العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة في كتاب:

مراجعة في كتاب:

Book Review The Critical Writing of Muhammad Barrada: Reference and Discourse By Driss El Khadraoui

رشيد الخديري

Rachid el-Khadiri

الملخّص

عنوان الكتاب : الكتابة النقدية عند محمد برادة: المرجعية والخطاب. المؤلف: إدريس الخضراوي. الناشر: أفريقيا الشرق. مكان النشر: الدار البيضاء. تاريخ النشر: 2020. عدد الصفحات: 348 صفحة.

Abstract

Book Title: The Critical Writing of Muhammad Barrada: Reference and Discourse Author: Driss El Khadraoui Publisher: Afreqia Alsharq Location and Date of Publication: Casablanca, 2020 Pages: 348

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة النقدية
  • محمد برادة
  • المرجعية
  • الخطاب
Keywords:
  • The Critical Writing
  • Muhammad Barrada
  • Driss El Khadraoui

عنوان الكتاب: المؤلف:

إدريس الخضراوي. الناشر:

أفريقيا الشرق. مكان النشر: الدار البيضاء. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

348 صفحة.

الكتابة النقدية عند محمد برادة: المرجعية والخطاب.

Poet, critic, and member of the Moroccan Writers’ Union. His works include Zara’s garden (2008) and Beyond Instructions: The Comedy of Being (2009).

مقدمة

يسعى الناقد إدريس الخضراوي من خلال كتابه الصادر عام 2020 الموسوم ب  الكتابة النقدية عند محمد برادة: المرجع والخطاب، إلى الخوض في المادة الكتابية لمحمد برادة، وهو مسعى حَرص من خلاله الناقد على الانفتاح على مجاهيل النقد المغربي وتحولاته، والاقتراب من تجربةٍ نقديةٍ لها خصوصيات، وواقعةٌ في صميم الممارسة النقدية الجديرة بالاهتمام والمقاربة؛ تجربة لها شواغلها ومنازلها في محفل النقد المغربي والعربي. ولقد ارتأى الناقد مساءلة هذه التجربة النقدية ومقاربتها من باب التحليل السوسيولوجي، تصورًا ومنهجًا وقراءةً، وهي إشارة إلى أن سوسيولوجيا الأدب ما تزال قادرة على أن تتوجه «إلى الأدب بالدرس والتحليل كموضوع، كقيمة وكممارسة؛ فالمقاربة الموضوعية، وفقًا لهذا التقسيم، تعني دراسة الأدب في اتصال بكل الوسائط التكنولوجية والسيميولوجية والجمالية والمؤسسية التي تتيح الوصول إلى النصوص الأدبية». وبناء عليه، فإن دراسة الخضراوي تُحاول الاشتباك مع الممارسة النقدية عند برادة، باعتبارها ممارسةً لها موقع فعلي في حركة النقد المغربي الحديث. ويحسن التذكير هنا بأن برادة «واكب ثلاث مراحل أساسية في تاريخ النقد المغربي الحديث: مرحلة التأسيس التي تمتدُ من الستينيات إلى أواسط السبعينيات، ومرحلة التجريب من أواخر السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات، ثم مرحلة التنظير والتأصيل للأدب والنقد، وتمتد من منتصف الثمانينيات

(((نجيب العوفي، «تأملات في إبداع محمد برادة»، في:

البحث عن الذات بين جيلين، تنسيق وإعداد محمد الداهي (الرباط: منشورات دار الأمان، 2017)، ص.265

إلى اليوم». وبناء على هذه المعطيات، فإنه في إمكاننا التوقف عند أهم المرجعيات التي شكَّلت خطابه النقدي، ووضع تجربته تحت مجهر البحث والنقد.

أولا: السوسيولوجيا بوصفها آليةً للقراءة

إن المفهوم الثقافي التعددي للقراءة قمينٌ بمنح

النصّيات أفقًا للمقاربة، ويجعله ينأى بنفسه بعيدًا

عن القراءات التعسفية الإسقاطية، أو ما يُمكن

تسميته «القراءة التلفيقية»، وهي قراءة تُحاول مزج مجموعة من التيارات والمناهج النقدية في بوتقة واحدة، وهو ما يعني خليطًا عجيبًا من المناهج،

علمًا أن لكل منهج خلفياته الإبستيمولوجية

وأسسه النقدية، بيد أن جمع ما لا يُجمع نظريًا

وإجرائيًا، يُشكّل ليًّا لعنق النص، وتجنيًا واضحًا

من طرف النقاد والدارسين. وفي هذا السياق، فإن المنهج الذي سيخوض به الخضراوي دراسته عن برادة، مُسْتَلْهَمٌ، كما أشرنا آنفًا، من

