فتغنشتاين والسلوكية المنطقية
Wittgenstein and Logical Behaviorism
الملخّص
يعتقد بعض الباحثين أن فتغنشتاين كان من أنصار المذهب الذي يُعرف بـ "السلوكية المنطقية"، بل إنه كان من مؤسسي هذا التوجه الفكري، في حين يعتقد آخرون خلاف ذلك. ومع ذلك، يتفق الجميع على أن أقوال فتغنشتاين حول السلوكية تفسح المجال أمام تفسيرات متباينة. يبدأ هذا البحث بمحاولة لتحديد موقع فتغنشتاين التاريخي في الفترة التي شهدت تبلور التوجه السلوكي في علم النفس والوضعية المنطقية في الفلسفة، في الثلث الأول من القرن العشرين. وفي الأقسام اللاحقة يسعى إلى تحديد أطروحات السلوكية المنطقية، وعرض الاعتبارات التي تدعو إلى القول بسلوكية فتغنشتاين، وتلك التي تنفيها. لا يطرح البحث رأيًا جازمًا بخصوص حقيقة موقف فتغنشتاين، ولكنه يرجح الرأي القائل إن فتغنشتاين كان سلوكيًا قلقًا، بمعنى أنه كان سلوكيًا مدركًا مصاعبَ السلوكية. ويختتم البحث بتقديم مقترح يوفق بين مزاعم أنصار السلوكية وخصومها، بما يستجيب لإدراك فتغنشتاين مصاعبَ السلوكية، وبما يحتفظ أيضًا بجوهر الموقف السلوكي الذي لم يكن في وسع فتغنشتاين التنكر له تمامًا.
Abstract
Abstract: Some authors believe that Wittgenstein was a Logical Behaviorist, even a founder of Logical Behaviorism, whereas others think that he was a not a behaviorist, Logical or other. Nevertheless, there is wide–spread agreement that his statements on the subject of behaviorism lend themselves to divergent interpretations. We begin by tracing Wittgenstein’s position to the historical period which witnessed the development of the behaviorism in psychology and Logical Positivism in philosophy in the first third of the 20 th Century. In the subsequent sections we define what we mean by Logical Behaviorism and outline the arguments and considerations which support the view that Wittgenstein was not a behaviorist, and those which incline others to think that he was one. We do not settle the question definitively, but we do suggest that Wittgenstein was a behaviorist who was well aware of the difficulties of behaviorism. We conclude by offering a view which is in the spirit of behaviorism which Wittgenstein could not utterly relinquish, but which goes some distance toward meeting objections to it.
- لودفيغ فتغنشتاين
- دانييل دينيت
- رودولف كارناب
- السلوكية المنطقية
- السلوك
- الحالات الداخلية
- الاستبطان
- الوضعية المنطقية
- اللغة الخاصة
- Ludwig Wittgenstein
- Daniel Dennett
- Rudolf Carnap
- Logical Behaviorism
- Behavior
- Psychological States
- Logical Positivism
- Private Language
مقدمة
يعدّد كاتبان في موسوعتين فلسفيتين مختلفتين ما يقرب من ست تسميات مختلفة لأنواع من السلوكية، تشتمل على: السلوكية المنهجية Behaviorism Methodological، والسلوكية
السيكولوجية Behaviorism Psychological، والسلوكية الراديكالية Behaviorism Radical،
والسلوكية الفلسفية Behaviorism Philosophical، والسلوكية المنطقية Behaviorism Logical،.1Analytical Behaviorism والسلوكية التحليلية هناك أيضًا تسميات لمواقف سلوكية، لا تعدو كونها إعادة تعريف أو تحديدًا جديدًا لواحد أو أكثر من المفاهيم المستخدمة في هذه النظرية السلوكية أو تلك، كمن يتكلم عن السلوكية الجزيئية Molecular Behaviorism، ونقيضها الذي يشار إليه باسم Behaviorism Molar2. كما يشير بعض الكتّاب إلى ما قد يقال إنه نوع بريء من السلوكية يطلق عليه اسم «السلوكية موقفًا» attitude an as Behaviorism، أو بالأحرى، السلوكية بوصفها مزاجًا عامًا، لا يُلزِم صاحبَه بأكثر من القول بضرورة الالتزام ببعض القيود الإمبريقية، عند قيامنا بنسبة حالات أو أوضاع أو سيرورات سيكولوجية إلى من تجوز نسبتها (أي تلك الحالات والأوضاع والسيرورات) إليهم3. بالطبع، لا تعني كثرة التسميات، بالضرورة، كثرة المسميات. فعلى سبيل المثال، لا يبدو أن السلوكية التحليلية والفلسفية والمنطقية أكثر من تسميات مفضلة لدى كتّاب مختلفين للشيء نفسه؛ ذلك الشيء الذي قال به فلاسفة مثل لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889) بحسب بعض التفسيرات، وغلبرت رايل Ryle Gilbert (1979–1900)، ودانييل دينيت Dennett Daniel –) 1942(في الفترة الأخيرة. وينطبق الأمر نفسه على السلوكية الراديكالية، وهي التسمية التي يستخدمها أحد الكتّاب للإشارة إلى السلوكية السيكولوجية، بينما يفضل كاتب آخر استخدام مصطلح «السلوكية السيكولوجية»؛ للتعبير عن المعنى نفسه4. وكلاهما يتحدث عن ذلك النوع من السلوكية الذي نجده عند بورهوس فريدريك سكينر Skinner Frederic Burrhus (1990–1904) وأسلافه مثل جون واطسون Watson. B John).1958–1878(لا شك في أن كثرة التسميات تشي باختلافات في الرأي حول ما تعنيه مفردة «السلوكية» في حد ذاتها. وينصبّ اهتمامنا في هذا البحث على ذلك النوع من السلوكية الذي يُعتقد، في العادة، أن فتغنشتاين كان من أنصاره، إن لم يكن من مؤسسيه. وسوف نشير إلى هذا النوع من الآن فصاعدًا بالتسمية الأكثر
شيوعًا، وهي «السلوكية المنطقية». وفيما يخص أنواعًا أخرى من السلوكية، سوف يقتصر اهتمامنا (المحدود إلى درجة معينة) على السلوكية السيكولوجية والسلوكية المنهجية. في القسم الأول من البحث، نقدم تفسيرات لبعض أنماط التفكير السلوكي، وذلك بالتركيز على السلوكية المنهجية والسلوكية السيكولوجية (كما سوف نشير إليها من الآن فصاعدًا). ونتطرق هنا إلى العلاقة بين الوضعية المنطقية (التي لا يجب الخلط بينها وبين السلوكية المنطقية) والسلوكية، ونبرز مركزية مفهوم «السلوك»، والأسباب التي دعت السلوكيين إلى عدم الاهتمام بدراسة الظواهر النفسية عن طريق الاستبطان Introspection، أو أيٍّ من الطرق غير القابلة للملاحظة والضبط التجريبي. وفي القسم الثاني نعرض للسلوكية المنطقية في مرحلتين من مراحل تطورها: مرحلة البداية في كتابات رودولف كارناب Carnap Rudolf (1970–1891)، ثم المرحلة المعاصرة كما نجدها متمثلة في كتابات دانييل دينيت. وفي القسم الثالث من البحث نتناول بالتفصيل أطروحات ومناقشات فتغنشتاين المتعلقة بالعلاقة بين السلوك والحالات السيكولوجية، ونعرض للحجج التي يقدمها البعض والتي توحي بأن فتغنشتاين لم يكن سلوكيًا. وفي القسم الرابع، نقوم بتفحص تلك الأطروحات والحجج، ونعرض من خلال هذا التفحص لبعض الاعتبارات التي تؤيد القول إن فتغنشتاين كان سلوكيًا. وفي القسم الأخير من البحث، نجمل القول بلفت النظر إلى التوترات في فكر فتغنشتاين، والتي نجمت عن صراعه الفكري مع مشكلة فلسفية حديثة، وهي مشكلة «الذاتية» Subjectivity، كما نقترح حلًّ يوفق بين مزاعم السلوكية وخصومها.
أولا: مسالك السلوكية
لا بد لنا في البداية من تقديم تفسيرات مقتضبة لبعض مبادئ وأنماط التفكير السلوكي، فمن دون مثل هذا التفسير، لا يغدو من المفهوم السبب الذي يدعو البعضَ إلى نعت فتغنشتاين بأنه «سلوكي»، على الرغم من أن هذا الفيلسوف لم يباشر صنعة علم النفس، ولا تحفظ له كتب هذا التخصص بمساهمات خاصة في تقدم هذا العلم، أو في التغيرات التي ألمّت به على مر العقود. لنبدأ بالسلوكية المنهجية؛ ذلك أنها (كما يقال) الأكثر قبولً، والأقل إثارة للخلاف. في وسعنا النظر إلى السلوكية المنهجية بوصفها طريقةً من الطرق التي يمكن استخدامها في إضفاء مزيد من الدقة على الفكرة العامة، والتي تقول بضرورة الالتزام ببعض القيود الإمبريقية، عند قيامنا بالتحقق من وجود حالات، أو أوضاع، أو وقائع سيكولوجية في من تجوز نسبتها (أي تلك الحالات، والأوضاع والوقائع) إليهم. إذا حددنا هذه الفكرة العامة أكثر، بالقول إن النوع «الوحيد» من الأدلة أو البيِّنات التي يمكن القبول بها في البحث السيكولوجي العلمي، هي بيِّنات أو أدلة تتعلق بالسلوك الظاهر والقابل للملاحظة والقياس، أمد نا هذا بتعريف ممكن لمفهوم السلوكية المنهجية. هنا، يُنظر إلى السلوكية بوصفها «منهجًا علميًا» يتحدد بالإشارة إلى معيار للتعامل مع كل ما يمكن اعتباره دليلً على صدق أو بطلان أي نظرية أو فرضية يؤدي إليها البحث السيكولوجي. أي، بعبارة أخرى، يجري النظر إلى السلوكية المنهجية بوصفها، كما يقول أحد الكتّاب، «نظرية معيارية حول المنهج العلمي في علم النفس»5.
