الهرمينوطيقا في عصر ما بعد الحقيقة: دراسة في بلاغة الخطاب الإعلامي
Hermeneutics in the Post–Truth Era: A Study of Media Discourse Rhetoric
الملخّص
المنهجية الهرمينوطيقية هي مقاربة تحليلية وجدلية لا يمكن الاستغناء عنها في تطوير التفكير النقدي. وفي عصر ما بعد الحقيقة، أفسح التأويل التقليدي للنصوص مجالًا لحالات تأويلية أشدّ تعقيدًا، حيث المحتوى السمعي البصري هو أساس السرديات والمعارف الجديدة. كان البحث المنهجي النوعي يدّعي دائمًا الأهمية السوسيوتاريخية والزمانية في تحليل الظواهر الاجتماعية. وبقبول هذه الفرضية، فإن الهرمينوطيقا تُقَدَّم بوصفها استراتيجية بحثية ومنهجية ممكنة في تحليل تمثيل الوقائع الاجتماعية. وتهدف هذه الدراسة، على نحو خاص، إلى إبراز فاعلية التحليل الهرمينوطيقي في فحص روايتين متعارضتين للهجوم الإرهابي الذي وقع في مقر المجلة الأسبوعية الساخرة شارلي إيبدو عام 2015. ومن أجل إجراء هذا التحليل، استعملت هذه الدراسة منهجية الارتياب. أما الاستنتاج الرئيس، فهو أن الإنترنت أصبحت محفزًا لتعدد الحقيقة في عصر ما بعد الحقيقة. إن الإنترنت هي قناة التدفق التي يُستعرض فيها الفكر النقدي؛ هي باختصار مكان للمقاومة يمكن للناس فيه مساءلة الروايات، والتأويلات التي تتبناها وسائل الإعلام الرئيسة كما اعتمدتها نخبة منتدى دافوس Davos Class.
Abstract
Associate Professor at the University of Extremadura in Spain He holds a PhD in Sociology from the Complutense University of Madrid.
Professor of Arabic at the Regional Academy of Education and Training – Tangier Tetouan Al Hoceima Region, Associate Member in the Laboratory of Hermeneutics and Textual Studies at the Faculty of Letters and Human Sciences, Tetouan, Morroco.
Rubén Arriazu Muñoz, "A Research Methodology in the Service of Critical Thinking: Hermeneutic Approach in the Post–truth Era," Education Policy Analysis Archives , vol. 26, no. 148 (November 5, 2018), accessed on 19/7/2020, at: https://bit.ly/2X3gdc0
- البحث المنهجي
- الليبرالية الجديدة
- ما بعد الحقيقة
- التفكير النقدي
- الخوف الاجتماعي
- Research Methodology
- Neoliberalism
- Post-truth
- Critical Thinking
- Social Fear
مقدمة
لقد أعاد التقدم التكنولوجي، بجلاء، تعريف الممارسة الثقافية للمجتمعات الحديثة، فلا نستطيع اليوم فهم الحياة الاجتماعية من دون اتصال، ومن دون هاتف نقال، ومن دون أخبار واردة عبر الرسائل الآنيّة، أو من دون خدمة ال «جي بي إس» GPS التي تعلمنا بالطرق المختصرة لوجهتنا. فهذه السيناريوهات التكنولوجية هي أساس الثقافة السمعية البصرية الجديدة التي حُوّرت من خلالها اللغة التقليدية بمزيد من التفاعل الواصل المبني على الصورة والصوت1. إن استعمال هذه اللغة السمعية البصرية قد ولد طرائق جديدة من التنشئة الاجتماعية، والسرديات اليومية والمعاني الاجتماعية الجديدة. وباختصار، ولّد ذلك معرفة اجتماعية جديدة. وتقود هيمنةُ اللغة السمعية البصرية التحليلَ الهرمينوطيقي، موضوع هذه الدراسة، في اتجاه التطور إلى انصهار بين النص التقليدي والمحتوى السمعي البصري. إن البحث الهرمينوطيقي، من خلال مراعاة هذه الخصوصية الاجتماعية والثقافية ضمن «الفضاء – الزمان»2، يواجه تحدي التفكير في «آفاق جديدة» للغة السمعية البصرية، عبر النظر فيما وراء الصور والاستماع إلى ما وراء الأصوات. وقد أبرز كل من هوبرت كنوبلوخ، وبيرنت شنيتلر أن «تحليل الفيديو يعد نشاطًا هرمينوطيقيًا بالمعنى الذي يتطلب فيه منهجًا ملائمًا في الفهم السوسيولوجي»3.
وعلى الرغم من أن النص كان دائمًا المادة الخام للبحث المنهجي الهرمينوطيقي منذ بدايته4، فإن من السذاجة الاعتقاد أن المنهجية الهرمينوطيقية ركزت فقط على تأويل النصوص دون غيرها. تيودور أدورنو Theodor W. Adorno (1969–1903)، ووالتر بنيامين Walter Benjamin (1940–1892)، وهانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (2002–1900)، أعلنوا كلّهم أن هذه المنهجية «ليست مخصصة فقط لمعاني النصوص، بل أيضًا للأنماط الأخرى من التعبير مثل الفنون الموسيقية والبصرية»5. المشكلة الرئيسة اليوم هي أن المحتوى والسرود السمعية البصرية تقدم للجمهور بوصفها رموزًا لحقائق ثابتة لا تترك سوى حيز محدود للتأويل النقدي أو البديل. وبخلاف النص، تمتلك الصورة بالفعل معنى مهيمنًا. ومن ثم، فمن التعقيد الشديد مساءلة مضمونها. وبعبارة أخرى، من الصعب جدًّا أن تضع أسس الدائرة التأويلية بين «النص» و«السياق». وباختصار، يصعب بشدة استيفاء مهمة فهم الظاهرة الاجتماعية على نحو ما اقترحه فلهلم دلتاي Dilthey Wilhelm (1911–1833) وفريديريك).1834–1768(Friedrich Schleiermacher شلايرماخر ومن بين الأطاريح الأساس للبحث المنهجي الهرمينوطيقي أن هذه الحقيقة تمتلك مكونًا يتموضع نسبيًا وتاريخيًا6، وذلك لأننا جزء من عالم المعنى المشترك7 الذي يتطور عبر الزمن، والذي حدّه مارتن هايدغر (1976–1889) ب «الدزاين» Dasein أو الوجود في العالم. هذا التأثير المستنبط من السياق الاجتماعي أساس في التحليل الهرمينوطيقي؛ لأنه يسمح لنا بتحليل «التأثير الذي يوجد ما وراء موارد اللغة بغية فهم كيف رُوِيت القصة»8. ويسمح تحليل السياق الاجتماعي باستكشاف أبعاد جديدة ومعانٍ خفية للظاهرة الاجتماعية9. إنه، من دون شك، مستوى ثانٍ من التحليل10 يعزز الأفق النقدي للشأن الاجتماعي11. وتؤدّي التربية، وبخاصة السياسات التربوية، دورًا مفتاحيًّا في فهم الإطار الجديد للتواصل المهيمن لدى استراتيجيات ما بعد الحقيقة. وتعاني الثقافة السمعية البصرية اليوم أزمةً عميقةً في الصدقية؛ «يوجد
