العودة إلى تفاصيل المؤلَّف فتغنشتاين مدرِّسًا: الخلفية البيداغوجية لفلسفة فتغنشتاين الأنثروبولوجية

فتغنشتاين مدرِّسًا: الخلفية البيداغوجية لفلسفة فتغنشتاين الأنثروبولوجية

Wittgenstein as a Teacher: The Pedagogical Background of Wittgenstein’s Anthropological Philosophy

إسلام دية *

Islam Dayeh *

الملخّص

دأب دارسو فلسفة فتغنشتاين على القول إن العمل الوحيد الذي نشره فتغنشتاين أثناء حياته هو رسالة منطقية فلسفية التي وضعها عام 1921 بالألمانية، ونادرًا ما يذكرون قاموسًا للمفردات وضعه أثناء عمله مدرسًا للأطفال في ريف جنوب النمسا عام 1926. ولعل السبب وراء هذا الإغفال هو أن هذه الفترة التي قضاها مدرسًا قد اعتبرت فترة ضائعة من حياة فتغنشتاين، لم يُنْتِج فيها عملًا فلسفيًا يستحق الاهتمام بعد الرسالة. تُلقي هذه الدراسة الضوء على هذه السنوات الست التي عمل فيها مدرسًا، وتبحث في أثرها في تحولاته الفكرية. ومن خلال البحث في الصلات المحتملة بين تجربته مدرسًا وفلسفته اللاحقة، يمكن أن نعتبر تجربته في التعليم مفتاحًا لفهم عدوله عن الوضعية المنطقية، وانعطافه نحو فلسفة ترتكز على الممارسة والاستعمال والعادات. إن أعمال فتغنشتاين المتأخرة (مثل تحقيقات فلسفية، والكتاب البُني، وبطاقات، وفي اليقين) حافلةٌ بالأمثلة والتجارب الفكرية التي تشير إلى عملية التعليم والتعلّم، كطفل يتعلم لغة أو يقوم بعملية حسابية. إن كثرة هذه الأمثلة وتواترها في أماكن عديدة في هذه الأعمال ليست اعتباطية، بل تدل على مركزية عملية التعليم والتعلّم في فلسفة فتغنشتاين الأنثروبولوجية. وفي نهاية الدراسة ملحق يتضمن تعريبًا للتمهيد الذي كتبه فتغنشتاين لقاموس المفردات.

Abstract

Abstract: Students of Wittgenstein’s philosophy often claim that the only work that Wittgenstein authored and published during his lifetime was the Tractatus Logicus–Philosophicus (German 1921, English 1922), and rarely mention a dictionary he composed for school children in 1926 during the years he spent as a schoolteacher in Austria. The reason for this neglect might be that this period of his life has been considered a lost period, in which he did not produce any work of philosophical significance after the Tractatus. This study sheds light on the six years that Wittgenstein spent as a schoolteacher and examines their impact on his intellectual transformations. By exploring the probable connections between his experience as a teacher and his later philosophy, the study considers his experience in teaching as a key to understanding his rejection of logical positivism and his

الكلمات المفتاحية:
  • فتغنشتاين
  • التدريس
  • بيداغوجيا
  • ألعاب اللغة
  • الشك
  • مشاهد البيداغوجيا
Keywords:
  • Wittgenstein
  • Teaching
  • Pedagogy
  • Language games
  • Doubt
  • Pedagogical scenes

حياته هو رسالة منطقية فلسفية التي وضعها عام 1921 بالألمانية، ونادرًا ما يذكرون قاموسًا

للمفردات وضعه أثناء عمله مدرسًا للأطفال في ريف جنوب النمسا عام 1926. ولعل السبب

وراء هذا الإغفال هو أن هذه الفترة التي قضاها مدرسًا قد اعتبرت فترة ضائعة من حياة فتغنشتاين،

لم يُنْتج فيها عمِ فلسفيًا يستحق الاهتمام بعد الرسالة. تُلقي هذه الدراسة الضوء على هذه

السنوات الست التي عمل فيها مدرسًا، وتبحث في أثرها في تحولاته الفكرية. ومن خلال البحث

في الصلات المحتملة بين تجربته مدرسًا وفلسفته اللاحقة، يمكن أن نعتبر تجربته في التعليم

مفتاحًا لفهم عدوله عن الوضعية المنطقية، وانعطافه نحو فلسفة ترتكز على الممارسة والاستعمال

والعادات. إن أعمال فتغنشتاين المتأخرة (مثل تحقيقات فلسفية، والكتاب البُني، وبطاقات، وفي

اليقين) حافلةٌ بالأمثلة والتجارب الفكرية التي تشير إلى عملية التعليم والتعلّم، كطفل يتعلم لغة أو يقوم بعملية حسابية. إن كثرة هذه الأمثلة وتواترها في أماكن عديدة في هذه الأعمال ليست

اعتباطية، بل تدل على مركزية عملية التعليم والتعلّم في فلسفة فتغنشتاين الأنثروبولوجية. وفي نهاية الدراسة ملحق يتضمن تعريبًا للتمهيد الذي كتبه فتغنشتاين لقاموس المفردات.

turn toward a philosophy centered on practice, use and norms. Wittgenstein’s later works, such as Philosophical Investigations , the Brown Book , Zettel , and On Certainty , are replete with examples and thought experiments that refer to the process of teaching and learning, e.g., how a child learns a language or performs mathematical operations. The abundance and frequency of these examples in various contexts indicates that they are not arbitrary, but rather show the centrality of teaching and learning in Wittgenstein’s anthropological philosophy. The study includes an Arabic translation of the preface Wittgenstein wrote for his Wörterbuch.

مقدمة

«أعتقد أنني، لو عِشتُ طويلً، فسأخرج قاموس مفردات صغيرًا للمدارسُ». هكذا

كتب لودفيغ فتغنشتاين (1951–1889) في تشرين الأول/ أكتوبر 1924 في رسالة إلى صديقه الحميم لودفيغ هانزل Hänsel Ludwig (1959–1886). ولم يحتج فتغنشتاين إلى أن يعيش طويلً ليحقق ما تمناه، ففي 1926 أنهى العمل الموعود وأخرج قاموس المفردات للمدارس Wörterbuch für Volksschulen. ورغم كون هذا القاموس هو الثاني من بين عملين نشرهما أثناء حياته، فإن الجمع الغفير من المهتمين بفلسفة فتغنشتاين قد أهملوا هذا القاموس طويلً. وباستثناء بعض الدراسات، التي سنشير إليها في هذا البحث، لا يرد ذكرٌ لهذا العمل إلا ذكرًا عابرًا. وقد جرت الدراسات

العربية على هذا المنوال، مقلِّدة في ذلك التوجه العام في الدراسات حول فلسفة فتغنشتاين عالميًا.

ولا يزال معظم الدراسات يتبنى تحقيبًا جامدًا يقسّم حياته مرحلتين: الأولى التي تمثلت ب رسالة منطقية

فلسفية والثانية التي تمثلت ب تحقيقات فلسفية، تتخللهما فترة ضائعة يُزعم أنه اعتزل فيها الاشتغال الفلسفي حتى عاد إلى كامبردج سنة 1929، من دون تأثر بما عايشه أو خبره في تلك المدة الطويلة. ولنا أن نتساءل، إذًا، ما سبب غياب الاهتمام بهذا القاموس؟ ولماذا وضعه فتغنشتاين أصلً؟ وما هو؟ تحاول هذه الدراسة التعريف بهذا العمل وأهميته بالنسبة إلى فكر فتغنشتاين المتأخر. تبدأ الدراسة، في القسم الأول، بتقديم سيرة وجيزة لفتغنشتاين في هذه المرحلة من حياته، ثم تَعْرِض، في القسم الثاني، علاقة تجربة التدريس بمراجعته لمقولات الرسالة. وفي القسم الثالث، ننتقل إلى التعريف بالقاموس، وصلة تجربة إعداده في تشكيل أفكاره المعروفة حول ألعاب اللغة والتشابه الأسري،

(1) Elisabeth Leinfellner & Sascha Windholz, Ludwig Wittgenstein: ein Volksschullehrer in Niederösterreich (Erfurt: Sutton, 2005), p. 70. "Ich glaube, wenn ich lang genug lebe, werde ich ein kleines Wörterbuch für Volksschulen herausgeben."; Ray Monk, Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius (New York: Penguin Books, 1991), p. 225. (2) Ludwig Wittgenstein, Wörterbuch für Volksschulen (Vienna: Hölder–Pichler–Tempsky, 1926); Ludwig Wittgenstein, Wörterbuch für Volksschulen , Adolf Hübner, Elisabeth Leinfellner & Werner Leinfellner (eds.) (Wien: Verlag Hölder– Pichler–Tempsky, 1977).

واتباع القاعدة وارتكاب الخطأ، وغيرها من القضايا التي شغلت فكر فتغنشتاين طيلة حياته. يتناول القسم الرابع جوانب من تجربته أستاذًا للفلسفة في كامبردج، ثم نعرض، في القسم الخامس، كيف جعل فتغنشتاين مشاهد التعليم والتعلم إطارًا بحث من خلالها كثيرًا من الموضوعات الفلسفية في

أعماله المتأخرة. أما الأقسام التالية فتبحث في الأثر المباشر لتجربته البيداغوجية في تطور فلسفته حول ألعاب اللغة (القسم السادس)، واتباع القاعدة وارتكاب الخطأ (القسم السابع)، والشك واليقين (القسم الثامن). وتصل الدراسة إلى نتيجة مهمة هي أنه ليس ثمة موضوع من المواضيع التي بحث فيها فتغنشتاين إلا عاد فيه إلى تجربته البيداغوجية. وتستند هذه الدراسة إلى بعض الدراسات الحديثة التي تقدم قراءة جديدة لفكر فتغنشتاين المتأخر تولي اهتمامًا بأثر تجربة التعليم والتعلم في بلورة

فلسفته الأنثروبولوجية.

أولا: فتغنشتاين مدرسًا في الريف النمساوي

قضى فتغنشتاين نحو 15 سنة، وذلك من سنة 1912 التي أنهى فيها دراسته في جامعة كامبردج حتى عودته إليها أستاذًا للفلسفة سنة 1929، لعلها أخصب الفترات وأهمها في تشكيل وعيه النفسي والفلسفي. بدأها سنة 1913 بالعيش في كوخ في النرويج، ثم انضم إلى الجيش النمساوي أثناء الحرب العالمية الأولى حيث عمل جنديًا في سلاح المدفعية، ثم وقع أسير حرب في معسكر إيطالي. وخلال هذه

الفترة كتب فتغنشتاين كتيبًا سماه رسالة منطقية فلسفية قصد فيه أن يلخص كل ما يمكن أن يقال، وأن

يسكت عن كل ما عدا ذلك. هذا الكتيب الذي أنهى نسخته الأولى سنة 1918، ونشره بالألمانية سنة 1921 ثم بالإنكليزية سنة 1922، قدم فيه نظرية عامة أرادت تبيين ما يمكن قوله (أو تصويره) باللغة والفكر وبين ما لا يمكن إلا الإشارة إليه بواسطة منطق النحو. وبعد أن توصل فتغنشتاين – بحسب ادعائه آنذاك – إلى تمييز ما يمكن قوله مما عداه، قرر، فور عودته من الحرب، أن يترك الاشتغال بالفلسفة، وتخلى عن كل أملاكه وما ورثه عن أبيه لأخواته (وهو الذي نشأ في إحدى أغنى العائلات الأوروبية وقتذاك)، والتحق في سنة 1919، وعمره ثلاثون سنة، بمدرسة المعلمين في مسقط رأسه فيينا ليعدّ نفسه ويصبح مدرسًا لتلاميذ المدرسة الابتدائية في جنوب النمسا. ويبدو أنه كان لصديقه

هانزل السالف الذكر أثرٌ مهم في تشجيعه على المضي في أن يصبح مدرسًا للأطفال. وفعلً، حصل

فتغنشتاين على شهادة التأهيل خلال سنة، ثم عمل مدرسًا للأطفال في الريف النمساوي من خريف

1920 حتى ربيع.1926 كانت سنة 1919 – السنة التي التحق فيها فتغنشتاين بمدرسة المعلمين – سنةً مهمة بالنسبة إلى تاريخ التعليم في النمسا. فقد تزامن التحاق فتغنشتاين بمدرسة المعلمين مع الإصلاح التعليمي الذي وضعه أول وزير للتعليم في الجمهورية الحديثة الاشتراكي أوتو غلوكل Glöckel Otto (1935–1874)، الذي

(((حول هذه الفترة من حياة فتغنشتاين، ينظر:

Monk, pp. 188–233. (4) Ludwig Wittgenstein, Tractatus logico–philosophicus/Logisch–philosophische Abhandlung , 36 th ed. (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2016), Preface & § 4.112.

جعل التعليم متاحًا لجميع طبقات المجتمع وفئاته، وأحدث تطويرًا للمناهج، وقلص من نفوذ الكنيسة

الكاثوليكية في التعليم، والذي كانت قد حظيت به أيام الدولة الهابسبورغية. لم يكن قرار فتغنشتاين الدخول في التدريس أو وضع قاموس المفردات لاحقًا استجابة مباشرة لهذا الإصلاح، وإن كان هذا الإصلاح فتح له مجالً وحرية ليجرب أساليب جديدة في التعليم، كما سنرى. لقد عرف فتغنشتاين ريف جنوب النمسا منذ صباه؛ إذ كانت عائلته تملك بيتًا هناك، وكان كثيرًا ما يرتاد

المنطقة في الإجازات. ولعل انتقاله إلى الريف كان بالنسبة إليه عودة إلى طفولته وإلى براءته الأولى بعد تجربة الحرب الصعبة، لا سيما ونحن نعلم أنه كان في هذه الفترة من حياته شديد التأثر بتدين تولستوي وكتاباته الرومنطيقية حول الريف الروسي. وقد بلغ الزهد بفتغنشتاين أن رفض أن يعمل في أول مدرسة عُيِّن فيها بسبب وجود حديقة ونافورة مصطنعتين في البلدة، اعتبرهما من علامات تأثرها

بالمدن الحديثة. وتُعَدُّ مراسلاته مع صديقه لودفيغ هانزل من المصادر المهمة في دراسة هذه المرحلة من حياته. فقد تعرّف إليه فتغنشتاين أثناء الفترة التي قضياها أسيرَي حرب في معسكر للأسرى في إيطاليا.

وقد ذكر هانزل في مذكراته التي كتبها أثناء الأسر، أن فتغنشتاين كان يريد أن يصبح مدرسًا لأنه يرغب في أن يخالط البشر ويتفاعل معهم. وقد حاول فتغنشتاين في البداية أن يتقدم في كل عمل باسم مستعار؛ ليخفي انتماءه إلى إحدى أثرى عائلات النمسا، تواضعًا وتقربًا إلى أهالي البلدة، ولكن سرعان ما كشف أهل البلدة هويته، فعاد إلى استعمال اسم العائلة النمساوية الثرية «فتغنشتاين». وقد تنقل بين ثلاث بلدات في الفترة التي قضاها مدرسًا في الريف النمساوي. درّس أولً في بلدة تراتنباخ Trattenbach

في المدّة 1922–1920، ثم في بلدة پوخ بيرغ Puchberg في المدة 1924–1922، وأخيرًا في بلدة أتَرْتال

Otterthal في المدة 1926–1924. وتفاوتت أعمار تلامذته بين ثماني سنوات وأربع عشرة سنة، ودرّس الصبيان والبنات. وقد تكفّل فتغنشتاين بتدريس جميع المواد المدرسية، بما في ذلك الألمانية، والتاريخ، والجغرافيا، والموسيقى، والدين، والحساب والرياضة البدنية. وتُخَلدُ صورٌ التقطت له مع تلامذته في

بلدتَي پوخ بيرغ وأتَرْتال تلك الفترة المثيرة والمنسية من حياتهُ (الصورتان 1 و.)2

(5) Dennison I. Rusinow, "Otto Glöckel and School Reform in Austria," Europe , no. 35 (1978), pp. 1–21; Beth Savickey, Wittgenstein’s Art of Investigation (London/ New York: Routledge, 2014), pp. 49–76. (6) Leinfellner & Windholz, pp. 83–85. (7) Anja Weiberg, "Tolstoisches Gedankengut im Tractatus und in den frühen Tagebüchern," in: Esther Ramharter (ed.), Ungesellige Geselligkeiten: Wittgensteins Umgang mit anderen Denkern/Unsocial Sociabilities: Wittgenstein’s Sources (Berlin: Parerga Verlag, 2011), pp. 133–150. (8) Monk, p. 193.

(((يُعداُّ هانزل من أصدقاء فتغنشتاين القليلين الذين بقوا على صلة به حتى وفاته. وتعتبر المراسلات بينهما ومذكرات هانزل مصدرً

مهمًّا لدراسة التحولات الفكرية والشخصية التي مر بها فتغنشتاين بعد مشاركته في الحرب العالمية الأولى، فمن خلالها نتعرف إلى

اهتمام فتغنشتاين بالفكر الديني لدوستويفسكي وتولستوي، الذي اكتشف كتاباته أثناء الحرب وتأثر به كثيرا، كما نتعرف إلى تردد فتغنشتاين بين أن يعتزل الناس في دير أو يصبح مدرسًا للأطفال، ويبدو أنه كان لهانزل دور في تشجيعه على أن يكون مدرسًا كما

تخبرنا مذكراته. ينظر:

Ludwig Hänsel, Begegnungen mit Wittgenstein: Ludwig Hänsels Tagebücher 1918/1919 und 1921/1922 , Ilse Somavilla (ed.) (Innsbruck: Haymon Verlag, 2012).

