العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "دولة جميع المواطنين": من التغييب الأيديولوجي إلى مخاضات التشكّل في سياق ما بعد الثورات العربية

"دولة جميع المواطنين": من التغييب الأيديولوجي إلى مخاضات التشكّل في سياق ما بعد الثورات العربية

"The State of All Citizens": From Ideological Neglect to the Pangs of Formation in the Context of Post–Arab Revolutions

سهيل الحبيب

Suhail Lahbib

الملخّص

تحاول الدراسة أن تبيّن راهنية مفهومي المواطنة والمواطنية باعتبارهما صفتين للدولة/ الأمة الحديثة في السياق العربي الراهن، من جهة قدرته على تكثيف التعبير عن المطالب العينية الحقيقية التي من أجلها انتفضت، وما زالت تنتفض، الجماهيرُ الواسعة في الأقطار العربية. ولأجل بيان هذه الراهنية، تعود الدراسة إلى حيثيات سياق نشأة الدولة العربية الحديثة في العالم العربي، ثم تتناول تطوّر مفهوم المواطنة وتطوّر البنى السياسية الاجتماعية التي يحيل إليها، وصولًا إلى اقترانه بنيويًا بنموذج الدولة/ الأمة الديمقراطية. وتعالج الدراسة أيضًا إشكالية المفارقة بين مفهوم الديمقراطية ومفهوم الدولة المواطنية في "التفكير" الأيديولوجي العربي المعاصر والراهن السائد، وكيف انعكست هذه المفارقة في مخاضات الانتقال الديمقراطي التي عرفها شطر من البلدان العربية خلال العشرية المنصرمة.

Abstract

Abstract: The study attempts to show the relevance of the concepts of citizenship and state of citizenship as two characteristics of the modern nation–state in the current Arab context, in terms of its ability to intensify the expression of real in–kind demands for which the vast masses in the Arab countries have risen up, and continue to rise. In order to clarify this current, the study returns to the context of the emergence of the modern Arab state in the Arab world. Then it deals with the development of the concept of citizenship and the evolution of the political and social structures to which it refers, to its structural association with the democratic nation–state model. The study also addresses the paradox between the concept of democracy and the concept of state of citizenship in the

الكلمات المفتاحية:
  • المواطنة
  • الدولة
  • الثورات العربية
  • الانتقال الديمقراطي
  • المسألة العربية
Keywords:
  • Citizenship
  • State
  • Arab revolutions
  • Democratic transition
  • Arab question

الأمة الحديثة في السياق العربي الراهن، من جهة قدرتهما على تكثيف التعبير عن المطالب العينية الحقيقية التي من أجلها انتفضت، وما زالت تنتفض، الجماهيرُ الواسعة في الأقطار

العربية. ولأجل بيان هذه الراهنية، تعود الدراسة إلى حيثيات سياق نشأة الدولة العربية الحديثة في العالم العربي، ثم تتناول تطوّر مفهوم المواطنة وتطوّر البنى السياسية الاجتماعية التي

يحيل إليها، وصولً إلى اقترانه بنيويًا بنموذج الدولة/ الأمة الديمقراطية. وتعالج الدراسة أيضًا

إشكالية المفارقة بين مفهوم الديمقراطية ومفهوم الدولة المواطنية في "التفكير" الأيديولوجي العربي المعاصر والراهن السائد، وكيف انعكست هذه المفارقة في مخاضات الانتقال الديمقراطي التي عرفها شطر من البلدان العربية خلال العشرية المنصرمة.

Researcher at the Kairouan Islamic Studies Centre, Tunisia. hbaieb_souhail@yahoo.fr

prevailing current and contemporary Arab ideological thinking, and how this paradox has been reflected in the struggles of the democratic transition that some of the Arab countries experienced during the past decade.

مقدمة

تتعامل هذه الدراسة مع المركب اللفظي "دولة جميع المواطنين"، أو "الدولة الأمة المواطنية الديمقراطية"، باعتباره مفهومًا نظريًا يكثّف التعبير عن جملة من التحولّات والوضعيات

السياسية الاجتماعية، عرفها شطر من بلدان عالمنا الحديث، ويتشوّف إليها شطر آخر، ومنه البلدان

العربية. والغاية من ذلك أن يكون هذا المفهوم النظري من مكونات الجهاز المفاهيمي المعتمد في فهم الحراكات الصاخبة التي يموج بها أكثر من بلد عربي في الوقت الحاضر. فبعد عشرية كاملة من هذه الحراكات التي اندلعت شرارتها مع الثورة التونسية (كانون الأول/ ديسمبر 2010 – كانون الثاني/ يناير 2011)، وامتدت إلى أكثر من قُطر عربي، شهدنا موجة ثانية من هذه الحراكات الاجتماعية السياسية امتدّت إلى كل من الجزائر والسودان ولبنان والعراق، ورفعت الشعارات ذاتها التي رفعتها

ثورات الموجة الأولى وانتفاضاتها: ضد الاستبداد السياسي والفساد والرشوة والزبونية السياسية، ومع الحريات وفسح مجال المشاركة السياسية والحوكمة الرشيدة والعدالة الاجتماعية. وفي خضم هذه الحراكات العربية التي شهدتها العشرية الثانية المنصرمة من القرن الحادي والعشرين، بدا لنا أن مفهوم الانتقال إلى الديمقراطية لم يعد قادرًا على التعبير الدقيق عن مضامين مطالب التغيير

التي تلهج بها الشعوب العربية، وذلك بسبب اقترانه بالتباسات أيديولوجية قطعت صلته البنيوية بمفهوم المواطنة في نطاق الدولة الحديثة، كما سنبيّن ذلك في ما يأتي. وعلى هذا الأساس، نحاول أن نبيّن

راهنية مفهومَي المواطنة والمواطنية باعتبارهما صفتين للدولة/ الأمة الحديثة في السياق العربي الراهن

من جهة قدرتهما على تكثيف التعبير عن المطالب العينية الحقيقية للجماهير الواسعة في الأقطار العربية، في انتفاضاتها التي شهدناها في العشرية الأخيرة.

أولا: كيف نفسّر العلاقة الاغترابية بين الدولة الحديثة والمجتمع في الوطن العربي؟ من سياق النشأة إلى سياق الاستبداد المعاصر

حينما نتحدّث عن دولة بالمعنى الحديث للكلمة، فإننا نشير إلى كيان سياسي يتمايز على نحو جوهري من طبيعة الكيانات السياسية التي كانت سائدة في أزمنة ما قبل الحداثة؛ إذ "انتقلت الدولة في الحداثة من دولة سلالة حاكمة يتألف الشعب من رعاياها الموالين للملك إلى الدولة بوصفها دولة/ أمة، بمعنى أنها ليست مرتبطة بأرض محددة تبسط عليها سيادتها فحسب، وإنما بجماعة محددة تعبّر عنها وتحدّد

مصيرها أيضًا".

(((عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.327–326

من الناحية التاريخية، يمكن القول إجمالً إن بدايات ظهور الدولة الحديثة، بهذا المعنى، في الرقعة العربية كانت خلال القرن التاسع عشر. وقد حلّل عبد الله العروي السياقات التاريخية التي حفّت بهذا التشّكل حينما تحدّث عن ظهور "دولة التنظيمات"، مميّزًا إياها من "الدولة السلطانية أو المملوكية".

ودولة التنظيمات هي دولة الإصلاحات السياسية التي أقدم عليها السلطان العثماني مركزيًا وبعض

حكّام الأقاليم التابعة له في مرحلة أولى، ثم فرضتها بعد ذلك سلطات الاستعمار المباشر الذي بسط نفوذه على الأقطار العربية؛ ذلك أن "التنظيمات الحديثة أدخلها في المرحلة الأولى السلطان؛ آملً تقوية سلطته في الداخل والخارج، وقام بها في المرحلة الثانية مستعمرون أوروبيون؛ مستهدفين منها تشجيع الاستيطان الأوروبي وتوسيع اقتصاده، وبالتالي إضعاف النخبة الأهلية مع كسب ولاء الجماعات الأكثر تضررًا من النظام البائد". تمثّل حيثيات سياق النشأة شطرًا مهمًّا من العوامل التي تفسّر علاقة الاغتراب التي ربطت، وما تزال

تربط، المجتمعات العربية بالدول الحديثة التي تعيش في ظلها. وطرح العروي، من منظور تحليلي تاريخي، سؤالً خطيرًا نصه: "هل غيرت دولة التنظيمات المبنية على المنفعة كما يتبيّنها العقل البشري

نظرة الفرد العربي إلى السلطة؟ هل جعلته يرى فيها تجسيمًا للإرادة العامة وتجسيدًا للأخلاق كما

