العودة إلى تفاصيل المؤلَّف النظر في الدين مع فتغنشتاين

النظر في الدين مع فتغنشتاين

Thinking about Religion through Wittgenstein

طلال أسد *

Talal Asad *

ترجمة: حجاج أبو جبر **

Translated by Hajjaj Abu Jabr **

الملخّص

تستعين هذه الدراسة بفلسفة فتغنشتاين للنظر في الدين وتوضيح بعض جوانبه، وهي استكشاف للتقاطب بين الاعتقاد والممارسة، ومحاولة لإعادة تأطير ذلك التقاطب باعتباره عمليتين متشابكتين من الكينونة والتعلم. وتسعى الدراسة إلى مقاربة الإقناعية، وهي مسألة قديمة تتعلق بالإيمان والنقد الفعال، وبخاصة الإيمان بالله، وبوجود "عالم آخر". ثم تحاول تطبيق رؤى فتغنشتاين على خلافات أساسية في التقليد الخطابي الإسلامي حول الفهم الصحيح لصفات الله وأسمائه المتعارضة في ظاهرها. وفي النهاية، تتناول الدراسة ما يسميه فتغنشتاين "الرغبة في التعميم"، ومن ثم الدور الذي يؤديه التجريد في القوة التقدمية الدافعة لشكل حياتنا العلماني الرأسمالي.

Abstract

Abstract: This essay is an attempt at thinking through Wittgenstein’s philosophy in order to clarify some aspects of what people call "religion." Central to it is an exploration of the polarity between belief and practice, and an attempt to reframe that polarity in terms of the mutually interconnected processes of being and learning. It seeks to address the old question of persuadibility, of what makes for conviction and effective critique, particularly in relation to faith in God and in ‘another world.’ It then attempts to apply Wittgenstein’s insights to fundamental disagreements in the Islamic tradition over the proper understanding of apparently contradictory representations of God in the Qur’an. Finally, it takes up the question of what Wittgenstein called "the craving for generality," and thus the part abstraction plays in the progressive thrust of our secular, capitalist form of life.

الكلمات المفتاحية:
  • الأسباب الدينية
  • التقليد
  • الممارسة
  • التجريد
  • العلماني
Keywords:
  • Religious Reasons
  • Tradition
  • Practice
  • Abstraction
  • the Secular

استكشاف للتقاطب بين الاعتقاد والممارسة، ومحاولة لإعادة تأطير ذلك التقاطب باعتباره

عمليتين متشابكتين من الكينونة والتعلم. وتسعى الدراسة إلى مقاربة الإقناعية، وهي مسألة

قديمة تتعلق بالإيمان والنقد الفعال، وبخاصة الإيمان بالله، وبوجود «عالم آخر». ثم تحاول

تطبيق رؤى فتغنشتاين على خ فااات أساسية في التقليد الخطابي الإس مااي حول الفهم

الصحيح لصفات الله وأسمائه المتعارضة في ظاهرها. وفي النهاية، تتناول الدراسة ما يسميه

فتغنشتاين «الرغبة في التعميم»، ومن ثم الدور الذي يؤديه التجريد في القوة التقدمية الدافعة

لشكل حياتنا العلماني الرأسمالي.

مقدمة

أسعى في هذه الدراسة إلى النظر في الدين مع لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889)، وليست غايتي عرض رؤيته في الدين، بل الاستعانة بفلسفته في توضيح بعض الأفكار عن الدين نفسه. وبالطبع، لا أسعى إلى وضع تعريف جامع لكلمة «الدين» (ولا لكلمة «العلماني»)، بل إن استعمالي لكلمة «الدين»، على نهج فتغنشتاين، يَفترضُ أنه ليس من الضروري دومًا وضع تعريفات لتوضيح المفاهيم؛ لأن النحو كفيلٌ بذلك، وهكذا تتغير معاني الكلمات، ومنها

كلمة «الدين»، مثلما تتغير ممارسات الحياة العادية. أنطلق في هذه الدراسة من تعليقات نقدية ساقها فتغنشتاين حول كتاب جيمز فريزر Frazer James (1854–1941) الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدين. وتُمثل هذه التعليقات لحظة بالغة الأهمية في تطور تأملاته الفلسفية اللاحقة، في الاعتماد المتبادل بين اللغة والكينونة. لقد تعلمتُ من فتغنشتاين ضرورة إدراك قصور اللغة عن فهم العالم، بل ذوبان اللغة نفسها في السلوك اليومي، حيث تنساب الحياة المشتركة في مسالك معتادة. ولا أعني بذلك أن المسالك المعتادة ممارسات آلية، فإذا ما أتقن فنان متمرس عَزْف مقطوعةٍ موسيقية، وصار يعزفها من دون قراءة المدونة الموسيقية، عندئذٍ تكون العلامات اللغوية قد ذابت في ممارسة متجسدة Practice Embodied. ليست الممارسة المتجسدة فعلً آليًّا، بل تنتهي إلى مقدرة مكتسبة على الفعل بطريقة معينة. إنها قدرة كامنة، وقدرة على فعل شيء

معين قد تعلم المرء فعله، وقدرة النفس البشرية على تعلم استعمال اللغة. تنطوي فلسفة فتغنشتاين على أهمية بالغة للجهود الأنثروبولوجية الرامية إلى فهم أشكال غير مألوفة من أشكال الحياة Forms Life باتباع الملُاحظة المُشارِكة Participant–Observation؛ أي ملاحظة كل

ما يصدر عن جماعة معينة، ومشاركتها حياتها؛ بُغية الاستيعاب التاملأشكال حياتهم، فليست الملاحظة

المُشارِكة مجرد منهجية مميزة لحقل أكاديمي معين، بل هي جوهر كل تعلم.ُّ يدرك فتغنشتاين، بالطبع، أهمية العلامات ومعاني الكلمات في التعلم بمساعدة أناس آخرين، لكنه

(((عمد المترجم، في النصوص التي يقتبسها المؤلف من كتب فتغنشتاين، إلى العودة إلى الترجمات العربية لهذه الكتب، وأخذ النصوص المقتبسة منها. ومن ثم، ستكون الإحالة، في أول مرة يقتبس منها المؤلف من كتاب لفتغنشتاين بعينه، بإيراد الطبعة الإنكليزية التي اعتمدها، ثم الترجمة العربية للكتاب، ولاحقًا، لن يُذكر في الإحالة إلى هذا الكتاب نفسه إلا الترجمة العربية

للكتاب. وهكذا، مع سائر كتب فتغنشتاين التي رجع إليها المؤلف. (((عارض فتغنشتاين الافتراض بأن التعريفات ضرورية لفهم معنى الألفاظ قائلً: «فأنا حينما أذكر الوصف التالي: ‘كانت الأرض

مغطاة تمامًا بالنبات’، هل تريد القول: إنني لا أعرف ما الذي أتكلم عنه، حتى يكون في مستطاعي أن أذكر تعريفًا للنبات؟.»

. ويُنظَر الترجمة العربية في Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations , (Oxford: Basil Blackwell, 1953), § 70

لودفيغ فتغنشتاين، بحوث فلسفية، ترجمة عزمي إسلام (الكويت: جامعة الكويت، 1990)، فقرة.70

(3) Ludwig Wittgenstein, Remarks on Frazer’s Golden Bough , Rush Rhees (ed.) (Retford, Nottinghamshire: Brynmill Press, 1979);

ويُنظر الترجمة العربية في: لودفيغ فتغنشتاين، «ملاحظات حول الغصن الذهبي لفرايزر»، في: في الأخلاق والدين والسحر، ترجمة

حسن احجيج (القاهرة: مصر العربية للنشر والتوزيع،.)2019 (المترجم)

(4) Ludwig Wittgenstein, Philosophical Remarks)Oxford: Blackwell, 1975(, p. 54.

يُبيّن الخطأ في البحث عن المعاني باعتبارها متخفية في كلمات أو إشارات أو إيماءات؛ وذلك لأن

المعاني متجسدة في الممارسة. ثم إنه يبيّن أنّ تلك العلامات سرعان ما تختفي عند إتقان شكل من

الحياة وممارسته، وعند ذوبان الممارسة في الحياة اليومية، المعتادة والعادية. وهذه طريقة للنظر في الإقناعية Persuadability بوصفها عملية تعلملُّ وإعادة تعم في نطاق مكاني وزماني. بيد أن ديفيد هيوم Hume David (1776–1711) أخبرنا منذ زمن بعيد أن العادة واقتران العادة يقنعان المرء بأن أشياء بعينها لا بد من أن تكون حقيقة. كان هيوم، بالطبع، يتحدث عن أسباب الإيمان Causes حتى يقارنها بعلله Reasons، لكن عندما يتعلق الأمر بالعبادات والمعاملات المترسخة، فإن اهتمامنا لا ينصبّ على

سبب الإيمان ولا على ما يدل على صدقه، بل على القدرة على عيش شكل مميز من الحياة. يبدو لي أن الإيمان الديني يشغل مكانةً أنموذجيةً في فهمنا العلماني للإقناع بوجه عام، ولِما نُبديه من قبول أو معارضة للتحول عن «الخرافة المحضة» (التقاليد أو العادات)، في سبيل الانتقال إلى

«الحقيقة» بالاحتكام إلى العقل بدلً من العاطفة. بعد استعراض موجز لمشكلة الإقناع، أحاول أن أطبِّق

بعض رؤى فتغنشتاين على جدل تاريخي حول مقاربات مختلفة لما يبدو ظاهرُه تعارضًا في القرآن

داخل مجال التداول الإسلامي. ومع أنني أتناول رؤى جماعتين صَن فهما المستشرقون إلى «عقلانيين» و«تقليديين» Traditionalists and Rationalist، فإنني لا أتناول هذه الرؤى، في الأساس، بوصفها رؤى صادرة عن شخصيات تاريخية معينة (مع أنني أستشهد بأحدهم استشهادًا مُطولً)، بل بوصفها رؤى متقابلة تساعدني على عرض رؤيتي. وأريد أن أؤكد أيضًا أنني ما دُمت أتعامل هنا، في الأساس، مع التقليد الخطابي الإسلامي الذي أنتمي إليه، فإنني باحث أنثروبولوجيٌ ودليلٌ للباحث معًا،

فلا أقتصر على الإخبار عن موضوع يحظى باهتمام عام من المهتمين بما أقول في التقليد الخطابي إسلامي، بل أستكشف وأفهم لنفسي ما قد يعنيه التقليد الخطابي، وهذا يعني أنني أتحدث أحيانًا من الداخل والخارج معًا، لأن الاثنين لا يمكن فصلهما دومًا، حتى إنْ كان فصلهما مرجوًّا. أبدى فتغنشتاين عدم ارتياح بالغًا لما ساقه جيمز فريزر من تفسير للممارسات الدينية (الشعائر فيما يتعلق بأصلها المفترض)، واعترض تحديدًا على توسيع فريزر لأحكام الصحة والخطأ، وأحكام المفيد وغير المفيد Nonsense and Sense، من نطاق قضايا تكون فيها تلك الأحكام مناسبة، إلى مواقف لا تكون فيها مناسبة. بالطبع، ثمة خطأ وخداع في كل شُعَب الحياة، لكن الممارسة الدينية لا تقوم بالضرورة على نظرية خاطئة عن العالم؛ بل إنها في المقام الأول والأخير طريقة الكينونة في العالم. هذه القراءة النقدية التي يقدّمها فتغنشتاين لتفسيرات فريزر، تمثّل لحظة في تطور مراجعته للطريقة التي نتصور بها العالمَ أنه مجموعة من الأشياء، واللغةَ أنها في جوهرها وسيلة لتمثيل تلك الأشياء. ولذا، يؤكد

(5) David Hume, An Enquiry Concerning Human Understanding , Peter Millican (ed.) (Oxford: Oxford University Press, 2007).

يهاجم هيوم أيضا هنا سلطة الخبرة Experience بالمعنى الكلاسيكي الذي تلاشى تدريجيًّا بداية من القرن السابع عشر ليحل محله

سلطة التجربة العلمية Experiment. (((يستعمل طلال أسد في هذا المقال مفهومًا أساسيًا قد وضعه وناقشه في أعماله السابقة، هو: tradition discursive Islamic،

ويشير المفهوم إلى تقاليد خِطابية حية تنتقل من جيل إلى جيل، وتجمع بين الثبات والمرونة، وتستوجب النظر الدائم. (المترجم)

فتغنشتاين أن اللغة ليست شيئًا محاذيًا أو غير محاذٍ للعالم («مجموع الحقائق» Facts of Totality)، بل اللغة جزء من الوسائل المركبة غير المُحددة التي يسكن بها الناس العالم، ويشكِّلون بها حياتهم ويُعيدون بها تشكيلها. إن استعمال فتغنشتاين لمصطلح «شكل حياة» Life of Form، لا يشير بالضرورة إلى ما يُطلق عليه علماء الأنثروبولوجيا «ثقافة كاملة» Culture Entire An، بل يشير إلى أي طريقة مميزة للحديث والسلوك والتفكير والتفاعل. أن نفهم السلوك باعتباره شكلَ حياة، يعني فهم الطريقة التي تُعبّر بها

لغةٌ ما عن طابعها البشري المميز، وتُحدد معالمه الفارقة، وتُشكِّله. ويَعلمُ الباحثون الأنثروبولوجيون

الذين أنجزوا أبحاثًا ميدانية في مجتمع غريب أن ترجمة مفاهيم لُغةٍ مُعينةٍ إلى لغة أخرى تنطوي على صعوبة في أغلب الأحيان، وعلى نقصان في كل الأحيان، والسبب الرئيس هو أن اللغة والحياة في ارتباط مُعقد غير قابل للانفصام. ولذا، فإنني غالبًا ما أشير إلى الجسد الذي يسكن اللغة بأنه «الجسد

المهتدي بالشعور» Body Sensible (في تأكيد على الأعمال الجامعة للعقل والعاطفة)، أو بأنه «الجسد المهتدي بالروح» Body Ensouled (في تأكيد على القدرة الكامنة على تعلم.ُّ شكل من أشكال الحياة) يجدر بنا هنا أن نشير إلى برونيسالف مالينوفسكي Malinowski Bronislaw (1942–1884)، وهو مُهاجر بولندي أثّر في الأنثروبولوجيا البريطانية، وطوّر مفهومًا جديدًا ومثمرًا في النقاشات

الأنثروبولوجية عن اللغة؛ هو «الميثاق الأسطوري» Mythic Charter. ذهب مالينوفسكي إلى أن الأساطير ليست حكايات طفولية من الماضي، بل هي سرديات تُبرر المواقف الاجتماعية والمؤسسات في الحاضر. وقد طبّق هذه المقاربة الأداتية Approach Instrumentalist، لاحقًا، أنثروبولوجيون

على سرديات أخرى في المجتمعات القبَليّة، مثل سرديات الأصل والجذور Genealogies. ثم جاء

الفيلسوف والباحث الأنثروبولوجي إرنست غلنر Gellner Ernest (1995–1929) بخطاب سجالي؛ ليقول إن أصل المقاربة الأداتية للمعنى عند فتغنشتاين («لا تنشغل بالمعنى، بل انشغل بالاستعمال») لا يعود إليه، بل إلى مالينوفسكي. وليس هنالك من دليل على أن فتغنشتاين كان على دراية بأعمال مالينوفسكي، لكن هجوم غلنر عليه يوضح مدى سهولة أن نستخف بمقولة فتغنشتاين؛ وذلك لأن فلسفته لا تقتصر على القول إن المعنى يحدده الاستعمال (ومن ثم تعميم تفسير مالينوفسكي للأسطورة)، بل تشمل الطرق المتعددة التي يتطلب فيها استعمال اللغة من جانب المُرسِل والمُرسَل

إليه البحثَ في علاقات معقدة تربط الخطاب بالحياة عبر فكرة «النحو» Grammar. ويبدو لي أن الفرق الأساسي في فلسفة فتغنشتاين هو بين الكلمات والعبارات والخطابات غير المألوفة أو العصية

(((يقول فتغنشتاين: «ولأنْ نتخيل لغة ما، معناه أننا نتخيل صورة حياة». ينظر: فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.19 (((«تقوم الأسطورة في الثقافة البدائية بوظيفة ضرورية؛ إنها تعبر عن الإيمان وتُرسخه وتُنظمه؛ إنها تحرس الأخلاق وتعززها؛ إنها

تضمن كفاءة الطقوس، وتحوي قواعد عملية لهداية الإنسان. ولذا، فإن الأسطورة مُكونٌ حيوي من مكونات الحضارة البشرية؛ إنها

ليست حكاية فارغة، بل قوة فاعلة متقنة؛ إنها ليست تفسيرًا فكريًّا أو تصويرًا فنيًّا، بل هي ميثاق عملي للإيمان والحكمة الأخلاقية

البدائية». ينظر:

Bronislaw Malinowski, "Myth in Primitive Psychology," in: Bronislaw Malinowski, Magic, Science and Religion and other Essays (New York: Doubleday Anchor Books, 1948), p. 101.

على الفهم من جهة، وبين الكلمات والعبارات والخطابات التي لا تتطلب تفسيرًا، ولا تأويلً،

ولا شكًّا؛ لأن تركيبها قد استحال إلى شكل من أشكال الحياة، ولذا فهي تتطلب فهمًا مناسبًا، واستجابة

ملائمة لاستعمالها. استعمل فتغنشتاين مصطلح «النحو»، بمعنى أشمل وأكثر مرونة من المعنى المعروف الذي يشير إلى قواعد تركيب الجملة، والتذكير والتأنيث، والصيغ النحوية، وبناء الجُمل، وما إلى ذلك)، بحيث يتجاوز مفهوم الحقائق، ويعتني باستعمالات الظواهر. بل إن مصطلح «النحو»، كما يرى فتغنشتاين، ليس له معنى ثابت على الدوام، وتتعدد استعمالاته في مواضع مختلفة ضمن ارتباطات يُسميها «تشابهات أسريةُ » Resemblances Family، ومن ثم فإن القياس Analogical Reasoning، في مقابل منطق الاستنباط Logic Deductive، هو الذي يُسهِّل الاتساعات المثمرة للمعنى. تتسم كلمة «المعنى» نفسها بتركيب معقد؛ لأنها تظهر في مجالات مختلفة من الحياة، ومن ثم جازَ الالتباس عندما يحاول المرء وضع نظرية للمعنى أو وضع تعريف جامع مانع لها. فلا يرى فتغنشتاين أن ثمة معيارًا فريدًا لتحديد المعاني جميعها؛ ذلك لأن كلمة «معنى» نفسها ليس لها معنى دائم وثابت. ولذا، يساعدنا تركيب الكلام على فهم الطرق المختلفة التي تكشف عن قدرة الكلمات على التعبير عن معنى في أشكال معينة من الحياة أو عجزها عن ذلك. فلا ينشغل فتغنشتاين بطرق تحديد «المعنى»، بل ينشغل بالإمكانيات، ثم بالطريقة التي يصبح بها شيءٌ ما مفهومًا، ومستعملً في مقام ما. هكذا، على العكس مما كان يراه في اللغة في كتابه رسالة منطقية فلسفية، يعرض فتغنشتاين صورةً لمدينة قد نمت نموًا متباينًا بمرور الزمن، ولا يقتصر تباينها على طريقة استعمال الناس لها، بل يمتد إلى طريقة السكن فيها ومعايشتها. بالطبع، تدل الكلمات على معانٍ، لكن ليس هذا كل ما تفعله الكلمات. إن تشبيه اللغة بمدينة يؤكد أن الأبنية المادية والكلمات تتغير وفق أغراض مختلفة عندما تتغير أحوال الحياة (أو المدينة النامية)، وأن اللغة، مثل أي مدينة حيّة، لن تكتمل أبدًا؛ فليست اللغة شيئًا واحدًا محددًا، بل هي ممارسات لانهائية في أزمنة وأماكن مختلفة تعمل رويدًا رويدًا على إزاحة حدود المعنى الممكن.

