الرد بالكتابة في الرواية الفلسطينية النسوية
The Palestinian Feminist Novel Writes Back
الملخّص
تروم هذه الدراسة البحث في إشكالية العلاقة بين الخطاب الاستشراقي النسوي الغربي والخطاب النسوي الفلسطيني البديل، وذلك من خلال رصدٍ ومقارنةٍ لتمثلات المرأة الفلسطينية في الخطابين معًا. وتهدف إلى تحليل الرواية الفلسطينية النسوية تحليلًا نقديًا يبيّن كيف أن تمثلات المرأة الفلسطينية في بعض الأعمال الإبداعية المحلية تشكّل خطابًا مضادًا لما ينتجه الخطاب الاستشراقي النسوي الغربي.
Abstract
Abstract: This article studies the problematic relationship between orientalist Western feminist discourse and alternative Palestinian feminist discourse by highlighting and juxtaposing the representations of Palestinian women in both discourses. The approach draws on a critical analysis of the Palestinian feminist novel, bringing forth the mechanisms lying behind the representations of Palestinian women in some local creative works that constitute a counter–discourse to what is engendered in orientalist Western feminist texts.
- الرواية الفلسطينية النسوية
- الخطاب الاستشراقي النسوي
- تمثلات المرأة الفلسطينية
- The Palestinian Feminist Novel
- Orientalist Feminist Discourse
- Representations of Palestinian Women
لما ينتجه الخطاب الاستشراقي النسوي الغربي. الفلسطينية.
المغرب.
الغربي والخطاب النسوي الفلسطيني البديل، وذلك من خال رصدٍ ومقارنةٍ لتمثات المرأة
الفلسطينية في الخطابين معًا. وتهدف إلى تحليل الرواية الفلسطينية النسوية تحليلً نقديًا يبيّن
كيف أن تمثات المرأة الفلسطينية في بعض الأعمال الإبداعية المحلية تشكّل خطابًا مضادًا
مقدمة
نسعى في هذه الدراسة، على نحو عام، لتقديم تحليل نقدي لبعض التجارب الإبداعية النسوية، وعلى نحو خاص، نقف على معالم التجربة الإبداعية النسوية، انطاقًا من الرواية الفلسطينية النسوية المعاصرة، واستنادًا كذلك إلى ثيمة "تمثل المرأة الفلسطينية"، سواء تعلق الأمر بتمثل المرأة الفلسطينية في الإبداع النسوي الغربي (وهو ما نصطلح عليه "الخطاب الاستشراقي") أو بتمثل المرأة الفلسطينية في الإبداع النسوي الفلسطيني (وهو ما ندعوه "الخطاب النسوي المحلي البديل"). إن التأمل في تمثات المرأة الفلسطينية Palestinian Women’s Representations في الخطاب الاستشراقي Orientalist Discourse، والخطاب السردي النسوي المحلي، يستدعي الانطاق من حقيقتين: إحداهما ترتبط بتمثات المرأة الفلسطينية في الخطاب الاستشراقي النسوي، والثانية تقترن بتمثات المرأة الفلسطينية في الرواية النسوية. أما الحقيقة الأولى، فمفادُها أن الاستشراق النسوي الغربي يمثّل امتدادًا لاستشراق الذكوري الغربي، وبقدر ما يمتح أطروحاته من هذا الاستشراق، يبدو أخطر منه؛ لما يحمله من مشاريع نسوية، ولما ينتجه من تمثيات حول المرأة المسلمة وخاصة منها الفلسطينية، وهي تمثيات بعيدة عن الموضوعية، لأنها تتغذى على مخلفات الاستشراق التقليدي القديم وعلى مبادئ النفاق الأميركي واللوبي الصهيوني Zionist Lobby. أما الحقيقة الثانية، فمفادُها أن ثمة خطابًا محليًا بديل Counter–discourse، على شكل سرديات
نسوية، يقع على طرف نقيض للخطاب الاستشراقي النسوي الغربي. وهو في جوهره خطاب فلسطيني، تنتجه المرأة الفلسطينية عن المرأة الفلسطينية، وتسعى من خاله إلى تجاوز حيف الاستشراق الغربي النسوي وأكاذيبه. وأنصعُ دليل على وجوده بعضُ النصوص الروائية التي أبدعت فيها المرأة الفلسطينية، فأسهمت بذلك، على نحو فعلي ومميَّز، في تطور الجنس الروائي الأدبي الفلسطيني عامة، والنسوي
على وجه الخصوص. وأبدعت في خلق صورة محلية من الداخل حول المرأة الفلسطينية ووضعيتها الراهنة في ظل قساوة الاحتال الصهيوني، بل حاولت بذلك تقديم نهج بديل وكتابة ترد بها على الكتابات النسائية الاستشراقية التي همشت المرأة الفلسطينية ووضعتها في أدنى المراتب. وبناء عليه، فإن الخطاب الاستشراقي النسائي الغربي – في مقابل الخطاب النسائي الفلسطيني المحلي البديل – إنما يحيل على التفكير والتأمل في العاقة الإبستيمولوجية التي ينبني عليها الخطابان. وهو ما حاول الخطاب الفلسطيني المضاد في الكتابة النسائية إبرازَه، وجعله محطةً للتفكير والتقييم. فنموذج المرأة الفلسطينية يبقى مثالً حيًا على تشابكٍوتقاطعٍ لعناصر الخطاب النسائي الغربي الإمبريالي
مع الخطاب الفلسطيني المضاد، بل يحيل أيضًا على ضرورة تفكيك العاقة بين الخطابين وإدراك أغوارهما، انطاقًا من التساؤل: إلى أي حد يختلف هذان الخطابان ويتعارضان؟ أيكون الاختاف بينهما ظاهريًا فقط، أم أنه يتبدد كلما تفحصنا العمق ليظهر لنا التشابه والمشترك المنسي بين الخطابين؟
أولا: الخطاب الاستشراقي والخطاب النسوي: تأثير وتأثر
أسهم كتاب الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء لإدوارد سعيد (2003–1935) إسهامًا مهمًا في
تطورٍ وانطاقٍ للعديد من الدراسات التي جعلت من الكتاب مرجعية فكرية وثقافية وإبستيمولوجية، ناقش من خالها عديدٌ من المفكرين جدلية العاقة بين الغرب والشرق. فإلى جانب دراسات
الأنثروبولوجيا والكولونيالية، شكل كتاب الاستشراق Orientalism أرضًا خصبة ونواة فكرية صلبة للدراسات النسائية، في الشرق والغرب. فعلى الرغم من تعدد قضايا هذا الكتاب وأطروحاته، فإنه يتضمن أيضًا بعض مامح التمثات السلبية تجاه المرأة الشرقية لدى كتّاب غربيين من مثل غوستاف
فلوبير Flaubert Gustave (1880–1821)، وإيرنست رينان Renan Ernest (1892–1823)، وجيرار دونرفال Nerval de Gérard (1855–1808)، كما سعى لتفكيك هذه الوضعية النمطية للمرأة العربية المسلمة في الخطاب الغربي الاستشراقي. لذلك، ما فتئ هذا الكتاب يشكّل منطلقًا فكريًا قويًا للنخبة الثقافية النسائية تطرح وتناقش وتسائل قتامة
عاقة المرأة بالفكر الاستشراقي. فبفضله برزت دراسات تعيد قراءة الاستشراق من منظور نسوي، بل تعيد كتابة المرأة الشرقية في التاريخ بنون النسوة العربية والإسامية، مُحاوِلةً إنشاء منظومة فكرية محلية
مقاوِمة، وخطابًا بديلً من الخطاب الاستشراقي الغربي والنسوي على حدٍ سواء. ولا يخفى أن سعيد وقف على تحيزات الغربيين الفكرية سواء في مجال الرواية أو الفن التشكيلي أو في غيرها من الأجناس الأدبية تجاه الشرق عامة، والمرأة العربية المسلمة خاصة؛ الأمر الذي حمله على الاضطاع بمهمة الإجابة عمّا يلي: "كيف قام الاستشراق بعمله، وكيف يقوم به؟ كيف يستطيع
المرء أن يصفه كلية بأنه ظاهرة تاريخية، ومنهج في الفكر، ومشكلة معاصرة، وواقع مادي؟"، بتأكيد أن أهم إنجاز لاستشراق الغربي هو الانتقال بالشرق من موضوع للتأمل، ومن "مكان للرمنسة والكائنات الغريبة المدهشة، والذكريات والمشاهد الشاحبة، والتجارب الاستثنائية"، إلى موضوع لمعرفة قائمة على مبادئ ثابتة لا تتزحزح، منها: التمييز بين الغرب والشرق، والنظرة الدونية إلى كل ما هو شرقي. وعلى الرغم من أن الأطروحة الأساسية في كتاب الاستشراقلم تكن مختصرة ومحصورة في الجندر Gender أو في صورة المرأة الشرقية في خطاب المستشرقين، فإنها شكلت مرجعية نظرية خصبة للدراسات النسائية، بما جعل قضية المرأة والاختاف الجنسي يشكان جوهر منظومة الاستشراق وليس فقط جزءًا متفرعًا عنه أو تابعًا له، وجعل ميدا ييغينوغلو، تقرر أن "أكثر القراءات الجنسانية
لاستشراق تبيّن أن تمثيات الاختافات الجنسية لا يمكن اعتبارها نطاقًا فرعيًا لها، لأن لها دورًا
أساسيًا في تشكيل موقف الذات الاستعمارية".