© Ludwig Wittgenstein Archive, Cambridge المصدر:

© Ludwig Wittgenstein Archive, Cambridge المصدر:

الصورة (1) فتغنشتاين يتوسط تلاميذه في بلدة پوخ بيرغ، جنوب النمسا، في ربيع 1923

الصورة (2) فتغنشتاين (على اليمين) بين تلاميذه في بلدة أتَرْتال، جنوب النمسا، سنةُ1925

تؤكد شهادات من رأى فتغنشتاين واختلط به من زملائه وجيرانه في البلدات الثلاث، أنه بدا لهم نبيلً بين الفقراء، ومتعلمًا بين المزارعين والعمال، كان لا يتحدث باللهجة المحلية البتة، وإن كان شديد الاهتمام بها، ولم يتردد قط على حانة البلدة ليجتمع بأهل البلدة، ونادرًا ما ذهب إلى قُدَّاس

الأحد. لم يرتدِ زي المُعلم المعروف وقتئذ، ولم يسلّم على الناس في الشارع، بل أحيانًا لا يَرُدُّ السلام

لشرود ذهنه. يتفق من التقى به وعايشه من أهالي هذه البلدات أنه ترك «انطباعًا غريبًا» لديهم. وكان

الشعور متبادلً أحيانًا؛ إذ كان فتغنشتاين أيضًا يشعر بالغربة بين أهل الريف. ففي مراسلات له مع أستاذه في كامبردج ثم زميله برتراند راسل Russell Bertrand في بداية فترة تدريسه، شكا فتغنشتاين ما وجده من «شرٍّ» و«جهل» من الناس تجاهه. ويذكر الرياضي والمنطقي البريطاني فرانك رامزي

Ramsey Frank (1930–1903) الذي زار فتغنشتاين سنة 1923 في الريف النمساوي ليناقشه في بعض مسائل الرسالة، أن فتغنشتاين كان يعيش حياة متواضعة ومتقشفة، وكان قليل الاختلاط بالناس. تباينت الشهادات حول أسلوبه في التعليم وانطباعات التلاميذ عنه. فقد رأت أخته هَرْمِيْنَه Hermine

أنه قد «وُلِد مُدَرِّسًا»، وأنها «كانت تتمنى لو درسَتْ في مدرسته»، وثمة شهادات أخرى لأساتذة يمدحونه ويثنون عليه. وتذكر بعض الشهادات أن منهجه في التدريس لم يكن مألوفًا وكان يميل إلى التجريب والابتكار. تقول إحدى تلميذاته، وهي إرمترود برونر Brunner Irmtrud، في شهادة لها أدلت بها سنة 1975: «لم تكن غايته أن يبقى طويلً في تراتنباخ مدرّسًا. كانت غايته في المقام الأول

جمع الخبرة، وأن يجرّب مع الأطفال، أي: إلى أي مدى يمكن للأطفال، في سِنهم، أن يستوعبوا

منهجه في التدريس». كما تُجمع الشهادات على الأهمية الكبيرة التي كان يوليها للرياضيات والحساب في تدريسه؛ إذ كان يرى أن التلاميذ يمكنهم حل مسائل جبرية صعبة في الصفوف الابتدائية وكانت محاولاته موفقة غالبًا. أما بالنسبة إلى منهجه في تدريس اللغة الألمانية، فيتذكر من

درس معه أنه كان يكتفي بوضع علامة في بداية السطر الذي يحتوي على خطأ؛ لكي يتمكن التلميذ من البحث عن الخطأ بنفسه. ولا تخفى أهمية هذه الشهادة في معرفة السياق الذي نشأت فيها أفكار فتغنشتاين حول اتباع القاعدة وارتكاب الخطأ، والتي سنتطرق إليها لاحقًا في هذه الدراسة. كان قاموس المفردات الذي وضعه يُمَك ن التلميذ من الكشف عن خطئه بنفسه، فيصحّحه من دون العودة إلى الأستاذ. ويتذكر من تتلمذ على يديه في تلك السنوات، أن فتغنشتاين كان يبتكر دومًا

أساليب جديدة في التدريس، ويُعِد أدوات للتعليم لم تكن متوافرة في المدارس الريفية، مثل محرك

بخاري، وطاحونة، وأنه أعدَّ هيكلً عظميًا لقِطة، كما قام بإصلاح آلة الخياطة في مصنع النسيج في

المدينة، وآلات الخياطة التي كانت للأهالي. يذكر من درس هم فتغنشتاين في الفترة التي أقامها ببلدة تراتنباخ أنه كان يذهب بهم إلى مصنع للنسيج، وإلى مناجم الفحم، وإلى المطبعة، وإلى المروج المزدهرة، وأنفاق الجبال لاستكشاف المعادن. ويتذكر التلاميذ أن مزاجه كان مرتاحًا في

(10) Konrad Wünsche, Der Volksschullehrer Ludwig Wittgenstein: Mit neuen Dokumenten und Briefen aus den Jahren 1919 bis 1926 (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1985), pp. 115–119. (11) Monk, pp. 193–194, 197. (12) Cheryl Misak, Frank Ramsey: A Sheer Excess of Powers (Oxford: Oxford University Press, 2020), pp. 140–142. (13) Leinfellner & Windholz, p. 95. "mit den Kindern experimentieren". (14) Ibid., pp. 101–102. (15) Ibid., p. 99

الهواء الطلق، بخلاف مزاجه داخل الصف. وتُظهر الرسائل المتبادلة بينه وبين أخواته أنه كان مهتمًّا جدًّا بتلاميذه، حيث جاء بهم إلى فيينا كثيرًا، وإلى أخته هَرمينَه، التي كانت تدير بيتًا للأيتام،

وعرفهم على متاحف فيينا ومعالمها. وكانت لهذه الرحلات أغراض تعليمية، متسقة مع المناهج التعليمية التي صارت ممكنة بفضل الإصلاح التعليمي الذي خبره فتغنشتاين في مدرسة المعلمين في فيينا. ولكن لا يمكن اختزال جهود فتغنشتاين ونشاطاته السالفة الذكر ضمن الإصلاح التعليمي العام. بل تدل هذه الشهادات، التي تؤكد حرص فتغنشتاين على إفادة تلاميذه وابتكاره وسائل عملية عديدة لتحقيق هذا الغرض، أنه بذل جهدًا فكريًّا وعمليًّا في البحث في العلاقة بين اكتساب اللغة

وتجربة التعليم والتعلم. وعلى الرغم من حرص فتغنشتاين على الرفع من مستوى تلاميذه في الريف النمساوي، من خلال ابتكار وسائل جديدة للتعليم ووضع قاموس للمفردات يساعدهم على تصحيح الإملاء بأنفسهم، وغيرها من الإنجازات، فإنه كان يلجأ أحيانًا إلى التأديب الجسدي عند الحاجة. وكثيرًا ما كان الأهالي يشتكون

شدةَ فتغنشتاين على طلبته، وإفراطه في التأديب الجسدي. وبالرغم من أن التأديب الجسدي لم يكن مرفوضًا على الإطلاق في تلك الفترة، يبدو أن شكوى الأهالي لم تكن ضد استعمال فتغنشتاين التأديب الجسدي ذاته، بل ضد إفراطه في استعماله، حتى تحوّل إلى أذى. وقد أدى هذا الإفراط إلى كارثة في

بلدة أتَرتال، آخر بلدة أقام فيها فتغنشتاين؛ إذ صفع تلميذًا عمرُه عشرُ سنوات على وجهه، بسبب بُطْئِه

وعدم تجاوبه معه؛ ما أدى إلى وقوع التلميذ أرضًا وفَقْده الوعي. وتبيّن لاحقًا أن التلميذ كان يعاني

سرطان الدم. وقد رفع أهل الطفل قضية ضد فتغنشتاين، إلا أن المحكمة برّأته من قصد الاعتداء.

وبُعَيد هذه التجربة المريرة، قرر فتغنشتاين الاستقالة من عمله مدرّسًا. وقد عُرفت هذه الحادثة لاحقًا

ب «حادثة هايدبور» Der Vorfall Haidbauer، نسبة إلى الطفل جوزيف هايدبور. ويختم فتغنشتاين هذه الفترة من حياته في النمسا بالعمل – متقشفًا وزاهدًا فترة وجيزة – بستانيًا في دير مسيحي، قبل أن

يعود إلى فيينا ليشارك في تصميم بيت لأخته الكبرى مارغريتا سنة 1928. كان لتجربة التدريس في هذه البلدات الثلاث أثرٌ كبير في حياة فتغنشتاين الشخصية والعاطفية، وليس

في فلسفته فحسب. وظل يشعر بتأنيب الضمير سنين عديدة، حتى عاد في أواخر الثلاثينيات إلى هذه البلدات في جنوب النمسا، والتقى بتلاميذه الذين أفرط في تأديبهم واعتذر إليهم. ويرى بعض الباحثين أن قسوة فتغنشتاين على تلاميذه أحيانًا، رغم تفانيه في تعليمهم وإخلاصه لهم، كانت انعكاسًا

(16) Ibid., pp. 63–65; Wünsche, pp. 88–91. (17) Rush Rhees (ed.), Recollections of Wittgenstein: Hermine Wittgenstein, Fania Pascal, F.R. Leavis, John King, M. O’C. Drury (Oxford/ New York: Oxford University Press, 1984), pp. 1–12.

(((1 حول هذه الحادثة وأثرها في حياة فتغنشتاين لاحقًا، ينظر:

Monk, pp. 194–195; Wünsche, pp. 272–277; Michael Peters & Jeff Stickney, Wittgenstein’s Education: ‘A Picture Held Us Captive’ (Singapore: Springer Singapore, 2018), pp. 65–66. (19) Bernhard Leitner, "Das Wittgenstein Haus," in: Günter Abel, Matthias Kroß & Michael Nedo (eds.), Ludwig Wittgenstein: Ingenieur – Philosoph – Künstler (Berlin: Parerga Verlag, 2007), pp. 267–290. (20) Wünsche, pp. 283–287.

الذي رامه بعد عودته من الحرب وتخلّيه عنَّ والأخلاقيَّلقسوته على نفسه وقصدِه التحولَ النفسي

ثرائه، وعزمِه أن يعيش عيشة تقشف في الريف. بينما يرى آخرون أن سلوك فتغنشتاين في هذه الفترة من حياته لا يمكن فهمه من دون الانتباه إلى حساسيته واضطرابه النفسي. وبغض النظر عن المحاولات العديدة لتفسير سلوك فتغنشتاين في هذه الفترة، وبغض النظر عن أداء فتغنشتاين نفسه (هل كان معلمًا ناجحًا؟)، لا يمكن إنكار أن نشاطه البيداغوجي كان نشاطًا فلسفيًا.

ثانيًا: الأنا والعالم: متى بدأ فتغنشتاين يراجع مقولات الرسالة؟

بدأ صيت فتغنشتاين بوصفه فيلسوفًا ينتشر بعد ظهور الرسالة بالألمانية سنة 1921، ثم بالإنكليزية سنة 1922، أي أثناء عزلته في الريف النمساوي. ورغم الاهتمام الكبير الذي لقيه بفضل الرسالة، فإنه كان يشعر بأن العمل لم يُفهم فهمًا صحيحًا. فخلال الفترة التي قضاها مدرسًا، زاره فرانك رامزي عدة أيام وناقشه في بعض مسائل الرسالة. وفي هذه الأثناء أيضًا، ولفترة وجيزة، حل فتغنشتاين ضيف شرف على جماعة فلسفية، باتت تعرف لاحقًا بحلقة فيينا. وقد احتفت حلقة فيينا ب  الرسالة التي جعلتها عمدة الحلقة ومرجعها. وبالرغم من أن علاقة فتغنشتاين بهذه الجماعة الفلسفية كانت إشكالية (لم يكن على وفاق مع الفيلسوف رودلف كارناب Carnap Rodulf)، فإن صلته بمؤسسها الفيزيائي

(((2 يرجح عالم النفس مايكل فيتزجيرالد وجود صلة قوية بين التوَحُّد عند الرجال وقدرتهم على الابتكار، وقد اقترح، بناء على

دراسة أحداث مفصلية من سيرة فتغنشتاين، أنه كان لديه بعض علامات طيف التوحد. ويرى أن هذا قد يفسر حساسيته المفرطة وبعض سلوكه الغريب اجتماعيًا، كمحبته للأطفال والإشفاق عليهم من ناحية، والقسوة عليهم من ناحية أخرى. يُنظر:

Michael Fitzgerald, Autism and Creativity: Is There a Link between Autism in Men and Exceptional Ability? (New York: Routledge, 2004), pp. 69–70, 87–88.

(((2 قبل أن ننتقل إلى فترة ما بعد الريف النمساوي، يحسن في هذا السياق أن نشير، بشكل موجز، إلى خلاف بين الدارسين حول دور الإكراه والتأديب في عملية التعلم عند فتغنشتاين. ولهذا الموضوع أثر بالغ في فهم أفكار فتغنشتاين حول التعلم واتباع القاعدة والسلوكية. ويدور الخلاف حول تفسير بعض نصوصه المتأخرة التي تشير إلى التعلم بوصفه تدريبًا وترويضًا. كما يدور الخلاف

على فهم وترجمة الكلمة الألمانية التي استعملها فتغنشتاين Abrichtung والتي تدل في الألمانية على التعليم والترويض (كما تتعلم الحيوانات). ثمّ إنّ تجربة فتغنشتاين مدرسًا، وإفراطه في التأديب الجسدي أحيانًا، قد جعل بعضهم يقرؤون نصوصه اللاحقة في

ضوء تجربته مدرسًا، جاعلين فتغنشتاين ممن يبرر استعمال الإكراه في التعليم ويروجه، لا سيما أنه قد كتب عن شرط المعاناة

والتعب في التحصيل العلمي، ينظر:

Ludwig Wittgenstein, Culture and Value , Georg Henrik von Wright (ed.) (Chicago: Chicago University Press, 1984), p. 71;

كذلك، يدور الخلاف على الترجمة المناسبة للكلمة الألمانية إلى اللغة الإنكليزية: أهي Learning أم Training؟ أم أن الأمر ليس

مشكلة ترجمة أصلً؟ مثلً، ينتقد نورم فريزن القراءات الفلسفية المهتمة بالبعد التربوي عند فتغنشتاين الذي يُطْلِق عليه وصفَ

«فيلسوف تراجيدي للتربية»، ينظر:

Norm Friesen, "Training and Abrichtung: Wittgenstein as a Tragic Philosopher of Education," Educational Philosophy and Theory, vol. 49, no. 1 (2017), pp. 68–77;

لنقدٍ موسّع لفريزن عند بيترز وستكني، ينظر:

Peters & Stickney, pp. 39–52. (23) Leinfellner & Windholz, p. 24.

موريتس شليك Schlick Moritz (1882–1936)، وبالرياضي كورت جودل Gödel Kurt

(1978–1906) كانت متميزة، وكان الشعور متبادلً. كان أصدقاؤه في كامبردج، طيلة فترة عمله مدرسًا، يحاولون إقناعه مرارًا بالعودة إليها أستاذًا للفلسفة،

ولكنه اعتذر وفضّل البقاء في الريف. وفي عام 1929 قام فتغنشتاين بزيارة إنكلترا والتقى برامزي وجون كاينز John Keynes وراسل، وقرر حينها البقاء. وقد سعى راسل وجورج مور لدى الجامعة للاعتراف ب  الرسالة المنطقية الفلسفية أطروحةً للدكتوراه، وهذا ما حصل. وقضى فتغنشتاين بقية حياته في كامبردج إلى أن توفي سنة 1951. يصف راي مونك Monk Ray تركَ فتغنشتاين لعمله مدرسًا في الريف

النمساوي ب «الخروج من التيه» Wilderness the of Out، ويصف عودته إلى الفلسفة الأكاديمية في جامعة كامبردج ب «المجيء الثاني» Coming Second The، في تلميح توراتي ومسيحي حول خروج بني إسرائيل من التيه ومجيء المسيح. ولكن هل كان الريف حقًا تِيهًا وضياعًا بالنسبة إلى فتغنشتاين؟ يبدو وصف مونك متسقًا مع النظرة التي سادت فترة طويلة بعد وفاة فتغنشتاين، والتي تبناها فلاسفة كامبردج وحلقة فيينا وروّجوها.

فقد طغى لاحتفاء الكبير ب  الرسالة لدى فلاسفة التحليل في كامبردج وحلقة فيينا على التحولات الكبيرة التي طرأت على فكر فتغنشتاين خلال فترة «التيه» هذه، وعَزوا عمل فتغنشتاين مدرسًا

إلى طبيعة شخصيته المنعزلة عن الناس والمنطوية اجتماعيًا. فقد قرؤوا الرسالة بوصفها ردًا على

الفلسفة المثالية (ومتسقةً مع مذهب راسل وجورج إ. مور George E. Moore)، ليس فقط ضد المثالية، بل ضد الميتافيزيقا مطلقًا، ولهذا رحبت حلقة فيينا بالعمل، باعتباره أصلً من أصول الوضعية المنطقية. لكننا نعلم أن فتغنشتاين خرج عن حلقة فيينا، بل عن راسل نفسه، إثر عودته إلى كامبردج، حيث بدأ في مراجعة كثير من مقولاته حول عمله الأول، منتقلً من مجال المنطق المحض إلى البحث في لاستعمال اللغوي ضمن ما سيسميه لاحقًا «ألعاب اللغة». كانت هذه المراجعات التي قام بها فتغنشتاين أشبه بتحول جذري عن الوضعية المنطقية (راسل وحلقة فيينا)، بل عن نظرية الصورة التي أسس لها في الرسالة. ولهذا لم يرق لبرتراند راسل هذا التحول الذي طرأ على فكر فتغنشتاين. وشرع فتغنشتاين، من خلال محاضراته في كامبردج، في مراجعة آلت إلى فلسفة أنثروبولوجية تعتبر المعنى ظاهرة اجتماعية تواصلية. وبينما كان مهتمًّا في الرسالة

بالقواعد المنطقية التي يجب اتباعها في التفكير (أي ببنية اللغة الرياضية)، عدَل عن هذا في المرحلة المتأخرة، واتجه إلى لاهتمام بالقواعد المشَكِّلة لألعاب اللغة الفعلية، أي بالأداء اللغوي. وفي حين اعتبر في الرسالة البنية المنطقية للُّغة تمثيلً للواقع، ذهب في التحقيقاتإلى أن ضالّة الفلسفة

(24) Thomas Oberdan, "Moritz Schlick," Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive , 28/5/2013, accessed on 3/8/2021, at: https://stanford.io/3etPfDe (25) Monk, pp. 234, 255. (26) Gunter Gebauer, Wittgensteins Anthropologisches Denken (München: C. H. Beck, 2009).