(9) Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico–Philosophicus (London: Routledge; Kegan Paul, 1922);

يُنظر الترجمة العربية في: لدفيج فتجنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي إسلام (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.)1968 (((1 يقول فتغنشتاين في فقرة شهيرة: «إن لغتنا يمكن اعتبارها أشبه بمدينة قديمة: هي خليط مدهش من شوارع صغيرة وميادين، ومن منازل قديمة وأخرى جديدة، ومن منازل زيدت إليها إضافات في عصور متفاوتة. وهي محاطة بعديد من الضواحي الجديدة

ذات الشوارع المستقيمة المنتظمة، والمنازل المتماثلة». ينظر: فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.18 (((1 الفيلسوف الذي ربما نال شهرة واسعة لتطويره هذه الفكرة وتوضيح أهميتها ببراعة هو جون أوستين. ينظر:

John Austin, How to Do Things with Words, 2 nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 1975).

بيد أن هذا الوعي بعرَضية المعنى Contingency لا يعني أن مفهوم «الجوهر» Essence ليس له مكان

في سعينا لفهم اللغة، بل العكس هو الصواب. يقول فتغنشتاين: «الجوهرُ يُعبِر عنه النحو»، وهو

يؤكد أن «القواعد [النحو] تخبرنا بنوع الموضوع الذي يكون عليه أي شيء»، وأن الموضوعات التي يُعبِّر عنها النحوُ لا تقتصر على الأشياء المحسوسة المحدودة، بل تشمل العادات الاجتماعية،

والأحكام الأخلاقية، والتوجهات، والمشاعر، والأفعال، والمفاهيم التي تُعْرَف بها الموضوعات. إن

الإحاطة بنحو الكلام هو أن تتَعلم قدرةَ الكلمات على الإفادة، أي أنْ تتعَلم قدرةَ الخطابات على الإفادة

في مواقف الحياة. وهو أن تتفاعل مع العالم في اللغة، مِثلَ طفل يتعلمُ أن يتفاعل معها ويعيش فيها. ومع التعلم المتواصل للغة، والتربية في التقليد الخطابي الذي يُميّز الصواب والخطأ، يكتسب الطفل

مهارة استعمال اللغة، بل أيضًا «ذاته» Self التي يَحملها ويُطوّرها ويُشكلها عبر الحياة. إن الوجود المسبق على الذات، وليس الذات الفردية، هو الذي يصنع الذات؛ فلا تستطيع الذات أن تصنع نفسها لأنها حتى تُشكِّلَ نفسها لا بد من أن تكون موجودة فعليًّا بالقدرة على تصور مقاصدها.

إن الطاقات المطلوبة لصنع الذات ليست متاحة للذات الفردية ابتداءً، بل هي طاقات تظهر في أحداث

ما، غالبًا بطريقة خفية. ولذا، فإن الذات ليست بالضرورة أعرف بنفسها من سواها. والشرط المسبق

للذات هو إمكانية «الجسد المهتدي بالروح»؛ بمعنى القدرة الحيّة على الفعل القصدي في نسيج

الحياة غير المحدودة، والقدرة على امتلاك عالَم – أي لغة – مع آخرين (أنا، وأنت، وهي، وهم)، بوصفهم أشخاصًا في طور الصُنع وإعادة الصُنع. هذه الإمكانية تُعين الفرد على تدبّر مسار الذات

في الأزمنة المتعددة للغة والتقليد الخطابي الذي ينتمي إليه باعتباره سردًا متماسكًا ومترابطًا. فليس في وسع معرفة الذات أن تعتمد على ذاتها وحدها، بل هناك دومًا حاجةٌ إلى ذات أخرى يمكنها تتبّع

أنماطها في خداع الذات والطابع التدميري لرغباتها غير المحكومة. مع ذلك، ما عاد لدينا رغبة في أن نسمي هذه القدرة على خداع النفس والنزعة التدميرية المتبعة للهوى باسم «الروح»، وصِرنا نقول: لا وجود للروح؛ لأن وجودها لا يمكن قياسهفي انفصال عن الجسد وعملياته الفسيولوجية؛ فليست الروح إلا خرافةً سابقةً على عصر العلم الحديث أو مصطلحًا مهجورًا. لكن الروح هي التي

(((1 «وهذا ما يتم التعبير عنه بالسؤال عن ماهية اللغة أو القضية أو الفكر؛ لأننا إذا كنا نحاول أيضًا في هذه الأبحاث أن نفهم ماهية

اللغة – وظيفتها وبنيتها – فليس هذا هو محور ذلك السؤال، لأنه لا يعتبر الماهية شيئًا موجودًا يمكن رؤيته ويصبح مما يمكن

الإحاطة به بنوع من إعادة التنظيم، وإنما يعتبرها شيئًا قائمًا تحت السطح، أي إنها شيء موجود في الداخل، نراه إذا نفذنا إلى باطن

الشيء، ومهمة التحليل هو استخراجه منه (إن الماهية خافية عنّا): هذه هي الصورة التي تتخذها مشكلتنا الآن. ونحن نسأل («ما هي»

اللغة)؟، («ما هي» القضية)؟ وكأن الإجابة عن هذين السؤالين ينبغي ذكرها مرة واحدة وإلى الأبد، وعلى نحو مستقل عن أية خبرة

مقبلة»، ينظر: فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.92 (((1 المرجع نفسه، فقرة 371، 373. وما يلي ذلك يأتي بين قوسين «اللاهوت بوصفه نحوًا» Grammar(as)Theology.

(((1 يعزو القرآن الكريم هذا الوضع إلى ازدواجية الذات: ﴿إِننَّ السَّفْ لَمسَّارَةٌ بِالءُّوِْ﴾ (يوسف: 53)، و«النفس اللوامة»، كما جاء

في سورة القيامة، الآية 2؛ أي الميل إلى تضليل الذات من جهة، والتغلب على ذلك الميل عبر زيادة الوعي بالصواب والخطأ من جهة أخرى. ((1(﴿ولقَدْ خلَقْنَا الِْنْسَانَ ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بهِنَفْسهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إِلَيْهَمِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16). فليس الإيمان الداخلي كافيًا

لتكوين حياة إيمانية، لكن الله وحده يعلم ما في نفس الإنسان. (((1 في اللغة العربية، تشير كلمة «النفس» إلى «الذات» Self، (والشيء نفسه Same)The، و«الروح» Soul.

تساعد الطفل على أن يطور ذاتًا، على أن يتعلم، ليس ما يوجد في العالم، بل الطرق التي يكتسب بها القدرة (أو عدم القدرة) على العيش مع البشر والحيوانات فيه. لم يكن فتغنشتاين مؤمنًا بالمعنى التقليدي لكلمة الإيمان، بل كان مهمومًا بمسألة اليقين Certainty مع أنه لم يتعامل بصورة مباشرة مع مفهوم الاحتمالية Probability (الذاتي والموضوعي)، وهو مفهوم محوري في شكل الحياة الحديث الذي نعيشه. ويحضُرني هنا حديثٌ للنبي محمد عن ثلاث درجات من الإيمان: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه،

وذلك أضعف الإيمان»، ويبدو أن كلمة «الإيمان» تشير هنا إلى درجات اليقين بعالم خارجي، لكنها لا تُستخدم هنا بمعنى إبستيمولوجي، ولا احتمالي، بل بمعنى الاستعداد الفطري Dispositional، وهذا يعني أن «أضعف الإيمان» ليس درجةً دنيا من الإيمان الصحيح، ولا حالة متواترة يمكن تحليلها بالاحتمالات العشوائية Analysis Stochastic؛ بل هو «ضعيف» بسبب عجز الفاعل عن إيقاف شيء يراه خطأ، فلا تنتفي صفة الإيمان لأن ثقة المؤمن تربطه بالعالم الذي لا  بد من أن يحاول العيش فيه. بهذا المعنى، عندما يقول فتغنشتاين «أنا لست رجلً متدينًا، لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من رؤية كل مشكلة من منظور ديني»، فإنه لا يُعلن إيمانه (بالمعنى الحديث للكلمة)، بل يشير إلى استعداد فطري، إلى طريقة وجود في العالم. وإذا ما أخذنا كلامه على محمل الجد، فإن استكشافه لنحو الكلام، بما في ذلك تركيب ألعاب اللغة الدينية وأشكال الحياة الدينية، هو إثراءٌ لفلسفته وحياته الأخلاقية

الخاصة. ومع أن فتغنشتاين مهتمٌ باستعمالات المفاهيم لدى الفلاسفة التحليليين، فإنه لا يفعل ذلك في الغالب من باب الفضول الفلسفي، بل كان شُغله الشاغل طوال حياته هو التعبير عن متطلبات القيم

(((1 لكن الطفل، كما يقول فتغنشتاين، ليس متخصصًا في الميتافيزيقا؛ إذ «لا يتعلم الأطفال أن الكتب موجودة، وأن الكراسي

موجودة، بل يتعلمون أن يُحْضِروا الكتب، وأن يجلسوا على الكراسي، وفي مرحلة لاحقة يُثيرون أسئلة عن وجود الأشياء، ومن بينها:

هل الحصان الأبيض الأحادي القرن موجودٌ حقًّا؟ فأنّى للمرء أن يعلم كيف يبدأ في إقناع نفسه بوجود الحصان الأبيض الأحادي

القرن؟ أنّى للمرء أن يتعلم طريقة تقرير وجود شيء من عدمه؟ لذا، لا بد للمرء من أن يَعلم أن الموضوعات التي يُعلمها للطفل

بالإشارة موجودةٌ. لمَ يجب أن يَعلم المرء أنها موجودة؟ ألا يكفي أن الخبرة لا تثبت العكس لاحقًا؟ لِمَ ينبغي أن تقوم لعبة اللغة

على معرفة مُعينة؟ هل يؤمن الطفل بأن الحليب موجود؟ أو هل يعرفأن اللبن موجود؟ هل القطة تعرفأن الفأر موجود؟». ينظر:

Ludwig Wittgenstein, On Certainty (Oxford: Blackwell, 1969), pp. 476–478.

(التشديدات مضافة من عندي.) (((1 يُذكِّر إيان هاكينج القرّاء بأن «الاحتمالية»، كما ظهرت في الغرب في بواكر العصر الحديث، كانت تتألف من جانبين، أحدهما

ذاتي، والآخر موضوعي: «كان على الاحتمالية أن تعتني بالجانبين عبر تواترات مستقرة ودرجات الإيمان. إنها، فيما يبدو لي، عشوائية وإبستيمولوجية معًا». ينظر:

Ian Hacking, The Emergence of Probability (Cambridge: Cambridge University Press, 1975), p. 10.

((1(يرد هذا الحديث في صحيح البخاري، وعادةً ما يتعلم الأطفال السلطة التداولية لهذا الحديث (والسلطة التداولية لغيره من

الأحاديث) أول مرة بسماع روايته من أحد البالغين الذين يعرفونهم، كما سمعته عندما كنت طفلً، ثم يحاولون فهمه وتجسيده بطريقة

عملية. (((2 هذا النهج في التفكير يتضح في مذهب الإمام أبي حنيفة، ومفاده أنّ المسلم الذي يُعلن الشهادة لا تنتفي عنه صفة الإيمان

مهما أتى من آثام، ولذا لا يمكن تكفيره، فالحكم على الإخلاص في الإيمان لا يجوز إلا لله.

الأخلاقية والعيش وفقها، وهي مسألة اعتبرها محورية في الدين، لكن من الصعب الاهتمام بها في العصر الحديث. بالطبع، كان فتغنشتاين يُكِن احترامًا للمعرفة العلمية، لكنه استهجن التأثير الأخلاقي الذي تمارسه

أيديولوجيا العلم في الفلسفة، بل في الحياة الحديثة بأسرها. هذه المسألة عبر عنها ببراعةٍ جورج

هنريك فون رايت Wright von Henrik Georg قائلً: «الميتافيزيقا التي يحاربها فتغنشتاين ليست ميتافيزيقا متأصلة في العقيدة، بل ميتافيزيقا متأصلة في العلم، إنه يحارب التأثير التعتيمي في التفكير، ليس تأثير الآثار الباقية من ثقافة ميتة، بل التأثير الناجم عن عادات ثقافة حيّة». إن العلم الذي

يشير إليه فون رايت هو نفسه تشكيل أيديولوجي Construct Ideological يُضفي الشرعية على السياسات السياسية والاقتصادية، ويتحكم في تعريفاتها لكلمة «الدين»، فليس العلم حقلً بحثيًّا

واحدًا، بل إن أشكال الاستدلال والممارسات المستخدمة في المراكمة الممنهجة للمعرفة في علم المحيطات، وعلم المناخ، وعلم طبقات الأرض، وعلوم الصحة، و«العلوم الاجتماعية»، تختلف عن أشكال الاستدلال والممارسات المستخدمة في علم الطبيعة الفلكية أو الفيزياء دون الذرية. ولمّا كان هناك ارتباط وثيق بين «المعرفة العلمية» و«التطور التكنولوجي»، فإن وجهة البحث وتقنياته تتشكل في الغالب بمصالح المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة التي تحسب أهمية البحث بما يخدم مصالحها، وتُموله أو تسحب التمويل وفق هذه المصالح. بعبارة أخرى، تخضع العلوم لأنواع مختلفة من الحساب، والتدخل، والتوجيه، الداخلي والخارجي على السواء. فليس هنالك من جماعةٍ علمية لها أن تتخذ قرارها وحدها في هذه الأمور، مع أن هناك مشروعات علمية مختلفة. إن من أتقنوا ممارسات جماعتهم العلمية، ومن يعرفون النموذج الذي ينبغي اتباعه، هم من لهم سلطة الكلام باسمها، وهذا يعني أن النظرة الشائعة إلى «العالِم» على أنه إنسانٌ نقدي يبحث عن الحقيقة في تجرد أصيل ليست إلا أيديولوجيا سخيفة. ولذا، ربما كان من الأفضل أن يقول فون رايت: إن فتغنشتاين يحارب عبادة «العلم» بوصفه الطريق الوحيدة المتماسكة لفهم العالم والتعامل معه؛ وذلك لأن ما يسميه فتغنشتاين تعميم «العلم»، أو تشييئه، هو الذي يُسهِّل وظيفته الأيديولوجية باعتباره القوة الضامنة لثقافة علمانية.

(21) Jacques Bouveresse, "Wittgenstein, von Wright and the Myth of Progress," Paragraph , vol. 34, no. 3 (2011), p. 317.

مع ذلك، فإن الجملة الثانية في كلام فون رايت تبدو لي إشكالية لأنها توحي بأن «اللاهوت» يخص الماضي، ومن ثم ليس له أهمية بالنسبة إلى الحاضر.

(22) Paul Feyerabend, Against Method (London: New Left Books, 1975); Paul Feyerabend, Science in a Free Society (London: New Left Books, 1978).

كان بول فيرابند يعرف فتغنشتاين معرفةً شخصية (كان الاثنان من النمسا، وكان لهما إلمام بالعلوم والهندسة)، ويقول في الكتاب الأخير: إن فتغنشتاين كان مستعدًّا لأن يتخذه طالبًا في كامبريدج، لكنه مات قبل أن يكون ذلك ممكنًا. (((2 ثمة تاريخ طويل من المحاولات الفلسفية الرامية إلى تمييز حدود «العلم» Science عن «اللاعلم» Non–Science، بداية من وضعية حلقة فيينا، إلى «مبدأ قابلية الخطأ» Criterion Falsifiability عند بوبر، و«برنامج» لاكاتوس Lakatos، وتفرقة كون Kuhn بين «العلم العادي» و«العلم الأزمة»، وهجوم فيرابند Feyerabend على الفكرة القائلة بمبدأ وحيد ل «العقلانية» Rationality في العلم. هذه المحاولات وكثير غيرها عقّدت المسألة أيما تعقيد، خاصة محاولات كون Kuhn، وبولانياي Polanyi، وشيفر Schaffer، وشابن

Shapin، ولاتور Latour، وولجار Woolgar، وستنجرز Stengers.

تكشف فلسفة فتغنشتاين عن حاجة إلى مراعاة الاختلافات والتقاطعات بين الوجود والفعل التي تصنع أشكال حياتنا (استعمالنا للغة والصورة، واستعمالهما لنا، والتعبير عن حركة الجسد والصوت، وتفضيل الصمت والسكون على الكلام والحركة). لكن إذا قَبِلنا ما يصفه صديقه وتلميذه موريس أوكونور دروري بأنه «طلب أخلاقي» قوي في كل فكره، فإن ما يسميه فون رايت حربَ فتغنشتاين ضد التعمية هو نوع من النقد الأخلاقي الديني.

أولا: النقد والإقناع والاتباع

النقد الإبستيمولوجي والسياسي للدين مسألةٌ جوهريةٌ لصدقية الأيديولوجيا التي يُسميها أغلب الناس اليوم «العلمانية». ولذا، يُشير النقاد إلى امتناع إثبات وجود الله في عصر العلم، ومن ثمّ يدافعون عن رفضهم تدخّل السلطة الدينية في الأمور السياسية، ويعدّون النظام العلماني للدولة القومية والقناعات العلمانية مسألة أساسية للنقد المسؤول. بيد أنني أريد أن أثير هنا سؤالين: هل النقد ممكن بحسب فلسفة فتغنشتاين؟ وإن كان كذلك، فهل هو بالضرورة علماني في طبيعته؟ إن الشاكّين في أن الدور المهم للنقد السياسي والإبستيمولوجي لا يمكن أن يتوافق مع فلسفة تَحُثّنا على أن «نترك كل شيء كما كان عليه»، عادةً ما يستشهدون بمقولة فتغنشتاين «لا يمكن للمرء هنا سوى أن يصفويقول: هكذا هي الحياة البشرية »، ويتخذونها دليلً على رفضه النقد. لكن الحقيقة أن هذه المقولات تذكرنا بأن كل غرض لا بد من أن يبدأ بوصف، وأن ما نفعله عندما نصف، أو نعتقد أننا نفعله، ليس دومًا الشيء نفسه. لمّا كانت اللغة متأصلة في طرق الوجود والفعل، فإن الوصف ليس ضروريًّا للنقد فحسب، بل ربما يكون هو نفسه نقدًا. فعلى سبيل المثال، عادةً ما توحي كلمة «القسوة» بوجود نية إلحاق الضرر. لكن عندما تُستخدم لوصف المعاناة الواقعة في الحرب («الضرر الجانبي» Damage Collateral)، أو في

(24) Maurice O’Connor Drury, "Conversations with Wittgenstein," in: Rush Rhees (ed.), Recollections of Wittgenstein (Oxford: Oxford University Press, 1984).

يقول فتغنشتاين: «إمكانية النقاء تعتمد كل الاعتماد على نفس المرء، على السمات التي يجدها المرء بداخله. إذا كانت نفس المرء نقية (وكان عدم إخلاصه لصديق شيئًا يجعلها غير نقية)، فإنه مهما كان المكروه الذي يصيبه «من الخارج» [...] فلن يصيب نفسه

مكروه. فليست الأمور الخارجية هي ما ينبغي أن تكون محل الاهتمام الأكبر، بل النفس. ومن ثم، فإن الهم Sorge (أي القلق) الذي يمنع المرء من مواجهة العالم برباطة جأش هو الأجدر بالاهتمام من أي مكروه يصيب المرء بسبب أفعال الآخرين». ينظر:

Ray Monk, Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius (Harmondsworth: Penguin Books, 1991), pp. 52–53.