(((إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.)1981 (((المرجع نفسه، ص.74 (((المرجع نفسه.
(4) Meyda Yeğenoğlu, Colonial Fantasies: Towards a Feminist Reading of Orientalism (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 11.
وبناء عليه، فإن النظام المعرفي الاستشراقي في حد ذاته يحمل في طياته وفي خطاباته السلطوية المتحيزة نظرة جنسية إلى الشرق؛ وهو ما أكده سعيد نفسه بقوله: "إن العاقة بين الشرق الأوسط والغرب، في كل من هذه الحالات، محددة في الواقع بوصفها جنسية [...] فالترابط بين الشرق والجنس ملحاح بصورة استثنائية". فإضافةً إلى استراتيجيات المعرفة والسلطة التي ينبني عليها النظام المعرفي الاستشراقي، يمثّل الجنس والجنسانية Sexuality and Sex بعدًا جوهريًا في المنظومة الفكرية
الاستشراقية القائمة على ثنائية Opposition Binary الغرب الذكوري في مقابل الشرق الأنثوي. ومن ثم فإن خطاب الاستشراق لا يمكن أن يُحلل أو أن يُفهم بمعزل عن الخطاب الجنساني؛ لأن "السلطة
والمعرفة والجنسانية لا يمكن الفصل بينهما". ولو تفحصنا النظرة الأيديولوجية النمطية التي يتخيلها الغرب عن الشرق لوجدناها، في العمق، نظرة تختزل الشرق في كونه ذا صفات أنثوية سلبية في مقابل فحولة غربية إيجابية، فهو بالنسبة إلى الغربيين – بحسب سعيد – "الشرق الكسول الأنثوي" الذي يبقى دائمًا في حاجة إلى "الاختراق
والإخصاب المنوي، وبإيجاز الاستعمار "؛ ف عجب في أن تهيمن ثنائية (الشرق/ الأنثى) و (الشرق/ الجنس) على معظم خطابات المستشرقين التي يصفها سعيد ب "الاستشراق الذكوري"، بينما يصفها ممدوح الشيخ ب "الاستشراق الجنسي" الذي تتمثل رموزه الأساسية في "المرأة الشهوانية، والحريم، والحاكم المستبد". ولئن كان سعيد قد بيّن في الاستشراقأن احتقار المرأة الشرقية يتجلى في اختصارها في الجنس
والشهوة والفتنة والخمول والكسل – وهو ما أكده بالفعل عديد من الدراسات النسائية التي تفرعت من الاستشراق – فإنه بيّن أيضًا أن هذا الاحتقار يتجلى على نحوٍ صارخ وفاضح في مجمل كتابات
الرحالة والروائيين المستشرقين الذين اعتبروا النساء الشرقيات "مخلوقات لقوة استيهامية لدى الذكر،
فهن يعبرن عن حواسية لا حدود لها، كما أنهن يكِدن يكِن غيبيات، وهن، فوق كل شيء، رغوبات وعلى استعداد". وعلى الرغم من قدم هذه التمثيات التي يفككها سعيد، فإن المرأة الشرقية ظلت، كما تؤكد ذلك رنا قباني، "بدعة قصصية لبّت تطلعات الخيال الغربي". وما زالت مثل هذه الصور
الاستشراقية، للأسف، تلصق بالمرأة العربية المسلمة لتفرض عليها صورة المرأة الضحية والسلبية والمظلومة، والتي تكون في حاجة دائمة إلى غرب عقاني وقوي يسعى لإنقاذها. هذا بالضبط
(((سعيد، ص.271 (((ميشال فوكو، تاريخ الجنسانية: ج 1: إرادة العرفان، ترجمة وتقديم محمد هشام (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2003)، ص.7 (((سعيد، ص.229 (((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه، ص.219 (1((ممدوح الشيخ، الاستشراق الجنسي: الحرب على النقاب، ط 2 (القاهرة: ابن رشد،.)2015 ((1(المرجع نفسه، ص.7 ((1(سعيد، ص.219–218 (1((رنا قباني، أساطير أوروبا عن الشرق: لفق تسد، ترجمة صباح قباني، ط 3 (دمشق: دار طاس، 1994)، ص.44
ما أشارت إليه الناقدة والمفكرة الهندية كاياتري سبيفاك حينما صورت تدمير المستعمر البريطاني للطقوس والعادات التي كانت تمارسها النساء الأرامل بقتل أنفسهن مباشرة بعد وفاة أزواجهن، مبررًا
فعله ذاك بأن "الرجال البيض ينقدون النساء السمراوات من الرجال السمر"؛ وليس هذا الادعاء سوى جزء من الادعاءات والمبررات التي طالما اختلقها الغرب للنيل من الشرق والهيمنة عليه. والشيء نفسه ينطبق على النساء البيض الائي صرن في توجه الاستشراق الذكوري نفسه، بل كان وقعُ حركتهن النسائية الغربية أخطر بكثير؛ إذ كيف لحركة نسائية، تدعي الدفاع عن حقوق المرأة وتتسم بالعالمية والكونية، أن تعيد إنتاج المنظومة الفكرية والنظرة الدونية للمرأة الشرقية نفسيهما اللتين كان قد رسخهما الاستشراق المركزي الذكوري؟ هذا ما فطن إليه بعض متزعمات الحركة النسائية ما بعد الكولونيالية Postcolonial Feminism في دول العالم الثالث، أمثال شاندرا موهانتي Mohanty Chandra (1955)، وكاياتري سبيفاك Spivak Gayatri (1942)، وميدا ييغينوغلو Yegenoglo Meyda، وليلى أبو لغد، وقباني، وغيرهن ممن سعين لتفكيك الخطاب الكولونيالي – الاستشراقي عامة والنسائي الغربي خاصة. تصدر هذه الدراسات النسائية Women’s Studies المحلية الناقدة عن أطروحة مفادُها أن معظم الكتابات النسائية الغربية متواطئة، بوعي أو من دونه، مع مبادئ الخطاب الاستشراقي. ففي حين تؤكد ميدا ييغينوغلو أن النسوية الغربية "متواطئة على نحو لا فكاك منه مع الذكورية والاستشراق والإمبريالية"، خصوصًا في تحليلها لرسائل ماري مونتاكيو، تبرز شاندرا موهانتي، في السياق نفسه،
كيف أن النسوية الغربية تختصر مأساة المرأة الشرقية في كونها مجرد ضحية سلبية مهضومة الحقوق، وليس لها أي وجود فعلي، متجاهلة بذلك خصوصياتها الذاتية والفردية. ففي نظر موهانتي "يختزل الخطاب النسوي الغربي نساء دول العالم الثالث في إطار مجموعة نسائية سلبية وضحية مضمرة تعاني النظام الاجتماعي واقتصادي والثقافي". والتمثيات نفسها أكدتها قباني، في تحليلها لأساطير أوروبا عن الشرق، لتستنتج أن المستشرقين والمستشرقات أسسوا ورسخوا صورة نمطية تُشيّئ المرأة
الشرقية المسلمة وتفرغها من كيانها الروحي، لتصبح بقوة الخطاب وسلطة المعرفة التي يدعيها الغرب مجرد أداة مجون، وفتنة، وإغواء. فبحسب قباني "لم ير الكتاب والمصورون الاستشراقيون في المرأة الشرقية سوى أنها متاع من بعض إمبراطورتيهم، فهي جارية أو محظية وراقصة أو مومس أو قاتلة أو غاوية، ولا شيء غير ذلك". إن هذه النظرة القدحية للمرأة الشرقية إنما هي تعزيز وتزكية للمنظومة الاستشراقية، لا لشيء إلا أنها تتشكل ضمن ثنائية من الجنس ذكر/ أنثى نفسه، وهي بذلك أكثر خطورة؛ لأن تأثيرها فيه خداع
(14) Gayatri Spivak, "Can the Subaltern Speak?" in: Pärtick Williams & Laura Chrisman, Colonial Discourse and Postcolonial Theory: A Reader (New York/ London: Harvester Wheatcheaf, 1993), p. 93.
(1((ميدا ييغينوغلو، استيهامات استعمارية: نحو قراءة نسوية للاستشراق، ترجمة عدنان حسن (دمشق: الرحبة للنشر والتوزيع، 2014)، ص.22
(16) Chandra Mohanty, "Under Western Eyes: Feminist Scholarship and Colonial Discourse," in: Williams & Laura (eds.), p. 200.