لا تتطلب هذه السلوكية المنهجية منا إنكار وجود ظواهر نفسية تقبع خلف السلوك و/ أو تفسره، ولا تتطلب منا اختزال Reduction6 المفاهيم النفسية إلى مفاهيم من النوع القابل للتجربة أو القياس والملاحظة. يشير الفيلسوف ولفريد سيلارز Sellars Wilfrid (1989–1912) إلى السلوكية المنهجية بعبارة السلوكية، «بالمعنى الواسع»، معتبرًا أن هذا النوع من السلوكية هو يمليه علينا الحس السليم. فيقول: «يكون علم النفس، حتى وإن سمح لنفسه باستعمال مجموع المفاهيم السيكولوجية التي تنتمي إلى الإطار الظاهر Image Manifest، علمًا سلوكيًا بالمعنى الواسع، إذا كان إثبات الفرضيات المتعلقة بالوقائع السيكولوجية يستند إلى معايير سلوكية. وينبغي ألا يقلق العلماء من مفاهيم مثل الإحساسات، والصور، والمشاعر، والأفكار الشعورية أو اللاشعورية، التي تنتمي كلها إلى الإطار الظاهر. ولكن هذا العلم لا يسمح لنا بالقول بوجود إحساس بالألم (على سبيل المثال) من دون أن يكون هذا القول مستندًا إلى بيِّنات سلوكية. إذا نظرنا إلى السلوكية من هذا المنظور، فهي ما يمليه علينا الحس السليم. لسنا مضطرين إلى تعريف المفاهيم السيكولوجية بالإشارة إلى المفاهيم السلوكية، حتى يكون في وسعنا القول إن السلوك القابل للملاحظة يزودنا بالبيِّنات اللازمة لدعم الفرضيات السيكولوجية»7. ليس في السلوكية المنهجية ما يحول دون إضافة أطروحات أخرى إليها. وفي الواقع، عادة ما يجمع السلوكيون بين السلوكية المنهجية ومزاعم أخرى على درجة أكبر من الخطورة، بينما تبقى السلوكية المنهجية سلوكية الحد الأدنى، كما يمكن أن يقال، بمعنى أنه لا مفر للسلوكي (أيًا كانت أطروحاته الإضافية) من القبول بها منهجًا في البحث. لذا، ليس من المستغرب أن نجد تعبيرًا عن السلوكية المنهجية عند مفكرين من مثل سكنر وواطسون، وهما من أعلام السلوكية السيكولوجية. يعدد سكنر مصادر البيِّنات التي في وسع الباحث السلوكي الاعتماد عليها على النحو التالي: 1. ملاحظاتنا العابرة، 2. الملاحظات الميدانية المضبوطة، 3. الملاحظات الإكلينيكية، 4. الملاحظات السلوكية التي تجري على نطاق واسع (في إطار المؤسسات التي تُعنَى بجمع المعلومات الإحصائية، كالمؤسسات التجارية والصناعية والحكومية والعسكرية مثلً)، 5. التجارب المخبرية حول السلوك الإنساني، 6. التجارب المخبرية على الحيوانات8. ولا يخفى على القارئ هنا الغياب البارز لأي مصادر بيِّنات من النوع غير قابل للملاحظة العامة والتجريب. ويشير واطسون إلى هذا الغائب الأكبر في مصادر البيِّنات، وهو الاستبطان، بقوله إن «علم النفس علم تجريبي موضوعي صرف، ينتمي إلى العلوم الطبيعية، ولا يحتاج إلى الاستبطان إلا بقدر ما يحتاج إليه علم الكيمياء أو علم الفيزياء» (أي ليس ثمة حاجة البتة)9. جاء تحديد حقل البيِّنات بهذه الطريقة نتيجةَ عوامل يمكن أن نذكر منها اثنين:
أولهما أن الفكر السلوكي قد تطور في الأجواء الفكرية نفسها التي نشأت فيها الوضعية المنطقية، ومذهبها في نظرية المعنى، نقصد «مبدأ قابلية التحقق» Verifiability Principle. فقد نشر واطسون ورقته التأسيسية «علم النفس كما يراه السلوكي»، في عام 1913، أي قبل بدء حلقة فيينا Vienna Circle عقدَ اجتماعاتها بين عامَي 1924 و 1936، بوقت قصير. ولم تتصدر العلوم التجريبية الدقيقة، مثل الفيزياء، المشهد فحسب، بل ساد في ذلك الوقت، اعتقاد أن العلوم الدقيقة هي النموذج الذي يجب أن تقتدي به كل العلوم، وأن وحدة العلم/ العلوم Unity of Science، تقتضي تأسيس جميع العلوم قاطبة على العلم الفيزيائي. • يضاف إلى ذلك عامل آخر، تمثل في الفشل المفترض لمنهج الاستبطان، بعدّه منهجًا علميًا قابلً للاستخدام المثمر في علم النفس. ومن ثم، لم يكن من الصعوبة بمكان على السلوكي المنهجي أن يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد استبعاد البيِّنات غير القابلة للملاحظة (أي مجرد القبول بالسلوكية المنهجية)، فيقول إن على علم النفس أن يكشف عن نفسه بوصفه علمًا للسلوك، أو أن يعيد تعريف نفسه بحيث يغدو السلوك، والسلوك فقط، هو موضوع البحث العلمي. يقول واطسون: «علم النفس كما يراه السلوكي فرع من العلوم الطبيعية، وهو فرع يتسم بالتجريبية والموضوعية. هدفه النظري هو التنبؤ بالسلوك والتحكم فيه [...] لقد حان الوقت لعلم النفس أن يطرح جانبًا كل إشارة إلى الوعي. فما عاد من الممكن للمشتغلين بهذا الحقل أن يخدعوا أنفسهم من خلال القول إن في وسع الحالات الذهنية أن تكون موضوعًا للملاحظة10. • في مثل هذه الأجواء أيضًا، نشط فتغنشتاين المبكر الذي زعم البعض أن الوضعية المنطقية استوعبت كثيرًا مما أتى به في كتاب رسالة منطقية – فلسفية Tractatus Logico–Philosophicus، بدليل أنه عندما عاد فتغنشتاين لممارسة الفلسفة عام 1929، بعد انقطاع دام عدة سنوات، اعتقد أن بعض الوضعيين، وتحديدًا كارناب، قد سرقوا كثيرًا من أفكاره11. لم يكن هؤلاء الوضعيون، مثل كارناب وأعضاء حلقة فيينا ومن اعتقدوا أنه كان قريبًا منهم مثل فتغنشتاين، علماء نفس، أو أصحاب نظريات محددة في تفسير الظواهر النفسية. تمثلت الإشكالية الكبرى بالنسبة إليهم في استيعاب العلاقات بين لغة علم النفس ولغة العلوم الطبيعية، وبين السلوك والحالات السيكولوجية، في إطار يتحدد بالإشارة إلى ثلاثة اعتبارات مهمة: 1. على خلاف السلوكيين المشتغلين في علم النفس مثل واطسون، لم يرَ هؤلاء بدًّا من معالجة مسألة الذهن والوعي والمشاعر وغيرها من المفاهيم التي كانت وما تزال تميز علم النفس من غيره من العلوم. 2. ولكنهم كانوا في حالة توافق تام مع أقرانهم السلوكيين في علم النفس على استبعاد منهج الاستبطان، 3. كما أنه كان يحدوهم الأمل أن لا يشكل علم النفس والعلوم الاجتماعية خروجًا على مبدأ وحدة العلم Science of Unity، سواء من حيث المنهج أو المحتوى.
ثانيًا: السلوكية المنطقية
من أجل تحديد موقف فتغنشتاين من السلوكية المنطقية، يلزمنا النظر فيما قال به بعض المفكرين السلوكيين الذين ينضوون تحت لواء هذه المدرسة. من شأن هذا وضعُ فكر فتغنشتاين في سياق تاريخي يسهل علينا تقييم مساهماته. هناك اسمان بارزان في هذ المجال: رودولف كارناب في الفترة الأولى من تاريخ السلوكية المنطقية (وقبل أن تُعرَف بهذا الاسم)، والمعاصر دانييل دينيت الذي يعدّه البعض من أبرز المنادين بالسلوكية المنطقية في الوقت الحاضر. ماذا يقول كارناب عن العلاقة بين علم الظواهر النفسية من جهة والعلوم الفيزيائية من جهة أخرى؟ وماذا يقول عن السلوك تحديدًا في علاقته بالحالات السيكولوجية؟ في مقالة بعنوان «علم النفس في لغة الفيزياء»، يلخص كارناب أطروحاته حول هذا الموضوع بالقول: «كل قضية سيكولوجية sentence Psychological، سواء كانت قضية محددة تتعلق بأذهان الآخرين أو بالحالة الذهنية للواحد منا في الماضي أو الحاضر أو كانت قضية سيكولوجية عامة، قابلة للترجمة إلى اللغة الفيزيائية. وبتحديد أدق؛ كل قضية سيكولوجية تشير إلى أحداث فيزيقية في جسد الشخص أو الأشخاص موضوع السؤال. على هذا الأساس يعتبر علم النفس جزءًا من العلم الموحد Science Unified القائم على أساس الفيزياء»12. لا يأتي كارناب في هذا النص على ذكر مفردة «سلوك» بالاسم، ولكن من الجلي أن «الأحداث» التي تقع في نطاق جسد الشخص المعني تشتمل على الحركات الجسمانية بمختلف أنواعها، والتي هي سلوك الإنسان القابل للملاحظة والقياس. ولا تحتاج هذه النقطة إلى مزيد من التفصيل، ولكن ما يحتاج التوقف عنده مطولً هو الحديث عن الوقائع السيكولوجية التي تتحقق على صعيد «أذهان الآخرين»؛ ذلك أن مسألة التفريق بين نسبة الإنسان حالات داخلية إلى نفسه، ونسبة حالات مشابهة إلى الآخرين، قديمةٌ قدم السلوكية المنطقية نفسها، بل إنها شكلت الشغل الشاغل لفتغنشتاين منذ عودته إلى العمل الفلسفي، حتى نهاية حياته. يضاف إلى ذلك أنها ذات صلة وثيقة بمشكلة الذاتية، كما يظهر في النقاشات المعاصرة لهذه المشكلة في صيغتها التحليلية في الفلسفة الأنكلو–أميركية المعاصرة. يثير كارناب، من خلال هذا التفريق، مسألة محورية ما فتئت تمثّل صعوبة بالغة بالنسبة إلى الموقف السلوكي، من حيث قدرة هذا الأخير على التعامل مع حقيقة «الذاتية»؛ ذلك أن هناك فرقًا بالغًا في الموقف الإبستيمولوجي للباحث أو المراقب سعندما يقول عن موضوع البحث ص: إن « ص
يشعر بالألم»، وعندما يقول سمتحدثًا عن نفسه: «أشعر (أنا) بالألم». ففي الحالة الأولى، وبموجب الأطروحة المنهجية الأساسية للموقف السلوكي، يتم فهم وتفسير معنى القضية السيكولوجية بالإشارة إلى سلوكيات ص، فهو يصرخ، ويتلمس موقع الألم، وما إلى ذلك. يتحدد معنى القضية عن طريق التحقق من صدقها بحسب الطريقة التجريبية المعهودة في الوضعية المنطقية، والتي كان كارناب من أبرز أعلامها. ولكن ماذا لو أن الشخص المتألم قال عن نفسه – ولنفترض ذلك من دون حضور أناس آخرين –: «أشعر (أنا) بالألم»؟ هل يتحدد معنى القضية بالنسبة إليه بالإشارة إلى سلوكياته؟ هل يعرف أنه يتألم لأنه يسمع صراخه بنفسه؟ هل يعرف أنه يتألم لأنه يرى نفسه وهو يتلمس موضع الألم؟ واجه كارناب هنا ثلاثة اختيارات، لم يجد لها رابعًا، في الإجابة عن هذه الأسئلة13. فإما القول إن سلا يمتلك أي طريقة البتة للتحقق من صدق القضية، وإما القول إنه يتحقق من صدقها عن طريق الاستبطان، وإما القول إن سيتحقق من صدقها بالطريقة نفسها التي يستخدمها الآخرون، أي عن طريق ملاحظة السلوك. ولكل من هذه الطرق مصاعبها التي توقّف عندها كارناب، قبل أن يستقر رأيه على الاختيار الثالث. فنحن إن قلنا بالطريق الأول، فلن يعود في وسع قائل هذه القضية: «أشعر بالألم»، نسبةُ أي معنى إليها؛ ذلك أن نظرية التحقق المعتمدة في الوضعية المنطقية تتطلب وجود طرق تجريبية للتحقق من معنى القضية، وإلا تكون القضية فاقدة للمعنى. أما إذا سلكنا طريق الاستبطان، فهي، بالطبع، طريقٌ غيرُ قابلةٍ للمشاركة، بمعنى أن كل إنسان يستبطن نفسه بنفسه، وليس في وسعه التحقق مما يقوم به الشخص الآخر الذي يقوم بالفعل الاستبطاني. فإذا تحقق الشخص من القضية عن طريق عملية خاصة لا يدركها أحد سواه، غدا المعنى الذي ينسبه إلى القضية السيكولوجية، أيضًا، معنى خاصًّا لا يدركه سوى صاحبه. ومن ثم يفترق ذلك المعنى عن العام والمشترك الذي نفهمه – نحن المراقبين الخارجيين – عندما نقول: «يشعر سبالألم». لهذه الأسباب، لم يجد كارناب مفرًا من التمسك بالحل الثالث، والمتمثل في القول إن الإنسان نفسه يتحقق من حالاته السيكولوجية، بالطرق نفسها التي يستخدمها الآخرون في التحقق من حالته هو؛ الأمر الذي يعني، بحسب ما يقوله أحد الكتّاب: «يلزمني أن أقوم بملاحظة سلوكي بالطريقة نفسها المتاحة لك عندما تقوم أنت بملاحظة سلوكي؛ ما يعني أن القضايا التي من شأنها توفير سند عقلاني لزعمي بأنني أشعر بالغضب، سوف تكون على هذه الشاكلة: ‘أشعر أن يدييَّ ترتعشان’، ‘أشاهد يد ترتعشان’، ‘أسمع صوتي المرتعش’، وما إلى ذلك»14. هناك أمران ينبغي ذكرهما؛ من أجل استكمال الصورة التي يرسمها كارناب في هذا المجال: • أولهما، افتراضٌ مضمرٌ، مفادُه أن العلاقة بين السلوك الخارجي والحالة السيكولوجية هي علاقة تكافؤ منطقي، بمعنى أن السلوك القابل للملاحظة يوفر شروطًا ضروريةً وكافيةً للقول بوجود الحالة السيكولوجية.