سوسيولوجيا الأدب؛ اعتبارًا لمفهومها الواسع

والمرن، وقدرتها على استيعاب التحولات التي يشهدها المشهد النقدي، سواء على مستوى بناء المفاهيم أو الاقتراب من جدوى الكتابة بصفة عامة، في علاقاتها المتشابكة مع حركة التاريخ وسيرورة الأفكار. إن اختيار سوسيولوجيا الأدب منهجًا للدراسة – وخاصة مفهوم «نظرية

الحقل» الذي اجترحه السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو Bourdieu Pierre (2002–1930)، فضلً عن إلماعات أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci (1891–1937)، وجورج لوكاتش Lucatch George (1885–1971)، ولوسيان

(((عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الأدب: من النص  إلى

المجتمع (الرباط: دفاتر العلوم الإنسانية، 2019)، ص.11–10

غولدمان Goldmann Lucien –)1970–1913(فيما يخص أدوار المثقف على الصعيدين الثقافي والاجتماعي؛ هي مما عَمِلَ برادة على تفعيله وتشييد أهم معالمه، خاصة في كتابه محمد مندور وتنظير النقد العربي، وترجمته لكتاب ميخائيل باختين Bakhtine Mikhaïl) 1975–1895(المُعَنْوَن ب  الخطاب الروائي، لأنها تُعتبر آليةً مغايرة للقراءة والتحليل ومنهجًا مرنًا وملائمًا قادرًا على فهم علاقة الأدب بالسوسيولوجيا، وتفسير تلك العلاقة، والنأي بها عن تلك القراءة الاختزالية الآلية التي ترى في الأدب مجرد انعكاسٍ آلي لما يجري في الواقع. من هذه الزاوية، حاول الخضراوي وضع تجربة برادة تحت مجهر السوسيولوجيا ومساءلتها، في ضوء شروط تكَوّنها وتمثّلها لأهم التحولات التي عرفها المغرب، منذ الاستقلال إلى وقتنا الراهن، وهي تحولات نلمسها في كتابات برادة الأدبية أو النقدية. لذلك، فالاهتداء إلى هذه التجربة يمرُ

بالضرورة عبر معرفة وفهم «الحقل الثقافي» الذي ساهم في بلورتها. يقول الخضراوي: «فقد رأينا أن ننطلق من تصور منهجي يستفيد من سوسيولوجية الأدب في ربطها الظاهرة الأدبية بالسياقات الفكرية والثقافية وبشروط إنتاجها» (ص 35، والتشديد من الباحث)، وهي استراتيجية قرائية، تُعيد الاعتبار إلى الخطاب النقدي، وتصله بشروط إنتاجه وتفسيره وتحليله. بيد أنه ليس المقصود من هذه السوسيولوجيا طابعها الاختزالي المُبتسَر،

(((ينظر: محمد برادة، محمد مندور وتنظير النقد العربي، ط 3 (القاهرة: منشورات المجلس الأعلى،.)2005 (((ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة (القاهرة: دار الفكر،.)1987

والذي يرى في الأدب انعكاسًا آليًا للواقع، بل

تلك السوسيولوجيا التي تُقيم علائق جدلية بين الأدب وشروط إنتاجه، وتتصادى من جانبٍ آخر مع أسئلته المعرفية والإبستيمية. لذا، فالرهان على مقاربة نقدية، تستمد تصوراتها وحافزياتها من حقل السوسيولوجيا، هو رهان على المعرفة أولً، وعلى إعادة النظر وصوغ تصورات جديدة حول الأدب والنقد والثقافة ثانيًا. هذا هو المنظور الذي يُعطي للسوسيولوجيا تلك الحافزية في تحليل الجدل القائم بين الأدب والمراجع الإحالية؛ ذلك أن التحليل الصادر «عن منهج تاريخي جدلي مرتبط بالقوى الاجتماعية وصراعاتها وانعكاساتها الأدبية والفنية من شأنه أن يُسهم في تخليص دراساتنا من هالات التقديس

والتبرير القائم على أحكام مسبقة». لذا، فإنه في إمكاننا القول: إن هذه الدراسة تفتح منافذ جديدة للقراءة والتأويل، «ولكنه التأويل الذي يأخذ بعين الاعتبار التوازن الذي ينبغي أن يقوم بين أطراف القراءة»، اعتبارًا للقران الموضوعي الذي يجمع الثالوث التي تتشكَّل منه العملية الإبداعية.