((1(قباني، ص.11
وتحريف مضمر ومخفي ينضوي تحت إبستيمولوجيا النزعة النسوية الإنسانية الكونية التي تحمل شعارات الحرية والعدالة والمساواة تجاه المرأة. لذلك، فهذه الكتابات النسوية الغربية إنما تؤسس لاستشراق نسوي يطابق مبادئ الاستشراق الذكوري، بل يزيد في صدقية خطابه. وهذا ما اتجه إليه المستشرقون في الغرب حينما فتحوا للمرأة الغربية المجال؛ لأنها في وضع يُسمح لها فيه باختراق مجال
المرأة الشرقية المسلمة وتكملة مشروع المستشرقين الذكور. وهكذا، فالمعرفة الاستشراقية لم تبق عند حدود الاستشراق الذكوري، بل امتدت وتفرعت إلى استشراق نسوي يجعل من النسوية الاستشراقية Feminism Orientalist، إذا صح التعبير، جوهرًا، وليس فرعًا لاستشراق الذكوري فحسب. وللأسف ما زال مشروع الاستشراق مستمرًا إلى اليوم، فعلى الرغم من أن الاحتال يبدو أنه ولى وانتهى
في الظاهر، فإنه لم ينته، بعدُ، في العمق؛ فبحسب سعيد: "الإمبريالية لم تنته، لم تتحول فجأة إلى ماض ما إن أطلقت عملية فكفكة الاستعمار حركة تفكيك الإمبراطوريات التقليدية الكاسيكية". وبالفعل، لم ينته الاحتال، بل استبدل به نوعٌ آخر أكثر دهاء ومكرًا، هو الاحتال الرقمي الثقافي –
الاقتصادي، فضلً عن أن الاحتال العسكري الصهيوني لدولة فلسطين ما زال قائمًا، بل مدعومًا
بسلطة خطاب لا يستبطن رموز الاستشراق ومبادئه فحسب، بل يمتح من أسس الفكر الصهيوني ومن الصهيونية التي "ما تزال قائمة الآن، وإلى جانبها تقف بقوة المصادقة الغربية والمديح الغربي". ولن نعجب إذا وجدنا أن الخطاب الصهيوني يمزج هو أيضًا بين القوة والسلطة والمعرفة، ويضيف إلى ذلك التزكية الأوروبية والأميركية، والتحيز المعرفي والمراوغة؛ ففي نظر عبد الوهاب المسيري: "الخطاب الصهيوني له سمات محددة، أهمها المراوغة النابعة من طبيعة نشأة المشروع الصهيوني من جهة، وتعدد الجهات التي يتوجه لها هذا الخطاب من جهة أخرى، فالصهيونية حركة تابعة يدعمها ويمولها الاستعمار الغربي، ولهذا يتوجه الخطاب الصهيوني بالأساس إلى الدول الاستعمارية الراعية". وكما أسلفنا الذكر، فإن النسق الفكري الاستشراقي أصبح إبستيمولوجيًا وأنطولوجيًا ذا صبغة جنسانية
ونسوية. ولذلك سنبين في هذا السياق أن المرأة الفلسطينية التي تعاني ظلمَ الاحتال العسكري
الصهيوني، وقتامة الظروف الاقتصادية والاجتماعية وانعدام الاستقرار والأمن السياسيين، نجدها لم تسلم في العصر الحالي من تمثيات الخطاب الاستشراقي النسائي الذي يحمل بين طياته بنود الصهيونية وتشريعاتها.
ثانيًا: تمثلات المرأة الفلسطينية في الخطاب النسوي/ الاستشراقي
منذ الاحتال الصهيوني، أصبحت فلسطين نصًا مفتوحًا للعديد من القراءات والتأويات التي تحوّل
معناها، من معنى ثابت له أصول وجذور وحدود معلومة، إلى معنى سائل تجرفه تيارات فكرية
(1((إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، ط 4 (بيروت: دار الآداب، 2014)، ص.338 ((1(المرجع نفسه، ص.12–11 (2((عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مج 6، ج 1 (القاهرة: دار الشروق، 1999)، الباب السادس، ص.157
وسياسية، وأخرى ثقافية يتحكم فيها كيان صهيوني لا يحمل مشروعًا استشراقيًا فحسب، وإنما مشروعًا
استعماريًا عنصريًا يقهر الشعب الفلسطيني ويدين مقاومته، ويعدّها إرهابًا بعيدًا عن مبادئ الإنسانية،
ويقابلها بعنف يدّعي أنه مشروع. فعلى حد قول المسيري: "الصهيونية نسبية تمامًا، تؤمن بالصيرورة
الكاملة. وانطاقًا من هذه الصيرورة، وإنكار الكليات والحق والحقيقة يستخدم العنف لتغيير الوضع القائم". وكما أسلفنا، لا يعتمد المشروع الصهيوني الإمبريالي على العنف المباشر فحسب، بل يضيف إليه عنفًا خطابيًا صهيونيًا يحمل باغة الاستشراق، ويتجاوزها في بعض الأحيان، بحسب قول أحمد رفيق
عوض: "الخطاب الصهيوني – الذي هو جزء لا يتجزأ من الخطاب الاستعماري – غيّب وهمّش وأعاد
سرد حكاية المكان من جديد، مستغلًّ الإرث الاستعماري الأبيض في كيفية معاملة الشعوب الخاضعة لاحتال. وهكذا، فإن قراءة سريعة لآباء الصهيونية [...] ستدفعنا إلى الإحساس بالدهشة الشديدة لعمق الجهل والغرور والعمى المقصود في رؤية العرب الفلسطينيين والتعبير عنهم". فهذا الخطاب، في هذا السياق، ليس البتة استشراقيًا فارغ المحتوى، بل هو استشراقٌ مسيّس يتجاوز الخيال والفنتازيا
إلى النفعية والمادية، وبحسب تعبير سعيد: "الاستشراق ليس استيهامًا أوروبيًا فارغًا حول الشرق، بل
إنه لجسد مخلوق من النظرية والتطبيق ما برح، لأجيال عديدة، موضعًا لاستثمارات مادية كبيرة". على الرغم من شعارات حقوق الإنسان وحقوق المرأة التي ينادي بها الغرب، وتروجها الولايات المتحدة الأميركية، فإننا نجدها حاضرة/ غائبة في الخطاب الاستشراقي عمومًا، والاستشراق النسوي
خصوصًا. فالمرأة الفلسطينية ظلّت عرضة لخطابات نسوية استشراقية متحيزة وعنصرية تأسر وجودها
الفعلي، وتنتج في المقابل صورة نمطية مشرقنة، تسلب المرأة الفلسطينية أي وجود سياسي مشروع؛ وهو ما يؤكده سعيد بقوله: "يوجد هنا إجماع كلي تقريبًا على أن الفلسطيني غير موجود سياسيًا،
وحين يتسامح فيعترف بوجوده؛ فبوصفه إما أمرًا مزعجًا، أو شرقيًا. وإن الشبكة العنكبوتية من العرقية،
والتنميط الثقافي، والإمبريالية السياسية، والعقائدية التي تقضي على إنسانية الإنسان، والتي تأسر العربي أو المسلم، لقوية جدًا بالفعل، وهذه الشبكة هي ما كان لكل فلسطيني أن يشعر به بوصفها
قدره المعاقِب بفرادة". وبالفعل، إذا ما تفحصنا الشبكة الخطابية الاستشراقية، فسنجد أن حضور المرأة الفلسطينية فيها بعيد كل البعد عن كونه حضورًا موضوعيًا، بل هو حضور نمطي مزعج؛ فالمرأة
الفلسطينية إما امرأة انتحارية وقاتلة وإرهابية، وإما ضحية سلبية وبائسة لا محل لها من الإعراب. مما لا شك فيه أن المرأة الفلسطينية تؤدي دورًا مهمًا مباشرًا أو غير مباشر في عمليات المقاومة
الفلسطينية ضد المحتل الصهيوني، لكن، للأسف، لا تحظى مقاومتها وشجاعتها في السياق
(2((عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة (بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 2003)، ص.100 (2((أحمد رفيق عوض، "المرأة العربية والفلسطينية في الخطاب الصهيوني"، مجلة الروزانة، العدد 36 (شتاء 2011–2010)، ص.4 (2((سعيد، الاستشراق، ص.27 ((2(المرجع نفسه، ص.57
الإبستيمولوجي العام للخطاب الاستشراقي النسوي بأي اعتراف، بل على العكس يجري احتقارها، وتبرير هذا الاحتقار بنقائص مجتمعية فلسطينية ظالمة. وأنصع دليل على ذلك ما تشكله كتابات الكاتبة والناشطة النسوية والراديكالية الأميركية أندريا دووركين Dworkin Andrea (2005–1946) من نموذج حي، تنجلي من خاله تحيزات الاستشراق الغربي النسوي؛ فعلى الرغم من أن هذه الناشطة تدافع عن حقوق المرأة، وتناضل من أجل الحرية والمساواة، فإنها لا تخفي تصوراتها النمطية حينما يتعلق الأمر بوصف أوضاع المرأة الفلسطينية. ترصد دووركين في تحليلها لظروف الاحتال الإسرائيلي لفلسطين، وعاقة هذا الاحتال بأوضاع المرأة، أن المرأة الفلسطينية تمثّل طُعمًا سهلً وفريسة جاهزة يجري استغالها جنسيًا واغتصابها من
طرف القوى الإسرائيلية. تصور دووركين المرأة الفلسطينية، بأنها عبءٌ على دولة فلسطين، بل ربما تكون سببًا في فشل
عمليات المقاومة الفلسطينية؛ وعوض أن تنتقد الأساليب الشنيعة التي تمارسها إسرائيل على المرأة والرجل الفلسطينيين معًا، نجدها تبرر للكيان الصهيوني، وتبرئ ذمة الإسرائيليين من كل ذنب أو إساءة
للشعب الفلسطيني نسائه ورجاله، لاعتقادها أن "الإسرائيليين لم يكونوا ليستغلوا المرأة الفلسطينية هذا الاستغال الشنيع، لو حُبست هذه الأخيرة في المنزل، كما يجب أن تكون المرأة المسلمة، فالمرأة
بحسب الأصوليين هي سبب ضعف الرجل، وتؤدي، في النهاية، إلى دماره". وبذلك يتضح لنا أن المرجعية الاستشراقية الجنسية واضحة كل الوضوح في تحليات دووركين حيث يبدو إلى أي حد تعيد إنتاج أفكار الاستشراق التي طالما اختزلت المرأة العربية المسلمة الشرقية في الفتنة والإغراء والجنس. ثم إن التناقض واضح كل الوضوح في كتابات دووركين، فعلى الرغم من أنها ترفع شعارات الحرية والعدالة، وتدعو إلى تخليص النساء من الاستبداد الأبيسي، فإنها في الوقت نفسه تدعو إلى حبس المرأة الفلسطينية في البيت ومنعها من الخروج، بل الأبعد من ذلك أنها تنتج صورة نمطية بعيدة كل البعد عن واقع المرأة الفلسطينية وحقيقتها. وهذا هو التناقض الأميركي بعينه الذي وصفه سعيد لما قال: "يزداد يوميًا التناقض بين الإعان النبيل بشأن دعم الولايات المتحدة لحقوق الإنسان وبين
دعمها الفعلي للقمع". وبهذا، فإن هذه الكاتبة الأميركية لا تعمل من خال خطابها الاستشراقي النسوي وصورها التنميطية الجريئة إلا على تأكيد دعم الولايات المتحدة المطلق للّوبي الإسرائيلي، واستعادة ذلك النوع من الخطاب الاستشراقي الذي يضفي الشرعية على الاحتال وينبذ الشعب الفلسطيني بالتركيز على نواة أسرته ودعامة مجتمعه التي هي المرأة. ينجلي في هذا السياق أن الخطاب الاستشراقي النسوي لا يضمر خبايا السلطة ونيات الاحتال والإمبريالية الصهيونية، بل أصبحت تطفو على سطحه. هذا ما تظهره لنا أيضًا الكاتبة الأميركية باربارا فكتور Victor Barbara في وصفها للنساء الفلسطينيات المقاومات بأنهن انتحاريات وإرهابيات. فإذا
(25) Andrea Dworkin, Scapegoat: The Jews, Israel and Women’s Liberation (New York: The Free Press, 2000), p. 169. (26) Ibid.