((2(فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.124 (((2 فتغنشتاين، «ملاحظات حول الغصن الذهبي لفرايزر»، ص.132 (((2 «ما نسميه «توصيفات» Descriptions هي أدوات لاستعمالات معينة. ولنا أن نتصور رسم آلات، ومقطعًا عرضيًّا، ومسقطًا

رأسيًّا بقياسات، يضعها مهندس أمامه. ولنا أن نتصور وصفًا على أنه كلمة/ صورة للحقائق ينطوي على شيء مضلل عنه، بحيث

يميل المرء إلى النظر إلى تلك الصور على أنها معلّقة على جدراننا، والتي تبدو، ببساطة، أنها تصور كيف يبدو شيء ما، وماذا يشبه

(هذه الصور كما لو أنها ساكنة).

السِّلم (على سبيل المثال، الإنتاج الصناعي للّحوم)، غالبًا ما يُعتقد أنها غير ملائمة؛ لأن المعاناة

في تلك الحالات تنتفي فيها نية إلحاق الضرر. ومع ذلك، فإن مفهوم «القسوة» الذي لا تكون فيه النية مسألة جوهرية، يُفضي إلى وصف جديد للمسؤولية عن إلحاق الضرر، كما أن تغيير فهم المرء للمسؤولية، قد يتطلب إعادة وصف شكل من أشكال الحياة بطريقة أخرى غير الطريقة المألوفة غالبًا.

وثمة استعمال لكلمة «القسوة» لا يفترض القصدية – مثلً عندما نصف مرضًا، مثل الزهايمر، بأنه «قاس» – وهو استعمال يُحوِّل التركيز من الجاني إلى الضحية، ويدعو ضمنيًّا إلى ضرورة الحكم

على أشكال حياتنا وأولوياتنا، فما عاد معنى كلمة «قاس» يعتمد على فكرة الفاعل الذي يستحق اللوم (أي الشخص الذي يستحق العقاب)، بل على السؤال المرتبط بالطرق التي يمكننا بها التكلم عن ألم الإنسان والحيوان. الغرض من النقد في الحياة العادية هو إقناع المتحاور (إن لم يكن أيضًا التلذذ بانزعاجه أو شكِّه)، ودَفعه إلى السلوك بطريقة مختلفة. فالنقد أمر أساسي في تعلّم القيام بالأمور على الوجه اللائق. وفي حماستنا الحديثة للنقد القائم على النماذج الإحصائية التي تتبنّاها المعرفة الموضوعية Statistical Language Objective of Models، عادةً ما ننسى أن الإقناع يعمل بفضل اللغة العادية (الأمثال، والنكات، والحكايات، والنُصح، والوعد، والاستجداء، والتعيير، والترهيب والترغيب، وما إلى ذلك)، كما يعمل بالإِشارة إلى عادات الحياة اليومية التي يتشارك فيها المتحاورون. إن اللغة العادية متأصلة في الدوافع المتنوعة للإقناع وقابلية الاقتناع: الرغبة في اجتناب الضرر والمكروه، أو الرغبة في تحقيق منفعة، أو الرغبة في إرضاء شخص ما، أو الرغبة في فعل ما يُعتقد أنه الصواب، سواء بالمعايير العلمانية أو الدينية. ومن ثم يصدر النقد عن وصف معين يجري تأطيره في تقليد خطابي معين للفكر والممارسة لا يسهل دومًا مواجهته. يُعد ألاسدير ماكنتاير MacIntyre Alasdair أحد ألمع الفلاسفة الذين كتبوا عن الحداثة والأخلاق، وقد تأثر أيّما تأثر بفتغنشتاين، وقال في هذه المسألة: «كل استدلال يقع في تقاليد تتجاوز بفضل النقد والابتكار حدود الاستدلال القائم في التقليد الخطابي، ويسري ذلك على الفيزياء الحديثة كما يسري على المنطق في العصر الوسيط. علاوة على ذلك، عندما يكون التقليد الخطابي في حالة جيدة Good Order، فإنه يتشكل دومًا في جانب منه بالدفاع عن المنافع التي يمنح السعي وراءها تقليد خطابي وجهته وغايته الخاصة». التقييد الوحيد الذي أريد أن أدخله على هذا الرأي هو أن فكرة «الحالة الجيدة» قد تكون هي نفسها محل خلاف، وأنه في حين تتسم التربية الأخلاقية الذاتية ببنية غائية تُحدد وجهتها وغايتها، فإن التقليد الخطابي ثابت ومتحول معًا. فعندما يتغير العالم يَمُد نا التقليد الخطابي بالوسيلة التي يمكن بها نقد

«الحالة الجيدة» وإعادة صوغها. بمعنى آخر، بينما يتسم تعلّم السلوك وإتقانه بوجهة وغاية، فإن «الحالة الجيدة» هي تَطلُّع إلى الأفضل. فإذا ما شعرنا أن الأمور على العمومليست على ما يرام، عندئذٍ ينتابنا

(28) Alasdair MacIntyre, After Virtue: A Study in Moral Theory)London: Duckworth, 1981(, p. 206.

شعورٌ عامّ بأن «الحالة الجيدة» ينبغي استعادتها على أنها تعديل وتوجيه داخلي يُضفي معنى على ممارسات متأصلة. وهكذا، فإن «الحالة الجيدة» متأصلة هي الأخرى في زمنها، الأبدي والعابر معًا. ليس مجال التقليد الخطابي إطارًا يُحدد الهوية (في مقابل تقاليد خطابية أخرى)، ولا حنينًا للماضي، بل هو حاضر مثير يعمل في تراث (أي في لغة) من جيل إلى جيل. تقع الحوارات والسجالات في المجالات التداولية، لكنها لا تُفضي بالضرورة إلى انتصار «التقليد الخطابي الأكثر عقلانية»، بل ربما تؤدي بمرور الوقت إلى تفاعل أكثر إثراءً مع الطاقات المفاهيمية

للتقليد الخطابي الخاص في ضوء الآراء التي يسوقها تقليد خطابي آخر. فليست الحالة الجيدة مجرد قوة تمنح التقليد الخطابي وجهته وغايته، بل إنها القوة التي يسعى التقليد الخطابي إلى الحفاظ عليها. ولمّا كان شكل الحياة يتمثل في تقليد خطابي ما (حيث تنتقل طُرق العيش والروابط بين الأشخاص

من جيل إلى جيل)، فإنه أيضًا طريقة للعيش في اللايقين والاختلاف على «الداخل» و«الخارج». فقد تتشارك تقاليدُ عدة فضاءً واحدًا من الإمكانية، كالتقاليد «الإبراهيمية» على سبيل المثال لا الحصر،

ويرتبط الواحد منها بالآخر بطرق تتسم بالعداء، أو الانتهازية، أو الدعم المتبادل. إن التوجه الحصري الصارم (المختزل في عبارة «إما النصر وإما الموت») هو علامة دالة على تقليد خطابي مُحتضر، أمّا

التقليد الخطابي الحي فيتطلع إلى المساءلة المتبادلة والتعلم المستمر. فلا يهمّ كثيرًا مصدرُ النقد، بل

طريقة التعامل مع الفهم الراهن – فهم المرء وفهم الآخرين – لأن ذلك هو ما يُحدد، بقدر كبير، قدرته على الإقناع. مع ذلك، يؤكد ماكنتاير وجود أساس عقلاني للاختيار بين تقاليد خطابية منافسة، أي تقاليد خطابية يواجه الواحد منها الآخر من «الخارج»، ويستشهد بجدل توما الأكويني Thomas Aquinas (1274–1225) مع أتباع الفيلسوف الأرسطي المسلم محمد بن رشد (520 ه/ 1126 م)، ويقول إن الأرسطية التوماوية هي «رؤية متماسكة نوعًا ما، وتتسم بمزيد من الشمول والطاقات الثرية. وتتضمن تلك الطاقات الثرية [...] قدرة على تحديد المثالب والعيوب والأخطاء في ضوء مقاييس الرؤية المضادة نفسها، بل قدرة على التفسير الدقيق والمفصل لأصل الرؤية المضادة التي يصدر عنها هذه المثالب والعيوب والأخطاء، وكذلك أصل الرؤية التي لا بد من أن تحرمها من الطاقات الثرية اللازمة لفهمها، والتغلب عليها، وتصحيحها». وهذه حُجة جذّابة (هل الاعتقاد العلماني أن «الحُجة الأفضل ستفوز»

هو جزء من جاذبيته؟)، لكن أليس في وسعي أن أزعم في حدود المعقول أنه بمرور الوقت، قد يمكن التغلب على العيوب الظاهرة أو تفسيرها بالاستعانة بطاقات التقليد الخطابي الذي أنتمي إليه؟ بعبارة أخرى، بينما يُشير ماكنتاير إلى معايير للحكم على العجز العقلي لمعتقدات تقليدية معينة، فإنه لا يقول متى تصبح الحُجج القائمة على تلك المعايير نهائية. إن استيعاب قوة النقد الموجه من «الخارج» إلى

التقليد الخطابي الكامل الذي أنتمي إليه، وإقناعي بالنقد، يتطلبان تغييرًا في آرائي، بل في علاقاتي بمن

يساعدونني على دعم شكل الحياة الذي أعيشه، وإضفاء المعنى عليه (أقاربي، وأصدقائي، وجيراني

(29) Alasdair MacIntyre, Three Rival Versions of Moral Inquiry: Encyclopedia, Genealogy, and Tradition (Notre Dame: Notre Dame University Press, 1990), p. 146.

الذين أقدِّرهم وأثق بهم، علاوة على الأجيال الراحلة التي أمدّتني بالمُثل، والأطفال الذين أُربيهمُ

للمستقبل). إذًا، ما الوقت الذي لديّمن أجل استشارة أناس آخرين في التقليد الخطابي الذي أنتمي إليه، خاصة أولئك الذين أعتبرهم من الثقات القريبين (المؤازرين)، أو من أجل تفكيري بمزيد من العمق في المسألة، وتعلم المزيد عن تبعات التخلي عن شكل الحياة الذي أحياه؟ إننا لا نرى مباشرة كل العواقب المرتبطة بقبول حُجة مدافعة عن التغيير، لكن متى يُصبح انتظار رؤية ذلكقبل أن يتخذ دي في الاقتناع بحجة المرء قراره النهائي انتظارًا طويلً يتجاوز حدود المعقول؟ بأي معايير يُصبح ترد

ما ضد تقليدي الخطابي غير معقول Unreasonable أو غير عقلاني Irrational؟ يقول فتغنشتاين: «ينتهي الأمر عندما يعجز الشخص عن الاقتناع بالحُجج التي أسوقها». لكن النهاية ليست قضايا منطقية مؤكدة تذهلنا على الفور باعتبارها صحيحة، فليست النهاية رؤية من جانبنا، إنه فعلنا الذي يقع في قلب لعبة اللغة. إذا كان الصحيح هو ما له أساس، فإن الأساس لا هو صحيحوليس خاطئًا بعد ». فعلى العكس من الإيمانبوصفه رؤية آنية، يستغرق الفعلزمنًا حتى يقع، وغالبًا ما يستغرق أجلً غير

مسمى. إذا ما وقع على الفور تسليمٌ بما يُعدّ تقليدًا خطابيًّا أعظم، فإن ذلك يكون أقرب إلى ما يسميه العلمانيون

«تحولً دينيًّا» منه إلى نتيجة معقولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن اعتناق تقليد خطابي بعينه

لا يعتمد في جوهره على قضايا منطقية، بل على ممارسات ممتدة ومتأصلة تنتقل من جيل إلى جيل. إنه لا يتحقق بالعظمة النظرية البسيطة التي يتسم بها خطاب الناقد، بل بالمعنى الذي يصنعه في حياة المستمع. لا شك في أن تعلم استعمالات المفاهيم جانب ضروري من التقييم النقدي لحُجج معينة، لكنه ليس حاسمًا بالضرورة (بطريقة عقلانية). وتكشف قابلية الاقتناع عن قدرة الفاعل أو عجزه عن التحول إلى شكل آخر من الحياة في لحظة معينة (في هذا الوقت من حياتي وحياة التقليد الخطابي الذي أنتمي إليه). وهذه القابلية قد تعتمد أيضًا على استعداد المرء لخداع نفسه لصالحه. أليس في وسعي، على أي حال، أن أتفادى الشك الأساسي في أن ناقدي الخارجي يتهجم علي برفض دفاعٍ

محدد نظريًّا، واللجوء، بدلً من ذلك، إلى الممارسة التي قد شك لتني في تقليدي الخطابي؟ أليس

في وسعي أن أرفض أن أتكلم في هذه اللحظة دفاعًا عن تقليدي الخطابي، وأستأنف، بدلً من ذلك،

حياتي العادية؟ وإن كان ذلك في وسعي، فلِمَ يكون ذلك «غير عقلاني»؟ هذه المخاوف لها دلالات خطيرة فيما يتعلق بفهم القيود المختلفة في الزمن المتاح للإقناع السياسي في ديمقراطية ليبرالية، والزمن المتاح للإقناع في سياق شخصي حميم. إن الوقت اللازم لتحديد

(30) Wittgenstein, On Certainty , pp. 204–205. (31) Ian Hacking, "Was There a Probabilistic Revolution 1800–1930?" in: Lorenz Krüger, Lorraine Daston & Michael Heidelberger (eds.), The Probabilistic Revolution , vol. 1 (Cambridge, MA: MIT Press, 1987), p. 52.

يمثل هاكينج الرؤية الحسابية الشائعة في عالمنا غير الحتمي قائلً: «لا يمكننا أن نعد فعلً عقلانيًا ما لم يحسب الاحتمالات.

الاعتقادات يصاحبها احتمالات». لكن هل كل الاعتقادات قابل للحساب؟ إذا كانت الصحة والخطأ (بصرف النظر عن درجة الاحتمالية) يقومان على أساس، فإن أساس اعتقادي (المجال التداولي بأسره باعتباره شكل حياة)، على نهج فتغنشتاين، ليس صحيحًا ولا خاطئًا، ولا يمكن حسابه.

حنة الشعوريةُّالحقيقة وتقييم الش للكلمات المستخدمة، قابل للمدّ في المواقف الحميمية على نحو أسهل من مدّه في السياسة الانتخابية الحديثة. وربما يُضفي ذلك معقولية على تهمة استغلال الميول اللاشعورية لما يسميه خُبراء الاستراتيجيات السياسية باسم «الجماعات القابلة للإقناع». (إن استغلال الميول اللاشعورية لا يعني بالضرورة افتراض وجود «اللاوعي» باعتباره موقع لغة رمزية يمكن ترجمتها. وهي فكرة انتقدها لودفيغ فتغنشتاين بشدة، رغم إعجابه بسيغموند فرويد Sigmund Freud

لقد ميّزت جوديث بتلر Butler Judith بين مفهومي Criticism و Critique، إذ قالت: «عادةً ما يتناول

النقد Criticism موضوعًا ما، أمّا النقد Critique [بالمعنى الكانطي]، فيهتم بتحديد شروط الإمكانية التي يظهر فيها مجال معين من الموضوعات». ويقول ريموند وليامز Williams Raymond) 1988–1921(الذي تستشهد به بتلر: «لقد صار النقد Criticism كلمةً صعبة جدًّا؛ فمع أن معناها العام السائد هو ترص د الأخطاء، فإن معناها الضمني يشير إلى الحكم، ومعناها المتخصص يُثير لبسًا شديدًا في علاقتها بالفن والأدب. [...] ولا تقتصر المسألة هنا على الارتباط بين النقد وترص د الأخطاء، بل الارتباط الأساسي بين النقد والحكم ‘الموثوقين’، باعتبارهما عملية عامة طبيعة». إن استعمال وليامز لمفهوم النقد Criticism على أنه انتقاد لا  يتضمن كلمة النقد بالمعنى الكانطي التي يبدو أن استعمالها الحديث نسبيًّا

يرجع إلى استخدامها في النظرية السياسية الفرنسية. ما يهمّني هنا ليس تعريف مفهومين مختلفين تمام الاختلاف، بل تفاعل مفردات مركبة في عملية الإقناع مع معانٍ متداخلة وأنواع مختلفة مما يسميه روبن جورج كولينغوود Collingwood George Robin (1943–1889) «الشحنة الانفعالية». ليس النقد الأدبي بالضرورة ممارسة للانتقاد أو التنظير المعرفي، ولا مطالبة أيديولوجية بما يسمى «الذ وق السليم»، كما يوحي وليامز. يصور العمل الأدبي عواقبَ إنسانية معينة لأحكام (أو إساءة أحكام) وقعت في حياة إنسانية،

وهنا يأتي النقد الأدبي ليساعد القارئ في استكشاف جوانب جمالية وأخلاقية، ومن ثم تطوير قدرته على النظر الأخلاقي؛ ولذا، فإن نجاح النقد الأدبي لا يكمن في الانتقاد ولا في تحديد شروط الإبداع.

(((3  ورد هذا التعبير في كتاب وضعه روبين جورج كولينغوود عن مبادئ الفن، وفيه يطرح الفكرة القائلة إن كل كلام يحمل

ما يسميه «شحنة شعورية» Charge Emotional، بما في ذلك التوصيل البارد «المعطّل» الذي يقدّم نفسه على أنه خالٍ من المشاعر،

لكنه في واقع الأمر طريقة لإقناع المستمع بتجاهل طابعها الشعوري المميز. ينظر:

Robin George Collingwood, Principles of Art (Oxford: Clarendon, 1938). (33) Brittany Kaiser, Targeted: The Cambridge Analytica Whistleblower’s Inside Story of How Big Data, Trump, and Facebook Broke Democracy and How it can Happen Again (New York: Harper Collins, 2019).

يحتوي هذا الكتاب على نقد كاشف للمخالفات والتجاوزات في العملية الانتخابية من جانب شركة كامبريدج أناليتيكا Cambridge

. Analytica (34) Jacques Bouveresse, Wittgenstein Reads Freud: The Myth of the Unconscious , Carol Cosman (trans.) (Princeton: Princeton University Press, 1995 [Paris, 1991]). (35) Judith Butler, "The Sensibility of Critique," in: Talal Asad et al., Is Critique Secular? Blasphemy, Injury, and Free Speech , Townsend Papers in the Humanities 2 (Berkeley: University of California Press, 2009). (36) Raymond Williams, Keywords (London: Fontana, 1983), pp. 84–86. (37) Luc Boltanski, On Critique: A Sociology of Emancipation (Malden, MA: Polity, 2011).

سعى إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) إلى تقويض أوهام الميتافيزيقا بالحديث عن حدود العقل والإمكانات الإبستيمولوجية التي تنطوي عليها هذه الحدود «النقد» Critique) (. لكن أليس استناده إلى مبدأ التنوير القائل إن «النضج» يتطلب من المرء أن «يفكر لنفسه»، أن يرفض كل وصاية، مثالً للانتقاد؟ ليس مصادفة أن الكلمة الألمانية Kritik، كما تُستخدم دومًا في كتاب كانط عن نقد العقل الخالص Kritik der reinen Vernunft، كانت تُترجم إلى الإنكليزية بكلمة Criticism حينًا، وبكلمة Critique حينًا آخر. فهل كان المترجم يفوق كانط في وضوح التفكير؟ من غير المحتمل. يقول كانط: «يتميز عصرنا بأنه عصر النقد Criticism، ولا بد من أن يخضع كل شيء للنقد. وربما يلتمس الدين بسبب قداسته، والتشريع بسبب هالته، استثناءً من النقد، لكنهما عندئذٍ لا يوقظان

إلا الشك، ولا يمكنهما ادعاء الحق في الاحترام الأمين الذي لا يهَبُه العقلُ إلا للقادرين على صون

اختبار البحث الحر المنفتح». إن الممارسة التي تنكر الحق في التشبث بشيء، لأنه في الأساس متأصل في عادات الحياة اليومية والتزاماتها، بدلً من إخضاعها باستمرار للنقد من قِبل العقل المجرد (أقول: «باستمرار»؛ لأن مرة واحدة ربما لا تكون كافية)، إنما تعني الاعتقاد أن النقد والإبستيمولوجيا باعتبارهما ممارسة يمكن فصلهما، بل لا بد من فصلهما. «تجركَّ في إعمال عقل أ »! Aude Sapere، هذا هو شعار التنوير الذي وضعه كانط، وهو من

المُثل الأساسية في الحياة الحديثة، في أشكالها السليمة والمختلة. وقد ترجم يوهان جورج همان Hamann Georg Johann (1788–1730) أحد معاصري كانط ومعارفه، هذا الشعار بعبارة Noli admirari! (لا تتعجب!)، وهي تحوير للعبارة الواردة في الكتاب المقدس Nil Admirari" " أي لا تتعجبوا من شيء. يقول همان: «الاستعداد لنقد كل شيء، يعني الهجوم على كل ما هو قيِّم،

على كل ما هو جدير بالإعجاب (بما في ذلك شعار «تجرأ في إعمال عقلك)»!. رأى همان أن الأسلوب الأخلاقيللممارسة هو الأسمى، فربما يكون للنقد ما يبرره تمامًا، لكن ربما يعجز عن الإقناع إذا كانت النتيجة هي الاستخفاف أو الاحتقار باعتباره تمهيدًا لنُطق الحقيقة (وهو الهدف من تعذيب سجين حتى يعترف). عندما استعرض كانط الشروط النظرية المسبقة التي تجعل المعرفة الحقيقية للعالم ممكنة، قال إن

(38) Immanuel Kant, Critique of Pure Reason , N.K. Smith (trans.) (New York: St. Martin’s Press, 1965) p. 9.

