العودة إلى تفاصيل المؤلَّف فتغنشتاين: شكل لغة، شكل حياة

فتغنشتاين: شكل لغة، شكل حياة

Wittgenstein: Language Forms, Life Forms

عبد الرزاق بنور

Abderrazak Bannour

الملخّص

الفلسفة نقدٌ للغة؛ هذا ما يقره لودفيغ فتغنشتاين (1889-1951) في كتابه تحقيقات فلسفية، متبنيًا ما قاله فريتس ماوتنر (1849-1923)، ومعلنًا بذلك تأثره به. على قاعدة هذا المبدأ، أسس فتغنشتاين "نظرية معرفية" متكاملة، إلى درجة يمكن معها اعتبار تحقيقات فلسفية، من وجهة النظر هذه، نموذجًا لـ "نقد اللغة الخالص". فاللغة وسيلة المعرفة الأساسية لكونها شرط الإدراك وتكوُّن المعنى بالخطاب وفي الخطاب؛ إذ من البديهي أن "كل شيء يبتدئ في التصور مع اللغة وينتهي إليها في التواصل". ومن ثم، يبدو الإقرار بأننا عندما نتصور لغة، فنحن نتصور "شكلًا من أشكال الحياة" إقرارًا بديهيًا، على الرغم من أن الفلسفة غالبًا ما تتعامى عنه، كما يقول فتغنشتاين. ولما كان شكل الحياة في هذا المقام مرتبطًا بالمجتمع البشري، تختلف الألعاب اللغوية - باعتبارها الشكل المنطوق من أشكال الحياة - بحسب اختلاف الثقافات والطبائع والأزمنة والعلاقات الاجتماعية وقواعد التصرف عامة، فتكون "طريقة تصرف البشر النظامَ المرجعي الذي نؤول بواسطته لغة مجهولة لدينا". هكذا يقول فتغنشتاين الذي يلقي بنا في خضم التداولية اللسانية، حيث لا وجود لفهم متبادل خارج تجربة المجموعة اللغوية المتشكلة. لكن حتى لو نقلَنا فتغنشتاين من البحث عن جواب للسؤال: "ما المعنى؟" إلى جواب عن سؤال يبدو أشد بساطة: "أين يوجد المعنى؟"، فيضعه في سياق الاستعمال وفي تراكمه، تظل لهذه الأسئلة تداعيات مباشرة على الترجمة عامة وعلى ترجمتنا العربية لنص تحقيقات فلسفية على وجه الخصوص.

Abstract

Abstract: Philosophy is ‘a critique of language’, states Wittgenstein in Philosophical Investigations , adopting what was argued by Fritz Mauthner (1849–1923), and declaring by the way his theoretical debt to him. This principle takes with Wittgenstein the appearance of a theory of knowledge. Philosophical Investigations can be seen, from this point of view, as a model for a ‘critique of pure language’. Language would be the natural environment of knowledge, as a means to understanding the constitution of meaning with discourse and in discourse. Since ‘everything is done with and in language’, the natural conclusion is that,

الكلمات المفتاحية:
  • فلسفة اللغة
  • فتغنشتاين
  • الترجمة
  • تحقيقات فلسفية
  • المنعرج اللساني
  • الدلالة
Keywords:
  • Wittgenstein
  • Philosophical Investigations
  • Translation
  • Philosophy Of Language
  • Linguistic Turn
  • Meaning

فلسفية، متبنيًا ما قاله فريتس ماوتنر (1923–1849)، ومعلنًا بذلك تأثره به. على قاعدة هذا

المبدأ، أسس فتغنشتاين «نظرية معرفية» متكاملة، إلى درجة يمكن معها اعتبار تحقيقات

فلسفية، من وجهة النظر هذه، نموذجًا ل  «نقد اللغة الخالص». فاللغة وسيلة المعرفة الأساسية

لكونها شرط الإدراك وتكو ن المعنى بالخطاب وفي الخطاب؛ إذ من البديهي أن «كل شيء

يبتدئ في التصور مع اللغة وينتهي إليها في التواصل». ومن ثم، يبدو الإقرار بأننا عندما نتصور

لغة، فنحن نتصور «شكلً من أشكال الحياة» إقرارًا بديهيًا، على الرغم من أن الفلسفة غالبًا

ما تتعامى عنه، كما يقول فتغنشتاين. ولما كان شكل الحياة في هذا المقام مرتبطًا بالمجتمع البشري، تختلف الألعاب اللغوية – باعتبارها الشكل المنطوق من أشكال الحياة – بحسب اخت ف الثقافات والطبائع والأزمنة والع قااات الاجتماعية وقواعد التصرف عامة، فتكون «طريقة تصرف البشر النظامَ المرجعي الذي نؤول بواسطته لغة مجهولة لدينا». هكذا يقول

فتغنشتاين الذي يلقي بنا في خضم التداولية اللسانية، حيث لا وجود لفهم متبادل خارج تجربة

المجموعة اللغوية المتشكلة. لكن حتى لو نقلَنا فتغنشتاين من البحث عن جواب للسؤال: «ما المعنى؟» إلى جواب عن سؤال يبدو أشد بساطة: «أين يوجد المعنى؟»، فيضعه في سياق الاستعمال وفي تراكمه، تظل لهذه الأسئلة تداعيات مباشرة على الترجمة عامة وعلى ترجمتنا

العربية لنص تحقيقات فلسفية على وجه الخصوص.

Professor of General Linguistics, University of Tunis. Email: a.bannour@hotmail.com

when we imagine a language, we imagine a ‘form of life’. And, like all forms of life it is linked to the environment and community, hence ‘language forms’ and ‘language games’ vary depending on different cultures, natural environments, time, social relations and rules of conduct. Thus the mode of human behavior, according to Wittgenstein, is the reference system that allows us to interpret an unknown language. It is in this way that Wittgenstein pushes us in the tumult of pragmatic linguistics, where there is no mutual understanding of the language outside the experience of the formed group. However, even if Wittgenstein moves from seeking the answer to the question ‘What is the meaning’ by answering a question that seems simpler: ‘Where is the meaning?’ – by keeping it in the context of use – these issues have direct implications for translation in general and obviously for our Arabic translation of Philosophical Investigations , in particular.

أولا: فتغنشتاين في مجلس الأخفش

من لطيف المصادفات أن يكون أولُ عهد كاتب هذه السطور بالفيلسوف النمساوي فتغنشتاين آخرَ ما كتبه، وهي عبارة عن جذاذات نشرت بعد وفاته في كتاب عنوانه في اليقين. وفي

هذا الكتاب كان يتحدث في الفقرة 467 عن اليقين وطريقة عرضه. قال: «كنت جالسًا في الحديقة

مع أحد الفلاسفة وكان يكرر ويعيد: ‘أنا أعرف أن هذه شجرة’، مشيرًا إلى شجرة كانت بجانبنا. أقبل

شخص ثالث وسمع ما كان يقوله (محدثي)، فقلت له: هذا الرجل ليس مجنونًا، كل ما في الأمر أننا نتفلسف». يستدعي هذا المشهدُ المشهدَ الذي أورده أبو حيان التوحيدي (ت. 414 ه/ 1023 م) في الإمتاع والمؤانسة. قال: «ووقف أعرابي على مجلس الأخفش، فسمع كلامَ أهله في النحو وما يدخل معه، فحارَ وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش (ت. 215 ه/ 830 م): ما تسمع يا أخا العرب؟ قال:

(((الأخفش أبو الحسن سعيد بن مسعدة البلخي، عرف ب «الأخفش الأوسط»، وكان من أئمة النحو. (((كان ذلك سنة 1979، زمن إعدادنا رسالة الدكتوراه في أفعال الجهات. وقد نوقشت في بداية سنة 1981، ونشرت بالفرنسية سنة

1986، عن كلية الآداب والإنسانيات بمنوبة، تونس. كتب فتغنشتاين في اليقين Über Gewißheit، بين سنتَي 1949 و 1951، ونشرته

تلميذته جرتريد أنسكومب Anscombe Gertrude، بمعية غيورغ فون رايت Wright von Georg، بعد وفاة فتغنشتاين، وذلك سنة (((تتميز جهة الإقرار بخاصية التعبير عنها من دون مؤشرات جهوية، كأن نقول: «القط على الفراش»، أو «هذه شجرة»، مثلً. لذلك

كان كل تأكيد من قبيل لا شك في «أن القط على الفراش» أو «أنا واثق من أن هذه شجرة» أو شك، من قبيل «أظن أن القط على الفراش» أو «أنا أشك أن هذه شجرة»، تباعًا، إذا كان الموقف يضعه إزاء قط أو شجرة، يتساويان في إضعاف القضية؛ لأن أقوى صيغ

الإقرار تكون بغياب التأكيد والشك على حد السواء، أي الاكتفاء بالقول: «القط على الفراش» أو «هذه شجرة». من ذلك، مثلً، أنه

لا يمكن أن يشك عاقل أو غير متفلسف في البديهيات فيقول: «أنا أعرف أنني هنا» أو «أنا أشك أنني هنا»، أو =1+1 2 من دون شك، حيث يتساوى الشك واليقين. وهذه من غرائب اللغات (لأنها غير مرتبطة بلغة بعينها)، ولكنها مما يبرر أهمية القضية، ويفسر سبب نعت من يقولها بالجنون أو بالتفلسف. (((لودفيغ فتغنشتاين، في اليقين، ترجمة وتقديم مروان محمود (بغداد/ بيروت: دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، 2020)، الفقرة.467

أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا». لكن هذا المشهد، رغم دلالاته وطرافته، لا يرقى كثافةً إلى درجة المشهد الذي يورده فتغنشتاين، بحيث، إذا استثنينا بديع التلع ب بالكلام وجمال التعبير، لن يبقى من العبارة في مشهد الأخفش إلا لفت الانتباه إلى اختلاف اللغة الواصفة عن اللغة العادية. فيمَ استوقفنا هذا المشهد؟ ولماذا؟ وكيف نتناوله؟ أنأخذه بسذاجة ظاهره مأخذ الجد أو بارتياب من بواطنه مأخذ الهزل؟ أنرى فيه شفافية النص العلمي أم كثافة النص الأدبي؟ مجرد طرح هذه الأسئلة يرتقي بهذا المشهد الذي تعبر عنه جملة فتغنشتاين إلى ثخانةٍ وكثافةٍ؛ كثافة النصوص ذات الوجوه وطبقات التأويل، رغم صيغته اللغوية المبتذلة ابتذالً. وأول صور الكثافة أنه يستوقف القارئ فيحيل بدءًا إلى نفسه، قبل أن يشير إلى محتوى أو مرجع، إن وُجد. يستوقف مشهدُ

المتفلسفِ المجنونِ القارئَ؛ لأنه متعدد الطبقات مثل نص أليس في بلاد العجائبللويس كارول Carroll Lewis)1898–1832(. وفي النتيجة، يكون مفتوحًا على إسقاطات القراءة والقراء. في

استطاعته أن يُضحك القارئ العادي، فيمر عليه مرور الكرام، ويُغضب الفيلسوف، ويحير المطلع على كتاباته، فيدفعهم جميعًا إلى طرح كم من التساؤلات. كيف يحسُن أن يُقرأ، إذًا، هذا المشهد وهو من آخر ما كتب فتغنشتاين؟ لقد علمتنا التداولية اللسانية التي كان لفتغنشتاين نفسِه أشد الأثر في تطورها، أن نهتم بالتأويل بالسياق وهوية قطبي الخطاب، ومن يقول: ماذا؟ ولمن؟ وتحديد هدف الحوار ومقاصده. فلو جاءت هذه العبارة على لسان شخص عادي من العامة لكانت عبارة مبتذلة. ولو قالها الشخص الثالث (أعرابي مجلس الأخفش) لكانت العبارة أقل غرابة. لكن فتغنشتاين ليس رجلً من العامة، فكيف لو كان الأخفش هو من قال ما قاله الأعرابي؟