(2((إدوارد سعيد، القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي (بيروت: مؤسسات الدراسات الأميركية، 1980)، ص.1
كانت دووركين تصف النساء الفلسطينيات بالسلبية والفتنة والدعارة، فإن فكتور تظهر صورة نمطية أخرى مغايرة تمامًا، لكنها تظل في صميم مبادئ الخطاب الاستشراقي النسوي الغربي، والدليل على
ذلك أن تضحيات المرأة الفلسطينية وجهادها ومقاومتها لاحتال الصهيوني، ليست في نظر فكتور سوى عمليات انتحارية وإرهابية، إما لأنها مضطربة نفسيًا وبائسة، أو لأنها تشعر بالعار والعجز أمام
أسرتها. ولتبرير دعواها، تستدل فكتور بعملية وفاء إدريس الاستشهادية في كانون الثاني/ يناير 2002، والتي تعتبرها فكتور عملية انتحارية تسببت في مجزرة في صفوف الإسرائيليين. وتذهب فكتور في تحليلها لتضحية وفاء إدريس وشهيدات أخريات سرن على المنوال نفسه، إلى أن الأسباب الرئيسة لهذا العمل تعزَى إلى استغال رجال فلسطينيين لهن، يقومون بغسل عقولهن وإقناعهن بأن أحسن ما يجب أن يقمن به هو إنهاء حياتهن بهذا الشكل الانتحاري. فبحسب فكتور "يُقنع الرجالُ النساءَ بأن السبيل الوحيد لجبر ضرر الخروق الأخاقية التي تمس الأسرة هو
الموت والاستشهاد، لذلك يمكن النساء التمتع بحياة خالدة وسعادة واحترام، ليصلن في النهاية إلى درجة المساواة مع الرجال، فقط في الجنة، وفقط حينما يُقتَلن ويقتُلن الإسرائيليين". وهذا
ما ينطبق، بحسب فكتور، على خطاب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي صرح فيه بأن "النساء متساويات مع الرجال، إنكن ساح الورود الذي سيدمر إسرائيل، إنكن أمل فلسطين، ستحررن أزواجكن وآباءكن وأولادكن من القمع. ستضحين بنفس الطريقة، أيتها النساء التي تضحين بها من أجل أسركن". يُعَدُّ هذا الخطاب الذي يعترف بقدرات المرأة الفلسطينية وكفاءتها وحنكتها، داخل الأسرة
الصغيرة (العائلة)، والأسرة الكبيرة والوطن، في نظر فكتور، تشجيعًا صريحًا على الإرهاب، وتساندها
في التحليل نفسه الصحافية أنات بيركو وإدنا إيريز اللتان اعتبرتا انتفاضة الأقصى ومشاركة المرأة الفلسطينية فيها "إرهابًا فلسطينيًّا"، ومن ثم فإن مشاركة المرأة في نظرهما إنما هي دعم للمنظمات
الإرهابية الفلسطينية؛ لأن "المرأة الفلسطينية التي تشارك في النشاط الإرهابي ليست امرأة متحررة بل إنها الفرد الذي يتعرض لقمع الأنظمة الاجتماعية والدينية والثقافية، ولذلك فمكانتها المتدنية في السلم الاجتماعي تحفظ لها وضعيتها غير المربحة". يتضح لنا، إذًا، أن السلطة الاستعمارية، وقوة المعرفة، ومضامين الاستشراق الكاسيكي الغربي، تبدو جلية في هذه الصورة النمطية عن المرأة الفلسطينية التي ترسمها المستشرقات الأميركيات بنسقية ونظام. فعوض أن تعترف فكتور، ودووركن، وبيركو، وأشباههن، بقوة المرأة الفلسطينية ونشاطها وفاعليتها في
(28) Barbara Victor, Army of Roses, Inside the World of Palestinian Women Suicide Bombers (New York: Rodale, 2003), p. 4. (29) Ibid., p. 7. (30) Ibid., p. 8. (31) Ibid., p. 6 (32) Anat Berko & Edna Erez, "Women in Terrorism: A Palestinian Feminist Revolution or Gender Oppression?" International Institute for Counter–Terrorism, 6/12/2006, accessed on 16/3/2022, at: https://bit.ly/34vwoWn (33) Ibid.
المقاومة ضد المستعمِر، يجتررن النظرة الدونية إلى العرب في الاستشراق القديم الكاسيكي الذي وصفه سعيد بقوله: "وفي هذا الواقع الجديد قطّع الاستشراق القديم إلى أجزاء عديدة، غير أنها جميعًا
كانت تخدم المذهبيات الاستشراقية التقليدية". والأدهى أن هذا النمط الجديد من الاستشراق أصبح يخدم مصالح الصهيونية بطريقة مباشرة، وأصبح العربي في سياقه، كما أكد ذلك سعيد، "يعايَن
كمخرب لوجود إسرائيل والغرب [...]. وهكذا، فإن العربي يُتصور الآن ظلً يطارد اليهودي". إن أي
محاولة يقوم بها الرجل العربي الفلسطيني أو المرأة العربية الفلسطينية، فهي إرهاب وعنف ناتجان من مشكات شخصية، لا من روح وطنية، وهو عين ما أكدته فكتور بالقول: "لقد اكتشفت أن النساء الأربع الائي قُتِلن، إضافة إلى الأخريات الائي فشلن في عملية الموت والاستشهاد، يعانين من مشاكل شخصية تجعل حياتهن غير محتملة من طرف المجتمع والثقافة". وتؤكد بيركو في السياق نفسه: "إن الدوافع وراء اتجاه المرأة الفلسطينية إلى الإرهاب تنقسم إلى قسمين: إما من أجل الانتقام لموت قريب أو حبيب أو خطيب أو لحل مشكل شخصي. وتتمثل المشاكل الشخصية في عاقات رومانسية عاطفية خارج إطار الزواج أو الزواج الإجباري أو الاستغال المادي". وهكذا، فالخطاب النسوي الغربي يبقى وفيًا ومنتجًا لمبادئ الخطاب الاستشراقي وحمولاته ودلالاته
على نحو عام، بل إنه في بعض الأحيان يبالغ في تصوراته النمطية، وينفي جميع ركائز الخطاب النسوي المدافع عن حقوق المرأة بحسب قول نهلة عبدو: "إن الخطابات الغربية حول الفلسطينيين تخطت حدود الخطابات الأساسية الرسمية من حيث تشييء العرب (والفلسطينيين) وتحقيرهم، كما تجاوزت على نحوٍ واسع النخبة الأكاديمية والنسوية، وخاصة تلك الخطابات الغربية النسوية حول المرأة الفلسطينية التي تدافع عن الحرية ضد الاحتال العسكري الإسرائيلي". وهذا كله يدل على أن الاستشراق النسوي الغربي إنما هو امتداد لاستشراق ذكوري، بل الأكثر من ذلك هو أشد خطورة؛ لأنه يحمل مشاريع النسوية ويدافع عن قضايا المرأة، لكن معرفته وتمثياته للمرأة العربية المسلمة والفلسطينية خاصة، تبقى، في العمق، بعيدة عن الموضوعية ولا تتغذى فقط من مخلفات الاستشراق التقليدي القديم، بل أيضًا من مبادئ النفاق الأميركي واللوبي الصهيوني. وفي مقابل هذه الخطابات، نجد خطابات بديلة تنتجها المرأة الفلسطينية عن المرأة الفلسطينية، وتسعى من خالها لتجاوز الحيف والأكاذيب والتلفيق الغربي النسوي، كما يقول سعيد: "وإنه لذو أهمية خاصة أن نرى إلى أي مدى يقوم هذا النهج البديل في إعادة التصور على تحطيم الحواجز القائمة بين الثقافات". وهذا ما سيتبين لنا أكثر، من خال دراسة بعض النصوص الروائية التي أبدعت فيها
(3((سعيد، الاستشراق، ص.285 ((3(المرجع نفسه، ص.286
(36) Victor, p. 7. (37) Berko & Erez. (38) Nahla Abdo, "Palestinian Munadelat: Between Western Representation and Lived Reality," in: Ronit Lentin (ed.), Thinking Palestine (London: Zed Books, 2008).