يقول فريدريش هيغل Hegel Friedrich (1831–1770) بعد نيكولو مكيافيلي Machiavelli Niccolò (1527–1469). بعبارة أخرى، هل وجدت في عهد التنظيمات ظروف مواتية لنشأة نظرية الدولة باعتبارها (أي الدولة) منبع القيم الخلقية ومجال تربية النوع الإنساني حيث يرتفع من رق الشهوات إلى حرية العقل؟". بعد ذلك يردف العروي قائلً: "الجواب على السؤال هو النفي بالتأكيد". وهذه النتيجة يفسّرها تحوّل وجهة مسارات الإصلاحات السياسية الحديثة (التنظيمات) من خدمة مشاريع

وطنية محلّية إلى خدمة مشاريع استعمارية أجنبية؛ ذلك أن "الحركة الوطنية لم تر في دولة التنظيمات مزاياها الإدارية والاقتصادية بقدر ما رأت فيها سلطة الأجنبي المتسلط". على هذا النحو، "ساهمت المرحلة الاستعمارية سلبًا في وضع الحدود بين المجتمع والدولة". بيد

أن هذه الحقيقة التاريخية لا تكفي وحدها لفهم كل عناصر إشكالية علاقة الدولة بالمجتمع في السياق العربي المعاصر؛ ذلك أن الحالة الاغترابية التي تشكّلت منذ الفترة الاستعمارية قد تعمّقت مع تجارب

الأنظمة التي حكمت الدول العربية بعد انجلاء الجيوش الأجنبية عنها. فهذه الأنظمة كرّست، إلى حدّ

بعيد، حالة اغتراب المجتمعات العربية عن الدول التي تعيش في إطارها. اللافت في الأمر أنه رغم أن التجارب السلطوية في الدول العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين كانت متنوعة المنطلقات والمشارب، فإنها تدرّجت جميعها في مسار واحد تقريبًا، حصيلته

النهائية وصّفها العروي قبل عقود من الآن، بقوله: "رغم الإصلاح والعدل النسبي والنمو العمراني

(((عبد الله العروي، مفهوم الدولة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1998)، ص.133 (((المرجع نفسه، ص.138 (((المرجع نفسه. (((عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص.299

المهم، لم تنغمس الدولة في المجتمع؛ لم تتحد القاعدة القانونية بالضمير الخلقي؛ لم ينفك الفرد يربط علاقته الحقيقية في نطاق الأمة، وهي الرابطة الوجدانية خارج الدولة؛ أي الرابطة الأساسية. تغير جهاز الإدارة والتنظيم والقمع (دولة المجتمع المدني حسب التعبير الهيغلي) لكن تجربة الفرد مع ذلك الجهاز لم تتبدل".

ثانيًا: مطلب الدولة المواطنية وسياق المسألة العربية

قبل عقدين تقريبًا من نهاية القرن العشرين، دعا العروي إلى حلّ معضلة شرعية الدولة القُطرية القائمة

في البلاد العربية، وقد لاحظنا أنه يكثّف هذا الحلّ أحيانًا في مفهوم أدلوجة (أيديولوجيا) الدولة، وأحيانًا أخرى في مفهوم نظرية الدولة، فيقول مثلً: "اتضح لنا أن الدولة العصرية لا يمكن أن تعود رمز مجتمع سياسي إلا إذا أوجدت أدلوجة دولوية". ويقول كذلك: "قد تقوّي نظرية الدولة، مؤقتًا، الكيان القائم بإعطائه، لأول مرة في تاريخ التجارب السياسية العربية، الشرعية الضرورية. لكن من المحتمل جدًّا أن تهدينا، بالمناسبة، إلى طريق واقعية لتحقيق الوحدة ومزاوجة الدولة بالحرية والعقلانية". وفي العشرية الأخيرة من القرن العشرين، بدأ مشروع المفكر عزمي بشارة في التبلور. وهذا المشروع، إذ يصدر من منطلق قومي عربي صريح ومعلن، يتخذ منحى تجديديًّا راديكاليًّا للأطروحات الكلاسيكية

التي قام عليها الفكر القومي العربي منذ نشأته في القرن التاسع عشر. وإذ نَسِم مشروع بشارة ب "التجديد الراديكالي"، في نطاق تطوّر الفكرة القومية العربية ومتخيلّاتها الأيديولوجية؛ فذلك لأنه قلب الأطروحة

الكلاسيكية التي وسمت هذا الفكر تاريخيًا، فهو يجعل بناء شرعية الدول العربية القائمة المدخل

العملي لتحقيق المشروع القومي العربي (الأمة العربية الموحّدة)، في حين أن شرعية هذا المشروع كانت قائمة بالكامل، أو على الأقل في جزء كبير منها، على إبطال شرعية هذه الدول القُطرية التي "تكرّس تجزئة الأمة الواحدة"، وهو الأمر الذي جعل الفكر القومي العربي "لم يُبد اهتمامًا بالدولة

القُطرية الناشئة، ولم يعرف كيفية التعامل معها فكريًّا إلا كمرحلة انتقالية نحو الوحدة، أو كإرث تجزئة استعمارية. الكارثة أن هذا كله اتخذ شكل هروب الفكر القومي العربي من نظرية الدولة". نلاحظ أن بشارة يتحدّث هنا، كما تحدّث العروي، عن غياب "نظرية الدولة" (نظرية الدولة/ الأمة الحديثة التي تكثّف وتفسّر شطرًا واسعًا من مظاهر الحداثة السياسية) في الفكر العربي، كما تحدّث في

سياقات أخرى، تمامًا كالعروي، عن غياب "أيديولوجيا الدولة". بيد أنه لا يستخدم هذين المفهومين إلا لمامًا، وذلك، في تقديرنا، لأن هذا الجنس هو من المفاهيم المغرقة في التجريد الذي تنتمي

(((العروي، ص.139 (((المرجع نفسه، ص.149 (((المرجع نفسه، ص.171 (((عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.217 ((1(يقول بشارة: "إن الدولة العربية أضعف بكثير من أن تكون دولة شمولية، وهي في المرحلة الراهنة تفتقر إلى الأيديولوجيا

أصلً". ينظر: بشارة، المجتمع المدني، ص.296

إليه مقولتا "نظرية الدولة" و"أيديولوجيا الدولة"، وهي مفاهيم لا تحيل مباشرة على ظواهر متعيّنة في

الاجتماع الإنساني؛ إذ ينفع (أعني هذا الجنس من المفاهيم) كثيرًا في فهم الخلل على مستوى الأفكار

والتصوّرات والتمثلّات الأيديولوجية، ومع ذلك فإن فائدته محدودة (إذا لم نقل معدومة)، في تشخيص الخلل على مستوى المعيش السياسي والاجتماعي. ولمّا كانت أزمة الدولة في المجتمعات العربية المعاصرة أزمة ماثلة في السياسة والاجتماع والاقتصاد، في الأساس، فإن معالجتها تستدعي ضربًا من المفاهيم المرجعية، وإن تكن مجرّدة ومكثّفة (وتلك طبيعة المفاهيم النظرية بالضرورة)، فإنها تتسم

بكونها تحيل على نحو قويّ ومباشر على متعيّنات مُدْرَكة في وقائع الاجتماع الإنساني وتحولّاته في

السياقات التاريخية المختلفة. في هذا الإطار، نقدّر أهمية مفهوم الدولة/ الأمة المواطنية في مشروع بشارة المجدّد للفكرة القومية العربية من بوّابة التأسيس لشرعية الدول العربية القائمة. وتمثل مقولة دولة المواطنة التي لا نجد لها نظيرًا عند العروي المفهوم المرجعي المركزي الذي يعتمده بشارة في تشخيص أزمة الدول القائمة

في العالم العربي الراهن، وتحديد البدائل العينية العملية (بمعنى القابلة لأن تكون مدارات لبرامج سياسية) التي تحوّل هذه الدول من كيانات فاقدة الشرعية ومغتربة عن مجتمعاتها، إلى كيانات شرعية متصالحة مع مجتمعاتها. ويمكن أن نجد تكثيفًا لمضامين هذا المفهوم عند بشارة في قوله: "يفترض من وجهة نظرنا هذه أن أرقى تطوّر لمفهوم الأمة الديمقراطي يتمثّل في أنه يشمل مجموع المواطنين في الدولة، وأن تصبح المواطنة وليس القومية أساس العضوية فيها". ولكي نفهم كيف ترشّح مفهوم دولة المواطنة باعتباره مفهومًا مرجعيًا مركزيًا في أطروحات بشارة