(التشديد الوارد في الاقتباس مضاف.) ويذكر المترجم سميث في الصفحة نفسها أنه يترجم الكلمة الألمانية Kritik إلى الإنكليزية بكلمة Criticism حينًا، وبكلمة Critique

حينًا آخر.

(39) David Trotter, Paranoid Modernism: Literary Experiment, Psychosis, and the Professionalization of English Society (Oxford: Oxford University Press, 2001).

(((4 تعليقات يوهان جورج همان في خطاب إلى كريستيان جاكوب كراوس مترجمة في:

Johann Georg Hamann, "Letter to Christian Jacob Kraus," in: James Schmidt (ed.), What Is Enlightenment? Eighteenth– Century Answers and Twentieth–Century Questions (Berkeley: University of California Press, 1996), p. 145.

تظهر عبارة «لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم» في رسالة يوحنا الأولى.)3:13(

تجاوز الحدود التي تضعها هذه الشروط المسبقة يعني الدخول في عالم المجهول الذي لا سبيل إلى معرفته. انتقد الفلاسفة اللاحقون كانط لمحاولته بهذه الطريقة أن يضع حدودًا إبستيمولوجية على ما يمكن التفكير فيه؛ لأن التفرقة نفسها بين الأشياء التي يمكن معرفتها والأشياء التي لا سبيل إلى معرفتها توحي بأن المرء سيعرفها عندما يلتقي بها، ومن ثم (وهنا التناقض) سيكون للمرء بعض المعرفة بما كان يُقال إنه لا سبيل إلى معرفته. هذا التناقض حول حدود الفكر يتناوله فتغنشتاين في تصدير كتابه رسالة منطقيّة فلسفيّة؛ إذ يقول إن حدود الفكر ليست إبستيمولوجية، بل نحوية Grammatical، مع أن هذه الصفة باعتبارها طريقة لتتبّع حدود التعبيرات اللغوية الدالة، لم تُستخدم بعد في ذلك الكتاب. وسيدافع فتغنشتاين، لاحقًا، بوضوح عن قوله إن نحو استعمال «ألعاب اللغة» المتأصل في أشكال الحياة هو الذي يرسم حدود المعنى، ويجعل بعض الأمور التي يقولها الفلاسفة عن العالم تبدو بلا معنى أو متناقضة. على الرغم من أن فتغنشتاين يرى عدم إمكانية التعبير عن الأفكار خارج اللغة، فإنه لا يقول بعدم وجود ما لا يمكن تمثيله. إن أطروحته الرئيسة، كما أفهمها، هي أن المرء لا يمكنه أن يُعبِّر عن أي أفكار خارج اللغة، وأن مصطلح «غير المفيد» Nonsense يسري على الممارسات اللغوية، بما في ذلك الرياضيات (ومع ذلك لا يستدعي غير المفيد دومًا مجرد الرفض، فربما يثير مزيدًا من الفكر الذي ينتهي إلى نتيجة عملية). تتضمن الرياضيات علامات مجردة مألوفة تشير إلى عمليات حسابية، من قبيل الجمع +() والقسمة (÷)، ورموز دالة على مقدار مجهول (على سبيل المثال س x، ص y)، وهذه العلامات أساسية في لغة العلم والتكنولوجيا، وهي أساسية في فهم «العالم الطبيعي» واستغلاله والسيطرة عليه، بما في ذلك السيطرة على البشر واستغلالهم، من حيث هم جزء من الطبيعة. لا تمثل الرياضيات في رأي فتغنشتاين شيئًا عن العالم الذي اكتشفه البشر، بل تتألف من مجموعة من التقنيات التي تم استحداثها وتوحيدها

(((4 «إنه كتاب يعالج مشكلات الفلسفة، ويوضح – فيما أعتقد – أن الذي دعا إثارة هذه المشكلات هو أن منطق لغتنا منطق يُساء

فهمه. ويمكن أن نخلص معنى الكِتاب كله على نحو قريب مما يلي: إن ما يمكن قوله على الإطلاق، يمكن قوله بوضوح، وأما ما لا نستطيع أن نتحدث عنه، فلا بد من أن نصمت عنه. وعلى ذلك فالكتاب يستهدف إقامة حد للتفكير، أو هو على الأصح لا يستهدف إقامة حد للتفكير، بل للتعبير عن الأفكار؛ ذلك لأننا لكي نقيم حدًا للتفكير، يلزم أن نجد جانبي ذلك الحد كليهما مما

يجوز التفكير فيه (ومعنى ذلك أنه ينبغي لنا أن نستطيع التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه)». ينظر: فتجنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ص 59. (((4 «بينما يُعبر المنطق عن قواعد عامة وشاملة للغتنا، فإن علم الحساب يضبط جانبًا معينًا فقط من لغتنا، إنه يُثبِّت، ويُطور، قواعد

الكلمات العددية واستعمالها في تحديد كميات متنوعة. لكن بقدر ما يُشكِّل استعمال لغة ما شكل حياة ما، فإن الرياضيات

الأساسية، باعتبارها جزءًا من حياتنا اليومية، تُشكِّل جانبًا من شكل حياتنا».

Severin Schroeder, "Mathematics and Forms of Life," Nordic Wittgenstein Review , Special Issue (October 2015), p. 112.

بقدر ما تكون الرياضيات «لغةً استعمالية»، فإنها تُبدي قدرة كبيرة على تحويل الأشياء إلى مجرد موضوعات قابلة للقياس والعد

Commensurable، بخلاف لغة متأصلة في خبرة مباشرة، عبر السماح لأشكال معينة من الحياة بأن تنفصل إلى عناصر يمكن إعادة تصنيفها وترتيبها بتدخل تنظيمي مباشر.

لأغراض بشرية معينة. ولا يعني ذلك، بالطبع، أن فتغنشتاين اعتبر الأعداد مجرد خيال. لقد كان الرجل مهندسًا، وكان يعرف أنها مهمة لحل مشكلات عملية؛ ليس فقط في صنع الآلات، بل أيضًا في صنع العادات الاجتماعية وإعادة صنعها. بيد أن هناك مفارقة ناجمة عن مركزية الرياضيات في المعرفة العملية؛ إذ يفترض العلم الكلاسيكي عالمًا حتميًّا، بينما يسود اعتقاد بحرّية البشر (والدول التي يعيشون فيها). إن التحول إلى اللايقين Uncertainty في التطورات الحديثة نسبيًّا في التفكير العلمي – وهو مفهوم ارتقى إلى منزلة القانون عبر نظرية الاحتمالات – يساعد على حل هذا التناقض، ومن ثم النظر إلى السيادة المتنامية للمصادفة على أنها توسيع لفضاء التحكم البشري في العوالم «الاجتماعية» و«الطبيعية». يحاول فتغنشتاين في كتابه بحوث فلسفية أن يبيّن تشكّل حدود المعنى Sense، بواسطة تركيب المفاهيم؛ وذلك ببيان تشكل الاستعمالات الفعلية للمفاهيم في شكل من الحياة. لكن عندما يُتَرجَم تركيب المفاهيم على أنه تقليد خطابي – على أنه انتقال متواصل للسلوك وأساليب الإقناع التي تتداخل فيها اللغة والحياة عبر الأجيال – تصبح الزمنية Temporality مسألةً جوهريةً للطرق التي يتحقق بها تركيب المعنى وتفكيكه، وفيها لا يتمتع «الداخل» و«الخارج» بالثبات الدائم؛ لأن التمييز بينهما يرتبط بما يجري التسليم به بصورة مؤقتة. بيد أن فكرة فتغنشتاين عن «شكل الحياة» كانت السبب وراء وصف النقاد له بأنه نسبوي Relativist وزعمهم أنه نفى تمامًا مشروعية النقد الخارجي للمجموعات الثقافية Wholes Cultural. لكن فتغنشتاين لم يستبعد إمكانية نقد أشكال الحياة «من الخارج». صحيح أنه قال إن الحُجج تستمد معقوليتها من «نظام» System من الأقوال والتوجهات التي تعلم ها المرء، وليس من حقيقة أو قاعدة معينة، وأنه غالبًا ما يجري الاستشهاد بقوله هذا، لكن يُساء فهمه أحيانًا. يقول فتغنشتاين: «كل اختبار، كل إثبات لافتراض وتفنيده، يقع بالفعل داخل نظام. وهذا النظام ليس مجرد نقطة انطلاق عشوائية غامضة لكل حُججنا، بل إنه ينتمي إلى جوهر ما نسميه حُجة، فليس النظام نقطة الانطلاق بقدر

(((4 لم يكن عبثًا أن فتغنشتاين عدّ شبنغلر Spengler أحد أهم المؤثرين في فكره. يقدم الفصل الثاني من كتاب شبنغلر عن انحطاط

الغربمسحًا شاملً للرياضيات المختلفة في الثقافات المختلفة؛ إِذْ كان شبنغلر يعد الرياضيات ظاهرة تاريخية وإبداعًا تاريخيًا، وليست

شيئًا قد اكتُشف في مراحل مختلفة من التاريخ البشري، بل كان يعدها مزيجًا من الأساليب والمفاهيم التي استُحدثت بالتدريج، وربما

وُحِّدَت بالتدريج، عبر الزمن. وهذا، فيما يبدو لي، ميراث مهم وضع فتغنشتاين يده عليه. وهو يقول: «الرياضيات ظاهرة أنثروبولوجية»

التي تحدد system of norms) [...] إنها نظام من القواعد Wittgenstein , Remarks on the Foundations of Mathematics , 399(

عمليات ‘الحساب’، و‘الاستنتاج’ و‘الاستنباط’، المتعلقة بالمقادير والكميات القابلة للعد والقياس». ينظر:

P.M.S. Hacker, "Wittgenstein’s Anthropological and Ethnological Approach," manuscript dated 17 August 2009/ 21 August 2009, September 9, 2009, p. 5, accessed on 14/6/2021, at: https://bit.ly/2SSRDvI (44) Ilya Prigogine, The End of Certainty: Time, Chaos, and the New Laws of Nature (New York: Free Press, 1997).

(((4 «إذا رأيت رمز الفكر ‘من الخارج’، أصير واعيًا بأنه يمكن تأويله على هذا النحو أو ذاك، إذا كان خطوة في مسار تفكيري،

عندئذٍ يكون محطة طبيعية لي، وقابليته الإضافية للتأويل لا تشغلني (ولا تزعجني.»)

Ludwig Wittgenstein, Zettel (Oxford: Basil Blackwell, 1967), Note 235, 43e.

ما هو العنصر الذي تحيا فيه الحُجج». لكن هل كلمة «النظام» (الكلمة الألمانية التي يستعملها فتغنشتاين هي الكلمة نفسها) هي الكلمة المناسبة تمامًا هنا؟ إنها لا تنسجم في معناها النمطي مع فكرة فتغنشتاين أن الاستدلال يقوم على أغراض ومشاعر وظروف مختلفة في الحياة، ومعاني الكلمات التي قد تتداخل وتتبدل عبر الزمن، والتي بواسطتها تصبح المسألة التي نحاول التعبير عنها قادرةً على إقناع جماهير معينة في أزمنة وأماكن معينة. أليس المصطلح الذي يفيد أن الظروف مرتبطة ارتباطًا متباينًا وعابرًا (مثل «شبكة تواصل» Web أو «شبكة اتصال» Network)، أقرب إلى ما يحاول فتغنشتاين تأكيده منه إلى مصطلح «النظام»؟ (هذا يعيدنا إلى مسألة «الحالة الجيدة» للتقليد الخطابي التي ذكرتها من قبل). يمثل الغموض في اللغة العادية جانبًا دائمًا من الإبداع اللغوي وإساءة الفهم، وهو يقوض فكرة «النظام»

المحدد، بينما يشير الغموض بوجه عام إلى عدم التيقن من المعنى المقصود لكلمة أو عبارة أو فقرة؛ فقد لا يكون القصد الأصلي بالضرورة اهتمامًا أساسيًّا في تقييمها. وربما يعكس الغموض دوافع

متناقضة في القارئ/ السامع، والغرض الذي يريد أن يحققه منه. على أي حال، قلّما يكون الفاعل السلطة النهائية في تحديد ما قد فعل، فاللغة التي يفعل من خلالها ليست لغته وحده. ولذا؛ مع أن كل شيء لا يمكن أن يستسلم استجابةً للنقد في الوقت نفسه، فإن حدود الشبكة التي تقع فيها الحُجج تتغير هي نفسها وفق الأغراض المتاحة. «هناك عدد لا يحصى من الأنواع المختلفة لاستخدام ما نسميه ‘الرموز’، و‘الكلمات’، و‘الجُمل’. وهذه الكثرة المتنوعة ليست ثابتة، بحيث نعرفها مرة واحدة وإلى الأبد. إنما يمكننا القول إنّ هناك أنماطًا جديدة للغة، وألعابًا – لغوية جديدة تستحدث، بينما يكون قد توقف استخدام أنماط وألعاب – لغوية أخرى أصبحت مهملة وفي عداد النسيان». فحتى تتسم الحجة بالمعقولية، لا بد من أن تنسجم مع عناصر مختلفة في الشبكة، مع الكلمة نفسها المستعملة استعمالً مختلفًا (وربما استعمالً غامضًا) في أشكال الحياة. إن ما يعارضه فتغنشتاين في فلسفة

(46) Wittgenstein, On Certainty , §105.

ينظر أيضًا قوله: «إذا كان الصدق هو ما كان ذا أساس، فإن الأساس لا يمكن وصفه بالصدق ولا بالكذب. إذا سأل سائل: ‘لكن هل

ذلك صادق؟’، ربما نقول له: ‘نعم’؛ وإذا طلب أسُسًا لذلك، ربما نقول: ‘لا يمكنني أن أعطيك أي أسس، لكن إن تعلمت أكثر،

ستعتقد أنت أيضًا الشيء نفسه’. وإن لم يحدث ذلك في الوقت المناسب، فإن ذلك قد يعني أنه لم يقدر على سبيل المثال أن يتعلم

التاريخ». ينظر:

Ibid., § 205–206.

((4(يقول فتغنشتاين في كتابه بحوث فلسفية: «إن القول بأن (هذا المركّب اللفظي لا معنى له)، إنما يستبعده من مجال اللغة، ومن

ثم يحدد أو يضيّق من نطاق اللغة. لكن حينما يضع الإنسان حدًّا، فمن الممكن أن يكون ذلك راجعًا إلى أسباب متعددة. فلو أحطت

منطقة ما بسياج أو خط أو غير ذلك، فمن الممكن أن يكون الغرض من ذلك هو أن أمنع أحد الأشخاص من الدخول أو الخروج. لكن من الممكن أيضًا أن يكون ذلك جزءًا من لعبة يفرض في لاعبيها – مثلً – أن يقفزوا فوق الحدّ. أو قد يكون [الغرض من ذلك]

إظهار نهاية ممتلكات أحد الأشخاص وبداية ممتلكات شخص آخر، وهكذا. ولهذا فلو قمت بوضع حدّ، فليس معنى ذلك أنني قد

أفصحت عن الغرض الذي وضعته لأجله». فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة 499. كما يشرح هذا الأمر في موضع آخر قائلً: «لهذا

أميل إلى التمييز بين ما هو جوهري وما هو غير جوهري في اللعبة أيضًا. ويمكن القول بأن اللعبة ليست لها قواعد فقط، بل لها

كذلك هدف ». المرجع نفسه، فقرة.564 (التشديد في النص الأصلي). (((4 المرجع نفسه، فقرة.23

كانط (وكثيرين غيره أقل وزنًا) هو الدور المُهيمن للنقد، والدعوة إلى الاستسلام التام لحكم العقل الذي نُحقق به الفصل الضروري لفكرة «المفيد» Sense عن «غير المفيد» Nonsense (أو العقل عن العاطفة). لقد رأى فتغنشتاين أن المسألة المهمة هي المقدرة الشعورية Sensibility التي يأتي بها المرء إلى الكتابة والكلام، وإلى القراءة والإنصات. أمّا العلمانيون فيرون أن فكرة اتّباع قاعدة دينية تقتضي قوة حاكمة واعتباطية، وطاعة دينية «عمياء»، ومن ثم تنتفي عنها صفة العقلانية. بيد أن فتغنشتاين يرى أن الميل إلى اعتبار معنى ممارسة معينة على أنها «محكومة» Governed بقاعدة، يقودنا إلى تصور القاعدة Rule أنها سببية Causative، من حيث تعلقها بالأفراد فيما يتعلق بحالات اتباعها، لكن استعمال كلمة «قاعدة» مسألة أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه هذا الإيحاء. ولذا؛ بينما يمكن فهم معنى كلمة ما في لحظة، فإن استعمالها وفق قاعدة معينة لا يمكن فهمه في لحظة لأن ذلك يتطلب إدراك تواتر الممارسة نفسها عبر الزمن (المُستقبل)، «إلّ أننا نفهم معنى الكلمة حين نسمعها أو نقولها. إننا ندركه في ومضة أو لحظة خاطفة، وما ندركه على هذا النحو يكون – يقينًا – شيئًا مختلفًا عن ‘الاستخدام’ الذي يكون ممتدًا في الزمان». ثمة معضلة هنا، وهي تصدر عن أمرين: أولً، الطريقة التي نؤسس بها «الشيء نفسه» (فالقياس مسألة بالغة الأهمية)، وثانيًا، الحقيقة التي مفادها أننا نتصور المعنى فعلً خاصًا (أي ذهنيًا محضًا)، ومن ثم نتصور أن معنى

قاعدة معينة يظهر للوعي على الفور، وفي الوقت نفسه يمتد بلا نهاية في مستقبل غير معلوم. لكن فتغنشتاين يوضح: «ومن ثم يكون ‘اتباع القاعدة’ تطبيقًا أو ممارسة. وحين يعتقد شخص ما أنه يتبع قاعدة، فهذا لا يعني اتباع قاعدة ما. وعلى ذلك، فأنت لا تستطيع أن تتبع قاعدة ما ‘منفردًا’، وإلا أصبح الاعتقاد أن أحدًا يتبع قاعدة ما هو نفسه اتباعًا لها». ولا يعني ذلكأنْ ليست ثمة علاقة بين الامتثال لقاعدة ما والذهن، بل يعني أن القاعدة وتطبيقها شيء واحد، وأن «السلطة » التي تمثلها قاعدة (دينية) ليست منفصلة عن «الامتثال لها» أو عن الحياة المشتركة التي تجسدها. عندما تكون القاعدة والتطبيق شيئًا واحدًا، فإن الميل (من جانب المؤمنين وغير المؤمنين) إلى تفسير السلطة الدينية بلغة سببية

لِّيمكن اعتباره مضل. خلاصة القول إن قدرة نقد ما على الإقناع متأصلة في شكل معين من الحياة، ولا يشترط أن يكون هذا الشكل من الحياة موجودًا.