(3((سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص.274
المرأة الفلسطينية، لنبين من خال التحليل والتعليل إلى أي حد استطاع هذا السرد النسوي الفلسطيني تمثيل المرأة الفلسطينية بما يتاءم مع واقعها وحقيقتها.
ثالثًا: المرأة الفلسطينية والإبداع الروائي البديل
لم يكن تطور الكتابة النسائية الفلسطينية، البتة، وليد الصدفة، بل كان نتيجة الأحداث الإمبريالية والأزمات السياسية التي ميزت فلسطين والقضية الفلسطينية. فإذا كان نسق الخطاب النسوي الغربي الاستشراقي يحمل في طياته سلطة المعرفة ومعرفة السلطة، بل "جميع خصائص السلطة"، كما أشار سعيد، فإن الكتابة النسائية الفلسطينية، في المقابل، تنجلي بين سطورها صورة المقاومة والغزو كما عبر الطيب صالح (2009–1929) في روايته موسم الهجرة إلى الشمال (1966)؛ إذ بحسب تعبير ميشال فوكو Foucault Michel (1984–1926): "حيثما كانت السلطة، تكون هناك مقاومة". ولذلك، فإن الكتابة النسائية الفلسطينية في هذا السياق إنما تعتبر في جوهرها خطابًا مقاومًا لتصورات
الخطاب النسوي الاستشراقي، بل تحمل على كاهلها مسؤولية تقويم وتصحيح لكل صورة مشوهة عن المرأة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بعينه، فهي بهذا الاعتبار سلطة مضادة وإن كانت قادمة من الأسفل، كما يقول فوكو: "فالسلطة توجد في أي مكان [...]، إن السلطة تأتي من الأسفل". وإن للمرأة سلطة فعلً، ف يمكن أن ينكر التاريخ سلطة المرأة في الحكاية والسرد منذ غابر الأزمان، ولا يمكن للتاريخ أن يتجاهل – وإن كان معظمه إن لم نقل كله دُوّن بقلم ذكوري – سلطة شهرزاد
السردية وحكاياتها التي تجاوزت المكان والزمان، بل نجحت في إخضاع رجل وجعله يعلن استسامه أمام شموخ إبداعات المرأة السردية. فالإبداع السردي يظل سلطة معرفية تتألق فيها المرأة لتجلس في النهاية على عرش البطولة، كما يقول زهير أبو شايب: "ولم يكن ثمة بطل سوى الشعب الذي هو السرد، والسرد يمتلك أسرار القوة الشهرزادية الكافية لتأنيث الثورة وإنضاجها وقطف ثمارها". وبالفعل، فصدى الكتابة النسائية وثورة المرأة السردية من خال الحرف، تبقى صارخة عبر التاريخ، حيث ينجلي أثرها إلى الأبد، وبحسب بسام الحاج: ف "المرأة كتبت منذ الأزل وسوف تبقى تكتب إلى ما لا نهاية". والمرأة الفلسطينية لا تخرج عن هذه الحقيقة، وكما يقول الحاج أيضًا: "لقد بدأت المرأة الفلسطينية مبكرة – برغم محدوديتها – في المساهمة في الأدب الفلسطيني بداية الأحداث السياسية في المنطقة. فظهرت أديبات ومترجمات في سماء الفكر والأدب، وذلك على أيدي نساء صار لهن الشهرة الكبيرة في الساحة الأدبية الفلسطينية والعربية". ونذكر في هذا الباب، على سبيل المثال، الروائيتين سحر خليفة ونردين أبو نبعة، ودورهما الإبداعي في التعريف بالقضية الفلسطينية من منظور نسوي محلي يحاول تقديم أدب بديل يتصدى للأدب الاستشراقي النسوي الغربي.
(4((فوكو، ص.79 (4((المرجع نفسه، ص.78–77 4(((يُنظر: زهير أبو شايب، "افتتاحية العدد"، مجلة الروزانة، العددان.)2011(9–8 4(((بسام الحاج، الرواية النسائية الفلسطينية 2000–1973 (البيرة: منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، 2016)، ص.61 (((4 المرجع نفسه، ص.62
هذا ما اتجهت إليه بالضبط المرأة الكاتبة الفلسطينية لترد على جميع من خلق وصوّر تمثيات لا تمت إلى المرأة الفلسطينية بصلة، جاعلة من القلم سيفًا ومن جنس الرواية ساحة للمعركة، كما تقول خليفة على لسان بطل روايتها صورة وأيقونة وعهد قديم: "هم حملوا الساح ولم يهنوا، وأنا بدوري حملت القلم". وبالفعل، فقد حملت خليفة القلم لتسرد لنا من خال هذه الرواية تركيبة قصصية فريدة من نوعها، تُعتَبر في ذاتها دليلً واضحًا على تميز المرأة الفلسطينية ونأيها عن جميع التمثيات الاستشراقية. ترصد لنا خليفة قصة حب بين إبراهيم ومريم؛ حبٍّ اشتعلت ناره، للأسف، في مكان وزمان غير مائمين؛ مكان يئن تحت وطأة الاحتال الصهيوني، وزمان يتداخل فيه الماضي مع الحاضر ليعلق المستقبل في سماء غائمة. إنها قصة إبراهيم الثائر على العادات والتقاليد، والهارب من زواج تقليدي دبره له خاله ليقع في حب مستحيل جعله يعيد ترتيب أوراقه، بل يعيد فهم الذاكرة وإعادة قراءة التاريخ، إن كان، بالفعل، هناك أثر للتاريخ، كما يقول: "أنا في الحاضر ابن اليوم، لا لي حاضر، ولا لي مريم، ولا لي تاريخ". وهذا بالضبط عين ما تتناوله خليفة من خال طرح تساؤلات عن القدس ومصير القدس، وعن المرأة ومكانتها، وعن التاريخ وشظاياه، وعن حب مريم وإبراهيم، حيث كل شيء فقد معناه وأصبح فقط صورة، حتى الزواج أصبح على هيئة صورة، كما يرسم لنا إبراهيم زواج أخته زواجًا تقليديًا خاليًا من أي حب أو عاطفة، بل جرى فقط بناء على صورة رأتها سارة، ولم تتردد في قبول عرض والدها ب نقاش ولا انتقاد، بل بالصورة، كما قال: "وصار النصيب على الصورة. قرأوا الفاتحة وكتبوا الكتاب على الصورة"، وكأن الحقيقة والواقع اختفيا وحلت مكانهما الصورة. القدس، والحب، والحياة، والزواج، كل شيء أصبح على هيئة صورة تشوه الواقع وجوهره، وكأن خليفة تحيل إلى أفكار المفكر ما بعد الحداثي جون بودريار Baudrillard Jean (2007–1929) في مفهوم الصورة وسلطة الصورة، فبحسب بودريار: "الصورة مثيرة لاهتمام، ليس فقط في دورها كانعكاس أو تمثل أو نظير للواقع، ولكن أيضًا عندما تبدأ في تلويث الواقع وتشكيله، عندما تتوافق فقط مع الواقع الأفضل فإنها تشوهه وهو ما يزال أحسن: عندما تتكيف مع الواقع لتحقيق أهدافها الخاصة، فتوقعاتها تصل إلى حد أن الواقع لم يعد له الوقت ليتم إنتاجه على هذا النحو". وبالفعل، حلت الصورة مكان الواقع الذي فقد أصله وجوهره، وهي بذلك تُفقِد الواقعَ معناه الحقيقي، وهذا بالضبط ما أصبحت عليه القضية الفلسطينية، بحسب قول محمد فرج: "يتم تسخين حدث في الماضي عبر الصورة. قد يكون حدثًا باردًا على المستوى الزمني، إلا أنه مأساوي، ومن ذلك، على أي حال، القضية الفلسطينية، حين يتم استبدال الغضب اليومي بذاكرة اصطناعية، ذاكرة فقط، لا تثير عواصف فعلية، ولا تسبب إزعاجًا كافيًا، وتعيد النظرة إلى الحدث المأساوي بقشعريرة ردعية عن
4(((سحر خليفة، صورة وأيقونة وعهد قديم، ط 3 (القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع، 2014)، ص.90 (((4 المرجع نفسه، ص.86
(47) Jean Baudrillard, The Evil Demon of Images (Sydney: Power Institute Publications, 1984), p. 16.