(2((عزمي إسلام، لدڤيج ڤتجنشتين، نوابغ الفكر الغربي 19 (القاهرة: دار المعارف بمصر، 1967)، ص 294–293؛ ينظر: بحث

موريس عايق المُوَسَّع عن الرسالة في هذا العدد الخاص من تبيّن.

ليست صورة منطقية متعالية، بل قواعد اللغة العادية اليومية، التي وصفها فتغنشتاين بأرض خام ينبغي للفلسفة أن تعود إليها. ثمة تفسيرات عديدة لتحولات فتغنشتاين الفكرية، ولكن تجربة التدريس نادرًا ما تذكر. ولعل

لفتغنشتاين دورًا ما في انتشار هذه السردية؛ إذ ذكر في «التوطئة» التي كتبها ل  تحقيقات فلسفية، أن

العمل هو تصحيح ل  «أخطاء فادحة»، بحسب عبارته، وردت في الرسالة، وخصّ بالشكر شخصين كان لمناقشاته معهما أثر كبير في إعادة النظر في مقولاتها، هما الرياضي والاقتصادي الشاب فرانك رامزي والاقتصادي الإيطالي بييرو سرافا Sraffa Piero الذي كان يحاضر في كامبردج وقتئذ. ولم يُشِر فتغنشتاين إلى أثر تجربة التدريس، وإن كان التحقيقاتحافلً بالأدلة على ذلك. يضاف

إلى ذلك دور حلقة فيينا وراسل والمنطقيين الوضعيين في الاهتمام ب  الرسالة وتعزيز مكانتها، كما أسلفنا، وتهميش مرحلة التدريس وكل ما صدر عنها. فعلى سبيل المثال، كان تقييم عالم الرياضيات كارل منجر Menger Karl (1985–1902) في مذكراته عن حلقة فيينا، التي كان عضوًا فيها، قاسيًا

جدًّا لتجربة فتغنشتاين وخاصة للقاموس. فقد خص فصلً كاملً لقاموس فتغنشتاين، وختمه بقوله: «يبدو من الملاحظات السالفة أنه لا مفر من الاستنتاج أنه رغم أن الكتيب كان مفيدًا إلى حد ما في المنطقة التي وجهت إليه، فإن العمل لم يصدر عن عقل منهجي». كما أن مونك يذكر قاموس المفردات، ولكنه يعتبره «محاولة غير ناجحة»، ولا علاقة له بما جاء بعد ذلك من أعمال فتغنشتاين. بيد أن الإشارات إلى تعليم الأطفال وتعلمهم في التحقيقات الفلسفية وفي اليقين كثيرة وجَلِيّة جدًّا. وكما

هو معلوم، فإن فتغنشتاين يستهلّ التحقيقاتبنص طويل حول كيفية تعلم الطفل اللغةُّ. بل إن أسلوب التفلسف الذي سلكه فتغنشتاين في أعماله اللاحقة يتميز بما يمكن أن نسميه «أسلوبًا بيداغوجيًا»،

يسلك سبيل الحوارات وضرب الأمثلة التي يقوم بها أستاذ مع تلاميذه، كما سنشرح لاحقًا. إن هذه الشواهد الكثيرة تجيز قراءة مختلفة تستوعب جوانب أخرى من حياة فتغنشتاين وأعماله، وتأخذ مراحل

((2(لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة عبد  الرزاق بنور (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، فقرة 107. باللغة الألمانية Züruck auf den rauhen Boden." "، «العودة إلى الأرض الخام». هل يمكن أن نعتبر القاموس الذي صنّفه عام 1926 عتبة

إلى الأرض الخام التي بحث عنها فتغنشتاين؟ (((2 وأهمها مراجعته الخاصة لموضوع الأنا–وحدية (الأنوية)، والنظرية التصويرية، والاتجاه الذري المنطقي. ينظر: إسلام، ص 56–54،.320–319 (((3 يُنظر: توطئة المؤلف، في: فتغنشتاين، ص 115. كان سرافا مقرّبًا من الفيلولوجي والمناضل الماركسي أنطونيو غرامشي. حول

تأثير مفاهيم ماركسية أساسية كالممارسة والهيمنة في فكر فتغنشتاين، ينظر:

Gebauer, pp. 139–42; Amartya Sen, "Sraffa, Wittgenstein, and Gramsci," Journal of Economic Literature, vol. 41, no. 4 (December 2003), pp. 1240–1255. (31) Karl Menger, Reminiscences of the Vienna Circle and the Mathematical Colloquium , Louise Golland, Brian McGuinness & Abe Sklar (eds.), Vienna Circle Collection, vol. 20 (Dordrecht: Boston: Kluwer Academic Publishers, 1994), p. 88. (32) Monk, p. 228.

(((3 فتغنشتاين، فقرات.9–5

حياته جميعها بالاعتبار. فبينما نجده في الرسالة مشغولً بمسألة الأنا–وحدية Solipsism، مفترضًا ذاتًا منعزلة عن العالم ومتعالية عليه، نجده في التحقيقات يطرح تصورًا لذات اجتماعية أنثروبولوجية تتماهى، بل تذوب مع محيطها، ليصل إلى رفض كامل للأنا الديكارتية في كتابه في اليقين. هل تعكس هذه المواقف الفلسفية شيئًا من حياة فتغنشتاين وتحولاته الشخصية والنفسية؟ وهل يمكن أن نقول إن مشاركته في الحرب وانخراطه في التعليم وتدينه وتقشفه وعمله رياضيًا ومهندسًا وغيرها،

كانت أشبه بمحاولة للإجابة عن مشكلة العلاقة بين الأنا والعالم التي شغلته طيلة حياته؟ ليس هذا مجال التوسع في هذه القراءة التي تروم الوصل بين حياة فتغنشتاين وفكره، رغم أهميتها، ولكن نذكرها دفعًا لأي شبهةٍ تشير إلى أننا نختزل تحولاته اللاحقة في تجربته البيداغوجية وحدها. إن المراد هو وضع هذه التجربة في سياق تطوره الفلسفي عامة، وجلب الاهتمام إلى أثرها الذي لا يقل أهمية عن مناقشاته مع فلاسفة فيينا وكامبردج. ولكن، قبل أن نتناول هذا الأثر، لنعد إلى الوراء قليلً، ولنفحص ذلك القاموس الذي وضعه فتغنشتاين أثناء تدريسه في جنوب النمسا، عسى أن يعيننا على فهمٍ أعمق وأدق لأثر تجربته مدرسًا في تحولاته الفلسفية.

ثالثًا: قاموس المدارس

يُعَد قاموس المفردات للمدارس Wörterbuch für Volksschulen أهم وثيقة شاهدة على اهتمام فتغنشتاين العلمي والعملي بالاكتساب اللغوي عند الأطفال في الفترة التي تلت نشره الرسالة سنة 1921. وقد شرع في العمل على القاموس، على ما يبدو، في سنة 1923، وطُبِع في سنة 1926، أي السنة التي استقال فيها فتغنشتاين من التدريس بعد حادثة جوزيف هايدبور السالفة الذكر. وقد شرح فتغنشتاين في «التمهيد» الذي كتبه أسبابَ وضع العمل ومنهجه في جمعه وترتيبه. فيخبرنا أن القواميس المتوافرة آنذاك كانت إما كبيرةً باهظة الثمن وتحتوي على الكثير من المفردات الأجنبية التي لا يحتاج إليها التلميذ لغرابتها وقلة شيوعها، وإما صغيرةً غير منظمة، ولا تحتوي على كلمات يحتاج إليها التلميذ، ولذلك شرع فتغنشتاين في إعداد قاموس بمساعدة تلاميذه. ويبدو أنه لم يقصد نشر هذا العمل ابتداء، بل كان ثمرة التمارين والنشاطات العملية (والألعاب) التي كان يقوم بها مع تلاميذه. يتألف قاموس المفرداتمن 42 صفحة، ويتضمن نحو ثلاثة آلاف كلمة اختارها فتغنشتاين بنفسه. وباستثناء كلمات قليلة، فإن معظم الكلمات ترد من دون تعريف. ويخبرنا فتغنشتاين في

(((3 حول الأنا–وحدية، ينظر: مقدّمة الترجمة، في: فتغنشتاين، ص 98–94. وقد تناول سومر المير محمود، في مساهمته في هذا

العدد الخاص، مناقشة فتغنشتاين ل «الأنا–وحدية» في سياق الفلسفة الأوروبية منذ ديكارت.

(35) Andrea Birk, Vom Verschwinden des Subjekts: Eine Historisch–Systematische Untersuchung zur Solipsismusproblematik bei Wittgenstein (Paderborn: Mentis, 2006), p. 221.

(((3 لا يبدو أن قاموس المفردات، في نسخته المطبوعة، قد استُعمل رسميًا للتدريس في المدارس النمساوية، بل إن فتغنشتاين

نفسه لم يستفد منه في التدريس؛ إذ إنه استقال في العام نفسه الذي نُشر، ولم يُعَد طبعه إلا في سنة 1977، مع التمهيد، لفائدته

للباحثين في فلسفة فتغنشتاين، لا لغرض تعليمي. ينظر:

Wünsche, pp. 92–110.

(((3 ينظر: تعريبنا التمهيد الذي كتبه فتغنشتاين ملحقًا بالدراسة (ملحق.)

«التمهيد» أنه لم يذكر إلا الكلمات الألمانية، وقليلً من المفردات الأجنبية التي شاع استعمالها في الألمانية النمساوية والتي كان تعلمها ضروريًّا للأطفال، بالمدارس الابتدائية. كان الهدف الأساسي من وضع القاموس تزويدَ التلاميذ بمرجع يسهُل، على أساسه، معرفةُ الإملاء الصحيح. ولذلك لا يحتوي القاموس إلا على قليل من التعريفات، وذلك من أجل تمييز المشترك اللفظي وتمييز بعض معانيه من بعض. لهذا، ليس عمل فتغنشتاين «معجمًا» بالمعنى المتداول، بل هو أقرب إلى «قائمة مفردات». ولذلك سماه Wörterbuch، أي «كتاب كلمات»، وليس Lexikon، أي «معجمًا»، بحسب اللفظة المستعملة في اللغة الألمانية. وقد كان فتغنشتاين دقيقًا في اختياره الكلمات التي تفاوتت من حيث الموضوع واللهجة والصعوبة. وكان معياره الأساس، بحسب ما اشترط في «التمهيد»، أن تكون الكلمة شائعة ومستعملة في الكلام العادي. وبالرغم من محاولة فتغنشتاين أن يستوعب كل الكلمات المهمة والشائعة، فإنه فاته بعضُها، ولم يستطع أن يخرجها في طبعة ثانية؛ لأنه ترك التدريس بعد الطباعة مباشرة وعاد إلى فيينا، ثم أخيرًا إلى كامبردج. تكشف الطريقة التي جمع بها فتغنشتاين قاموسه جوانب مهمة من فلسفته البيداغوجية التي بدأت تتشكل في تلك المرحلة. كان القاموس ثمرة التمارين التي قام بها التلاميذ بإشرافه في الصف. وكانت هذه التمارين تستغرق أسابيع وشهورًا، ومراجعة مستمرة. كان فتغنشتاين يطلب من التلاميذ نسخ الكلمات التي يكتبها على اللوح الأسود (السبورة) في دفاتر الإملاء، ثم كانت هذه الأوراق تُجمَع بين دفّتَي ورق مقوًّى، ويتولّى التلاميذ خياطة الدفتين؛ ليصبح لكل تلميذ وتلميذة قاموسه الخاص، بخط يده ويدها، وبلا تكلفة. ويُعدرُّ دفتر إحدى تلميذات فتغنشتاين، هي ليوبلدينا أيشبرج Leopoldine Eichberger، الذي يعود إلى سنة 1923، وثيقة فريدة بالغة الأهمية لدراسة ما قام به فتغنشتاين مع تلاميذه. يقول فتغنشتاين في «التمهيد» الذي كتبه للناشر سنة 1925، ولم ينشر إلا في الطبعة الثانية من القاموس سنة 1977: «ويدرك جيدًا من يمارس التدريس، صعوبة هذا العمل. ذلك لأنه ينبغي أن يحصل كل تلميذ على نسخة جديدة وصحيحة من القاموس، إذا كان ذلك ممكنًا، ولكي يتحقق هذا الهدف؛ على الأستاذ أن يراقب تقريبًا كل كلمة كتبها كل تلميذ (لا يكفي أن تأخذ عينات. فضلً عمّا يقتضيه هذا من التزام منهجي)». ويبدو أن فتغنشتاين كان راضيًا عن النتيجة، إذ يقول: «لقد أيقظنا وعيَهم الكتابي». وبينما يرى بعض الدارسين أن عمله البيداغوجي مع التلاميذ كان متسقًا مع أسلوبه في التفلسف الحواري والتشاركي، الذي كان شعارًا للإصلاح التعليمي في مطلع القرن العشرين

(((3 للاطلاع على ما فات فتغنشتاين، يُنظر:

Menger, pp. 85–87.

(((3 للاطلاع على نسخة مرقمنة للدفتر المحفوظ حاليًا في الجمعية النمساوية لدراسات لودفيغ فتغنشتاين، ينظر:

Wörterbuch für Volksschulen Materials, accessed on 10/8/2021, at: https://bit.ly/3xOIF1F

(((4 ينظر: فتغنشتاين، التمهيد، ملحق بهذه الدراسة.

doing by Learning أو Arbeitsschule، يشك آخرون في الدور الذي أدّاه الإصلاح التعليمي في توجيه فلسفته البيداغوجية: «نرى الأثر الكبير الذي كان للفترة التي قضاها فتغنشتاين مدرسًا تقريبًا

في كل صفحة من صفحات التحقيقات [...] وخلال فلسفته اللاحقة. كثيرًا ما يدعم فتغنشتاين آراءه بالاستشهاد بملاحظاته الشخصية حول الأطفال. إن هذه الملاحظات التي خبرها فتغنشتاين أثناء عمله مدرسًا وجمعها لاحقًا، هي التأثير الحقيقي في أعمال فتغنشتاين اللاحقة، وليس تلك المبادئ التي كانت تدرس في مدرسة المعلمين ولا تلك الشعارات التي كان يلوّح بها الإصلاحيون». وبناء على هذا، يكون فتغنشتاين قد تعلم من الأطفال كيف ينقل أفكاره على نحو أوضح، وهذا ما ساعده على كتابة أفكاره فيالتحقيقات على نحو أشبه بمناقشات وحوارات تدور في مكان للتعليم، بخلاف عمله في الرسالة الذي أتى على شكل بناء هندسي ومنطقي منتظم. يوضح فتغنشتاين في «التمهيد» الغاية من وضع القاموس، ويتطرق فيه إلى ضرورة أن يتعلم التلميذ اللغة وحده، وأن تكون الكلمات الشائعة أولى من غيرها. كما يتناول «التمهيد» الأمور التي راعاها في ترتيب المفردات والتي عمد فيها إلى أن تكون مناسبة للكيفية التي يتعلم الطفل من خلالها اللغة، حتى لو خالف ذلك الترتيب الألفبائي أو القاعدة النحوية. تدل مخالفة فتغنشتاين للترتيب الألفبائي المعروف في صناعة المعاجم، على عنايته الشديدة بإعداد مرجع مناسب لحاجة التلاميذ ولاستعداداتهم في اكتساب اللغة. وقد برر مخالفته للترتيب الألفبائي بأن قصده حماية التلميذ من الالتباس عند البحث عن الكلمات في القاموس. وتؤكد ملاحظاته في «التمهيد» أنه كان مهتمًّا جدًّا بالتحصيل اللغوي لتلاميذه. وكان يرى أن وظيفة القاموس هي تمكين التلميذ من تصحيح أخطائه بنفسه. يقول فتغنشتاين في «التمهيد»: «لذلك؛ لا يصح تحميل التلميذ مسؤولية الإملاء الصحيح لما يكتب إلا بتوفير قاموس للمفردات، وذلك لأنه يزوده بآلة موثوقة للكشف عن أخطائه وتصحيحها، على افتراض أنه يريد القيام بذلك. ينبغي أن يستطيع التلميذ تصحيح أخطائه بنفسه. وعليه أن يطمئن أنه هو المؤلف الوحيد للعمل وأنه وحده يتحمل مسؤولية ما يكتب. إن هذه الاستقلالية، هي أيضًا ما يمكِّن الأستاذَ من الحصول على تصور أشمل لما يعرفه التلميذ ولقدراته العقلية. إن تبادل دفاتر التمارين بين التلاميذ والتصحيح الجماعي للإنشاء في الصف قد يؤدي إلى تصور مشوه عن إمكانيات التلاميذ». ليس غرض فتغنشتاين، إذًا، أن يُلَقِّن التلميذ كلماتٍ ليحفظها أو أن يكسر إرادته أثناء عملية التعليم، بل

(41) Emma McClure, "Do Your Exercises: Reader Participation in Wittgenstein’s Investigations ," in: Michael Peters & Jeff Stickney (eds.), A Companion to Wittgenstein on Education: Pedagogical Investigations (New York: Springer Singapore, 2017), pp. 147–159. (42) Eugene C. Hargrove, "Wittgenstein, Bartley, and the Glöckel School Reform," Journal of the History of Philosophy, vol. 18, no. 4 (October 1980), p. 461; Paul Engelmann (ed.), Letters from Ludwig Wittgenstein. With a Memoir , L. Furtmüller (trans.) (Oxford: Basil Blackwell, 1967), pp. 114–116.