(((4 المرجع نفسه، فقرة.138 (((5 المرجع نفسه، فقرة.202 (((5 ليست الرهبنة المسيحية والبوذية المثال الوحيد لفكرة «الامتثال الديني للقاعدة»؛ فالحياة العادية من منظور المؤمنين هي أيضًا

فضاء لاتّباع القاعدة في شكل الشريعة، سواء في دولة مسلمة أو في دولة علمانية. للاطلاع على نقاش مثير لنظام المحاكم الشرعية

الفاعلة اجتماعيًّا في الهند العلمانية (وإن كانت لا تعترف بها رسميًا الدولة الكولونيالية ولا خليفتها القومية)، ينظر:

Ebrahim Moosa, " Shari’at Governance in Colonial and Postcolonial India," in: Barbara B. Metcalf (ed.), Islam in South Asia in Practice (Princeton: Princeton University Press, 2009).

((5(«هل ما نسميه ب ‘اتباع قاعدة ما’، هو شيء يمكن لإنسان واحد فقط أن يفعله، وأن يفعله مرة واحدة فقط في حياته؟ هذا بالطبع

ملاحظة عن النحو الخاص بالتعبير ‘اتباع قاعدة ما’. لا يمكن القول بضرورة وجود حالة واحدة فقط، خضع فيها شخص واحد فقط

لقاعدة ما. كما لا يمكن القول بضرورة وجود حالة واحدة فقطتمنَّ فيها ذكر تقرير أو إصدار أمر أو فهمه... إلخ. إ اتباع قاعدة، أو

ذكر تقرير، أو إصدار أمر، أو القيام بلعبة الشطرنج، إن هي إلا (عادات أو استخدامات ونظم)». فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.199

يكشف فتغنشتاين عن مغالطة في القول إن معنى قاعدة معينة يعتمد بالضرورة على طريقة تأويلها، وإن التأويل يُثبِّت معنى القاعدة؛ ذلك لأن التأويل يتطلب معايير خاصة به، تحدد طُرق الوصول

إلى تأويل مناسب «للتأويل»، وهذا يفضي إلى ارتداد لانهائي Regress Infinite (فبأي معايير يتحقق تأويل شيء ما؟ وكيف يتحقق تأويل المعايير نفسها؟). إحدى عواقب هذا الارتباك أن نطاقًا واسعًا من الأفعال المختلفة يمكن تطويعها لتتوافق مع قاعدة معينة عبر التأويل، وهذا سبب شهير للخلاف والنزاع في التقليد الخطابي يمر بضغوط حتى يتغير. يعارض فتغنشتاين الزعم المتمثل بأن هناك علاقة سببية بين قاعدة معينة وممارسة اتِّباع قاعدة معينة، وبأن سلطة القاعدة هي أصلها، وبأن الأصل هو السلطة. ويرى أن ارتباكنا يرجع إلى فصل «قاعدة معينة» عن ممارستها، ثم تشييئها، ثم اعتبار القاعدة أساس ما تعنيه الممارسة: «يمكننا أن نتبي ن هنا وجود سوء فهم راجع إلى مجرد أننا

نذكر، في سياق حججنا، تفسيرًا تلو الآخر، كما لو كان كل واحد منها يقنعنا ولو للحظة واحدة،

حتى نفكر في تفسير آخر يتلوه. وهذا يوضح أن هناك طريقة لإدراك القاعدة، وهذه الطريقة ليست تفسيرًا، وإنما تتبدى فيما نسميه ‘اتباع القاعدة’ أو ‘مخالفتها’ في حالات التطبيق الفعلية. وعلى ذلك، فهناك ميل إلى القول إن كل فعل يتم وفقًا للقاعدة فهو تفسير. إلا أننا ينبغي أن نجعل معنى كلمة «تفسير» مقصورًا على استبدال تعبير عن القاعدة بتعبير آخر». إذًا، لا ينبغي لنا أن نتكلم عن

اتِّباع قاعدة على أنه أحداث متتالية (أي تقرير لقاعدة ثم اتباع لها)، بل اتباع القاعدة هو ذلك الفعل نفسه الذي يعبّر عن فهم الممارس للقاعدة. يُعيننا رأي فتغنشتاين في اتِّباع القاعدة على فهم استعمال مفهوم «الأخلاق» Morality، وهو مفهوم

يربطه فتغنشتاين بكلمة «الدين». يَعُد أتباع إميل دوركهايم الأخلاق امتثالً للقواعد الاجتماعية، ويَعُدها

النفعيون فعلً صادرًا عن المصلحة الذاتية، ويَعُدها الكانطيون تشريع المرء القواعد لنفسه (ومن ثم

انقسام الشخص الأخلاقي إلى اثنين: المُشرِّع الحر، والخاضع للتشريع)، كما أن «الضمير» بوصفه

المصدر النهائي للسلطة الأخلاقية يمكن أن يُضل المرء ضلالً بعيدًا. وفي كل حالة من الحالات

السابقة، تشير «الأخلاق» في حياتنا الحديثة إلى اتِّباع القواعد، وتُحدد سلامة الممارسة «أخلاقيًّا»

Morally أو عدم سلامتها وفق قاعدة ما. لكن لا ينبغي للمرء أن يجادل بأن «القواعد الأخلاقية» قد فُصلت الآن عن مصدرها الديني، بل بأن ظهور ذات فاعلة مستقلة حديثة، يستدعي وضع مقولة

(((5 المرجع نفسه، فقرة 201. يقول مارتن ستون Stone Martin في معرض حديثه عن مسألة التأويل في الشريعة: «لا يُنكر

فتغنشتاين أننا أحرارٌ في استعمال كلمة ‘تأويل’ كما نحب، وربما ما زلنا نريد الاستمرار في تسمية كل تطبيق لقاعدة ما تأويلً لها. مع

ذلك، يقترح فتغنشتاين، من أجل الوضوح، أن نُقصر كلمة ‘تأويل’ على إحلال تعبير لغوي محل آخر: إذا اتبعنا هذا المقترح، يمكننا

أن نُسلِّم بأنه من المفيد أحيانًا، لكنه ليس دومًا ضروريًا، أن نؤول قاعدة حتى نتبعها. فليس الموضوع مجرد مسألة اصطلاحية». ينظر:

Martin Stone, "Focusing the Law: What Legal Interpretation is Not," in: Dennis Patterson (ed.), Wittgenstein and Law (Burlington, VT: Ashgate, 2004), p. 283.

(((5 نشير إلى الدراسة الشائقة التالية التي تسعى إلى التوليف التركيبي بين المقاربة الدوركهايمية والكانطية للأخلاق (بالتركيز على مسألة الحرية)، يُنظر:

Joel Robbins, "Between Reproduction and Freedom: Morality, Value, and Radical Change," Ethnos , vol. 72, no. 3 (September 2007), pp. 293–314. (55) Elizabeth Anscombe, "Modern Moral Philosophy," Philosophy , vol. 33, no. 124 (January 1958), pp. 1–19.

«الأخلاق»، وبخاصة «الحقوق» و«الواجبات» التي تظهر في قواعد سلوكية (حيث تخُص الحقوق الذات الفاعلة التي تنتفع بها، وتُفرَض عليها الواجبات التي تُقيِّد حريتها).

ثانيًا: تأويل القرآن أم الإنصات إليه؟

ماذا يحدث لو أصبح المؤمن واعيًا بما يبدو أنه تعارضات أو غرائب خطيرة في خطاب إلهي؟ قد

يتخوف المؤمن أن هذا سيتبعه انهيار للإيمان. ولكن إذا لم يتخل المؤمن عن إيمانه تمامًا، فعليه أن

يجد طرقًا لترجمة ما يبدو متعارضًا أو غريبًا إلى ما ليس كذلك. وفي التقليد الخطابي الإسلامي حاول

الفلاسفة درء التعارض بأدوات تأويلية لمنع الشك أو تبديده. غالبًا ما يصف الباحثون الغربيون في الفكر الإسلامي الفلاسفةَ وعلماءَ الكلام المسلمين القائلين بأولية

النظر العقلي في التأويل (مثل المعتزلة) بأنهم «عقلانيون»، والقائلين بأولية الوحي (مثل الحنابلة) بأنهم «تقليديون». ويميل التقليديون إلى الالتزام بالتفسير الظاهر؛ ولذا، يُنظر إليهم بوصفهم «حرفيّين».

لكنني أريد أن أثير سؤالً يسبق هذا التصنيف: ماذا يُشكِّل موقفًا أمينًا من القرآن؟ أي كيف يتحقق

الإقرار بالوحي الإلهي، أو الشك فيه؟ يَرِدُ في القرآن ما يبدو أنه تعارُضٌ في الإخبار عن الله. فمن جهة، هناك صفات جسدية ونفسية (لله وجهٌ ويدٌ، وهو يُعبِّر عن غضبه، وعن رحمته، وما إلى ذلك)، وعادةً ما تُنسب هذه الصفات إلى البشر. وقد

يوحي ذلك بأن الله كائنٌ بشري عظيم ذو قوى خارقة ومشاعر مزدوجة. ومن جهة أخرى، تمنع سورة

الإخلاص إمكانية تمثيل الله: ﴿قُلْ هُوَ الللّحَدٌ، الَّهُ الصَّهُ أمَدُ، لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كفُوًا أحَدٌ﴾

(الإخلاص: 4–1). وللتمثيل Representation معنيان: الدلالة على الأشياء بكلمة أو صورة، والقيام مقام شخص آخر والتكلم بلسانه. ويرى أهل الحديث والآثار Traditionalists أن الله لا يمكن تمثيله

(((5 تعليقاتي الواردة هنا حفّزت عليها مجموعة دراسات ضمن مؤتمر نظمه إسلام دية في برلين بعنوان «أن نقرأ فتغنشتاين عربيًا.» (((5 ليست سورة الإخلاص مجرد إقرار بأن الله لا يمكن وصفه، لأن الله، على سبيل المثال، لا تدركه الأبصار، بل هي شهادة بأن الله لا يشبه الأشياء، بمعنى أنه لا يتجزأ بفعل الزمن ولا يخضع للسببية، وأنه لا تدركه الأبصار مع أنه من الممكن الشعور به. فالله ليس شيئًا كالأشياء، ولا هو فكرة مجردة. وما دامت كل الأشياء يمكن تمثيلها وتجريدها (وفق المنطق العلماني) فإن الله لا يمكن

تمثيله، ومن ثم لا وجود له [بحسب المنطق العلماني]. لكن انعدام القدرة على تمثيل الله لا تعني غيابه. يمكن وصف الله بما ليس عليه (بالنفي)، واستعمال الصفات القرآنية هو طريقته في تقريب نفسه للأفهام واتصاله بالعالم البشري عبر اللغة البشرية (فليست إمكانية الرؤية ضرورية للتعامل مع العلاقات على أنها واقعية). ويقوم النهي الإسلامي على الإدراك بأن التمثيل تجريد يوحي بإمكانية تجريد طريقة أخرى وتمثيلها. إن التقليد اليهودي الذي يتشارك مفاهيم وتوجهات كثيرة مع الإسلام يبدو غامضًا بشأن

إمكانية تمثيل الله، «مع أن القول بعدم وجود صورة لله هو ركن من أركان الإيمان كما يرى ابن ميمون (العالم الإسلامي اليهودي في العصر الوسيط)، ليس واضحًا تمامًا أن هذا القول مقبولٌ في الكتاب المقدس أو في التقاليد الحاخامية. ففي الكتاب المقدس، يبدو

أن الله له صورة حقًّا، عدا أنه محرمٌ تمثيلٌ هذه الصورة بأي طريقة. وهكذا، على سبيل المثال، عندما يطلب موسى أن يرى وجه الله،

يقول الله: ‘لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش’ (سفر الخروج:33 20). في موضع آخر يُقال عن موسى إنه ‘يعاين

شِبْهَ الرب ’ (سفر العدد:12 8)، ويقال عن شيوخ بني إسرائيل إنهم ‘رأوا الله وأكلوا وشربوا’ (الخروج:11 24)، وأن أشعياء قال:

‘رأيت الرب جالسًا على عرشٍ عالٍ ومرتفع’ (أشعياء:6 1)، ووصفه حزقيال بأن له ‘شبه كمنظر إنسان’ (حزقيال:1 26). وهكذا يبدو

أن النهي عن التمثيل ليس مرتبطًا بسؤال ميتافيزيقي حول ما إذا كان لله صورة، بل طرق تمثيل الله في العبادات والشعائر». ينظر:

Moshi Halbertal & Avishai Margalit, Idolatry , Naomi Goldblum (trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992), pp. 45–46.

بأي الطريقتين، وأن انتفاء إمكانية التمثيل المحدد يعني عدم وجود تمثيلات متعارضة في الخطاب القرآني (حيث يُعبّر مصطلح «التنْ زيه» في علم الكلام الإسلامي عن استبعاد كل العناصر التشبيهية في

تصور المؤمن لله). يجد العقلانيون Rationalists أنفسهم مضطرين إلى حل التعارضات الظاهرة بالمقاربة المجازية للّغة القرآنية. ويرى متكلمون من أمثال فخر الدين الرايَّز (ت. 606 ه/ 1210 م) أن التعارض الأساسي هنا

هو بين العقل والنقل، أو تحديدًا بين الأساس الذي يمثله عقل مجرد من جهة، والطاعة التامة من جهة أخرى. إن استعمال «النقل» للإشارة إلى فعل «الامتثال التام» في مقابل استعمال «العقل» للإشارة إلى «الذكاء النقدي»، هو فعل معتاد في الخطاب الفلسفي. أمّا الاستعمال الأكثر شيوعًا لمصطلح «النقل» فيشير إلى انتقال العادات والمعتقدات من جيل إلى جيل، واتباعها، وروايتها. ويرى أهل الحديث والآثار أنه ما دام الله نفسه يعلن أن الوحي الذي أنزله هو «الكتاب المبين»، فينبغي أن يُفهم

كلام الله كما قِيل، وليس كما يرى بعض العلماء. وينتقد الفقيه والعالم الحنبلي الشهير ابن تيمية (ت. 728 ه/ 1328 م)، أنصار نظرية مجاز القرآن، ويؤكد أن كلمة «مجاز» ظهرت في وقت متأخر تمامًا في تاريخ تفسير القرآن – كما تكلّم بها أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت. 209 ه/ 825 م) – وحتى

ذلك الحين: « لم يُعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عُنيَ بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية »،

وبعبارة أخرى، يُوحي ابن تيمية بأن استعمال «المجاز» بمعنى الصورة المجازية ليس له مرجعية تداولية في تفسير القرآن؛ لأنه لا يظهر في السنوات الباكرة من الممارسة والعقيدة الإسلامية التي بدأت مع النبي وصحابته. وهكذا يختلف «التقليديون» و«العقلانيون» في موقفهم من المجاز، فماذا تفعل فكرة المجاز في واقع الأمر؟ رغم كثرة الأدبيات النظرية الحديثة في هذا الموضوع، يكتنف فكرةَ المجازِ الغموضُ. ويبدي فتغنشتاين رأيًا مثيرًا في الموضوع: «فلا بد من أن تكون قد تعلمت أن تحسب – كتابةً أو نطقًا – حتى تستطيع أن

تفهم، بواسطة هذا التصور، ما طبيعة الحساب في الذهن. إن المعنى الثانوي ليس معنى ‘مجازيًا’. فإذا قلت: ‘إن الحرف المتحرك e) (في رأيي أصفر اللون’، فإنني لا أعني: ‘أصفر’ بمعنى مجازي؛ لأنني لا أستطيع التعبير عما أريد قوله بأية طريقة أخرى غير استخدام مفهوم ‘الأصفر»’. ومن ثم يرى فتغنشتاين (وكذلك ابن تيمية) أن التفرقة بين المعاني الحرفية (الأصلية) والمجازية (اللاحقة) لكلمة أو لعبارة ما، ليست بالغة الأهمية هنا؛ بل تكمن الأهمية في أن ما قد جرى تعلُّمه يمكن أن يصبح أساسًا لفهم الخبرة اللاحقة وتشكيلها. هذه التفرقة بين المعاني «الأولية» والمعاني «الثانوية لكلمة ما،

لا توضح الصلة بين «الحرفي» و«المجازي»، بل توضح سيرورةعمليةً للتعلُّم، إنها سيرورة تمكين المرء من تطوير الذات. صحيح أن استعمالاتنا المتتالية لمفهوم معيّن تحوّله إلى الوسيلة الضرورية

لاستيعاب مفهوم آخر، وعندئذٍ قد نصف المفهوم الأول بأنه الأولي، والثاني بأنه الثانوي، لكن

((5(أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الإيمان، خرج أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني (بيروت: المكتب الإسلامي، 1996)، ص 74. لم أرجع إلى هذا الكتاب لأنه مرجعية، بل لأنه يتناول بوضوح شديد وبطريقة منهجية مركزية الممارسة عند المؤمن. ((5(فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.324

ما دامت الآية القرآنية يُعبةَّر عنها دومًا ب «الطريقة المثلى والوحيدة الممكنة»، فلا يمكن أن توجد تفرق

بين المعاني البديلة، ولا داعيَ للمفسر إلى أن يستحدث معانيَ مجازية (أو ثانوية) محل المعنى

الحرفي (أو الأولي) حتى يدرأ التعارضات. ولا يقتصر ذلك على الصفات القرآنية التي ذكرناها آنفًا، بل ينطبق كذلك على صفات الكمال الإلهي، «أسماء الله الحسنى» التسعة والتسعين، وهي عبارة ترد مرات عدة في القرآن، وهي أسماء يحفظها المؤمنون في صغرهم، ويستشعرون قدرتها المتعالية؛ ليس باعتبارها قضايا منطقية تتطلب الإثبات، بل باعتبارها كلامًا إلهيًّا يُعينهم على تهذيب نفوسهم

وتزكيتها. ومع أن اسم «العدل» هو من بين «الأسماء الحسنى»، فإنه لا يرد في القرآن صفةً من صفات الله. ربما يرجع ذلك إلى أن تركيب كلمة «العدل»، يقصُر استعمال المفهوم على سلوك البشر فيما بينهم

دون العلاقة بين الخالق والمخلوق. ويسري مفهوم «العدل» على البشر تحديدًا؛ لأن البشر وحدهم يمكن أن تنتفي عنهم صفة العدل. ولمّا كان من غير الممكن أن تنتفي عن الله صفة العدل، فإن

مفهوم العدلوفق تركيبه لا يمكن استعماله لوصف أفعال الله بالطريقة التي يُستعمل بها لوصف

أفعال البشر. لكن الموضوع يتجاوز مجرد الخلاف حول كيفية إعادة تعريف المفردات التي تبدو متعارضة. لا يرفض أهل الحديث والآثار النظر العقلي، بل يرفضون القول إن القرآن لا بد من أن يكون موضوعًا للنظر الفلسفي حتى يمكن فهمه. ويُعبِّر ابن تيمية عن رفضه لهذا الأمر قائلً: «إن أهل العلوم والمقالات،

وأهل الأعمال والصناعات، يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها، ويحققون ما يعانونه من العلوم والأعمال من غير تكلمٍ بحد»ٍّ. ويعني ذلك أن تعلم ممارسة شكل معين من الحياة سابق على تقديم التعريفات أو إعادة التعريفات، وأن في وسع المرء أن يقوم بما يتطلبه شكل الحياة الذي يعيشه على أكمل وجه، من دون اللجوء إلى تعريفات مجردة. ويتألف النظر العقلي الذي يستخدمه أهل الحديث والآثار من استجابة عملية للوحي كما يستمع له المؤمنون وينصتون إليه. وما دام شكل حياتهم متأصلً في خطاب المجال التداولي الذي يهتدي بهدى الله، فإنهم يدركون أن الإقدام على التعامل الجذري مع القرآن بالمعايير العامة المستخدمة في تأويل أي نص آخر يُفضي إلى الجدال في معناه، وتلاشي

سلطته بصفته وحيًا. خلاصة القول: وجد أهلُ الرأي في وجود الصفات البشرية المنسوبة إلى الله

(((6 «من الصعب علينا أن نتخلص من هذه المقارنة: رجل يظهر لحضور حدث ما، والحدث يظهر. كما لو أنّ حدثًا يقف

مستعدًا الآن أمام باب الواقع، ثم يؤخذ ليظهر في الواقع، مثل الدخول إلى غرفة. ليس الواقع خاصية ما زالت ناقصة فيما يُتوقع

والتي تظهر عندما يحدث التوقع. وليس الواقع مثل ضوء النهار بحيث تحتاج الأشياء إلى اكتساب اللون، عندما تكون هناك بالفعل، كما لو أنها كانت من دون لون، في الظلام».

