Return to Article Details Introduction to the Issue: Reading Wittgenstein in Arabic

أن نقرأ فتغنشتاين عربيًا: مقدمة المحرر الضيف للعدد

Introduction to the Issue: Reading Wittgenstein in Arabic

إسلام دية

الملخّص

لئن لم يكن لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1889-1951) أعظم فلاسفة القرن العشرين، كما يذهب بعضهم

Abstract

Bruce Duffy, The World as I Found it (New York: New York Review Books, 2010 [1987]).

الكلمات المفتاحية:
  • لودفيغ فتغنشتاين
  • رسالة منطقية فلسفية
  • تحقيقات فلسفية
Keywords:
  • Ludwig Wittgenstein
  • Tractatus Logico–Philosophicus
  • Philosophical Investigations

إسلام دية | Islam Dayeh

لئن لم يكن لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889) أعظم فلاسفة القرن العشرين، كما يذهب بعضهم، فلا ريب أنه من بين أكثرهم تأثيرًا؛ إذ لا يزال لفكره أثر عميق

ومتجدد في حقول معرفية عديدة، كالفلسفة والأخلاق وعلم اللغة والرياضيات وعلم النفس والإستطيقا، وقلّ لهذه العناية نظير في الفلسفة المعاصرة. بل لا نبالغ إن قلنا إن فتغنشتاين من بين هؤلاء الفلاسفة القليلين الذين حظوا باهتمام غير الفلاسفة، وباتت أعماله تُقرأ في معاهد الأدب المقارن واللاهوت والتربية والأنثروبولوجيا والدراسات البصرية والعمارة. فمنذ تلك الثورة الفلسفية التي أحدثها عمله الأول رسالة منطقية فلسفية Tractatus Logico–Philosophicus (1921) في مطلع عشرينيات القرن العشرين، ومرورًا بالمنعطفات الأخرى التي أحدثتها كتاباته اللاحقة، وعالمُ الفلسفة منشغل بأعماله نشرًا ودرسًا ونقدًا،

ما فتئت أفكاره تثير جدلً، ولا يخلو عمل من أعماله من العديد من الشروحات والدراسات والقراءات. ولعل المثير هنا أن فتغنشتاين نفسه لم يكن فيلسوفًا أكاديميًا، فلم يضع نظامًا فلسفيًا ولا اتبع مذهبًا فلسفيًا

محدّدًا أو دعا إليه، بل لم يعتنِ بنشر كتاباته الغزيرة وطباعتها على نحو منهجي، وتكَفَّل طلابه وزملاؤه بجمعها وتحقيقها وترجمتها بعد وفاته. وعلى الرغم من هذا كله، فإن الدراسات الفتغنشتاينية اليوم تتبوأ مكانًا مرموقًا. بل تجاوز هذا الاهتمامُ حدودَ أعماله، فأصبحت شخصيته المثيرة نفسها موضوعًا للعديد من الروايات والأفلام الروائية، وتحولت هيئتُه إلى أيقونة ثقافية ترمز إلى نموذج الفيلسوف المعاصر، الهادئ القلق الجريء. ولكن ما سبب هذا الاهتمام بفتغنشتاين؟ لعل الجواب يكمن في طبيعة فلسفته التي هي، في جوهرها، تقويض للفلسفة التقليدية. كان فتغنشتاين يرى أن ما نسميه «مشكلات فلسفية» هو في الحقيقة

(((من بين الأعمال الأدبية التي تمحورت حول شخصية فتغنشتاين:

كما أخرج ديريك جرمان فيلمًا كوميديًا دراميًا عن حياة فتغنشتاين وأفكاره، وذلك سنة 1993، وقام بإنتاج الفيلم طارق علي

ومدته.72 دقيقة

مشكلات زائفة، سببها عدم فهمنا للغتنا أو إساءة استعمالنا لها. وبناء على ذلك، لم تكن فلسفته تحاول حل هذه المشكلات؛ إذ هي زائفة، بقدر ما كانت تسعى إلى جعل اللغة التي يُعَبَّر بها عن المشكلة على

قدر كبير من البيان، بحيث لا تعود المشكلةُ مشكلةً. ومن ناحية أخرى، لعل سبب الاهتمام به يكمن في سيرته المثيرة وتقلباته الفكرية الجذرية. ففي مرحلة شبابه، التي توِّجت ب  رسالة منطقية فلسفية،