اليوم تزامن في حقائق متضاربة تتآمر من أجل خلق حالة من التيه العاطفي والمسافة اللامبالية»12. إننا في عصر ما بعد الحقيقة، ولهذا فإن «الزمكان»، حيث الحقيقة الوحيدة والموضوعية للوقائع، لم يعد له تلك الأهمية الاجتماعية التي ارتبطت به منذ عصر الأنوار. عبارة «ما بعد الحقيقة»، تُفْهَم بوصفها «تتعلق ب/ أو تشير إلى الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيرًا في الرأي العام من استدعائها العواطف والاعتقاد الشخصي»13، وكانت عاملً رئيسًا في تحليلات أحدث الظواهر السوسيوسياسية؛ مثل فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات، والبريكسيت14Brexit. وأصل استراتيجيات ما بعد الحقيقة أقدم مما قد يبدو، ولعلها هي الممارسات السفسطائية القديمة في العالم اليوناني، حيث كان الفلاسفة يدربون القادة السياسيين الأوائل في فن الإقناع. «بروتاغوراس Protágoras (481 ق. م 411–. ق. م) يعلم الفن الذي بواسطته يمكن للمسوغات والحجج السيئة أن تصبح جيدة، بمعنى أن تحاجج بمهارة لصالح أي أطروحة أو ضدّها»15. هذا المنطق الحجاجي حاضر أيضًا في مفهوم ديفيد بلور حول التماثل16، حيث «الأنواع نفسها من الأسباب على سبيل المثال تفسر المعتقدات الصحيحة والخاطئة»17. بعبارة أخرى، في تحليل التفاعل الاجتماعي، يوجد على نحو متماثل موقفان متخاصمان حول الحقيقة والكذب، وهما موقفان يتعلقان بمعتقدات كل شخص ومشاعره18. إن موقفنا في مواجهة المعضلات الاجتماعية يصدر عن تأويل (اللوغوس Logos) وانسجامه مع أخلاق الشخص ومشاعره (الباتوس Pathos). لنفكر على سبيل المثال في قضايا تثير حساسية في المعرفة العلمية بمقدار ما تثيره في التغير المناخي19، مثلً، أو حركة رفض التلقيح20. إن ذلك سيجعلنا نلاحظ وجود تماثل في الحجج لصالحها أو ضدها. إن الحقائق المجزأة ينبغي إعادة بنائها من خلال البحث الهرمينوطيقي المنهجي. والغاية من هذه الدراسة هي استكشاف مثالين سمعيين – بصريين يمثلان تأويلين متعارضين لظاهرة اجتماعية،
أي الهجوم على مجلة شارلي إيبدو Hebdo Charlie. ليس الهدف من هذا التحليل كشف حقيقة ما حدث، بل خلق مساحة من التفكير تسمح لنا بأن نؤول أسباب ونتائج إنتاج وعرض هذا النوع من المحتوى السمعي البصري الذي يرتكز على الخوف الاجتماعي. التأويل الهرمينوطيقي لهذه المحتويات السمعية البصرية لديه، أيضًا، بُعد متعدد التخصصات يجمع بين استراتيجيات التواصل الإقناعي للجمهور، والعزم المرتقب للسياسات التربوية على مواجهة انتشار رسائل ما بعد الحقيقة. في هذه اللحظة الحرجة، نحتاج إلى التأمل في كل من «الأمية الإعلامية» المتعلقة بالمحتوى السمعي البصري والمشاعر التي يثيرها فينا محتوى وسائل الإعلام وتعليقها. التغيير في استراتيجيات التواصل يعني ضمنيًا تغييرًا تربويًا في الطريقة التي نؤول بها المحتوى.
أولا: السياسية التربوية والهرمينوطيقا في عصر ما بعد الحقيقة
إنّ ديستوبيا21Dystopia الحقيقةِ الحاليةَ تقودنا إلى طرح سؤالين رئيسين، أولهما: ما تحديات السياسة التربوية في زمننا الحالي، زمنِ ما بعد الحقيقة؟ وثانيهما: ما جوانب البحث الهرمينوطيقي التي يمكن أن تكون مفيدة من أجل تطوير المقترحات التربوية بوصفها نتيجة لذلك السيناريو السمعي البصري الهش؟ تنص فرضية الانطلاق على أن الثقافة السمعية البصرية تستند، في الظاهر، إلى لغة أكثر بساطة وتوحيدًا، ولكنها في جوهرها محددة من لدن استراتيجيات الميديا التي تهدف إلى إقناع الجمهور من خلال علاقة وجدانية (لوغوس – باتوس). ويعد استعمال البحث المنهجي الهرمينوطيقي إحدى الطرق التي تخوّل فهم الدلالات الخفية من وراء بث المحتوى السمعي البصري22. سيكون من الضروري بالنسبة إلى الجمهور أن يمتلك فهمًا هرمينوطيقيًا لاستراتيجيات الميديا التواصلية، وذلك بهدف التصدي للتأثيرات الخطِرة المتعلقة بالطريقة التي بواسطتها تعرض الميديا الصور والأصوات والتأويلات للجمهور في عصر ما بعد الحقيقة. لذا، يجب أن تجعل السياسة التعليمية من أولوياتها معالجة قضيتين على مستوى المناهج الدراسية: فمن ناحية، يعد محو الأمية الإعلامية أمرًا أساسًا، إضافة إلى التربية على خلق الوعي بالتأثير العاطفي النابع من المحتوى السمعي البصري. في صيرورة التعلم السمعي البصري، يمثل محو الأمية الإعلامية أول موضوع يتعلق بكيفية تصميم المحتوى السمعي البصري لجمهور ما. وعادة «يراعَى محو الأمية من قبل صانعي القرار فقط في أفق
الموارد التقنية والمهارات الآلية»23. ومع هذا، فإن محو الأمية الإعلامية أكثر تعقيدًا وتعددًا في أبعاده من ذلك24، ويعد استخدام المنهج التأويلي أمرًا حاسمًا لتعزيز هذه الفكرة. فلو أنّ شخصًا قام بتنزيل تطبيق مجاني على هاتفه، مثلً، فإنه سيستقبل الأخبار في زمن واقعي. للاستمتاع بهذا التطبيق، يسمح الشخص بالوصول إلى قائمة اتصاله وسجل المواقع ومجلد الصور من بين متطلبات أخرى. السؤال هو: هل هذا الشخص يعرف الآثار المترتبة على الكشف عن هذا النوع من المعلومات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هناك وعي حقيقي بالآثار الاجتماعية التي قد تأتي من إطلاق مثل هذه المعلومات؟ إن استراتيجيات الحصول على معلومات المستخدمين الشخصية فعالة جدًّا لأنها تزيد من رغبتنا في الامتلاك (الباتوس)، وتتجلى هذه الرغبة هنا في الحصول على تطبيق مجاني وبنود اتفاق مخففة (اللوغوس) مع «تقديم المعلومات في مقابل الاستخدام المجاني». لا يمكن معالجة معركة الباتوس – اللوغوس إلا بمقترحات تعليمية نقدية يجب إضافتها، في هذه الحالة، إلى تأمل محو الأمية الإعلامية25. إن تعقيد محو الأمية الإعلامية26 يرتبط بالموضوع الرئيس الثاني الذي يُحتاج إلى معالجته في السياسة التعليمية: التربية الوجدانية. وحتى الآن، استوفت التربية الوجدانية، على مستوى المنهج الدراسي، وظيفة تحديد الهوية؛ ولهذا فهي تركز على معرفة ما يستشعره الشخص. وفي سياق ما بعد الحقيقة، أصبح تحدي التربية الوجدانية هو تحديد العواطف من حيث العلاقة السببية؛ أي لماذا أعربت عن هذا الانفعال الوجداني إذا رأيتُ محتوى سمعيًا بصريًّا معينًا؟ إن الأمر يتعلق، كما هو شأن الهرمينوطيقا، بتوفير التعليم الذي يوفر، هو نفسه، مساحة أوسع من أجل التأمل والتأويل والتفكير النقدي المنصب على المحتوى السمعي البصري. وقد اعترف مارك زوكربيرغ، مؤسس «فيسبوك»، في ظهوره أمام الكونغرس الأميركي، بأن البيانات التي تم إنشاؤها على الشبكات الاجتماعية سلاحٌ مهم لملاقاة ناخبين محتملين27. لقد كان المحتوى السمعي البصري إغراءً لجعل الشبكات الاجتماعية على دراية بأكثر جوانب هوياتنا الاجتماعية حميمية. العواطف تسيطر على العقل. وفي هذه الحالة، تكون الرغبة في أن تكون جزءًا من الشبكات الاجتماعية أمرًا مثيرًا وممتعًا بالنسبة إلى المستخدمين. إنها، على ما يبدو، فضاء ودّي وغير مُؤذٍ،
ولكن كل تفاعلاتنا ستدمج في الخوارزمية لحظة تصميم ملامح اختياراتنا. إن عيون «الأخ الأكبر» Big Brother تستغل فرصة غياب التبصر عند استخدام المحتوى السمعي البصري. ونظرًا إلى نقص المهارات لدى عديد من المشاهدين عند التعامل مع المحتوى السمعي البصري في عصر ما بعد الحقيقة، يصبح السؤال هو: ما أبعاد البحث التأويلي التي يمكن دمجها في محتوى المناهج الجديدة؟ بهذا المعنى، تؤكد التأويلات الاجتماعية كلًّ من الفهم المتعمق لتجارب المشاركين28 وتأثيرات السياق الاجتماعي، مع مراعاة الأبعاد الضمنية لسياق الإنتاج29، وليس فقط الأبعاد الصريحة للمحتويات السمعية البصرية. في التحليل التأويلي يُستخدم المنظور النقدي لتحديد المواقف الأيديولوجية ومصادر العزلة وهياكل السلطة30. على سبيل المثال، إن المحتوى السمعي البصري الذي نشاركه على شبكات التواصل الاجتماعي هو مصدر معلومات لا يقدر بثمن لبِنيات فوكو (1984–1926)31 المُعرف ة بأنها سلطة حيوية. إن تفاعلاتنا الساذجة على المنصات الرقمية (أو باختصار استهلاكنا السمعي البصري) وفرت ما يكفي من معلومات عن هويتنا الاجتماعية. ومن دون أن ندرك ذلك تمامًا، عُرينا في مواجهة الخوارزميات واستخراج البيانات. المنصات الافتراضية جعلت من اقتفاء استهلاكنا السمعي البصري أمرًا مربحًا. والأهم من ذلك أن هذه المنصات قادرة الآن على توقع سلوكنا الاجتماعي داخل الشبكة وخارجها: «نحن ندخل عالمًا من التخمينات المستندة إلى البيانات بشكل مستمر حيث قد لا نتمكن من توضيح أسباب قراراتنا»32. ربما يعتقد بعض الناس أن هذه ليست قضية مهمة، ولكن المشكلة هي أنّ أحدًا لم يجعلنا ندرك التأثير الاجتماعي لمشاركة حياتنا اليومية على الإنترنت. يعد تطبيق منهجية البحث التأويلي اليوم ضرورة ملحّة في ضوء الافتقار إلى التفكير النقدي السمعي البصري الذي يميز المجتمعات الحديثة. المشكلة هي أكثر خطورة مما قد يبدو. سيكون من السذاجة الاعتقاد أن النماذج التنبّئِية لا تؤثر إلا في الاستهلاك السمعي البصري. وتهدف النماذج التنبّئِية الخاصة بسبر البيانات إلى تفكيك الأطر الأيديولوجية للمواطنة، من خلال الاستراتيجيات التواصلية للواقع الاجتماعي. كان برنامج Deep Root" "، وهو برنامج تستخدمه مؤسسة «تحليلات كمبردج» Analytics Cambridge، في حملة دونالد ترامب الانتخابية، مفيدًا جدًّا في التعرف إلى أكثر الحسابات الموجودة على المواقع الاجتماعية حساسيةً تجاه مشكلة الهجرة، ومن ثَمةَّ إرسال إعلانات مخصص
لها33. إن نتائج هذه الاستراتيجية التسويقية السياسية التي تبدو غير ضارة هي مجرد مثال واحد يساعدنا على فهم كيفية عمل هذه الهجمات الأيديولوجية الصامتة وتأثيرها في الناس34. هناك علاقة ترابط متداخلة بين وسائل الإعلام ونخب السلطة. السلطة الحيوية هي وسيلة لممارسة السيطرة والهيمنة على شعب من دون اللجوء إلى الخيار الأخير: القانون والموت35. توضع السلطة الحيوية موضع التنفيذ من خلال السياسة الحيوية، وتُفهم على أنها نظام حكم جديد أكثر دهاءً ينظم السلطة بتوسل الخوف والموت36. لقد عدّلت السياسة الحيوية من أداء السيادة والقوة وأصبحت الآن تمارس بطريقة غير مرئية عبر الخوف. إن الجهاز البنيوي الأيديولوجي القديم للدولة37 هو اليوم نسخة محسنة من ذاته. وفي الوقت الحاضر، الاستراتيجية التواصلية الأكثر فاعلية في السيطرة الاجتماعية هي المحتوى السمعي البصري القائم على الخوف. وفي هذا الصدد، يشير نيل برينر، ونيك تيودور، إلى مفارقة مثيرة للاهتمام: «في الوقت الذي تطمح فيه النيوليبرالية إلى خلق ‘يوتوبيا’ من الأسواق الحرة المحررة من جميع أشكال تدخل الدولة، استتبعت في الواقع تكثيفًا دراميًا للأشكال القسرية والتأديبية. تدخل الدولة من أجل فرض قواعد السوق على جميع جوانب الحياة الاجتماعية»38. ووراء كل قناة تلفزيونية أو راديو أو صحيفة أو شبكة اجتماعية، يتم تمثيل مختلف الأيديولوجيات السياسية بدرجات متفاوتة من التركيز39. لقد عولج تحليل الخوف والخطر وفق مقاربات نظرية مختلفة40. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك فرقًا قبل هجمات 11« سبتمبر» الإرهابية وبعدها.