• ثانيهما، اعتبار كارناب أن الفهم العلمي النهائي للحالات السيكولوجية، سوف يتم في نهاية الأمر من خلال اختزالها إلى حالات عصبية، سوف تقوم علوم البيولوجيا والكيمياء بطرحها علينا عندما تتقدم الدراسة العلمية في هذه المجالات بما فيه الكفاية. وهذا بالطبع يعني التزامًا كاملً بالنظرية المادية حول العلاقة بين الذهن (العقل) والدماغ، أي القول إن الذهن أو العقل ليس أكثر من نشاط عصبي دماغي15. هناك ارتباط وثيق بين هذين الأمرين. فالقول بالتكافؤ بين السلوك والأحوال السيكولوجية، هو من شروط القول بالاختزال (أو هو الاختزال عينه). ولكن السلوك، بالنسبة إلى كارناب وغيره من أنصار الوضعية المنطقية ممن آمنوا بمشروع وحدة العلم، لم يكن المحطة الأخيرة في مشروع الاختزال، بل خطوة على الطريق، في انتظار أن تتطور علوم البيولوجيا والكيمياء والدماغ، إلى الدرجة التي سوف تسمح لنا بترجمة محتويات علم النفس، ليس من خلال لغة سلوكية فحسب، وإنما، في نهاية المطاف، من خلال لغة العلوم الدقيقة، والتي أساسها الفيزياء. واجه كارناب وأنصار الوضعية المنطقية كثيرًا من النقد بسبب هذين الأمرين، ليس من فتغنشتاين في حينه فحسب، بل من آخرين أيضًا، في حينه ولاحقًا (كما سنرى). نكتفي هنا بالقول إن الانتقادات العديدة التي وُجِّهَت إلى السلوكية قد أدت إلى تغييرات في الطرح، وإن لم يكن في الروح، نجدها عند أنصار السلوكية الوضعية المعاصرين، ممثلين بدينيت. يعدّ دينيت، كما أسلفنا، من أبرز المنادين بالسلوكية المنطقية في الوقت الحاضر، وقد قدّم نظريته المعروفة باسم «نظرية النةّظُم القصدي» Theory Systems Intentional، بوصفها نوعًا تكامليًا Holistic16 من السلوكية المنطقية. تتحدد سلوكية دينيت بالإشارة إلى مقولة جوهرية حول العلاقة بين الحالات السيكولوجية والسلوك. فيقول: «أتبنى ومن دون أي تردد المقولة التالية: ‘إذا تماثل كائنان في السلوك تمامًا، فإنهما سوف يتماثلان سيكولوجيًا تماثلً تامًا»’17. تفيد هذه الأطروحة أن الحالات السيكولوجية «تتحدد» على أساس الحالات السلوكية بمعنى دقيق يمكن توضيحه بالآتي: لا يمكن وجود فروق في الحالة السيكولوجية، من دون وجود فروق في الحالة السلوكية. بمعنى آخر؛ إذا لم يكن في وسعنا التمييز بين سلوكيات سوسلوكيات صبتاتًا، فهذا يعني أن أحوالهما السيكولوجية متطابقة. تحدد هذه الأطروحة المعروفة باسم أطروحة الترتّب
Thesis Supervenience18 تصورًا دقيقًا لموقف يفترض أنه موقف الحد الأدنى الذي ينبغي أن يجتمع عليه كل من ينتسب إلى الفكر السلوكي بصورة عامة، كما يقول البعض: «يُفترض أن يجعل التزام دينيت بأطروحة الترتب منه سلوكيًا في نظر جميع الباحثين في موضوع السلوكية. فما الذي يعنيه أن يكون المرء سلوكيًا إن لم ينادِ بالقول: إنه ‘إذا تماثل كائنان تمامًا في السلوك، فإنهما سوف يتماثلان سيكولوجيًا تماثلً تامًّا’؟»19. من الواضح أن هذه الأطروحة ليست مطابقة تمامًا في معناها لما يمكن استنتاجه من أقوال كارناب حول العلاقة بين السيكولوجي والسلوكي؛ ذلك أنها لا تستلزم إمكانية تعريف المفاهيم السيكولوجية من خلال المفاهيم السلوكية أو الفيزيائية أو المادية، بل إنها تقتصر على القول إنه لا وجود لأي فرق سيكولوجي من دون فرق سلوكي. فهي، من ثم، تبيح وجود فروق سلوكية، لا ينجم عنها فروق سيكولوجية. مثال ذلك: أن يقوم شخص ما بارتداء معطف، في حين يقوم آخر باستخدام مظلة، وكلاهما في الحالة السيكولوجية نفسها المتمثلة في الاعتقاد أن الطقس ماطر في الخارج؛ الأمر الذي يفسح المجال لتحقق الحالات السيكولوجية بأكثر من طريقة. يرتبط القول بإمكانية تحقق الحالات السيكولوجية بأكثر من طريقة، بموضوعات طال الحديث عنها، ومنها مسألة الذكاء الاصطناعي، وجواز (أو عدم جواز) نسبة حالات ذهنية (مثل التفكير) إلى كائنات غير بشرية ليست من دم ولحم، وإنما من مواد مختلفة تمامًا كحال الإنسان الآلي، أو ربما كائنات من كواكب أخرى. من أشهر الأمثلة التي تستخدم في هذا السياق فحص تورينغ Test Turing، حيث يتحاور كائن بشري يجلس أمام هذا الحائط مع كائن يوجد خلف الحائط، قد يكون إنسانًا آخر، أو قد يكون إنسانًا آليًا، أو حاسوبًا. فإن عجِزَ الكائن البشري عن اكتشاف ما إذا كان مُحاوره آلة أم بشرًا، جاز نسبةَ الذكاء، بل والتفكير والاعتقاد، إلى ذلك الكائن خلف الجدار، سواء كان إنسانًا أو إنسانا آليًا أو حاسوبًا. من الواضح أن هذه الحجة تستند إلى أطروحة أن التماثل الكامل في السلوك يفضي إلى التماثل الكامل في الحالات السيكولوجية. والسلوك في هذه الحالة، بالطبع، هو سلوك الكلام Verbal Behavior، الذي يُمارس من خلال طرح الأسئلة وتقديم الأجوبة والحوار «العقلاني»، كما نقول. كما أنه من الواضح أيضًا أن فحص تورينغ فحص سلوكي محض، لا يعبأ بحالات نفسية تُستبطَن ولا يصل إليها إلا صاحبها20. ولا يرى دينيت أن هذا أمر مهم. ودليل هذا سؤالٌ يُلوّح به دينيت في وجه خصومه الذين يريدون القول إن الحياة السيكولوجية لا تتحدد على أساس السلوك، فضلً عن إمكانية الاختزال (الرد) إليه. يدعونا دينيت إلى تخيل اكتشاف علمي يحدث مستقبلً، يوصلنا إلى نتيجة مفادُها
أن كل شخص أعسر، ليس في الحقيقة إلا إنسانًا آليًا من نوع معين. لو اكتشفنا ذلك، هل سنكفّ في الحال عن نسبة معتقدات وأفكار ومشاعر إلى هؤلاء الناس، وهم أصحابنا وأزواجنا الذين عشنا معهم سنين طويلة؟ يجيب دينيت عن هذا السؤال بالنفي21. أن ننسب إلى الآخرين حياة سيكولوجية تزخر بالمعتقدات والآمال وغيرها ليس سوى استراتيجية يمكن أن نستخدمها في تفسير سلوكياتهم الحالية، والتنبؤ بسلوكياتهم المستقبلية22. وليس هناك ما يمنع من استخدام هذه الاستراتيجية في تفسير سلوك الحواسيب والحيوان، بل والنبات23. وفي نهاية المطاف، نحن كائنات تعيش في بيئة من الأحداث والمؤثرات الخارجية القابلة للملاحظة، والتي نستجيب لها من خلال سلوكيات هي بدورها قابلة للملاحظة. وحديثنا عن المعتقدات وغيرها من الحالات السيكولوجية، بصفتها حلقة حقيقية تتوسط بين المؤثرات والاستجابات، مجرد وهم ديكارتي. هذا، أو ما هو قريب منه، ما أفاد به سكنر قبل دينيت بعقود: «تفسير السلوك الذي ينمّ عن انعدام التكيف من خلال القول إن الفرد يشعر بالقلق، لا يعفينا من مسؤولية البحث عن الأسباب التي أدت إلى حصول القلق. ولكن أليس في وسعنا في هذه الحالة، أن نعبر رأسًا إلى الظروف الخارجية المسببة للقلق؛ من أجل تفسير السلوك المنعدم التكيف؟ [...] لا نعترض على الإشارة إلى الحالات الباطنية أو الداخلية لأنها غير موجودة، بل لأنها غير مفيدة في عملية تفسير السلوك. لا نستطيع أن نقدم تفسيرًا لسلوك أي كائن إذا ما حصرنا جل اهتمامنا فيما يجري داخل الكائن المعني. في نهاية الأمر؛ نحن مضطرون إلى البحث في العوامل التي تؤثر في الكائن من الخارج»24. يلتقي هنا سكنر الذي ينتمي إلى ما يسمى مدرسة السلوكية الراديكالية، مع دينيت الذي يعتبر من أنصار السلوكية المنطقية. وفي كلتا الحالتين، يبقى السلوك الخارجي وأسبابه الخارجية في الواجهة. أما الحالات السيكولوجية فإما أنها غير موجودة وإما أننا لسنا في حاجة إليها، وإما أنها مجرد أدوات تفسيرية مفيدة.
ثالثًا: فتغنشتاين ناقدًا السلوكية
قدّم فتغنشتاين آراء متعددة وأقوالً متضاربة حول الذهن والسلوك؛ الأمر الذي وفّر تربة خصبة لمن أتوا من بعده للاختلاف حول موقفه. فمنهم من نفى أن يكون فتغنشتاين سلوكيًا، ومنهم من أكد ذلك. نسوق في هذا القسم بعض ما قاله فتغنشتاين مما قد يُفهم أنه نقدٌ للسلوكية، على أن نعرض في القسم الذي يليه الأقوال التي تميل به نحو السلوكية.
لنبدأ بنقد فتغنشتاين لتحليل كارناب للأحكام التي ينسب من خلالها الشخصُ حالات سيكولوجية إلى نفسه أو إلى الآخرين. قلنا فيما سبق إن كارناب يزعم أنْ لا مفر لنا من الاعتقاد أن الشخص يتحقق من حالاته السيكولوجية بالطريقة نفسها التي يتحقق بواسطتها من الحالات السيكولوجية للآخرين، أي عن طريق سلوكه الذي قد يتمثل بتلمّس موضع الألم أو السلوك الكلامي الذي يصرح به عن حالته الشعورية. يُنكر فتغنشتاين هذا الزعم، مرة بالقول: «إذا قال شخص ما عن نفسه إنه حزين، فإنه لا يستدل على ذلك بالإشارة إلى مظاهر الحزن البادية على وجهه»25، ومرة بالقول إن «التحقق من المفاهيم السلوكية يتم عن طريق الملاحظة، في حال ما كانت تُنسب إلى الآخرين، أما في حالة نسبتها إلى النفس، فلا»26، ومرة ثالثة بالقول: «يخضع سلوكي للملاحظة من قبلي في بعض الأحيان، ولكن هذا نادرًا ما يحدث [...] وعندما ينتبه ممثل إلى تعابير وجهه في المرآة، أو عندما يرقب عازف موسيقي كل نوتة يعزفها، فليس الهدف من هذا سوى تعديل سلوكه بالطريقة الملائمة»27. وأما نقد فتغنشتاين لموقف كارناب من الأحكام التي ننسب بموجبها حالات سيكولوجية إلى الشخص الآخر، فيتمثل في رفض تحليل هذا الأخير للمفاهيم السيكولوجية المألوفة مثل «ألم»، و«قلق»، و«سرور»، وغيرها. فكما أسلفنا سابقًا، يزعم كارناب أن المفاهيم السيكولوجية مكافئة منطقيًا لأحكام تجري صياغتها بلغة فيزيقية سلوكية بحتة، وأن معنى الأحكام السيكولوجية يتحدد من خلال طرق التحقق منها، بحسب مقتضيات نظرية الوضعية المنطقية في المعنى. لا يشك فتغنشتاين في أن طريقة التحقق هذه مشروعة، بل، وكما سوف نبين لاحقًا، يعترف فتغنشتاين أنه لا توجد طريقة أخرى للتحقق من أحوال الآخرين السيكولوجية. ولكن السؤال الذي توقف فتغنشتاين عنده لا يتعلق بمشروعية طريقة التحقق هذه، أو وجود سواها من عدمه، وإنما بمسألة ما إذا يمكن القول إن معنى كلمة «ألم» يرتد إلى معنى (أو معاني) أيٍّ من المفاهيم السلوكية التي تستخدم في التعبير عن الحالات السلوكية التي نستدل بموجبها على الحالات السيكولوجية للآخر. أنكر فتغنشتاين ذلك بشدة، مؤكدًا، في أكثر من موضع، أن معنى كلمة «يتألم»، على سبيل المثال، ليس «يولول»، أو «يتلمّس موضع الجرح»، أو «يطلب الذهاب إلى غرفة الطوارئ»، وما إلى ذلك من تعبيرات سلوكية. يقول فتغنشتاين: «بالطبع، ليس الشعور بالغبطة هو نفسه السلوك المغتبط، ولا هو إحساس في زوايا الفم [يقصد البسمة] أو العينين. نعم، يظهر الاغتباط في تعابير الوجه، ولكننا لا نقول إننا مغتبطون بوجوهنا»28. يُعبِّر غرانت لوكهاردت Lockhart Grant عن مقصد فتغنشتاين بوضوح أكبر عندما يقول: «في اللغة الإنكليزية، هناك طريقة واضحة للقول إن فلانًا يتألم. في الأحوال العادية نستخدم الكلمات ‘إنه يتألم’. كما أن هناك طريقة واضحة للقول إنه يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها الناس عندما يتألمون. تجدنا هنا نتحدث عن سلوك الشخص. ومن يقول إن عبارة ‘إنه يتألم’ تطابق في معناها القول: ‘إنه يتصرف