ثانيًا: الحد الفاصل أو الحوَل الفلسفي

يبدو مشهد «نحو» الأخفش مختلفًا عن مشهد تفلسف فتغنشتاين، اختلاف الحد الفاصل وازدواجية الرؤية. يهم الحد الفاصل اللغة العادية مقابل اللغة الواصفة، والعاقل مقابل المصاب بمرض الجنون، والأخفش مقابل الأعرابي، والناظر إزاء المنظور إليه، والمرض إزاء علاجه. وأول سؤال يتبادر إلى الذهن، يهم الحد الفاصل بين الفلسفة والجنون. فمجرد مسارعة فتغنشتاين إلى نفي الجنون عن الخطاب، ونعته بالفلسفي، يتضمن إمكانية عدم التمييز بينهما. فما حدود التمييز بين ما يعتبر مرضًا عقليًا وما اشتهر عنه أنه تسامٍ فكري؟ وأين هو موقع فتغنشتاين وفلسفته من هذه

الحدود؟ لكن لن يكون الجنون هنا فقدان العقل، بقدر ما هو استعارة للمرض العقلي المتمثل في

(((أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة (بيروت: المكتبة العصرية، 1953)، ص.139 (((يأتي فتغنشتاين على ذكر لويس كارول في مناسبتين، في: لودفيك فتنغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة وتقديم عبد الرزاق بنور (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، الأولى في الفقرة 13، ص 128، والثانية في الفصل 14، ص.428

حيرة التفلسف (أي مرض التفلسف)، باعتباره، كما يرى فتغنشتاين، أنه ما ذلك إلا طرحٌ لتساؤلات

تُطرح بتاتًاَّمن المفترض أل. الحد الفاصل شفاف واضح في مشهد الأخفش، بينما هو كثيف غير شفاف عند فتغنشتاين الذي يضطلع بدورَي الأخفش والأعرابي في آن. يقوم بدور الفيلسوف ويطرح حيرة الإنسان العادي، فهو يرى في نفسه المريض والطبيب المعالج؛ يقول في الكتاب نفسه: «إن الحد الفاصل بين الشك واليقين – واهيًا نسبيًا – يتوقف على الإجماع أكثر مما يرتكز على أدلة منطقية قطعية. ولذا يمكن أن

يجد المرء نفسه فجأة مجنونًا بين العقلاء أو عاقلً بين المجانين». ويمكن أن يحاجلَّ ك واثق برأيه

بالقول: إنك كنت في حالة هذيان! إذا كان الفرق جليًّا بين الأخفش والأعرابي، فذلك لأن النحو

لغةٌ من درجة ثانية (لغة واصفة أو ما وراء–لغة). هل نستطيع القول، اعتمادًا على مشهد الأعرابي والأخفش، إن فتغنشتاين ينظر إلى الفلسفة باعتبارها لغة واصفة بالنسبة إلى اللغة العادية؟ وهل يمكن موازاتها ب «نحو» الأخفش، واعتبارها لغةً يُتكلم بها في الكلام العادي بما ليس من الكلام العادي؟ كلا! لا يعترف فتغنشتاين بوجود لغة من درجة ثانية أو منطق من درجة ثانية أو فلسفة من درجة ثانية. يقول: «يمكن أن يُفهم: إن التحدث عن الفلسفة باستعمال لفظة ‘فلسفة’، يستوجب وجود فلسفة من درجة أعلى. لكن الأمور ليست على هذا الشكل: بل إنها تشبه مسألة الإملاء التي تهم لفظة ‘إملاء’؛ إذ إن هذه اللفظة ليست أعلى درجة من الأولى». كل ما في الأمر أننا نتناسى أن الألعاب اللغوية تأخذ أشكالً متعددة – سواء لغة الحياة العادية أو لغة التفلسف – ولا تستثني التفلسف: «إن أحدَ أهم مصادر سوء فهمنا هو أننا لا ننظر بوضوح في استعمالنا للألفاظ. إن نحونا تنقصه النظرة الشمولية». لا بد من وضع الأمور في نصابها كي لا نقع – نحن أنفسنا – في سوء الفهم. الشمولية لا تعني التعميم! الشمولية لا تتضارب واعتبار الحالات الخاصة. القضية تتلخص في وضوح الرؤية والنظر إلى كل حالة خاصة باعتبارها لعبة داخل مجموع الألعاب اللغوية؛ نظرًا إلى الشبه العائلي الذي يجمع بينها.

لا تفضي الشمولية بمعنى التعميم – أي صوغها بشكل عام – والتجريد، كما يقول، إلا إلى شظايا نظام، بينما تأخذ حالةُ المتكلم النفسية ومقاصدُه بعدًا وصفيًا تفسيريًا.

ثالثًا: فتغنشتاين وميوعة الاستعمال

في إمكان من يبحث عن تطور فلسفة العلوم اللغوية أن يرى في هذا المقام توازيًا بين منهجية فتغنشتاين

والأسس النظرية والتطبيقية للتداولية. فبقدر ما يهم التعميم والتأسيس لقوانين عامة، التركيبَ والدلالةَ،

(((فتغنشتاين، في اليقين، الفقرة.420 (((المرجع نفسه. (((فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 121، ص.199 (((1 المرجع نفسه، الفقرة 122، ص.199 (((1 المرجع نفسه، الفقرة 14، ص.476

فينعتها بموجب ذلك بالعلوم اللغوية الصلبة لسهولة صياغتها بطريقة رياضية ومنطقية، تهتم التداولية بالحالات الخاصة التي يصعب إدماجها ضمن قوانين مجردة. وتوصف، تبعًا لذلك، ب «العلوم اللغوية اللينة أو المائعة». هكذا، إذًا، لم يقدم فتغنشتاين نظرية عامة في المعنى باعتباره استعمال Theory Use؛ لأن الاستعمالات متنوعة ومتعددة، تعد دَ الألعاب اللغوية التي تحتويها. وبناءً عليه، لا يمكن احتواؤها في صيغة منطقية. وتبقى مفتوحة. فهو لا يقول بوحدة الدلالة وثباتها مقابل تعدد المعاني وتغيرها، مثلً، مثلما نرى ذلك في اللسانيات السوسيرية. ومن اللافت أن تأثيره في اللسانيين من وجهة النظر هذه كان أضعف من تأثير فردينان دي سوسير Saussure de Ferdinand (1913–1857) الذي مثّل التيار المهيمن، رغم ظهور نظريات سيميائية أخرى نعود إليها لاحقًا. فمثلً، نرى هرالد فاينرش Weinrich Harald، وهو من المتأثرين بنظرية فتغنشتاين، لا يشاطر فتغنشتاين في ما يتعلق بهذه القضية. ولا نفهم سبب تراجعه وانحيازه إلى دي سوسير إلا من باب الانسياق مع التيار العام وولائه للسانيات على حساب الفلسفة، أو انحيازه إلى علم الدلالة على حساب التداولية. ففي حين يرى فتغنشتاين أن الدلالة لا تحدد الاستعمال، بل العكس هو الصحيح، يعتبر فاينرش أن للف ظةِ دلالةً مطلقة ثابتة مستقلة عن الاستعمال، وهي التي تقود استعمالنا للألفاظ وترشده. وفي حين ليس للفظةِ «حُب» إلا دلالةً واحدة ثابتة، نرى لها معانيَ متعددة تختلف من جملة إلى أخرى، بل يؤكد فاينرش استحالة أن يكون للفظة

ما المعنى نفسه في جملتين مختلفتين أبدًا. وكأننا إزاء مقابلة بين دلالة مطلقة مستقلة عن الاستعمال ومعنى خصوصي في استعمال سياقي محدد. وهو يكرس بذلك النظرية السوسيرية التي ترى أن للف ظة نواةً دلالية مستقلة عن كل استعمال، وأن استعمالها في سياق معين يمكّنها من اكتساب معانٍ سياقية تضاف إلى تلك النواة الدلالية أو تعدلها. وبهذا نضمن الفهم المتبادل بين أطراف الخطاب، بضمان استقرار الدلالة النووية. انطلاقًا من هذه النظرة، نعي كيف قسمت كل النظريات تقريبًا، على اختلافها

وتنافرها، الدلالاتِ، ورتبتها في صنفين متقابلين: – حقيقي # مجازي. – أول # ثان.(و)ي – أصلي # عرضي. – بديهي # إبداعي.

((1(ينظر: مقدمة كتابنا معجم المنطق للغويين (فرنسي–إنكليزي–ألماني:)

Abderrazak Bannour, Dictionnaire de logique pour linguistes (français–anglais–allemand) (Paris: PUF & Cilf, 1995).

((1(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 43، ص.153 ((1(هرالد فاينرش، اللغة والكذب، تعريب وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنور (عمان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2015)، ص.67

لن ندخل في هذا الجدل فنعتبر ألّ وجود أصلً لشيء اسمه المعنى الحقيقي، في مقابل معنى آخر نضفي عليه صبغة المعنى المجازي؛ لأننا إذا نظرنا إلى تاريخ تطور اللغات، يصبح هذا التمييز مصطنعًا اصطناعًا، ولا يمت إلى واقع اللغة بشيء، ولا سبيل إلى القبول به إلا باعتباره مرحلة من مراحل التحليل البيداغوجي، بل سنلزم حدود موضوعنا لنقول إن هذه السيمياء تَعتبِر منطقيًا أن الدلالات الأصلية في

الألفاظ، وأن المعاني الثانوية المولدتَّة موجودة في السياقا. هذا ما لا يقبل به فتغنشتاين، ولا نقبل به نحن أيضًا. هل يمكن تصور لفظ خارج استعمال ما؟ وأين توجد هذه الدلالة الخارجة عن الاستعمال؟ أهي في الكون الثالث Welt Dritte الذي تحدث عنه غوتلوب فريجه Frege Gottlob (1932–1858) أم في العالم المثالي الأفلاطوني؟ وكيف يمكن أن تختزل هذه الدلالة كل الاستعمالات قبل الاستعمال؟ يقول لنا فتغنشتاين: «إن ضمان الاستعمالات، ليس النواة الدلالية، بل اكتساب القاعدة التي تحكم كامل اللعبة اللغوية، وتمنع عنها فوضى كل استعمال شخصي لا يمْتَثِلُ للقاعدة. ويتطلب الامتثال للقاعدة منظومة اجتماعية فيتضمن شكل حياة». يضرب فتغنشتاين مثَل التلميذ الذي يتعلم الأرقام فيتساءل: فيمَ تفيد معرفة قيمة الرقم 1 في استعمالاته المتعددة، إذا كانت قيمته لا تتحدد إلا بموقعه؟. فهل يمكن أن يستبطن كل الاستعمالات اللامتناهية لهذا الرقم والأرقام الأخرى كي يتمكن من استعماله؟ الشيء نفسه يجري على ألفاظ اللغة وقواعد الألعاب اللغوية. بناءً على ما سبق، نعتبر فتغنشتاين أقرب إلى ألفرد كرشيسكي Karshesky Alfred (1950–1879)، وما

يسمى «علم الدلالة العام» Semantics General، أو السيمياء الاندماجية Semiotics Integrative فظة نواةً دلالية قارة في المطلق – أي خارجة عن كل استعمال – وأنها تكتسب معانيها التي لا ترى لل بحسب سياقات استعمالها ولا تكتسبها إلا باستعمالها. ومن أهم أطروحات هذه السيمياء أن الرمز لا يحمل نواة دلالية خارج السياق، فلا سبيل للحديث عن رمز خارج سياق استعماله الثقافي، وأن المعاني موجودةً في تاريخ استعمال الرمز في سياقه؛ هي تداولية زمانية، كما نتبيّنه. لهذه الأسباب، تكون للمؤشرات الثقافية والمحيط العام للخطاب أهمية كبرى، بحيث يعطي المحيط الذي يندمج ضمنه الرمزَ دلالتَه، أو قل إنه لا يصبح رمزًا أصلً إلا بموجبه ومن خلاله، مثلما يعطي القارئ الذي يُسقط محيطه الثقافيّ على النص اتجاهاته التأويلية، فيكون للنص معانٍ – أو تأويلات،

إن شئنا – مختلفة بحسب السياقات الثقافية المحكومة بدورها بعاملَي المكان والزمان.