الحاضر". وهذا فعلً ما أشارت إليه خليفة في روايتها، فكل من المرأة والرجل يشقان مسيرة النضال للبحث عن أصل لهذه الصورة، صورة قدس لم تعد قدسًا وفلسطين لم تعد فلسطينًا، بل حتى المرأة
أصبحت صورة، كما يقول إبراهيم: "إذًا، أمي انكسرت مرّات، وماتت مرّات، وقعدت على الرف.
بموت وضّاح ماتت مرة، وماتت نهائيًا ب رجعة، حين قعدت على الرف وصارت صورة. أمي أنا باتت
صورة؟". فالمرأة المتمثلة بأم إبراهيم مظلومة ومنكسرة وسلبية، مريضة ومجروحة، فقدت ولدها وضّاح في عملية استشهادية، وتزوجت بصفقة، وفقدت زوجها بصفقة أخرى حين تزوج عليها بحجة أنه "يريد امرأة تلد رجالً"، وكأن ابنه إبراهيم ليس رجلً، أما سارة ف وجود لها في أجندة أبيها. ولا يشمل الظلم نساء عائلة إبراهيم فقط، بل يتجاوزه إلى العديد من النساء الفلسطينيات ومن جميع الفئات العمرية، فمريم مثلً مظلومة عانت فقدان أخيها وعانت استحالة حبها لإبراهيم المسلم وهي المسيحية، وعانت في حملها وولادتها، ولم تستطع أن تشعر بطعم الأمومة، لكنها لم تستسلم رغم أن أمها أيضًا شهدت وعاشت المعاناة نفسها من الزوج، بحسب وصفها: "يا لطيف ما أصعب عيشتي معه؟ بحياته ومماته عذبني". إن ظلم الاحتال يتضاعف على المرأة الفلسطينية، خصوصًا حينما يتغذى بظلم مجتمع أبيسي، يجعل
المرأة في مرتبة دونية، بل في مكان ثانوي وفي تبعية مستمرة. فهذا النموذج من النساء ينهار بفقدان الرجل، سواء أكان زوجًا أو ولدًا، كما تقول أم مريم: "لكن بحياته كان لي قيمة [...] يعني بصراحة
بموت الأب انكسر ظهري، وبموت الولد انكسر قلبي، وهيكا انهدّيت". وعلى الرغم من أن هذه الشريحة النسائية تجسد مراسيم شخصيات لمرأة فلسطينية تقليدية، فإنها على الأقل، توضح إلى أي حد تعي هؤلاء النساء حالهن؛ فرغم عجزهن عن تغيير الواقع فإنهن يشتكين ويعبّرن بالصوت والحرف عن معاناتهن وأوجاعهن، ولو سنحت لهن الفرصة للكتابة؛ لكتبن قصصًا
ب نهاية، كما تقول خليفة على لسان بطلها وهو يتحدث عن مريم: "إنها لو كانت تعرف العربية لكتبت للناس أفظع قصة؟ أي قصتها. هذا بالفعل هو أدب النساء، أدب المرأة، تبدأ بكتابة قصتها على اعتبار أنها أفظع قصة". ما رواية خليفة إلا انعكاس وتصوير لقصة المرأة الفلسطينية ومعاناتها اليومية مع
الأسرة نتيجة الاحتال الصهيوني، بل هي فضاء روائي يوفر للمرأة مجالً لكي تُسمِع صوتها وتُفصِح عن ألمها ووضعها المزري في ظل مخلفات الاحتال وتبعياته. في هذا السياق، لا يمكن أن نتجاوز صورة المرأة التي يجري عليها العنف والضرب والجرح، والممثلة بشخصية سكينة؛ فهي امرأة تعاني عنف زوجها، وإهانة حماتها، وهمَّ أولادها، وثقل المسؤولية التي على كاهلها، حتى غدت ضحية ظلم
4(((محمد فرج، "جان بودريار: عصر 'الزيف' يبلغ الذروة، نذير سلطة الصورة"، الأخبار، 2017/5/6، شوهد في 2022/3/16، في:
https://bit.ly/3AZfv2q
(4((خليفة، ص.77 ((5(المرجع نفسه، ص.31 ((5(المرجع نفسه، ص.75 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.164
مزدوج تتشابك فيه خيوط استبداد الاحتال واستطالته، وبؤس العيشة، بحسب تعبيرها: "يلعن أبوها عيشة، لا خالصة من هم أمه ولا من همه. وزيادة كمان هم الولاد". وتصف كيف يضربها زوجها ويهينها: "يقوم يمسك شعري وينزل علي بزنار الجلد ويرفسني هون، ويرفسني هون لحد ما موت". توضح أصوات النساء، إذًا، هيمنة السلطة الذكورية التي تتداخل ومعانتهن من قهر الاحتال وتدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لكن، إلى جانب هؤلاء النسوة الواعيات بمشكاتهن، تصور خليفة نموذجًا آخر من النساء المستسلمات على نحو مطلق للسلطة الذكورية، بل إنهن لا يشعرن بها البتة. يتمثل هذا النموذج بشخصية جميلة؛ المرأة الخائفة الخاضعة الخنوعة للرجل بطريقة عمياء، فهي تطيعه وتتحمله في حياته وحتى في مماته، لكنها تظل صامتة تحمل معاناتها حتى لا تشعر أنها تعاني، حتى إنها أحست بالذنب حينما مات زوجها واستشعرت طعم الحرية، كما يقول إبراهيم: "تيتمت منذ الطفولة، وعاشت في الدير مع الأيتام، وتزوجت من رجل مريض أورثها من الهم والأعباء ما زاد من تجهمها الصامت [...] ورغم ذلك حين مات، أصيبت بتأنيب الضمير لأنها ارتاحت وأحست بنعمة التنفس بحرية". إن هذه الشخصية الصامتة التي تعتقد أن الوضع الذي تعيشه طبيعي وغير قابل للتفكيك، إنما تحيل على شخصية للّ ماني وللّ راضية في رواية أحلام النساء الحريملفاطمة المرنيسي، فهن شخصيات يمجدن سلطة الرجل ويعتبرنها من المسلمات والأعراف التي لا تناقش أو تجادل. وهذا النموذج من النساء يشكل خطرًا يعوق التضامن النسائي، بحسب المرنيسي: "إنهن أشد خطورة من الرجال لأنهن
مثلنا تمامًا في الشكل، غير أنهن في الواقع ذئاب متنكرة بهيئة حمان. لو كان التضامن بين النساء، لما كن حبيسات هذا السطح، ولكنا الآن نطوف في أرجاء المغرب، أو نبحر إلى مدينة الأبنوس [...] إلى حيث يحلو لنا". وبالفعل، لن تنتصر الحركة النسائية الفلسطينية أو العربية ما دام هناك نساء متشبعات بالفكر الذكوري ومعادياتٍ لبنات جنسهن. هذا أيضًا ما أشار إليه حسن مناصرة لحظة فحصه صور المرأة في الرواية الفلسطينية على نحوٍ خاص بقوله: "بدت المرأة في صورتين بارزتين: صورة المرأة المثقفة التي تبحث عن حريتها في الواقع المسكون بالتناقضات، وصورة المرأة الحُرمة التي استكانت تحت ظروف القهر الاجتماعي، بل تجاوزت ذلك، أحيانًا، إلى التحالف مع الرجل لمحاربة المرأة المثقفة الباحثة عن حريتها".
((5(المرجع نفسه، ص.146 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.177 (5((فاطمة المرنيسي، أحلام النساء الحريم: طفولة في الحريم، ترجمة ميساء سري (دمشق: ورد للنشر والطباعة والتوزيع، 1967)، ص.160 (5((حسين مناصرة، المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية (عمّان: مطبعة الجامعة الأردنية، 2002)، ص.9
وهكذا، تتعدد أصوات النساء وتختلف، لكنها تبقى جميعها رهينة التناقضات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني بنسائه ورجاله تحت نير سلطة الاحتال. وتصرخ هذه الأصوات وتتعالى وإبراهيم في طريقه من القرية إلى القدس، ومن دير إلى دير "أرامن، يونان، روس، ألمان، وأديرة كثيرة وكبيرة"، أيبحث عن مريم وحب مريم أم تراه يبحث عن القدس الضائعة وحبها المفقود؟ فمريم نموذج آخر للمرأة الفلسطينية، لكن هذه المرة بصورة مختلفة، فهي امرأة مظلومة كما أشرنا، لكنها متمردة على الوضع، تتحكم في جسدها، وتدخل في عاقات غير شرعية لتثبت وجودها من خال تحرير جسدها من قيود التقاليد المبنية على المرجعية الذكورية التي تعتبر جسد المرأة مجرد متاع للشهوة بحسب سيمون دي بوفوار Beauvoir de Simone (1986–1908): "إن الرجل يعتبر جسد المرأة عائقًا، سجنًا مثقلً بخصوصياته [...] فالرجل يرى في المرأة كائنًا جنسيًا فقط، بالنسبة إليه هي
الجنس. إنها الجنس المطلق [...] إنها الآخر"، وشخصية مريم تتصدى لهذا الآخر وصرامته وترسباته التاريخية، وتدخل في عاقة غير شرعية مع إبراهيم بعد أن فقدت حبها الأول للراهب، لتعيش اللحظة وترقص للحياة، وتتحمل مسؤولية الحمل والإنجاب. ورغم قساوة الظروف فهي تقاوم لكنها تجد نفسها "غريبة في أرض الوطن، وهي غريبة في تلك الأرض. وهي وحيدة بين الإخوة، وهي وحيدة بين الأغراب، لا تجد نفسها إلا في القدس". وفعلً، مريم غريبة، وكأنها هي القدس المغتربة عن أهلها، يمكن أن ترمز عاقتها بإبراهيم إلى عاقة شعب أصبح حبه وعشقه للقدس مستحيلً بسبب بطش الاحتال الصهيوني. لذلك، يستمر الشعب الفلسطيني المجسد في شخصية مريم وإبراهيم، أي في شخص المرأة والرجل، في محاولة "تجاوز الطريق المسدود"، والبحث عن القدس الفلسطينية الحرة، و"شهادة ثبوتية تثبت أن التاريخ هو تاريخه". وكما عودتنا خليفة في جل رواياتها تنهي هذه الرواية بمعركة لم يكتب لها التاريخ نهاية بعد، معركة تحولت فيها "صاة الجمعة إلى حفلة دم". هكذا أرادت خليفة أن تجسد لنا إلى أي حد ما زالت فلسطين تقاوم وتبحث عن طريق لبلوغ الحرية وحب القدس، ويظل السؤال مطروحًا: "أين الصورة، بل أين الأصل؟". ولئن كانت خليفة قد رسمت لنا كيف أن الاحتال والظروف الاجتماعية أجهضت عاقة حب في مهدها وجعلتها مستحيلة، فإن أبو نبعة تصور لنا كيف تتفكك عاقة حب شرعية ودافئة ويتشتت شملها بسجن الأب المناضل، وترك الأسرة تعاني حرقة الفراق والغياب؛ إنها قصة ماهر وبهية، كتبتها بهية في
((5(خليفة، ص.51
(60) Simone de Beauvoir, The Second Sex , H.M. Harshly (trans.) (New York: Alfred A. Knopf, 1976), pp. 15–16.