كما يتصرف الناس عندما يكونون في حالة ألم أو العكس، فإما أنه لا يتقن اللغة، أو أنه يقفز إلى استنتاجات. في الحقيقة يصعب تخيل سبب يدعو إلى قول مثل هذا، إلا إذا كان الشخص يحتكم إلى مبدأ مفادهُ أن طريقة التحقق من وجود الألم، تحدد معنى عبارة ‘إنه يتألم»’29. إضافة إلى نقد كارناب في المسائل المتعلقة بطرق التحقق من الأحكام السيكولوجية، هناك مسألة أخرى أثارت حساسية خاصة لدى فتغنشتاين، وهي مسألة تثيرها مادية كارناب Physicalism، حيث تلتقي سلوكيته مع المادية، ومع إيمانه بوحدة العلوم على أساس علم الفيزياء. هاك بعض ما يقوله فتغنشتاين في هذا الصدد: • «لا يوجد ما هو طبيعي أكثر من القول إنه لا يوجد في الدماغ عملية ترتبط بالتداعي أو بالتفكير. لذا؛ من المستحيل أن نستنتج عمليات التفكير من عمليات الدماغ»30. • «من المحتمل جدًّا وجود ظواهر ذهنية لا يمكن تقصّيها فيسيولوجيًا، بسبب عدم وجود ما يرتبط بها فسيولوجيًا»31. • «يترك الحدث أثرًا في الذاكرة، ونحن بدورنا نتخيل كما لو أن هذا يتمثل في نوع من الأثر أو الانطباع في الجهاز العصبي، كما لو كنا نود القول إن للأعصاب ذاكرة. ولكن عندما يتذكر إنسان أمرًا ما، فهو لا يستنتج ذلك من وجود هذا الأثر أو الانطباع في الجهاز العصبي. مهما كان الأثر الذي يتركه حدثٌ ما في الكائن الحي، فهو ليس ذكرى»32. تُظهر هذه الاقتباسات، بجلاء، برودة موقف فتغنشتاين تجاه ما بات يعرف من بعده ب «نظرية الهوية» Theory Identity التي تقول إن النفس أو الذهن ليس إلا الجسم باسمٍ آخر. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في الحال هو ما إذا كان لمثل هذا النقد أي علاقة بالسلوكية. مما لا شك فيه، على أي حال، أن السؤال يذكّرنا بضرورة تفحّص العلاقة بين المادية والسلوكية. فقد اقترح بعض الفلاسفة أن في وسعنا تعريف السلوك بمعنى واسع، بحيث لا يشتمل على السلوك الظاهر، بل أيضًا الانتظامات التي تحكم الأجسام المادية الأخرى، بما فيها الحيوان والنبات والجماد، بل والخلايا الحية والذرات. فما تقوم به هذه الأجسام عند تعرضها لمؤثرات محددة هو الاستجابة لتلك المؤثرات بطرق معينة. فما المشكلة في الإشارة إلى تلك الاستجابات الناجمة عن مؤثرات بمصطلح «سلوك»؟ على هذا الأساس، يمكننا التمييز بين نوعين من السلوكية (كما أشرنا في مستهل هذا البحث)؛ أولهما: Behaviorism Molar، تلك السلوكية التي لا تأخذ في الحسبان إلا السلوك الظاهر للجسم ككل، وثانيهما: Behaviorism Molecular، وهي السلوكية التي تأخذ
في الاعتبار سلوكيات الأجزاء الأصغر من الجسم، نزولً إلى مستوى الخلايا العصبية أو ما دون ذلك33. إذا فهمنا السلوكية بالمعنى الثاني، فقد يكون في وسعنا أن نستوعب بعض ما يقوله فتغنشتاين حول القاعدة Basis الفسيولوجية للحالات السيكولوجية أيضًا، بمنزلة نقد للسلوكية في أحد أشكالها على الأقل. ولا ينبغي أن يكون هذا بالأمر المستهجن، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار مقولة كارناب: إن السلوك بالمعنى الأول ليس سوى خطوة على الطريق، لاختزال مفاهيم علم النفس إلى مفاهيم كيميائية – فسيولوجية بمقتضى فرضية وحدة العلم. هناك مسألة أخيرة في سلوكية كارناب، تجدر الإشارة إليها في سياق نفي السلوكية عن فتغنشتاين، وهي موقف هذا الأخير من الزعم القائل بوجود شرائط سلوكية ضرورية (وكافية) للحكم بوجود الحالة السيكولوجية. يفترض كارناب أن الشخص الذي يشعر بالألم يتصرف بطريقة أو طرق معينة؛ يولول، مثلً، أو يتلمّس موضع الجرح، أو يطلب الإسعاف، وما إلى ذلك. يتوقف فتغنشتاين عند حالات عدم اليقين التي تواجهنا أحيانًا عندما نكون بصدد الحكم على وجود حالة داخلية محددة في الآخر أو عدم وجودها، فقد يبتسم إنسان من دون أن يعني ذلك أنه يشعر بالسرور، وقد تجري الدموع بسبب الحزن أو بسبب السعادة. يقول فتغنشتاين: «ليس في وسعنا تقديم معايير من النوع الذي لا يدع مجالً للشك في وجود الإحساس»34، ويعقِّب لوكهاردت على ذلك قائلً: «إن ما نحتاجه للحكم بأن شخصًا ما يشعر بالألم [...] لا يتطلب اتباع قائمة من الشروط الاستلزامية Conditions Entailment التي تصل ما بين الأحكام السلوكية والأحكام بوجود الحالة السيكولوجية»35. واقع الأمر، كما قال بعض من أتوا بعد فتغنشتاين، أنه لا يوجد سلوكٌ محددٌ يمكن أن يرتبط بحالة سيكولوجية محددة، من دون الأخذ في الاعتبار أمورًا يصعب حصرها؛ منها الظروف المادية المحيطة بالشخص المعني، وما يسبق أو يلحق بسلوك الشخص من سلوكيات أخرى، فضلً عن الحاجة إلى الإشارة إلى الحالات السيكولوجية المصاحبة للحالة التي نحكم عليها. انطلاقًا من هذا، نجد أنفسنا مضطرين إلى القبول بنوع من التكاملية Holism، عند النظر إلى العلاقة التي تربط ما بين السلوك الخارجي والحالات السيكولوجية. وجدت هذه النظرة التكاملية التي افتقدتها تحليلات كارناب من ينادي بها لاحقًا وبصورة أقوى وأوضح، كما نجد عند وليام ألستون Alston William (2009–1921) الذي يقول: «فشلت السلوكية بسبب التزامها بأطروحةٍ مفادُها أن كل حالة سيكولوجية محددة ترتبط بمجموعة من الميول السلوكية. ولكن ما هكذا يتصرف البشر. لا يتحدد سلوكي المتمثل بحمل مظلة عند خروجي من البيت، بالإشارة إلى اعتقادي بأن الطقس سوف يكون ماطرًا فقط، بل أيضًا برغبتي في تجنّب البلل، وتفضيلاتي المتعلقة بكيفية تجنّب البلل، ومعتقداتي بشأن النتائج المترتبة على حمل مظلة. فإذا كنت أعتقد أن ارتداء معطف وقبعة يكفي، أو أن استخدام مظلة قد يحدث انطباعًا لا أريده، فقد لا أحمل مظلة، حتى لو كنت أعتقد أن الطقس سوف
يكون ماطرًا. ليس السلوك دالة Function لحالة سيكولوجية واحدة، بل لحقل كامل من الحالات السيكولوجية وقتها»36. هذا غيض من فيض الأسباب والاعتبارات المتداولة في معرض تبرئة فتغنشتاين من السلوكية. وكان يمكن أن ينتهي الأمر على هذه الصورة، لو لم يكن هناك أقوال أخرى مؤيدة للسلوكية، قال بها فتغنشتاين حول العلاقة بين علم النفس والسلوك. نسوق في القسم التالي بعض ما قاله فتغنشتاين في هذا الصدد.
رابعًا: هل كان فتغنشتاين سلوكيًا؟
على الرغم من الأسباب التي أوردناها في القسم السابق، والتي تشي بموقف مناوئ للسلوكية، كان وما يزال هناك انطباع عام بوجود علاقة وثيقة، وإن لم تكن واضحة المعالم تمامًا، بين فتغنشتاين والسلوكية. يعبر ريتشارد رورتي (2007–1931) عن هذا الانطباع بالقول: «أدى هجوم فتغنشتاين ومؤيديه على الفكرة القائلة بوجود مقولتين أنطولوجيتين مستقلتين، وغير قابلتين للاختزال، إلى عقد تحالف قلق وغير مريح مع السلوكية التقليدية، كما أدى بهم إلى الوقوف موقف العداء تجاه فكرة المتغيرات الوسيطة التي يفترض علماء النفس وجودَها»37. ما المقصود بالمقولتين الأنطولوجيتين المستقلتين؟ المقصود هو بالطبع عالم «الروح» (الظواهر النفسية) من جهة، وعالم المادة من جهة أخرى، أو بكلمات أخرى تلك الثنائية Dualism التي ورثتها الفلسفة الحديثة عن ديكارت. أما المتغيرات الوسيطة فهي تلك المعطيات الوجدانية، وربما أيضًا البنى الذهنية التي يفترض بعض الباحثين وجودها، وهي تحديدًا ما اقترح سكنر الاستغناء عنه من خلال العبور مباشرة من المؤثرات (الخارجية) إلى الاستجابات (الخارجية)، وجميعها، بالطبع، من سكان عالم المادة. يوحي تكهن رورتي حول سبب التحالف غير المريح بين فتغنشتاين والسلوكية، بأن فتغنشتاين لم يكن معنيًا بأن يكون سلوكيًا، بقدر ما كان معنيًا بنقض الفكرة الديكارتية حول وجود عالمين منفصلين؛ عالم المادة وعالم الذهن (أو النفس). قد يكون هذا صحيحًا، ولكن نجاح فتغنشتاين في تجنّب الوقوع في فخ السلوكية، ليس مرهونًا بنقض الموقف الديكارتي فحسب، بل الأهم من ذلك أنه مرهونٌ بتقديم بديل مُرْضٍ من الأطروحات الديكارتية. فمن دون توفير بديل من هذا النوع، قد لا يكون من السلوكية مفر؛ إن لم تكن ديكارتيًا فأنت سلوكي. وفتغنشتاين لم يكن ديكارتيًا يومًا ما، بحسب الإجماع السائد حول فلسفته. سنتوقف لاحقًا عند الحدود التي توقف عندها فتغنشتاين، لنرى ما إذا كان في الإمكان تجاوزها، ولكن في هذه الأثناء علينا أن نلقي نظرة على الجوانب السلوكية في فكر فتغنشتاين. سنقوم بذلك جزئيًا من خلال تفحص الاعتبارات التي أوردناها في القسم السابق؛ لتبرئة فتغنشتاين من تهمة السلوكية.