لقد أدت هذه المأساة إلى التركيز على الخوف من تهديد محدد: التهديد الإرهابي للنزعة الجهادية المتطرفة. مضمون التفاعلات العاطفية الأولى للمشاهدين السمعيين البصريين هو الاحتماء بالهوية والاتحاد في مواجهة التهديد: «ساهم تصوير الخوف والوطنية والاستهلاك وإحساس الضحية في بروز الهوية الوطنية»41؛ إذ يثير الخوف المشترك اجتماعيًا شعورًا وطنيًا يظهر فيه الأفراد «قبولً مذعنًا لسلطة الحكومة»42. وهكذا يصبح الخوف شكلً من أشكال السيطرة والهيمنة. «المفارقة الأساس هي أنه بعد إشاعة ثقافة الخوف أصبح المجتمع يبدو أكثر أمانًا من أي وقت مضى»43، وهذه الحجة المتناقضة مشتركة أيضًا بين مؤلفين مثل ديفيد ألتيد44، وزغمونت بومان (2017–1925)45. هل الخوف «حقيقي» في سياق خطابات ما بعد الحقيقة أم أنه مجرد استراتيجية اتصال؟ «لا يمكن أن يكون هناك خوف من دون ضحايا حقيقيين أو ضحايا محتملين»46. نحن نعيش في حالة من الخوف المستمر47، والأهم من ذلك، أن تصورنا للخوف حقيقي وصحيح. يعد البحث الهرمينوطيقي مصدرًا أساسًا في تحليل المحتوى السمعي البصري المبني على مخاوف الجمهور. يلتبس المزج بين العاطفة والعقل بالمحتوى السمعي البصري، ويتطلب بحثًا تأويليًا متعمقًا. ويسمح لنا مثلث الإقناع الأرسطي المطبق على «الحقيقة» السمعية البصرية بتحديد ثلاثة عناصر رئيسة: الصدقية السابقة للمرسِل (الإيتوس Ethos)، وعلاقة عاطفية تربط الجمهور بما يُنقل إليه (الباتوس)، ومجموعة من الحجج (اللوغوس) التي تنتج حقيقة تبدو أكثر صدقية48. وتتكامل هذه العوامل الثلاثة بوضوح، وتلح على المشاهد في أن يقبل «الحقيقة» أو يرفضها. وعندما يكتشف شخص ما أي تناقض بين أي من هذه العوامل (الإيتوس، الباتوس و/أو اللوغوس)، فإن ذلك يتسبب في رفض «الحقيقة». في هذه الحقبة، حقبة ما بعد الحقيقة، فقدَ اللوغوس مكانته التقليدية البارزة. وعندما لا ترتبط الأدلة التجريبية بأفكارنا الأخلاقية والمعنوية والعاطفية (الباتوس)، فإن كثيرًا من الناس يرفضونها ويسعون إلى حقائق بديلة جديدة تبرر وجهة نظرهم.
ماذا يحدث عندما يصبح شعور مثل الخوف جوهر المحتوى السمعي البصري؟ الخوف هو الشعور الأساس الذي يخضع فيه الشخص لقوة أكبر من قوته49. الخوف هو أيضًا أداة تضعف التفكير النقدي في مساءلة الحقيقة الاجتماعية وتأويلها. أصبح الخوف عنصرًا اجتماعيًا مشتركًا في المجتمعات الغربية. «الخوف أيضًا يشكل عاطفة مجتمعية، بعبارة أخرى، عاطفة تميّز بالأساس إيتوس مجتمعات ما بعد الحداثة»50. التفكير النقدي هو واحد من ضحايا ثقافة الخوف اليوم. المجتمع الذي أصابه الرعب هو أسير لمشاعره الخاصة، وضحية عواقب الخوف. وكما يشير هنري جيروكس، فإن «التفكير الناقد والمناوأة يخضعان أو ربما يُلغيان من قبل المتعة اليومية والإثارة المفرطة الناتجتين من ضبابية وخيال الذعر الأخلاقي وثقافة الخوف وفرجة العنف»51. في لحظة عصيبة كما هو الزمن الراهن، من الضروري أكثر من أي وقت مضى الاستمرار في تعزيز روح المواطنة النقدية. وفي عصر ما بعد الحقيقة، «يجب تقييم الدراما وحروب التلفاز والبيداغوجيات النقدية والمنهجيات التأويلية للحقيقة من حيث قدرتها على إنتاج الحب والعدالة والدعم والحرية»52. باختصار، إن سياق ما بعد الحقيقة الحالي هو سيناريو إعلامي يسيطر عليه المحتوى السمعي البصري الذي يجتذب المشاعر الأساس للمشاهد مثل الخوف (الباتوس) أكثر من الحقائق التقليدية (اللوغوس). يجب أن تقرر السياسة التعليمية ضمن المقررات المدرسية محتوى يتجاوز «الحقائق» ويفحص مستوى التحكم الوجداني الذي تنتجه وسائل الإعلام. ولتحقيق ذلك، سيكون من الضروري استخدام المنطق التأويلي للبحث الهرمينوطيقي.
ثانيًا: المنهج
إنّ البحث الهرمينوطيقي، بوصفه فرعًا من الفينومينولوجيا التي بدأها إدموند هوسرل Edmund Husserl)1938–1859(53، هو نقطة البداية لهذا التحليل النوعي. «الهدف الخاص للعلوم الاجتماعية هو محاولة فهم التحولات الهائلة التي لا تزال مستمرة إلى اليوم»54. ويهدف هذا البحث إلى فهم إمكانات منهجية البحث الهرمينوطيقي في تحليل عرض المحتويات السمعية البصرية المبنية على كل من الخوف الاجتماعي والتفكير النقدي. وتُعد المساهمات النظرية المتعلقة بالبراديغم النوعي في البحوث الاجتماعية أساس معالجة هذه القضية. على وجه التحديد، استخدم الباحث الهرمينوطيقا
التأويلية السمعية البصرية بوصفها تطورًا طبيعيًا للمقاربة التقليدية لهايدغر55، والتي تُعد فيها العلاقة الحوارية بين النص والسياق (الدائرة التأويلية) أساس تفسير موضوع الدراسة. ويشير كل من فرانسيس رابور وبول وينرايت إلى أن الدائرة التأويلية هي عملية تأويل مستمرة من خلال فهم المقترحات وإعادة النظر فيها56. تراعي المنهجية الهرمينوطيقية الأبعاد التكنولوجية والافتراضية لكل سياق يتم فيه إنتاج المحتوى السمعي البصري. تَظهر معانٍ جديدة من البيانات والسرديات والتأويلات التقليدية57، وهي اليوم كيانات معقدة جدًّا ومرهونة بدلالات جديدة، وذلك بسبب تأثير العناصر البصرية والسياق الرقمي. وتتسق المقاربة المنهجية مع مقترح نورمان كنت دنزين Norman Kent Denzin المتمثّل بأن «الباحثين النقديين ملتزمون بإظهار كيف يمكن لممارسات البحوث النوعية النقدية التأويلية أن تساعد في تغيير العالم بطرق إيجابية»58. باختصار، «نحن في حاجة إلى الانخراط في نوع مختلف من قول