حاول تقديم الجواب الأخير عن جميع أسئلة الفلسفة (كما ظن) من خلال تحديد العلاقة بين اللغة والواقع، وبيان ما يمكن قوله وما لا يمكن إلا الإشارة إليه. إلا أنه لم يقتنع طويلً بما قدمه من مفاهيم ونظريات، فبدأ رحلة فكرية ونفسية وروحية قاسية، قولَّض فيها تقريبًا ك ما بناه في مرحلة شبابه. وقد

تمثلت هذه المرحلة بعمله تحقيقات فلسفية، وحاول فيها إنقاذ اللغة من التجريد الفلسفي والعودة بها إلى وظيفتها الأنثروبولوجية الاجتماعية، المتمثلة في العادات الاجتماعية والممارسات اليومية دةَّوالعقلانية المجس. وقد كشفت فلسفته الأنثروبولوجية، من خلال منهجه التحليلي، عن تصورات

ميتافيزيقية (لاهوتية وعِلموية وغيرها) حاضرة وفاعلة في لغتنا. لذلك استعان بمنهجه التحليلي العديدُ من المذاهب المعرفية والثقافية والإبداعية المعاصرة التي أرادت شق طريق فلسفي جديد، يتجاوز ميتافيزيقيات ديكارت والمثالية الألمانية والوضعية العلمية. وقد حفز هذا الاهتمام المتجدد والمتسع دومًا بفلسفة فتغنشتاين، في العديد من الحقول العلمية

والفكرية والإبداعية، الدارسين على تأسيس جمعيات ودوريات علمية وتنظيم مؤتمرات وندوات من أجل توفير فضاء فكري يسهِّل التواصل بين الباحثين، وينظم التراكم المعرفي المطرد، ويشجع على دراسة أعماله ونشرها وترجمتها. ولا شك في أن هذه المأسسة لدراسات فتغنشتاين تسهم، بدورها، في توسيع مدى التفاعل مع أفكاره واستثمارها في مجالات معرفية جديدة وقضايا مستجدة. واللافت

أن أغلب هذه الجمعيات البحثية أسِّسَت في العقدين الماضيين من هذه الألفية، وهو دليل على مدى

تنامي الاهتمام بفتغنشتاين أخيرًا. وقد تجلى حضور هذه المؤسسات بوضوحٍ في المؤتمرات العلمية

التي نظمتها هذا العام بمناسبة مرور مئة عام على صدور كتابه المشار إليه رسالة منطقية فلسفية، ولم تمنع جائحة كورونا من تنظيمها، فانعقدت عبر منصات الإنترنت. أما عربيًا، فنشهد في العقدين الأخيرين إقبالً متزايدًا على أعمال فتغنشتاين، تعريبًا ودراسةً. ويبدو

أن هذا الاهتمام العربي متساوق ومتزامن مع التطورات العالمية المشار إليها. وقد جاء هذا بعد فترة طويلة، اقتصر الاهتمام العربي فيها على جوانب محدودة من فلسفته، سنشير إليها لاحقًا. وعلى الرغم

(2) Gunter Gebauer, Wittgensteins Anthropologisches Denken (München: C. H. Beck, 2009).

(((نذكر من بين هذه الجمعيات والدوريات وتواريخ تأسيسها:

Austrian Ludwig Wittgenstein Society (1976–); British Wittgenstein Society (2007–); International Ludwig Wittgenstein Institute (2008–); Nordic Wittgenstein Society (2009–); Philosophical Investigations (1978–); Wittgenstein–Studien

(((إضافة إلى المعارض الفنية والمحاضرات الجامعية ونشاطات علمية متنوعة، فإن أبزر المؤتمرات العلمية، هي:

The Tractatus After 100 Years, British Wittgenstein Society, 13–16 May, 2021; Wittgenstein and the Vienna Circle – After 100 Years, Institut Wiener Kreis, 10–12 June, 2021; 100 Years of Tractatus Logico–Philosophicus – 70 Years after Wittgenstein’s Death: A Critical Assessment, Austrian Ludwig Wittgenstein Society, 8–14 August, 2021.