لنبدأ بالمسألة الأولى: كيف تكتسب المفاهيم السيكولوجية معناها؟ هل يُكتسب المعنى بالإشارة إلى السلوك الخارجي أم بالإشارة إلى استبطان الحالة السيكولوجية؟ هل أتعلم معنى «يتألم»، عن طريق ملاحظة شخص يولول ويتلمس موضع الجرح... إلخ؟ أم أن معنى «ألم» يتحدد عندما أنظر إلى نفسي من الداخل وأحس بهذا الإحساس، فأقول: «هذا ما تعنيه كلمة ‘ألم’»؟ (يمكنك أن تقوم بوخز أصبعك بدبوس الآن؛ لكي تعرف المقصود بالإشارة إلى هذا الإحساس بالألم). كما رأينا، رفض كارناب هذا الطرح الأخير، من خلال الحجة التالية: لو أن معنى «ألم» تحدد بالطريقة الثانية لكان لكل واحد منا معناه الخاص الذي يقرنه بكلمة «ألم»، ولما كان هناك إمكانية للتفاهم المشترك. ولكن بما أننا نعني الشيء نفسه بكلمة «ألم»، وبما أننا نصدّق جميعًا على القول بوجود الألم عند فلان الذي وخز أصبعه للتوّ بدبوس، فلا بد من أن يكون توافقنا نابعًا من مشاهدتنا لوقائع موجودة في الفضاء العام، ولا يمكن أن تكون هذه سوى السلوك الخارجي. ظاهر الأمر هنا أن كارناب يُقر بإمكانية وجود معانٍ خاصة في لغة خاصة، لا يدرك معانيها إلا الشخص نفسه، وأن اعتراضه لا يتجاوز القول إن لغة من هذا النوع لا تصلح للاستخدام العام، ومن ثم لا تصلح أن تكون لغة علم أو لغةَ تخاطُبٍ بين الناس. أما موقف فتغنشتاين من هذا السيناريو فمختلف جدًّا، فهو ينفي أن يكون للكلمة أي معنى، ليس للمراقبين الخارجيين فقط، بل للشخص نفسه أيضًا. يقول فتغنشتاين في فقرة مشهورة: «إذا قلتُ إنني لا أعرف ما معنى ‘ألم’، إلا انطلاقًا من حالتي الخاصة، أفلا ينبغي أن أقول الشيء نفسه عن الآخرين؟ وكيف يمكنني، إذًا، أن أعمم حالتي الفريدة بهذه الطريقة غير المسؤولة؟ حسنًا، سيقول شخص آخر إنه لا يعرف الألم إلا من خلال نفسه. لنفترض أن في حوزة كل واحد منا صندوقًا، فيه شيء يسميه ‘جعران’. لا أحد يمكنه أن ينظر في صندوق الآخر، وكل واحد منا يقول إنه لا يعرف ما هو الجعران، إلا بالنظر إلى جعرانه هو. ولكن من الممكن أن لكل واحد في صندوقه شيئًا مختلفًا. بل يمكننا أن نتصور وجود شيء يتغير باستمرار [...] فهل يصلح مصطلح ‘جعران’، إذًا، للإشارة إلى أي شيء؟ في واقع الأمر لا ينتمي الشيء الموجود في الصندوق إلى اللعبة اللغوية، ولا حتى باعتباره شيئًا ما؛ لأن الصندوق يمكن أن يكون فارغًا»38. يستنكر فتغنشتاين هنا فكرة اللغة الخاصة من منطلق أنه ليس من الممكن أن يكون لأي مفردة من مفردات تلك اللغة أي معنى محدد، حتى بالنسبة إلي (أنا المتكلم). فليس هناك من في وسعه أن يُصوِّب استخداماتي للمفردات. قد تتغير أحاسيسي من الشعور بالألم إلى الشعور بالمتعة، ولكني أواصل استخدام كلمة «ألم»؛ للإشارة إلى الإحساس بالمتعة. وذلك لأن ذاكرتي تخدعني، فأنسى أنني كنت في السابق أطلق كلمة «ألم» على الإحساس الأول، وليس على الإحساس المستجد. فلا حسيب يحاسبني، ولا رقيب يراقبني في استخداماتي الخاصة لهذه اللغة بيني وبين نفسي. فبأي معنى يمكننا الحديث عن معنى خاص أقرنه بهذه الكلمة؟ قد يكون هناك أكثر من معنى، وقد لا يكون هنا أي معنى في بعض الحالات. لذلك لا يمكن القول إن مفردة «ألم» تعني شيئًا ما في اللغة الخاصة.
يظهر من هذا أن رفض فتغنشتاين لفكرة المعنى الخاص أكثر راديكالية من الرفض الذي نجده عند كارناب. فقد كان هذا الأخير على الأقل مستعدًّا للتفكير بالمعنى الخاص. أما فتغنشتاين فيرفض أن يكون للمعنى الخاص أي وجود. فمن أين وبأي طريقة يتحدد المعنى بحسب ما يرى فتغنشتاين؟ هل يبقى شيء غير السلوك الخارجي؟ وهل يعود هناك معنى للحديث عن الحالات السيكولوجية من دون الإشارة إلى السلوك؟ ظاهريًا، يبدو أن فتغنشتاين يدفع في اتجاه موقف سلوكي قوي. فهو يزيد على قوله: إن «الشيء الذي يوجد في الصندوق لا ينتمي إلى اللعبة اللغوية»، بالقول إن «الصندوق قد يكون فارغًا»؛ ما يعني أنه، ولأغراض معرفية بحتة، ليس هنا ما يمكنه أن يكون موضوعًا للعلم أو للتخاطب. ألا يعني هذا أننا في غنى عن الحديث عن صناديق في المقام الأول، ما دام أنه قد لا يكون فيها شيء؟ هذا ما يبدو أن فلاسفة مثل دينيت، وعلماء نفس مثل سكنر، ينحون نحوه، وذلك عن طريق تقليل أهمية الصندوق الداخلي وما فيه. يرى أحد الكتّاب أنه لا يوجد نية لدى فتغنشتاين للقول بفراغ الصندوق (أو بعبارة أخرى إنكار وجود الحالات السيكولوجية)، بل إن مقصده لا يتعدى القول إن الأشياء الموجودة في «الصندوق» ليست منفصلة تمامًا عن السلوك الظاهر. يقول الكاتب: «إذا نظرنا إلى الإحساسات السيكولوجية بوصفها أشياء Objects توجد في الداخل النفسي للشخص، كحال الجعران في الصندوق الخاص بي، فسوف يغدو الإحساس شيئًا لا علاقة له بأحاديثنا حول الأحاسيس (وهذا أمر غريب) [...] تتلخص النقطة التي يريد فتغنشتاين التأكيد عليها في الحرص على عدم النظر إلى الألم وغيره من الحالات السيكولوجية، كما لو كانت كليًا ومن حيث المبدأ منفصلة عن السلوك الظاهر. وهذا لا يعني القول إن كل ما يتعلق بالحالات السيكولوجية هو دومًا قابل للملاحظة»39. ويصف كاتب آخر معالجة فتغنشتاين لسؤال «ما الذي تشير إليه المفاهيم السيكولوجية؟» بأنها «صعبة ومثيرة للخلاف». ولكنه يمضي في تلخيصها بالقول إن فتغنشتاين يرفض الافتراض القائل إن هناك شيئًا ما تتم الإشارة إليه من خلال المفردات السيكولوجية، مستندًا إلى قول هذا الأخير: إن «علم النفس يشتغل بجوانب معينة من حياة الإنسان [...] ولكن تعبيرات مثل ‘تفكير’، ‘خوف’... إلخ لا تشير إليها»40. من الواضح أن معالجة فتغنشتاين مثيرة للخلاف. فبينما يبدو الكاتب الثاني جازمًا في القول إن فتغنشتاين يرفض النظر إلى الحالات السيكولوجية بوصفها أشياء تحيل إليها المصطلحات السيكولوجية، يبدو أن ما يستخلصه الكاتب الأول ليس إصرارًا على عدم النظر إليها بوصفها أشياء، وإنما عدم النظر إليها بوصفها أشياء مستقلة ومنفصلة تمامًا عن السلوك الظاهر. واقع الأمر أن معالجة فتغنشتاين هنا ليست صعبة بقدر ما تتسم بالغموض والتردد. فكلنا يعرف أن علم النفس يتعامل مع جوانب محددة أو ظواهر
من حياة الإنسان، ولكن ما البديل من القول إن كلمات مثل «تفكير»، «خوف»... إلخ تشير إليها؟ ما معنى هذا العبارات إذًا؟ أهناك بديل ثالث من «إما شيء خارجي هو السلوك، وإما شيء داخلي هو الحالة السيكولوجية»؟ في غياب بديل ثالث واضح المعالم، يبقى تأكيد فتغنشتاين على دور المعايير السلوكية في تحديد معاني الكلمات، واستحالة وجود المعنى الخاص، يدفع بالقارئ إلى تقريب فتغنشتاين من السلوكية. ننتقل الآن إلى الحديث عن المسألة الثانية التي تطرقنا إليها في القسم السابق، أي العلاقة بين معنى التعبيرات التي تشير إلى السلوك الخارجي (يولول، يتلمس موضع الجرح... إلخ)، وتلك التي تشير إلى حالات سيكولوجية (يتألم، مثلً). هنا تبرز حقيقتان مهمتان في خطاب فتغنشتاين حول العلاقة بين المفاهيم السيكولوجية والمفاهيم السلوكية: • الأولى، حقيقة سيمانطيقية تتمثل في القول إن العلاقة بين المفاهيم السلوكية والمفاهيم السيكولوجية ليست عرَضية البتة، بل إنها تتسم بنوع من الضرورة. • الثانية، علاقة إبستيمولوجية تتمثل في القول إن السلوك «يُعبِّر» عن الحالة السيكولوجية، بمعنى أن معرفتنا بالحالة السيكولوجية من خلال السلوك معرفةً مباشرةً لا تقوم على الاستنتاج. ليست هاتان الأطروحتان منفصلتين. فلو أن المفاهيم السلوكية كانت مرتبطة بالمفاهيم السيكولوجية بطريقة عرضية، لما كان في وسع السلوك أن يوصلنا على نحو مباشر وغير استنتاجي إلى الحالات السيكولوجية، كما سوف يتضح في الحال. يميز فتغنشتاين في عدة مواضع بين العرَض Symptom والمعيار Criterion. ومن أهم تلك المواضع ما نقرؤه في الكتاب البُني والأزرقحيث يقول: «نجيب عن سؤال ‘كيف نعرف ما إذا كان الأمر الفلاني متحققًا؟’، من خلال ذكر معايير تتحقق، أو من خلال ذكر أعراض. فإذا كان الطب يعرف الذبحة Angina بالإشارة إلى وجود ميكروب بكتيري من نوع معين في الجسم، وسألنا الطبيب: ‘كيف تعرف أن المريض يعاني الذبحة؟’، لقيل لنا إنه عُثِرَ على الميكروب البكتيري في جسم المريض، وهذا بمنزلة استخدام المعيار، أو ما يمكن تسميته المعيار التعريفي للذبحة. ولكن إذا قيل لنا ‘إن هناك التهابًا في الحنجرة’، فهذا يقدم لنا عرَضًا من أعراض الذبحة. يمكننا تعريف العرَض بأنه ظاهرة علمتنا التجربة أنها ترافق الظاهرة التي يقدم المعيار تعريفًا لها. ومن ثم يغدو القول ‘إن هذا الشخص يعاني الذبحة إذا كان الميكروب البكتيري موجودًا في جسمه’، بمنزلة تحصيل حاصل Tautology أو طريقة لتعريف الذبحة، في حين أن القول: ‘يعاني الشخص الذبحة إذا كان يعاني التهابًا في الحلق’، هو بمنزلة فرضية
.41» Hypothesis
في الحصيلة، يُعتبر العرَض علامة أو مؤشرًا يدلنا على وجود شيء معين، ولكنه لا يكشف عن طبيعة الشيء. فالسواد، مثلً، من علامات الغراب، ولكنه لا يكشف عن طبيعة الغراب. فالغراب ليس بطبيعته