(6((المرجع نفسه، ص.51 (6((المرجع نفسه، ص.80 (6((المرجع نفسه، ص.166 (((6 المرجع نفسه، ص.268 (6((المرجع نفسه، ص.167
شكل رسائل كانت تبعث بها إلى زوجها في السجن، ولم تكن تظن قط أن تلك الرسائل التي كتبتها بعينين دامعتين، وقلب يرتجف، ستتحول إلى رواية يقرؤها القرّاء ويحللها النقّاد، كما تقول أبو نبعة:
"لم تكن بهية تتخيل أن تتحول هذه الرسائل إلى رواية". تحمل هذه الرسائل في طياتها قوة إبداعية خارقة، وكتابة نسائية فريدة من نوعها، تؤانس من خالها بهية زوجها حبيبها الذي رمته عساكر الاحتال الصهيوني في الأسر على إثر عملية استشهادية، وفي الوقت نفسه تحكي معاناتها، ومعاناة فلسطين، وأناس فلسطين في ظل ظروف الاحتال والمقاومة. إن الكتابة في ظل هذه الظروف أصبحت حاجة ملحة تتقوى بها الذات النسائية، بحسب قول إلين سيكسوس: "على المرأة أن تكتب ذاتها: يجب أن تكتب عن المرأة وتأتي بالمرأة للكتابة [...]، يجب أن تضع ذاتها في النص كما في العالم وفي التاريخ بحركة منها". لقد أتت أبو نبعة ببهية للكتابة وجعلتها ملجأ للنصر والضياء، بدليل قولها: "في لحظات الهزيمة كانت الكتابة هي الماذ؟ في لحظات الكتابة يتهلل القلب ويتسع لعبور أعتى الأمواج [...]، مع كل حرف كانت ترتشف من الوصل ما يغنيها على المسير، مع كل انحناءة قلم يشتعل العمر ويتورد من جديد"؛ فبهية في هذه الرواية نموذج المرأة الواعية بكل الأوضاع السياسية التي تعيشها فلسطين، كما أنها متميزة بالقراءة والكتابة التي جعلتها في ارتباط ولقاء دائمين مع ماهر، متخطية جدران السجن، فتقول: "السجن يا ماهر لم يمنعنا أن نعيش معًا. كل منا في روح الآخر، وأنا أكتب أعيش معك حياة أخرى، أن أكتب لك يعني أن أعيش معك مرة أخرى". لم ترتبط بهية بماهر فقط، بل ارتبطت أيضًا بالقضية الفلسطينية، وظلت تحكي لماهر يومياتها مع أولادها، ومع المستوطنين، ومع العساكر، ومع القدس المحتلة. وطبعًا، فالقدس هي جوهر القضية ولبها، وكل ما يقع حولها فهو من أجلها ولأجلها، كما تقول: "القدس وردة الذاكرة وتسبيح الحمائم، القدس أول السطر وأول النزف [...] هي كف المسيح تفيض بالنور [...] هي ترتيل محمد يجمع شتات القلوب". تستمر بهية في تدوين بطولات الفلسطينيين ابتداء بماهر الذي ظل صامدًا بين القضبان ورصاصة العدو تنهش لحمه وعظمه، وفيصل الذي استشهد ولده عبد الحليم لكنه استطاع إنجاب طفل آخر وهو في السجن عن طريق تهريب النطفة، مرورًا باستشهاد عمو معتز، إلى عملية بهاء
عليان ورفيقه بال غانم. لم تكن هذه البطولات طبعًا بمعزل عن المرأة الفلسطينية، بل كانت دعامة قوية للرجل وللوطن على حد سواء، وهذا ما تحاول أبو نبعة تجسيده، على لسان ماهر: "أستمد قوتي منك يا بهية. ما أجمل أن تصبح حواء هي المنقذ والماذ! [...] قد تحمل الجذوة امرأة. تضيء لكل الرجال [...] اكتشفت أنه يمكن للمرأة في لحظة ما أن تسند الرجل؟ لا بل قد تسند قامة الوطن، تحميه
(((6 نردين أبو نبعة، باب العمود (بيروت: دار المعرفة، 2017)، ص.9
(67) Helene Cixous, "The Laugh of the Medusa," Keith Cohen & Paula Cohen (trans.), Signs , vol. 1, no. 4 (Summer 1976), pp. 875–893.
(6((أبو نبعة، ص.8 (6((المرجع نفسه، ص.95 ((7(المرجع نفسه، ص.113
بظهرها، تحيي الثورة فتنبض الخريطة في قلوب الرجال [...] حين لا تهتز المرأة [...] يبقى الرجل شامخًا، معك يا بهية بقيت شامخًا قويًا". لقد نجحت أبو نبعة إلى حد ما في تصوير الاتحاد والتعاون بين الرجل والمرأة، فحبهما يغذيه حب مصيري أقوى منهما معًا، وهو حب القدس وعشقها، وكل شيء يهون في سبيل بلوغ هذا الحب المقدسي،
بحسب قولها على لسان نهاد وهي تخاطب داود: "فلسطين لن تكون لي ولك إلا إذا كنت معك [...]، إذا أردنا هذه الأرض [...] لا بد أن نقاتل معًا، نتألم معًا [...] لنفرح معًا"، وقوة النصر تأتي من الاتحاد
وجمع الشتات، ليس فقط بين المرأة والرجل بل بين جميع الأوطان التي تحيا بحياة القدس. يتضح إذًا أن المرأة الفلسطينية أسهمت إسهامًا فعليًا ومميزًا في تطور الجنس الروائي الأدبي الفلسطيني،
وأبدعت في خلق صورة محلية من الداخل عن المرأة الفلسطينية ووضعها الراهن في ظل قساوة الاحتال الصهيوني. وبذلك حاولت تقديم نهج بديل وكتابة من الصميم ترد بها على الكتابات النسائية الاستشراقية التي طالما همّشت المرأة الفلسطينية خاصة، والعربية عامة، وجسَّدَتها في مرتبة الدونية.
لذلك، فالخطاب الاستشراقي النسائي الغربي، في مقابل الخطاب النسائي الفلسطيني المحلي البديل، إنما يحيل إلى التفكير والتأمل في العاقة الإبستيمولوجية التي ينبني عليها الخطابان، بحسب سعيد: "إنه لمن المائم، أخيرًا، أن أقول لقرائي العرب: إن فلسطين، رغم أنها لا تذكر هنا مرارًا، تؤدي دورًا
تأسيسيًا هامًّا في التفكير بالعاقة بين الثقافة والإمبريالية". وهذا عين ما حاول الخطاب المضاد
الفلسطيني في شكل الكتابة النسائية إبرازه، وجعله محطة للتفكير والتقييم؛ فنموذج المرأة الفلسطينية يبقى مثالً حيًّا على تشابك وتقاطع لعناصر الخطاب النسائي الغربي الإمبريالي بالخطاب المضاد،
بل يحيل أيضًا على ضرورة تفكيك العاقة بين الخطابين وإدراك أغوارهما. وقد تبين لنا من تحليل الخطابين أنهما مختلفان من حيث الشكل والمضمون، ومن حيث المصلحة والهدف، لكن يبقى التساؤل الذي يُطرح في هذا السياق: إلى أي حد يختلفان ويتعارضان؟ ثمّ أهذا الاختاف ظاهري أم
سرعان ما يتبدد كلما تفحصنا العمق ليظهر لنا تشابه ومشترك منسي بين الخطابين؟ وبالفعل، استطاعت النساء الفلسطينيات أن يكتبن ويرددن على أوهام الخطاب النسوي الاستشراقي الغربي، المشار إليه. وقد أنعمنا النظر من خال تحليل الروايتين؛ ليتبيَّنَ إلى أي حد تمثل خليفة
وأبو نبعة فئة النساء الفلسطينيات أو النخبة التي تبرز وعيها النسوي وتحتضن الكتابة والسرد الروائي ماذًا وساحًا للرد على التمثات، وكذا محاولة إنتاج خطاب نسائي عربي فلسطيني بديل، بل إن
الفلسطينيات استطعن، كما يقول سعيد، أن يقرأن "الروائع الاستعمارية العظيمة التي لم تقم بتمثيلهم تمثيلً خاطئًا وحسب، بل افترضت أيضًا أنهم عاجزون عن أن يقرؤوا ويستجيبوا مباشرة لما كان قد
كتب عنهم".