التجديدية للفكرة القومية العربية، يجدر بنا أن نلقي الضوء على بعض ملامح تطوّرها التاريخي. فلقد رسم بشارة حدود الأفق الجديد للفكرة القومية العربية ولسبل تسييسها (تحويلها إلى برنامج سياسي عملي) في تسعينيات القرن العشرين في كتابه المجتمع المدني: دارسة نقدية، من منطلق موقف نقدي تجاه متخيلّات الوحدة العربية في الخطاب الأيديولوجي القومي (الوحدة الاندماجية التي تلغي تمامًا

الكيانات الدولتية القائمة)، مؤداه أن "مشروع الوحدة الممكن تصوّره حاليًا في الوطن العربي، هو

التعاون الكونفدرالي بين دول حقّقت قدرًا من الديمقراطية. والرهان في هذه الحال هو على اللقاء الطوعي والثقافي، وربما الاقتصادي بين المجتمع المدني المحلّي المطلق سراحه بالإصلاحات الديمقراطية والأمة العربية". وفي سياق تصوّر هذا الأفق السياسي الواقعي لتحقيق الهدف الوحدوي العربي المنشود، يعيد بشارة الاعتبار إلى مفهوم الدولة في سياق الفكر القومي العربي عبر نقد المتخيّل

القائم على الفصل بين الأمة والدولة، معتبرًا أنه "إذا لم تجد الأمة تعبيرًا سياسيًا عنها في الدولة أو في

((1(حين ينقد العروي واقع الدولة العربية ويعيّن مظاهرها ومظاهر أزمتها، يستخدم مفاهيم تحيل على نماذج متعيّنة في التاريخ

والواقع: الدولة السلطانية، والدولة المملوكية، ودولة التنظيمات... إلخ. لكنه يستخدم، كمرجعية نقدية وكإشارات للبدائل المقترحة، مفهومين مغرقين في التجريد: "نظرية الدولة" و"الأدلوجة الدولوية". (1((بشارة، في المسألة العربية، ص.212 (1((بشارة، المجتمع المدني، ص.296

التوق على الأقل للدولة، فلا مكان للأمة الحديثة، أمة المواطنين، الأمة السياسية، ولا للمجتمع المدني". عاد بشارة بعد ذلك إلى تطوير أطروحاته على قاعدة هذه الفكرة التي مؤداها أن بناء شرعية الدول العربية القُطرية القائمة، لا نسْف هذه الشرعية، هو المدخل السياسي الواقعي لتحقيق المشروع القومي الوحدوي العربي. وعمّق بشارة هذه الفكرة ونزّلها في إطار أوسع وأشمل وسمه ب "المسألة العربية" وسبل حلّها. وجوهر هذه المسألة كامن، بحسب رأيه، في أن القومية العربية لم تنجح في أن تتحوّل من قومية ثقافية إلى قومية سياسية مجسّمة واقعيًا في دولة أمة عربية موحّدة. وهو أمر كان

يمكن أن يحدث في القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين، لكن وقعت إعاقته لأسباب داخلية وخارجية. وقد باتت المسألة العربية اليوم أكثر تركّبًا وتعقّدًا، باعتبار أن فشل قيام دولة الوحدة على

أساس الرابطة الثقافية القومية ترافق مع فشل قيام دول قُطرية ذات شرعية في عيون شعوبها، إذ "لو نجحت الدولة القُطرية في تشكيل أمة مدنية على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية هي الضمان ضد الاستبداد وليس العشيرة أو الطائفة، لكان وقع ربما فصل محمود، مهما بدا لبعض القوميين غريبًا، بين قومية عربية ثقافية ينتمي إليها غالبية المواطنين في الدول العربية من جهة، وأمة سياسية

قائمة على المواطنة في الدولة القُطرية من جهة أخرى: هي مجتمع مدني نحو الداخل وأمة نحو الخارج". استنادًا إلى هذا التشخيص، يرى بشارة أن حلّ المسألة العربية يبدأ من تحقيق هذه الصيرورة التي لم يقع إنجازها تاريخيًا في إطار الدول العربية القُطرية القائمة، باعتبار أن قيام "أمم ديمقراطية تجمع

غالبيتها قومية ثقافية هي حالة متقدمة، قياسًا بالواقع العربي الحالي، وقد تكون هي التمهيد المطلوب لأي اتحاد طوعي".

ثالثًا: تاريخية مفهوم المواطنة وصفة المواطنية للدولة الأمة

بحسب هذا البديل الذي يصوغه بشارة باعتباره حلًّ للمسألة العربية، أو باعتباره شطرًا استراتيجيًا

أساسيًا لها، تترادف مقولة الدولة مع مقولة الأمة، وتتطابق صفة المواطنية مع صفة الديمقراطية تقريبًا.

فأن نقول: دولة مواطنية أو أمة ديمقراطية أو دولة ديمقراطية أو أمة مواطنية، سواءٌ، والدلالة تكاد تكون

واحدة في جميع هذه المركبات اللفظية. بيد أننا نرى أن التنصيص على صفة المواطنية باعتبارها نعتًا للدولة المنشودة في كل قُطر عربي، أصبح ذا راهنية خاصة في سياقنا الحالي؛ سياق الحقائق والمعطيات التي أفرزتها مخاضات الحراكات الصاخبة التي بدأت بالثورة التونسية وامتدّت إلى شطر واسع من البلدان العربية خلال هذه العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين.

((1(المرجع نفسه، ص.18 (1((بشارة، في المسألة العربية، ص.200 ((1(المرجع نفسه.

قد يبدو للبعض أن تكريس المواطنية، باعتبارها قاعدة انتماء الفرد إلى الدولة ومرجعية عليا لنظام العلاقات فيها، أمر مفروغ منه في كل صيرورة تحوّل ديمقراطي. لكننا نرى، استنادًا إلى ما سيأتي لاحقًا في هذه الدراسة، أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الفكر الأيديولوجي العربي المعاصر والراهن السائد. ولكي نبيّن

ذلك، ونبيّن، من ثمة، راهنية تمثّل المواطنية، باعتبارها صفة للدولة المنشودة في الأقطار العربية، يجدر بنا

أن نعود أولً إلى مفهوم المواطنة من جهة كونه مفهومًا سياسيًا ذا مضامين تطوّرت تاريخيًا، وعكست، في

ثنايا هذا التطوّر تحولّات مهمّة وعميقة، مرّت بها الجماعات والكيانات السياسية والاجتماعية في التاريخ

البشري. لقد بات عصرنا الراهن يعرّف المواطنة من جهة كونها "تحدّد علاقة الفرد، ليس بفرد آخر (كما

هي الحال بالنسبة إلى الأنظمة الإقطاعية والملكية الاستبدادية)، ولا بمجموعة (كما في القومية)، لكن بفكرة الدولة بشكل رئيس. والهوية المدنية مصونة بالحقوق التي تسبغها الدولة وبالواجبات التي يؤديها المواطنون الذين هم أشخاص مستقلون ومتساوون في أوضاعهم الشرعية. فالمواطنون الصالحون هم الذين يشعرون بالولاء للدولة، ويدفعهم الإحساس بالمسؤولية إلى تأدية واجباتهم. وبالتالي فهم يحتاجون إلى المهارات المناسبة لهذه المشاركة المدنية". لكن قبل أن يستقرّ مفهوم المواطنة على هذه المضامين المعلومة، مرّ بأطوار مختلفة؛ إذ قام هذا

المفهوم من بداية تشكّله في الفكر السياسي اليوناني القديم، على نواة دلالية لا تزال تشكّل عمدته وجوهره إلى اليوم، وهي دلالة حق مشاركة الفرد في الشؤون العامة للجماعة السياسية التي ينتمي إليها. وهذا ما يُستفاد بوضوح في قول أرسطو: "من يتمتّع بحقّه في المشاركة بالمراكز التشاورية والقضائية [...] يحرز بذلك مكانة المواطن في دولته". أما التطوّر الذي عرفته دلالة حقّ الفرد في المشاركة في الشؤون العامة للجماعة السياسية التي ينتمي إليها، فقد كان في ثلاثة مستويات متمايزة: إطار الجماعة السياسية، ومعايير المواطنة في الجماعة، ومضامين الحقوق المترتّبة على صفة المواطنة. ارتبط مفهوم المواطنة في بدايته بالفرد المشارك في الحياة المدنية والسياسية في إطار المدينة الدولة اليونانية Polis؛ "إذ لا يمكن لهذه المشاركة الطبيعية أن تجد تعبيرًا فعّالً إلا في الإطار المنظّم والحميم

للمدينة – الدولة ذات الحجم الصغير، والمؤلفة من نواة حضرية محاطة بأراضٍ زراعية، وهذا ما كان عليه الشكل العادي للدولة الإغريقية القديمة". وهكذا، اقترنت فكرة المشاركة الجماعية في تدبير شؤون الجماعة بإطار المدينة أو البلدية (الجماعة المحلّية التي تحتل رقعة ترابية محدودة) الضيّق،

سواء في اليونان القديمة أو في الإمبراطورية الرومانية أو في بعض المناطق الأوروبية (إيطاليا) قبل العصور الحديثة. لم تقترن المواطنة باعتبارها حقًّا للمشاركة في الشأن العام بمفهوم الأمة الإثني السائد في ما قبل الحداثة، و"حتى القرن الثامن عشر، كان لكلمة 'أمّة' دلالات مختلفة عمّا هي عليه اليوم. بعد ذلك

(1((ديريك هيتر، تاريخ موجز للمواطنية، ترجمة آصف ناصر ومكرم خليل (بيروت: دار الساقي، 2007)، ص.14 ((1(المرجع نفسه، ص.34 ((1(المرجع نفسه.