من هذا الإقبال، لا تزال الدراسات العربية حول فتغنشتاين وفلسفته قليلة وغير منتظمة، إن قارنّاها

بالاهتمام العربي بفلاسفةٍ آخرين. فأغلب أعماله ما زالت غير مُعَرَّبة، كما أن تلك الدراسات غالبًا

ما تدور حول قضايا معرفية ولسانية معينة، ولم تستفد من التحولات المهمة التي أحدثتها فلسفته في مجالات معرفية كثيرة خارج مباحث الإبستيمولوجيا وفلسفة اللغة. ونرى أن ثمة عاملين رئيسين حدجَّدا وو:َّها مسار الاهتمام العربي بفلسفته عمومًا أحدهما: أن فتغنشتاين لم يكن داعيةً أو مثقفًا عامًّا، ولم ترتبط أفكاره بأيديولوجيا تبن تْه كالوجودية أو

الماركسية أو التحليل النفسي، بل إن منهجه التحليلي والتقويضي يجعل من الصعب تصنيفه ضمن تيار فكري معين. ولهذا لم تُنقَل أعماله من خلال تيار فكري من التيارات الأيديولوجية التي انتشرت في العالم العربي في القرن العشرين، وبقي أثرها محدودًا ضمن إطار فلسفة التحليل اللغوي. ثانيهما: أن جل أعماله لم يُنْشَر إلا بعد وفاته، وبعضها لم يُكتشف ولم يُنشر إلا بعد مرور عقود

منذ وفاته. وهذا يعني أن الكثير من أعماله التي نعرفها اليوم، لم تكن معروفة ومتداولة فترة طويلة، فكان تلقّي فكره عربيًا، محكومًا بما كان معروفًا ومتداولً من أعماله بالإنكليزية أو الألمانية، نشرًا

وترجمة. وكما هو معلوم، فإن العمل الفلسفي الوحيد الذي ألفه فتغنشتاين أثناء حياته هو رسالة منطقية فلسفية وقد نُشِر بالألمانية سنة 1921، وبالإنكليزية سنة 1922. وابتداءً من سنة 1953، أي بعد

وفاته بسنتين، بدأت أعماله تخرج إلى النور، كاشفة عن مفكر شديد العمق والتحقيق والتدقيق، وكان أول هذه الأعمال بحوث فلسفية/ تحقيقات فلسفية. وبما أن فتغنشتاين لم يشرف على نشر أعماله أثناء حياته، فقد تأخّر تلقّي الدارسين لها وتفاعلهم معها كثيرًا، كما كثر الاختلاف في فهم مقصود مؤلفها أيضًا. وقد حرص من وَرِث كراسات فتغنشتاين

ومحاضراته، من طلابه وزملائه، على إبرازه بقالب الفيلسوف الأكاديمي، وهم شوا أو أهملوا، عن قصد

أو من دون قصد، جوانب كثيرة من حياته ومسالكه، قد لا تتسق ونموذج فيلسوف أكاديمي من جامعة كامبردج. ودرج شُرا ح أعماله ومترجموها على النهج نفسه. ولذلك بقيت أفكاره، في العقود الأولى

بعد وفاته، تُناقَش في إطار القضايا التي أثارتها حلقة فيينا وفلاسفة التحليل في كامبردج وأوكسفورد، ولم تخرج عن هذا الإطار إلا بعد أن نُشرت بقية أعماله وعكف على دراستها جيلٌ جديد من الباحثين من حقول معرفية أخرى. تكشف البيبليوغرافيا، التي أعددناها حول ترجمات أعمال فتغنشتاين ودراسات حولها بالعربية، أن التلقي والتفاعل العربي متساوقان مع مسارات الاهتمام به في الفلسفة الغربية عمومًا، فأغلب الدراسات

العربية ركز على النقاشات التي دارت حول عمليه: رسالة منطقية فلسفية وبحوث فلسفية/ تحقيقات فلسفية. وقد طغى الاهتمام باللغة والمنطق والإبستيمولوجيا في أبحاث الجيل الأول من الباحثين

(((على سبيل المثال، لم يُنشر عمله في اليقين On Certainty/Über Gewißheit إلا سنة 1969. ولم ينشر عمله المعروف