Wittegenstein, Zettel , 59–§60.

(((6 وردت أول مرة في سورة الأعراف، الآية.180 ((6(أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جُهد القريحة في تجريد النصيحة، تلخيص جلال الدين السيوطي (بيروت: مكتبة العصرية،

2009)، ص 29. لا ينهى ابن تيمية ولا فتغنشتاين عن ممارسة الفلسفة في حدها، بل عن سوء استعمالها. (((6 مع ذلك، تشير الدعوة إلى قراءة القرآن على أنه «ديني محض» إلى رؤية مسيحية في عصر ما بعد الإصلاح ما دامت تفترض أن للدين جوهرًا كونيًا («روحي») يمكن تجريده من تشابكاته العارضة («الزمنية»)؛ من السياسة، والقانون، والأخلاق، وما إلى ذلك.

علامةً دالةً على التعارضات بين العلامات اللغوية، وتعارضًا كلاميًّا يتطلب دفاعًا نظريًّا عن كلمة الله.

وأمّا أهل الحديث والآثار فلم يعتبروا الصفات تمثيلات، بل طريقة جوهرية للتعلق المباشر بصفات الذات الإلهية؛ ذلك أن شعور المؤمن بالأمانة والإخلاص والنزاهة والوفاء، يتجاوز تعزيز علاقات الصداقة والحب في المعاملات اليومية إلى فهم العلاقة مع الله والبناء عليها. على العكس من أهل الرأي، لم يجد أهل الحديث والآثار حرجًا مما يبدو أنها معانٍ متعارضة، بل سعوا إلى البناء على الإيمان باعتباره تعلقًا بالوحي الإلهي الذي يستمعون إليه عند قراءة القرآن. إننا لا نقول في شهادة التوحيد: «أؤمن بالله»، بل نقول: « أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»؛ فليست الشهادة مجرد تأكيد للإيمان (مع أنها أيضًا كذلك)، بل هي إشهارٌ للإيمان المطلق بالله، وإشهارٌ للالتزام باتباع شكل معين من الحياة. إن الإيمان أمرٌ يُجْمِعُ عليه أهل الرأي وأهل الحديث والآثار (ومن المهم عدم اختزال الفريقين

في مفهومين ثابتين دومًا يستبعد الواحد منهما الآخر)، لكن مفهوم الإيمان، فيما يبدو لي، له تكافؤ نفسي وشعوري مختلف لكل فريق. يميل أهل الرأي إلى درء التعارض الظاهر في معاني الخطاب القرآني، ويلجؤون في ذلك إلى التأويل. وأمّا أهل الحديث والآثار فيتخذون الصفات المتعددة سبيلً شعوريًّا للتعبير عن حياة المرء وتشكيلها في الاستسلام المطلق لله (وهذا معنى الإسلام). فبينما يجد أهل الرأي التعارض الظاهر مشكلةً فكريةً في الأساس، يجدها أهل الحديث والآثار سبيلً إلى شكل حياة شرعه الله لعباده، وهو شكل يرجى له التحقق بالاستماع لكلام الله بالآذان وقراءته باللسان. لكن مقاربة أهل الحديث والآثار للخطاب القرآني تؤكد أن الله لا يمكن تمثيله (لأنه يتجاوز قدرة البشر على استيعابه)، وأنه صاحب الصفات التي تربط خلقه به، ﴿ونَحْنُ

أقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدَ﴾ِ (ق:.)16 ثمة تشكك معروف في صفات الذات الإلهية، ويدفع المتشككون في أنه إذا كان الله مطلق الخير

(((6 كتب محمد عامر مزيان مقالة ممتازة عن عدم قابلية ترجمة القرآن باعتباره كلام الله، وستجد المقالة طريقها للنشر قريبًا. (((6 في العربية المعاصرة، تشير كلمة «تأمين» إلى «التأمين ضد المخاطر» Insurance، و«التأمين الاجتماعي» Security Social، وما شابه ذلك، لكن مفهوم الإيمان ليس له أي علاقة بالوظيفة الحديثة للحساب والفعل وفق الاحتمالات. إنه يرد كثيرًا في القرآن

باستخدام الجذر (ء م ن) ومشتقاته (ومنها إيمان) بمعنى الأمان والثقة المطلقة بالله. (((6 في دراسة عن تلقي خُطب الجمعة في القاهرة، يصف تشارلز هيرشكايند ببراعة الطريقة التي يستجيب بها المسلمون المؤمنون

العاديون لتلاوة الآيات القرآنية باعتبارها كلام الله، وليس باعتبارها كلام القارئ الذي يتلوها. ينظر:

Charles Hirschkind, The Ethical Soundscape: Cassette Sermons and Islamic Counterpublics (New York: Columbia University Press, 2006).

ربما يتوازى ذلك مع تمييز واضح في المسرح العلماني بين الممثل والشخصية التي يسعى إلى تجسيدها (التي يضع كلامها مؤلف المسرحية). لكن على العكس من الإنصات إلى قراءة القرآن، يهتم المرء في المسرح بالكلمات باعتبارها كلمات شخصية على خشبة المسرح وليست باعتبارها كلمات المؤلف. ولا أقصد بذلك أنني أقول إنه لا يوجد تمثيل درامي لدى المسلمين (أشهر تمثيل درامي لحدث تاريخي ديني في المذهب الشيعي هو إعادة التمثيل السنوي لطقوس مقتل الحسين، حفيد النبي محمد، في معركة كربلاء في يوم عاشوراء)، بل ما أقصده هو أن التمييز بين مؤلف القرآن والشخص الذي يتلفظ به هو تمييز ضروري في التقليد الخطابي الإسلامي، لكن الأهم هو أن الفعل المتكرر للقراءة يُشكل الإيمان تشكيلً جوهريًّا.

ومطلق القدرة، فلِمَ يسمح بوجود الشر في العالم؟ وهنا يُقال أحيانًا: إن ما يراه الناس شرًّا يسمح به الله

وسيلةً إلى غاية يعلمها، وليس هو [أي الشرّ] غايةً في حد ذاته، وغاية الله لا يعلمها البشر؛ ولذا، ليس

لهم أن يُعرِّفوها بأنها «شر». لكنني لن أتناول هذا الموضوع بهذه الطريقة؛ لأنّ المسلمين المؤمنين

قلّما يفعلون ذلك في حياتهم العادية، بل سأحكي عن لقاء مرّ عليه ما يقرب من ستين عامًا، وما زلت

أتذكره كأنه أمام عيني الآن. بعد فترتي الأولى من العمل الميداني بين قبيلة الكبابيش البدوية في السودان، في منتصف الستينيات تقريبًا، زُرت صديقًا من قبيلة الكبابيش، يُحتضَرُ من مرض السكري في مستشفى بمدينة الخرطوم بعد معاناة طويلة من المرض والألم. قلتُ له بنبرة تبشره بالخير، وتُداعبه إلى حد ما: «ما هذا يا عبد الله؟» ردّ عليّ قائلً: «هذه إرادة الله»، ثم حد ثَني عن القلق الذي يساوره بشأن ابنته الصغيرة

ذات الثماني سنوات، لكن لم يكن في صوته أي أثر أو علامة تدل على أي شيء إلا الرضا. لم تكن «إرادة الله» بالنسبة إلى صديقي كلمة دالة على موضوع للمعرفة الممكنة أو التنظير، بل كانت تعبيرًا وَجنِلً عن الإيما (ما قد يسميه فتغنشتاين الإقرار بحقيقة الإيمان Avowal)، وهو أمر عادي في شكل حياته. ما أقصده هو أن أهل الحديث والآثار يرون أن التعارض الظاهر (مثل: الله رحيم، لكنني أموت من مرض مؤلم ومُهلك)، لا يتحقق حله فلسفيًّا (أي ترجمة مجموعة من الكلمات إلى كلمات أخرى)، بل يتحقق بالاستعانة بكلمات تعبّر عن شكل معين من الحياة. إنها مُعايشات

وليست تمثيلات، بمعنى أن كلام الله العظيم يصدر عن عدم قابليته للوصف وقُربه من الإنسان معًا. إن الله مُنزهٌ عن «الشر» و«الظلم» (وهذه جملة تتوافق مع النحو كما يفهمه فتغنشتاين). فإذا لم نفهم دومًا أوصاف الله لذاته أو أفعاله، فإنما يعود ذلك، كما يرى أهل الحديث والآثار إلى أننا لن نراه رأي العين، ولا يمكننا أن نترجم كلامه على وجه الدقة والتحديد إلى كلام يضعه البشر: ﴿قُلْ لَوْ

كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنَا بمِثْلهِ مدَدًاَ﴾ (الكهف:)109. ولذا فإن ما يستطيع المؤمن فعله، هو عدم محاولة ترجمة كلام الله إلى كلمات أخرى (محاولة التأويل بما يخالف المعنى الأصلي أو روح النص)، بل استنهاض الجسد الذي نفخ الله فيه من روحه ليشارك في شكل حياة يهتدي بهدى الله. خلاصة القول: لا يرى أهل الحديث والآثار القرآن مجرد عرض لتعارض ظاهر، بل الله وهو يتكلم إلى البشر في أزمنة بشرية مختلفة وبطرق خاصة مختلفة؛ طرق تمتنع ترجمتها على أكمل وجه إلى لغة بشرية، ولكن يمكن الاستجابة لها. فليس القرآن نصًّا ماديًّا (المصحف)، ولا مجرد تجويد، بل

إنه الله وهو يتكلم، والمؤمنون وهم يستمعون له. وذِكر صفات الله في القرآن – مثل التأكيد بأن الله ليس كمثله شيء –، هو دعوة إلهية غايتها غرس التقوى، وهي شكل حياة يقوم على فضيلة الرهَبَّ (لا يقتصر توجه الرهب نحو شخص معين، بل، كما وصفه باسكال ذات مرة، نحو الاتساع

(((6 يفضل محمد أسد ترجمة كلمة «رب» إلى الإنكليزية بكلمة Sustainer بدلً من كلمة Lord؛ لأن كلمة «رب» توحي بمعنى

تربية الطفل.

اللانهائي للكون، وضآلة البشر فيه، ومن ثم نحو الخَلق المستمر للكون، وإعادة خلقه، وعالمنا الذي يبدو شذرةً دقيقةً فيه). المُخاطَب في القرآن هو «الجسد المهتدي بالروح»؛ بمعنى أن الأسلوب التربوي للغة – التدريب

المتكرر على الممارسة الفاضلة – يرتقي بالعلامات الدالة، ويُشكلها، ويحوّلها إلى جسد المتعبد

المنصت، بل إلى قدرة المتعبد على الشعور والفعل، بوصفه مسلمًا مخلصًا لله في العالم، ومن ثمّ

تعلم فضيلة الرهب، والتوكل على الله. وفق المنظور القرآني للجسد الذي نفخ الله فيه من روحه، كلما زادت ممارسة فضيلة ما، صارت أيسر (وأقل قصدية). والعكس صحيح؛ فكلما زاد استسلام المرء للرذيلة، زادت صعوبة إتيانه الفضيلة، وقد أخبرنا القرآن في غير موضع أن الله يطبععلى قلوبالعُصاة فهم لا يسمعون. وهذا يعني أن عقاب الإصرار على الإثم هو أن يبقى الآثم على حاله، غير قادر على تمييز الفضيلة من الرذيلة. والافتراض الذي يكمن وراء هذه الرؤية هو أن البشر لا يمكنهم النجاة من أثر الإصرار على إتيان المعاصي. وقد أخبرنا القرآن بأن عاقبة الإصرار على إتيان المعاصي هي العجز عن تمييز الصواب من الخطأ، والخير من الشر، والإصلاح من الإفساد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم لَ تُفْسِدُوا فِي

الرْضِ قَالُوا إِن مَأَّا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، لَ إِنهُنَّمْ همُ الْمُفْسِدُونَ ولَكِ لَ يَشْعرُون﴾َ (البقرة: 11، 12). أن

يُتقن المرء نحوَ كلام معين، ويعيش في شكل حياة معين، يعني ذلك أن يكون شخصًا من نوع خاص،

وتكون الفضيلة له متأصلة في ذاتها، وإتقانها هو ثوابها. يستشهد ابن تيمية بحديث معروف عن النبي محمد من وجوه متعددة: «الحياءُ شُعبةٌ من

الإيمان»، ويقول إن الإيمان ليس مجرد سلوك ظاهر، ولا مجرد سريرة باطنة، بل إنّ الاثنين

(((6 يقول باسكال: «عندما أفكر في عُمري القصير في أبدية الزمن [...] والحيز الصغير الذي أشغله، بل الذي يبتلعه الامتداد

الشاسع للأكوان التي لا أعرف عنها شيئًا، والتي لا تعرف عني شيئًا، أشعر بالرهب، وأشعر بالدهشة لأنني أجد نفسي هنا وليس

هناك، فليس هنالك من سبب يبرر وجودي هنا وليس هناك، لمَ الآن وليس بعد ذلك؟».ِ

Blaise Pascal, Pensées , Honor Levi (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 1995), p. 26.

كان باسكال شخصية مهمة في الظهور الباكر لنظرية الاحتمال، وهو مشهور بدفاعه عن الإيمان بوجود الله، أي بالأسلوب العلماني للاستدلال العقلي غير القائم على الرهب ولا الإيمان، بل على نظرية الاحتمال. إن دفاعه النظري القاطع عن الإيمان بالله يكشف أنّ وجود الله أو عدمه ليس مسألة متوقفة على المصادفة، بل إنها مسألة إيمان وفعل معقول يمكن أن يسري عليه الاستدلال

الاحتمالي الجديد». يُنظر:

Hacking, The Emergence of Probability , p. 12.

(((6 توجد هذه الرؤية أيضًا في التصورات القديمة عن الروح. تقول إريس مُردُك Murdoch Iris: «تخبرنا محاورة أفلاطون

‘ثياتيتوس’ Theaetatus بأن عقوبة الشر هي ببساطة أن يبقى المرء على حاله». ينظر:

Iris Murdoch, The Fire and the Sun: Why Plato Banished the Artists (Oxford: Oxford University Press, 1977), p. 39.

(((7 كلمة «حياء» تتضمن معنى الخجل، كما في التوبيخ الشائع «يا قليل الحياء!». لكنها تقترب في الكلام العادي من كلمة «الحياة». ويرى ابن القيم، وهو الفقيه الشهير وتلميذ ابن تيمية، أن لفظ الحياء «مشتق» من الحياة؛ لأن «من لا حياء فيه، ميت في

الدنيا شقي في الآخرة»، ينظر: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، الداء والدواء، تحقيق محمد أجمل الإصلاحي (جدة: مجمع الفقه الإسلامي، 1429 ه)، ص 170–168. كان ابن القيم بالطبع يرسم علاقات مفاهيمية (في إطار ما قد يسميه فتغنشتاين مفاهيم أسرية)، وليس الجذور الاشتقاقية لكلمة «الحياة». وأنا ممتن لإسلام دية الذي لفت انتباهي إلى هذا الاستشهاد. ((7(ابن تيمية، الإيمان، ص. 13

متلازمان في الإيمان. فليس الإيمان حصيلة تقييد سلبي، بل هو تشكيل للحياة البشرية الفاضلة وتزكيتها. يقول فتغنشتاين: «ربما في وسع المرء أن يقنع أحدًا أن الله موجود بفضل طريقة معينة في التربية، وبفضل تشكيل حياته بطريقة معينة. في وسع الحياة أن تربّي الإنسان على الإيمان بالله. والخبرات أيضًا هي ما تحقق ذلك، لكنني لا أقصد الرؤية البصرية ولا غيرها من الخبرات الحسية التي تُظهر لنا ‘وجود هذا الكائن’، بل – على سبيل المثال – المعاناة بشتى ألوانها. إن تجارب المعاناة نفسها لا تُظهر لنا الله بالطريقة التي تُظهر بها الانطباعات الحسية موضوعًا معينًا، ولا يصدر عنها تخمينات حوله. الخبرات والسرائر، في وسع الحياة أن تفرض هذا المفهوم علينا». لازمُ هذا أن فقدان الإيمان بالله قد لا يكون بالضرورة نتيجة دليل عقلي، بل نتيجة تحولات هائلة في شكل حياة جعلت لغة قديمة تصبح عديمة المعنى. هاجم ابن تيمية القائلين بأن المعنى الجوهري للإيمان هو التصديق وليس العمل، وبأن جميع الأقوال الواردة عن ضرورة العمل لا بد من أخذها على المجاز. لكن إذا كانت حقيقة الإيمان لا تقوم إلا على ما وقر في القلب، وليس بما صدّقه العمل، فإن المرء، كما يرى ابن تيمية، لن يستطيع أن يعرف أعداءه من أفعالهم وحدها. ولا يقصد ابن تيمية بذلك أن التصديق باعتباره حالة داخلية يعد كافيًا

في مسألة الإيمان، بل يقصد أنه ليس من الضروري دومًا أن ننقب في قلوب الناس حتى نعرف كيف يكون سلوكنا تجاههم. ففي الحرب، على سبيل المثال، يعتبر السلوك العدائي الصادر عن العدو كافيًا.

وغالبًا ما يمكن فصل التصديق الداخلي والسلوك الخارجي، ولكن من أجل الإيمان لا يكون أحدهما

كافيًا بذاته (أن يتصور المرء أنه يتّبع قاعدة، كما يقول فتغنشتاين، لا يرقى إلى اتّباع القاعدة). وبناء على

ذلك، يرفض ابن تيمية، بوضوح، مذهب الجبرية والقدرية الذي تمثله الفِرق الدينية في العصر الوسيط، ولا سيما القرامطة والجهمية، ويُصر، خلافًا لرؤيتهم، على أن الطريقة التي يعيش بها المرء في هذا

العالم جوهرية للإيمان، ومن ثم للطريقة التي سيُحاسب بها المرء بعد الموت. وهذا يعني أن تعلم

التقليد الخطابي الإسلامي وممارسته، بما في ذلك طريقة التفكير والشعور والكلام والسلوك، مسألةٌ ضروريةٌ لاكتساب الإيمان وتقويته. هكذا يُحذر «أهل الحديث والآثار» من النظر المجرد في ما يبدو تعارضًا قرآنيًا ظاهرًا والحل النظري

لها، ومن اختزال التأويل إلى ترجمة كلمات إلى أخرى، ومن اعتباره الطريقة الأساسية لاستقبال معنى الأصل (هذا الفهم يعدّه ابن تيمية «ابتداعًا»)، حيث يفترض التقليد الخطابي إتقان النحو الذي يُشكل الحياة العادية، ولا يفترض بالضرورة استحداث معانٍ جديدة. وقد يتضمن المجال التداولي استحداث معانٍ جديدة، لكن لا يحتار أهل الحديث والآثار في المعاني الواردة في القرآن، بل يسعون إلى الاستجابة لدعوة القرآن إلى اتّباع شكل خاص من الحياة.