بدأت تتحوّل لتصبح مرادفة ل 'بلد' أو 'أرض الأجداد' والشعب الذي يسكنها. ومثلما بدأت كلمة 'مواطن' تنسلخ عن معناها البلدي، وتلتصق بالدولة، كذلك أخذ تعبير 'أمة' يتصل بالدولة أيضًا". عرفت الحداثة السياسية الأوروبية في القرن التاسع عشر تجارب الربط الأيديولوجي بين الدولة والأمة القومية والمواطنة في مركّب واحد (الأيديولوجيات القومية). غير أنه مع تنامي حركات الهجرة إلى البلدان الأوروبية، والغربية بصفة عامة، خلال القرن العشرين، وتنامي النزعات الحقوقية، وقع فكّ هذا الاقتران بين الأمة القومية والأمة المواطنية التي باتت تُحدّد بالانتماء إلى الدولة فقط؛ إذ "الأولوية في المواطنية هي في ترابط الأفراد مع الدولة، وأولوية الإثنية هي ترابط الأفراد مع جماعتهم الثقافية التي غالبًا ما تُحدّد باللغة أو الدين، وأحيانًا باللغة والدين معًا. أما الاعتقاد السائد في القرن التاسع عشر بأن

المواطنين يجمعون الهويتين في انتمائهم القومي، فقد تمّ اعتباره على أنه من نسج الخيال". وفي أواخر القرن العشرين، ظهرت أطروحات ومقاربات تنبّأت بكون فكرة المواطنة سائرة نحو التحرّر

من اقترانها الضروري، في عصرنا الحديث، بإطار الدولة/ الأمة، ونحو التعبير عن انخراط الفرد ومشاركته في أطر فوق دولتية، وهذا ما كرّسته مقولات من قبيل "المواطنة الأوروبية" المقترنة بتجربة

الاتحاد الأوروبي، و"المواطنة العالمية" التي عكست أوهام فكرة العولمة، ومحو الحدود بين بلدان العالم التي راجت بين العشرية الأخيرة من القرن الماضي والعشرية الأولى من القرن الجديد. غير أن تطوّرات السنوات الماضية أثبتت بوضوح أن "المواطنة في مغزاها الأساسي ما زالت تنطوي على العيش في الدولة – الوطن والالتزام بها، مع الحقوق والواجبات السائدة في ذلك الشكل من نظام الحكم". بالتداخل مع هذا التطوّر الذي قرن مفهوم المواطنة بمفهوم الدولة – الأمة، وبالتفاعل معه أيضًا، حدث تطور آخر لا يقلّ خطورة وأهمية، حوّل المواطنة من مفهوم نخبوي يكرّس حكم الأقلية واستئثارها

بالشأن العام (الأوليغارشية) إلى مفهوم جمهوري يجسّد قيمة المساواة في حق المشاركة السياسية والمدنية. لقد كانت المواطنة في المدينة الدولة اليونانية حكرًا على فئة الرجال الأحرار من سكان

المدينة الأصليين، أي يُستثنى منها النساء والعبيد والأغراب، فضلً عن الأطفال. أما في إطار الدولة الحديثة، فقد تطوّرت الفكرة المواطنية إلى فكرة جمهورية، عبر نظرية العقد الاجتماعي التي صاغها فلاسفة الأنوار الأوروبيون في القرن الثامن عشر، خصوصًا. على هذا النحو، جعل روسو المواطنة المتساوية أساس مفهوم الدولة، وهو يعرّفها بكونها "الشخص

العمومي الذي يتكوّن من اتحاد جميع الأشخاص الآخرين، وقد كان يحمل قديمًا اسم 'المدينة'،

ويحمل الآن اسم 'الجمهورية' أو 'الجسم السياسي': وهذا الجسم السياسي هو ما يسمّيه أعضاؤه

'دولة' [...] وصاحب سيادة [...]. أما الشركاء فيُطلق عليهم جماعيًا 'الشعب'، ويُطلق عليهم فرادى

((2(المرجع نفسه، ص.134 ((2(المرجع نفسه، ص.141 ((2(المرجع نفسه، ص.211

اسم 'المواطنين'، من حيث هم مشاركون في السلطة السيادية، و'رعايا' من حيث هم مذعنون لقوانين الدولة". وفي أفق هذا المفهوم التعاقدي الاجتماعي للدولة، تتحد فكرة الجمهورية مع فكرة الحرية؛ لتعطي مضمون ما بات يعرف اليوم بالمواطنة المتساوية؛ إذ "يجب على الدولة أن تستحوذ على كامل السلطة، سلطة القانون [...] تلك السلطة الكاملة لا يمكن أن تكون إلا سلطة المواطنين المتساوين في ما بينهم. السيادة والحرّية، كل واحدة منهما تتحقّق من خلال الأخرى، بعيدًا عن الإقصاء المتبادل

[...] فحرّية البشر لا تعرف معناها الحقيقي إلا عن طريق المشاركة في السيادة التي يعود للجماعة

السياسية وحدها الحقّ في ممارستها". أما التطوّر الثالث الذي صار إليه مفهوم المواطنة في عصرنا الراهن، فقد اتخذ شكل توسّع مطّرد

في نوعية الحقوق التي بات يشملها؛ فإذ تشكّل هذا المفهوم في أساسه على نواة صلبة، هي حقّ المشاركة في تدبير الشأن العام، فإنه تغذّى في الأزمنة الحديثة بروافد من الفكر الليبرالي وبأخرى من الفكر الاشتراكي، بحيث بات يتّسع لما أصبح يُعرف اليوم بالحقوق المدنية (حريات العقيدة، والتفكير،

والتعبير، والتنظّم، وغيرها)، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية (التعليم، والصحة، والعمل)، إلى جانب الحقوق السياسية (الترشح، والانتخاب، والتظاهر). وهكذا، فعلى الأقل، مع توماس همفري مارشال Marshall Humphrey Thomas (1893–1981)، في منتصف القرن الماضي، أصبح مفهوم المواطنة يقع في نقطة تقاطع بين ثلاثة مكوّنات: الحقوق المدنية، والحقوق السياسية، والحقوق الاجتماعية؛

ذلك أن "المواطنة الديمقراطية كتعبير عصري دارج في نظرية الحقوق والنظرية السياسية، يفترض أن تكون شاملة ومتساوية، وأن تشمل حريات مدنية وحقوق مشاركة سياسية وحقوقًا اجتماعية، يمكن منحها ولا يمكن انتزاعها كعقوبة، فهي ليست ملك الحاكم".

رابعًا: إشكالية مفارقة الديمقراطية للدولة المواطنية في السياق العربي: من "التأسيس الأيديولوجي" إلى الحراكات الراهنة

إن استحضار كل هذه التطوّرات التاريخية والدلالية التي بات يكتنزها مفهوم المواطنة أمر ضروري؛

لتحديد المضامين المتعيّنة للطرح الذي تريد هذه الدراسة أن تخلص إليه، والذي مؤداه أن بناء شرعية

الدول العربية القائمة لن يتمّ إلا عبر تحوّلها إلى ما يسمّى "دولة جميع المواطنين". ومثل هذا التحوّل

هو وحده القادر على إنهاء حالة اغتراب المجتمعات العربية عن دولها القائمة في السياق العربي الراهن؛ ذلك أن استحضار كل المدلولات التي أصبح يشير إليها مفهوم المواطنة، غدا ذا راهنية كبرى

(2((جان جوك روسو، العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون الأساسي، ترجمة وتعليق وتقديم عبد العزيز لبيب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.95–94 (2((مارسيل غوشيه،  الدين في الديمقراطية، ترجمة شفيق محسن (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.76–75

(25)  Martine Spensky, Citoyenneté(s) perspectives internationales (Paris: CRCEMC Maison de la recherche, 2003), p. 132.