بالإنكليزية Culture and Value، وبالألمانية Vermischte Bemerkungen، إلا سنة 1977. كما أن ملاحظات حول الألوان Remarks on Colour/Bemerkungen über die Farben لم ينشر إلا سنة 1977. ونعلم أن فتغنشتاين قد توفي سنة.1951

العرب، لأن هذا هو المنحى العام الذي اتخذته الدراسات الفتغنشتاينية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في طورها الأول. وقد كان للباحثَين العراقي ياسين خليل (1986–1934) والمصري عزمي إسلام (1987–1931)، السبقُ والفضلُ في دراسة فتغنشتاين عربيًا. لم يقم ياسين خليل بتعريب عمل

من أعماله، ولكنه درسه في ثنايا أبحاثه في إطار فلسفة العلم والتحليل اللغوي والمنطق. أما عزمي إسلام، فقد قام بترجمة الرسالة إلى العربية عن الإنكليزية سنة 1968 عن، كما عرّب بحوث فلسفية

الإنكليزية كذلك، ونشر سنة 1990. كذلك، أفرد عزمي إسلام لفتغنشتاين دراسة شاملة، هي الأولى عربيًا، كانت في الأصل رسالة دكتوراه بإشراف زكي نجيب محمود سنة 1967. وقد تناول عزمي

إسلام فلسفة فتغنشتاين في العديد من أبحاثه التي مهدت لدراسات عربية تالية أسهم بها باحثون عرب، لا سيما من مصر والكويت، حيث درّس فترات طويلة. تلت هذه الدراساتِ أبحاثٌ عربية مهمة، أسهم بها سامي أدهم، وعادل مصطفى، ومحمد مهران رشوان، وعبد الله الجسمي، وجمال حمود، ورجا بهلول، ومصطفى الحداد، وغيرهم، وقد تميزت دراساتهم بالاطلاع الواسع على الشروحات والنقاشات الغربية حول فلسفة فتغنشتاين، لا سيما المسائل التي أثارتها حقول العلوم المعرفية، وفلسفة الذهن واللسانيات. وتعكس هذه الدراسات التداخل بين الحقول التي استدعتها القراءات النقدية الجديدة لفلسفة فتغنشتاين. وتأتي في هذا السياق ترجمة أستاذ اللسانيات التونسي عبد الرزاق بنُّور لكتاب تحقيقات فلسفية الذي ترجمه عن الألمانية ونشره سنة 2007؛ إذ يمثل عمله إدراكًا للمكانة التي صار فتغنشتاين يحتلها في العديد من الحقول المعرفية، ويتجلى هذا في استفادة بنور من عدد هائل من الدراسات والترجمات بلغات شتى، لكتاب تحقيقات، بل لجميع أعمال فتغنشتاين التي لم تكن ممكنة ولا متوافرة للدراسات العربية المتقدمة. في السنوات الأخيرة، ازداد الاشتغال بمؤلفات فتغنشتاين نشرًا وترجمةً، فقد ظهرت ترجمة لكتاب فتغنشتاين الأخير

في اليقين (نشر لأول مرة سنة 1969 في نسخة مزدوجة ألمانية –  إنكليزية)، وقد نقله إلى العربية الباحث مروان محمود ونشر سنة 2020. كما ظهرت ترجمة لمجموعة محاضرات ونصوص لفتغنشتاين في موضوع الأخلاق والدين، ترجمها حسن احجيج ونشرت سنة 2019، وتتضمن المجموعة نصه

(((يحسن أن نذكر أن ياسين خليل حصل على درجة الدكتوراه من جامعة مونستر الألمانية سنة 1960، على أطروحة بعنوان «مبادئ تحليل اللغة البنائية: تطبيق التحليل اللغوي وفق المنهج المنطقي الوضعي». وقد اهتم في العمل بفلسفة حلقة فيينا، وخصوصًا

رودلف كارناب Carnap Rudolf (1970–1891) ومناقشاته لآراء فتغنشتاين. ينظر:

Yasin Khalil, Prinzipien zur strukturellen Sprachanalyse: Anwendung logisch–positivistischer Sprachanalyse)Münster: Universität Münster, 1960). Dissertation.