(72) Ludwig Wittgenstein, Culture and Value (Chicago: University of Chicago, 1984), pp. 85–86.

((7(ابن تيمية، الإيمان، ص.73 (((7 المرجع نفسه، ص.170–169 (((7 المرجع نفسه، ص 109،.120

الشريعةُ تقليد خطابي يهتم أيّما اهتمام بالممارسة الصحيحة في العلاقات الاجتماعية، وليس بالنظر الفلسفي أو علم الكلام. إن التوجه الأساسي للشريعة نحو اللغة القرآنية متجذر في جماعة تتشارك ممارسات ترتبط باللغة، وتتوارثها الأجيال. فليست الشريعة، مثلما تفهمها التفسيرات العلمانية، خلطًا للأخلاق والقانون عبر لاهوت بدائي، بل هي تقليد خطابي لا يشير بصورة حرفية إلى ما نسميه «الأخلاق»، ولا إلى ما نسميه «القانون»، بل تبدأ المصادر الأساسية للشريعة بالقرآن، ثم الس نة، ثم

الإجماع، وعندما لا نجد إجابة شافية نلجأ إلى القياس. كما تتضمن الشريعةُ العُرفَ أو العادةَ، بمعنى الأعراف المقبولة بوصفها موضوعات لحوار متواصل حول الماضي في سياق حاضر متحول. على العكس من القرآن، تُعَد الشريعة (بمعنى الفقه) نتاج اجتهاد بشري، ومن ثم فهي عُرضة للخطأ وفي حاجة إلى التجديد. ليست الشريعة دنيوية كليًّا لأنها «شرع»، ولا أرغب في استعمال كلمة «علماني»

لوصف التصنيف الشرعي المعروف بالمُباح أو الجائز، لأنه يتعلق بالسلوك الذي يقع خارج نطاق

المُحرم، والمكروه، والواجب، والمندوب (أي السلوك القائم على أحكام تكليفية واضحة، حتى إنّ

البعض يعده «دينيًا)». خلاصة القول: الشريعة تقليد خطابي يسعى إلى هداية جماعة دنيوية بالامتثال

إلى كلام الله، ولا بد من أن تبقى الشريعة في «حالة جيدة»، عبارة نقتبسها من ماكنتاير. إذًا، لم يعتبر «أهل الحديث والآثار» القرآن نصًّا يحوي تعارضًا يجب درؤه، بل وجدوا فيه دعوة إلى أن يستجيبوا لمن ليس كمثله شيء، وأن يدعوه رهبًا ورغبًا، ومن أجل إعادة توجيه شكل حياتهم أو تعميقه

على أقل تقدير. ولمّا كان الموت ينتظر كل واحد منّا في نهاية الحياة، فإنه يساعد الأحياء على

تعريف ماهية تلك الحياة الماضية، والتيقن أنه لا يمكن معرفة ما سيحدث «فيما وراء ذلك». يستشهد ابن تيمية بحديث نبوي مشهور مفاده أن «الدين» يتألف من ثلاث مراتب: أعلاها الإحسان (غرس الفضائل العملية)، وأوسطها الإيمان (الثقة بالله)، وأدناها الإسلام (الاستسلام التام لله). ويتضمن الإيمان الذي يستشعره المؤمن استعدادًا للعناية باللغة القرآنية ونطقها وتكرارها واستبطانها وتعهدها تقربًا إلى الله. إن شعور المؤمن بالرهب والرغب يربط الذات بالموضوع من دون اتحاد الاثنين، ولذا يرفض ابن تيمية بشدة المذهب الصوفي الباطني القائل بوحدة الوجود؛ لأن افتراض اتحاد الذات والموضوع ينفي الطابع المستقل للقوة/ القدرة التي تستوعب الحياة البشرية من «الخارج»، بل إنه يُسقط المثال المتعالي الذي يمكن أن يتطلع إليه المؤمنون. أمّا افتراض النقاد العلمانيين أن العابد

(((7 ناقشت هذه التصنيفات الفقهية نقاشًا مستفيضًا في ورقة بحثية عن فقيه إصلاحي مصري في بداية القرن العشرين، ورأيت فيها

أن إصلاح الشريعة الذي يعتمد على إخضاعها للسلطة العليا التي تمثلها الدولة الحديثة يرقى إلى العلمنة. ينظر:

Talal Asad, "Law, Ethics and Religion in the Story of Egyptian Modernization," in: Heike Bock, Jörg Feuchter & Michi Knecht (eds.), Religion and Its Other: Secular and Sacred Concepts and Practices (Frankfurt/New York: Campus Verlag,

(((7 يميز بعض المستشرقين بين مقاربتين للنص القرآني. تحاول الأولى فهم ما تعنيه لغة القرآن (التفسير)، وأمّا الثانية فتتعامل معه

على أنه خبرة جمالية (البلاغة)، أي على أنه خبرة تأويلية. ومع أنني لن أخوض في إمكانية الاستمتاع بالقرآن على أنه خبرة جمالية علمانية، فإن ما تغفله هذه القراءة الاستشراقية هو تشكيل النص لحياة المسلم، وذوبانه في وجدانه، ودخوله في قلبه، وانعكاسه في كل حركاته وسكناته. ((7(ابن تيمية، الإيمان، ص. 7

والمعبود هويتان منفصلتان ومكتفيتان بذاتيهما تمامًا، فيفضي إلى زعمٍ مفاده أنه ما دام «الرغب في الله» من جانب المؤمن ليس سوى رغب في شخصغير موجود، فإن شعور الرهب والرغب ليس إلا تعبيرًا عن انفعال نفسي تجاه اللاشيء. يمكننا توضيح هذه الفكرة باستخدام تشبيه من تقليد خطابي آخر. على الرغم من عدم وجود صورة لله في القرآن (ومن ثم عدم وجود فن مختص بدراسة الأيقونات المقدسة في الإسلام)، فإن لغة القرآن أيقونية Iconic؛ أي ليس لها محل ثابت، ولا منظور وحيد تتقيد به؛ إذ ليس في وسع المرء أن يرى الله، لكن يستطيع أن يستشعره. لا تمثل Represent اللغةُ شيئًا تشبهه (كما في معنى «الأيقونة» عند تشارلز ساندرز بيرس Pierce Sanders Charles (1839–1914))، بل تعرض Present إمكانات عملية. يرى المؤمن أن الله يتجلى مباشرة في كلامه، فليس الله ذاتًا مستقلة عن كلامه، بل إن القصد (المعنى) الإلهي للكلام متضمن في استجابة المؤمنين له. عندما تضع العبادات التي دعا إليها كلام الله أساسًا لحياة إيمانية، فإنها لا تتطلب تأويلً، بل تتطلب وقتًا. فليس هنالك ما يدعو الفلاسفة والمتكلمين، كما يرى ابن تيمية، إلى أن يؤوّلوا ما يعنيه حقًّا اللهُ بكلامه (بتأويل كلماته إلى علامات لغوية أخرى)، أو بأن يخبرونا بصورة الله الحقيقية؛ وذلك لأن كلام الله هو الفيصل في إخبارنا بتلك الأمور. الاستجابة لكلام الله تعني «ذوبان» المعاني التي توحي بها العلامات اللغوية في الجسد الذي نفخ الله فيه من روحه، ليس في الجسد في حده، بل في قدرة الجسد على أن يتعلم أن يحيا في طاعة الله. والقول إن البحث عن المعاني يصبح غير ضروري، لا يعني أن طاعة الجسد المؤمن عديمة المعنى (عديمة الجدوى)، بل يعني أن العملية التي نسميها تعلم ممارسة القاعدة وتطبيق القاعدة هي شيء واحد.

خاتمة

مع أن فتغنشتاين وُلد على الكاثوليكية وجرى تعميده عليها، فإنه لم يكن «متدينًا»، لكنه مع ذلك يتمتع بفهم عميق للإيمان يفوق فهم كثير من الاعتذاريين والنقاد. يقول فتغنشتاين: «لا تقوم المسيحية على حقيقة تاريخية، بل تقدم لنا سردية (تاريخية) وتقول لنا: الآن آمنوا! لكن لا تؤمنوا بهذه السردية إيمانًا يليق بسردية تاريخية، بل آمنوا، في السراء والضراء، بما يمكنكم أن تفعلوا باتّباع حياة معينة. هاكم سردية، لا تساووها بسرديات تاريخية أخرى! أفسحوا مكانًا مختلفًا تمامًا في حياتكم لها. ليس هنالك من تناقض في ذلك! [...] يبدو ذلك الأمر غريبًا: السرديات التاريخية في الإنجيل قد تكون من الوجهة

التاريخية زائفة بشكل واضح، ومع ذلك فإن الإيمان لن يخسر شيئًا بذلك، لكن ليسلأنه يتعلق

(((7 يقول عالم اللاهوت روان ويليامز: «إن الأيقونة التقليدية للعالم المسيحي الشرقي ليس الهدف منها البتة أن تكون إعادة إنتاج الحقائق التي تراها حولك، بل وليس الهدف منها إظهار ما يمكن أن تبدو عليه هذه الحقائق أبدًا [...] تستهدف الأيقونة تقديم نافذة

على إطار مرجعي غريب وهيكل سيعطي معنى محددًا للعالم الذي نسكنه. إنها تُوصف أحيانًا بأنها قناة ‘لطاقات’ ذلك الإطار

المرجعي التي ستُنقل إلى المشاهد [أو المستمع]». ينظر:

Rowan Williams, Lost Icons: Reflections on Cultural Bereavement)London: Morehouse Publishing, 2000), p. 2.

بما نسميه ‘الحقائق الكونية للعقل’، بل لأن الدليل التاريخي (لعبة الإثبات التاريخي) غير ضرورية للإيمان. هذه الرسالة (الأناجيل) يتشبث بها العباد عن إيمان (أي عن حب). ذلكهو اليقين الذي يميز هذا التصديق، وليس شيئًا آخر. لا تشبهعلاقة المؤمن بهذه السرديات العلاقة بحقيقة تاريخية (الاحتمالية)، ولا تُشبهالعلاقة بنظرية ‘المعقولات’. ثمة يقين بوجود هذه السرديات (بل إننا نُبدي ميولً مختلفة تمامًا حتى تجاه أنواع مختلفة مما نسميه السرديات الخيالية»)!. الأمر المهم الذي يؤكده فتغنشتاين هنا ليس أن التناقضات والغرائب في القصص الديني الوارد في الكتاب المقدس ينبغي تجاهلها، ولا أنه ينبغي حلّها باللجوء إلى علم التأويل، بل أن هذه التناقضات والغرائب تتطلب استجابة معينة واستعدادًا معينًا من المؤمن، بما في ذلك المشاعر التي تغرس الكلام المسموع أو المقروء في الوجدان وتُشكِّله. وربما يقول قائل إن الإخوة كارامازوفقد تكون رواية شائقة، لكنها غير صحيحة؛ لأن المسيح لم يعد إلى الدنيا ليناقشه المفتش وليتأكد من مدى إيمانه، ومن ثم فإن ما تحكيه الرواية لم يحدث في الحقيقة. ولا يدل هذا الفهم إلا على إساءة فهم الرواية أساسًا. فهذا الفهم يجعل

التاريخالسجل الوحيد للوقائع، ويجعل التأريخالحكَم النهائي في الحقيقة كلها. وهو ينقصه الشعور

العميق التي تُحدثه قراءة الرواية في الحقيقة، كما ينقصه الإدراك أن هذا الشعور جزء متمم لحقيقة الرواية. إنه يفترض (كما افترضت رسالة فتغنشتاين في أغلبها) أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها إلا بتعطيل طاقات اللغة. إن اللغة الإلهية التي يعدّها المؤمنون جزءًا من الحياة اليومية هي لغة للعيش، وليست لمجرد التأويل.

ولنضرب مثلً هنا بالشعائر؛ إِذ لا تشير الممارسة الدينية، مثل أغلب السلوك في الحياة اليومية، إلى معنى تعبيري يستدعي التأويل، إلا في نظر الفلاسفة والأنثروبولوجيين والمحللين النفسيين؛ أي في نظر كل من لا يألفون شكلً معيتَّنًا من الحياة، ومن ثم يرونه علامةً بين العلاما (نحوًا يتخذه الرائي

دليلً على ما هو مهم جدًّا). بيد أن الفعل المكتمل للشعيرة الدينية، مثل كل سلوك عادي غيرها، هو في جوهره طريقة للكينونة في العالم. وهكذا يثير فتغنشتاين سؤالين تقريريين: «هل يُعطي أي

شيء لا نتبين أنه واضح انطباعًا بعدم الوضوح؟ وهل يؤدي دائمًا ما هو عادي، إلى انطباع بالاعتياد

الطبيعي؟». ما يعنيه ضمنًا هو أن الممارسة الدينية ليست مختلفة أساسًا عن السلوك في الحياة العادية، متى كانت جزءًا من الحياة العادية.

(80) Wittgenstein , Culture and Value , p. 32.

(كل التشديدات واردة في الأصل). الحذف من المؤلف (المترجم.) الكلمة الألمانية « Glaube Der »، تُرجمت هنا إلى الإنكليزية بكلمة Belief، وللكلمة الألمانية تقريبًا الحقل الدلالي نفسه من المعاني

مثل الكلمة الإنكليزية: Faith الإيمان، Confidence الثقة، Trust الوثوق، Belief التصديق، Dependence التوكل، كما أن لها، وفق قاموس أكسفورد للغة الإنكليزية، جذورًا اشتقاقية مشتركة تربطها أيضًا بكلمة Love (الحب). (((8 يقول كولينغوود: «إن عادة تعطيل طاقات المعاني بتجاهل شحناتها الشعورية ليست سائدة على حد سواء بين كل أنواع الناس وأحوالهم. يبدو أنها سمة مميزة للبالغين و‘المتعلمين’ فيما يُسمى الحضارة الأوروبية الحديثة». ينظر:

Collingwood, p. 162.

(((8 يُنظر: Trotter. ((8(فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة 600 (التشديد وارد في الأصل.)

لا شيء في حده يترك فينا انطباعًا بأنه مهمإلا إذا اعتقدنا أنه كذلك. وما دام سلوك يتصف بأنه «مبتذل وتافه»، فإنه يتعارض مع سلوك ليس كذلك، لكن ليس هنالك من طريقة قَبْلية priori a للتمييز بين

السلوك العلماني والسلوك الذي نسميه دينيًا. ففي دراسة ممتازة عن النشأة الحديثة لفكرة «الصلاة

الحرة» Prayer Free في الحركة البروتستانتية، تصف لوري برانتش Branch Lori كيف أن فكرة «التلقائية» Spontaneity، الصادرة عن الرغبة في تنقية الدين من «الخرافة» Superstition، صارت معيارًا أساسيًا للعبادة الحقيقية. بمعنى أن إخلاص النية، ومراقبة النفس، جعلا العبادة «أصيلة»، بل

حو لَا أشكالً معينة من الفكر والسلوك الدنيوي إلى «دين». إن التعبد الديني، الذي كان في يوم من

الأيام جماعيًّا ورسميًّا وتعبيريًّا، جرى تحويله إلى حدث سيكولوجي فردي. لم يمثل هذا التحول

توضيحًا لما تعنيه العبادة حقنًّا، بل كا – على نهج فتغنشتاين – تأسيسًا لنحو آخر وممارسة أخرى،

ساعدا على تحول معنى «العلماني» و«الديني». على نهج فتغنشتاين، لا يمكن اختزال «الدين» إلى جوهر كوني من المعتقدات والممارسات؛ لأن نحو هذا المفهوم في أشكال مختلفة من الحياة يعمل بطريقة مختلفة، ويصوغ طرقًا مختلفة من العيش في العالم ويُرشدها. إن تطَلع نا إلى تعريف مجرد استهجنه فتغنشتاين يتضح في الطريقة التي يُصر بها الناس على استعمال مفردة «الدين» بوصفها مصطلحًا كونيًّا مجردًا، وهي نزعة تعززها سياسات

الحكومات الحديثة العلمانية والتأسيس الحديث نسبيًا لأقسام الدراسات الدينية في الجامعات. بمعنى

آخر، لا تتعلق القضية بالقدرة على الوصول، أو عدم الوصول أبدًا، إلى تعريف أفضل للديني (أو العلماني)، بل السؤال المهم هو كيف يتشكل التعريف؟ ومَن يشكِّله؟ ولأي غرض؟ وما الآثار المترتبة

على ذلك المفهوم في أشكال حياة معينة؟ في اللغات التي تفيد من اللاتينية، تكتسب مفردة «الدين» ومشتقاتها معانيها بفضل استعمالاتها في سياقات مختلفة. ولأن هذه المفردة تتبدل معانيها، وترتبط بكلمات أخرى، وتكتسب معانيَ جديدة،

فإن استعمالها قد يفضي إلى سوء الفهم والتصور الفارغ حول ظاهرة كونية وفق الافتراض السائد. عندما نترجم مفردة إلى لغة أخرى، فإننا ندخل في شبكة مختلفة من كلمات متداخلة تعبّر عن أغراض

وقناعات ومشاعر. ومع ذلك، وظفت اللغات غير الأوروبية كلمتي «الدين» و«العلماني» بطرق تعكس القوة التاريخية لأوروبا. لقد كان مصطلح «العلماني» متوافقًا تمامًا مع الدين في المسيحية الأوروبية الوسيطة، كما في التفرقة بين رجال الدين النظاميين (الرهبان، المحكومون بالقواعد)، ورجال الدين العلمانيين (غير المترهبنين أو الدنيويون). ظهر الفعل «يُعلْمِن» Secularize أول مرة في اللغة الإنكليزية في عام 1611، أي بعد البدايات الأولى

(((8 فتغنشتاين، «ملاحظات حول الغصن الذهبي لفرايزر»، ص.132

(85) Lori Branch, Rituals of Spontaneity: Sentiment and Secularism from Free Prayer to Wordsworth)Waco, TX: Baylor University Press, 2006(.

(((8 يرى دانيال بويارين أن اعتبار اليهودية «دينًا» Religion هو من اختراع الكنيسة المسيحية، ينظر:

Daniel Boyarin, Judaism: The Genealogy of a Modern Notion)New Brunswick: Rutgers University Press, 2019(.