(((1 للمزيد من التفصيل في هذه القضية، ينظر: عبد الرزاق بنور، «أبجديات البلاغة الشعبية (ترجمة ‘الرأسمال الرمزي’ في

الخطاب الإشهاري)»، المترجم، مج 11، العدد 23 (2011)، ص.38–7 ((1(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 327، ص.286 (((1 المرجع نفسه، الفقرة 143، ص.210 (((1 يعود الفضل في إرساء قواعد هذه السيمياء غير الأرسطية إلى الفيلسوف البولندي الأصل ألفرد كرشبسكي الذي أخمد ذكره مدة طويلة من الزمن (من 1929 إلى 1969) لصعوبة طرحه وجرأته، حتى أعاده إلى الوجود الفيلسوف الياباني صموئيل إيتشي هاياكاوا Hayakawa Ichiye Samuel).1992–1906(

من المحتمل أن يُعترض علينا بالقول إن فتغنشتاين يعترف بوجود Sinn" " مقابل Bedeutung" ". وقد ترجمناهما في المقابلة بين المعنى والدلالة، تباعًا. ألا يعني هذا أن فتغنشتاين يعترف بالتمييز السوسيري بين الدلالة والمعنى؟ لا، بكل بساطة. نذكر في هذا المقام أن الأمر لا يمتّ إلى هذين المفهومين بصلة، وأننا اكتفينا بتخصيص Sinn" " لمعنى «الكلمة»، و Bedeutung" " لمعنى «الجملة ». ولم نستعمل المصطلحين للإشارة إلى مستويين من التحليل، أو إلى نواة دلالية مقابل استعمال سياقي. فهذه المقابلة ليست سوى ضرورة عملية تفرض التمييز العملي بين معنى الكلمة ومعنى الجملة، وقد تكون شاهدًا على شدة رغبتنا في الالتصاق بروح النص الأصلي. قلنا إن نسبية الاستعمال والمعنى مقابل ثبوت الدلالة في المطلق، يحيلنا إلى قضية التمييز بين ما يسمّى «المعنى الحقيقي» مقابل «المعنى المجازي». ألا يقع هذا في نطاق التمييز بين اللغة الواصفة واللغة الدالة؟ يعيدنا الجواب عن هذا التساؤل، إلى مجلس الأخفش الذي يعتبر النحو لغةً من درجة ثانية، ولماذا لا تكون التحقيقات الفلسفية في الواقع تحقيقات نحوية، كما يتخيل بعضهم؟ وإن كانت كذلك، فهل يتلاشى عندها الفرق بين مشهد الأخفش ومشهد فتغنشتاين بتلاشي الفرق بين النحو والفلسفة؟ لا نظن ذلك واردًا، لأن النحو عند فتغنشتاين ليس نحو النحاة ولا هو لغة من درجة ثانية، فلا يتعلق النحو بالتركيب كما يمكن أن يُتوقع، بل بالدلالة، لأن القواعد النحوية لا تحدد العلاقات بين الألفاظ كما هو الحال في تعريف وظيفة النحو الشائعة بين اللغويين، بل العلاقات بين اللغة والواقع، أي ما يناسب علم الدلالة في تعريف تشارلز مورس Morris Charles (1979–1903)، مثلً، وليس التركيب: «يميل المرء إلى التمييز بين قواعد النحو التي تربط بين اللغة والواقع وتلك التي لا تفعل ذلك». وينبغي أن نتأمل جيدًا قوله: «لا يقول النحو شيئًا عن الكيفية التي يجب أن تنبني بها اللغة، حتى تحقق الغرض منها، وحتى تؤثر في الإنسان بطريقة أو بأخرى. هو يصف فقط استعمال العلامات، دون أن يفسرها بأية طريقة كانت». فنفهم أنه يجعل مهمة النحو غير مرتبطة بصفة مباشرة بالتركيب، ولا حتى بالتصريف. فكل ما يقوله مرتبط بصناعة المعنى في الاستعمال، إن صح التعبير، لأن مفهوم الاستعمال يضطلع بدور محوري في فلسفته. وهكذا، أن تفهم مدلولً للفظةٍ ما يعني «أن تعرف الإمكانات النحوية لاستعمالها». لكن لمعترض أن يعترض بالقول: إن فتغنشتاين يميز بين مستويين، كما يفعل الأخفش تمامًا، بدليل حديثه عن نحو عميق ونحو سطحي. فيكون جوابنا: إن القائل يفكر في المقابلة التشومسكية التي يحتمل تأثرها بفتغنشتاين،

((1(ينظر: مقدمة تعريبنا لكتاب: فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ص.108–98 ((2(نلاحظ كذلك أننا في ترجمتنا تحقيقات فلسفية، لم نعرّب عنوان مقال غوتلوب فريجه "Über Sinn und Bedeutung"،

ب «في المعنى والدلالة»، بل عربناه ب «في المعنى والمرجع»، درءًا لسوء الفهم، وتلاؤمًا مع محتوى النص الفريجي.

(21) Ludwig Wittgenstein, Philosophische Grammatik , R. Rhees (ed.) (Oxford: Oxford University Press, 1969), Chap. 4, § 89.

وجاء في النص الأصلي الألماني ما يلي:

"Man möchte zwischen Regeln der Grammatik unterscheiden, die ‘eine Verbindung von Sprache und Wirklichkeit’ herstellen, und solchen, die es nicht tun."

((2(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 496، ص.338

(23) Wittgenstein, Chap. 1, § 10.

كما أوردناه في ترجمتنا بين البنية العميقة والبنية السطحية. لكن فتغنشتاين لا يعتبر النحو العميق إلا في معناه التداولي، رغم حديثه عن البنية. يقول: «في الإمكان أن نميز في استعمال لفظة ما بين نحو سطحي ونحو عميق. وما ينطبع فينا مباشرةً عند استعمال لفظة ما، هو طريقة استعمالها في بنية القضية، بجانب استعمالها الذي نستطيع أن نقول: إنه يمكن أن يُدركَ. والآن قارن النحو العميق للَفْظة يقصد، مثلً، مما

يجعلنا نتكهن نحوَها السطحياَّ. ولا غرابة إذا وجدنا أنه من الصعب أن نعرف طريقنا هن». ففي هذا

المقام يقع التمييز بين المعنى واللامعنى المرتبطين بالبنية، وبين المحتوى واللامحتوى المرتبطين بمقاصد الاستعمال. فلا وجود لمستويين في اللغة، إلا أنه ثمة عمليتان في استخدامها، أي لعبتان لغويتان: الأولى خارجية، تتمثل في التعامل مع العلامات. والثانية داخلية، تتمثل في فهم تلك العلامات: «عندما أتحدث عن اللغة (لفظة، قضية... إلخ)، لا بد أن أتحدث عن اللغة اليومية، فهل هذه اللغة فظة، مادية، إلى درجة أنها لا تسمح بالحديث عما نريده؟ لكن كيف سنصنع لغة أخرى؟ أليس من الغرابة أن نتمكن، رغم ذلك، من فعل أي شيء! أن أكون مجبرًا، في تفسيراتي حول اللغة، على استخدام كامل اللغة (وليس

لغة تحضيرية أو وقتية)، يبرهن لي أنني لا أستطيع أن أقدم في ما يخص اللغة إلا أشياء خارجة عنها». هل وضع التمييز بين الجنون والتفلسف حدودًا بين التفكير واللاتفكير؟ ألم يثبت، بالأحرى، أن اللغة – من حيث هي وسيط نعبر من خلالها عن تفكيرنا وما ليس يقع في مجاله أيضًا – تتموضع على جانبَي الخط الفاصل؟ أليست في قدرة البشري إمكانية لإحقاق هذا الفصل، وبرهان على

مُكنته في أن يُفكر على جنبتي الخطِّ، وبصورة خاصة في ما لا يدَان لنا التفكير فيه؟ وسيمضي هذا

الخط لزومًا من اللغة وبها، فتصير اللغة، بذلك، الوسيلة التي لا يُمكن الاستعاضة عنها البتة في

إدراك الكون أولً، وفي الإفصاح عنه ونعته ثانيًا. فما هو من ضئضئها يمثل المعنى، وما يقع مقامه

على المنحى الثاني يمثل اللامعنى Unsinn. لكننا في المقابل من ذلك، لو أردنا أن نتبين حدود هذا المعنى – ما يفصل بين المعنى واللامعنى – فيلزمنا تطبيق مقياسٍ أو وجود علامةٍ. لنقل: إن تُخوم اللغة ستكون تُخوم الكون، وما الكون إلا مجمل الوقائع. والصورة المنطقية لهذه الوقائع هي التفكير، وما التفكير إلا القضية ذات المعنى. وما دامت اللغة تتألف من مجمل القضايا، فما الذي يكون جنونًا أو لامعنى إذًا؟ هل هو ما لا يُفصح عن شيء؟ أو هو ما لا يشير إلى شيء؟. إن طرح السؤال

بهذه الطريقة، يشير إلى خلطٍ واضحٍ بين اللامعنى واللامحتوى. والحد الذي يبتغيه فتغنشتاين هو في أن يسطِّره بين التفكير واللاتفكير، أرهف مما نعتقده، أو لعله يكون أشد كثافة مما يبتغيه. فما لا يقع مجاله في التفكير – ومن ثم إلى اللغة – ليس بالضرورة فارغ المحتوى، بل إنه معدوم المعنى. وجب الفصل ههنا، إذًا، بين اللامعنى Unsinn، واللامحتوى Sinnlos. لكن هل يناسب هذا التمييز

((2(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ص  384، الهامش.343 (((2 المرجع نفسه، ص.384 (((2 المرجع نفسه، ص 64. مقدمة المترجم. (((2 المرجع نفسه، الفقرة 120، ص.198 (((2 المرجع نفسه، مقدمة المترجم، ص.58 (((2 المرجع نفسه، مقدمة المترجم، ص.59

الجنون والفلسفة، تباعًا؟ لا يُمكننا القول إنّ التناقض هو قضية مُفرغة المعنى، بل هو قضية معدومة المحتوى، حتى إن كان لها الشكل المنطقي المعهود للقضية؛ ذلك أنها تبقى نائية بنفسها عن ظروف الحقيقة، ولا تُنبئ عنها بشيء؛ لأنها كاذبة بصورة مطلقة. وكذلك تحصيل الحاصل، من نوع حي أو لاحَيٍّ، فإنه ليس معدوم المعنى، بل معدوم الإنباء عن ظروف الحقيقة. فهو صادق مطلقًا،

بقطع النظر عن ظروف الحقيقة. ألا يعني هذا وجود تفكير ذي شكل منطقي؛ أي ذي معنى ومن دون محتوى؟ بالتأكيد. فللمعنى محتوى، وليس للمحتوى معنى؛ إذ إننا نجد تراكيب سليمة – أي ذات معنى – إلا أنها معدومة المدلول، وإذا قيل، مثلً، إن قضية من القضايا مُفرغة المحتوى Sinnlos، فلا يعني ذلك بالضرورة أن معناها أيضًا لا محتوى له. ولا يتجسد هذا الفارق بين الأطروحتين إلا في ما يتعلق بمقياس ومقدار اعتبار المعنى. فحينما يكون اللامعنى مُخْتلًّ في التركيب، تصير ههنا وضعية التركيب خارج التداول. ونحو اللغة الذي من خلاله يتم تحديد تنوع وتباين الألعاب اللغوية وقُدراتها وهو كذلك الذي يقوم بتحديد الفرق بين اللامعنى، وعناصرُها هي التي تقوم بتحديد