ثانيًا: أسئلة النقد وأَيْقنَةُ الخطاب

تنضبط الدراسة في مقدمة، وثلاثة أقسام، وخاتمة، وتَهْجِسُ بجملةٍ من الإشكاليات، محصورة في

أربع، وهي كما يلي.

1. تحولات النقد المغربي

يتمفصل الخطاب النقدي المغربي عبر أربع محطات أساسية، هي: 1. مرحلة ما قبل التأسيس،

(((برادة، ص.29–28 (((مخافي، ص.31

2. مرحلة التأسيس، 3. مرحلة التجريب، 4. مرحلة التأصيل. ف «الخطاب النقدي في المغرب خطاب نقدي ناشئ ومتحول، يطرح بعد فترة تكاد تبلغ نصف قرن، مجموعةً من الأسئلة، خصوصًا أن هذه الفترة كافية حتى يكون هذا الخطاب قد اكتسب مجموعة من الصفات، فبالإضافة إلى الحداثة والتحول، فإنه لم يُؤسس نظرية أو منهجًا، وهذه

الوضعية تفرض على الخطاب النقدي أن يتأمل نفسه من أجل أن يصل هذا الخطاب إلى مستوى الفعالية المعرفية والمنهجية. وهذا يدعو إلى بحث الخطاب النقدي كواقع، وتحليل مكوناته، ورصد

برادة. العوائق التي تقف في طريقه، واستشراف إمكانيات تحول نحو نموذج أرقى». من هنا، يُمكن أن نفهم تحولات النقد العربي، قياسًا على ما عرفه في العالم، وعلى نحو خاص

في المشرق. لكن يبقى سؤال التحديث في النقد

المغربي سؤالً مركزيًا، تتبأر حوله الممارسة النقدية بالمغرب، والتي حاول الخضراوي نفض الغبار عنها؛ رغبةً في الولوج إلى عوالم النقد عند برادة، باعتباره في طليعة من عَمِلُوا على تجديده ومراجعة مفاهيمه ومرتكزاته. كان لا بد، منهجيًا، من الإحاطة بالسياق العام

التي تبلورت فيه الممارسة النقدية المغربية، والكشف عن دلالاتها ومنظوراتها، من أجل خوض مغامرة الاستقصاء والتقصي في حدود هذه التجربة، في علاقتها بسيرورة النقد وتحولاتها. ووفق هذا المنظور، كان الفصل الأول عبارة عن مساءلة وتقصٍ لتاريخ النقد المغربي، عبر مختلف محطاته وحساسياته، وملامسة أسئلته وإرهاصاته ومرجعياته، وبوادر

(((عبد الجليل ناظم، نقد الشعر في المغرب الحديث (الرباط: دار توبقال للنشر، 1992)، ص.7

التحديث فيه. يقول الخضراوي: «في هذا السياق، نعتقد أن فهم الظروف المؤطرة لبداية النقد المغربي، من شأنه أن يساعد على موضعة الإنتاج النقدي لمحمد برادة في المكانة التي تليق به، بوصفه إنجازًا متميزًا، لا على مستوى الرؤية النظرية وحسب، وإنما أيضًا  على مستوى الممارسة النقدية التي تلتصق بأسئلة النص الأدبي» (ص. 36). وبذلك يكون التَوقف عند أهم إبدالات النقد المغربي نافذةً مهمةً نُطلُ من خلالها وعبرها على خطاب النقد عند

2. الحقل الثقافي

تُعتبر «نظرية الحقل» من أهم النظريات التي يتكئُ عليها النقد السوسيولوجي. وهو مفهوم اجترحه وبلوره على نطاق واسع عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. فالحقل الثقافي في تصور برادة ينطلق من الفهم الدقيق لمسار النقد المغربي الحديث على المستويين النظري والتطبيقي، خصوصًا أنه يُعتبر من المؤسسين الأوائل لهذا الخطاب، ومحاولة التعمق في النقد الاجتماعي، لأنه يدافع عن المثل العليا والحداثة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لذلك، فإن برادة، سعى إلى بلورة «حقل ثقافي» يفهم ويُحلِل ويفسر عددًا من القضايا والرؤى والتصورات المجتمعية، ثم العمل على دراسة هذا الواقع وربطه بالمعطيات الأدبية، بيد أن عملية تشييد الحقل الثقافي لا تتم إلا بعد الانتهاء من تفكيك المناخ العام للنقد وتشريحه. وتبعًا لذلك، نكون أمام تصور منهجي محكم يستقي مكوناته ورؤاه من سوسيولوجيا الأدب؛ تأكيدًا لهذه العلاقة الوطيدة التي تجمع الحقل بالسياقات والمرجعيات الإحالية اجتماعيًا