(((4 ينظر: الملحق.

أن يعينه على القيام بما يسعى الطالب إلى القيام به ابتداء، وهو التعَلُّم. ونراه في «التمهيد» يصرح بأن القاموس كان نتيجة خبرته العملية المباشرة. وبالفعل، أدرج فتغنشتاين مفردات معروفة ومستعملة، وفي الوقت نفسه، لم يدرج كثيرًا من المفردات الألمانية المعتبرة، وذلك لأنها لا تُستعمَل في النمسا.

ومن ناحية أخرى، أدخل بعض الكلمات من اللهجة النمساوية المحلية؛ لأنها شائعة الاستعمال. وقد أبدت لجنة الوزارة التي عُيِّنت لفحص العمل اعتراضات على اختيارات فتغنشتاين، ولكنه رفض هذا

النقد استنادًا إلى خبرته العملية ومعرفته بما يحتاج إليه التلاميذ. من اللافت أن فتغنشتاين، خلافًا لشرطه أن لا يذكر إلا ما هو شائع ومستعمل، قد أدرج كلمات وردت في عمله الفلسفي الأول رسالة منطقية–فلسفية، كما أدرج كلمات وردت لاحقًا في عمله تحقيقات فلسفية. فهل أراد فتغنشتاين أن يتعلم التلاميذُ في الريف النمساوي هذه المصطلحات؟ هذا محتمل، فبعضها شائع الاستعمال في الكلام العادي، وإن كانت لها دلالات فلسفية خاصة. وعلى أي حال، يدل ورود هذه المفردات على حضور هذه المصطلحات والمفاهيم الفلسفية في ذهن فتغنشتاين أثناء اشتغاله على قاموس المفردات، وهذا يعزِّز القول إن القاموس كان له غرض فلسفي عنده. كما يدل، مثلما أسلفنا، على أن القاموس هو وثيقة مهمة لدراسة تحولات فتغنشتاين الفكرية وأثر تجربة التعليم في فلسفته الأنثروبولوجية. ورغم أثر تجربة التدريس في تشكيل فكر فتغنشتاين، فإن هذا لا يقتضي أن ثمة صلة مباشرة وصريحة بين قاموس المفرداتوفلسفته المتأخرة؛ إذ إن محاضراته التي قدمها في كامبردج بعد أن عاد إليها في الثلاثينيات، كانت في الغالب تقنية، واهتمت بمسائل منطقية ورياضية، في إطار الرسالة والمناقشات التي أثارتها. ولهذا لا يمكن القول إن تحول فتغنشتاين الفكري كان فجائيًا، بل استمر فتغنشتاين في

مناقشة مقولات الرسالة ومراجعتها، بالتزامن مع تطوير منهج جديد في التفلسف. إن الفترة التي قضاها مدرسًا للأطفال – إضافةً إلى تجربته في الحرب وتجربته مِعماريًّا وقراءته لتولستوي، وغيرها من

التجارب – شك لَت فكرَه على نحو يصعب معه تقسيم حياته على نحو أوّل وثانٍ. بل إننا نجد مقولات

الرسالة تشغله في فترات لاحقة.

(((4 يقول: «ولست أرمي من وراء هذا العمل إلى توفير عناء التفكير على غيري، بل إلى حفزهم على التفكير بأنفسهم كلما كان ذلك ممكنًا»، ينظر: توطئته، في: فتغنشتاين، ص.115 (((4 يقول في «التمهيد»: «لا يكون شيوع الكلمة مانعًا من أن تُدرج في القاموس، إذ قد رأيت كلمة wo (أي أين، حيث) تكتب ب h

التي تدل على مد حرف العلة، وكلمة was (أي ما) رأيتها تكتب ب ss ». يُنظر: الملحق. (((4 من بين الكلمات التي لم يوردها فتغنشتاين وكانت محل اعتراض من قبل اللجنة الكلمة الألمانية Pfau، والتي تعني طاووس. ولعل سبب عدم إيراد فتغنشتاين لها هو عدم وجوده في ريف النمسا. ينظر:

Wittgenstein, Wörterbuch für Volksschulen (1977), p. XI.

((4(من بين الكلمات التي وردت في الرسالة وأوردها في قاموسه للمدارس: Aberglaube خرافة، Bedeutung معنى، Begriff مفهوم، Bild صورة، Gedanke فكرة، Gegenstand موضوع، Gerüst سقالة، Grenze حد، Merkmal علامة/ميزة، Sache شيء، Satz جملة/قضية، schwiegen أن يصمت، sinnlos لا معنى، Tatsache الحقيقة/ الواقع، überwinden أن تجاوز/ يتعافى، unsinnig

اللغو، Wahrheit الصدق/ الحقيقة، zeigen أن يشير. ومن الكلمات التي أدرجها لاحقًا في عمله تحقيقات فلسفية، نجد: Erlösung

خلاص، Gleichnis مثَل، übersichtlich واضح.

ما يمكن قوله، إذًا، هو أن ثمة منعطفات ومراجعات مستمرة في حياته وأعماله الفكرية، تستلزم نظرة شاملة وكلية في أعماله وحياته. ورغم ذلك، لا يمكن أن نغفل عما كان لهذه الفترة من أثر بالغ في تطور فكره الفلسفي لاحقًا. كتب في فترة لاحقة من حياته، يستذكر على نحو غير صريح ذكريات التدريس في الريف النمساوي: «قد يجني المدرس نتائج جيدة، بل مذهلة من تلاميذه حينما يدَرِّسهم، ورغم هذا لا يكون مدرسًا ناجحًا؛ إذ إنه من الممكن، وهم تحت تأثيره المباشر، أن يرفعهم إلى مستوى

عالٍ يفوق طبيعتهم، من دون أن ينمّي قدراتهم على العمل على هذا المستوى، بحيث ينهارون فور

مغادرتهم قاعة التدريس. ربما ينطبق هذا عليّ. لقد كنت أظن هذا أحيانًا».

رابعًا: فتغنشتاين أستاذًا للفلسفة

لم يدوِّن فتغنشتاين أيًّا من محاضراته في الفترة التي قضاها أستاذًا للفلسفة في جامعة كامبردج في الفترة

1947–1929، واكتفى بإلقائها بعفوية وارتجال. ولذلك تُلقي شهادات طلبته الكثيرة والمتضافرة الضوءَ على

منهجه الفلسفي في تلك المرحلة. وتكشف دراسة هذه الشهادات والكراسات عن الصلة بين أسلوبه في التدريس وكتاباته الفلسفية، ولا سيما في كتبه: تحقيقات فلسفية، والكتاب البُني، وبطاقات، وفي اليقين. يتذكر من حضر محاضراته في كامبردج أن تفكيره أثناء المحاضرة كان يتسم بالتركيز والتكثيف thinking of intensity وقد انعكس ذلك في كتابته. وتركت هذه السمة انطباعًا لدى الطلاب أنه كان صادقًا وصريحًا في ما كان يلقيه عليهم. ولم تكن قسوته على طلابه بأقل من قسوته على نفسه. إن

فترات الصمت الطويلة التي تخللت محاضراته، وعدم مبالاته بالأعراف الأكاديمية في التدريس وقتئذ، ونقده لغيره ولذاته صراحة أثناء المحاضرة، كل ذلك قد جعل أسلوبه غير مألوف، ومتميزًا. يقول أحد أشهر طلابه جيورج هنريك فون رايت Wright von Henrik Georg (2003–1916) وهو من أشهر المتخصصين في فلسفة فتغنشتاين: «استأنف فتغنشتاين التدريس في كامبردج في مطلع الثلاثينيات. وكما كان متوقعًا، كانت محاضراته ‘غير أكاديمية’ Unacademic. كانت غالبًا ما تقام في مكتبه أو في

مكتب أحد أصدقائه في الكلية. لم تكن لديه ورقة معدة مسبقًا أو ملاحظات. كانيفكر قبل الدرس. كان التركيز الشديد باديًا عليه. كان الدرس يفضي عادةً إلى طرح سؤال، وكان من المفترض أن يقترح

الحضور إجابة عنه. ثم تصبح الإجابات بدورها نقاط انطلاق لأفكار جديدة تفضي إلى أسئلة جديدة. وكان نجاح فائدة هذه المناقشة ووضوح الصلة بين الأسئلة، من بداية المحاضرة إلى نهايتها أو من محاضرة إلى إلى أخرى، متوقفًا على الحضور، إلى حد بعيد».

(48) José Medina, The Unity of Wittgenstein’s Philosophy: Necessity, Intelligibility, and Normativity (Albany: State University of New York Press, 2002). (49) Wittgenstein, Culture and Value , p. 38. (50) Peters & Stickney, Wittgenstein’s Education , pp. 16–18. (51) Michael Peters, "Philosophy as Pedagogy: Wittgenstein’s Styles of Thinking," Radical Pedagogy, vol. 3, no. 3 (2001), accessed on 4/8/2021, at: https://bit.ly/36M1Opf. (52) Georg Henrik von Wright, "Ludwig Wittgenstein: A Biographical Sketch," The Philosophical Review, vol. 64, no. 4 (October 1955), p. 540.

ويصف أحد طلبته أسلوب فتغنشتاين هكذا: «وكانت الأمثلة تتراكم. أحيانًا كانت أمثلة خيالية، كأن يَطلب منا أن نتخيل عادة لغوية غريبة أو عرفًا غريبًا لقبيلة متخيلة [...] وأحيانًا، لم يكن المثال

إلا تذكيرًا بحقيقة مألوفة نعرفها جيدًا. وكانت الأمثلة تقدم دائمًا بتفصيل دقيق وبتوصيف بلغة يومية. وكثيرًا ما كانت الأشياء التي كانت تقال سهلة الفهم، ولم تكن من نوع الأقوال التي يرغب المرء في أن يجادل فيها». بيد أن الصعوبة كانت تأتي من محاولة معرفة مراد فتغنشتاين من كثرة الأمثلة وتكرارها. أحيانًا «كان يتوقف فجأة ويقول: ‘دقيقة، دعوني أفكر!’ [...] أو كان يصرخ: ‘هذا صعب جد!ًّ»’. أحيانًا كانت تظهر الغاية وراء سَوق الأمثلة الكثيرة بشكل بسيط وبدهي. وكان يقول لطلبته: إنه يريد أن يبين لهم أن لديهم التباسات لم تخطر على بالهم من قبل، ويقول: «عليكم أن تعبروا عما تفكرون فيه حقيقة وكأنْ لا أحدَ يستطيع أن يستمع إلى أفكاركم، ولا حتى أنتم». وقد لاحظ طلبة فتغنشتاين أن أسلوبه في التفلسف، الذي كان يريده هو، صعب التحقق على شكل كتاب فلسفي مألوف. يدل هذا على أن فتغنشتاين كان يحاول إبداع منهج جديد للتفلسف من خلال محاضراته؛ منهج يتصف بتكثيف الأفكار والأسئلة، ثم محاولة الإجابة من خلال ضرب مثال تلو مثال، من دون الالتزام بنظام حجاجي أو منطقي معين، ما عدا الشكل الحواري التشاركي. كان فتغنشتاين شديد العناية بصياغة الكتابة الفلسفية، وكان دقيقًا ومتأنيًا في ما يكتب ويقرأ، حتى إنه كان يعلق على أسلوبه وهو يكتب. بل

كان يدرج الفواصل وعلامات الترقيم في نصوصه، لا ليضبط المعنى فحسب، بل ليبطئ سرعة القراءة. يقول فتغنشتاين: «أحيانًا، لن تَفهم جملة ما، إلا إذا قرأتها وفق السرعة المناسبة. إن جُمَلي ينبغي أن تُقرأ ببطء». ويقول في موضع آخر: «أريد من علامات الترقيم الكثيرة التي أضعها أن تبطئ القراءة. وذلك لأنني أحب أن تُقرَأ جُملي ببطء (قرأ إذ هكذا أَ»). إن تكثيف الأفكار الذي نجده في محاضراته، بحسب شهادات طلابه المتضافرة، نجده كذلك حاضرًا بوضوح في كتابته الفلسفية.

خامسًا: مشاهد التعليم

لا أدَلّ على حضور تجربة التدريس في فكر فتغنشتاين من أنه جعل مناقشاته مع تلاميذه في ريف النمسا، وطلابه في كامبردج، إطارًا لبحثِ كثيرٍ من المشكلات الفلسفية. إن تصوير فتغنشتاين للمشاهد البيداغوجية scenes Pedagogical، تعليمًا وتعَلُّمًا، في أعماله المتأخرة، كثير جدًا؛ إذ نجد حضورًا لافتًا لمفردات «التدريس»، و«التعلم»، و«التدريب»، والتربية»، و«التلميذ»، و«الطفل» في هذه المشاهد. يستعمل فتغنشتاين مشاهد التعليم، إذًا، لغايات إرشادية Heuristic. تأتي هذه على شكل أمثلة لطلاب

(53) D.A.T. Gasking & A.C. Jackson, "Wittgenstein as a Teacher," in: K.T. Fann (ed.), Ludwig Wittgenstein: The Man and His Philosophy (Atlantic Highlands: Humanities Press, 1967), p. 50. (54) Ibid., p. 52. (55) Ibid., p. 53. (56) Ludwig Wittgenstein, On Certainty , G.E.M. Anscombe & G.H. von Wright (eds.) (Oxford: Blackwell, 1969), § 57e. (57) Ibid., § 68e.

يتعلمون معنى كلمة ما أو يتعلمون كيف يستعملون تلك الكلمة. تمثل هذه المشاهد كيف يلعب الطفل بألعاب اللغة ويعارضها وينتقدها ضمن شكل الحياة الذي نشأ فيه. وتوضح هذه المشاهد كيف نكتسب عقلانية عملية، تتكون من مَسْلَك Habitus قائم على اتباع القاعدة، والعادات واليقينيات. وتظهر كيف يصبح الطفل قادرًا على التحكم في هذه اللعبة اللغوية من غير مدرّس. بمعنى آخر، تُظهِر هذه المشاهد كيف يصير الطفل قادرًا على استعمال القاعدة، باستقلالٍ عن التدريب والإرشاد. كما تمثل المشاهد قدرة الطفل الذي تعلم قواعد اللعبة اللغوية على أن يستشكل تلك القواعد وينتقدها. وتوضح هذه المشاهد البيداغوجية كيف يُمَكِّن التدريبُ الطفل (أي الإنسانَ) من القدرة على الفعل والنظر والحكم وفق عادات مشتركة، أي كيف يتدرج في أشكال من الحياة Forms of life. يستفتح فتغنشتاين تحقيقات فلسفية بملاحظاته الشهيرة حول شرح القديس أوغسطينوس لكيفية اكتساب الأطفال اللغة. وقد أخذ رده على هذه النظرية التمثيلية للغة Representational شكل تجربة فكرية يدعونا فيها إلى أن نتخيل بناءين لا يمكنهما التواصل إلا من خلال لغة تتكون من ثلاث كلمات، يقول: «إذا نظرنا في المثال المقدم في الفقرة الأولى، قد تتكون لنا فكرة عن الطريقة التي يضع بها المفهوم العام لدلالة الألفاظ، اشتغال اللغة وسط طوق من الضبابية تستحيل معه النظرة الشفافة. وسينقشع الضباب حالما ندرس الظاهرة اللغوية في صيغ استعمالاتها البدائية، حيث ستكون لنا رؤية واضحة شمولية لمرامي الألفاظ واشتغالها. إن هذه الأشكال البدائية هي التي يستعملها الطفل عندما يتعلم الكلام، فتعليم اللغة في هذه الحالات ليس تفسيرًا وإنما هو ترويض

[Abrichtung] [...] ويتمثل جزء هام من هذا الترويض في أن المعلم يشير إلى الأشياء، ويلفت إليها انتباه الأطفال وهو ينطق في ذات الوقت بلفظة، مثلً لفظة ‘بلاطة’ مشيرًا إلى ذلك الشكل (لن

] أو ‘تعريفًا’ hinweisende Erklärung / ostensive teaching [’أسمي هذا الإجراء ‘تفسيرًا بالإشارة

[Definition]؛ إذ ليس بإمكان الطفل بعدُ أن يستخبر عن اسم الشيء. سأسميه ‘تعليم الألفاظ بالإشارة’

. – بل أقول إن ذلك يكوّن [hinweisendes Lehren der Wörter/ostensive teaching of words]

جزءًا مهمًا من التدريب؛ لأن الأمور تسير بهذه الطريقة بالذات عند البشر، وليس لأنه لا يمكن تمثل

الأمور بطريقة أخرى). وباستطاعتنا القول إن تعليم الألفاظ بالإشارة يقيم علاقة تداع بين اللفظة والشيء. ولكن ما معنى ذلك؟». وبعد ذلك يبين فتغنشتاين سبب فشل «التعليم بالإشارة» في حمل المفاهيم، وإن كانت تصلح لأسماء الأعلام التي تصف شيئًا أو شخصًا:

(58) Peters & Stickney, Wittgenstein’s Education , pp. 21–24. (59) Ludwig Wittgenstein, Zettel , G.E.M Anscombe & G.H. von Wright (eds.) (Berkeley: University of California Press, 2007), pp. § 310–334, § 410–432.