أسود. كما أن القدرة على الضحك أيضًا من علامات الإنسان، بمعنى أنها تميزه من باقي الكائنات الحية، ولكن حتى لو فقد الإنسان القدرة على الضحك في مرحلة تطورية لاحقة، لما شكّل هذا تغييرًا في طبيعته. ليس الأمر كذلك في حالة المعايير. ومن أفضل الأمثلة على ذلك، ما قالت به إليزابيث آنسكوم Anscombe Elizabeth (2001–1919) حول العلاقة غير العرضية بين وجود الرغبة والسعي إلى تحقيقها42. من يسعى جاهدًا للحصول على الماء لنفسه، هو في العادة إنسان يرغب في شرب الماء. والجائع الذي يرغب في تناول الطعام سيسعى للحصول عليه، وهكذا. ويمكن قول ما يشابه ذلك في العلاقة بين الشعور بالخوف والسعي للابتعاد عن الشيء المخيف (أي الهرب). لا يعني هذا أن ليس في وسعنا النظر إلى الهرب بوصفه علامة أو مؤشرًا على وجود ما هو مثير للخوف، ولكن العلاقة لا تبدو عرضية البتة، فكأن الخوف يعبر عن نفسه، وعلى نحو خاص وحميم من خلال الهرب. في حالات الرغبة والخوف لا يُنظر إلى السعي والهرب علاماتٍ تشير إلى وجود الشيء، بل معايير نابعة من/ معبرة عن طبيعة الشيء. هكذا يتصور فتغنشتاين العلاقة بين الحالات السيكولوجية مثل السرور أو التألم (على سبيل المثال)، وأنماط السلوك التي تعبّر عنها والمألوفة لنا جميعًا، كالضحك والابتسام في حالة السرور، والعويل وطلب المساعدة في حالة الألم. ليس السلوك في مثل هذه الحالات مجرد علامة أو مؤشر على الحالة الداخلية، بل هو «معيار» وجودها. هكذا نتعلم كيفية استخدام مفاهيم مثل «مسرور» أو «خائف»، بحيث إن معاني المفردات السيكولوجية تتحدد بالإشارة إلى المفردات السلوكية، من خلال ما يطلق عليه جون ماكدويل «الحالات النموذجية لتعلم الكلمات والعبارات في نطاق استخدام لغوي معين»43. لسنا بصدد علاقة عرضية هنا، ولا أدل على ذلك من استعداد فتغنشتاين للتفكير في هذه العلاقة من خلال مفهوم «تحصيل الحاصل»، والذي يعبّر عن علاقة الضرورة المنطقية، كما أسلفنا في الاقتباس السابق44. ولكن هذا في مجمله لم يحُل دون اعتقاد بعض الكتّاب، ممن قاموا بتحليل استخدامات فتغنشتاين لمفهوم «المعيار»، أن العلاقة، وإن لم تكن عرضية، فإنها ليست علاقة لزوم منطقي. من هؤلاء بيتر هاكر الذي يعدد أسبابًا كثيرة، تجعل المعايير غير ملزمة بالضرورة المنطقية. من هذه الأسباب قابلية المعايير للدحض (قد يضحك إنسان من دون أن يكون مسرورًا)، ومنها أيضًا وجود أكثر من معيار سلوكي واحد للحكم بوجود الحالة السيكولوجية الواحدة (الأمر الذي يفسح المجال لتعارض المعايير)، وأخيرًا اعتماد المعايير على السياق الذي يجري تطبيقها فيه45. ويكاد وجود العدد الكبير من الأمثلة المتنوعة على الحالات التي يتزامن فيها تتحقق المعايير، مع انتفاء الحالة السيكولوجية موضوع السؤال، يهدد بإلغاء التمييز بين مفهومي العرض والمعيار. ولعل هذا ما دفع ماكدويل إلى
محاولة إنقاذ علاقة الضرورة بين الحالة السيكولوجية والمعيار السلوكي، عن طريق القول إن حالات فشل المعايير ليست حالات فشل حقيقي، بل هو مجرد فشل ظاهري. يقول ماكدويل: «يحسب كثير من المعلقين أن إمكانية التظاهر [بالسعادة أو غيرها من الحالات السيكولوجية] تمثّل برهانًا على قابلية المعايير للدحض. يقوم هذا الزعم على افتراضٍ مفادُه أن الفاعل/ الممثل الذي ينجح في خداعنا، يتسبب في إيجاد/ خلق وضع تتحقق فيه [فعليًا] المعايير المطلوبة للحكم بوجود الحالة السيكولوجية، على الرغم من عدم وجودها. ولكن هذا الافتراض ليس ملزمًا. يمكننا رفضه من خلال طرح بديل، وهو القول إن كل ما ينجح الفاعل/ الممثل في تحقيقه، ليس أكثر من وضع، يبدو لنا فيه أن المعايير اللازمة قد تحققت، في حين أنها لم تتحقق بالفعل. هذا يعني أن الفاعل/ الممثل يخلق (من خلال تظاهره المتقن) وضعًا يبدو فيه [لنا] أن في وسعنا الحكم (من خلال ما يقوله ويفعله) بوجود حالة داخلية، في حين أن المعايير ليست متحققة بالفعل»46. إذا صح تفسير ماكدويل للأمر، فليس هناك، إذًا، من سبب للتخلي عن القناعة القائلة إن العلاقة بين المعايير والحالات ليست علاقة عادية من النوع الذي قد ينعقد أو لا ينعقد، بل هي علاقة ضرورية غير قابلة للانفكاك. وإذا كان هذا هو موقف فتغنشتاين من العلاقة بين السلوك والحالة السيكولوجية (كما يبدو فعليًا)، ففيه ما يغلب الجانب السلوكي في فكر فتغنشتاين على الجانب الآخر. لا نقول هذا فقط استنادًا إلى العلاقة السيمانطيقية (نقصد علاقة الضرورة) التي تجمع ما بين السلوك والحالات السيكولوجية، بل لأن للعلاقة الإبستيمولوجية التي تربط ما بين السلوك والحالات السيكولوجية وقعًا يُضاهي وقع العلاقة السيمانطيقية؛ ذلك أن إحدى أبرز سمات فكر فتغنشتاين في معالجة طرق المعرفة المتعلقة بالحالات السيكولوجية للآخر تتمثل في قوله: إنه لا سبيل آخر لمعرفة تلك الحالات إلا السلوك الخارجي، وإن السلوك يعطينا معرفة مباشرة للحالات السيكولوجية، من دون الحاجة إلى القيام باستنتاجات من أي نوع كان. ومما يقوله فتغنشتاين في هذا المجال: • «إن رأيت شخصًا يتلوى ألمًا نتيجة سبب ظاهر، فلن يخطر ببالي القول: ‘مع ذلك كله، فإن مشاعره السيكولوجية خافية عليّ»’47. • «نحن، على وجه العموم، لا نتكهن بوجود الخوف في صدر الآخر، بل إننا نراه. لا أشعر أنا وبوصفي مراقبًا خارجيًا أنني أقوم باستنتاج الوجود المحتمل لشيء في الداخل، انطلاقًا من وجود شيء في الخارج. الأمر كما لو أن وجه الإنسان كان شفافًا، وكما لو أنني أرى ما فيه من خلال ضوء داخلي يصدر من الشخص نفسه، وليس من خلال ضوء ينعكس في الشخص من الخارج»48. • «انظر في وجه الآخر، وسوف ترى الوعي، بل لونًا معينًا من الوعي. ترى في الوجه (أو عليه) الفرح أو عدم الاكتراث، الاهتمام أو الحماس أو الخمول... إلخ. هناك ضوء يشع من وجه الآخر. هل
تحتاج إلى النظر داخل نفسك حتى ترى الغضب في وجه الآخر؟ لا. أنت ترى الغضب في وجهه بالوضوح نفسه كما لو كان الغضب كامنًا في صدرك»49. في هذه الأقوال، ومثلها، ما يؤيد القول بغلبة الجانب السلوكي في فكر فتغنشتاين على سواه. فإذا كان من شأن السلوك الخارجي أن يطلعنا مباشرة على أحوال الآخر السيكولوجية، فهذا لا يُضفي عليه أهمية قصوى فحسب، بل إنه يخفف من الضغوطات التي يباشرها الفكرُ الثنائي الديكارتي، الذي يرى العالم الداخلي سرًا مكتومًا لا يعرفه إلا صاحبه. فها هو العالم «الداخلي» للآخر مفتوح أمامنا تمامًا، نشهده مباشرة، على خلاف القول إننا نستدل عليه من مؤشرات عرضية. هذا يعني أنْ ليس هناك داعٍ للاحتفاء الديكارتي الكبير بالذاتية والمشاعر السيكولوجية، ما دامت تظهر أمامنا بجلاء. إن قمنا بالتركيز على السلوك (كما يقول السلوكيون)، لا نكون قد خسرنا أي شيء. أمر واحد في هذا السياق يبقى محيرًا بعض الشيء، وهو غياب الحاجة إلى استخدام المعايير السلوكية لمعرفة الأحوال السيكولوجية في حالة الشخص نفسه. كما أسلفنا، قال كارناب بالحاجة إلى المعايير السلوكية حتى في حالة الشخص نفسه، بينما خالفه فتغنشتاين نافيًا الحاجة إلى معايير سلوكية في مثل هذه الحالة. فماذا يقدم فتغنشتاين كإضاءة حول العبارات التي يستخدمها الشخص للحديث عن أحواله السيكولوجية؟ وماذا يقول عن الطريقة التي يعرف بها الشخص أنه يتألم، ما دام أنه يستنكر مقترح كارناب؟ إذا نظرنا إلى مقترحات فتغنشتاين للإجابة عن هذه الأسئلة، فسوف نجد أنه لا ينوي الابتعاد عن السلوكية كثيرًا على الرغم من استنكاره مقترحات كارناب. يتمثل جواب فتغنشتاين عن السؤال الأول فيما يمكن ترجمته بنظرية المجاهرة Theory Avowal. تفيد هذه النظرية أن عبارات مثل «أشعر بألم في الرأس» هي بمنزلة استمرار لغوي للتعبيرات البدائية التي تصدر عن الإنسان والحيوان في حالات الألم، أي تعبيرات مثل «أي!»، «آخ»!، Ouch!" "، وما يشابهها من التعبيرات في مختلف اللغات. عبارة «أشعر بألم في الرأس» تعبير لغوي يضاف إلى التعبيرات الطبيعية عن الشعور بالألم، وليس فيه إشارة إلى شيء داخلي. تؤدّي المجاهرات من هذا النوع دورًا مشابهًا للدور الذي يؤدّيه السلوك التعبيري Behavior Expressive مثل الأنين أو الضحك أو الولولة. يقول فتغنشتاين: «ترتبط بعض الألفاظ بالعبارة البدائية أي الطبيعية للأحاسيس وتُستبدل بها. يتألم الطفل فيصيح؛ عندها يكلمه الكبار ويعلمونه صيحات، ثم من بعد ذلك جُملً. وهكذا يعلِّمون الطفل سلوكًا جديدًا عند الألم»50. صحيح ما يقوله أحد الكتّاب من أن قيام الشخص بالصراخ أو الولولة ليس كالقول: «أنا أشعر بالألم» أو «إنني أبدي سلوكًا من نوع سلوك الألم»51. فالصراخ، منظورًا إليه بوصفه أصواتًا من نوع معين،
ليس عبارات لغوية بأي معنى حقيقي. إذ ليس في أصوات الصراخ لا مبتدأ ولا خبر ولا فعل ولا فاعل. ومع ذلك، لا يريد فتغنشتاين القول إن عبارة «أشعر بألم»، عبارة عن تقرير أو وصف لحالة داخلية من نوع معين، وإلا عاد ذلك بنا إلى القول بالصندوق والجعران. لذا، يقترح فتغنشتاين النظر إلى عبارة «أشعر بألم شديد في رأسي» بوصفها صرخة لغوية تعبّر عن الألم، حالها حال تعبيرات مثل «أي!» أو Ouch!" "، لا أكثر ولا أقل. لذا، فهي تبقى ضمن نطاق السلوك بمعنى من المعاني. ماذا عن السؤال الثاني؟ كيف يعرف الشخص أنه يتألم إن لم يكن يعرف هذا عن طريق سماع صراخه أو سماع نفسه يقول «أشعر بألم في رأسي»؟ يقول فتغنشتاين: «لا يمكن أن يقال عني (إلا من باب المزاح) إنني أعرف أنني أتألم. ماذا يعني ذلك ما عدا أن بي ألمًا؟»52. يوجد هنا ما يوحي بأن فتغنشتاين لا يعتبر الأسئلة على شاكلة: «كيف يعرف أحدهم أنه يتألم؟» أو «كيف لي معرفة أنني أشعر بالألم؟»، مشروعةً. ليس هناك فرق – كما يقول فتغنشتاين – بين وجودي في حالة ألم، وبين معرفتي بأنني أتألم. وهذا الكلام يبدو معقولً. فما من شخص يتألم من دون أن يكون مدركًا لذلك، وربما نقول إن الألم في حد ذاته نوع من المعرفة أو الإدراك؛ إدراك من نوع مؤلم، كما يمكن أن يقال. ومن ثم تغدو أسئلة مثل «كيف له أن يعرف أنه يتألم؟» لا معنى لها. شعور الإنسان بالألم هو في حد ذاته معرفته بأنه يتألم. ليس هناك حاجة إلى طرق معرفية، سلوكية كانت أم غير ذلك. هناك أمر لا يبدو أن موقف فتغنشتاين السلوكي قادر على معالجته بصورة شافية، وهو يظهر في موقفه من عبارات مثل: «أنا أتألم، كما أدرك أيضًا أنني أتألم». ماذا يمنعنا من القول إن هذه العبارة لا تعبّر عن شعورنا بالألم أو تجهر به فحسب، بل إنها أيضًا تقدم تقريرًا عن حالة سيكولوجية أو وصفًا لها؟ قد أقول عن نفسي إنني أتألم. وقد أقول عن نفسي إنني أدرك هذه الحقيقة (على الرغم من أنه قد يكون من المستحيل أن لا يدرك المتألم أنه يتألم). والفرق بينهما واضح: مرة أقول إنني أتألم، ومرة أقول إنني أدرك أنني أتألم. ربما كانت الثانية تعبّر عن موقف انعكاسي؛ لأن القائل يلقي نظرة على نفسه من الداخل، فيرى ما يرى، في حين أن الأولى ليس فيها فعل انعكاسي، بل قد لا تكون أكثر من صرخة ألم لغوية، كمن يقول: «أ!ْ» يَ53. هناك فرق ظاهر بين ما تبدو عليه الأمور لي، أثناء شعوري بالألم، وما تبدو عليه الأمور لي، عندما يوجد شخص غيري في الحالة نفسها. هذا الفرق هو ما يجب على فتغنشتاين معالجته. إنه العقدة الرئيسة التي يجب حلها، إما بطريقة تؤيد السلوكية وإما بطريقة تنفيها. أما ما يقدمه فتغنشتاين، فلا يبدو أنه يشكل حلحلة لهذه العقدة، بقدر ما يترك لدينا انطباعًا مفادُه أن فتغنشتاين قطع شوطًا طويلً نحو السلوكية،