وثقافيًا وأيديولوجيًا. وقد ركز الخضراوي في

دراسته عن برادة تركيزًا كبيرًا على الحقل الثقافي

بوصفه مدخلً مهمًا لفهم وتفسير كل الشروط التي بلورت هذا الخطاب النقدي، وجعلته في مصافّ النقود الجديرة بالبحث والاهتمام.

3. عامل المثاقفة

عطفًا على التصورين السابقين، يُمكن إدراج عامل المثاقفة ضمن العوامل المؤثرة في بلورة وتطوير الأدوات الإجرائية للنقد المغربي، وإن كان لأغلب نُقادنا العرب مواقف متباينة من المثاقفة، ليس على مستوى تمثّل المفهوم فحسب، وإنما على

مستوى «أجْرأَته» عربيًا. كان برادة في طليعة

النقاد الذين دافعوا عن المثاقفة، لكنه اعتبرها «مثاقفة متفاوتة»، إلى درجة أنها كانت عاملً حاسمًا وهاجسًا للبحث في الخطاب النقدي عند محمد مندور. يقول في هذا الخصوص: «من بين الأسباب التي حدت بي إلى اختيار دراسة أعمال الناقد محمد مندور، ما لاحظته من تفاوت مستمر بين النقد العربي المعاصر والنقد الغربي. ذلك أن ثقافتنا تتأخر دائمًا في التعرف على الاتجاهات والمذاهب الأجنبية، وكثيرًا ما يتم التعرف بعد أن

تصبح تلك الكتابات مستنفدة لأغراضها عند من صاغوها». في السياق نفسه، يرى محمد بوعزة، أن المثاقفة شك لت «عنصرًا جوهريًا في تكون الخطاب النقدي

العربي الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإذا كانت المثاقفة تمثل ذاتها عنصرًا توليديًا منتجًا،

بما تُتيحه من عمليات انتقال النظريات، وما يتولد عنها من انصهار آفاق واكتشاف رؤى جديدة، فإن سيرورتها في سياق الفكر العربي عرفت تعثرات ثقافية، طالت آثارها السلبية بنية الخطاب النقدي

(((برادة، ص.9

العربي». معنى هذا أن الثقافة العربية في سيرورتها وزمنيتها متأخرة كثيرًا، مقارنةً بالثقافة في الغرب،

ما يجعلها في موقع التابع والمنبهر والمتلقِف لكل نظرياتها ومناهجها وانعطافاتها. لكن ما ينبغي تأكيده هو أن هذه المثاقفة قد أدت دورًا كبيرًا في

تكوين البنية النقدية العربية، على نحو مباشر أو غير مباشر. وبرادة واحد من النقاد الذين استفادوا منها نظريًا ومعرفيًا وتطبيقيًا.

4. الاحتكاك مع المشرق

لقد كانت لإقامة برادة بمصر (1960–1955) الأثر البالغ في تكوين «شخصيته» الثقافية والسياسية والفكرية؛   ف «هذه المرحلة أتاحت لمحمد برادة، وهو حديث العهد بالكتابة، أن يكون قريبًا

من الكتاب والمبدعين والشعراء، أمثال العقاد والمازني وطه حسين وعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم الذين أثروا الجدال الفكري بمصر، وأسهموا في رسم الملامح الأساسية للثقافة العربية، مما عمق في نفسه النزوع إلى الكتابة والحلم والمغامرة» (ص. 87)، وهو احتكاك نجد له صدى واسعًا ليس عند برادة فحسب، وإنما على عموم «المثقفين العرب»، في إشارة إلى موضعة مصر ضمن الأقطار التي أسهمت في تطور الثقافة العربية. وقد كان لهذه المرحلة التأثير الكبير في نفسية المبدع الشاب الذي بدأ حينها في تلم س طريق الإبداع، وهو المسكون بالقومية العربية، وبأحلام لا حدَّ لها في التعلم والتحصيل وفهم الواقع العربي المعقد والعصي على الفهم. إن الخضراوي، في بحثه عن مكامن حضور التأثير المشرقي في توسيع معارف برادة ومداركه، لا يني

(((محمد بوعزة، «نقد النقد عند محمد برادة، جدلية النظرية

والممارسة»، في: البحث عن الذات بين جيلين، ص.155

عن التفكير في الحقل الثقافي المصري المسكون بالصراعات السياسية والجدال الفكري والتجاذب بين تيارات أدبية ونقدية مختلفة ومتباينة.