(((6 فتغنشتاين، فقرات.242–241 (((6 المرجع نفسه، فقرة.4–1 (((6 المرجع نفسه، فقرة.6–5

«لا شك أن التعليم بالإشارة يعين على بلوغ هذا المأرب، ولكن ذلك لا يحصل إلا إذا أ رْدف بتمرينُ

محدد، فإذا اقترن نفس التعليم بالإشارة إلى هذه الألفاظ تدريب مغاير فإنه يولد.ِّ فهما آخر ‘أشغِّل الفرامل عندما أصل المرتاج بالرافعة’ = صحيحٌ، إذا اعتبرنا بقية الآلية. ولا تكون الرافعة رافعة

فرامل إلا بذلك، فإذا عُزِلت عن بقية ركيزتها لم تعد رافعة، ويمكن أن تكون أي شيء آخر، بل قد تكون لا شيء». يأتي فتغنشتاين هنا بمثال من حقل الهندسة – الذي تدرب فيه – ليبين كيف أن بعض أجزاء الآلة ليس له معنى إلا إذا حصل لدينا معنى لكل الآلة ولوظيفتها. ثم يوضح فتغنشتاين أن تعلم المعنى الصحيح لكلمات مثل «هناك» و«ذاك»، لا يتم مثلما يتم تعلم الأعداد الخمسة الأولى، حيث يمكن ربط أشياء محدودة العدد بالأعداد، كأن يقول المُدَرِّس: «هنا ثلاث تفاحات»، حيث يكون معنى كلمة «هنا»

واضحًا. ويوضح فتغنشتاين رأيه من خلال ضرب العديد من الأمثلة؛ ليصل إلى مفهومين أساسيين

في فلسفته المتأخرة، هما: «ألعاب اللغة» و«شكل حياة»، يوضح من خلالهما كيف يتعلم الإنسان بواسطة التثاقف اللغوي Language Acculturation. إن الفقرات الأولى من تحقيقات فلسفية حول كيفية تعلم الطفل للغة، هي أشبه بإطار عام، ومفتاحٍ لفهم المناقشات الفلسفية التالية في بقية العمل. ويعود فتغنشتاين مرارًا إلى مشاهد تعلم الطفل، لمناقشة مسائل فلسفية جوهرية. ونرى التعليم، في هذه المشاهد، عملية شاملة تنطوي على ممارسات عديدة تشكل عاداتنا وتنظم أشكال حياتنا المشتركة. إن مشاهد تعلم الطفل، إذًا، ترمز إلى الكيفية التي نتعلم بها اللغة من خلال تعلمنا القواعد والأعراف والأحكام المجسدة لاستعمالات لغوية معينة. وهكذا، تصبح البيداغوجيا مفتاحًا لفهم مفاهيم رئيسة

عند فتغنشتاين، كاتباع القاعدة وألعاب اللغة.

سادسًا: ألعاب اللغة: كيف نتعلم من الأطفال؟

ترتبط مناقشة فتغنشتاين في الفقرات الأولى ل  تحقيقات فلسفية، حول الكيفية التي يتعلم بها الإنسان استعمالً لغويًا معينًا، ارتباطًا وثيقًا بموضوع الدلالة اللغوية وأشكال الحياة. يقول: «ويمكننا أيضًا أن نتصور

أن عملية استعمال الألفاظ بأكملها (كما في الفقرة 2) تقع في بعض تلك الألعاب التي يتعلم الأطفال بواسطتها لغة الأمومة. سأسمي هذه الألعاب ‘ألعابًا لغوية’ Sprachspiele «. يستخرج فتغنشتاين، إذًا،

مفهومه الأساسي (اللعبة اللغوية)، من تجربته البيداغوجية، ويتبعها بمثال تلو مثال خلال كتابه، في إطار

(((6 المرجع نفسه، فقرة.6 (((6 المرجع نفسه، فقرة.30 (((6 المرجع نفسه، فقرة.11 (((6 المرجع نفسه، فقرة 23، 43؛ وكذلك يُنظر: لودفيغ فتغنشتاين، في اليقين، ترجمة مروان محمود (بغداد/ بيروت: دار الرافدين،

2020)، الفقرات 62، 63،.65

(67) Désirée Weber, "A Pedagogic Reading of Wittgenstein’s Life and Later Works," Journal of Philosophy of Education , vol. 53, no. 4 (November 2019), pp. 691–692.

((6(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرة.7

مشاهد التعليم؛ ليبين مزالق الادعاءات التي تفترض أصلً أو مسوغًا عقليًا سابقًا للاستعمال اللغوي.

ويقدم فتغنشتاين مفهوم التشابه الأسري Resemblance Family بديلً للنظرية التمثيلية للغة. ويَرجع بنا

إلى لحظة تعلمنا للغة، فيقول: «تَساءَل دائمًا، كلما وجدت نفسَك أمام هذه الصعوبات: كيف تَعلَّمْنا معنى

هذه اللفظة (لفظة ‘حسَن’ مثلً)؟ على أساس أي نوع من الأمثلة؟ وفي أي لعبة لغوية؟ سترى بسهولة أن

للفتَّظة، قطعًا، عائلة من المدلولا». وترتكز كثير من المقاطع التالية من تحقيقات فلسفية كذلك على كيفية تعلم الطفل شيئًا ما. ففي المقاطع المتعلقة بموضوع اتباع القاعدة، نجده يستفتح مناقشته بطفل يتعلم كيف يقرأ جدولً من المعلومات، وطفل آخر يتعلم كيف يميز بين القضايا من حيث صدقها أو كذبها، وفي مشهد آخر نجد طفلً يدرك دلالة معادلة رياضية بشكل بدهي. كما تظهر المشاهدُ دورَ التعليم والتعلم في مناقشة فتغنشتاين للألم والحالات الذهنية واللغة الخاصة. يقول في فقرة شهيرة: «كيف تحيل الألفاظ على الأحاسيس؟ لا يوجد هنا أي إشكال؛ ألا نتحدث يوميًا عن الأحاسيس ونسميها

بأسمائها؟ لكن كيف تقوم العلاقة بين الاسم والمسمى؟ هذا السؤال يشبه التالي: كيف يتعلم الناس مدلول أسماء الأحاسيس؟ مثلً، لفظة ‘ألم’. هنا إمكانية: يرتبط بعض الألفاظ بالعبارة البدائية، أي الطبيعية للأحاسيس وتُستبدل بها. يتألم الطفل فيصيح؛ عندها يكلمه الكبار ويعلمونه صيحات Ausrufe ثم بعد ذلك يعلمونه جُم.َلً. وهكذا يعلمون الطفل تصرفًا جديدًا عند الألم ‘أنت تقول’ إذًا، إن لفظة ‘ألم’ تدل بالتحديد على الصياح؟ بالعكس، إن التعبير اللفظي على الألم لا يصف الألم، بل يُعَوِّضُه». ويؤطر فتغنشتاين مناقشته الفلسفية حول الطفل؛ ليبين دور اكتساب اللغة والتربية النفسية في تصور المعنى. فالطفل يفهم معنى الكلمات تدريجيًا، عبر الزمن، ومن خلال سلسلة من التفاعلات

الاجتماعية، ولا يحصل ذلك بمجرد أن يفتش الطفل عن معنى الكلمة في قاموس ما، بل عندما يصبح قادرًا على استعمال هذه الكلمات في سياقات جديدة. يريد فتغنشتاين من التركيز على الطفل في هذه المشاهد أن ينتقد مذهب من يريد أن يشرح كيفية حدوث المعنى عبر الإحالة أو بعملية آلية. يرى أن المتكلمين يتعلمون ألعاب اللغة في الآن نفسه الذي يتدرجون في أشكال الحياة، تدرجًا يبدأ بطفولتهم، ويتطور ويتكثف مع نمو ثقافة الإنسان، فيتدربون على الممارسة اللغوية، بامتثال القاعدة ومخالفتها، وباللعب بإمكانات اللغة كما يلعب الأطفال بالكلمات. وقد تعلّم فتغنشتاين من الأطفال الذين درس هم، إذًا، أنهم في عملية اكتسابهم للغ ة واستعمالهم لها، لا يحيلون على مرجع خارجي، ولا يقومون بتمثيل

(((6 المرجع نفسه، فقرة 77. التشديد من عند الباحث.

(70) Weber, p. 692.

(((7 المرجع نفسه، فقرة.86 (((7 المرجع نفسه، فقرة.137 (((7 المرجع نفسه، فقرة.146–144 (((7 المرجع نفسه، فقرة.244 ((7(فتغنشتاين، في اليقين، فقرات 263،.286

فكرة ذهنية خاصة بهم. كما أن اللعبة تتسم بالحيوية، والعفوية والداُّعابة، وهي الطريقة التي يتعلم به الإنسان اللغة ويستعملها. وتجيز استعارة ‘اللعبة’ لفتغنشتاين أن يؤكد على تعدد الألعاب وتداخلها. فلسنا أعضاء في لعبة لغوية واحدة، بل في ألعاب عديدة. أحيانًا يمكن أن نقوم بترتيب هذه الألعاب وفقًا لتراتبية معينة، وفي أحيان أخرى، يصعب ذلك. أحيانًا يمكن المقارنة بين هذه الألعاب، وأحيانًا يتعذر ذلك؛ لِعدم تقَايُسها Incommensurability. ومن خلال التدرج في التعلم والتدريب، لا يصبح سلوكنا مُحَدَّدًا بأسباب عقلانية، بل مُنْتَظمًا بعادات معروفة. وتمكننا هذه العادات أن نكتسب القدرة على التحَك م في سلوكنا بأنفسنا. إن المسوغات التي توجه أفكارنا وأفعالنا هي مسوغات مجَسَّدة Reasons Embodied قد تعلمناها من خلال عملية التدريب (الترويض). ويعيد فتغنشتاين فكرة أننا أثناء محاولة البحث عن مسوغ عقلاني، كثيرًا ما نجد أن المسوغات غير كافية أو غير مقنعة، لكننا رغم ذلك نقوم بالفعل بحسب

عادة مألوفة من دون مسوغات عقلانية. يدعونا فتغنشتاين إلى التفكير في الكيفية (أي الخبرة) التي تعلمْ نا بها تلك الكلمات، بدلً من البحث عن معايير أساسية ومسبقة للمعنى. يقول فتغنشتاين: «إذا سألنا

أحدهم: ‘لكن هل هذا صحيح؟’، قد نقول له: ‘نعم’، وإذا طلبَ مسوغات، فربما نقول: ‘لا أستطيع أن

أقدم لك أي مسوغات، لكن إذا تعَلَّمت المزيد فسوف تعتقد أنه صحيح أيضًا’، إذا لم يحدث ذلك، فهذا يعني أنه لا يستطيع، على سبيل المثال، تعلم التاريخ». ويقول في موضع آخر: «الشيء الغريب هنا هو أنه عندما أكون متيقنًا تمامًا من كيفية استعمال الكلمات، ولا يساورني أيّ شكّ في ذلك، ما زلت لا أستطيع إعطاء مسوغات لطريقتي في الاستمرار باستعمالها». ونجد مشهد تعلم الطفل حاضرًا في مناقشة فتغنشتاين ما إذا كانت «التجربة» أساسًا كافيًا للتحقق من

صدق دعوى ما. وتقود مباحثة فتغنشتاين حول العلاقة بين الألم والتجربة والتعليم إلى أن يسأل عن الكيفية التي يمكن من خلالها التأكد من وجود أذهان أخرى minds other of Existence أو من صدق مقولات شخص ما. ويخلص إلى نتيجة مهمة، هي أننا لا يمكننا التوصل إلى يقين مطلق في هذه الأحوال؛ لأن إدراكنا للأذهان الأخرى ولصدق أقوال شخص ما، محكومٌ بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الأطفال. نحن نتعلم تلك المعاني والأحاسيس عبر تراكم خبرات فردية وجماعية، وفق عادات اجتماعية واستعمالات لغوية متعددة ومعقدة.

سابعًا: متى يُخطئ الطفل؟

بينما يستند الإنسان البالغ إلى مفاهيم أو كلمات يعرفها عندما يتعلم كلمة جديدة، ليس عند الطفل المعرفة السابقة الكافية، ولا الكلمات ولا الخبرات، التي تمكنه من ذلك. فماذا يفعل الطفل إذًا؟

(76) Medina, p. 159.

((7(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرات 211، 217،.654 ((7(فتغنشتاين، في اليقين، فقرة.206 (((7 المرجع نفسه، فقرة.307 ((8(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرات 86،.137

عليه أن يكتسب تلك المعرفة، ويتدرب على الكلمات الجديدة، ويستعملها في سياقات جديدة، عبر اللعب والتجريب، شفاهيًا وكتابةً. يضرب فتغنشتاين على ذلك مثال طفل يتعلم كلمة «أزرق». «يعرف الطفل أي لون مقصود بكلمة ‘أزرق’. ما يعرفه هنا ليس بتلك البساطة. ينبغي أن أقول: ‘أنا أعرف ماذا يسمى هذا اللون’ إذا كان الموضوع، مثلً، يتعلق هنا بدرجات الألوان التي لا يعرف جميع الناس اسمها. ليس بإمكان المرء أن يقول لطفل بدأ الكلام توًّا، ويستطيع استعمال الكلمات ‘أحمر’ و‘أزرق’: ‘هيا، أنت تعرف ماذا يسمى هذا اللون’! على الطفل أن يتعلم استعمال كلمات الألوان قبل أن يتمكن من السؤال عن اسم لونٍ ما. من الخطأ أن أقول: إنه لا يمكنني أن أقول: ‘أنا أعرف أنه يوجد كرسي هناك’ إلا إذا كان ثمة كرسي هناك. بالطبع، لن يكون هذا صحيحًا إلا إذا كان ثمة كرسي هناك، ولكن لدي الحق أن أقول ذلك إذا كنت متيقنًا من أن ثمة كرسيًّا هناك، حتى وإن كنت مخطئًا. إن الادعاءات بمثابة رهن يثقل قدرة

الفيلسوف على التفكير». إن الفقرة السابقة تشبه فقرات عديدة في التحقيقاتوفي اليقين، يقرر فيها فتغنشتاين أن على الطفل أن يستعد معرفيًا أو نفسيًا أو جسديًا لكي يصبح قادرًا على أن يتعلم شيئًا ما أو يمارس فعلً ما. ليس

غرضه في هذه الفقرات المتشابهة الصياغة أن يملي برنامجًا تربويًا معينًا، بل يريد، على ما يبدو، أن يؤكد البعد الأنثروبولوجي التربوي الذي يسبق الإدراك المعرفي أو التصورات الميتافيزيقية (مثل الوجود، والعدم، والأعداد، والألوان) في أي عملية تعَلُّم. ولعل هذا ما يقصده من كلمة ترويض

. Abrichtung

في مثالٍ يؤكد على الاستعدادات المُهَيِّئة للغة، يدعونا فتغنشتاين أن نفكر في التالي: «كيف ستكون

الأمور إذا لم يعبر الناس عن آلامهم (فلا يتأوهون، ولا يقطّبون وجوههم... إلخ)؟ عندها لن يكون في الإمكان تعليم طفل ما استعمال لفظة ‘وجع أسنان’. حسنًا، لنفترض أن الطفل عبقري وقد وجد بنفسه اسمًا لهذا الإحساس. لكنه لن يتمكن، بالطبع، من جعل الآخرين يفهمونه. من ثم، يفهم الاسم دون أن يستطيع تفسير مدلوله لأي أحد؟ لكن ماذا يعني إذًا أنه ‘أعطى اسمًا لألمه’؟ كيف فعل لكي يعطي اسمًا لألمه؟ ومهما كان ما فعله، فما هو الهدف من ذلك؟ عندما نقول: ‘أعطى اسمًا لإحساس’،

فإننا ننسى أن عدة أشياء في اللغة يجب أن تكون مهيأة، حتى يكون لمجرد التسمية معنى ». وفي سلسلة من الفقرات في التحقيقاتحول الأحوال الذهنية الخاصة، مِن قَبيل الأحاسيس والتخييلات والتظاهرات، وصِلَتِها بما يمكن اعتباره صفات حقيقية للأشياء، يقول فتغنشتاين: «ليس التظاهر إلا حالة خاصة يُصدِر فيها شخصٌ ما تعبيرًا عن الألم دون أن يكون به ألم. فإذا كان ذلك ممكنًا أصلً،

فلماذا نعتبر ما يحصل هو التظاهر؛ هذا النمط الخاص جدًا من نسيج الحياة؟ ينبغي على الطفل أن

((8(فتغنشتاين، في اليقين، فقرات 548–545، بتصرف. التشديد على الفقرة 548 من عند الباحث. ((8(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرة 257. التشديد من عند الباحث.