وقد أتبعه بكتاب منطق اللغة: نظرية عامة في التحليل اللغوي (بغداد: منشورات جامعة بغداد،.)1962 (((يحسن أن نذكر هنا أن كتاب عزمي إسلام، لدڤيج ڤتجنشتين، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 19 القاهرة: دار المعارف (، 1967،) رغم سبقه وأهميته، يعكس حال الدراسات حول فلسفة فتغنشتاين حتى ستينيات القرن العشرين؛ إذ يغيب كثير من أعمال فتغنشتاين

المهمة التي لم تنشر وتدرس إلا بعد ذلك، مثل في اليقين، وملاحظات حول الألوان، وغيرهما. (((يمكن الاطلاع على أعمال عزمي إسلام في بيبليوغرافيا هذا العدد. (((لعل أشمل وأحدث دراسة عربية تروي حياة فتغنشتاين وتعرض أعماله والمباحث التي أثارتها، هي المقدمة المفصلة التي كتبها

عبد الرزاق بنور لترجمته ل  تحقيقات فلسفية. ينظر: مقدمة عبد الرزاق بنور لكتاب: لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة عبد الرزاق بنور (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.108–7

الأنثروبولوجي المهم: ملاحظات حول الغصن الذهبي لفرايزر Bemerkungen über Frazers The Golden Bough (الذي نشر بالألمانية سنة 1967 ثم ترجم إلى الإنكليزية ونشر سنة 1979). وإضافة إلى تعريب نصوص فتغنشتاين نفسها، ظهرت ترجمات لدراسات مرجعية تناولت جوانب أساسية من فلسفته، نذكر منها ترجمات إمام عبد الفتاح إمام (2019–1934)، وفلاح رحيم، ومصطفى سمير عبد الرحيم وغيرهم. كما لا ينبغي أن يغيب عنا استعمال طه عبد الرحمن لأدوات منهج الفلسفة التحليلية في أعماله الفلسفية الغزيرة، بحيث صارت أعماله مثالً ودليلً على الفلسفة التحليلية عربيًا.

فمع أنه لم يتناول فتغنشتاين بالخصوص، فقد استفاد من فلاسفة تحليليين ولسانيين، منهم من عاصر فتغنشتاين أو تأثر به، مثل جون أوستن Austin John (1960–1911)، وجون سيرل Searle John (1932–)، وجورج لايكوف Lakoff George (1942–). يمكن القول، إذًا، إن أعمال طه عبد الرحمن وأعمال من سار على نهجه من التحليليين العرب، قد مهدت الطريق، ولو بغير قصد، لهذا الاستقبال الجديد لفلسفة فتغنشتاين. تشير هذه الدلائل، مجتمعة، إذًا، إلى إقبال عربي على فلسفة فتغنشتاين لا يمكن إنكاره. ويبدو أن أغلب هذه الأعمال جهود فردية أو مبادرات دور نشر عربية، لا تجمعها مؤسسة علمية تضمن التواصل والتبادل العلمي المطلوب لتقييم الأبحاث وتطويرها. فليس ثمة فضاء بحثي متخصص يشجع على مناقشة هذه الدراسات وتقييم الترجمات وفحصها، في ضوء الأبحاث العربية السابقة ولا وفق الدراسات الصادرة حديثًا. وقد حفزنا هذا الاهتمام العربي المتزايد بفلسفة فتغنشتاين، على أن نخصص عددًا عن فلسفته؛ إسهامًا منّا في هذا التثاقف الفلسفي الحي، وتشجيعًا على التعاون بين الباحثين. ويضم هذا العدد الخاص من دورية تبين للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية، المعنون ب «أن نقرأ فتغنشتاين عربيًا»،  دراسات

جديدة طريفة في مجالها، نحسب أنها تقدم تناولً حديثًا وشاملً لجوانب متنوعة من فلسفته. وقد حرص الباحثون على أن يُفيدوا مما توافر من الترجمات والدراسات العربية؛ من أجل البناء على الأبحاث السابقة وتوجيه البحث نحو مسارات علمية واضحة، تشجّع الباحث العربي على وصل عمله

بجهود من سبقه وفتح آفاق جديدة لأبحاث لم تر النور بعد. يناقش عبد الرزاق بنور في بحثه مساهمات فتغنشتاين في التأسيس للتداولية اللسانية، التي ترى أنه لا وجود لفهم متبادل خارج تجربة المجموعة اللغوية المُتشَكّلة. ويُقَدِّم في نهاية البحث نقدًا ذاتيًا