ثالثًا: رهان الكتابة: شواغل النقد وسؤال المرجعية

استتباعًا لكل ما سبق، تبدو هذه المدرسة منشغلة أكثر بقضايا النقد والأدب والأيديولوجيا والالتزام والرواية والفكر والثقافة والحداثة، وما  تطرحه هذه القضايا من أسئلة حول الممارسة النقدية في اشتباكاتها مع الواقع والمجتمع. ولقد خصص لها الخضراوي قطاعًا مهمًا من دراسته، خاصة في

القسمين الثاني والثالث، والملاحظ أن المفاهيم مستلهمة من حقل سوسيولوجيا الأدب، لأن برادة عَمِل على بلورتها في بداية تماسّه مع الكتب

النقدية في سبعينيات القرن الماضي، خصوصًا في أطروحته عن محمد مندور. فقد سَعى إلى

قراءة أعماله انطلاقًا من التصور الغولدماني للأدب والثقافة والنقد، وهو تصوُرٌ يعكس على

نحو ملموس تلك القفزات التي اكتسبها التحليل السوسيولوجي، مع إلماعات لوسيان غولدمان، بعيدًا عن السوسيولوجيا التقليدية التي ترى في الظاهرة الأدبية مجرد انعكاس آلي لكل ما يمور في الواقع الاجتماعي. لذلك يبدو تأثير التحليل الغولدماني واضحًا على النشاطية النقدية عند

برادة. يقول الخضراوي في هذا الصدد: «لم يختزل محمد برادة الأدب، ولم يجعله مجرد وثيقة يمكن،

(((1 مجموعة من الرؤى والتصورات والأحلام التي اجترحها لوسيان غولدمان لفهمٍ أمثل لخصوصيات العلاقة بين الأدب والمجتمع، ويمكن في هذا الإطار الحديث عن مفهوم مهم في

ص 17.

التصور الغولدماني، وهو مفهوم «رؤية العالم»، وهي رؤية ذات طبيعة اجتماعية، من حيث إن الإبداع إنتاج جماعي، يقوم الفرد بتحويلها إلى إبداع خيالي، كما أن إبداع الفرد هو، في حقيقة الأمر، تعبير عن الوعي الطبقي للجماعة.

بالاستناد إليها، فهمُ الواقع الاجتماعي، لأنه من بين

النقاد القلائل الذين انتبهوا لما يحدث للنص الأدبي عندما يتعرض للاختزال، ويتم إهمال مكوناته الفنية الأساسية» (ص. 144)، ومن ثم فإن خطاب النقد عند برادة يظلُ مفتوحًا على كينونة الأدب، وعلى

جمالياته، من منطلق أنه جزءٌ من الإنسان. وقد

سعى، في هذا السياق، إلى تطوير كفاءته النقدية عبر الانفتاح على النص، وخلق حواريات معه في محاولة لتجاوز «مرحلة سوسيولوجيا المضامين التي غالت في استخلاص المحتويات الاجتماعية للأعمال الأدبية معزولةً عن قيمها الفنية»، كما أن المتأمل لمسار برادة النقدي، سيلاحظ أنه سعى، في نقده للنصوص الروائية، إلى الاستعانة بمفاهيم «الشعرية الاجتماعية» التي بلورها على نحو أساسي ميخائيل باختين، ونجد صداها في الكثير من الأعمال النقدية لبرادة، نذكر منها كتاب أسئلة الرواية.. أسئلة النقد، والتي حاول فيه دراسة نصيات روائية من منظور مختلف يَتقصَّد فتح منافذ

جديدة للقراءة والتأويل. يقول برادة: «لقد حاولت الاقتراب من هذه الأسئلة، لأوضح أن إعادة قراءة الروايات العربية تكون مخصبة أكثر إذا أنْصتنا أيضًا إلى تحولات النص الروائي، وبخاصة على مستوى التعدد البنائي والثيماتي واللغوي». من هنا، يتبدَّى هذا الاهتمام في التعددية المرجعية، وحرص برادة على قراءة النص، بما ينطوي عليه من ملفوظات، لا أن نسقط أيَّ منهج بطريقة آلية

تعسفية، في محاولة لخلق تطابقٍ بين النص وجملةٍ من المفاهيم.