الحقيقة»59. يستخدم الإجراء المنهجي تسلسلً تأويليًا منطقيًا. أولً، يبدأ البحث من فرضية أن «الدليل ليس محايدًا معنويًا وأخلاقيًا البتة»60، وكما قال غادامير: «إن اكتشاف المعنى الحقيقي لم ينته قط، إنه عملية لانهائية»61. وعلى الرغم من هذا القيد، يركز المستوى الأول من التحليل على كيفية تقديم المعلومات للجمهور. ثانيًا، يتطرق إلى كيفية بناء البلاغة السمعية البصرية بناءً على الاقتراح التأويلي لنورمان كنت دنزين62، بما في ذلك الأنطولوجيا (طبيعة الوجود)، والإبستيمولوجيا (معرفة الوجود)، والمنهجية (مسائل الوجود) والأخلاقيات (السلوك الأخلاقي وأهداف الوجود). وتُظهر نتائج هذه التحليلات التأويلية الترابط بين الأجزاء الأربعة الأساس للوحدة التأويلية (الصورة، والنص، والرسالة، والسياق) في استراتيجية التوعية لدى وسائل الإعلام. للقيام بهذا التحليل اخترت مقطعَي فيديو يظهران روايتين متناقضتين للهجوم الإرهابي على مقر شارلي إيبدو، وهما متوافران على الإنترنت. لتحديد المحتوى السمعي البصري، اعتُمد معيار محدد: يجب أن تعرض مقاطع الفيديو التسلسل الكامل لصور اللقطات عند الشرطي المصاب على الأرض. في
البداية، أجرِي بحث على «يوتيوب» باستخدام التسلسل التالي للكلمات الآتيةُ63: "Charlie Hebdo attack". وقد أظهرت النتائج أن ثمانية من عشرة مقاطع فيديو الأكثر زيارة على هذه المنصة أوقفت مقطع إطلاق النار بأكمله، وهو مقطع تم بثه، على نحو يثير الفضول، مرارًا وتكرارًا من لدن وسائل الإعلام المهيمنة في يوم الهجوم الإرهابي. وبمراعاة هذا القيد، لا يكون الفيديو الأول الذي اختير إلّ بثًّا إخباريًّا على القناة المكسيكية64C3N–C28، بإجمالي 7669 مشاهدة على قناتها على يوتيوب (في 17 شباط/ فبراير 2018). وعلى الرغم من انتشار هذا الفيديو المحدود على الإنترنت، فإنه مثال على «النسخة الرسمية» التي تُبث حول العالم. ومن المفارقات أن هذه القناة التلفزيونية توقفت عن بثها في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهي حقيقة مهمة تشرح إمكانية الوصول إلى هذا المحتوى السمعي البصري. الفيديو الثاني المختار هو نسخة حاسمة من الهجوم الإرهابي. الفيديو الذي يحمل عنوان «إطلاق النار على شارلي إيبدو – فيديو خاضع للرقابة». ويبلغ إجمالي مشاهداته 3077218 على موقع يوتيوب (في 17 شباط/ فبراير 2018)65، والمرتبة الأولى في البحث الموصوف سابقًا. يقدم المؤلف بوصفه مستخدمًا مجهولً يسمى StormCloudsGathering" ". هذا الفيديو كان له تأثير قوي على الإنترنت، وذلك لوجود «نسخة بديلة» مدعومة بأدلة ومقارنات جديدة. ثمّ إنّ لاختيار هذه المادة السمعية البصرية أفقًا متعدد التخصصات يوحّد استراتيجيات الاتصال والسياسات التعليمية. كما أشرنا سابقًا، يمثل التحليل النقدي للمعلومات أولوية في عالم حيث «حقيقة» الوقائع الموضوعية منقولة إعلاميًا بالعواطف أكثر فأكثر. إن التعليم فقط، وبخاصة سياسات التعليم، يمكن أن يشجع التغييرات التي تخلق جمهورًا لم يعد كيانًا سلبي.ًّا ومتلاعَبًا به
ثالثًا: نشر الخوف في وسائل الإعلام المهيمنة
تتعلق قضية التحليل الهرمينوطيقي الأولى بكيفية عرض المعلومات عن الهجوم الإرهابي للجمهور. على وجه التحديد، أنا مهتم بتحليل الاستراتيجيات الإعلامية المستخدمة في بناء و (تفكيك) بناء de)construction (القصة السمعية البصرية، وبموارد التواصل التي تستخدم لخلق «أنواع مختلفة من الحقيقة» في سيناريو ديستوبي Dystopian مثل ساعات ما بعد الهجوم الإرهابي. تتحول صدمة السكان إلى خوف اجتماعي واسع الانتشار يتم التعبير عنه ومشاركته بواسطة العديد من المنصات عبر الإنترنت، معبرة عن نوع من الخوف غير المنطقي، أيضًا، يسعى إلى الحصول على تفسيرات واضحة
وقوية في وسائل الإعلام الرئيسة. باختصار، هو خوف يثير مشاعر جماعية ويتطلب تفسيرًا معقول وسريعًا وصادقًا. بمراعاة هذه المقاربة، يمثل الفيديو الأول المختار النسخة الرسمية والمهيمنة للهجوم الإرهابي. هذه نسخة ذات تأثير كبير في الناس؛ لقد بثها عدد كبير من وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم. على وجه التحديد، عُرض الفيديو على القناة C3N–C28 (مجموعة صور الوسائط المتعددة) في وقت الذروة (الساعة: 21:05) يوم الهجوم الإرهابي، واستمر 57 ثانية. تعرض القصة السمعية البصرية للجمهور رسالة واضحة ومباشرة: حدث هجوم إرهابي على موقع المجلة الأسبوعية الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو علامة على الانتقام من الرسوم الكاريكاتورية المنشورة عن النبي العربي محمد. قُدمت المعلومات مع عنوان النشرة الإخبارية والشعار الآتي: «كادينا 3 Cadena، القناة التلفزيونية الأكثر انفتاحًا على الإطلاق». بعد هذه البداية، ظهر مشهد رجل يُنزل العلم الفرنسي متبوعًا بتعليق صوتي، موضحًا أن «فرنسا في حالة حداد». يظهر اسم المراسل، أوسكار غاييغو Gallego Oscar، في أسفل الشاشة أثناء بث الصور الأولية. يفترض الباحث أن هذا المراسل هو أيضًا الراوي الصوتي. تبدأ الأخبار بالكلمات التالية: «قتل مسلحون مقنّعون ما لا يقل عن 12 شخصًا وأصابوا ثمانية أشخاص في الأسبوعية الساخرة شارلي إيبدو »، بينما تظهر سلسلة من صور الشرطة والكوادر الصحية الذين يتحركون في الشارع. تصبح المعلومات أكثر إثارة للقلق حتى تصل إلى ذروتها عندما يتوقع الصحافي ما هو على وشك أن يشهده الجمهور. البيان الذي أعلن هو: «هذه هي لحظة الهجوم حيث صاح المعتدون ‘لقد انتقمنا لمحمد’». تظهر الصور المثيرة للجدل المتعلقة بإطلاق النار على شرطي جريح على الأرض. وتختتم الأخبار بتذكير بعدد الضحايا، حيث تظهر صور ستيفان شاربونيي Stéphane Charbonnier، مدير شارلي إيبدو الذي قتل، مع أربع صور لرسامي الكاريكاتير الرئيسين للمجلة. يحاول المستوى التالي من التحليل الإجابة عن هذين السؤالين: كيف تولد الخوف من الأخبار؟ ومن خلال أيّ استراتيجيات للاتصال تولّد؟ عند تحليل بناء سردية الخوف، من المهم أن تأخذ في الحسبان صدقيّة وسائل الإعلام الرئيسة قبل الأخبار (الإيتوس). بعبارة أخرى، يعتقد المشاهدون أن الأخبار صادقة لأن وسائل الإعلام الرئيسة هي شركات ملتزمة مهنيًّا في العمل الصحفي. ثمة عامل مهم آخر في تحليل الأخبار هو دور المشاهد. في الفيديو الأول، تم تصميم استراتيجية التواصل لتوليد تأثير عاطفي كبير من خلال عدّ الجمهور ذاتًا سلبية وغير نقدية. استراتيجية تشكيل الخوف، لها بنية مشابهة لجرس غاوس bell s ’ Gauss. وشدة المحتويات السمعية البصرية تزداد تدريجيًّا حتى تصل إلى الحد الأقصى من الشدة؛ ومن ثم تقلل من قلق المشاهدين من خلال استدعاء صور الضحايا. تتألف البنية السمعية البصرية للأخبار من أربعة مستويات، ينتقل فيها الخوف بطرق مختلفة. أولً يبدأ عرض الأخبار بتعليق «فرنسا في حالة حداد»، تصاحبه صورة نزول العلم. هذه استراتيجية اتصال مصممة لخلق حالة من الانتباه والقلق لدى الجمهور. الفكرة الأولى التي تثيرها هذه الرسالة هي: «ما الذي حدث في فرنسا وجعل مواطنيها في حداد؟» هذا هو السؤال الذي سيطرحه أي مشاهد. وهو
أيضًا المستوى العاطفي الأول من الخوف المؤسس على الاهتمام بشيء لا نعرفه بعد. ومن خلال جذب انتباه الجمهور، يعرض الفيديو الأول مجموعة من الصور تظهر الشرطة والكوادر الصحية في شوارع باريس. إنه مشهد تسوده الحيرة والفوضى بصريًا. ويحتوي التسلسل السمعي البصري أيضًا على صوت صفارات الإنذار والتعليق الذي يروي قصة الهجوم الإرهابي. الرسالة الضمنية التي تم نقلها إلى المشاهد هي: «حدث هجوم إرهابي في فرنسا، وهو أمر خطِر؛ لأن الشرطة وسيارات الإسعاف منتشرة في الشارع». المخاوف الأولية الناجمة عن إنزال العلم تفسح المجال لتأويل حقيقة ملموسة (اللوغوس)، في هذه الحالة هجوم إرهابي. إنها اللحظة التي يركز فيها الجمهور أعلى مستويات انتباهه على الأخبار، وهي أيضًا اللحظة التي يحتاج فيها الجمهور إلى تفسير عقلاني ومنطقي ومنسجم. هذا المقتطف يمثل أيضًا المستوى العاطفي الثاني للخبر، وهو المستوى المتمحور حول جذب انتباه المتفرج من خلال إظهار نتائج الهجوم الإرهابي. النقطة الأكثر إثارة للصدمة والخلاف في السرد السمعي البصري هي مقطع من فيديو الهواة، حيث يرمي بالرصاص أحدُ المهاجمين شرطيًا مصابًا. يشير صوت المراسل إلى أن «هذه هي لحظة الهجوم عندما صاح المعتدون ‘لقد انتقمنا لمحمد’»، ثم بعد ذلك تظهر صور رجلين مقنّعين يصرخان في منتصف الشارع. بعد ثوانٍ، يُطلق النار على الشرطي المصاب على الأرض ويهرب الرجلان المقنعان في سيارة سوداء. إلى جانب فظاعة الصور، يجب أن نضيف عجزًا صوتيًا، ذلك أن المتفرج لا يملك مساعدة المراسل لفك شفرة الصور. غياب الصوت يعطي مزيدًا من الواقعية للأخبار عن طريق تحويل المتفرج إلى شاهد على ما حدث وجهًا لوجه. الرسالة الضمنية التي نقلت إلى الجمهور هي: «انظر كيف أن شرطيًا جريحًا رُمي بالرصاص وهو على الأرض. هذا الفيديو هو أكبر دليل على الصدق». صورة الطلقة هي دليل دامغ على حقيقة الوقائع. لم يعد المستوى العاطفي الثالث للأخبار يهدف إلى جذب الجمهور، بل صار يهدف إلى تعريضهم للخوف بجعلهم شهودًا على جريمة قتل. هذا المستوى يبتغي ردة الفعل العاطفية من الجمهور (الباتوس) في جوانبه المختلفة، مثل الخوف والغضب والحزن. إن الواقع الموضوعي (اللوغوس) ليس موضع تشكيك، لأننا كنا «شهودًا» على جريمة قتل. التفكير النقدي غير موجود؛ لأنه خاضع لإيتوس وسائل الإعلام التقليدية. المستوى العاطفي الأخير من الأخبار يقلل من الضغط الذي وُلِّد عمدًا من تقرير الأخبار، وذلك من خلال السعي إلى تمجيد ذكرى ضحايا الهجوم الإرهابي. وتجمع أحدث لقطات الأخبار بين أشرطة فيديو ستيفان شاربونيي مع تركيب تصويري نهائي يظهر صورًا للضحايا الأربع. الهدف في هذه المرحلة هو تقليل التوتر العاطفي للجمهور عبر النظر إلى عواقب الهجوم الإرهابي، أي الضحايا في هذه الحالة. الرسالة الضمنية هي هشاشة الحياة بسبب التهديد الإرهابي الحالي. نحن نعيش اليوم في حركة، مثلما كان ستيفان شاربونيي في مقاطع الفيديو السابقة، وبعد ثوانٍ يمكن أن نكون هامدين أو أمواتًا مثل صور فوتوغرافية للضحايا. المستويات العاطفية الأربعة التي حُلِّلت في الفيديو الأول هي مثال على الاستراتيجيات التواصلية المتعددة المستخدمة لنقل الخوف في المجتمع. وكما ثبت، لا تعتمد الأخبار اليومية في وسائل الإعلام المهيمنة على الحقائق فحسب، بل إنها تعتمد أيضًا على الاستراتيجيات الأيديولوجية
والعاطفية المختارة عمدًا لتقديم المعلومات. المقاربة الأيديولوجية للمعلومات موجودة سابقًا. ومع ذلك، ما كان يُعد فروقًا صحفية في الماضي هو اليوم، في عصر ما بعد الحقيقة، استراتيجيات اتصال مصممة بعناية، وعن عمد، للتواصل مع عواطف الجمهور السلبي.