لترجمته لنص تحقيقات فلسفية، في ضوء ما يمكن أن نسميه فلسفة فتغنشتاين في الترجمة. أما دراسة موريس عايق، فتتناول نظرية الصورة التي وضعها فتغنشتاين في مؤلَّفه رسالة منطقية فلسفية، وتناقش اعتراضات وُجِّهَت ضدّ الافتراضات الأساسية لنظرية الصورة من قِبَل التحليليين وفلاسفة العلم. يحاول

(((1 يمكن الرجوع إلى البيبليوغرافيا التي خصصناها لهذا العدد، وذلك للاطلاع على عناوين هذه الدراسات ومعلومات النشر كاملة.

رجا بهلول في دراسته، تحديد موقع فتغنشتاين من التوجه السلوكي في علم النفس والوضعية المنطقية في الفلسفة في الثلث الأول من القرن العشرين، ويعرض الاعتبارات التي تدعو إلى القول بسلوكية فتغنشتاين، وتلك التي تنفيها. أما دراسة سومر المير محمود فتسلط الضوء على أثر فتغنشتاين في الفكر الألماني على الخصوص، وهو جانب قلت العناية به عربيًا. وتتناول الدراسة كيف قرأ ووظف كلٌّ من

كارل أوتو آپِل، ويورغن هابرماس، أفكار فتغنشتاين؛ ليحتج ا بها على عقلانية كونية، كان فتغنشتاين قد

انتقدها. وتلقي دراسة إسلام دية الضوءَ على فترة تكاد تكون مجهولة من حياة فتغنشتاين، وهي الفترة

التي قضاها مُدَرِّسًا للأطفال في الريف النمساوي، بُعيد عودته من الحرب العالمية الأولى، وتحاول

أن تقدم قراءة جديدة لفكره، تولي اهتمامًا بأثر تجربة التعليم والتعلّم في بلورة فلسفته الأنثروبولوجية. أما في قسم الترجمة، فقد ارتأينا ترجمة دراسة صدرت حديثًا للأنثروبولوجي الشهير طلال أسد، بعنوان «النظر في الدين مع فتغنشتاين». ويستعين طلال أسد في دراسته المشار إليها بفلسفة فتغنشتاين للنظر في التقاطب بين الاعتقاد والممارسة، ويحاول إعادة تأطير ذلك التقاطب باعتباره عمليتين متشابكتين من الكينونة والتعلّم. ثم يحاول تطبيق رؤى فتغنشتاين على خلافات أساسية في التقليد الخطابي الإسلامي حول الفهم الصحيح لصفات الله وأسمائه التي ظاهرُها التعارُض. وتمثل دراسته التي

ترجمها حجاج أبو جبر، مدى تأثير فلسفة فتغنشتاين في حقول عديدة خارج حقول الإبستيمولوجيا وفلسفة اللغة التقليدية، كالأنثروبولوجيا والفينومينولوجيا والدراسات الدينية. وفي قسم مراجعة كتاب، يقدم لنا الباحث مروان محمود، وهو الذي قام بترجمة في اليقين (2020)، قراءةً متأنية ومفصلة لكتاب فتجنشتاين و«في اليقين» لأندي هاميلتون Hamilton Andy (نشر سنة 2014)، الذي ترجمه إلى العربية مصطفى سمير عبد الرحيم ونشر سنة 2019. ويناقش أهمية هذا الكتاب في الدراسات الفتغنشتاينية اليوم، كما يستعرض قيمة هذه الترجمة للباحث العربي. يشتمل العدد على بيبليوغرافيا أعدّها إسلام دية وحسن كيسان، بمساعدة بعض الزملاء في المركز العربي: مجد أبو عامر، وعمر المغربي، ورشدي الفاعوري، حيدر سعيد، وكمال طيرشي، وتضم ما صدر باللغة العربية من ترجمات ودراسات حول فتغنشتاين حتى صيف 2021؛ أي وقت صدور هذا العدد. ونرجو أن تصبح البيبليوغرافيا دليلً يستعين به الباحث للتعرف إلى ما نشر بالعربية من ترجمات ودراسات، والإفادة منه اقتباسًا ومناقشةً، وبهذا يتحقق التبادل بين الدارسين، والتراكم البحثي المنشود. وإذ تتقدم الدراسات حول فتغنشتاين عربيًا، نأمل أن تتحقق الإفادة من الجهود العربية السابقة، سواء