(2((بشارة، في المسألة العربية، ص 150

بعد كل ما حدث في هذه العشرية الصاخبة في أكثر من بلد عربي، والمصائر التي آلت إليها الفكرة الديمقراطية في متخيلّاتها الأيديولوجية العربية المعاصرة، وخاصة في متخيّلها الوفاقي، كما سيأتي. الديمقراطية في مفهومها النظري الأصلي وتجسيداتها العملية السليمة، هي قرين بنيوي للدولة/ الأمة المواطنية؛ ذلك أن "الديمقراطية في النهاية هي نظام حكم في دولة، وهذه الدولة هي إطار التعددية السياسية والتبادل السلمي للسلطة وممارسة الحريات المدنية". ثم إنه "من منظور الديمقراطية يفترض أن تتطابق الأمة مع الدولة"؛ إذ لمّا كانت الديمقراطية تكريسًا للسيادة العامة، فلا معنى لسيادة عامة من دون وجود أمة في دولة. لكن أيّ أمة؟ هي، بالتحديد، الأمة القائمة على رابطة المواطنة، ولا رابطة سواها يحتملها النظام الديمقراطي بوصفها المحدّد الأول لهوية الأفراد الممتلكين لحقّ المشاركة في العملية السياسية، وتدبير الشأن العام. وعلى هذا الأساس "حالما تُطرح المطالب الديمقراطية، تطرح معها الهوية المواطنية باستخدام اسم الدولة في وصف الشعب. فالشعب في الحراك الثوري، يعني مجموع المواطنين المعنيين بطبيعة نظام الحكم في الدولة". حينما نتأمل مخرجات "التفكير" الديمقراطي العربي خلال العقدين أو الثلاثة التي سبقت موجة الثورات والحراكات العربية الراهنة، نرى بوضوح كيف وقع كسر هذه العلاقة البنيوية بين الديمقراطية والدولة والمواطنية. فقد ساد اعتقاد غالب بأن الديمقراطية المعاصرة "تأصلت في مجتمعات مختلفة من حيث الدين والتاريخ والثقافة. وتمكّنت [...] أن تصبح منهاجًا عمليًا وواقعيًا يأخذ عقائد وقيم المجتمعات المختلفة

في الاعتبار". بمعنى آخر، إن الآليات السياسية للمنظومة الديمقراطية "قابلة للاشتغال داخل منظومات سياسية وثقافية مختلفة، ولا علاقة لها بأيديولوجيا محدّدة". وبما أن الديمقراطية غير مقترنة ضرورةً بأي قيم ومعايير سياسية محدّدة، فإن الديمقراطية المنشودة عربيًا، تتخذ، بحسب مفترضات هذا المنظور،

صفة "اللاأسسية"، لأنه يمكن البحث عنها "بدون إلصاقها بشكل معين، أو بمبدأ عقلاني، أو بمجوعة من المبادئ الأساسية، أو برواية كبرى، أو بحقيقة سائدة أو بأصل أو بنية محددة". إذًا، استنادًا إلى مقولة إن الديمقراطية يمكن أن تكون "لاأسسية" (مجرّدة عن الأسس التي قامت عليها

في الغرب)، ومعدّلة بحسب هوية "الأمة" وثقافتها (الأمة العربية الإسلامية)، ومحلّ "توافق" بين "تياراتها"

(2((بشارة، الانتقال الديمقراطي، ص.286 ((2(المرجع نفسه، ص.346 ((2(بطبيعة الحال، يحتمل النظام الديمقراطي الروابط الأخرى (الدينية والقومية والجهوية والطبقية والمهنية... إلخ)، لكن بوصفها روابط فرعية تدخل في خانة الحقوق المدنية. 3(((بشارة، الانتقال الديمقراطي، ص 43.7 (3((علي خليفة الكواري، "مفهوم الديمقراطية المعاصرة: قراءة أولية في خصائص الديمقراطية"، في: علي خليفة الكواري

(محرر)، حوار من أجل الديمقراطية (بيروت: دار الطليعة، 1996)، ص.124 3(((رفيق عبد السلام، "الحاجة إلى بناء الكتلة التاريخية: الحالة التونسية أنموذجًا"، في: رفيق عبد السلام [وآخرون]، نحو كتلة

تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.201 (((3 العربي صديقي، البحث عن ديمقراطية عربية: الخطاب والخطاب المقابل، ترجمة محمد الخولي وعمر الأيوبي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.71

(الإسلامية والقومية والليبرالية والماركسية)، وقع تخيّل ديمقراطية بديلة من الأنظمة الاستبدادية في

البلدان العربية، لا مفصولة عن مفهوم الأمة المواطنية فحسب، بل يمكن أن تكون كذلك مدخلً إلى نسف كينونة الدولة الحديثة في العالم العربي. وهي ديمقراطية تتجسّد عمليًا في "حكم الكثرة"

من المجتمع، وهذا الحكم يتمّ إجرائيًا بأن نواب هذه الكثرة في السلطة يتخذون القرارات "في ضوء

الثابت من عقائدهم"، فتكون قرارات ملزمة للجميع. وهكذا، تُختزل هذه الديمقراطية، عمليًا، في لعبة

انتخابية، تتمّ بين جماعات ذات ثوابت قيمية وعقدية مختلفة، بحيث تفضي إلى تحديد الجماعة الأكثر

عددًا، وتمنحها حق فرض خياراتها المخصوصة على الجميع. وعلى هذا النحو، نرى كيف أن "قيمة

هذه الديمقراطية اللاأسسية تتجلّى في أنها تمكّن من تجسيد المفهوم الذي طلبه، مسبقًا، الخطابُ

الوفاقيُّ العربيُّ للديمقراطية، من حيث هي حلّ لمشكلات استبداد السلطات السياسية في الأقطار

العربية، لا يتناقض مع الحلّ الإسلامي لمشكلات هوية مجتمعات هذه الأقطار". من هنا تخيّل الإسلاميون الثورات العربية، والمطلب الديمقراطي الذي رفعته الجماهير العربية المحتجّة

على أنظمتها المستبدّة، في بدايات العشرية الثانية من هذا القرن، باعتبارها عناوين مسار مضادّ للمسار الذي أفضى إلى بناء الدول العربية الحديثة؛ إذ "تؤشر حركة الانتفاض الثوري على إسقاط المسار الذي طبع تشكّل الدولة العربية المعاصرة، وفجّر تناقضاتها بمركزيتها الشديدة واستبدادها المتسلّط ونسقها

السياسي المغلق". وقد ركّز الإسلاميون، في هذا الصدد، في الأساس، على الثورتين التونسية والمصرية، وذلك لأن مسار تشكّل الدولة في هذين البلدين كان أكثر تقدّمًا ممّا هو عليه في ليبيا

واليمن. وهكذا قُرئت ثورة 14" يناير" في تونس، باعتبارها جاءت "بعد أزيد من نصف القرن من كيد الدولة الحديثة الدؤوب عن اقتلاع تونس من تربتها الطبيعية العربية الإسلامية لمصلحة استبدالها بتربة غريبة عنها". كما قرئت ثورة 25" يناير" في مصر بالطريقة ذاتها، أي بوصفها "تعبيرًا عن حركة الأمة

في مواجهة آخر حلقة من حلقات المشروع القومي الاشتراكي في التغريب والتأكيد على فشله". ومن أجل إضفاء المشروعية على متخيّل الثورة على الدولة العربية الحديثة، استدعى الإسلاميون،

في خضم حماسهم لصيرورات الانتقال الديمقراطي التي أعقبت الثورات والحراكات الثورية والاحتجاجية، بعض المعطيات الموضوعية التي حفّت بنشأة الدول الوطنية الحديثة ومسارها في المنطقة العربية، وجعلوا من هذه المعطيات المجتزأة أشبه بالسردية التي "تحكي" "القصة الكاملة"

(((3 لمزيد من التوسّع في هذه النقطة والاطلاع على شواهد إضافية من خطاب الديمقراطية في المتخيّل الوفاقي العربي التي تفيد

هذا المعنى، ينظر تحليلاتنا في: سهيل الحبيّب، الأزمة الأيديولوجية العربية وفاعليتها في مآزق مسارات الانتقال الديمقراطي ومآلاتها

