة في الاقتصاد بإنصاف هذه الفئة على حساب الفئات القوية.
خاتمة
هكذا تتناسل من رحم مفهوم حالة الطوارئ مجموعة من المفارقات، تتحول إلى إشكالات تطرح على مستويات مختلفة؛ قانونية وحقوقية–فلسفية واقتصادية، واجتماعية. وترتبط هذه الإشكالات بالوضع الاستثنائي غير العادي والطبيعي لحالة الطوارئ، ونتائج تطبيقها على مجموعة من الثوابت الضامنة للحياة الطبيعية للمجتمع والأفراد. يرتبط الثابت الأول بحماية القانون بوصفه صاحب السيادة داخل الدولة، وشرطًا لضمان الحق (الحرية). ويتمثل الثابت الثاني في الحفاظ على العلاقة المتوازنة بين الدولة (السلطة) والمجتمع، حتى لا تتحول سلطة الدولة إلى سيادة فوق المجتمع. ويتعلق الثابت الثالث بمفارقة اقتصادية؛ عدم التدخل في الاقتصاد، بمبرر استقلاله الذاتي عن سلطة الدولة التي ليست غير وسيلة للحفاظ على هذا الاستقلال، أو ترك الاقتصاد ينهار من دون مساعدة من الدولة.
References
المراجع
العربية
أغامبين، جورجو. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام (2،1). نقله إلى العربية ناصر إسماعيل. تقديم جوليانا سكوتو. تصدير ساري حنفي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015.
بلاندييه، جورج. الأنثروبولوجيا السياسية. ترجمة علي المصري. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1990
شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.
العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1996
الأجنبية
Blumenberg, Hans. La Légitimité des temps modernes. Marc Sagnol, Jean–louis
Schlegel, Denis Trieweil & Marianne Dautery (trads.). Paris: NRF/ Gallimard, 1988.
Bodin, Jean. Les six livres de la République. Paris: Le Livre de Poche, 1995.
Böckenförde, Ernst–Wolfgang. Le Droit, l’État et la Constitution démocratique, essais
de théorie juridique, politique et constitutionnelle. Olivier Jouanjan de Willy Zimmer
& Olivier Beaud (trads.) Belgique: éditions Bruylant, 2000.
Montesquieu, De l’esprit des lois. tome 1. Paris: GF–Flammarion, 1994.
Kelsen, Hans. La théorie pure du droit. Charles Eisenman (trad.). Paris: Dolloz, 1962.
Schmitt, Carl. Parlementarisme et démocratie, suivi d’une étude de Léo de Strauss sur
la notion de politique de Carl Schmitt. Jean–Louis Schlegel (trads.). Paris: éditions du
Seuil, 1988.
________. Du politique "légalité et légitimité" et autres essais. Alain de Benoit (trad.).
Puiseaux: Pardés, 1990.
________. La dictature. Mira Köller & Dominique Séglard (trads.). Paris: éditions du
Seuil, 2000.
________. La visibilité de l’église, Catholicisme romain et forme politique, Donoso
Cortés, quatre essais. André Doremus (trad.). Paris: La nuit surveillé, cerf, 2011.
________. Le nomos de la terre, dans le droit des gens du jus publicum europaeum.
Lilyane Deroche–Gurcel, révisé (trad.). Paris: Quadrige/ PUF, 2012.
Weber, Max. Le savant et le Politique. Julien Freund (trad.). Paris: "bibliothèque 10/18"
Plon, 2014.