دلالتها وفحواها! لماذا تكون مثلًالقضية: «الكرسي يفكر خُفيةً» مفرغة المحتوى؟ هل معنى ذلك أنها لا تُماثِل الشكل المنطقي للقضايا؟ أم لكونها لا تنتمي إلى نحو اللغة؟ هذا هو الإشكال الذي يسعى فتغنشتاين لحلّه في كتابه تحقيقات فلسفية، لأن ما يُنعت بأنه «معنى» لقضية  ما، لم يعد معروفًا كما عهدناه في كتاب رسالة منطقية فلسفية Logisch–Philosophische Abhandlung وقد اشتهر الكتاب بعنوانه اللاتيني Tractatus Logico–Philosophicus، وترجمه عزمي إسلام عام 1969 بعنوان رسالة منطقية فلسفية. وهو يتناول وصفه هنا انطلاقًا من الاستعمال خاصة. وسيتم تحديد هذا الاستعمال، بدايةً، من نَعت مقصودية المتكلم ومن الغاية الذي يبتغي إحقاقَها من وراء كلامه، وليس من نَعت الصورة المنطقية للقضية. ولا يدانِ لنا بشأن فهم القيمة الوظيفية للقصد، إلا إذا تمت الاستعانة بما يقوله هو بذاته عنه. فعندما يجعله شرطًا من شروط قيام أفعال الكلام Acts Speech، فإنه في لحظة إلغاء عنصر القصد من اللغة ستتهاوى بذلك كلّ وظيفتُها. يعتبر فتغنشتاين التمييز بين لغة واصفة ولغة عادية ضربًا من المثالية اللغوية، وشرخًا يفصل بين اللغة العادية والتفلسف، أي إنه يقابل بين الكلام العادي وكلام الفلاسفة، في حين تقبل الألعاب اللغوية كذلك بالتفلسف لعبة لغوية ضمن الألعاب الأخرى. لا وجود لمفارقة هنا، فالفصل بين الأخفش والأعرابي وبين اللغة العادية واللغة الواصفة ضرب من المعيارية، أي – من وجهة نظر فتغنشتاين – ضرب من الدوغمائية: يجب أن نفهم أن ثمة من الجنون ما هو إيجابي أيضًا. ففي غرابة الجنون نبذٌ للدوغمائية واحتفاءٌ بديوجينوس Diogenus، لأن فتغنشتاين يعتبر نفسَه أسلوبًا في التفكير، أي شكل حياة، وليس

نموذجًا فلسفيًا. يقول في مقدمة كتابهتحقيقات فلسفية: «لست أرمي من وراء هذا العمل إلى أن أوفر على

(((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص.62 (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص.63

غيري عناء التفكير، بل أرمي إلى حفزهم على التفكير بأنفسهم كلما كان ذلك ممكنًا». وإذا كان للجنون والهراء موطن قدم في الفلسفة، فلن يكون عنوانها إلا نبذ الدوغمائية التي نقع فيها بسهولة عندما نتفلسف. هذا يصح بالنسبة إلى اللغة الألمانية أكثر من أي لغة أخرى؛ إذ إننا لن نفهم صفة المجنون verrückt إلا بمقابلتها بضدها unverrückt التي تعني الثابت الذي لا يتزعزع، أي اليقين والطمأنينة. الجنون هو، إذًا، التقلقل والقلق وعدم الثبات: تقلب الحالات الخاصة مقابل ثبات التعميم، وهو كذلك عدم الركون إلى فكرة واحدة وقطع التسلسل وتعدد الأصوات وتداخل خيوط التفكير، وانقطاعها فجأةً أحيانًا للعودة إليها بعد صفحات عديدة. وهذه طريقة فتغنشتاين في الكتابة والتفكير. لكن أليست هذه خاصيات النصوص الأدبية التي تتميز من النصوص العلمية ذات المعيارية الصارمة والدوغمائية المبالغ فيها، كمثالية فريجه، ودوغمائية راسل، اللذين يسعيان إلى لغة نقية، صافية، خالية من كل إبهام؟ في المقابل، يرى فتغنشتاين أن كل شيء يحدث داخل اللغة، وما سبب المشكلات الفلسفية التي تولِّد اللامعنى إلا عدم إمكانية استعمال عبارة ما؛ لعدم معرفتنا بنحو استعمالها.

رابعًا: هل يسقط طاليس في البئر؟

كيف يحسُن أن نفهم مشهد التفلسف والجنون من هذه الزاوية إذًا؟ يمثل هذا المشهد من وجهة نظرنا عقدة أساسية لفهم فلسفة فتغنشتاين، وتكمن أيضًا بلاغة هذا المشهد ودلالته في أن قيمة الفلسفة الحقيقية لا تقاس بمعيار بناء النماذج التفسيرية والأنظمة المثالية والتخمينات الميتافيزيقية. فكل ذلك في نظره ضرب من إنتاج الجنوح اللغوي والجنون المعرفي والهراء المستحيل واللامعنى وتحصيل الحاصل؛ إذ يقول: «يتمثل حاصل الفلسفة في اكتشاف بعض السخافات Unsinns البسيطة والتورمات التي أصابت الفكر من جراء اصطدامه بحدود اللغة. هذه التورمات هي التي تجعلنا ندرك قيمة الاكتشاف». يمكن أن نقرأ هذا المشهد أيضًا باعتباره نقدًا ذاتيًّا، أي إنه من باب سخرية فتغنشتاين

من نفسه، وسخرية الفلسفة من التفلسف. إنها ازدواجية أخرى من قبيل تلك التي تجعله يتقمص دور الأعرابي والأخفش. لكنها تثبت أيضًا «واقعيته» مقابل «المثالية» التي وقعت في وحْلها الفلسفة. فيدعو فتغنشتاين الفلاسفة إلى النظر تحت أقدامهم قبل النظر إلى السماء. يلبس فتغنشتاين في هذا المقام ثوب طاليس، وثوب الخادمة التراقية في المشهد الساخر الذي يعرضه أفلاطون في محاورة ثياتيتوس Theaetetus، حيث سخرت فتاة تراقية من الفيلسوف طاليس Thales (546–624 ق. م) الذي كان شاخصًا ببصره يراقب النجوم في السماء. ولم يكن ينظر إلى موقع قدميه حتى سقط في البئر. يقول أفلاطون: «إن هذا التشبيه ينطبق على كل الذين يقضون حياتهم في التفلسف».

(((3 المرجع نفسه، توطئة المؤلف، ص.115 (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، الفقرة 119، ص.198–197 (((3 الفتاة من تراقيا اليونانية التي تقع في أراضي اليونان الشمالية الشرقية. ((3(أفلاطون، محاورة ثياتيتوس أو عن العلم، ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص.72–71

هكذا، لن يسقط طاليس في البئر، ولن يكون محل سخرية، شرط أن تحدد الفلسفة مهمتها بفضح سخافاتها وتعريتها، وخلع الهالة التي تحيط بها بالتهكم من نفسها بنفسها. بهذا تصبح الفلسفة علاجًا من مرض التساؤل الميتافيزيقي، فلن تبحث عن أجوبة للأسئلة الفلسفية بقدر ما تسعى إلى علاجنا من طرحها. أين يقع الحد الفاصل بين السخرية والجد؟ يقول فتغنشتاين في درس ألقاه سنة 1930: «لقد أضاعت الفلسفة هالتها»، وكان يقصد «ماتت المثالية»، وحلت محلها الواقعية، حيث «توهمنا هذه الأمور وكذلك سوء إدراكنا لمنطق اللغة بأن القضايا ينبغي أن تنتج شيئًا خارقًا، لا مثيل له، فيجعلنا سوء الفهم نتوهم أن القضايا تأتي أمرًا عجبًا». ويؤكد هذا الشرط بوضوح أشد فيقول: «إذا كان لألفاظ مثل

‘لغة’ و‘تجربة’، و‘كون’، استعمال فلا بد أن يكون في تواضع استعمال ألفاظ مثل ‘طاولة’ و‘مصباح’، و‘باب»’. وما ميلنا إلى اعتبار لفظة «لغة»، أعلى من لفظة «طاولة»، إلا نتيجة اعتبارنا اللغة العادية قاصرة، وأنها في حاجة إلى لغة أرقى. هل هي فلسفة هدامة، كما يتهمها بعضهم؟ كلا، يجيبنا فتغنشتاين بقوله: «من أين يستقي مبحثنا أهميته، في حال يبدو فيها كأنه يحطم كل ما هو مهم، أي كل ما كان عظيمًا وذا شأن، فيبدو كأنه يحطم كل المباني ولا يخلف وراءه إلا ركامًا وأنقاضًا من الحجارة؟. إنه لا يحطم سوى قصور من ورق [Luftgebaüde] ليصلح بذلك الأرض التي تقوم عليها أسس اللغة». إذا كان فتغنشتاين يزعم أن مصدر مشكلاتنا استقالةُ اللغة وأنها تتلاشى حال اشتغالها، ويدّعي أن هدف الفلسفة هو علاجنا من مرض التساؤلات الميتافيزيقية، فكيف يصبح التفلسف مرضًا إذًا؟ يجيبنا فتغنشتاين بأن أحد أشكال سوء استعمال اللغة يتمثل في اعتبار الألفاظ وحدات مستقلة خارجة عن سياقها. يقول فيتحقيقات فلسفية: «إن مدلول لفظة ما هو استعمالها في اللغة »، وهو صدى لما أكده في رسالة منطقية فلسفية، من أنه إذا لم يكن لعلامة ما استعمال، فليس لها مدلول. فاللفظ واستعماله شيئان مرتبطان لا يمكن فصلهما الواحد عن الآخر، مثل وجهي عملة واحدة، أو إنسان وظلِّه، وهي الاستعارة التي استعملها فتغنشتاين للاستدلال على هذا الارتباط، فيصور كل فصل بينهما مأساةً تشبه مأساة

(((3 يعود فتغنشتاين في فقرات كثيرة إلى التهكم من الاكتشافات الفلسفية، فيعتبر أنها ليست سوى تعبير عن تحصيل حاصل.

(40) Ian Ground & F.A. Flowers III, Portraits of Wittgenstein , 2 nd ed. (London: Bloomsbury Academic, 2015), p. 195.

((4(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 93، ص.190–189 (((4 المرجع نفسه، الفقرة 97، ص.190 (((4 هذه الترجمة ضرب من النسخ لاقتراضها النموذج التركيبي للعبارة الفرنسية châteaux de cartes" "، وكنا نفضل ترجمتها ب «قبض على الريح» أو «طواحين الرياح»، مثلً، وهي أقرب إلى المعنى الأصلي للكلمة الألمانية، حيث تعني "Luftgebaüde"

حرفيًا: «مبني من الهواء». لكن العبارة تمكنت في الاستعمال في العالم العربي ولا يتلاشى منها المعنى. (((4 المرجع نفسه، الفقرة 118، ص.197 ((4(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 43، ص.153

(46) Ludwig Wittgenstein, Logisch–Philosophische Abhandlung (Austria: Wilhelm Ostwalds Annalen der Naturphilosophie, 1921), § 3, p. 328.

بيتر شلميل Schlemihl Peter الذي باع ظله للشيطان. لكنه لا يستطيع الوفاء بعهده لأنه لا يستطيع فصل ظله عن الأرض. ومع ذلك نرى فتغنشتاين يقدّم الاستعمال على المعنى. ومن هذا المنظور، نتخلص من المشكلات الفلسفية حال تناولنا اللغة بطريقة صائبة، أي باعتبار السياق الذي يتضمن المقاصد. ويصبح مشهد التفلسف الذي أورده فتغنشتاين في كتابه   في اليقينمن قبيل ما يعرف ب " quiproquo" Missverständnis] [أي «سوء الفهم»، بحيث تتقاطع السياقات وتختلط المقاصد، فتتداخل المعاني وتتشابك تشابكًا يصعب معه التفاهم. ويكفي أن يوضع القول في سياق استعماله والمقصد منه كي تتحول طبيعته ويحدد تأويله من جنونإلى تفلسف. لهذا السبب يكفي القبول بكل الألعاب اللغوية مع تعددها واختلافها كي ينكمش الحد الفاصل بين الجنون والتفلسف، مع الحفاظ على استثناء، فلا يمكن القبول بالألعاب اللغوية التي توقعنا في الحيرة الفلسفية! بل إن مهمة الفلسفة تكمن في إبراز معالم الطريق وكشفها، فنحن منخرطون في صراع مع اللغة؛ لذلك يرى فتغنشتاين أن اللغة هي في الآن نفسه مصدر المشكلات الفلسفية، ووسيلة التغلب عليها. يقول: «الفلسفة معركة ضد فتنة ذكائنا، سلاحُنا

فيها اللغة». وهكذا، تكمن مهمة الفيلسوف، بحسب فتغنشتاين، في إحباط ألاعيب اللغة والتفطن إلى فِخاخ النحو في طريقتَي الاستعمال الداخلي والخارجي. «ونحن نهتم باللغة على أنها عملية خاضعة للقواعد البينة لأن المشاكل الفلسفية عبارة عن سوء فهم يزيله توضيح القواعد التي نستعمل الألفاظ بموجبها. فنحدد الفلسفة باعتبارها مقاومة فتنة تفكيرنا بواسطة لغتنا»، كما يقول.