يتعلم عدة أشياء قبل أن يتمكن من التظاهر بشيء ». إن ملاحظة فتغنشتاين لما على الطفل أن يتعلمه من أشكال الحياة وألعاب اللغة لكي يمارس شكلً من أشكال لعب الأطفال والتمثيل، بما في ذلك من تمويه واتصافٍ بحالات نفسية أو ذهنية لم تُختبر بعد، يمهد لبحث مهم حول الشك واليقين، ويفتح المجال لإعادة النظر في مفهوم الخطأ والخطأ المعقول. لا يكفي أن يعرف الطفل القواعد فحسب، بل عليه أن يكون قد تدرب عليها طويلً، ليعرف إمكانات استعمالاتها، وحينها يصدق عليه اسم العالم بها، ويمكن اعتبار مخالفة قواعدها أداءً خاطئًا. وقد سبق أن لاحظنا أن القاموس لا يقدم أي قواعد نحوية، بل يكتفي بضرب الأمثلة لتمكين الطفل من التعلم وحده. فيتدرب، مثلً، على اتباع القاعدة الإملائية أو على التمييز بين ظواهر لغوية متشابهة. مثال ذلك إيرادُه التمييزَ في الألمانية بين أداة التعريف das وأداة الوصل dass، التي كانت تتشابه على تلاميذه فيخطئون في كتابتها. وبما أن المشكلة التي واجهها التلاميذ كانت كتابة الكلمات الألمانية بحسب قواعد الإملاء المعروفة، فقد اكتفى في قاموسه بإيراد المفردات من دون تعريف لها؛ إذ لم يكن عدم معرفة التلاميذ بمعاني هذه الكلمات هو المشكل. فقد كان التدريب على استعمال الكلمات جزءًا من التمارين الإنشائية والحوارية التي أجراها مع تلاميذه في الصف من خلال اللعب والتجريب

والنشاطات العديدة. ومن هنا نرى أن القاموس الذي وضعه في آخر فترة تدريسه في الريف النمساوي متسقٌ اتساقًا وثيقًا مع أفكاره التي ناقشها في أعماله اللاحقة في كامبردج. لم يقم فتغنشتاين في القاموس بتحديد معانٍ للكلمات؛ إذ لا يمكن تحديدها خارج سياق استعمال الأطفال لها، وبحسب قدراتهم واستعداداتهم، واكتفى بوضع آلة تعينهم على تصحيح أخطاء إملائية تتعلق بمواضعات وقواعد ينبغي تعلمها واتباعها، وإن كانت اعتباطية. لا يعتبر فتغنشتاين معيار صحة الفهم هو قدرة التلميذ على الرجوع إلى قواعد خارج الممارسة، بل تمكنه من الأداء الصحيح وتملك التقنيات اللازمة لذلك. يقول: «أن تمتثل لقاعدة، وأن تقيم تواصلً، وأن تطيع أمرًا، وأن تلعب مقابلة شطرنج هي عادات (تقاليد، مؤسسات). وأن تفهم قضية يعني أن تفهم

لغة. أن تفهم لغة يعني أن تتحكم في تقنية technique a of Mastery «. قد لا نعلم كيف نتبع قاعدة ما أو على أي أساس تستند، ولكننا رغم ذلك نقوم بالفعل بناء على ما تعلمناه من أشكال الحياة. نتعلم معاني الكلمات واستعمالاتها من خلال عملية مستمرة من الحالات التعليمية. ويشبه فتغنشتاين عملية تعلم الكلمات واستعمالاتها بلعبة شطرنج، حيث نتعلم عمل كل قطعة ضمن قواعد اللعبة بشكل تدريجي وبالعلاقة بالقطع الأخرى وحركاتها. ومع التدريب والممارسة، بما في ذلك حدوث الأخطاء، نصبح قادرين على التمييز بين الحركات الموافقة لقواعد اللعبة (العادات) والمخالفة لها. ويصبح

(((8 المرجع نفسه، فقرة 363–362، بتصرف. التشديد من عند الباحث.

(84) Deborah H. Soles, "Some Ways of Going Wrong: On Mistakes in On Certainty," Philosophy and Phenomenological Research, vol. 42, no. 4 (June 1982), pp. 555–571. (85) Wünsche, pp. 104–105.

((8(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرة.151–150 (((8 المرجع نفسه، فقرة.199

اللاعب، بعد طول تمرين، متمثلً لقواعد اللعبة، بل دليلً عليها، فيتعلم الجاهل باللعبة قواعدها من خلال المشاهدة والمحاكاة، من دون أن يكون تعَلَّم قواعدها مسبقًا. يقول: «يمكن للقاعدة أن تعين كثيرًا في تعلم اللعبة. نحن نُخْبِر بها المُتعَلم الذي يتدرب على تطبيقها –. وهي كذلك أداة في اللعبة

نفسها – ولكن أيضًا: القاعدة لا تستعمل لا في التدريب ولا في اللعبة نفسها، ولا هي مطروحة في قائمة قواعد، إذ يتعلم الإنسان هذه القاعدة أو تلك، لأن المُشاهِد يمكنه أن يستخلص هذه القواعد

من ممارسة اللعبة – وكأنه قانون طبيعي يمثل له تحركات اللعبة –. لكن، كيف يميز المشاهد، في هذه الحالة، أخطاء اللاعبين من الحركة الصحيحة؟ هناك في تصرف اللاعبين بعض العلامات Merkmale التي تميز هذه من تلك. فكر في التصرف الخاص الذي يميز من يصحّح زلّة لسان. بالإمكان أن نتفطن

أن شخصًا ما وقع في زلة لسان حتى ولو كنا لا نفهم لغته». إن قدرة المتعلم على التصرف في الأداة اللغوية هي معيار فهمه لها. ومن ثم يستطيع المعلم أن يميز إن كان تجاوب التلميذ لإرشادات المعلم ناتجًا من «خطأ منتظم» أو «خطأ غير منتظم»

between a random and systematic mistake/zwischen regellosen und systematischen

Fehler. ويذهب فتغنشتاين إلى أننا ندرك الاستعمال الصحيح للكلمة (أو الامتثال لقاعدة ما)، حتى لو لم نقدر على وصف الحيثيات المعقدة التي تكمن في الاستعمال العادي. «إننا نتعلم كلمة ‘نفكر’، أي

نتعلم استعمالها وفق ظروف معينة، ولكننا لا نتعلم كيف نصف هذه الظروف. ولكنني أستطيع أن أعَلِّمُ شخصًا استعمال تلك الكلمة! إذ لا يُحتاج إلى وصف للظروف من أجل ذلك».

ثامنًا: متى يَحدث الشَّك؟

تبَي ن من عمل فتغنشتاين على القاموس، ومن منهجه في التدريس، أنه كان حريصًا على اكتشاف

أساليب جديدة وتجريبها لتعزيز قدرة التلميذ على التعلم بنفسه. وقد بلغ حرصه أن كان يعلق أحيانًا على ما يقوم به، ويراجع نفسه وينتقد تصوراته. وقد استفاد فتغنشتاين من هذه التجربة في نظره حول الكيفية التي يتعلم بها الطفل ألعاب اللغة، سواء باتباعها ومخالفتها، وارتكاب الأخطاء، وفي نقده للشكية الديكارتية. تكشف مشاهد التدريس والتعلم في أعمال فتغنشتاين المتأخرة، عن تصوره للبعد البيداغوجي في قدرتنا على إدارة اليقين والشك في حياتنا. تدل فقرات كثيرة في كتابه في اليقين، تتعلق بالطفل وعملية التعلم، على أثر تجربته مدرسًا في نقده للشكية الديكارتية التي اعتبرت الشك

هو المنطلق الأساس في تحصيل اليقين. واعتمادًا على نظريته في ألعاب اللغة ومركزية الاستعمال في المعنى، ينظر فتغنشتاين في العلاقة بين الشك واليقين باعتبارها مكونًا من مكونات اللعبة اللغوية. يبحث فتغنشتاين في هذا العمل في شروط

(((8 المرجع نفسه، فقرة.54 (((8 المرجع نفسه، فقرة.143

(90) Wittgenstein, Zettel, §114–115. (91) Wittgenstein, Culture and Value , p. 38.

الشك ووظيفته. إن المعنى ليس معطى ثابتًا وصلبًا خارج اللعبة اللغوية، أي خارج استعمالنا اليومي

لها. يقول فتغنشتاين: «إن عبارة ‘أنا أعرف’ تعني في الغالب: لدي المسوغات الصحيحة لعبارتي. لذلك إذا كان الشخص الآخر على دراية باللعبة اللغوية، فإنه سيقرّ بأنني أعرف ذلك بالفعل. إذا كان

الآخر على دراية باللعبة اللغوية، فمن الضروري أن يكون قادرًا على تخيل كيف يمكن لشخص أن

يعرف شيئًا من هذا القبيل». خلافًا لشكية ديكارت الجذرية، لا يرى فتغنشتاين الشك هاوية سحيقة تحيط بنا. بل يذهب إلى مخالفة هذه التصور ويرى أن الشك لا يحدث إلا إذا كان ضمن لعبة لغوية معينة. فنحن نتواصل عبر ألعاب اللغة، والشك لا يتسلل إلا من خلال تلك اللعبة. يقول: «إن الشكّ في الوجود لا يحدث إلا داخل لعبة لغوية. ومن ثم، يجب علينا، أولً، أن نسأل: كيف يكون شكل هذا الشك؟ وألا نتعجل في فهم هذا». إن الشك لا يكون له معنى إلا إذا أدركنا أنه يحدث في سياق لعبة لغوية نفهم قواعدها ونتبعها. لا يعني هذا أن الألعاب اللغوية جامدة وغير قابلة للتغيير. ما يعنيه فتغنشتاين هو: لكي نتمكّن من أن نمارس نقدًا ونشك في يقينية بعض الأفكار، فإننا ننطلق من مجموعة من الممارسات التي تجيز لنا طرح هذه الأسئلة. أي إننا ننطلق من أرضية ثابتة. إن فضاء المفاهيم للع بة اللغوية هو شرط فهمنا للشك. يقول: «يستند الشكّ نفسه فقط على ما لا شكّ فيه». بمعنى آخر، إن التعبير عن الشك يستند إلى سياق يجعل هذه الأسئلة المشككة ذات معنى، وهذا السياق هو ألعاب اللغة. يقول فتغنشتاين: «إذا أردتَ أن تَشُكَّ في كل شيء، فلن تتمكن أن تشك في أي شيء. إن لعبة الشك نفسها تفترض اليقين». أي إن الشك هو دائمًا متعلق بجميع الألعاب اللغوية الأخرى. يدرج

فتغنشتاين إمكانية الشك ضمن يقين مشروط بقواعد اللعبة. وبهذا يصبح الشك نفسه لعبة لغوية، فيحصل الشك ضمن إطار من الفهم. ولا يقتضي هذا الإطار يقينية مطلقة بلا إمكانية لطرح الأسئلة، بل يعني أننا في حياتنا اليومية نتواصل عبر لغة توفر لنا أطرًا يمكن الاطمئنان إليها عندما نمارس فعل

الشك. ويلزم من تحديد إمكانية الشك وجعله مستندًا إلى اليقين أنه يدفع عبء تقديم الدليل على الدفاع عن يقين محل شك إلى الخصم المُشَكاِّك. ويَنقُل سؤال الشك من أن يكون فعلً فرديً (كما

هو عند ديكارت) إلى أن يكون سؤالً يهم الجماعة. يصبح السؤال، إذًا، عند فتغنشتاين هو: ما هو

الشك الذي تجيزه ألعابنا اللغوية؟ وكيف نفهم الشك أثناء التواصل؟ إن الشك عند فتغنشتاين ليس عملً تقوم به الأنا المنعزلة عن الجماعة (أنا ديكارت أو الرسالة مثلً)، بل لا يكون الشك ممكنًا إلا في سياق التواصل الجماعي. وكما فعل في نقاشات أخرى، يقدم فتغنشتاين هذا النقد للشكّية الديكارتية ويشرح تصوره حول اليقين والشك من خلال الإشارة إلى التعليم والتعلم. ويوظف مشاهد البيداغوجيا في كتابه في اليقينلتوضيح هذه التصورات. ويربط اتباع القاعدة والتعليم.

((9(فتغنشتاين، في اليقين، فقرة.18 (((9 المرجع نفسه، فقرة 24. بتصرف. (((9 المرجع نفسه، فقرة.519 (((9 المرجع نفسه، الفقرات 159،.162 (((9 المرجع نفسه، فقرة.115

يقول فتغنشتاين: «ما هو تعَلُّم القاعدة؟ – هذا. ما هو «أن تخطئ في تطبيقها؟ – هذا. وما يُشار إليه هنا هو شيء غير محدد». وفقًا لفتغنشتاين، إن الإنسان يتعلم القاعدة وكيف يتبعها في الآن نفسه، أي لا يتأخر التطبيق عن تعلم تلك القاعدة. ولكن ليس ثمة أساس موضوعي يدلنا على كيفية تعلم القاعدة أو تطبيقها. إنه شيء غير محدد. ولكن، كيف يعرف الإنسان أنه قد أخطأ في التطبيق؟ يقول فتغنشتاين: «إن التمرين على استعمال القاعدة هو ما يُظهر الخطأ في التطبيق». إن الممارسة هي التطبيق المتكرر للقاعدة. أن تتعلم القاعدة يعني أن تكرر تطبيقها. ومرة أخرى، نرى هنا أثرًا لتجربة تأليف فتغنشتاين لقاموس يصحح من خلاله التلاميذ إملاءهم بأنفسهم. يقول في مثال يقارن فيه بين «الفلسفة» و«الإملاء»: «يمكن أن يُفْهَم: أن التحدث عن الفلسفة باستعمال لفظة ‘فلسفة’ يستوجب وجود فلسفة من درجة أعلى. لكن الأمور ليست على هذا الشكل، بل هي تشبه مسألة الإملاء التي تهم لفظة ‘إملاء’، إذ إن هذه اللفظة ليست أعلى درجة من الأولى». إن الكلام حول الإملاء بالنسبة إلى فتغنشتاين متعلق بتصوره العام حول كيفية حدوث الخطأ ووقوع الشك، وكيف أنّنا نصبح قادرين على الابتكار والمرونة من خلال القواعد والممارسات الاجتماعية، حتى لو كان بعضها اعتباطيًا وقابلً للتغيير. ويقول في عمله في اليقين:

«تمامًا مثل الكتابة، فإننا نتعلم شكلً أساسيًا معينًا للحروف، ومن ثم ننوعها فيما بعد، ومن ثمّ

نتعلم أولً ثبات الأشياء بأنها قاعدة معيارية، تتعرض لاحقًا لتبَدتّلُا». ويذكرنا هذا بما قاله في

«التمهيد» لقاموسه: «ولكن، إذا أدّى اعتماد مبدأ الترتيب الألفبائي إلى إدراج كلمة غير متجانسة بين كلمتين ذاتَيْ صلة، فسيتطلب هذا الترتيبُ، بحسب رأيي، قدرةً تجريديةً تفوق قدرة الطفل. ولذلك

رجحنا مَبْدأيْ مراعاة فهم الكلمات، وضرورة الاقتصاد في حجم الكتاب، فلا يستحسن اعتماد مبدأ

الترتيب الألفبائي في كل الأحوال. وبالقدر نفسه من الأهمية، إن التمسك بمبدأ دوغمائي قد يؤدي إلى ترتيب لا يخدم غرضنا، وبالتالي يكون إهماله أولى، حتى لو كان هذا سيجعل عمل المؤلف أسهل. بل إن الأوْلى هو البحث عن الحل الأنسب لكل حالة».

(((9 المرجع نفسه، فقرة 28، وقد أبدلنا «كذا» التي في الترجمة باسم الإشارة «هذا»، إذ الأصل هو This/Das. وتستعمل اسم الإشارة هنا للدلالة على شيء معروف يمكن الإشارة إليه، ولكن لا يمكن تحديده خارج ألعاب اللغة وإمكاناتها. أما «كذا» فقد يدل على شيء مجهول ولا يمكن الإشارة إليه، وليس هذا مراد فتغنشتاين هنا.

(98) Wittgenstein, On Certainty , § 29.

تُرجمت العبارة وقد وجدنا الأنسب أن نترجم الأصل Das Üben/Practice ب «التمرين» وليس مجرد الممارسة، إذ المعنى هنا متعلق

بتكرار الممارسة والتطبيق بهدف تملك القدرة على اتباع القاعدة. ((9(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرة.121 ((10(فتغنشتاين، في اليقين، فقرة.473 (((10 يُنظر: الملحق.