(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، خاصة ص 107–100،.183–176 (((3 المرجع نفسه، ص.200 3(((سلمان بونعمان، أسئلة دولة الربيع العربي: نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة (بيروت/ الرياض: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2013)، ص.101 3(((راشد الغنوشي، "في الذكرى الثلاثين لميلاد 'الاتجاه الإسلامي': حركة النهضة مشروع يفجّر طاقات الإبداع"، الفجر، (3((غازي التوبة، "الهوية بين دستوري مصر 2012 و 2013 "، الجزيرة نت، 2014/1/20، شوهد في 2019/7/15، في:

https://bit.ly/3jKEBeo

لهذه الدولة، باعتبارها "تكوّنت في المنطقة العربية الإسلامية بطريقة قيصرية؛ إذ لم تكن نتيجة تدافع

حقيقي بين تيارات ومسارات ورؤى مختلفة، وإنما لمسار انقلابي عسكري، وبتدبير غربي، بعد أن استنفد الاستعمار الكلاسيكي مبرّرات وجوده الذي اعتقد أنه نجح في فرضها". لم يكن في قدرة

الإسلاميين أن يتخيّلوا الثورات العربية الراهنة باعتبارات ثورات هوياتية، من دون أن يتخيّلوها ناقضة

لسيرورات بناء الدول الحديثة في الوطن العربي؛ ذلك أن هذه الدول تشكّل، في منظور الإسلاميين، المظهر العملي المؤسّساتي لمشروع التغريب والعلمنة الذي يناهضونه، فقد عادى الإسلاميون ظاهرة

الدولة الحديثة التي انتظمت في نطاقها الشعوب العربية والإسلامية عامة، معتبرين أن وجودها سبّب

وضع "اغتراب الدولة عن الأمة إلى حدّ التناقض والتصادم وحتى التقاتل". ولمّا رأى الإسلاميون أن الانتقال الديمقراطي يجب أن يحدث في الأقطار العربية ضمن صيرورة هادفة إلى

إعادة بعث منطق الأمة الدينية، وتسويده على حساب منطق الدولة الحديثة، فقد ذهبوا إلى الاعتقاد أن المشاركة السياسية التي يتيحها النظام الديمقراطي للفرد يمكن، أو يجب، أن تُمارسَ بموجب الانتماء الديني للفرد،

لا بموجب انتمائه المواطني. ولا تعدم بعض كتابات الإسلاميين "المؤصلة" للديمقراطية من "تنظيرات" في هذا المعنى، مفترضة أن "مطابق الكلمة العصرية 'مواطن' في المصطلح الإسلامي التقليدي هي كلمة 'مسلم' وليس كلمة 'مواطن' التي تم ابتكاراها حديثًا. ويرجع ذلك إلى أن هوية المجتمع الديني والسياسي في بدايات المجتمع الإسلامي كانت من المسلمات حيث يتمتع الفرد بحكم كونه مسلمًا بعضوية فورية

وكاملة في المجتمع السياسي وبالمعنى الإيجابي، بل و'الجمهوري' للمواطنة النشطة". ويذهب الإسلامي إلى أبعد من هذا، فيعتبر أن المشاركة في الشأن العام التي تتيحها العضوية في الجماعة الإسلامية، ليست من باب الإمكان أو الحقوق، بل من باب الإلزام والفرض؛ ذلك أنه كان لزامًا على المسلمين "المشاركة النشطة في إدارة أمور المجتمع من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ينص عليه القرآن الكريم كخاصة مميزة للمجتمع الإسلامي وصفة تجعل منه أحسن المجتمعات". وقد سبق لنا أن بيّنا، عبر تحليلات متوسّعة، كيف أن شطرًا مهمًّا من الصراعات

التي عصفت بالمسارات الانتقالية لبلدان الثورات العربية يعود، بشكل مباشر، إلى ممارسة القوى والأحزاب الإسلامية للفعل السياسي و"المدني" بمنطق "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، في إطار الجماعة الدينية، لا بمنطق حق المشاركة في الشأن العام في إطار الدولة الحديثة. صحيح أن بقية تيارات الأيديولوجيا العربية المعاصرة لم تكن أقل عدائية للدولة العربية القُطرية الحديثة من التيار الإسلامي. وينسحب الأمر على التيارات والأحزاب القومية العربية المثقلة بتاريخ عدائي للدولة

3(((سليم الحكيمي، "قراءة في الثورة التونسية: من ضرّاء الاستبداد إلى نعماء الثورة "، الفجر،.2011/5/6

4(((راشد الغنوشي، مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.104 (4((عبد الوهاب الأفندي، "إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية: مسلم أم مواطن؟"، في: عبد الوهاب الأفندي

[وآخرون]، المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص.56 (4((المرجع نفسه، ص.57 (((4 ينظر في هذا الصدد: الحبيّب، ص.228–195

القُطرية وعلى القوى اليسارية الماركسية المكبّلة بالمفهوم الطبقي للدولة المانع من تمثّل فكرة الأمة الدولة

المواطنية. أما التيارات الليبرالية العربية، فلم تكن مشبعة هي الأخرى بفكرة الدولة، ومالت أكثر إلى ربط الحريات بالفرد، باعتباره فردًا لا باعتباره عضوًا في الدولة، أي مواطنًا. لكن هذا لا يمنع من القول إن الإسلاميين كانوا أكثر القوى تفعيلً، من الناحية العلمية، لمنظورهم الأيديولوجي المعادي للدولة الحديثة في المسارات الانتقالية التي شهدتها بلدان الثورات العربية خلال العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين. وفي مقابل ذلك لم تكن التيارات الأخرى قادرة على أن تفعّل بدائل سياسية عملية على قاعدة مشروع استكمال صيرورة الدولة القُطرية الحديثة، واستكمال شرعيتها عبر التحوّل إلى نمط الأمة المواطنية، باعتبار علاقة ذلك صميميًا بالتحوّل الديمقراطي المنشود. وقد رأينا، في المشهدين التونسي والمصري، تحديدًا،

كيف أسهمت أغلب القوى السياسية، القومية واليسارية والليبرالية، في خلق الشروخات والاصطفافات الاجتماعية العمودية، حين تكتّلت ضد الإسلاميين بمنطق "الطائفة" العلمانية أو الحداثية.

خامسًا: الدولة المواطنية ومخاضات التشكّل في السياق العربي الراهن

عكست الشعارات الأصلية التي رفعتها الحراكات الثورية العربية خلال سنة 2011 (الديمقراطية والحرية والكرامة والشغل والعدالة الاجتماعية)، إرادة الشعوب العربية المنتفضة في بناء نظام سياسي جديد لدولها القائمة، حتى تتوافق مؤسساتها وتشريعاتها وطرائق إدارتها مع دولة مواطنين لا دولة رعايا. غير أن الانصراف إلى مثل هذا التمثّل أو هذا التخيّل لم يكن ممكنًا في سياق ما أقدم عليه

الفاعلون السياسيون الرئيسون في المسارات الانتقالية العربية، من إحياء لمفهومَي الثورة الطبقية والثورة الهوياتية، من "تراث" الأيديولوجيا العربية المعاصرة؛ ذلك أن طبيعة براديغم الصراع المجتمعي الفئوي المادي الملهم لهذا "التراث" الأيديولوجي الثوري لم تكن تسمح، أصلً، بتمثّل هذه الثورات العربية باعتبارها ثورات مواطنين. كان من الممكن، خلال تلك الموجة الأولى من الحراك الثوري العربي، أن يسود مثل اللبس الأيديولوجي الذي يصرف الأنظار عن تمثّل مطالب الجماهير العربية بوصفها مطالب مواطنية إلى تمثلّات ارتكزت على خلفيات أيديولوجيا الصراع الاجتماعي الطبقي، وأخرى استندت إلى مقولات الصراع الحضاري الهوياتي. لقد أدّت هذه التمثلّات والمتخيلّات، في تقديرنا، الدور الحاسم في ما آلت إليه الثورات

والحراكات الثورية العربية خلال هذه العشرية المنصرمة من القرن الحادي والعشرين، من صيرورات عنف وصراع وتناحرات مجتمعية وسياسية أجهضت تجارب التحوّل الديمقراطي. إذا كنا نفترض أن مفهوم دولة جميع المواطنين هو المفهوم المرشّح، أو الذي يجب ترشيحه لتمثّل طموحات التغيير الإيجابي في البلدان العربية في المستقبل المنظور، فذلك من منطلق تضافر الحقائق الميدانية التي أفرزتها الموجة الأولى من الحراكات العربية المندلعة في بداية العشرية، مع دلالات

(((4 ينظر تحليلاتنا المتوسّعة في: المرجع نفسه.