بالبناء عليها أو بنقدها. كما نأمل أن تصرف العناية اللازمة إلى تقييم الترجمات التي قد نشرت والتي ستنشر مستقبلً. فمثلما يبذل المترجمون جهدًا كبيرًا في نقل نصوص فتغنشتاين إلى العربية، حريّ

بالباحثين أن يراجعوا هذه الترجمات ويقيّموها، لا من أجل البحث عن أخطاء في الترجمة وتصحيحها،

بل لفتح آفاق جديدة لقراءتها، وهذا ما قام به عبد الرزاق بنور في تقييمه لترجمته تحقيقات فلسفية. ولا تخفى فائدة تعدد الترجمات للنص الفلسفي؛ إذ تقدم كل ترجمة قراءة محتملة ومشروعة للعمل، تطرح بدورها أسئلة جديدة حول مقصود النص وإمكانات تأويله وتاريخية قراءته.

وتكمن أهمية العناية بالجانب اللغوي من الاشتغال بنصوص فتغنشتاين في أمرين اثنين: أولهم، أن فتغنشتاين كتب جميع أعمله بالألمانية، باستثناءات قليلة، مثل الكتاب البُنّيوالكتاب الأزرق، ونسخة من محاضرته في الأخلاق، فكانت محاضرات أملاها على طلبته بالإنكليزية ونشرت بها كذلك. وعلى الرغم من أنه كتب نصوصه بالألمانية، فإن محيطه العلمي في كامبردج كان ناطقًا بالإنكليزية، وبقي فتغنشتاين يُدَوِّن أفكاره بالألمانية خلال هذه الفترة. وقد نشُر كثير من نصوصه لاحقًا مزدوجَ اللغة، أي بالألمانية والإنكليزية. ولذا، لا يمكن دراسة نصوص فتغنشتاين من دون البحث في تاريخ النص؛ متى كتب؟ ومن جمعه وحرره؟ وما علاقة النص الألماني بالإنكليزي؟ لم يترك فتغنشتاين عملً ناجزًا بل كان يراجع أعمله دومًا ويمليها ويكررها بصيغ عديدة وبكلمت متنوعة. ماذا يعني هذا بالنسبة إلى نقل أعمله إلى لغات أخرى، كالعربية؟ هل نترجم عن الألمانية أم الإنكليزية؟ أم عنهم معًا؟ وهل لفتغنشتاين تصورات خاصة حول الترجمة، يمكن الإفادة منها في ترجمة أعمله؟ ثانيهما، أن أسلوب فتغنشتاين في الكتابة جزء من منهجه في التفلسف؛ فاللغة التي يصوغ بها أفكاره

وكلماته وأمثاله التي يختارها بدقة، هي ذاتها حِجاجُه الفلسفي. وهذا يستدعي من الباحث العربي أن

يكون مدركًا أن أسلوب فتغنشتاين كان تجريبيًا، أشبه بدفتر تمرين، يحتوي على ملاحظات وانتقادات

واستشكالات، ولم يكن مُعَد.ًّا دائمًا للقراءة هذا، ونحن نأمل أن تحفز القراءة العربية على تبييء أفكاره والإفادة منها في مسائل تهم الفكر العربي اليوم، وعلى رأسها تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ إذ لن نكون قد قرأنا فتغنشتاين حقًا ما لم تصبح قراءتُنا تثاقفًا فلسفيًا مبدعًا، ونترك سُلَّم فتغنشتاين خلفنا، فليس القصد هو فتغنشتاين ذاته في نهاية الأمر.

يقول فتغنشتاين: «إن من يفهمني، سيدرك آخر الأمر أن قضاياي كانت بغير معنى، وذلك بعد أن يكون استعملها سُلَّمًا في الصعود، أي صعد عليها ليجاوزها (م بعيدًا، بعد بمعنى أنه يجب عليه أن يلقي بالسُلَّ

أن يكون قد صعد عليه). يجب عليه أن يعلو على هذه القضايا، حينئذ يرى العالم بطريقة صحيحة». وفي الختام، أودّ الإشارة إلى أن أصل هذا العدد الخاص من مجلة تبينهو ندوة قد نظمناها في جامعة برلين الحرة في ألمانيا في شتاء 2012، يحمل عنوان هذا العدد نفسه؛ استجابة لما لاحظناه، وقتئذ، من

(((1 حول أفكار فتغنشتاين في الترجمة وترجمة أعماله، ينظر:

Matthias Kroß & Esther Ramharter, Wittgenstein übersetzen (Berlin: Parerga Verlag, 2012).