رابعًا: (تفكيك)بناء de)construction (الحقيقة المهيمنة
الفيديو الثاني هو مثال مضاد للنسخة الرسمية من الهجوم الإرهابي. تتمثل الاستراتيجية التواصلية لهذا.المحتوى السمعي البصري في تقويض صدقية النسخة المهيمنة المرو جة من وسائل الإعلام الرئيسة قبل الشروع في التحليل، من المهم تأكيد أن هذا الفيديو لا ينفي الهجوم الإرهابي على نحو صريح. يتساءل الفيديو الثاني عن صحة الصور الأكثر إثارة للصدمة التي تظهرها الأخبار، أي إطلاق النار على الشرطي المصاب على الأرض. هذه النقطة لها أهمية قصوى في التحليل الهرمينوطيقي لأن استجواب جزء من الحقيقة سينتهي (ضمنيًا) بالتشكيك في مجمل الأخبار ومتابعة الوظيفة الأيديولوجية التي تقوم بها وسائل الإعلام السائدة. يتعلق الأمر، إذًا، بهجوم مباشر على إيتوس الإعلام من خلال تأويل لوغوس بديل باستخدام التفكير النقدي. لقد تم رفع الفيديو الثاني على صفحة StormCloudsGathering في يوتيوب بعد ثلاثة أيام من الهجوم الإرهابي مع مدة 2:51 دقيقة. يوفر الفيديو الثاني أدلة جديدة تفحص صدقية الصور التي تبثها وسائل الإعلام الرئيسة. هذا التأويل البديل لصور الهجوم الإرهابي يستند إلى صيغ منطقية ومنظور نقدي. إنها النسخة الاستفزازية التي تكسر الأنماط التقليدية ل «الحقيقة». إن الهدف من الفيديو الثاني هو تحدي الجمهور وقلب المعنى المحدد سابقًا للحقيقة. المقاربة النقدية واضحة منذ البداية كما هو مبين في العنوان: «الهجوم على شارلي إيبدو – الفيديو الممنوع». كلمة «ممنوع» هي أول ادعاء يجتذب انتباه القارئ في التأويلية السمعية البصرية. العنوان يثير أسئلة من دون إجابة: «هل كانت هناك رقابة على المعلومات المقدمة من وسائل الإعلام حول الهجوم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما المادة التي خضعت للرقابة؟» تبدأ القصة السمعية البصرية بصور تظهر فيها سحب داكنة يتبعها تعليق يقول: «سأريكم بعض لقطات إطلاق النار في شارلي إيبدو التي كانت مقيدة أو معطلة من لدن عدد من المواقع الإلكترونية. كما سترى، فإنه لا يحتوي على دماء ولا على مشاهد عنيفة. ومع ذلك، فإنه يُحدث ثغرة كبيرة في القصة الرسمية. ويمكنك صياغة استنتاجاتك الخاصة». وفي نهاية هذه المقدمة يظهر الإصدار الرسمي الذي بثته القناة التلفزيونية فرانس 24. وعلى وجه التحديد، تُعرض صور الشرطي المصاب على الأرض مع مؤثر بصري ثانوي. هذا المؤثر يعمل على التفريق بين الرواية الرسمية لوسائل الإعلام الرئيسة وما سيكون لاحقًا، وعلى كامل الشاشة، التحليل النقدي الذي قام به StormCloudsGathering. المسافة الرمزية المستخدمة مع هذا المؤثر البصري تسمح للجمهور بأن يحدد لأول وهلة الإصدارات المختلفة وأنواع الحقيقة الموجودة حول الهجوم الإرهابي.
إن الاستراتيجية الأولى المستخدمة لضرب صدقية الرواية الرسمية هي تأكيد أن الصور كانت مفبركة. تتناقض هذه الحجة الحادة مع الرواية الرسمية، التي أعلن فيها أن صور الطلقات التي وجهت إلى الشرطي الجريح سُجلت من قبل هاوٍ كان بصدد تصوير الحادثة. ومن أجل توفير مزيد من الصدقية لهذا الموقف المشكك، أجرى مؤلف الفيديو الثاني تحليلً شاملً ومفصلً للصور المثيرة للجدل. استخدام حركة الكاميرا البطيئة، والتكبير، والتكرار المنتظم للصور، هي الموارد السمعية البصرية الرئيسة المستخدمة لمساءلة الرواية الرسمية. إن الرسالة الضمنية لاستراتيجية التواصل هذه هي: «إذا نظرت عن كثب في الصور، فسوف تدرك أنه تم التلاعب بها». الهدف من هذه النسخة المضادة للرواية السائدة هو جعل المشاهد يرى مرة أخرى الجزء الأكثر صدمة وعاطفية من الأخبار. على وجه التحديد، حُللت مقتطفات إطلاق النار على الشرطي المصاب بتفصيل كبير. كما هو الحال مع الفيديو الأول، يؤدي صوت التعليق دورًا مهمًا جدًّا في فك تشفير الصور. إن صوت التعليق، وهو يقول: «الضابط لا يصاب فعلً بالرصاصة»، صوت مباشر ويرافقه التكرار في حركة بطيئة للحظة إطلاق النار باحثًا عن مسار الغبار الذي يمكن رؤيته أمام رأس الشرطي الملقى على الأرض. وبناءً على الشك الأولي للمشاهد، فإن الفيديو الثاني يشكل تحديًا كبيرًا للجمهور من خلال التساؤل عما يمكن أن تكون عليه لقطة سلاح K–47 من مسافة قصيرة كهذه. للإجابة عن هذا السؤال، يستخدم الفيديو الثاني أسلوب المقارنة، مما يؤدي إلى التشكيك في صدقية الرواية الرسمية عبر إظهار النتائج المترتبة على إطلاق السلاح نفسه من مسافة مماثلة، ولكن في هذه الحالة تُطلق النار على البطيخ. تعزز هذه الرسالة الشك الأولي للمشاهد وتنقل مقاربة ضمنية للجمهور مفادها: «هذا ما كان يجب أن يحدث». لقد صُدم الجمهور بسبب عدم وجود جواب منطقي وعقلاني. وعلى نحو حاذق، فإن المقارنة استنادًا إلى إطلاق النار على البطيخ تجعل الفيديو غير عنيف؛ ومن ثمة لا يخضع للرقابة من يوتيوب. ومع ذلك، هناك أيضًا رسالة ضمنية أخرى ينقلها: «لو كان التصوير الذي يظهر على الأخبار صحيحًا، لكنت قد رأيت صورة أكثر دموية». وبغية مواصلة تعزيز صدقية النسخة المضادة للرواية السائدة، يُوج ه انتباه المشاهد إلى حجم الرصاصة بإظهار صورة ثابتة يمكن عبرها رؤية الأبعاد الحقيقية بجانب مسطرة. بعد عرض حجم الرصاصة، يُعرض مشهد الطلقة على ضابط الشرطة بحركة بطيئة ويُكرّر مرة أخرى. الراوي يوجه خطابه إلى وسائل الإعلام المهيمنة قائلً: «إنّ أيّ شخص يدعي أن هذه اللقطات تظهر شخصًا ما تعرض للضرب في الرأس [بسلاح من عيار] 7.62 بواسطة 39 مليمترًا إما أنه لا يمتلك خبرة بالبنادق، وإما أنه كاذب». هذا التأكيد المباشر يمثل جوهر التفكير النقدي. بمجرد إبطال الحقائق (اللوغوس)، يسعى الفيديو الثاني إلى إجراء اتصال عاطفي مع الجمهور. يستند الرابط العاطفي إلى التعاطف مع الجمهور ذي الحس النقدي. صوت المعلق يقول للمشاهد: «لم يقتل هذا الضابط بطلقات الرصاص في الرأس. فكرتي الأولى كانت: لم يصيبوا الهدف»، هذه الرسالة مصحوبة بتكرار مشهد إطلاق النار. وفي الاعتراف بهذه الفرضية وقبولها يعطي صوت التعليق لمسة انتقام تكريمًا للحقيقة: «جميع وسائل الإعلام المهيمنة تدعي أن الشرطي قد صُفي بإطلاق النار على رأسه، وهذا أمرٌ كاذب بشكل صارخ»، يخفي هذا البيان مطالبة بمعرفة «الحقيقة الفعلية» لما حدث «حقًّا».