خامسًا: فتغنشتاين والنحو الدلالي

بالنظر إلى كل ما سبق، يمكن القول إن مفهوم النحو يحتل في تحقيقات فلسفية مكانةً جعلت بعضهم يتحدثون عن «منعطف نحوي»؛ للإشارة إلى ما يعرف بالمرحلة الثانية من فلسفة فتغنشتاين. ولكن النحو من وجهة نظره لم يكن «نحو» النحاة؛ إذ لم يستعمل في ذلك الكتاب مفهوم النحو في المعنى العام ولا في المعنى اللساني المعروف إلا نادرًا، بل غالبًا ما نجد النحو مستعملً عنده في معنى مخصوص،

على الرغم من أنه فضفاض، نستشف ه من استعمالاته المتكررة للّفظة. ويقترب هذا الاستعمال الخاص، كما أسلفنا، من علم الدلالة أكثر من أي شيء آخر. ولعل ذلك راجع إلى أن النحو يتضمن لغة من درجة ثانية أو ما يسمى اللغة الواصفة Metasprache ذات الوظيفة الماوراء–لغوية، إلا أن فتغنشتاين لا يعترف بشيء اسمه «ما  وراء–لغوي»، وهو لا يعترف بذلك في رسالة منطقية فلسفية، ولا في تحقيقات فلسفية؛ لأنه لو وُجد شيء كهذا في منظومةِ رسالة منطقية فلسفية، لناقض البناء بأكمله، ولأمكن قول

ما يجب السكوت عنه؛ إذ إننا سنمرّ وراء المرآة مثلما مرت «أليس» في بلاد العجائب، ولأمكن النفاذ

إلى ما وراء الشكل المنطقي. أما في تحقيقات فلسفية، فالحديث عن اللغة ليس سوى لعبة لغوية، هو ذاته، وليس لعبة فوقية؛ لأن الألفاظ التي تصف اللغة لا تنتمي إلى درجة أعلى من غيرها. ولم يجعلنا نتوهم ذلك غير بقايا سعينا إلى التفسير وتقديم الفرضيات المنطقية العامة التي تستخرج الجوهر من

((4(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 339، ص.290 (((4 المرجع نفسه، الفقرة 109، ص.195 (((4 المرجع نفسه.

أعماق الإدراك. يقول: «نحن نتوهم أن ما كان مميزًا، عميقًا وجوهريًّا في مبحثنا، يكمن في سعيه

إلى إدراك جوهر اللغة، أي الراتوب الذي يوجد بين مفاهيم القضية واللفظة والاستنتاج والحقيقة والتجربة... إلخ». ومن ثم، فلا وجود لتوافق بين ما يسميه «نحوًا»، نستعمله بين ظفرين؛ لإخراجه

من مستوى استعماله إلى مستوى آخر، وما يسميه النحاة وعلماء اللغة. وحتى مفهوم الدلالة ليس ما وراء–لغوي، كما أنه ليس ما وراء–منطقي. يقول: «مسألة المعنى والمدلول من المسائل الجوهرية في الفلسفة. فهل المدلول فكرة ما وراء–منطقية؟ لا»؛ إذ ليس للنحاة والفلاسفة الهدفُ نفسُه أو

المبحث نفسه. وإذا استعمل الفيلسوف النحو التقليدي، فإنه يفصله إربًا، ويقطِّعه بحسب استعمالات

اللغة إلى مفاصل تختلف عن الأنظمة التفسيرية المسبقة التي يضعها النحاة. ولا يتفق الفلاسفة والنحاة إلا في وصف الاستعمالات المختلفة، من دون اللجوء إلى استعمال لغة غير اللغة العادية. وبناءً عليه، يكون أصل الإشكال الفلسفي ضربًا من الوهم، ناشئًا عن تشعب نحو اللغة اليومية واستعمالاتها.

ومن شأن الفلسفة أن تخلصنا من أوهامنا، وبخاصةٍ الميتافيزيقية منها. فتتجسد غاية الفلسفة ومسعاها في كونها تعمد إلى معالجة هذه الأمراض بالإشارة إلى مكامنها، من خلال نعت الشكل النحوي؛ إذ يعتبر فتغنشتاين، أنه لا وجود لمنهج واحد فقط للفلسفة، بل لها عدة مناهج وطرائق علاج متباينة – إن صح هذا التعبير – واللبنة الأولى في هذا العلاج، تكمن في إيجاد نعت ملائم للغ ة، نكشف من خلاله مغالطات المتشابهات والفخاخ التي قد توقعنا فيها اللغة. ويكون اللعب اللغوي من منطوق كونه بوتقة القواعد النحوية سبيلً إليها. ولن يتأتّى لنا ذلك مثلما كان الوضع في رسالة منطقية فلسفية؛ حيث يعمد إلى تقنين الاستخدام المثالي، ويستنبط الشكل المنطقي القابع في ثنايا القضايا؛ ذلك الشكل المنطقي الذي تتوارى خلفه علاقات مفرغة المعنى، ولا يتأتّى ذلك من خلال التدخل المباشر لإبعاد بعض العبارات أو الرموز والأدوات المنطقية، أو لإدراج ترتيب خاص على نحو اللغة. فلا نبتغي ههنا تهذيب ضوابط وقواعد استعمال ألفاظنا أو تحسينها على نحو أفضل. ويكون بلوغ مرام الفلسفة في النميمة بمواقع اللب س، واستجلاء طبيعة اللعبة اللغوية من خلال الإتيان بأمثلة؛ بُغية الوصول إلى الوضوح التام، فبين دفالَّت الب س

تقبع الإشكاليات الفلسفية. وبذلك لمّا نصل إلى الوضوح التام، تضمحل جُل الإشكالات الفلسفية تمامًا،

من دون أن تكون تلك السبيل الوحيدة في العلاج الفلسفي.

سادسًا: طبيعة اللعبة اللغوية

يُدني فتغنشتاين اللغة من وهاد اللعبة، ويجعل اللغة برمتها تتمظهر في كثير من الألعاب اللغوية

الممكنة. وضروب الاستعارة متباينة. فاللعبة تُحايث وجود ضوابط وقواعدَ، تمامًا كاللغة. واللعبة أيضًا

ما هي في الحقيقة إلا فعل مثل اللغة. ومؤلفة من الألفاظ، حالها كحال اللعبة المتكونة هي الأخرى من قطع وأشكال. وهي نظام يتخذ فيه كل لفظ موضعه، مثله في ذلك كمثل ما تكتسبه كل قطعة في

(((5 المرجع نفسه، الفقرة 97، ص.190 ((5(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، مقدمة المترجم، ص.73 (((5 المرجع نفسه، مقدمة المترجم، ص.65 (((5 المرجع نفسه.

اللعبة قيمتها من القطع الأخرى. وأخيرًا، فإن اللغة مؤسسة سوسيولوجية، لا نقتدر على تشكيلها خارج

آليات التبادل، مثلما لا يدَان لنا في تخيُل لَعِبٍ يأتي به شخص معين مرة واحدة. ألا يتضمن النظام نفسه

التكرار؟ لهذا تعالقت اللغة بشكل حياة Lebensform. فتاريخ تعاملنا وخبرات استعمالنا للألفاظ، أي جُملة الألعاب اللغوية، مرتبط بالمؤسسة السوسيولوجية التي قرنت الألعاب واللغة، بحيث لم يعد هناك من إمكانية للتفاهم بطريق اللغة من برانية النظام عينه. ونقصد به شكل الحياة. فأن تحذق وتكتنه لفظةً معينةً يعني أن تفهم قضية، وأن تفهم قضيةً فمعنى ذلك أن تفهم لغةً، وأن تفهم لغةً يعني أن يكون لك التاريخ الطبيعي نفسه، باعتبارك متقبلً لشكل الحياة. لكننا عندما نجعل كل هذه المفاهيم تترابط ترابطًا، لا نحصل إلا على ما يناسب مفهوم الثقافة بالمعنى الواسع. فالبعد النظري للثقافة يتحدد على أساس نوع النظم الاجتماعية والتاريخ المشترك والتصرف الجماعي، أي طريقة الحياة، والقواعد التي تحكمها وكذلك التقييدات التي تلتزم بها، إلى جانب ما توصي به وما تحرمه، مع مجموع نماذج التفكير والرموز المعتمدة والدلالات التي تعطى لهذه الرموز في حيز زماني يطول أو يقصر. كل هذا يدفعنا إلى القول إن المعنى رهن شكل الحياة؛ أي «الثقافة» من هذا المنظور.

سابعًا: شكل حياة

لمفهوم «شكل الحياة» حضورية مكثفة، وهو يَرِد في مواضع مختلفة في كتاب تحقيقات فلسفية. ونعتقد

أن العلة الكامنة من وراء ذلك متعالقةٌ بارتباط شكل الحياة بمفهوم اللعب اللغوي؛ هذا اللعب المرتهن بضوابط وقوانين الاستعمال وقواعد التصرف أيضًا، على شاكلة ما تنتظم به الحياة السوسيولوجية. وحقيق بنا ههنا أن نستحضر ما يؤكده فتغنشتاين عن هذا المقال في اعتباره أن اللفظة «لعبة لغوية»، يجب أن تُجلي وتُظهر أن عملية تكلمِ لغةٍ ما يُعتبر عملً أو شكل حياة. فإذا كانت هذه اللعبة اللغوية عبارة عن فعل لغوي، فمن الأجدر أن تحتكم إلى ما تحتكم إليه الأفعال اللغوية من شرائط إنجازها في بيئة معينة، وبمقاصد معينة، وكذا مواضعات محددة أيضًا. ومن الطبيعي أننا لا نفتأ نذكر اللغة، إلا ونستحضر معها – بطريقة ما – المظاهر التي تحكمها القوانين السوسيولوجية؛ لأن أي تمثل للغ ة يعني حتمًا تصورًا لشكل حياة، كما يؤكد ذلك فتغنشتاين. فإذا ما اقتدرنا البرهنة على أن أنواعًا معينة من الحيوانات تعمد إلى ترتيب حياتها داخل نظام اجتماعي بوساطة ابتداع لغة للتواصل في ما بينها، فإن اللعبة من منطوق أنها لا يمكن أن تكون لعبة إلا إذا التزمت ضوابط وقواعد وسارت على نهجها. مهما كانت هذه القواعد هينة أم معقدة أم حتى متناقضة، فإنها تضفي بدورها صفة المؤسسة السوسيولوجية على اللغة. ولما كانت سيرة سلوك الناس العامة هي الإطار النظامي المرجعي الذي نجسر به الفهم، ونُفسر بواسطته لغة كانت مجهولة عندنا، فإن شكل الحياة الذي تتعالق به ألعابنا اللغوية هو المجتمع الإنساني برمته. ولن نفهم الأسد، مثلً، حتى إنْ كانت له مُكنة الكلام، كما يؤكد ذلك فتغنشتاين. فتتباين الألعاب اللغوية على حسب تباين أنماط الثقافات والأعراف والبيئة الطبيعية والاجتماعية، وكذلك ضوابط التصرف عامة. ومن الممكن أن نتصور تباين الثقافات لحظيًا وكذا مكانيًا، مع تغيير

(((5 المرجع نفسه، ص.66

المحيط، وفي المقابل من ذلك لا نتصور ما يدل عليه مفهوم «الحياة»، إلا في شِقّه الزماني فقط؛ لأن الألعاب اللغوية منتمية إلى خط ناظم زماني يحكم تغييرها واختلافها أو تواصلها. إضافة إلى ذلك، يعتقد فتغنشتاين أن صنوفًا جديدة من اللغات، وألعابًا لغويةً جديدةً، تتجلى للوجود وأخرى تنكص

وتأفل وتُنسى. وهذا يلزمه حتمًا ذاكرة سوسيولوجية، بشرية كانت أم حيوانية، لا تكون على كل حال

إلا شكلً من أشكال الحياة. فلا يمكن أن يكون للّغة مقام إلا في اقترانها بشكل حياة، وليس يعني ذلك أن اللغة احتكمت إلى التواضع بين مستخدميها، وأنّ الأمر أصبح يتطور عبر الزمن، بحسب الحاجة والمحيط، بل لأن بُغية اللغة هي عينها مؤسسة لا يُكتب لها الإنجاز على انفرادية وعلى دفعة واحدة.