(((1 جدير بالذكر أن الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة أفادت من فلسفة فتغنشتاين في تقويم نظريات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ينظر، على سبيل المثال:

Hanna Fenichel Pitkin, Wittgenstein and Justice: On the Significance of Ludwig Wittgenstein for Social and Political Thought (Berkeley, Calif.: University of California Press, 1993); Chantal Mouffe, "Wittgenstein and the Ethos of Democracy," in: Chantal Mouffe et al. (eds.), The Legacy of Wittgenstein: Pragmatism or Deconstruction (Frankfurt/ Main: Peter Lang, 2001), pp. 131–139; Dimitris Gakis, "The Political Import of Wittgenstein’s Philosophical Investigations ," Philosophy and Social Criticism , vol. 44, no. 3 (2018), pp. 229–252.

((1(لودفيج فتجنشتين، رسالة منطقيّة فلسفيّة، ترجمة عزمي إسلام، مراجعة وتقديم زكي نجيب محمود (القاهرة: مكتبة الأنجلو

المصرية، 1968 1921[])، الفقرة 6،.54

الاهتمام العربي الجديد بفتغنشتاين، ورغبةً منا في توفير إطار يجمع الباحثين العرب المهتمين بفلسفته. ختامًا، أشكر من شارك وحضر تلك الندوة التي نُشر بعض أوراقها في دوريات علمية سابقًا، نذكر منها أبحاث محمد غاليم ومصطفى الحداد ومحمد يونس علي. كما أودّ أن أشكر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على منحي زمالة بحثية في شتاء 2020–2019، مكّنَتْني من التفرغ لإعداد هذا العدد. والشكر موصول أيضًا لهيئة تحرير دورية تبين، وأخص بالذكر رجا بهلول وحيدر سعيد وكمال طيرشي، على ترحيبهم بفكرة هذا العدد ودعمهم الذي قدموه خلال جميع مراحل إعداده.

References

المراجع

العربية

إسلام، عزمي. لدڤيج ڤتجنشتين. سلسلة نوابغ الفكر الغربي 19. القاهرة: دار المعارف،.1967 خليل، ياسين. منطق اللغة: نظرية عامة في التحليل اللغوي. بغداد: جامعة بغداد،.1962 فتجنشتين، لودفيج. بحوث فلسفيّة. ترجمة وتعليق عزمي إسلام. مراجعة وتقديم عبد الغفار مكاوي. الكويت: مطبوعات جامعة الكويت، 1990.]1953[_________. رسالة منطقيّة فلسفيّة. ترجمة عزمي إسلام. مراجعة وتقديم زكي نجيب محمود. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968.]1921[________. تحقيقات فلسفية. ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنور. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.]1953[

الأجنبية

Abdallah, Yasin Khalil. Prinzipien zur strukturellen Sprachanalyse: Anwendung logisch–positivistischer Sprachanalyse. Dissertation, Universität Münster. Münster,

Duffy, Bruce. The World as I Found it. New York: New York Review Books, 2010

Gakis, Dimitris. "The Political Import of Wittgenstein’s Philosophical Investigations." Philosophy and Social Criticism. vol. 44, no. 3 (2018). Gebauer, Gunter. Wittgensteins Anthropologisches Denken. München: C. H. Beck, 2009. Kroß, Matthias & Esther Ramharter (eds.). Wittgenstein übersetzen. Berlin: Parerga Verlag, 2012. Mouffe, Chantal et al. (eds.). The Legacy of Wittgenstein: Pragmatism or Deconstruction. Frankfurt/Main: Peter Lang, 2001. Pitkin, Hanna Fenichel. Wittgenstein and Justice: On the Significance of Ludwig Wittgenstein for Social and Political Thought. Berkeley, Calif.: University of California Press, 1993.

(((1 يمكن الرجوع إلى البيبليوغرافيا للحصول على معلومات النشر في نهاية هذا العدد.