الجزء الأخير من الفيديو الثاني هو دعوى تروم تعزيز التفكير النقدي لدى الجمهور. إن الاستدلال النقدي يؤدي إلى قياسات منطقية ومقارنات وأسئلة جديدة حول الحقيقة، بما في ذلك الأسئلة التي أثارها الفيديو الثاني. النسخة المضادة للرواية السائدة تولد شكوكًا أكثر مما تولد اليقينيات، وهذا أمر مزعج دائمًا للمشاهدين الخائفين. لهذا السبب، خُصّصت اللحظات الأخيرة من الفيديو الثاني لتمكين الجمهور من النظر إلى حيل وسائل الإعلام بوصفها استراتيجية إعلامية حقيقية. تندمج الصور مع تعليق نهائي يقول: «أنا لن أدعي أنني أعرف ما حدث هنا بالفعل، لكنْ يُكذب علينا. وأكاذيب من هذا النوع تعني أن المشكلة قادمة». هذه الرسالة النهائية تهدف إلى بث عدم الثقة وقدر من الخوف إذا لم نفكر تفكيرًا نقديًّا في الأخبار في المستقبل. تشجع الرسالة الجمهور عبر ترويج سلوك أكثر نشاطًا ونقدية تجاه المحتويات السمعية البصرية للأشرطة الإخبارية. الفيديو الثاني يضع وجهة نظر مشككة.أمام الجمهور بطريقة حاسمة، ويكسر كل من حقيقة الأخبار وصدقية وسائل الإعلام المهيمنة الإنترنت – وفي هذه الحالة يوتيوب – أصبحت فضاءات للمقاومة، حيث لن نجد التفكير المنطقي والنقدي ونتقاسمه فقط، بل التفكير العاطفي أيضًا.
استنتاجات
لقد أظهر التحليل الهرمينوطيقي المنجز كيف أن استراتيجيات البث لدى وسائل الإعلام تستخدم الخوف والتفكير النقدي في عصر ما بعد الحقيقة. الشريطان كلاهما مثال جيد بشأن الصراع بين وسائل الإعلام المهيمنة ووسائل الإعلام المناهضة لها من أجل إعداد تقارير موثوقة عن أحداث مثل حدث الهجوم الإرهابي. ومن المفارقات، بغضّ النظر عن صدق الفيديو الأول أو الفيديو الثاني، أنّ كلا الشريطين يثير ردة فعل عاطفية لدى الجمهور على شكل كراهية وضغينة ورغبة في الانتقام. فمن جهة، تنطلق العواطف تجاه الجهاديين المتطرفين، ومن جهة أخرى تجاه النخب الاقتصادية والسياسية والإعلامية المذنبة بالخداع. يجب حاليًا أن يُحين اقتراح ميشيل فوكو66 المتعلق بسيطرة المواطنة ليشمل سياقًا أكثر اضطرابًا توجد فيه الهيمنة والمقاومة. تعرض وسائل الإعلام الرئيسة نسخة من الحقيقة، ولكن على الفور تظهر وجهات نظر أخرى من وسائل الإعلام غير السائدة، على غرار نشر أفراد مواد على مواقع الإنترنت (يوتيوب مثلً). هناك صراع مستمر، وحده الجمهور غير المطلع يخسر فيه. ولمواجهة هذه المشكلة الخطِرة، يجب تنفيذ سياسات تعليمية جديدة لتغيير المنهج الدراسي من خلال الاعتماد على محو الأمية الإعلامية، والتربية على الجوانب العاطفية للمحتوى السمعي البصري. وقد ثبت أن «الجماعات التي تطمح إلى السلطة تسعى إلى اكتساب النفوذ والشرعية من خلال وسائل الإعلام»67، كما تبين أن وسائل الإعلام لا تنقل حقائق موضوعية فحسب، بل تولد أيضًا آراء ومشاعر حول الحقائق الاجتماعية. ومع ذلك، سيكون من الخطأ وضع كل المسؤولية على وسائل الإعلام الرئيسة والنخب المهيمنة. إن التفكير النقدي يجب أن يولد من النقد الذاتي. ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى
سياسات تعليمية مُحَيةَّنة حول محو الأمية الإعلامية والتربية، تراعي التعقيد الحالي للعواطف الناتج من المحتوى السمعي البصري. ولا يمكن أن نكون مجرد مستهلكين سلبيين للمعلومات والأخبار المتلاعب بها، وإلا فإننا سنكون ضحايا للهيمنة. لدينا مسؤولية للبحث والاختلاف والتأمل في واقعنا. وكما يشير هنري جيروكس، «نحن في حاجة إلى سرديات سياسية وتعليمية جديدة حول ما هو ممكن من حيث إنتاج مستقبل مختلف؛ ما يعني تعزيز طرق جديدة للمسؤولية العالمية، وما يتطلبه الأمر من إنشاء لمواقع واستراتيجيات تصبح فيها مقاومة السياسة الحيوية النيوليبرالية ممكنة»68. يجب أن يجعل التفكيرُ النقدي المقاومةَ والتحولَ الاجتماعي هدفين له. وتنطوي المقاومة على قتال القوى القائمة والنيوليبرالية السائدة مرة أخرى. ومع ذلك، فإن التحويل يعني ضمنيًّا تعزيز الأفكار النقدية في مواجهة القوى الواقعية. إن المحتوى السمعي البصري اليوم أداة مفيدة جدًّا في خلق التفكير النقدي المشترك ونشره. من المهم استغلال إمكانات المحتوى السمعي البصري وعدم الاعتماد على نحو كبير على الدمقرطة المدعاة. الوحشان التوأمان، أي التخزين الافتراضي69 والبيانات الضخمة70، ينتصبان مرشحَيْن راسخَيْن لإسقاط القوى الواقعية التقليدية. نحتاج، مثلً، إلى أن نكون على دراية بأن لدى كل شخص إمكان الوصول إلى يوتيوب لمشاهدة المحتوى السمعي البصري المحدد في هذا البحث الذي تم تسجيله بواسطة النظام. ونتيجة لذلك، يعرف يوتيوب أننا رأينا إصدارين مختلفين من المحتوى الاجتماعي نفسه، وأننا قد تكون لدينا شكوك حول النسخة الرسمية من الهجوم. سواء أحببنا ذلك أم لا، أصبح تحليل استخراج البيانات شكلً جديدًا من أشكال الرقابة الاجتماعية غير المرئي. صارت شبكة الإنترنت حافزًا لجميع أنواع المعلومات والتضليل71. نحن نقوم بتجميع معلومات أكثر مما كانت عليه في العشرين قرنًا الماضية، وقد يؤدي ذلك إلى مشكلة خطِرة عندما يتعلق الأمر بتمييز ما هو صحيح من غيره، ومقدار صحته. إن اتباع مقاربة نقدية مهمة تربوية أكثر تعقيدًا في الوقت الراهن مما كان عليه الأمر عندما دعانا أفلاطون Platon إلى مغادرة الكهف، أو عندما اقترح ديفيد هيوم)1776–1711(72 «الفكر المستقل»، أو عندما قام فريدريك نيتشه (1900–1844) بتعريف «الإنسان الأعلى»73، أو عندما اقترح باولو فريري (1997–1921) «بيداغوجيا المضطهدين»74. والجانب الأساس للتفكير النقدي في عصر ما بعد الحقيقة هو الطريقة التي يتم بها تقديم الأخبار للجمهور. إنّ
كفاحات عواطف المشاهدين مع المحتوى السمعي البصري لا يمكن حلها إلّ عن طريق طرح أسئلة نقدية مثل: ما الحقائق الموضوعية؟ ما العواطف التي نشأت في داخلي من خلال هذه «الحقيقة» الموضوعية؟ وهل هناك أي نية خفية في السرد تهدف إلى توليد عاطفة محددة؟ من حُسن الحظ أنّ الإنترنت لا تزال هي فضاء المقاومة، حيث يمكن للمشاهدين البحث عن المعلومات وتمييزها، وهي تقنية تقدّم لنا – على الرغم من وجود وسائل الإعلام الخاصة بالمؤسسة (منتدى دافوس)75 – فرصة مساءلة «الحقائق المطلقة»، وتطوير التفكير النقدي المشترك على نحو مستقل.