يبرر فتغنشتاين هنا تجاوز القواعد اللغوية؛ مراعاةً لحال الطفل المتعلم. إن عنايته بقدرة الطفل على إدراك المفاهيم المجردة بحسب عمره واستعداداته، يتصل بفلسفته حول الشك واليقين. ويضمن تسهيل التعليم وتنويع مناهجه أن يتعرف كل طفل إلى قواعد اللعبة اللغوية بحسب حاجته وقدراته. يقول: «لماذا لا أسمّي قواعد الطبخ اعتباطية Arbitrary، في حين أود أن أسمي قواعد النحو اعتباطية؟ لأن الطبخ يُعرف بمقصده، وليس الكلام كذلك [...] إنك تطبخ على نحو سيئ إن أنت اتبعت قواعد ليست هي قواعد الطبخ، ولكن إن أنت اتبعت قواعد غير قواعد لعبة الشطرنج، فأنت تلعب لعبة أخرى، وإن أنت اتبعت قواعد نحوية غير هذه وتلك، فلا يعني هذا أنك تقول شيئًا غير صحيح، كلا، بل أنت تتحدث عن شيء آخر». ونظرًا إلى اعتباطية القاعدة النحوية (رغم ضرورتها)، لم يكن عند فتغنشتاين مانع أن يتجاوزها في قاموسه لمراعاة قاعدة أخرى أقرب إلى الفهم تربويًا، كمخالفته الترتيب الألفبائي للكلمات الألمانية في قاموسه واتباعه ترتيب الاشتقاق اللفظي. وبما أن الهدف من القاموس هو إعانة التلميذ على تصحيح إملائه بنفسه، وليس تعليمه قواعد النحو، فليس ثمة ضرر، إذًا، في مخالفة القاعدة النحوية (أو على الأقل عدم اتباعها) لهذا الغرض. يستدل فتغنشتاين بطفولته على دور التعليم في تعلم الحكم على الأشياء فيقول: «منذ طفولتي تعلمتُ أن أحكم على الأشياء هكذا. هذا هو الحُكم. هكذا تعلمتُ كيف أحكم على الأشياء؛ وقد عرفتُ هذا باعتباره حُكمًا ». إن اسم الإشارة هذا في الفقرة، يدل على حالة يومية معينة نقوم فيها بممارسة تقييم الأشياء والحكم عليها، وفيها نعرف ما هو الحكم، ونعرف متى يقوم غيرنا بالحكم. يعود بنا فتغنشتاين إلى تجربة الطفولة التي يتعلم فيها الطفل ألعاب اللغة باتباع قواعدها والخطأ فيها، كما يتعلم الحكم على الأشياء، ويتعلم كيف يميز أحكام الناس على الأشياء. إن موقع الشك، وفقًا لفتغنشتاين، هو تلك العلاقة بين ألعاب اللغة والممارسات اليومية. إن ألعاب اللغة هي ما تجعل الشك ممكنًا. فلا يمكن أن يظهر الشك إلا من خلال هذا السياق. فمثلما يتعلم الطفل اللغة عبر استعمالها والخطأ في استعمالها، يتعلم كذلك كيف يستعمل اللغة لإبداء الشك. وكما أن المعنى يظهر من خلال الاستعمال ضمن أطر معينة، فالشك يظهر كذلك من خلال ممارسته ضمن أطر معينة. ليس ثمة يقين مطلق، بل يقين يومي معيش، وهو نفسه ما يجعل الشك ممكنًا. إن تعَلُّمَنا – منذ طفولتنا – كيف ندرك يقينية الأشياء، هو نفسه أن نتعلم ألعاب اللغة ضمن شكل حياة مشتركة. يقول فتغنشتاين: «إن عبارة ‘نحن على ثقة بذلك’ لا تعني أن كل فرد على يقين بذلك فحسب، بل أننا ننتمي لجماعة يجمعها العلم والتربية». ويستلزم النقد والشك الاتفاق على ممارسات لغوية ورياضية مكتسبة من خلال التعلم. يقول فتغنشتاين:

((10(فتغنشتاين، في اليقين، فقرات.98–94 ((10(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرات.499–496

(104) Wittgenstein, Zettel , § 320. (105) Wittgenstein, On Certainty , § 128–129.

((10(فتغنشتاين، في اليقين، فقرة 298. بتصرف. ((10(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرة.6–5

«إنه من الضروري لتحقيق التواصل، أن نتفق على عدد كبير من الأحكام». لا يَحُدُّ التعليم فضاء النقد والشك بل يجعله ممكنًا. إن التعليم يخلق فضاء للحركة اتباعًا ومخالفة للقواعد وأعراف شكل حياتنا. بهذا المعنى، لا يكون التعلم والتعليم، بالنسبة إلى فتغنشتاين، سبيلً إلى الاستكشاف المعرفي، بل سبيلً للانتماء، بتدرج، إلى جماعة.

خاتمة

يتفق من طالع أعمال فتغنشتاين المتأخرة على حيويتها وكثافتها، وكأنها تدعو القارئ إلى ممارسة نقد ذاتي يؤدي إلى تحول فكري ونفسي وثقافي شامل. وقد تكون هذه السمة هي سبب انجذاب كثير من المفكرين – فلاسفة وغيرهم – إلى الاهتمام بفتغنشتاين وطريقته في التفلسف، من حيث إرادة الوضوح وتجاوز المشكلات التي هي في الأساس انعكاسات للكيفية التي نستعمل بها لغتنا. وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نلقي الضوء على جانب مهم من فكر فتغنشتاين، يخفى على كثير من المهتمين به، وهو البعد البيداغوجي. وقد استدلَلنا على أهمية أخذ هذا البعد في الاعتبار، من خلال سيرته الشخصية والفكرية، وخاصة فترة عمله مدرسًا للأطفال في الريف النمساوي، ثم أستاذًا في جامعة كامبردج. كما تناولنا الشواهد الكثيرة والمتواترة في أعماله التي تشير إلى مشاهد التعليم والتعلم وصلتها الوثيقة بمفاهيم مركزية في فلسفته الأنثروبولوجية. لم يقدم فتغنشتاين نظرية في التربية، ولا ينبغي أن نحاول استخراج نظرية تربوية من أعماله، وإن كان في أفكاره ما سيفيد منه التربويون. إن مشاهد التعليم الكثيرة التي ترد في التحقيقات هي محاولة من فتغنشتاين في الإجابة عن أسئلة الفلسفة من خلال ملاحظة كيفية لعب الطفل وتعلّمه وخطئه، ولذلك عده بعض الدارسين فيلسوفًا تربويًا philosopher Pedagogical واعتبروا تفلسفه ممارسة تربوية Philosophy as pedagogy. أن نقرأ أعمال فتغنشتاين المتأخرة قراءة بيداغوجية يعني أن نلاحظ كيف عاد فتغنشتاين بنا إلى نشوء الإنسان اجتماعيًا، وتثقيفه عبر الانخراط في اللغة والممارسات والعادات، لكي يحل فتغنشتاين مشكلات فلسفية كانت تهيمن على الوضعية المنطقية والميتافيزيقيا العِلمية. ولا أدل على هيمنة المنحى البيداغوجي على تفكيره من تساؤله: «هل أمارسُ علم نفس

الأطفال؟ إنني أصِل مفهوم التعليم بمفهوم المعنىَ». وقد حاول البحث أن يقدم قراءة جديدة تربط فكر فتغنشتاين بحياته الشخصية والفكرية، وتقلباته الاجتماعية والنفسية، وهو بذلك يصحح النظرة الضيقة لفلسفة فتغنشتاين، لا سيما عند بعض فلاسفة

(108) Ludwig Wittgenstein, Remarks on the Foundations of Mathematics , Georg Henrik von Wright (ed.) (Cambridge: MIT Press, 1996), VI. 39.

((10(فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، فقرة.201

(110) Peters. (111) Wittgenstein, Zettel, § 412.

التحليل الذين غلّبوا البعد اللساني المنطقي في قراءتهم أعمال فتغنشتاين. كان منهج فتغنشتاين في التدريس وأسلوبه في الكتابة الفلسفية أقرب إلى دفتر تمرين أو إلى تمرين على الحوار النقدي كالذي يقوم به المربي مع تلامذته في قاعة الدرس. إن نصوصه المتأخرة حوارية، نقدية، لا تصل إلى أجوبة بيّنة، بل تكتفي بطرح أسئلة أمضى أثرًا من الإجابات ذاتها. إذًا، لا بد من مراعاة هذا البعد عندما نقرأ

أعماله، والكفّ عن محاولة ترتيبها في نظام منضبط؛ إذ لم يسعَ فتغنشتاين إلى وضع نظام فلسفي جديد أو تأسيس مذهب فلسفي، بل قصد إلى إعانة الإنسان على التفكير والعمل بمفرده. «أعتقد أن قراءة ملاحظاتي ستثير اهتمام الفيلسوف، ذلك الذي يفكر بنفسه. فحتى إن كنت لم أصِب الهدفَ إلا نادرًا، فإنه سيدرك حتمًا تلك الأهداف التي كنت أحاول إصابتها بلا انقطاع».

(((11 تنتقد ڤايبر في دراستها الفهم العقلاني والآلي لمفهوم «اتباع القاعدة» عند صاول كريبكه Kripke Saul، الذي أدى إلى تصورات مغلوطة، من بينها اعتبار فتغنشتاين سلوكيًا، واعتبار «اتباع القاعدة» فكرة مركزية في فكره المتأخر، وتقترح أنه يمكن

تصحيح هذه المغالطات بالعودة إلى السياق البيداغوجي الأصلي الذي نشأت فيه كثير من مفاهيم فتغنشتاين، ينظر:

Weber, pp. 696–697.

((11(فتغنشتاين، في اليقين، فقرة.61

(114) Wittgenstein, On Certainty , § 387.

ملحق «التمهيد» لقاموس المدارس الابتدائية

لودفيغ فتغنشتاين

تقديم الترجمة

كتب فتغنشتاين هذا النص للجنة في وزارة التعليم في النمسا؛ من أجل تقييم القاموس والسماح بنشره، ويبين فيه أهدافه ومنهجه والمشكلات التي واجهها والحلول التي اقترحها. لم يكن قصد فتغنشتاين أن يكون هذا النص مقدمة للكتاب، ولذلك لم يُطبع «التمهيد» في الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1926،

التي أشرف عليها فتغنشتاين، وإنما ظهر في الطبعة الثانية سنة 1977. يحاول فتغنشتاين أن يقنع اللجنة بأن القاموس متوافق مع مفردات الألفاظ لدى الأطفال ومناسب للفئات العمرية، بحسب التعليمات العامة للوزارة. وبالرغم من أن اللجنة كانت لديها تحفظات على ما جاء في «التمهيد» وطلبت تعديلات كثيرة (أشرنا إلى بعضها في دراستنا)، فإن فتغنشتاين لم يعدّل من القاموس إلا قليلً، ونُشر العمل بموافقة وزارة التعليم النمساوية عام 1926. وقامت الجمعية النمساوية لدراسة فتغنشتاين برقمنة هذه الطبعة من الكتاب ومسوداتها. ينبغي الإشارة إلى أن «التمهيد» هو تقرير تقني وليس نصًّا فلسفيًّا مثل نصوص فتغنشتاين الأخرى. بل إن

موضوعه وأسلوبه يثيران استغراب كثير من الدارسين لفتغنشتاين عندما يطلعون عليه أول مرة. إن «التمهيد» وثيقة تاريخية مهمة تدل على اشتغال فتغنشتاين التربوي والتقني بموضوع التحصيل اللغوي عند الأطفال. وتكمن أهمية «التمهيد» خصوصًا في أنه يوثق كيف حاول فتغنشتاين أن يطور وسائل تعليمية يستعين بها

التلميذ على التعلم وحده وتصحيح الأخطاء بنفسه، ولا تخفي أهمية هذا في معرفة السياق الفكري والعملي الذي نشأت فيه فلسفته حول اتباع القاعدة وارتكاب الخطأ، كما أوضحنا في دراستنا؛ إذ لم يكن موضوع «ارتكاب الخطأ» الذي اهتم فتغنشتاين به كثيرًا في أعماله اللاحقة مبحثًا فلسفيًا تقليديًا. إن «التمهيد» يوثق

محاولة اشتغال فتغنشتاين الدقيقة في تحويل تصوراته الفلسفية المبكرة إلى برنامج تربوي عملي. « تمهيد» لقاموس المدارس الابتدائية يهدف هذا الكتاب إلى سد حاجة ملحّة فيما يتعلق بتدريس الإملاء اليوم. ويأتي نتيجة خبرة المؤلف

العملية. فقد رأى أنه، من أجل تحسين الإملاء الصحيح في صفه ولكي يعرف التلاميذ بأنفسهم الإملاء الصحيح لكلمة ما، من الضرورة أن يُعِدّ لهم كتابًا للمفردات. أولً، على الكتاب أن يُمَكِّن التلاميذ من

البحث عن الكلمات بشكل سريع. وثانيًا، ينبغي أن يُعدَّ الكتابُ وفق منهج يُمَكِّن التلاميذ من تذكر

تلك الكلمات التي بحثوا عنها. ويصبح الإملاء الصحيح للكلمات مهمًا وملحًا للتلميذ حينما يريد

((11(للاطلاع على موقف الهيئة التي راجعت العمل وتاريخ نشر العمل وتحريره، ينظر:

Ludwig Wittgenstein, Wörterbuch für Volksschulen (1977), V–XXIV.

((11(ينظر: الهامش 39، من دراستنا هذه.

تحسين الكتابة الإنشائية. إن سؤال التلميذ المتكرر للأستاذ أو لزملائه التلاميذ قد يُعَطِّلهم ويصرفهم عن العمل. كما أن سؤال الأستاذ أو التلاميذ الآخرين قد يؤدي إلى نوع من الكسل العقلي. يضاف إلى ذلك، أن التلميذ كثيرًا ما يُزَو د بمعلومات خاطئة من زملائه. كما أن المعلومات التي تنقل شفاهيًا تترك

انطباعًا أضعف في الذاكرة من تلك التي تأتي عبر القراءة. ولذلك، لا يصح تحميل التلميذ مسؤولية الإملاء الصحيح لما يكتب إلا بتوفير قاموس للمفردات، وذلك لأنه يزوده بآلة موثوقة للكشف عن أخطائه وتصحيحها، على افتراض أنه يريد القيام بذلك. ينبغي أن يستطيع التلميذ تصحيح أخطائه بنفسه. وعليه أن يطمئن أنه هو المؤلف الوحيد للعمل، وأنه وحده يتحمل مسؤولية ما يكتب. إن هذه الاستقلالية هي أيضًا ما يمكّن الأستاذ من الحصول على تصور أشمل لما يعرفه التلميذ ولقدراته العقلية. إن تبادل دفاتر التمارين بين التلاميذ والتصحيح الجماعي للإنشاء في الصف، قد يؤدي إلى تصور مشو ه عن إمكانيات التلاميذ. لا أريد أن أعرف من اطلاعي على عمل التلميذ «أ» في الوقت

نفسه ما يعرفه التلميذ «ب». بل أريد أن أدرك ما يعرفه التلميذ «ب» من خلال عمل التلميذ «ب» نفسه. يقال أحيانًا: إن التصحيح المتبادل والجماعي يعطي صورة دقيقة عن المستوى العام للصف. ولكن هذا غير صحيح. لا يكون هذا صحيحًا إلا إذا قام كل تلميذ بتصحيح كل الأعمال الإنشائية

لجميع التلاميذ. بيد أن هذا غير ممكن. كما أنني أرى أن وظيفة الأستاذ ليست أن يهتم بالمستوى المتوسط لإملاء مجموع تلاميذ الصف [Durchschnittsrechtschreibung]، إذ ليس المطلوب أن يعرف الصفُ المنهجَ الصحيح للإملاء، بل أن يعرف كل تلميذ الإملاء الصحيح بمفرده. ومن هنا،

كان ضروريًا تزويد التلاميذ بقاموس للمفردات Wörterbuch] [. قد ينصح أحيانًا باستعمال كتاب للتمارين يحتوي على مسرد للمفردات [Wörterheft]، إلا أن هذا لا يفي بحاجتنا. تترك عادة في مثل هذه المسارد بعضُ الصفحات بيضاء فارغة لكل حرف، لكي يكتب التلميذ الكلمات المهمة في الأماكن الفارغة بحسب الترتيب الذي جاءت به الكلمات أثناء الدرس. وقد تكون هذه المجموعة من الكلمات مفيدة لبعض الأغراض، إلا أنها لا تحل محل قاموس يرجع إليه التلميذ للبحث عن كلمة ما؛ إذ إنها إما أنها لا تحتوي على مفردات كافية، وإما أن البحث يستغرق زمنًا طويلً جدًا، فيجعله غير ممكن عمليًا. ولذلك كانت الحاجة إلى قاموس للمفردات في صورة كتاب. ولكن كيف يكون شكل

هذا القاموس؟ لا يمكننا أن نأخذ في الاعتبار إلا قاموسين للمفردات نشرتهما دار الكتب المدرسية Schulbücher Verlag] [. بالنسبة إلى النسخة الكبيرة للقاموس، والذي سأسميه من الآن فصاعدًا «القاموس الكبير» اختصارًا، فإنه لا يتناسب مع أهدافي الخاصة، وذلك لعدة أسباب: أولً، إن العمل ضخم، ولذلك فهو في العادة غالي الثمن لمجتمعاتنا الريفية. ثانيًا، إن حجمه الكبير يجعل من الصعب

أن يستعمله الأطفال. ثالثًا، إنه يحتوي على كلمات كثيرة لا يستعملها الطفل، ولا سيما الكلمات الأجنبية. ومن جهة أخرى، يخلو من كلمات كثيرة هي ضرورية للأطفال. ولعل بعض هذه الكلمات لم تذكر في النسخة الكبيرة بسبب شيوعها، نحو dann [أي إذن]، wann [أي متى]، mir [أي أنا في حالة المفعولية dative]، dir [أي أنت في حالة المفعولية dative]، in [أي في]... إلخ. إن هذه الكلمات الشائعة هي

(((11 قمنا بوضع علامة [] للدلالة على الكلمة الألمانية الأصلية التي استعملها فتغنشتاين أو على ترجمتنا العربية. أما علامة ()

فتَرِد في النص الأصلي. (المترجم)

التي يخطئ التلامذة كثيرًا في كتابتها، بل هي أصل جُلِّ الأخطاء المؤسفة. ومن ناحية أخرى، إذا بحثنا

في هذا القاموس عن المفردات المركبة أو أجزاء من المركبات، فإننا لا نجد ذكرًا لها هنا أبدًا. ولكن ينبغي

أن تدخل هذه الكلمات في قاموس مفردات للمدارس الابتدائية لأن الأطفال يميزونها بصعوبة. ولذا كثيرًا ما لا يتمكنون من البحث عن الكلمة الأساسية [Stammwort] في المركب، (نحو Rauchfang

[مدخنة] – يقول الأطفال Raufang). أو أنهم يلاحظون أن الكلمة مركبة ولكنهم يخطئون في تفكيك أجزائها. وعلى سبيل المثال، إذا أرادوا البحث عن كلمة Einnahme [أي تلقي، قَبول، أخذ] فإنهم يفتشون عن ein [أي واحد، أحد، في] و Name [أي اسم]... إلخ. ومن ثَمّ، فالقاموس الكبير لا يفي بأهدافي. أما القاموس الصغير فهو ليس مفيدًا على الإطلاق لأنه خالٍ من معظم الكلمات الشائعة والمهمة للحياة اليومية. بل إن هذا السِفر الصغير ليس إلا معجمًا للكلمات الأجنبية، ولذا لا يفيدني استعماله. ولمّا كانت

الحالة مزرية هكذا، قررتُ أن أمْلِي على تلامذتيُ (الصف الرابع مع الصف الخامس) قاموسًا للمفردات. وقد احتوى القاموس 2500 مفردة. ولم يكن هناك قاموسٌ أصغرُ حجمًا ليفي بالغرض. ويدرك جيدًا

من يُدَرِّس، صعوبةَ هذا العمل؛ ذلك لأنه ينبغي أن يحصل كل تلميذ على نسخة جديدة وصحيحة من القاموس إذا كان ذلك ممكنًا. ولكي يتحقق هذا الهدف؛ على الأستاذ أن يراقب تقريبًا كل كلمة كتبها كل

تلميذ (لا يكفي أن تأخذ عينات. فضلً عمّا يقتضيه هذا من التزام منهجي). وبعد عدة شهور من العمل، اكتمل القاموس وبدأنا نجني ثماره: لقد أصبح مستوى إملاء التلاميذ مذهلً. لقد أيقظنا وعيَهم الكتابي.