هذا التلاحم بين اللغة والمؤسسة السوسيولوجية يضع الحالات النظرية التي يخضعها فتغنشتاين للدرس، ضمن إطار التداولية الزمانية. وما ضرب أمثلة الأوامر والأسئلة في كتابه تحقيقات فلسفية، إلا بُغية انتشال اللغة من اعتبارها مجرد واسطة إنبائية وتواصلية فحسب، إلى كونها فعلً وممارسة عملية

اجتماعيًا كذلك. وهكذا تتخذ عبارة اللغة نظام أنظمة دلالة ثانية في كتاب تحقيقات، حيث تتواشج

علاقات الاحتواء بين المجتمع وشكل الحياة واللغة، باعتبار أنها عبارة عن أنظمة ضوابط وقوانين. فلا يمكننا أن نجد لفهمٍ متبادل،ٍ متخارجٍ عن تجربة الجموع اللغوية المنتظمة، مكانًا في شكل حياة. وإذا لم تكن الفلسفة سوى طريقة بحث؛ فعم تبحث الفلسفة؟ وفيمَ تبحث، أيضًا، إذا كانت كل عملية

اختيار يتخللها لزومًا تأويل وتفسير؟ وهل في الإمكان أن نجلوَ فرقًا من ناحية منهاجها وموضوعها؟

أليس من الأصوب أن يكون سبيل البحث متعالقًا بالسؤال المطروح؟ ألا تنمّ طريقة البحث بموضوعه؟ إن أي فلسفة، مهما كانت، يُحبذ فيها أن تكتنه جوابًا عن سؤال بالاستعانة بسؤال آخر، لا أن تبحث عن

تأويلات وحلول بقدر ما تسعى للإشارة إلى المسائل الحقيقية التي يلزم السعي إليها. ليس من مهمات الفلسفة أن تؤول لك الوجود أو اللغة، أو تعمد إلى الاستفاضة في طرح الفرضيات والمسائل، بل تكمن مهمتها في وصف ما هو موجود في هذا الوجود. وبذلك تتحول لتكون عملً وصفيًا ناقدًا ومحللً للغة.

وإذا كان نهجها وصفيًا صرفًا، فلكونها لا تعمد إلى البحث وتأويل المظاهر بقدر ما تسعى جاهدة وبقدر

مستطاعها أن تلامسها بأناملها – إن صح هذا التعبير – أو تدير بمنحاها الأصبع المشير إلى مسلك انفكاك من المآزق والأزمات. ولعل هذا ما وضعتنا فيه الفلسفة الكلاسيكية من تعقيدات شملت اللغة وعملية التفكير، وألبستهما دثار الميتافيزيقا. وبهذا فإن مكامن هذه الأخلاط والتعقيدات التي شملت الفلسفة تكمن علتها الأساسية في الارتماء في أحضان المحاولات الواهية؛ سعيًا منها لاكتناه تفسيرات حول قضايا

لا تحتاج فعليًا إلى تفسير، بقدر ما هي في حاجة إلى رؤية ونظر. إنها دعوة صريحة إلى التواضع والواقعية، والتخلي عن المثالية، بالنظر تحت الأقدام؛ لتجنب السقوط في بئر طاليس. وهي كذلك دعوة إلى الوضوح الذي يعفينا من إرساء لغة منطقية اصطناعية، زاعمين أن اللغة العادية هي سبب الإشكالات الفلسفية؛ لأنها ليست قادرة على الإجابة عن الأسئلة بسبب غموضها وتعويماتها. يقول: «لا نريد تهذيب أو تحسين نظام قواعد استعمال ألفاظنا بطريقة خارقة.

((5(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، مقدمة المترجم، ص.90–89 (((5 المرجع نفسه، ص.62

فالوضوح الذي نرمي إليه هو بالفعل وضوح تام. لكن هذا لا يعني سوى أن المسائل الفلسفية ينبغي أن تزول تمامًا […] كي لا تجلد الفلسفة نفسها بأسئلة تضعها هي ذاتها موضع ارتياب». فهل نتوقف عن التفلسف، كما دعا إلى ذلك في رسالة منطقية فلسفية لا يبدو الأمر كذلك، لكن تتلاشى الأسئلة الفلسفية ومشاهد هستيريا المتفلسفين حال معرفتنا بنحو لغتنا، وإدراكنا للحد الفاصل بين المعنى واللامعنى؛ أي ما يجوز أن يكون ألعابًا لغوية وما لا يكون كذلك.

ثامنًا: التفلسف مرض، والفلسفة وصفة علاجه

إذا كان التفلسف مرضًا والفلسفة وصفة علاجه، فلن نتخلص من إشكالية الازدواجية. لكن فتغنشتاين يستخدم «الشخص الثالث» شاهدًا، مثلما يستخدم تعدد الأصوات ومحاورين صامتين في تحقيقات؛ من أجل جدلية المحاورة، حتى لو حتم الأمر انفصامًا في الشخصية يجعل منه معالجًا ومريضًا، في شكل حوار داخلي. يقول: «الفيلسوف هو من يداوي نفسه من أمراض الإدراك المتعددة، قبل أن يتمكن من الوصول إلى مفاهيم الإدراك السليم». هل الفيلسوف هو الذي سيعالج أمراض العصر؟ كلا. بل يسعى لعلاج مرض عصر من العصور، من خلال تغيير البشر نمطَ حياتهم. ولكن الأمراض الفلسفية لا يمكن أن تعالج إلا بتغيير نمط التفكير وليس بدواءٍ ابتدعه شخص واحد. ويتمثل جوهر هذه الأمراض في كوننا تواقين دائمًا إلى إيجاد تفسير للأشياء. إضافة إلى قلة – أو عدم – المعرفة بنحو اللغة، والخلط بين مستويات إنتاج المعنى. ألم يقل فتغنشتاين إن أصل اللامعنى هو استعمال الفلاسفة، من دون وعي، ألفاظًا متعددة الدلالات في غير سياقها؟ ولن يكون التداوي إلا بإلغاء مواقع الخلط النحوي؛ إذ ييسر وصفُ نحو اللغة، وصفًا وجيهًا، تفكاُّكَ المشكلات وانحلالها من دون حاجة إلى حلّه. فليس الفيلسوف سوى شخص مريض، عليه أن يعالج عديدَ أمراضِ الإدراك بداخله، قبل أن يتمكن من الوصول إلى مدارك الناس السليمة. ويتضمن كل عمل في الاتجاه الصحيح العملَ ضد ما شابَ النفسَ أو ما كان فيها وعليها. وهذا العمل معقدٌ تعقيدَ الذات. لكن إذا كانت للفلسفة وظيفة علاجية لمداواة سوء الفهم وتعقيد سوء استعمال الألفاظ في اللغة اليومية، فهل يصح أن يكون «شخص مريض» فيلسوفًا، والفيلسوف مجنونًا؟ ومن ثم، ألا يبدو من يسعى إلى نبذ الدوغمائية كمن يغالي فيها أو يتناقض أو – على الأقل – يتأرجح بين السبب والنتيجة والعوارض والوصفة؟ كلها متاهات أوقعتنا فيها تعقيدات اللغة والسعي

(((5 المرجع نفسه، الفقرة 133، ص.202

(58) Ludwig Wittgenstein, Vermischte Bemerkungen: Liste der Manuskriptquellen)Oxford: Basil Blackwell. 1978(, p. 60.

((5(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ص.67 ((6(المرجع نفسه، ص.68–65 (((6 المرجع نفسه، ص.68 (((6 المرجع نفسه.

وراء التأويل. وبناءً عليه، فإن الفلسفة تقدّم علاجًا من مرض التعقيد الميتافيزيقي. ويُمكن بلوغ مرام

هذا المسعى، بأخذ الأمور بطريقة يسيرة وسهلة في الفلسفة. هذا ما يفسر جزئيًا تعقيدات الفلسفة. ونلتقي مرة أخرى أبا حيان التوحيدي حيث يقول: «إن الكلام

على الكلام صعب [...] لأن الكلام على الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وشُكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحس، ممكن. وفضاء هذا متسع، والمجال فيه مختلف. فأما الكلام على الكلام فإنه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه؛ ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق، وكذلك النثر والشعر». وكما سبق أن رأينا، لا وجود للُغةٍ من درجة ثانية كي نتحدث عن كلام على الكلام. وكل ما يمكن الحديث عنه هو تنوع الألعاب اللغوية، حتى في طريقتَي التعامل الداخلية والخارجية؛ إذ يتم كل شيء

داخل اللغة. لا وجود كذلك لشيء باطني أو جوهر (جوهر اللغة أو جوهر التفكير) إلا إذا بُحِث عنه

لكشفه. يقول فتغنتشاين: «ونعتبر ذلك أيضًا في شكل سؤالٍ موضوعُه جوهرُ كلٍّ من اللغة والقضية

والتفكير. وحتى إن كنا بالفعل نسعى في مباحثنا لفهم جوهر اللغة – وظيفتها وهيكلها – فليس لهذا يرمي السؤال، إذ لا يرى في الجوهر شيئًا ظاهرًا للعيان؛ شيئًا يجعله تنظيمُه قابلً لنظرة إجمالية، بل هو

شيء كامن تحت السطح شيء موجود في الباطن، لا يمكن أن نراه إلا إذا نفذنا إلى الشيء، وهو ما ينبغي على التحليل أن يخرجه إلى النور». يجب إنصاف فتغنشتاين؛ إذ طالما وُصِفت فلسفته بالغموض والتعقيد دونما تمييز، على الرغم من

أنه يقول منذ أوائل كتبه رسالة منطقية فلسفية: «إن كل ما يمكن التفكير فيه يمكن التعبير عنه. وكل ما يمكن التعبير عنه يمكن التعبير عنه بوضوح». اشتهر تفكير فتغنشتاين بالتعقيد إذًا، على الرغم من أن لغته في الغاية من البساطة، وربما يكون تعمد استعمال لغة مبتذلة، كما تقول إليزابيث ريغال Rigal Élisabeth في مقدمة ترجمتها الفرنسية لكتاب تحقيقات فلسفية. وقد لاحظنا، كما لاحظ كذلك بعض مترجمي فتغنشتاين وشراحه وقرائه، أن لغته بسيطة، واضحة، خالية من كل التعقيدات التي تلازم كتابات الفلاسفة. فلم يكن ممن يبحث عن التقعر اللغوي، ولا يهرول وراء الصيغ الرنانة، ولا يمتهن آيات الغموض المطبق والإبهام الكهنوتي الذي اعتدناه في بعض مؤلفاتهم؛ لأنه يعتبر أن المسائل الفلسفية لا تستوجب، بالضرورة، إقامة منظومة معقدة من المفاهيم والمصطلحات، محاطة بهالة من التعظيم والطقوسية. ومن ثم، لا غرابة إن نعتَ الفلسفة والتفلسف بهذه النعوت السلبية، مثل

(((6 المرجع نفسه، ص.69–68 (((6 التوحيدي، ص.281 ((6(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 92، ص.189

(66) Wittgenstein, Logisch–Philosophische Abhandlung , § 4, p. 116.

(((6 راجع مقدمة إليزابيث ريغال في:

Ludwig Wittgenstein, Recherches philosophiques , Françoise Dastur & Elisabeth Rigal (trad.) (Paris: Gallimard, 2004), pp. 7–18.

«الهراء» و«الجنون». كما ينبغي ألمَّ نَعجب من أنه يرى في اللغة اليومية لغة دقيقة، وأنها محكمة التنظي كما هي، لا تستوجب إنشاء لغة اصطناعية مثالية. يبدو واضحًا أن كل جملة من لغتنا محكمة التنظيم كما هي، أي إننا لا نصبو إلى غاية مُثْلى. كما لو أنه ليس لجملنا العادية المبهمة معنى صحيح تمام الصحة، وأنه علينا وضع لغة مثالية.