((1(أحمد الجرطي، النقد الروائي عند يمنى العيد: دراسة في

الخلفيات والمفاهيم (القنيطرة: دار البوكيلي للطبع، 2012)، ((1(محمد برادة، أسئلة الرواية.. أسئلة النقد (الدار البيضاء: منشورات الرابطة،.)1996 (((1 المرجع نفسه، ص.10

إن برادة واعٍ بهذه المسألة، ف «الناقد المؤول لا يمكنه أن ‘يسجن’ النص في معنى أحادي أو دلالة ثابتة، وهذا لا يعني أن الناقد المؤول يُمارس الكتابة

خالي الوفاض من تصوراته ومقاييسه وحساسيته، لكن المقصود هو عدم إلغاء النص والانقياد إلى الإسقاطات الجاهزة من أجل مطابقة النص مع جملةٍ من المصطلحات أو مع ترسيمات مسبقة للقراءة». وهكذا، فإن التصور النقدي عند برادة يتسم بالتعددية والانفتاح، وعدم التقوقع في تصورٍ واحد، وفي ذلك إغناء وتخصيب للرؤية النقدية، في أفق الرهان على الكتابة والوعي بها، بوصفها آليةً لتوسيع عناصر المعرفة والثقافة والنقد والأدب، وما تنطوي عليه من إبدالات في التنويع والانفتاح، وتمثل المفاهيم والعمل على بلورتها «ومساءلتها وتنسيبها كي تكون الممارسة النقدية أصيلة، قادرة على استكشاف الخصائص الفنية والجمالية التي تنطوي عليها الأعمال الأدبية العربية بعيدًا عن القراءات المفردة والتأويلات النهائية» (ص. 348)

خاتمة تركيبية

إن البحث في عوالم برادة يُتيح إمكانية الاقتراب

أكثر من طرق تفكيره وآليات اشتغاله، وهو ما أكده

(((1 المرجع نفسه، ص 8

المراجع

باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. القاهرة: دار الفكر، 1987. البحث عن الذات بين جيلين. تنسيق وإعداد محمد الداهي. الرباط: دار الأمان،.2017

________. أسئلة الرواية.. أسئلة النقد. الدار البيضاء: منشورات الرابطة،.1996

للطبع، 2012.

جابر عصفور بقوله: «وظني أن كتابة محمد برادة النقدية، من حيث هي دليل على غيرها، كانت رأس الحربة في حركة الأجيال المغربية التي أفادت من عبد الله العروي، وانطلقت منه لتجاوزه إلى أفق أو أكثر من الآفاق الواعدة للجنس الأدبي الذي بشَّر به العروي بحداثته، وأسهم في الدعوة إلى صياغة نقد جديد يكافئ هذه الحداثة. وأحسب أن الذين صنعوا صنيع برادة، في المغرب قبل غيره من الأقطار العربية، واستبدلوا واقعية بريخت الرحبة بواقعية لكاش التوثينية، وحوارية باختين بالدوائر المغلقة لنظرية الانعكاس، كانوا يحققون تطلع العروي إلى نقد أكثر تحررًا في كشفه عن الجنس الأدبي، الأوضح تميزًا في تمثيل التنوع والتعدد والصراع بين الشخصيات والمواقف والأفكار واللغات». بيد أن هذه الدراسة حاولت الكشف عن مظان الكتابة النقدية عند برادة من خلال مجموعةٍ من المعطيات، وهي معطيات تُربك وتخلط الأوراق، في أفق بلورة تساؤلات أخرى في مسائل أخرى، تظل عصية على الفهم والقبض، وفي ذلك إغناء للنقاش وإثراء للمعرفة.

((1(جابر عصفور، زمن الرواية، ط 2 (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1999)، ص.322

References

برادة، محمد. محمد مندور وتنظير النقد العربي. ط 3. القاهرة: منشورات المجلس الأعلى، 2005.

الجرطي، أحمد. النقد الروائي عند يمنى العيد: دراسة في الخلفيات والمفاهيم. القنيطرة: دار البوكيلي

العطري، عبد الرحيم. سوسيولوجيا الأدب: من النص إلى المجتمع. الرباط: دفاتر العلوم الإنسانية،

عصفور، جابر. زمن الرواية. ط 2. القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب،.1999 مخافي، حسن. المفهوم والمنهج في القراءات العربية المعاصرة للتراث النقدي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2016 ناظم، عبد الجليل. نقد الشعر في المغرب الحديث. الرباط: دار توبقال للنشر،.1992