ولكنه لم يصلها بعد. خلاصة القول هنا ما يقوله أحد الكتاب: «من المفارقة أن رفض فتغنشتاين لكل من الاستبطان والسلوكية، قد يجعلنا نعتقد أن الأمر انتهى به إلى نوع جديد من السلوكية. بعبارات أخرى، إذا كانت القضية ‘أنا أتألم’ لا تشير إلى شيء هو الإحساس بالألم، وكانت لا تشير إلى سلوك، فسوف نظن أن الشيء، أي الألم نفسه، قد غادر المشهد، تاركًا وراءه السلوك ولا شيء سواه. وهذا ما يجعل البعض يعتقدون أن هذه ليست سوى سلوكية من نوع جديد، ربما سلوكية متخفية، ولكنها مع ذلك تبقى سلوكية»54. تبقى مسألتان من المسائل التي أثرناها في معرض الحديث عن نقد فتغنشتاين للسلوكية في القسم السابق: مسألة التكاملية والنظرية المادية للعلاقة بين النفس والجسم. فأما ما يقوله فتغنشتاين في معرض الاعتراض على نظرية الهوية، فلا ينبغي أن يمسّ السلوكية، إلا إذا فهمنا السلوكية سلوكيةً جزيئية Behaviorism Molecular؛ الأمر الذي يتأتى فقط عن طريق إعادة تعريف مفهوم السلوك، بحيث لا يشتمل على سلوك البشر بالمعنى العادي فحسب، بل أيضًا على سلوك الأجزاء التي تتكون منها الأجسام نزولً إلى مستوى الدماغ والخلايا العصبية أو ما دونها. ولكن هذا ليس تفسيرًا متفقًا عليه للسلوكية، وقد يقال إنه يخلط ما بين أسئلة مفاهيمية Questions Conceptual تتعلق بمعاني المفاهيم السيكولوجية وأسئلة اختزالية Questions Reductive تتعلق بالأرضية المادية التي تتخلق فيها الحالات السيكولوجية55. في وسعنا تفسير الحالة السيكولوجية المتمثلة في اعتقاد أحدهم أن الطقس سوف يكون ماطرًا، بالإشارة إلى سلوكياته، مثل ارتداء معطف أو امتناع عن مغادرة البيت أو التصريح اللغوي بالقول: «سوف يكون الطقس ماطرًا هذا اليوم»، وما إلى ذلك. نجد هنا تفسيرًا للحالة السيكولوجية على صعيد المفاهيم. أما إذا أثبت لنا العلم أن الحالة العصبية الدماغية للشخص الذي يعتقد أن الطقس سوف يكون ماطرًا اليوم، تكون على هذه الشاكلة أو تلك (أوضاع أو تفاعلات من نوع محدد بين خلايا عصبية في هذه المناطق المحددة من الدماغ)، فهذا لا يفسر الحالة السيكولوجية، بل يختزلها لقاعدتها المادية التي تتخلق فيها أو تتحقق من خلالها أو بواسطتها. كل ما يمكن أن نحصل عليه من هذا الإنجاز العلمي (إذا ما تم يومًا ما)، هو القدرة على معرفة ما يدور في خلد الآخر، من خلال النظر إلى ما يجري في دماغه. وكما قال ريتشارد رورتي، إننا لن نتمكن من فهم جدول الضرب من خلال تفحص أدمغة الناس، ولكن من المتخيل أن يكون في وسعنا في المستقبل الحكم بأن شخصًا ما منهمك في عملية حسابية مثل ضرب 47 و 2556. لا تتطلب السلوكية اختزال السلوك إلى مجريات دماغية عصبية، ومن ثم ليس هناك ما يدعو فتغنشتاين إلى التنكر لها على هذا الأساس. تبقى مسألة التكاملية. كما ألمحنا في السابق، ليس في السلوكية ما يتعارض مع النظر إلى السلوك والحالة السيكولوجية بطريقة سياقية، كما أنه ليس من المفترض وبالضرورة أن تتمخض حالة سيكولوجية محددة عن سلوك محدد بعينه. كما قال آلستون سابقًا، يمكن أن يتمخض اعتقادك أن
الطقس سوف يكون ماطرًا عن ارتدائك معطفك أو عن البقاء في البيت أو غير ذلك. وقد يكون البكاء تعبيرًا عن الحزن، وقد يكون تعبيرًا عن الفرح. ولكن من أجل القيام بالتنبؤ بالسلوك (وهو ما كان دومًا شاغل السلوكية)، ليس هناك ما يمنعنا من الأخذ في الاعتبار اعتقاد الشخص أن الطقس سوف يكون ماطرًا فحسب، بل أيضًا رغباته ومعتقداته الأخرى، أي، بعبارة أخرى، ما يمكن تسميته الملف النفسي الكامل للشخص Profile Psychological، والذي يشتمل على معتقداته ورغباته وتاريخه النفسي في كليته وتكامله. المسألة المهمة بالنسبة إلى السلوكية، هي العلاقة بين «الملف السلوكي» و«الملف السيكولوجي» للشخص المعني. بالنسبة إلى السلوكي، لا يمكن للملف السيكولوجي أن يفترق عن الملف السلوكي. تكشف صياغة دينيت للمبدأ الأساسي في السلوكية عن مبدأ شديد الوضوح تظهر فيه التكاملية بصورة لا تخطئها العين. يتبنّى دينيت، كما أسلفنا، المقولة التالية: «إذا تماثل كائنان تمامًا في السلوك، فإنهما سوف يتماثلان سيكولوجيًا تماثلً تامًا»57. إذا أردنا (كما يجب) أن نتعامل مع هذه الأطروحة بصورة حرفية، فنتخيل تماثلً في السلوك، بحيث لا نجد فرقًا، ولو ضئيلً، بين سلوك س، وسلوك ص. قد يكون من الصعب علينا تطبيق هذا التخيل على أقراننا البشر في عالم الواقع، فحتى في حالة التوائم، لم ولن نعثر على توأمين يتماثلان تمامًا في سلوكهما ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم. ولكننا نسهل الأمر كثيرًا على أنفسنا لو أطلقنا العنان للخيال العلمي، فتصورنا كوكبًا يماثل كوكب الأرض تمامًا، يسكنه أناس بعدد سكان الأرض، بحيث إن لكل واحد منا شبيهًا على ذلك الكوكب، لا تختلف سلوكياته اليومية ولو بدرجة ضئيلة عن سلوكيات الواحد منا. على هذا الأساس، يتم طرح السؤال: هل يمكن لشبيهك السلوكي أن يكون مختلفًا عنك، ولو بدرجة بسيطة، عندما يتعلق الأمر بحالاته النفسية، ومعتقداته ورغباته وطموحاته وكل ما يمتّ إلى النفس بصلة؟ لو كنتما عضوين في نوادٍ متماثلة، وكنتما تتعبدان بطرق متماثلة، وكانت مساعيكما المهنية متماثلة، وكانت سلوكياتكما السياسية متطابقة، وكنتما تستمتعان بالنوع نفسه من الأفلام والأغاني والروايات... إلخ، هل سنجد عندها مبررًا للقول إن معتقداتكما أو رغباتكما مختلفة؟ في عالمنا الفقير بالأشباه، ترانا لا نتردد كثيرًا في الاستنتاج أن الواحد منا قد وجد قرينه الروحي، عندما يعثر على إنسان يستمتع بالروايات نفسها التي يستمتع بها أو أنه معجب بالسياسيين الذين يروقون له. إذا كانت هذه التماثلات القليلة والمتفرقة والبسيطة تؤدي بنا إلى هذه الاستنتاجات بلا كثير تردد، فما بالك بالتماثل المطلق الذي نحن بصدد تخيله؟ في وسعنا الآن طرح السؤال: هل في فلسفة فتغنشتاين ما يتعارض مع هذه الأطروحة؟ من الأسهل الإجابة عن هذا السؤال إذا ما طُرِح بصيغة غير مباشرة. هل في رفض هذه الأطروحة ما يتعارض مع مواقف فتغنشتاين من العلاقة بين السلوك والمفاهيم السيكولوجية؟ إذا كان فتغنشتاين سلوكيًا، فينبغي أن يكون الجواب بنعم. وهذا ما يبدو عليه الأمر، في ضوء الاعتبار التالي: القول إن اللاتمايز السلوكي شرطٌ كافٍ لل تمايز السيكولوجي، يعني أن التمايز السيكولوجي ليس «متغيرًا» مستقلً عن التمايز السلوكي، أي أنه لا يوجد تغير/ فرق على الصعيد السيكولوجي، من دون تغير/ فرق على
الصعيد السلوكي. فلنحاول، من أجل إبطال هذا الزعم، تخيُّ ل كائنين سوص، لا يوجد بينهما فرق سلوكي. تخيل أن سأقدم على لمس سطح شديد السخونة، كما قام صبالشيء نفسه. يشرع س في الولولة، ويتلمس موضع الحرق الذي تعرض له، ويقوم صبالشيء نفسه. يهرع سإلى الاتصال بقسم الطوارئ، وكذلك يفعل ص. بعد تلقّي العلاج اللازم بما فيه مسكنات الألم، يهدأ سويتوقف عن الولولة، وكذلك ص. يمكننا أن نزيد من التفاصيل إلى أي درجة نريد، بشرط الحفاظ على فرضية التماثل السلوكي الكامل. الآن، ومن أجل نقض أطروحة دينيت؛ لنتخيل أن الحالة السيكولوجية للأول، أي س، تختلف عن الحالة السيكولوجية للآخر ص. كيف؟ تخيل مثلً أن سيحس بالألم، في حين أن صلا يحس بالألم، بل بمتعة من نوع ما. أو لنتخيل أن سأحس بألم بسيط لا يكاد يذكر، في حين أن صشعر بألم لا يطاق. أو أن سأحس بألم في يده، بينما أحس صبصداع في الرأس. تخيل أيًا من هذا، مما يعني في الحصيلة الأخيرة وجود فروق في الحالة السيكولوجية، مع عدم وجود أي فروق في السلوك، أي إن الحالات السيكولوجية مستقلة عن الحالات السلوكية. هل في وسع فتغنشتاين القبول بهذه النتيجة؟ سبق أن اقتبسنا من فتغنشتاين قوله: إنني إذا رأيت إنسانًا يتلوّى ألمًا لسبب ظاهر، فلن أقول لنفسي: «مع هذا كله، فإن مشاعره خافيةٌ عليَّ»58. فلنقل، إذًا، إننا نرى، بمعنى ما، أن سفي حالة ألم. أما ص، بحسب الفرضية التي نحن بصددها، فليس في حالة ألم، بل في حالة استمتاع مثلً. هل نحن، إذًا، على خطأ في استدلالنا، بناءً على تطابق السلوك بأن صفي حالة ألم؟ ربما كان في حالة استمتاع. أو ربما كان لا يشعر بأي شيء بتاتًا. ليس في صندوقه جعران، بل حيوان من نوع آخر. أو ربما كان الصندوق فارغًا وليس فيه أي شيء، كما قال فتغنشتاين في سياق قريب مما نحن بصدده. كيف يمكن لفتغنشتاين تقبّل مثل هذه النتائج التي تعود بنا رأسًا إلى التصور الديكارتي للحالات السيكولوجية كما لو كانت أشياء Objects لا يدركها إلا صاحبها؟ الجواب هو أنه لا يمكنه ذلك. من ثم، إذا كان فتغنشتاين قد اعترض على غياب التكاملية في تحليلات كارناب للسلوك، فما كان هذا عيبًا في السلوكية نفسها، بقدر ما كان عيبًا في طريقة معينة (غير «تكاملية») في النظر إلى السلوك. وإذا كان أناس مثل دينيت قد قاموا بتطوير الفكرة السلوكية، بحيث لا يجري النظر إلى السلوكيات المنفردة، بل إلى «الملف السلوكي» الكامل، فإن هذا لم يكن ليتسنى لهم من دون الرجوع إلى فتغنشتاين نفسه في المقام الأول. بهذا نأتي إلى نهاية عرضنا للأسباب التي ترجح القول إن فتغنشتاين كان سلوكيًا، بعد أن كنا قد عرضنا في القسم الثاني من البحث الأسباب التي تميل ببعض المعلقين إلى القول إنه لم يكن سلوكيًا. من الواضح أن فتغنشتاين قد ترك لنا حصيلة فكرية، تفسح المجال لتفسيرات متعارضة، حاله في ذلك حال كثير من الفلاسفة على مر العصور. فما حقيقة فتغنشتاين نفسه؟ من المرجح أن يبقى هذا السؤال مثيرًا للجدل ما دام يسود اعتقادٌ بأهمية فكر فتغنشتاين في الفلسفة الحديثة. يبقى لنا أن نقدم مقترَحًا
وبعض الملاحظات الختامية التي، وإن لم تكشف لنا عما استقر عليه موقف فتغنشتاين، فقد تبيّن لنا جوهر المشكلة الفلسفية التي خاض فيها، وتقدم حلً يخرج به من المنطقة التي بقي يراوح فيها مكانه.