تاسعًا: ما مصدر الغموض إذًا؟

كما أسلفنا، يستخدم فتغنشتاين تعابيرَ بسيطة، ولغة سلسة خالية من التعقيدات. لهذا، لا تمثل لغته في

حد ذاتها إشكالً جوهريًا من قبيل ما خبرناه من إبهام التعابير الفلسفية المعقدة التركيب والأسلوب. لكنه شخص ذو فكر قارعٍ، صادمٍ، مسلحٍ بحساسية وشاعرية قلما اجتمعتا عند فيلسوف. لذلك كانت كتابته مركزةً تركيزًا. يقول نورمان مالكولم: «كل محاولة لتلخيص تحقيقاتلن تكون إلا فاشلة أو غير ذات جدوى». فقد ركز فتغنشتاين تفكيره، حتى إنه أصبح من المستحيل تركيزه أشد مما هو عليه. فكانت كتاباته على درجة من الكثافة، لا يخترقها بسهولة من لم يعاشر تفكيره ويتكيف مع طريقته الإيحائية وأسلوبه المجازي الذي نضع ضمنه مشهد حضوره في مجلس الأخفش. وقراءته لا تعسُر، إلا إذا تناولناها بمعايير النصوص العلمية الشفافة، لا بمعايير النصوص الأدبية. أيكون فتغنشتاين شاعر الفلاسفة ويكون كتابه تحقيقات فلسفية بمنزلة قصيدة فلسفية؟ إن الشبه بين أساليب كل من الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال Pascal Blaise (1662–1623)، واللاتيني أوغسطينوس Augustinus (430–354)، والنمساوي فتغنشتاين، لا يتمثل في طريقة طرح المسائل بقدر ما يتمثل في أسلوب الكتابة بالمعنى الأدبي. فلأسلوب فتغنشتاين سلاسة تماثل اجتماع الأسلوب الأوغسطيني والباسكالي في الآن عينه. فنحن في رسالة منطقية فلسفية إزاء قصيدة محبوكة الخيوط والمقاصد، ونحن كذلك في تحقيقات فلسفية إزاء رواية فلسفية رمزًا للتورية والاستعارات الأدبية الرفيعة. إن أدبية هذا النص الأخير أمرٌ لا يمكن الطعن فيه؛ ذلك أنّ فتغنشتاين لا يتبع أسلوب الكتابة الفلسفية المعهودة. تجعل

استعاراته العديدة وأسلوبه من شكل النص موضوعًا لافتًا يستوقفنا بقدر محتواه، مثلما استوقفنا مشهد الفيلسوف المجنون. فتورية هذا المشهد لا تقلّ شاعرية عن استعارة اللغة باعتبارها مدينةً بشوارعها. يقول: «يمكن أن نعتبر لغتنا مدينة قديمة: شبكة مضلة من الممرات والساحات الصغيرة ومن البيوت العتيقة والحديثة، ومن البيوت التي أضيفت إليها أجزاء في مراحل مختلفة. كل هذا محاط بعدد كبير من

(((6 يبدو أن فتغنشتاين قد تأثر بالفيلسوف التشيكي فريتس ماوتنر Mauthner Fritz (1923–1849)، الذي يقول:

"Die natürliche Sprache ist in Ordnung, wie sie ist."

(((6 اعتبارًا لما كان يراه في اللغة من إبهام وتعويم مصطلحي واشتراك لفظي ومعنوي يوهم بأشياء غير موجودة، ويوقع الفيلسوف

والرياضي في الخطأ، كان فريجه يدعو إلى إيجاد لغة منطقية خالصة وإلى كتابة فكرية (إيديوغرافيا)، تقي الفيلسوف والرياضي الخطأ ومشكلات الغموض وتحررهما من قيود اللغة. ((7(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 98، ص.191

(71) Norman Malcolm, "Wittgenstein’s Philosophical Investigations," The Philosophical Review , no. 4, vol. 63 (October 1954), p. 530.

الأرباض ذات الشوارع المستقيمة تحدها من جوانبها دُور متشاكلة». يُدخل الاستعمال المكثف للصور والمجازاتشاعريةً أقرب إلى العمل الفني الإبداعي منه إلى العمل التفكيكي الآلي. وهذه طريقة أخرى للتعبير عن مقولته التي أخذها عن ماوتنر في كون الفلسفة نقدًا للّغة. الشفافية بساطة في التعبير وانتظام في العرض ومنهجية في البرهنة وترابط جلي بين العبارة ومراجعها. أما الكثافة فهي تركيز في التعبير واختزال في العبارة وتحويل للمراجع. وقد اختار فتغنشتاين البساطة في اللغة التي أرادها بعيدة عن تعقيدات الفلاسفة والغموض، ولكنه بالغ في اختزال العبارة وتركيز الفكرة وتعدد المحاورين وكثافة الكتابة: تشتت في تقديم الأفكار رغم تناسق المحتوى وتعدد في المداخل والتواء في طرق البرهنة. فلا تخضع كتابته للقواعد الأكاديمية، وغالبًا ما تكون كثافتُها

نتيجة تعدد الأصوات فيها. فكتاباته في ظاهرها سرد وعرض، وفي باطنها حوارات مع نفسه أو مع مخاطب غائب (الشخص الثالث في مشهدنا الذي يناسب أعرابي مجلس الأخفش). وكثيرًا

ما لا يذكره، وهذا خلاف ما نقرؤه في أول الكتاب مع القديس أوغسطينوس. كل هذا يجعل كتابته كثيفة مركزة، لا يمكن فهمها فهما باتًّا، أو إدراكها مباشرة ومن دون البحث في سياقاتها. لهذا السبب لم نكتف بالترجمة في تحقيقات، بل أرفقناها بمنظومة كاملة من الهوامش، بعضُها يظهِر التقاطع مع ما كتَبه في مواضع أخرى من اختلاف وتقابل وتواز أو تماثل، وبعضها الآخر يذكرنا بما كتبه هو نفسه في موضع آخر، أو ما كتبه غيره في الموضوع، ويقابل بينهما حتى يطلع القارئ على طرفي الحوار وموضوع المحاورة الصامتة التي لا تبوح بسرها لغير المطلع من القراء. ففي كل الأحوال، يسعى فتغنشتاين إلى وضع القول في سياقه. وقد حاولنا قدر الإمكان، في شبه عملية تحقيق للنص، الإشارةَ إلى مراجع فتغنشتاين كي نتقاسم معه كونَه المعرفي ونتعرف إلى المراجع التي تحيل عليها أسماء الأعلام، من قبيل لوحة أدلاهيد والقس، والسيف نوطونغ.

((7(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 18، ص.130 (((7 هذا الوصف لا يهم إلا الشكل والأسلوب المربكين حققًّا، أما المحتوى فإنه على درجة عالية من التناس. (((7 وقد اعتبر بعض الباحثين – وهم محقون – أن كتاباته يعتريها بعض التكرار، وأنه يعود إلى أفكاره إما من دون تغيير وإما بذكرها كما هي؛ ليتجاوز بعض الأطروحات التي تحتويها، وهو ما نلاحظه باطراد في ما نُشر من كتاباته بعد وفاته. ((7(فكان يقدم كتاب تحقيقات فلسفية نفسه على أنه مراجعة لكتابه رسالة منطقية فلسفية، حتى إنه كان يرغب في نشر النصين،

الواحد بصدد الآخر؛ كي يتمكن القارئ من مقابلتهما. وقد حرصنا في هوامش ترجمتنا على الرجوع إلى موقفه في رسالة منطقية

فلسفية؛ لضبط المسافة التي تفصل بين طريقتي تفكيره في الكتابين. ((7(ينظر: فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 93، ص 189، الهامش 118، مثلً، حيث يعود إلى مسألة «القضية، ذاك الشيء

الشديد الغرابة»، التي كان قد تناولها في كتابهنحو فلسفي Philosophische Grammatik. وذلك في الفقرة 105. ولكنه يرفقها بتحليل معمق، يفيد فهم القصد من الفقرة المذكورة. ((7(وقد نبهنا كلما كان ذلك ممكنًا إلى التناص، كمفارقة «كومة الرمل»، في: فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ص  179، الهامش

100، أو نظرية «الأنماط المنطقية» عند برتراند راسل وذلك في: المرجع نفسه، ص 191، الهامش.121 (((7 أدلهايد والقس هما شخصيتان في مسرحية ليوهان غوته Goetz von Berlichingen" " يلعبان الشطرنج، رسمهما فنان على

لوحة لتخليد هذا المشهد. ينظر: فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة 365، ص 301، الهامش 244. أما السيف نوطنغ Nothung فهو

سيف زيغفريد Siegfried في ملحمة «نيبلونغن» Nibelungen، وهي من ملاحم الميثولوجيا الألمانية. ينظر: فتغنشتاين، تحقيقات

فلسفية، الفقرة 39، ص 151، الهامش.74

سبمَّب تركيزُ كتابته الغموضَ الذي اشتهر عنه؛ غموض التعبير وليس غموضَ العبارة. فهو لم يقدّ

حججًا كبيرة أو حجاجًا واضحًا أو حتى تعريفات دامغة، بقدر ما أثر بأسلوبه الإيحائي واستعاراته

المربكة وغير المنتظرة، كما يؤكد أنطوني غرايلينغ، وهو ما استوجب منا إسعاف القارئ بذلك العدد المهم من الهوامش التي تتتَب ع بعض الخيوط، وتنير سبل بعض المراجع، وتعيد ترتيب ما ارتبك من

البرهنة، وتربط ما انفصل من التسلسل. لن نبالغ إنْ قُلنا إن أسلوب كتابته أشبه بالشعر، بل إنه لشاعر في المعنى الذي تعبر عنه اللفظة في اللغة الألمانية التي كتب بها، ألا يسمى الشاعر بالألمانية Dichter" " بمعنى «المركِّز»، أي كثيف القول مُرَكز؟َّه كيف يمكن التوفيق بين الأسلوب الأدبي والتحليل العلمي، وبخاصةٍ في كتابات تبحث في أسس الرياضيات والمنطق وما شابهها؟ هذا ما يزيدها عمقًا ولا يزيدها وضوحًا. لكن ما أتيح له وظل مستعصيًا

على غيره كان جمعه المتناقضات. فهو فيلسوف ومنطقي وشاعر وموسيقي ومهندس وصوفي زاهد، لديه حساسية الفراشة ووقع المطرقة، وبطش السندان. وهو أشد على نفسه مما هو على غيره. لكن ألا يمكن أن نقرأ مشهد الفيلسوف المجنون باعتباره كذلك ضربًا من النقد الذاتي أو مرورًا من

وراء المرآة؟

عاشرًا: جلد الذات

الشاعرية التي افترضنا أنها سبب غموض التعبير لدى فتغنشتاين لا تمثل عذرًا كافيًا ولا تعفي من

التقصير. بل إذا اعترفنا بأن لكلٍّ شاعرَه وفيلسوفَه، فإن على كاتب هذه السطور أن يعترف ببالغ الأثر

الذي تركه فيه فتغنشتاين. ومن ثم كان من الطبيعي أن نقتفي أثره في أسلوب نقده الذاتي، من دون أن نبرر زلاتنا بالتذرع كما فعلنا في مقدمة ترجمتنا: «إن فتغنشتاين، كما نعلم، فيلسوف عسير الفهم، لا يمكن مقاربة فكره بطريقة جزئية ولا بطريقة متسرعة سطحية. بل نعتبر أن مقاربة شاملة ودقيقة لفلسفته وحدها كفيلة بتمثل فلسفته داخل أبعادها، لأننا نؤكد مرة أخرى وحدة فكره وتماسك فلسفته وترابطها». فمن أمثلة تقصيرنا أننا لم نطلع على فلسفة شوبنهاور، مثلً، بما فيه الكفاية، على الرغم من علمنا بتأثيره في فتغنشتاين، وكان يفترض أن يكون المترجم في درجة علم المؤلف نفسها، لكننا لسنا كذلك ولن نكون كذلك أيضًا. ولنا عزاء في أن الفيلسوف الإنكليزي راسل نفسه اشتهر عنه أنه لم يفهم

كما ينبغي مدى عمق فلسفة فتغنشتاين، وبخاصةٍ تلك التي عرضها في كتابه رسالة منطقية فلسفية.