الموجة الثانية من هذه الحراكات التي شهدها كلٌّ من السودان والجزائر ولبنان والعراق في أواخر هذه العشرية. فقد بات واضحًا اليوم، كما استنتج بشارة، أن "النضال من أجل الديمقراطية يعود ويترافق مع

التمسك بالدولة والهوية الوطنية، حتى في الدول التي رافق تخلصها من السلطوية تفكك إلى طوائف وظهور الطائفية السياسية مثل العراق. ويظهر ذلك من خلال شعار الحراك الثوري في هذا البلد خلال تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وهو شعار 'نريد وطنًا' المعبّر جدًا، وفي مناهضة

خطاب الحراك للطائفية السياسية. ثمة، في ذهن المواطن العادي، عالقة بين مطلب الديمقراطية والتشديد على المواطنة في الدولة". نقدر أن الحراكات التي شهدها شطر مهّم من البلدان العربية، في موجتها الأولى كما في الثانية، أثبتت جميعها أن أولى خطوات بناء دولة جميع المواطنين في هذه البلدان تكمن في الحاجة المؤكدة إلى الفعل الجماهيري الواسع الذي يحرّر سلطة الدولة من الأنظمة السلطوية الاستبدادية الرثّة التي

تقف عائقًا رئيسًا، بحكم طبيعتها، أمام تشكّل القاعدة الأساسية لدولة المواطنين، بوجود مجال عام

يمثّل الدولة من حيث هي كيان معنوي مفصول عن الأشخاص. فوجود مثل هذا المجال العام شرطٌ أولي للحديث عن إمكانية المشاركة في تدبيره وإدارة شؤونه التي هي نواة مفهوم المواطنة، كما مرّ بنا

تعريفه. وفي ظلّ الأنظمة السلطوية التي ثارت عليها الجماهير العربية سنة 2011، "لا توجد مؤسسات وطنية للدولة منفصلة عن الحاكم وبطانته، فإن عام الدولة هو خاص بالنسبة إلى الحكّام. من هنا فإن خاص الحكّام يقتحم ما يفترض أن يسمّى المجال العام من كل باب ممكن، ليصبح العام هو خاص

الحكّام، ويصبح الفساد هو القاعدة، أما مجال المواطن الخاص فليس له أي قدسية". نعتقد أن تحرير المجال العام وفكّ أسره من استبداد الحاكم الفرد وبطانته به، وإفساح المشاركة فيه لجميع منتسبي الدولة على قدم المساواة، هي المضامين المتعيّنة للمطالب التي انتفضت من

أجلها الجماهير العربية خلال العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، ونرى أن الثورة السودانية في الموجة الثانية من الحراكات تبدّد، هي على وجه الخصوص، وهْمَ تلبيس هذه المطالب ذات

المضامين المواطنية الواضحة بطابع هوياتي ديني على نحو ما فعل الإسلاميون مع ثورات الموجة الأولى، ومع ثورتي تونس ومصر بالتحديد. لقد ثار السودانيون على نظام "إسلامي"، رافعين مطالب التونسيين والمصريين والسوريين نفسها تقريبًا. وهذا يعني أن الحاكم الإسلامي "المتأصل في هوية

الأمة" يمكن أن يمارس الممارسات ذاتها التي يأتيها الحاكم العلماني "المغترب عن هوية الأمة"؛ احتكار الشأن العام والتفرد به وممارسة الفساد على نطاق واسع. بمعنى آخر، أثبتت الثورة السودانية أنه إذا كانت الشعوب العربية تثور اليوم على مظاهر من الدولة الحديثة، فإنها لا تثور من أجل بدائل كامنة في نطاق "هوية الأمة الدينية"، أو يمكن أن يتوفّر عليها نظام سياسي يعتمد هذه الهوية مرجعية. إن ما تثور من أجله الشعوب العربية اليوم هو الشطر الآخر الذي تطوّرت إليه الدولة الحديثة في بقع

أخرى من عالمنا المعاصر، ونعني به التطوّر إلى نموذج الدولة – الأمة المواطنية.

(((4 بشارة، الانتقال الديمقراطي، ص.340 4(((عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.16

أما الدرس الأهم الذي تسعفنا به المسارات الدراماتيكية التي أعقبت إسقاط الأنظمة المستبدّة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، كما أيدته بقوة حراكات الشعبين اللبناني والعراقي، فمؤداه أن تحرير المجال العام في الدولة من الحكام السلطويين وأتباعهم، وإفساح مجال المشاركة فيه لجميع منتسبي الدولة من دون إقصاء، لا يعنيان مطلقًا منتهى الغاية في تسويد نموذج دولة جميع المواطنين. فهذا التحرير شرط ضروري، كما أسلفنا القول، لكنه لا يشكّل إلا الوجه السالب (إزالة عائق رئيس) من صيرورة تفترض الكثير من العناصر البنائية الموجبة. لكن قبل الحديث عن مفترضات الصيرورات البنائية التي ما زالت تنتظر الإنجاز والتحقّق في البلدان العربية، حتى تسير إلى تسويد واقع دولة جميع المواطنين، لا بد من الإشارة إلى أن التحقّق الصيروري المتدرّج والمفتوح لتكريس مبدأ المواطنة المتساوية، إنما هو قانون عام يسري على كل تجارب

الدول الحديثة؛ ذلك أن "إحدى المشكلات المتعلقة بالمواطنة والحقوق المتصلة بها، هي في صعوبة ترسيخها في الثقافة الاجتماعية السياسية في دولة ما، خلال فترة وجيزة من الزمن. حتى البلدان التي عاشت مدة طويلة من التقاليد الليبرالية التي يمكن أن نعدد من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وسويسرا والبلاد الواطئة، استغرقت عدة أجيال لتصل إلى المستويات الحالية للحياة المدنية، وما زالت هذه المستويات قاصرة عن بلوغ المثال المنشود، خاصة في الميدان الصعب للحقوق الاجتماعية. كما أن الإيمان بقيمة المواطنة والرغبة في جعلها واقعًا يتطلب مدة من الزمن للتطور، فضلً عن أنه يمكن أن يخضع لانعكاسات دورية". إن بلوغ مستوى متقدّم من التجسيد العملي الواقعي لدولة جميع المواطنين في البلدان العربية الراهنة، يستدعي نحت صيرورات سياسية واجتماعية، وحتى اقتصادية، متدرّجة وطويلة المدى، بحسب

المشكلات العينية التي يظهرها واقع كل قُطر عربي، والتي ترتبط بخصوصياته ودرجة تطور بناه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومنطلق هذه الصيرورات يكون، كما أسلفنا، بتحرير سلطة الدولة من استبداد الفئة الحاكمة، إذ من دون هذا التحرير لا يمكن الحديث عن مجال عام في الدولة، ومن دون هذا المجال العام لا يمكن أن يقوم، من الأصل، مبدأ المشاركة المدنية والسياسية الذي هو العمود الفقري لمفهوم المواطنة، كما سبق أن أشرنا. غير أن ما نستفيده من دروس الموجة الأولى من الثورات والحراكات العربية الراهنة، هو أن الانتقال الديمقراطي بمعناه الجوهري المرتبط بتفعيل مبدأ المشاركة السياسية والمدنية المواطنية، لا يحدث، بصورة تلقائية ومباشرة، بمجرد غياب السلطة المستبدة أو إزاحتها وإتاحة إمكانية العمل السياسي والمدني بلا قيود. والدرس ذاته استخلصناه من الحراكين اللبناني والعراقي. ميزة الانتفاضات الشعبية التي عرفها لبنان والعراق في أواخر العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، أنها اندلعت في مجال سياسي يمكن وسمه ب "المتحرّر"، بمعنى أنه غير خاضع لسلطة سياسية قوية

ومستبدّة تحتكره بالكامل وتغلقه في وجه القوى المنافسة، بل يمكن القول إنه مجال "ديمقراطي"

بالمعنى اللاأسُسي الوفاقي للديمقراطية، المؤسس أيديولوجيًا في السياق العربي، كما مرّ بيانه في

المحور السابق، لأنه ينطوي على تعدّدية وحريات تنَظُّم وانتخابات دورية ومجالس منتخبة... إلخ.