مقترح وملاحظات ختامية
لعل الطريقة الأوجز في تلخيص ما توصلنا إليه في مناقشاتنا لموقف فتغنشتاين من السلوكية، تتمثل في العودة إلى «العقدة» التي أشرنا إليها في القسم السابق، والتي يجب على فتغنشتاين حلها «إما بطريقة تؤيد السلوكية أو تنفيها». وهذا ما يبدو أن فتغنشتاين لم ينجح في القيام به. لذا، رأيناه يراوح مكانه بين موقفين. إذا اعترفنا بوجود حالات سيكولوجية ذاتية يعرفها كل واحد منا عن طريق الاستبطان أو الوعي الذاتي Self–Consciousness، وجدنا فتغنشتاين يقذف أمامنا بكل مشاكل الفلسفة الديكارتية الثنائية المعروفة، ويزيد عليها مصاعب ومفارقات سيمانطيقية جديدة من اختراعه هو، مثل مشكلة اللغة الخاصة (يُنظر القسم الرابع في هذا البحث). وإذا قلنا إن الحديث عن الوعي أو الحالات السيكولوجية لا يتعدى كونه حديثًا عن السلوك بصورة غير مباشرة، وأنْ لا شيءَ هناك غير السلوك موضوعًا للبحث العلمي أو التفكير الفلسفي، وجدنا فتغنشتاين يقول (على سبيل المثال): «بالطبع، ليس الشعور بالغبطة هو نفسه السلوك المغتبط، ولا هو إحساس في زوايا الفم [يقصد البسمة] أو العينين»59 (ينظر القسم الثالث في هذا البحث). لا يظهر أن هناك حلً حازمًا وواضحًا يقدمه فتغنشتاين للدفع بهذا الاتجاه أو ذاك، وإلا لما استمر النقاش حتى هذه اللحظة حول موقفه من السلوكية. لا تزال هذه المسألة موضوع نقاش لا يتغير، على الرغم من تجدد الأمثلة الخيالية والواقعية الي يطرحها خصوم السلوكية وأنصارها. ومن آخر (وأبسط) ما سمعناه من الأمثلة المضادة للسلوكية، المثال الذي يقدمه كاتبان عن إنسانٍ ما س، وإنسان آخر ص، بملفات سيكولوجية مختلفة؛ سإنسان متفائل، وغالبًا ما يكون في حالة اغتباط، بينما صإنسان متشائم، وغالبًا ما يكون في حالة اكتئاب. تخيل الآن أنهما فقدا القدرة على التعبير عن الحالات السيكولوجية من خلال السلوك. افترض أنهما أصيبا بالشلل، فما عاد في قدرة الواحد منهما فعل أي شيء أو قول أي شيء. إذًا، صار سلوكهما متماثلً تمامًا، أليس كذلك؟ مثَلُهما في هذا مثَل قطارين، سرعة الواحد منهما تساوي سرعة الآخر، تحديدًا صفر (أي إن القطارين لا يتحركان). ولكن هل من المحتم القول إن الملف السيكولوجي لأي منهما قد تغير حتمًا بعد أن أصيبا بالشلل، كما تُملي علينا السلوكية القول؟ السلوك واحد (فهو لا شيء) ولكن ليس هناك ما يحول دون بقاء الحالات النفسية في حالة تباين60. أو لنتخيل أن أحدًا ما عقد النية على القيام بفعلة شنيعة، وأنه قد غادر الحياة من دون أن يُقدم على تلك الفعلة، ومن دون أن يصرح لأحد بتلك النية. من الواضح أن ملفه السلوكي القابل لملاحظتنا جميعًا لا يكشف عن سره الدفين، وليس فيه أي «تعبير» عن ذلك السر الذي لا يعرفه أحد سواه. ألسنا الآن أمام وضع نجد فيه حالة سيكولوجية محددة (نية لقتل فلان، مثلً)، لا يقابلها أي سلوك
من أي نوع كان؟ فكيف نقول، إذًا، إن الملف السلوكي يحدد الملف السيكولوجي، كما يزعم السلوكيون؟ من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة، ومن أجل دعم الموقف السلوكي بطريقة تستجيب لمطالب خصوم السلوكية إلى درجة معقولة، نقترح فيما يلي إجراء تعديل على أطروحة دينيت السلوكية. تقول الأطروحة التي أتينا على ذكرها مرات عدة في هذا البحث: «إذا تماثل كائنان تمامًا في السلوك، فإنهما سوف يتماثلان سيكولوجيًا تماثلً تامًا»61. يهدف التعديل المقترح إلى «تقوية» السابق في القضية الشرطية السابقة، مع الإبقاء على لاحق القضية («جواب الشرط») كما هو. ينجم عن هذا التعديل أن تَحققُّ (أي صدق) الشرط السلوكي المذكور في سابق القضية الشرطية (واللازم للتماثل السيكولوجي المذكور في لاحق القضية)، يغدو أكثر صعوبة، يقول التعديل المقترح: «إذا تماثل كائنان تمامًا في السلوك في كل العوالم الممكنة، فإنهما سوف يتماثلان سيكولوجيًا تماثلً تامًا». ينبغي أن يكون الفرق بين صيغة دينيت الأصلية والصيغة المعدلة واضحًا: في حين أن الصيغة الأصلية تشترط التماثل السلوكي في هذا العالم (الواقع) شرطًا للتماثل السيكولوجي، نجد أن الصيغة المعدلة تشترط ما هو أقوى من ذلك، أي التماثل السلوكي في جميع العوالم الممكنة («المُتخيلة» إن شئت)، أي بالضرورة. لنطرح الآن التساؤل التالي: ما الأثر الذي يترتب على هذا التعديل في أطروحة دينيت والذي قد لا يبدو كبيرًا؟ الأمر الأول والأكثر بروزًا هو أن الأمثلة المضادة التي تُطرح لنقض السلوكية لا تعود ذات أثر. مثلً، لا تشكل حالة س (المغتبط) وحالة ص (المكتئب) اللتان تتماثلان سلوكيًا في عالم الواقع (بسبب الشلل) مثلً مضادًا للسلوكية بحسب التعديل المقترح؛ ذلك أن التعديل لا ينص على تماثل سوصسلوكيًا في عالم الواقع فحسب، بل في جميع العوالم الممكنة، وهذا ما لا يوفره المثال المقترح لنقض السلوكية. ثمة عوالم ممكنة لا يكون فيها أي من سوصمصابًا بالشلل. كل ما تطلبه الأطروحة المعدلة هو أن يكون في وسع سوصالتعبير سلوكيًا عن أحوالهما النفسية في بعض تلك العوالم الممكنة، وهذا من الجائز بالطبع. يقال الأمر نفسه عن الشخص الذي يغادر العالم حاملً معه سره الذي لا يعلم به أحد سواه. صحيح أنه لم يجرِ التعبير عن تلك النية سلوكيًا في عالمنا الممكن (عالم الواقع)، ولكن ثمة عوالم ممكنة (متخيلة) أخرى يجري فيها التعبير عن هذه النية: زلة لسان في هذا العالم الممكن، أو مذكرة يكتبها الإنسان في ذلك العالم الممكن، وقد يسكر في عالم آخر فيبوح بكل ما عنده من أسرار، وهكذا.
الأمر الثاني الذي يترتب على تعديل أطروحة دينيت أكثر إيجابية من الأمر الأول، فهو يقدم تنازل معينًا لخصوم السلوكية من دون التخلي عن جوهر الموقف السلوكي. أما التنازل فيتمثل في التخلي عن الدفع في اتجاه اختزال وجود الحالات السيكولوجية إلى وجود حالات سلوكية. هناك حالات سيكولوجية في عوالم كثيرة ممكنة ومنها عالمنا، لا يتحدد وجودها بوجود سلوكيات تعبّر عنها أو تدل عليها كما تفترض السلوكية في العادة. ومن ثم، يمكننا أن نتخيل عالمًا يتماثل فيه سوصسلوكيًا من دون أن تكون الحالات السيكولوجية متماثلة (فغرابة هذا الأمر لا تعني استحالته). في هذا ما يكفي للاعتراف بوجود عالم داخلي من النوع الذي وجده ويجده أنصار فتغنشتاين منفرًا. يمكننا أن نشاهد محتويات هذا العالم عن طريق الاستبطان، ويمكننا أن نستمتع بمعطياته أو نتألم فيها؛ يمكننا عقد نيّات لا تتحقق سلوكيًا، ورسم مخططات لا ترى النور سلوكيًا... إلخ، بل يمكننا اللعب بلغات خاصة، كأن يفكر عالم منطق بنظرية فيها مصطلحات يخترعها المفكر من العدم، ويقرن بها معانيَ خاصة، قد توافيه المنية قبل أن ينقلها إلينا. كل هذا ممكن من دون حصول طلاق بين السلوك والحالات السيكولوجية، ومن دون أن تتخلى السلوكية عن جوهرها الذي يقتضي وجود علاقة ضرورية بين السلوك وبين الحالات السيكولوجية. نقول: صحيح أن النية التي نُسِرهاُّ (أي السر الذي لا نبوح به) قد يبقى سرًا أبد الدهر (في هذا العالم الممكن، بالطبع). ولكن السر بطبيعته هو ما يمكن البوح به، لا ما يُباح به، بل ما يمكن البوح به (تحت ظروف معينة قد تتحقق وقد لا تتحقق). لهذا السبب، يعاني الإنسان صعوبة بالغة (بل استحالة) في إيجاد طريقة لإخفاء الممتلكات «بطريقة لا يمكن اكتشافها». فليس من طريقة يمكن أن تجول في ذهنك إلا ويمكن أن تجول في ذهن شخص آخر، أي إنها من النوع الذي يمكن اكتشافه بسهولة بالغة أو بصعوبة بالغة أو ما بين بين (ما من شيفرة سرية إلا ويمكن فكها، إما عن طريق الخيانة، وهذه هي الطريقة الأسهل، وإما عن طريق العمل الذي يقوم به المختصون). هنا (ينبغي أن) يكمن جوهر السلوكية. ليس في إنكار وجود الذاتية، أو الحالة السيكولوجية الخاصة، بل في إنكار الفكرة القائلة إن الحالات السيكولوجية الذاتية الخاصة هي خاصة بطبيعتها. أي إن ما يجب على السلوكي الإصرار عليه هو أن الخصوصية أمر عارض فيما يتعلق بالذاتية. يشكّل هذا، فيما نرى، حلً وسطًا يوفق بين مزاعم أنصار السلوكية ومزاعم خصومها. ولعل في هذا الحل المقترح ما يتوافق مع فلسفة فتغنشتاين، فهو يقع في منتصف المسافة التي بقي يراوح فيها مكانه؛ ما بين الديكارتية التي أنكرها، والسلوكية التي عقد معها تحالفًا غير مريح، كما أفاد ريتشارد رورتي62.
References
المراجع
العربية
فتغنشتاين، لودفيغ. تحقيقات فلسفية. ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزاق بنّور. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007
بهلول، رجا. أنطولوجيا الفعل ومشكلة البينذاتية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
الأجنبية
Alston, William. "Functionalism and Theological Language." American Philosophical
Quarterly. vol. 22, no. 3 (1985).
Anscombe, Gertrude E.M. Intention. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957.
Ayer, A.J. (ed.). Logical Positivism. New York: The Free Press, 1959.
Shafto, M. (ed.). How We Know. New York: Harper & Row, 1985.
Dennett, Daniel. The Intentional Stance. Cambridge, MA: The MIT Press, 1987.
________. "The Message is: There is no Medium." Philosophy and Phenomenological
Research. vol. 53, no. 4 (1993).
Hacker, Peter. Wittgenstein: Meaning and Mind. Hoboken, NJ: John Wiley & Sons,
Luckhardt, C. Grant. "Wittgenstein and Behaviorism." Synthese. vol. 56, no. 3 (1983).
McLaughlin, Brian P. & John O’Leary–Hawthorne. "Dennett’s Logical Behaviorism."
Philosophical Topics. vol. 22, no. 1–2 (1994).
Overgaard, Soren. "Rethinking Other Minds: Wittgenstein and Levinas on Expression."
Inquiry. vol. 4, no. 3 (2005).
Proceedings of the British Academy. Oxford: Oxford University Press, 1984.
Rorty, Richard. "Wittgensteinian Philosophy and Empirical Psychology." Philosophical
Studies. vol. 31, no. 3 (1977).
Sellars, Wilfred. Science, Perception, and Reality. Atascadero, CA: Ridgeview
Publishing Company, 1963.
Skinner, B.F. Science and Human Behavior. New York: The Free Press, 1965.
Watson, John B. "Psychology as the Behaviorist Views it." The Psychological Review.
vol. 20, no. 2 (1913).
Wittgenstein, Ludwig. Blue and Brown Books. London: Blackwell Publishing Ltd.,
_______. Philosophical Investigations. Oxford: Blackwell, 1963.
_______. Zettel. Gertrude E.M. Anscombe (ed. & trans.). Berkeley: University of
California Press, 1967.
_______. Remarks on the Philosophy of Psychology. vol. I. Gertrude E.M. Anscombe &
G. H. von Wright (eds.). Oxford: Blackwell, 1980.
_______. Remarks on the Philosophy of Psychology. vol. II. G.H. von Wright & H.
Nyman (eds.). Oxford: Blackwell, 1980.