(79) Anthony Grayling, Wittgenstein. A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 1988 [1996]), p. 113.

((8(كأنْ يزعم في مقدمة كتابه تحقيقات فلسفية أنه أخذ كل أفكاره من غيره، يقول في ما يمكن أن نسميه «اعترافات فتغنشتاين:»

«هناك حقيقة، تبدو لي، وهي أنني عندما أفكر فإنني، في تفكيري، لست إلا مستنسخًا. وأعتقد أنني لم أخترع طريقة جديدة في

التفكير، بل كان يمدني بها دائمًا أحد. وكل ما أقوم هو أني أستحوذ عليها في الحال وبكل شغف، وأستغلها في عملي التصنيفي».

ينظر: فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، توطئة المؤلف، ص  115. يجب وضع هذه «الاعترافات»، في خانة الجلد الذاتي أو السخرية من الذات؛ إذ لا يمكن بحال أن نقتنع بأنه قد اتبع مدرسة فلسفية أو أنه تأثر بمفكر إلى درجة اقتفاء أثره من دون تجديد. إن شخصية متعددة الأبعاد مثل فتغنشتاين لا يمكن حصرها بسهولة في مدرسة أو في تيار فلسفي. لهذا، لا سبيل إلى جعله وريث فلسفة بذاتها أو تحت تأثير فيلسوف بعينه. كيف يكون ذلك والإشكال الأساسي كما نراه هو أنه فكر متحرر لا يعترف بطقوس ولا بفتوحات؟ فكيف يقبل بالانضواء تحت لواء فيلسوف أو سقف تيار نظري؟

ولو تسنى لنا أن نعيد طبع الترجمة، لتداركنا الكثيرَ مما نعتبرُه نقائص. ولن نتوقف عند الترجمة

إجمالً؛ لأننا نعتبر، كما قال فيلهلم فون هومبولدت Humboldt von Wilhelm (1835–1767)، أن الكلمات المترجمة تكذب دائمًا. ولكن النصوص المترجمة لا تكذب إلا إذا كانت رديئة الترجمة. لقد اخترنا أن نلتصق ما أمكن بالنص، وقد حصل بعض التعسف على اللغة العربية، على نحو أضرّ

أحيانًا بسلامة الإبلاغ. ونلتمس عذرًا عن ترجمة بعض المفاهيم الخاصة والمصطلحات الأساسية في تحقيقات فلسفية. ونذكر منها، بخاصة، مصطلح Satz، الذي يقابله مصطلحان في أغلب اللغات الأوروبية مثل الإنكليزية Proposition و Sentence، والفرنسية Phrase و Proposition، والإسبانية Oración و Proposición. وهي مقابلة نجدها كذلك في العربية بين «جملة» و«قضية»؛ إذ يمكن تمييزهما إجمالً بالقول إن أحدهما ينتمي إلى الدراسات اللغوية، والثاني إلى المقاربة المنطقية. ولكن ليس من السهل دائمًا تحديد ما إذا كان المقصود هو الجملة أو القضية. وكان البتّ مطروحًا في

كل مرة، إما أن نفعل ما فعله مترجم تحقيقات فلسفية الإيطالي ماريو ترنكيرو الذي التزم بترجمة

Satz ب  Proposizione، بصفة آليةٍ، رغم وجود المقابلة الثنائية في الإيطالية بين Frase (جملة)، و Proposizione (قضية)، وإمّا أن نتبع ترجمة أنسكومب الإنكليزية في عدة مواضع، إلا في بعض الحالات مثل الفقرة 108 من تحقيقات، حيث ترجمَتْSatz ب «جملة»، ورأينا من الأجدر ترجمتها ب «قضية». لقد كان فتغنشتاين يتحدث بالفعل عن العلامات والألفاظ، وليس عن المحتوى القضوي، إلا أنه كان يتحدث أيضًا عن المنطق وليس عن اللغة. ومن ثم كان من الأجدر ترجمة Satz ب «قضية»، وليس ب «جملة»، ولم نتبعها كذلك في الفقرة 554، حيث قابلت Satz مرة ب «جملة»، ومرتين ب «قضية». وقد اعتبرنا أن المفهوم في هذا السياق أقرب إلى الجملة منه إلى القضية في كل الحالات. لكننا لم نفلح على الأقل في مناسبتين: هما الفقرة 105، والفقرة 508، حيث كان فتغنشتاين يتحدث عن الجانب اللساني لمفهوم Satz، وليس عن الجانب المنطقي. لهذا يبدو لنا اليوم أن استعمال «جملة» مكان «قضية»، أقرب إلى الصواب في هذين السياقين. وعلى الرغم مما سبق، يبدو لنا أن هذه الزلة ليست بتلك الأهمية التي تعرقل قراءة الكتاب، وكان في الإمكان أن نترجم Satz ب «قضية»، من دون تمييز، كما فعل ترنكيرو في الترجمة الإيطالية. فمجرد وجود لغات لا تميز بين الجملة والقضية، يجعل من التمييز بينهما قضية ثانوية. إذًا، لا تتعلق المسألة سوى بمبدأ تناسق الترجمة والاختيارات العامة. وليست المكافأة التي يقيمها فتغنشتاين بين حل المسألة الحسابية والترجمة من لغة إلى أخرى، من

(((8 وقد اتبع المترجمان الإسبانيان ألفونسو ڤرثيا سواريز وأوليسز مولينَس، Moulines Ulises & Suárez García Alfonso، بصفة

آلية ترجمة إليزابيث أنسكومب الإنكليزية في تمييزها بين Oración التي تناسب Sentence، و Proposición التي تناسب Proposition.

ينظر: الترجمة الإسبانية لكتاب تحقيقات فلسفية:

Alfonso García Suárez & Ulises Moulines, Investigaciones filosóficas (Madrid: Ediciones Altaya, 1999).

((8(ينظر: ترجمة ماريو ترنكيرو لكتاب تحقيقات فلسفية:

Ludwig Wittgenstein, Ricerche filosofiche , Mario Trinchero (trad.) (Torino/ Italia: Einaudi, 1967).

((8(ينظر كذلك الترجمة الروسية لكتاب تحقيقات فلسفية Философские Исследованиял، حيث التزم المترجم بما يقابل Satz الألمانية، وجعلها)predlojenie(предложение في كل الحالات، مخصصًا)frasa(фраза لترجمة «عبارة» أو «قول»، أي ما يقابل

في الألمانية: Ausdruck.

باب المصادفة. فقد كان يرى أن الترجمة من لغة إلى أخرى عمليةٌ حسابيةٌ. يقول: «ترجمة قصيدة إلى لغة أجنبية توازي بالضبط حل مسألة رياضية». إن فيلسوفًا يقيم كلّ نظام تحليله على اللغة لا يمكن ألا يختار اللفظة المناسبة وينتقي اللفظة الصائبة. وبالنظر إلى ما اشتهر عنه من أنه كان يملي دروسه ويرتجل، حاولنا – بقدر ما تسمح به تراكيب اللغة العربية وروحها وإمكانات الإبلاغ – أن نكون أوفياء لما يريد أن يقوله، وأن نحرص على الالتزام بروح عبارته ودلالة ألفاظه. ولم نتردد في العودة في بعض الأحيان إلى أصول الألفاظ في لغته؛ كي ننير القارئ العربي في النحو العميق لألفاظه وانحراف استعمالاتها وتوسعها الدلالي، أو حتى علاقات الاشتقاق التي تربطها بغيرها. وبناء عليه، نعترف بأننا لم نستطع مجاراته في جرأته، بذريعة تيسير التلقي، بل قد لا نكون حققنا غايته في دفعنا إلى التفكير الذاتي. ونعترف أيضًا بأننا لم نتمكن – نحن أنفسنا – من التخلص من القوالب الأكاديمية. ولمّا كان من غير الوارد قراءة أعمال فتغنشتاين بفكرة مسبقة أو ببنية ذهنية مسقطة، لم تفدنا معرفتنا بالفلسفة كثيرًا؛ لأنه كان يكتب على غير منوال، وكان يفكر ضد البداهة نفسها. لقد استكشف

أرضًا لم تطأها قبلَه قدمٌ، وزعزع استقرار معرفتنا وطمأنينة يقيننا، فعك ر صفو ماء الاعتقاد من دون مجادلة، وزلزل المعرفة من دون تشكيك. لقد دفع الأبواب المؤصدة، ومهّد طريق الإدراك، فسعى إلى تغيير واقع فهم اللغة؛ كي يرى الإنسان ما تحت أقدامه قبل أن يرنو إلى النظر إلى ما في السماء. وعلى هذا الأساس، سنحاول التدارك ولو بصفة «محتشمة»، بألا نجعل لدراستنا هذه خاتمة، مثلما لم نجعل لها مقدمة، بل سنكتفي ب «قفلة» في صورة تحية إلى هذا المفكر المتمرد، فنقول: لن يجد

فيه غايتَه إلا من كان فكرُه مهي لنَسْف القوالب المتحجرة، ومن عافت نفسُه الدوغمائيةَ بأشكالها، بل أ

سيتمتع بقراءته من كان يميل إلى التفكير بنفسه بعيدًا عن الوصفات الجاهزة وصيغ الوصاية الفكرية والإرشاد.

References

المراجع

العربية

أفلاطون. محاورة ثياتيتوس. ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر. القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر،

بنور، عبد الرزاق. «أبجديات البلاغة الشعبية (ترجمة ‘الرأسمال الرمزي’ في الخطاب الإشهاري.») مجلة المترجم. مج 11، العدد 23.)2011(

(84) Ludwig Wittgenstein, Zettel, G.E.M. Anscombe & G.H. von Wright (eds.) (Oxford: Basil Blackwell, 1967), § 698.

والجملة كما جاءت في لغته:

[…]"das Übersetzen eines lyrischen Gedichts z. B. in eine fremde Sprache ist ganz analog einem mathematischen Problem. "

التوحيدي، أبو حيان. الإمتاع والمؤانسة. بيروت: المكتبة العصرية،.1953

والتوزيع،.2015

العربية للترجمة،.2007

مكتبة الأنجلو المصرية،.1968

والتوزيع،.2020

الأجنبية

فاينرش، هرالد. اللغة والكذب. تعريب وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنور. عمان: دار كنوز المعرفة للنشر

فتغنشتاين، لودفيك. تحقيقات فلسفية. ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنور. بيروت: المنظمة

________. رسالة منطقية فلسفية. ترجمة عزمي إسلام. مراجعة وتقديم زكي نجيب محمود. القاهرة:

________. في اليقين. ترجمة وتقديم مروان محمود. بغداد/ بيروت: دار الرافدين للطباعة والنشر

Bannour, Abderrazak. Les verbes de modalité (linguistique et logique). Tunis: Publications de l’Université de La Mannouba, 1986. _______. Dictionnaire de logique pour linguistes (français–anglais–allemand). Paris: PUF & Cilf, 1995. Grayling, Anthony. Wittgenstein: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 1996 [1988]. Ground, Ian & F.A. Flowers III. Portraits of Wittgenstein. 2 nd ed. London: Bloomsbury Academic, 2015. Malcolm, Norman. "Wittgenstein’s Philosophical Investigations." The Philosophical Review. vol. 63, no. 4 (October 1954). Suárez, Alfonso García & Ulises Moulines. Investigaciones filosóficas. Madrid: Ediciones Altaya, 1999. Wittgenstein, Ludwig. Logisch–Philosophische Abhandlung. Wien: Wilhelm Ostwalds Annalen der Naturphilosophie, 1921. _______. Ricerche filosofiche. Mario Trinchero (trad.). Torino: Einaudi, 1967. _______. Zettel. G.E.M. Anscombe & G.H. von Wright (eds.). Oxford: Basil Blackwell.

________. Philosophische Grammatik. R. Rhees (ed.). Oxford: Oxford University Press. Oxford. 1969. ________. Vermischte Bemerkungen. Oxford: Basil Blackwell. 1978. _______. Recherches philosophiques. Françoise Dastur & Elisabeth Rigal (trad.). Paris: Gallimard, 2004.