للحركة البروتستانتية، وكان يشير، بوجه عام، إلى هجمات الأمراء العلمانيين على ممتلكات وسلطة الكنيسة الكاثوليكية، أي من قِبل «الذراع العلمانية» التي تمثل السلطة المدنية التي حكمت في العصور الوسطى بالاتفاق مع «السلطة الروحية» للكنيسة. ومنذ ذلك الحين، يحمل استخدام «العلماني» و«العلمنة» معنى إقصاء «الدين» (وليس بالضرورة معاداته). وثمة من يرى أن المسيحية، مثل عدد من الأديان الأخرى، كانت دومًا مهتمة، إلى حد بعيد، بالأمور «الدنيوية». لكن المعنى الحديث للعلمنة، لا يشير ببساطة إلى «إضفاء الطابع الدنيوي على أمور الحياة»، بل إلى التفكيك التدريجي لعالم معين وتحويله إلى عالم آخر في عملية غالبًا ما يُشار إليها بعبارة «فك السحر عن العالم»، إنه عالمٌ وشكلُ حياة احتفى بالعلم بوصفه الطريقة الصحيحة لفهم الواقع، وأنكر وجود عالمٍ «آخر» غير مرئي، ومن ثم أنكر الآخرة والحياة بعد الموت. ظهرت، بالتأكيد، استجابات مهمة للأزمات الدينية السياسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر التي غذت بوادر الحركة البروتستانتية. لكن مفاهيم «العلماني» ومشتقاته الحديثة لم تكن بأسرها نتيجة الحلول السياسية التي وُضِعت لتلبية الحاجات السياسية الحرجة، بل شهدت تلك الحقبة تبلور الاقتصاد الرأسمالي ونمو ه، وظهور إمبراطوريات الاستعمار الاستيطاني تحت غطاء تمَدْيُنِ العالم، وكان لهذه العوامل بالغ الأثر في بواكر المجتمع الأوروبي العلماني. ثمة مسألة لم يتطرق إليها فتغنشتاين، مع أن فلسفته تسمح بإمكانية التطرق إليها، ألا وهي الطرق التي قد تساعدنا بها ألعاب اللغة في تقويض شكل من الحياة. وغالبًا ما يُفضي مثل ذلك التقويض إلى

التحول إلى شكل جديد، وأحيانًا ما يكون تحولً مدروسًا، لكنه قلّما يكون في أي حالة نتيجة للنقد. وإحدى الطرق التي يقع بها ذلك التحول في العالم الحديث تتحقق بصورة غير مباشرة؛ فمثلما يفرض العيش في لغة ما عالمًا معينًا على المستخدم، عادةً ما يعزز تطور الأساليب الحديثة توجهًا مميزًا لدى الحداثيين، وفيه لا بد لكل ما هو موجود من أن يكون قابلً للقياس الكمي والتمثيل المادي بأقصى قدر ممكن من الدقة، ومن ثم قابليته للتطويع والتحوير. رويدًا رويدًا، صار ذلك الشرط المسبق العلماني لتحديد الوجود معيارًا أساسيًّا للحقيقة والعقل.

(((8 كتب شرمان جاكسون مقالة متبحرة يقترح فيها استعمال كلمة «علماني» في التقليد الخطابي الإسلامي، بمعنى الأمور العملية التي لا تتطرق إليها الشريعة بطريقة مباشرة، لكنني ما زلت غير مقتنع بجدوى استعمال هذا المصطلح؛ لأسباب ليس في وسعي عرضها هنا، فهو يرتبط بمنطق الدولة الحديثة والقوى غير المسبوقة في المجتمع الحديث. ينظر:

Sherman Jackson, "The Islamic Secular," The American Journal of Islamic Social Sciences , vol. 34, no. 2 (2017). (88) José Casanova, "Secularization Revisited: A Reply to Talal Asad," in: David Scott & Charles Hirschkind (eds.), Powers of the Secular Modern: Talal Asad and His Interlucators (Stanford: Stanford Uneversity, 2006), pp. 19–20.

(((8 في كتاب عن حركة تجميد الموتى التي يسميها أبو فارمان حركة الباحثين عن الخلود، يأخذ أبو فارمان الأنثروبولوجيا في اتجاه جديد ومثير. يرى الملحدون الموت نهاية الذات البشرية، لكنّ المؤمنين يرون الموت نهاية الحياة الدنيا وحدها؛ لأنه يوجد

دومًا حياة أخروية في عالم آخر. أمّا الباحثون عن الخلود فيريدون إلغاء الموت كحقيقة من حقائق الحياة نفسها بواسطة العلوم

التقنية. ينظر:

Abou Farman, On Not Dying: Secular Immortality in the Age of Technoscience (Minneapolis: Minnesota University Press, 2020).

لقد استخدمت مصطلح «الجسد المهتدي بالروح» مرات عدة، وأشرت إلى طابعه غير العصري، لكنه يستحق بعض الإسهاب. يتشكك عالم وراثة مرموق في فكرة الروح بوصفها تعبيرًا عن التفرد البشري

قائلً: «ما دام المرء لا يستطيع أن يبرهن ما إذا كانت الروح موجودة أو غير موجودة حق ا، فإنه إذا كان هناك وجود للروح، فإن المرء لا يستطيع أن يعرف ما إذا كانت كيانًا منفصلً عن الجسد المادي أم أنها واحدة مع الجسد. وإذا كانت الروح منفصلة عن الجسد، لا يستطيع المرء أن يعرف إنْ كانت [الهندسة الجينية] للجسم يمكن أن تضر الروح أو إذا كانت الروح لا تتأثر بأي شيء يحدث للجسد». إن الكلام في موضوع الروح بهذه الطريقة يسمح لنا أن نُزكي الهندسة الوراثية للبشر من دون أن ينال ذلك من إنسانيتهم: «لا يمكننا أن نُعدِّل طبيعتنا البشرية [بما في ذلك ما يسميه البعض «الروح»]، بواسطة الهندسة الوراثية إلا بطرق يمكن قياسها، ومن ثم إمكانية التحكم فيها. أعتقد أنه لو كانت هناك سمات بشرية على نحو فريد فيما وراء كياننا الجسدي المادي، فليس في وسعنا أن نُعدلها. وأيًّا كان الذي يمكننا أن نفعله في صورة التعديلات، فإنه سيكون قابلً للقياس، على الأقل في النظرية». ونستشف من هذه الطريقة المألوفة في التفكير أن ما لا يمكن تمثيله بلغة الحساب، وتعميمه في نسب الاحتمال، لا سبيل إلى معرفته، ولا يمكن إثبات أنه موجود، ومن ثم فإنه غير موجود. الرغبة في التعميم التي استشكلها فتغنشتاين، تبقى رغبة قوية في الحياة الحديثة. فغالبًا ما يُستخدم مفهوم

«العمل» Labor مقولةً مجردةً متجانسةً، مع أن عمل الفلاح في العصر الوسيط، أو عمل الخادم في المنزل، أو ألم الولادة أثناء عملية الوضع، يختلف الواحد منها عن الآخر أيّما اختلاف، بل يختلف كلٌّ منها عن العمل المجرد الذي يُنتج السلع، وذلك العمل هو نفسه السلعة الأولية بسبب قدرته الإنتاجية. ويجري التعبير عن قيمة السلعة عبر الواسطة التي تساعد السلعة على أن تُستبدل بما يعادلها، أي المال. إن المجتمعات الأوروبية الباكرة (وغيرها من أشكال الحياة غير الرأسمالية) لم تلتزم بالمساواة الرسمية بالطريقة التي نلتزم بها اليوم. كان اختلاف خصائص العمل غير قابل للاختزال، وكان مدمجًا في

الأشكال المتنوعة من الخدمة الشخصية (للسيد، وللأمير، ولله)، وليس في أنموذج سوق الصرف، الذي صار اليوم دال المساواة ومدلولها بين البائع والمشتري، ومن ثم بين المواطنين وحقوقهم. بيد أن فكرة الخدمة لم تكن مجرد علاقة مجردة لعدم التناظر، بل كانت تستمد تماسكها من لغة ما، ومن

(90) W. French Anderson, "Genetic Engineering and Our Humanness," Human Gene Therapy, vol. 5, no. 6 (June 1994), p. 758. (91) Ibid., p. 759.

ثمة نقاش عميق لهذه القضية. يُنظَر:

Michael Sandel, The Case Against Perfection: Ethics in the Age of Genetic Engineering (Cambridge: Harvard University Press, 2007). (92) Karl Marx, Economic and Philosophical Manuscript of 1844 (London: Lawrence and Wishart, 1959), p. 139.

يقول ماركس في تعليق شهير على اقتباس شهير من شكسبير: «إذا كان المالهو الرابطة التي تربطني بالحياة الإنسانية، وتربط

المجتمع بي، وتربطني أنا والطبيعة والإنسان، أفليس المال هو رابطة الروابطبأسرها؟ أليس بوسعه أن يذوب وتربط كل الروابط؟

أليس هو إذًا » (الواسطة الكونية للانفصال؟ التشديدات واردة في الأصل). وهكذا يخلص ماركس إلى أن المال هو الواسطة الكونية

للاتصال والانفصال الاجتماعي في المجتمع البرجوازي.

مجموعة متنوعة من المشاعر والقدرات والصور. ولا يعني ذلك أن العلاقات الحقيقية كانت شاعرية، بل يعني أن «القسوة»، و«الظلم»، و«الضغينة»، و«الخيانة»، لم يكن الناس يشعرون بها ويعبّرون عنها

بالطريقة التي نشعر بها ونعبر عنها اليوم. إننا نتخلى عن كلمات ومفاهيم من أجل كلمات ومفاهيم أخرى تعدنا بمزيد من الحقيقة والحرية، بل ضاعت الكلمات والمفاهيم، وزادت صعوبة الاحتفاء بفضائل متجسدة معينة في هذا الزمان. ما دامت العلاقات قد صارت الآن مجردة ومتجانسة ومُعممة، فإنها تسهِّل إمكانية قياس ما لا يمكن قياسه دون ذلك. إن التحكم الحسابي المعقد (القائم على التنقيب في بيانات ضخمة وقدرة الآلات على تعلم القواعد الرياضية) قد حل محل الحساب البسيط، وصار الآن في مركز الدولة الحديثة والقوة التجارية. ولم يؤدِّ ذلك إلى التنوير، بل إلى العجز المتزايد للغتنا المتوارثة عن التعامل مع العالم الذي نعيش فيه. مع ذلك، يتمثل الفشل الأكبر للحداثة، كما استشعره فتغنشتاين، في الرغبة المستمرة في الانتقال بالعالم نحو مستقبل تحت السيطرة بصورة متزايدة. ويصدر هذا الفشل عن الاعتقاد أن كل مشكلة تواجهنا لا بد من أن يكون لها حل. وقلّما نبالي بالتعاطف، شعورًا وفعلً، مع ألم البشر ومعاناتهم؛ لأن معاناتهم، وهنا تكمن المفارقة، هي النتيجة الحتمية لعالمنا الذي يقوده التقدم. وربما يفسر ذلك أننا ما عدنا نرى فضيلة في الرهب، ذلك الوعي العميق بالقصور البشري والاعتماد على قوة أعظم من القوة التي يملكها البشر. وربما يفسر ذلك أيضًا أن رفضنا للحدود البشرية يمكن وصفه بأنه «علماني» (بسبب ثقته بقدرته على حساب كل ما هو كائن، وما يمكن أن يكون، والتحكم فيه)، وبأنه «ديني» (بسبب إيمانه بقدرته، في نهاية الأمر، على التغلب على كل العوائق). لا شك في أن الفلاسفة قد أثبتوا بوضوح أن الإجابات «النهائية» ليست نهائية في الحقيقة، وربما يفسر ذلك جاذبية التفلسف وإغواءه الشديد. وليس في وسع العقل العلماني ولا الإيمان الديني أن يجعلا عالمنا آمنًا إلى الأبد. ﴿كُل مَنْ علَيْهَا فَان﴾ٍ (الرحمن: 26).

(93) Matteo Pasquinelli, "Arcana Mathematica Imperii: The Evolution of Western Computational Norms," in: Maria Hlavajova & Simon Sheikh (eds.), Former West (Cambridge: MIT Press, 2017).

(((9 على سبيل المثال، في تقديم لكتاب صدر بعد وفاته، يقول فتغنشتاين: «هذا الكتاب كتبته لأولئك الناس الذين يُبدون تعاطفًا

مع روحه. هذه الروح مختلفة عن الروح التي تسود معظم التيار الواسع للحضارة الأوروبية والأميركية التي نقف فيها جميعنا الآن.

تلكالروح تعبر عن نفسها في حركة تقدمية، في بناء أبنية أكثر ضخامة وتعقيدًا، والأخرى في تطلع إلى الوضوح والاتضاح بصرف

النظر عن البنية». ينظر:

Wittgenstein , Philosophical Remarks, p. 7.

(((9 الدفاع الذكي الدقيق عن الفلسفة ضد الزعم أنّ طبيعتها غير الجازمة دليل على عدم جدواها:

Becca Rothfeld, "The Art of Not Concluding: Can philosophy be worth doing?" The Hedgehog Review , vol. 21, no. 3 (Fall 2019).

(((9 في تأمّل فريد لفكرة «الدمار» Destruction باعتباره نهاية كل شيء، يبتعد جِل النجار عن ارتباطها التقليدي بتجربة الحرب

والعنف، ويضع هذه الآية القرآنية باللغة العربية تصديرًا لمقالة بعنوان «فناء الفكر»، ليؤكد استحالة الخبرة المدركة لحقيقة التناهي

الكلي. ينظر:

Gil Anidjar, "The Destruction of Thought," in: P. Vassilopoulou & Daniel Whistler (eds.), Thought: A Philosophical History (New York: Routledge, 2021).

References

المراجع

العربية

ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب. الداء والدواء. تحقيق محمد أجمل الإصلاحي. جدة: مجمع الفقه الإسلامي،.1429 ه ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. الإيمان. خرج أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني. بيروت: المكتب الإسلامي،.1996 السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين. جهد القريحة في تجريد النصيحة. بيروت: المكتبة العصرية،.2009

الأجنبية

Anderson, W. French. "Genetic Engineering and Our Humanness." Human Gene Therapy. vol. 5, no. 1 (January 1994). Anscombe, Elizabeth. "Modern Moral Philosophy." Philosophy. vol. 33, no. 124 (January 1958). Asad, Talal et al. Is Critique Secular? Blasphemy, Injury, and Free Speech. Townsend Papers in the Humanities 2. Berkeley: University of California Press, 2009. Austin, John. How to Do Things with Words. 2 nd ed. Oxford: Clarendon Press, 1975. Bock, Heike, Jörg Feuchter & Michi Knecht (eds.). Religion and Its Other: Secular and Sacred Concepts and Practices. Frankfurt/ New York: Campus Verlag, 2008. Boltanski, Luc. On Critique: A Sociology of Emancipation. Malden, MA: Polity, 2011. Bouveresse, Jacques. Wittgenstein Reads Freud: The Myth of the Unconscious. Carol Cosman (trans.). Princeton: Princeton University Press, 1995 [Paris, 1991]. ________. "Wittgenstein, von Wright and the Myth of Progress." Paragraph. vol. 34. no. 3 (2011). Boyarin, Daniel. Judaism: The Genealogy of a Modern Notion. New Brunswick: Rutgers University Press, 2019. Branch, Lori. Rituals of Spontaneity: Sentiment and Secularism from Free Prayer to Wordsworth. Waco, TX: Baylor University Press, 2006. Butler, Judith. "The Sensibility of Critique," in: Talal Asad et al., Is Critique Secular? Blasphemy, Injury, and Free Speech , Townsend Papers in the Humanities 2 (Berkeley: University of California Press, 2009). Caputo, John D. Against Ethics: Contributions to a Poetics of Obligation with Constant Reference to Deconstruction. Bloomington: Indiana University Press, 1993. Collingwood, Robin George. Principles of Art. Oxford: Clarendon, 1938. Farman, Abou. On Not Dying: Secular Immortality in the Age of Technoscience. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2020. Feyerabend, Paul. Against Method. London: New Left Books, 1975.

________. Science in a Free Society. London: New Left Books, 1978. Hacker, P.M.S. "Wittgenstein’s Anthropological and Ethnological Approach." Manuscript dated 17 August 2009, 21 August 2009, September 9, 2009. at: https://bit.ly/2SSRDvI Hacking, Ian. The Emergence of Probability: A Philosophical Study of Early Ideas about Probability, Induction and Statistical Inference. Cambridge: Cambridge University Press, 1975. Halbertal, Moshe & Avishai Margalit. Idolatry. Naomi Goldblum (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992. Hirschkind, Charles. The Ethical Soundscape: Cassette Sermons and Islamic Counterpublics. New York: Columbia University Press, 2006. Hume, David. An Enquiry Concerning Human Understanding. Peter Millican (ed.). Oxford: Oxford University Press, 2007. Jackson, Sherman. "The Islamic Secular." The American Journal of Islamic Social Sciences. vol. 34, no. 2 (2017). Kaiser, Brittany. Targeted: The Cambridge Analytica Whistleblower’s Inside Story of How Big Data, Trump, and Facebook Broke Democracy and How it can Happen Again. New York: Harper Collins, 2019. Kant, Immanuel. The Critique of Pure Reason. N.K. Smith (trans.). New York: St. Martin’s Press, 1965. Krüger, Lorenz, Lorraine Daston & Michael Heidelberger (eds.). The Probabilistic Revolution. Cambridgem, MA: MIT Press, 1987. MacIntyre, Alasdair. After Virtue: A Study in Moral Theory. London: Duckworth, 1981. ________. Three Rival Versions of Moral Inquiry: Encyclopedia, Genealogy, and Tradition. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1990. Malinowski, Bronislaw. Magic, Science and Religion and other Essays. New York: Doubleday Anchor Books, 1948. Marx, Karl. Economic and Philosophical Manuscript of 1844. London: Lawrence and Wishart, 1959. Metcalf, Barbara B. (ed.). Islam in South Asia in Practice. Princeton: Princeton University Press, 2009. Monk, Ray. Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius. New York: Penguin Books, 1991. Murdoch, Iris. The Fire and the Sun: Why Plato Banished the Artists. Oxford: Oxford University Press, 1977. Pascal, Blaine. Pensées. Honor Levi (trans.). Oxford: Oxford University Press, 1995. Patterson, Dennis (ed.). Wittgenstein and Law. Burlington, VT: Ashgate, 2004. Prigogine, Ilya. The End of Certainty: Time, Chaos, and the New Laws of Nature. New York: Free Press, 1997.

Rhees, Rush (ed.). Recollections of Wittgenstein. Oxford: Oxford University Press,

Robbins, Joel. "Between Reproduction and Freedom: Morality, Value, and Radical Change." Ethnos. vol. 72, no. 3 (September 2007). Rothfeld, Becca. "The Art of Not Concluding: Can Philosophy Be Worth Doing?" The Hedgehog Review. vol. 21, no. 3 (Fall 2019). Schmidt, James (ed.). What Is Enlightenment? Eighteenth–Century Answers and Twentieth–Century Questions. Berkeley: University of California Press, 1996. Schroeder, Severin. "Mathematics and Forms of Life." Nordic Wittgenstein Review. Special Issue (October 2015). Scott, David & Charles Hirschkind (eds.). Powers of the Secular Modern: Talal Asad and His Interlocutors. Stanford: Stanford University Press, 2006. Trotter, David. Paranoid Modernism: Literary Experiment, Psychosis, and the Professionalization of English Society. Oxford: Oxford University Press, 2001. Vassilopoulou, P. & Daniel Whistler (eds.). Thought: A Philosophical History. New York: Routledge, 2021. Williams, Rowan. Lost Icons: Reflections on Cultural Bereavement. London: Morehouse Publishing, 2000. Wittgenstein, Ludwig. Tractatus Logico–Philosophicus. London: Routledge; Kegan Paul, 1922. ________. Philosophical Investigations. Oxford: Basil Blackwell, 1953. ________. Ludwig Wittgenstein: Zettel. G.E.M. Anscombe & G.H. von Wright (eds.). G.E.M. Anscombe (trans.). Berkeley: University of California Press, 1967. ________. On Certainty. Oxford: Blackwell, 1969. ________. Philosophical Remarks. Oxford: Blackwell, 1975. ________. Remarks on Frazer’s Golden Bough. Rush Rhees (ed.). Retford, Nottinghamshire: Brynmill Press, 1979. ________. Culture and Value. Chicago: University of Chicago Press, 1984.

مراجع الترجمة

فتجنشتين، لدفيج. رسالة منطقية فلسفية. ترجمة عزمي إسلام. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1968 ________. بحوث فلسفية. ترجمة عزمي إسلام. الكويت: جامعة الكويت،.1990 ________. في الأخلاق والدين والسحر. ترجمة حسن احجيج. القاهرة: مصر العربية للنشر والتوزيع،