ولكن، عملية إعداد قاموس ليست سهلة التنفيذ، لا سيما تلك التي تعدّ لمرحلة المدرسة المنخفضة التنظيم [الابتدائية]. بل إن الإعداد يكون صعبًا ويستغرق زمنًا طويلً حتى بالنسبة إلى المدارس ذات

التنظيم العالي، إلى درجة أنّ عيوب قاموس أصنعه بنفسي تفوق مزايا قاموس اشتريته. هذا، إذًا، سبب شروعي في إعداد هذا القاموس الذي بين أيديكم. وتتعلق المشكلات التي تصاحب إعداد قاموس باختيار الكلمات وترتيبها. وقد كانت هذه الاعتبارات التالية مهمة بالنسبة إليّ عند الاختيار: 1) لن تُدرج إلا الكلمات المألوفة لدى تلامذة المدارس الابتدائية النمساوية، وينبغي الحرص على استيعاب جميع تلك الكلمات. ومن ثم، لن تُدرج كلمات ألمانية كثيرة وجيدة لا تستعمل في النمسا، مثل: abgefeint (أي دهاء، شطارة)، äffen (أي أن يسخر، قرد)، bosseln (أي دمغ، قولب)، erkleklich (أي ضخم). ينبغي أن نقتصد في الكلمات؛ إذ إن تضخيم حجم الكتاب سيجعل البحث عن الكلمات صعبًا وثمن الكتاب باهظًا. وبخصوص الكلمات المألوفة لدى التلميذ، يجب أن يكون

القاموس مستوعبًا لتلك الكلمات قدر الإمكان، وذلك لعدة أسباب، من أهمها: أن التلميذ إذا تكرر

عدم عثوره على الكلمات التي يبحث عنها، سيصبح غير واثق بجدوى ما يقوم به، مما سيؤدي إلى عدم رجوعه إلى القاموس مطلقًا. 2) لا يكون شيوع الكلمة مانعًا من أن تدرج في القاموس، وذلك لأنني رأيت كلمة wo (أي أين، حيث) تكتب ب h التي تدل على مد حرف العلة، وكلمة was (أي ما) رأيتها تكتب ب ss.

3) ينبغي إدراج الكلمات المُرَكَّبة في القاموس إذا كان صعبًا أن يدرك التلميذ أنها مركبة، أو إذا كان

البحث عن الكلمات الأساسية [Stammwörter] قد يؤدي إلى أخطاء. 4) تُدرج الكلمات الأجنبية إذا كانت مستعملة عمومًا. وينبغي ترجمتها إلى الألمانية إذا لم تكن ثقيلة وإذا لم تكن الترجمة أقل وضوحًا من الكلمة الأجنبية نفسها. 5) يجب إدراج اللهجات إذا كانت مقبولة في اللغة المتعلمة [Sprache gebildete die]، نحو Heferl (Häferl، أي قدح، القِدره)، Packel (طرد صغير)، Lacke (بِرْكة صغيرة.) في بعض الأحوال، يصعب تحديد ما إذا كان ينبغي إدراج كلمة ما في القاموس. ولكن ما هو أصعب من ذلك هو الأسئلة التي تنشأ بخصوص ترتيب الكلمات في القاموس. هنا قد يتعارض بعض المبادئ الضرورية مع بعضها الآخر إضافةً إلى مبدأ الترتيب الألفبائي. ويُرجح مبدأ على مبدأ آخر في كل حالة؛ وفقًا لرؤية المؤلف الذاتية. من هذه المبادئ، مثلً، أن تُجمع الكلمات المشتقة وتسرد بعد الكلمة الأساسية، أي تعتمد الكلمة الأساس مفتاحًا، وتسرد الكلمات الأخرى بعد الكلمة المفتاحية على السطر نفسه أو السطور التي تحتها. وفي الحالة الأخيرة، تُتْرَك مسافة فارغة في بداية السطور.

ولكن هذا المبدأ يتعارض مع مبدأ مراعاة الترتيب الألفبائي. كيف نرتب مثلًالكلمات التالية: Altar (مذبح الكنيسة)، Alter (السن، العمر)، Altertum (العصور القديمة)، altertümlich (قديمة جدًا)؟ لنا أن نعتمد مبدأ الترتيب الألفبائي، ولكن عيب هذا الترتيب يكمن في أن كلمة alt وكلمة Alter اللتين ينبغي أن تُذكرا معًا، سيتم الفصل بينهما بكلمة مختلفة المعنى. ولكن الحاجة إلى الاقتصاد في حجم الكتاب تجعل جمع الكلمات ذات الصلة، أمرًا محمودًا. بيد أن إعمال هذا المبدأ يتطلب كذلك أن

تذكر كلمة Altertum وكلمة altertümlich بعد كلمة alt، أي، يجب تقديمهما على كلمة Altar. غير أن هذا الترتيب سيبدو غير طبيعي، وسيصبح البحث عن المشتقات المعقدة عسيرًا جدًا. ولذا، في هذه

الحالة، قمتُ بترتيب الكلمات على هذا النحو:

alt , das Alter der Altar D [d] as Altertum , altertümlich etc.

لقد ذكرتُ هذا المثال لأنه يظهر كيف أن ترتيب الكلمات يعتمد على مبادئ عديدة. وكثيرًا ما يصعب

تبرير لماذا نرجح مبدأ على مبدأ آخر. قد ينصح البعض ألا يُعتمد سوى مبدأ الترتيب الألفبائي مبدأ حاكمًا (وهو ما جرى عليه قاموس ڤايده Weide على سبيل المثال). ولكن إذا أدّى اعتماد مبدأ الترتيب الألفبائي إلى إدراج كلمة غير متجانسة بين كلمتين ذات صلة، فسيتطلب هذا الترتيبُ، بحسب رأيي،

قدرةً تجريديةً تفوق قدرة الطفل. ولذلك رجّحنا مَبْدأي مراعاة فهم الكلمات وضرورة الاقتصاد في

حجم الكتاب، فلا يستحسن اعتماد مبدأ الترتيب الألفبائي في كل الأحوال. وبالقدر نفسه من الأهمية،

إن التمسك بمبدأ دوغمائي قد يؤدي إلى ترتيب لا يخدم غرضنا، ومن ثم يكون إهماله أولى، حتى لو كان هذا سيجعل عمل المؤلف أسهل. بل إن الأولى هو البحث عن الحل الأنسب لكل حالة. ففي بعض الحالات، قد يؤدي إدراج كلمة مشتقة بعد الكلمة الأساس إلى وقوع لَبْس، بينما في حالات

أخرى لا نجد هذا الاحتمال. في بعض الأحوال، لا تستعمل الكلمة الأساس عمومًا، رغم أن الكلمة

المشتقة منها مستعملة بكثرة. ففي هذه الحالة ينصح بتقديم الكلمة المشتقة على الكلمة الأساس. في بعض الأحوال ينبغي وضع مجموعة من الكلمات بجانب الكلمة المفتاحية التي توضح معنى الكلمة وتمنع سوء الفهم. وفي أحوال أخرى، يكون هذا غير ضروري، أي ليس ثمة حاجة إلى تبرير اختياراتي في ترتيب حالات كثيرة أخرى. في كل حالة، تأملت طويلً في أنسب طريقة لجمع الكلمات، ودائمًا

كانت المبادئ النفسية (أين سيبحث التلميذ عن الكلمة، وكيف يحمى الأستاذُ التلميذَ من اللبس على أفضل وجه) تتعارض مع مبادئ نحوية (الكلمة الأساس، الكلمة المشتقة) ومراعاة الاستفادة الطباعية من الصفحة، والمظهر المنظم للصفحة المطبوعة. ولذلك فإن الناقد السطحي لن يرى إلا ما يبدو له أنه نتائج اعتباطية في كل مكان، إلا أن هذه النتائج نتجت من محاولة التوفيق بين وجهات نظر ضرورية. إضافة إلى التأكيد على الكلمات المفتاحية، استعملت الخط العريض [Fettdruck] للكلمات أو للحروف التي أردت إظهارها. ولن يصعب إدراك السبب وراء كل حالة. وهنا أيضًا لم يكن مستحسَنًا أن

نعتمد مبدأ واحدًا لتحديد الكلمات التي ستظهر بالخط العريض (نحو هل نطبع كل الكلمات الأساس بالخط العريض، من دون المشتقات؟). لقد اعتبَرتُ أنّ الحرف ß مثل صوت s بسيط حين يكون الترتيب الألفبائي هو المحدد. وقد بدا لي

الترتيب المألوف حيث يأتي بعد ss غير طبيعي في كثير من الأحوال. كما يتبين أنه قد يجعل البحث عن الكلمات أصعب على التلاميذ، مثل ما يكون الحال عندما ندرج بين كلمة aus [أي خارج، من الخارج] وكلمة aussen [أي الخارج، في الخارج] الكلمات التالية: ausgiebig [أي شاسع، غني]، Auskunft [أي معلومات]، Ausnahme [أي استثناء]. يقرأ التلميذ aus ولكن لا يجد شيئًا تحت ause، فيظن حينها: «إذن، أعرف كيف تكتب كلمة ausen ». لا يمكن أن ننكر أن ترتيبي ينتج بعض المجموعات غير العادية، إذ، وفقًا لقواعد الإملاء الحالية، يستعمل حرف ß ل sz و ß لكليهما. وفي كلتا الحالتين يأخذ الحرف ß موقعًا مختلفًا في الترتيب الألفبائي. دعني أقلْ شيئًا عن إضافة أداة التعريف قبل كل مفردة. أرى أن هذا يساعد على الفهم ويمنع الأخطاء. لقد أضفت أداة التعريف قبل كل اسم (باستثناء بعض المركبات)؛ إذ إن أداة التعريف هي علامة على الاسم. إن وضع أداة التعريف بعد الاسم قد يجعل التلميذ لا ينتبه إليه أو يظنه، على نحو خاطئ، متعلقًا بالكلمة التي بعدها. لا أرى أن ترتيب الكلمات في القائمة قد تأثر بهذا الترتيب الجديد. أتَرتالُ1925/4/22 المؤلف».

(118) "Gleitwort zum Wörterbuch für Volksschulen," in: Wittgenstein, Wörterbuch für Volksschulen , pp. 25–30, 31–35.

References

المراجع

العربية

إسلام، عزمي. لدڤيج ڤتجنشتين. نوابغ الفكر الغربي 19. القاهرة: دار المعارف بمصر،.1967 فتغنشتاين، لودفيك. تحقيقات فلسفية. ترجمة عبد  الرزاق بنور. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

_______. في اليقين. ترجمة مروان محمود. بغداد/ بيروت: دار الرافدين،.2020

الأجنبية

Abel, Günter, Matthias Kroß & Michael Nedo (eds.). Ludwig Wittgenstein: Ingenieur – Philosoph – Künstler. Berlin: Parerga Verlag, 2007. Birk, Andrea. Vom Verschwinden des Subjekts: Eine Historisch–Systematische Untersuchung zur Solipsismusproblematik bei Wittgenstein. Paderborn: Mentis, 2006. Engelmann, Paul (ed.). Letters from Ludwig Wittgenstein. With a Memoir , L. Furtmüller (trans.). Oxford: Basil Blackwell, 1967. Fann, K.T. (ed.). Ludwig Wittgenstein: The Man and His Philosophy. Atlantic Highlands: Humanities Press, 1967. Fitzgerald, Michael. Autism and Creativity: Is There a Link between Autism in Men and Exceptional Ability? New York: Routledge, 2004. Friesen, Norm. "Training and Abrichtung: Wittgenstein as a Tragic Philosopher of Education." Educational Philosophy and Theory. vol. 49, no. 1 (2017). Gebauer, Gunter. Wittgensteins Anthropologisches Denken. München: C. H. Beck, 2009. Hänsel, Ludwig. Begegnungen mit Wittgenstein: Ludwig Hänsels Tagebücher 1918/1919 und 1921/1922 , Ilse Somavilla (ed.). Innsbruck: Haymon Verlag, 2012. Hargrove, Eugene C. "Wittgenstein, Bartley, and the Glöckel School Reform." Journal of the History of Philosophy. vol. 18, no. 4 (October 1980). Leinfellner, Elisabeth & Sascha Windholz. Ludwig Wittgenstein: ein Volksschullehrer in Niederösterreich. Erfurt: Sutton, 2005. Medina, José. The Unity of Wittgenstein’s Philosophy: Necessity, Intelligibility, and Normativity. Albany: State University of New York Press, 2002. Menger, Karl. Reminiscences of the Vienna Circle and the Mathematical Colloquium. Louise Golland, Brian McGuinness & Abe Sklar (eds.). Vienna Circle Collection. v. 20. Dordrecht: Boston: Kluwer Academic Publishers, 1994. Misak, Cheryl. Frank Ramsey: A Sheer Excess of Powers. Oxford: Oxford University Press, 2020. Monk, Ray. Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius. New York: Penguin Books, 1991. Oberdan, Thomas. "Moritz Schlick." Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive. 28/5/2013. at: https://stanford.io/3etPfDe

Peters, Michael & Jeff Stickney (eds.). A Companion to Wittgenstein on Education: Pedagogical Investigations. New York: Springer Singapore, 2017. _______. Wittgenstein’s Education: ‘A Picture Held Us Captive’. Singapore: Springer Singapore, 2018. _______. "Philosophy as Pedagogy: Wittgenstein’s Styles of Thinking." Radical Pedagogy. vol. 3, no. 3 (2001). at: https://bit.ly/36M1Opf. Ramharter, Esther. (ed.). Ungesellige Geselligkeiten: Wittgensteins Umgang mit anderen Denkern/Unsocial Sociabilities: Wittgenstein’s Sources. Berlin: Parerga Verlag, 2011. Rhees, Rush (ed.). Recollections of Wittgenstein: Hermine Wittgenstein, Fania Pascal, F.R. Leavis, John King, M. O’C. Drury. Oxford/ New York: Oxford University Press, Rusinow, Dennison I. "Otto Glöckel and School Reform in Austria." Europe. no. 35 Savickey, Beth. Wittgenstein’s Art of Investigation. London/ New York: Routledge, Sen, Amartya. "Sraffa, Wittgenstein, and Gramsci." Journal of Economic Literature. vol. 41, no. 4 (December 2003). Soles, Deborah H. "Some Ways of Going Wrong: On Mistakes in On Certainty." Philosophy and Phenomenological Research. vol. 42, no. 4 (June 1982). Weber, Désirée. "A Pedagogic Reading of Wittgenstein’s Life and Later Works." Journal of Philosophy of Education. vol. 53, no. 4 (November 2019). Wittgenstein, Ludwig. Culture and Value , Georg Henrik von Wright (ed.). Chicago: Chicago University Press, 1984. _______. On Certainty , G.E.M. Anscombe & G.H. von Wright (eds.). Oxford: Blackwell, 1969. _______. Remarks on the Foundations of Mathematics. Georg Henrik von Wright (ed.). Cambridge: MIT Press, 1996. _______. Tractatus logico–philosophicus/Logisch–philosophische Abhandlung. 36 th ed. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2016. _______. Wörterbuch für Volksschulen. Adolf Hübner, Elisabeth Leinfellner &Werner Leinfellner (eds.). Wien: Verlag Hölder–Pichler–Tempsky, 1977. _______. Wörterbuch für Volksschulen. Vienna: Hölder–Pichler–Tempsky, 1926. _______. Zettel , G.E.M Anscombe & G.H. von Wright (eds.). Berkeley: University of California Press, 2007. Wright, Georg Henrik von. "Ludwig Wittgenstein: A Biographical Sketch." The Philosophical Review. vol. 64, no. 4 (October 1955). Wünsche, Konrad. Der Volksschullehrer Ludwig Wittgenstein: Mit neuen Dokumenten und Briefen aus den Jahren 1919 bis 1926. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1985.