(4((هيتر، ص.173

إذًا، بات أمرًا واضحًا ولا لبس فيه، بحسب تقديرنا، أن الجماهير الواسعة انتفضت في لبنان والعراق

ضدّ النتائج السياسية والاجتماعية الكارثية التي أفرزتها ممارسة المشاركة في الشأن العام وتدبيره، بمنطق "المراهنة على تكريس وجود الجماعات العضوية التقليدية، المذهبية الدينية والقبلية، في المجتمعات العربية، والمراهنة على تعدّدية هذه الجماعات، من حيث هي المرادف لتعدّدية المجتمع السياسي وتعدّدية المجتمع المدني في البلدان الديمقراطية". ولم تطرح الجماهير المنتفضة مطلب العودة إلى نظام الاستبداد وغلق المجال العمومي من دون المشاركة السياسية التعدّدية، بل نادت بضرب جديد من المشاركة الذي لا يمكن أن يكون غير منطق المشاركة المواطنية وفي إطار رابطتها ضمن الدولة الحديثة. المشاركة السياسية – على أساس الانتماء الطائفي – تدمّر الدولة، وتعوق قيام الأمة الموحّدة فيها؛ لأن "الطائفة تتحول إلى جماعة تمثل مصالحها التي تعبّر عنها زعامة طائفية في مقابل الدولة، حين يفشل

الاندماج الاجتماعي السياسي في أمة؛ لأسباب داخلية وخارجية. فالأمة المندمجة تنقسم إلى تيارات سياسية وطبقات وغيرها من الكيانات العابرة للطوائف. وإذا نجحت الطائفية بالتدرج في تحويل الطائفة إلى جماعة متخيلة ذات وظيفة سياسية، تنشأ علاقة بين تحول الطائفية الدينية إلى كيان سياسي، وتجاوز السقف الوطني في البحث عن تحالفات مع قوى أجنبية، ضد من أصبح عدوًّا رئيسًا أمام تمثيل الطائفة على مستوى الدولة، وحاجزًا أمام نيلها ما باتت تعده حصتها بعد مثل هذا التعريف". وعلى هذا النحو، تكون واحدة من أهمّ حلقات صيرورة بناء الدولة المواطنية في البلدان العربية؛ بناء الهويات الوطنية على قاعدة المواطنة وأولوية الانتماء إلى الدولة؛ ذلك أن فكرة المواطنة وفكرة الحق في المشاركة السياسية والمدنية (وبقية الحقوق الأخرى) تقترنان، اقترانًا صميميًا، بهدف

أساسي مخالف، بل لنقل مناقضًا، لمفترضات الانتماءات العصبوية والوشائجية التي يغذيها منطق الهوية التقليدي، ونعني به هدف التأسيس لوحدة المجتمع داخل الدولة الواحدة، وجعل هذه الوحدة المجتمعية أعلى شأنًا من مختلف الانقسامات الفرعية التي تشقّها؛ إذ "تميل المواطنة كفكرة وكروح ديمقراطية [...] ويميل كل ما يرتبط بها من ليبراليين ودستوريين وحركات ديمقراطية، إلى طرح مطلب تحرّرها من الانتماء إلى جماعات، وتجعلها عضوية في الدولة، بحيث تنتظم علاقة الفرد بالدولة

وعلاقتها به بغض النظر عن انتماءاته الأخرى، ومنها الدينية والقومية وغيرها". وعندما تسود علاقات المواطنة، أي علاقات الفرد بالدولة التي ينتمي إليها مباشرة، لا تنفي العلاقات المؤسسة لقوى أو فئات مجتمعية متباينة بحسب معايير مختلفة (طبقية أو ثقافية أو مناطقية، وغيرها)، بل يجري التحوّل في تخيّل طبيعة هذه العلاقات من علاقات تناقض وصراع ونفي متبادل، إلى علاقات تعايش مشترك،

وهكذا "تكون المواطنة هي القاعدة لحالة حوار بين جماعات".

(4((الحبيّب، ص.210

4(((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، والطوائف المتخيّلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)،

ص.309 5(((بشارة، في المسألة العربية، ص.153 (5((المرجع نفسه، ص.156

خاتمة

نشأت الدولة الحديثة في العالم العربي ضمن شروط تاريخية بالغة الخصوصية والتعقيد؛ الأمر الذي جعل وجودها يقترن من البداية بحالة اغتراب وسمت علاقة الدول القُطرية القائمة بالمنتسبين إليها. صحيح أن الأنظمة الاستبدادية التي حكمت هذه الدول في النصف الثاني من القرن العشرين خاصة، قد أسهمت في تعميق هذه الحالة الاغترابية. لكن، في مقابل ذلك، فإن قوى المعارضة الرئيسة لهذه الأنظمة لم تكن أقل إسهامًا في تسويدها وتغليبها، عبر تكريس أشكال من الوعي الأيديولوجي المضاد لفكرة الدولة الحديثة من الأساس. فعمومًا، لم تقع مواجهة الأنظمة العربية المستبدّة باسم شرعية حق المشاركة السياسية في الدول القائمة، بل باسم عدم شرعية قيام هذه الدولة من أصله، أي باسم تعارضها الوجودي مع الأمة القومية عند القوى العروبية، ومع الأمة الدينية عند الجماعات الإسلامية، ومع أولوية الانتماء الطبقي عند التيارات اليسارية، ومع علوية قيمة الفرد وحقوقه عند المستندين إلى المرجعيات الحقوقية الليبرالية. لهذا السبب، في تقديرنا، لم تكن مسارات الانتقال الديمقراطي (بمعنى تسويد الديمقراطية باعتبارها آلية في اختيار الحكّام) في البلدان العربية التي أطاحت فيها الحراكات الجماهيرية رؤوسَ الاستبداد، مساراتٍ

تؤسس، في الوقت ذاته، لشرعية الدولة، من حيث هي الإطار الموضوعي والشرط الأولي لأي عملية سياسية ديمقراطية. بل على العكس من ذلك، نرى أن فاعلين أساسيين، إذا لم نقل الفاعلين الأساسيين، في هذه المسارات، ونعني بهم الحركات والجماعات الإسلامية، قد تخيّلوا الثورات العربية وصيرورات

التحوّل الديمقراطي باعتبارها نقضًا لصيرورات الدولة الحديثة واستعادة لنموذج الأمة الدينية. وفي مقابل

ذلك، لم تكن بقية القوى الفاعلة في مسارات الانتقال الديمقراطي تتوفّر على وعي أيديولوجي مضاد مؤسس لشرعية الدولة العربية القائمة باعتبارها مكوّنًا بنيويًا من الانتقال الديمقراطي المنشود. على هذا الأساس، تبدو لنا أن إشكالية الدولة الحديثة في سياقنا العربي الراهن تتجلّى في مفارقة بين حقيقتها، باعتبارها واقعًا قائم الذات، من دون أن تملك شرعية كافية، وبين وعي أيديولوجي غالب لا يعتبر التأسيس لهذه الشرعية جزءًا لا يتجزأ من التغيير الإيجابي المتشوَّف إليه عربيًا، حتى إن اتخذ

هذا التغيير عنوان الانتقال الديمقراطي. وبناء على هذا، نرى أن الرهان الأساسي المطروح عربيًا اليوم

كامنٌ في أن مشروع التأسيس لشرعية الدول العربية القُطرية القائمة، وإنهاء حالة الاغتراب التي تسم علاقة شعوبها بها، لا بد من أن يتحوّل من فكرة نظرية في أطروحات بعض المفكرين من أمثال عبد الله

العروي وعزمي بشارة، إلى وعي أيديولوجي غالب، يستوعب مضمون دولة جميع المواطنين بمختلف أبعاده السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية.

References

المراجع

العربية

الأفندي، عبد الوهاب [وآخرون]. المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004

بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

________. المجتمع المدني: دراسة نقدية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 ________. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 ________. الطائفة، الطائفية، والطوائف المتخيّلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بونعمان، سلمان. أسئلة دولة الربيع العربي: نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة. بيروت/ الرياض: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2013 الحبيّب، سهيل. الأزمة الأيديولوجية العربية وفاعليتها في مآزق مسارات الانتقال الديمقراطي ومآلاتها.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 روسو، جان جوك. العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون الأساسي. ترجمة وتعليق وتقديم عبد العزيز لبيب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 صديقي، العربي. البحث عن ديمقراطية عربية: الخطاب والخطاب المقابل. ترجمة محمد الخولي وعمر الأيوبي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 عبد السلام، رفيق [وآخرون]. نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1998 الغنوشي، راشد. مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني. تونس: دار المجتهد،.2011 غوشيه، مارسيل.  الدين في الديمقراطية. ترجمة شفيق محسن. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

الكواري، علي خليفة (محرر). حوار من أجل الديمقراطية. بيروت: دار الطليعة،.1996 هيتر، ديريك. تاريخ موجز للمواطنية. ترجمة آصف ناصر ومكرم خليل. بيروت: دار الساقي،.2007

الأجنبية

Spensky, Martine. Citoyenneté(s) perspectives internationales. Paris: CRCEMC Maison de la recherche, 2003.