((7(المرجع نفسه، ص.141 ((7(المرجع نفسه، ص.148 (7((سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص.11 ((7(المرجع نفسه، ص.10
حاولت خليفة وأبو نبعة وغيرهما من الروائيات الفلسطينيات إنتاج خطاب نسوي فلسطيني، يحتفي بأصالة فلسطين، ويصور قضية المرأة من الداخل بدقة تعبير تجعل الذات الأنثوية تتماهى والهم الوطني، بحسب تعبير بسام الحاج: "تحولت المرأة الفلسطينية تدريجيًا نحو كتابة بدافع ذاتها التواقة
إلى كسر الطوق الاجتماعي الذي يكبل حريتها، فإنها إن كتبت عن ذاتها فإنها تعبر عن مجتمعها من خال ذاتها، إن كتبت عن مجتمعها فإنها تعبر عن ذاتها من خال مجتمعها. غير أن هذه الكتابة تداخل فيها الهم الوطني بالآخر الشخصي"؛ وهذا ما يصفه سعيد ب "الرحلة إلى 'الداخل "'. لكن هذا الخطاب النسائي وهذه الكتابة النسائية المحلية الراحلة إلى الداخل، يبقيان رهنًا في إطار عاقة ثنائية بالخطاب الاستشراقي الغربي النسائي، أي في إطار التفاضل الثنائي الذي أنتجه الغرب القائم على ثنائية الأنا – لآخر. وعلى هذا النحو يبقى أغلب الدراسات رهين القومية والتعصب، متجاوزًا للمشروع الإنساني المتعالي. لذلك، إذا كانت بنية الخطاب الاستشراقي عامة، والاستشراق النسائي خاصة، مبنية على أنظمة السلطة بل مشتقة منها وإليها، تغلب عليها صفة الانتهازية والنفعية وتحمل سلطة تؤسس لمشاريع استعمارية وصهيونية، فإن الخطاب البديل لا يمكن أن يكون بمعزل عن جدلية السلطة والمعرفة. ومن هذا السياق ينبثق السؤال التالي: ألا تدّعي خليفة وأبو نبعة (وهما ليستا غير أنموذجين لهذه الدراسة) انتماءهما إلى النخبة التي تملك العلم والمعرفة بقضايا المرأة الفلسطينية المهمشة؟ ألا تمارس معرفتهما، في حد ذاتها، بالمرأة الفلسطينية، بل التحدث نيابةً عنها، سلطة في حد ذاتها أم أن خطابهما يتشكل من كونهما من المثقفات المرتبطات بقضية وطنهن وبقضايا جنسهن ومتصات كل الصلة بفئات مجتمعهن المهمشة؟ تأتي هذه الأسئلة في سياق ما أثارته الكاتبة والناقدة الهندية كاياتري سبيفاك في مقالتها المشهورة Can the Subaltern Speak?" " التي تتساءل فيها عن إمكانية المرأة المثقفة التحدث أو منح صوت للمرأة المهمشة التي تعيش في ظروف الصمت والتبعية، ولا تملك أدوات التحدث أو التعبير عن آلامها وقضاياها. وفعلً، قدمت سبيفاك في طرحها، موافِقةً في ذلك سعيد، نقدًا لاذعًا للمثقفين الغربيين، وتخص بالذكر جيل دولوز Deleuze Gilles (1995–1925)، وفوكو، حيث تعتبر مقاربتهما للمهمش مقاربة سطحية ومتجانسة، تطغى عليها السلطة المركزية الغربية في مقابل الهامش الثانوي. لا تعترف هذه المقاربات بالاختاف العميق الحاصل بين المهمشين، خصوصًا في فترات الاحتال، وتقول:
"لذلك؛ على المثقف أن يؤكد أن الذات المستعمرة الثانوية هي لا محالة غير متجانسة"، والمرأة المهمشة، على الرغم من وجودها في المجتمع نفسه وفي الحدود الترابية نفسها؛ تبقى طرائق تهميشها متعددة وغير متجانسة. حتى عاقتها بالسلطة لا يمكن اختزالها في جانب واحد، فهي لا تعاني فقط ما تسميه سبيفاك "العنف المعرفي الذي يؤسس الذات الاستعمارية كآخر"، بل هي تعاني السلطة
((7(الحاج، ص.64 (7((سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص.274
(77) Spivak, p. 79. (78) Ibid., p. 76.
الاستعمارية، والسلطة الأبوية، والسلطة الطبقية. وهذا، بحسب سبيفاك، ما لم يتنبه إليه المثقفون الغربيون، سواء النساء منهم أو الرجال، في تمثيل الآخر المستعمَر، وخصوصًا إذا تعلق الأمر بالمرأة،
فهي ضحية ثاث مرات بسبب "الفقر والسواد والأنوثة". وفضلً عن ذلك، "إذا كان المهمّش، في
سياق الإنتاج الاستعماري، ليس له تاريخ ولا يستطيع التكلم؛ فإن المهمش بوصفه امرأة هو، أكثر من ذلك، موجود بعمق في الظل". لذلك، لم تكتف سبيفاك بانتقاد الغربيين، بل حذرت من أن يقع الخطاب المحلي، وخصوصًا النسوي،
في المأزق نفسه، ويتورط مع ما أنتجه الغرب، فتقول: "لأجل تعلم التحدث إلى (بدلً من الاستماع إلى، أو التحدث بالنيابة) ذات المرأة التابعة الصامتة تاريخيًا، يجب على مفكرة أو مثقفة ما بعد الاستعمار أن
تطرح جانبًا، وعلى نحوٍ منهجي، الامتياز الأنثوي". وهذا فعلً ما لمسناه في تحليلنا روايتَي خليفة
وأبو نبعة؛ فكلتاهما صوّرتا المرأة الفلسطينية من الداخل، وشرّحتا لنا تفاصيل معاناة المرأة الفلسطينية
بنتًا وزوجة وأختًا وأرملة، بل حتى عشيقة. وكيف لا يكون الأمر كذلك وهما فلسطينيتان تعيشان تلك
المعاناة وتتقاسمانها مع كل النساء، بل تحمان مسؤوليةً أكبر، بوصفهما من المثقفات الائي يسعين لنقل واقع المرأة الفلسطينية وقضيتها بكل موضوعية وإحساس. فهما تدخان في صنف المثقفين الذين يصفهم سعيد بقوله: ف "كل ما يمثله المفكر أو المثقف، يرتبط دائمًا بحياة المجتمع وخبراته
المتصلة الحلقات، بل ينبغي أن يظل دائمًا عنصرًا حيًّا من عناصرها: من حياة الفقراء والمحرومين، من
لا يمثلهم أحد ولا يسمع أصواتهم أحد، ومن حرموا أي سلطة". وبعيدًا عن التميز والتعالي والاختفاء وراء الانتهازية والمرضاة الغربية، رفعت خليفة وأبو نبعة وغيرهما من المواطنات الفلسطينيات، شعار التحدي والكشف عن هويتهن الفلسطينية وقضيتهن الوطنية، مدركات كل الإدراك الرمزية التي يحملها هذا التحدي كما كان قد أدركها دائمًا سعيد بقوله:
"أحس في الغرب بالأهمية الرمزية للكشف عن نفسي باعتباري فلسطينيًا بهذا الأسلوب، أي باعتباري
شخصًا يرتبط علنًا بالكفاح الذي يرمي إلى مقاومة السياسات الإسرائيلية وحصول فلسطين على حق
تقرير المصير". ولأنهما فلسطينيتان حتى النخاع، فقد نجحتا في إنتاج خطاب روائي سردي، ونص بديل يحتفي بالمرأة الفلسطينية ماهيةً وذاتًا قدّر وجودها في مجتمع منهك من شدة قساوة الاستعمار، وصرامة الأوضاع، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من كل ذلك، تبقى هذه الفئة من النساء الكاتبات المثقفات قادرات على الصراخ ورفع أصواتهن ليتمكنّ من إسماع صدى قضيتهن للعالم بأسره، كما تقول خليفة: "هذا ما أسعى لتحقيقه. لأني قبل أن أكون فنّانة، أنا إنسانة، بنت البيئة، والاحتال، والهزيمة. وفني هذا لخدمة ذاتي، دفاعًا
(79) Ibid., p. 90. (80) Ibid., p. 83 (81) Ibid., p. 91.
(8((إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص.186 ((8(المرجع نفسه، ص.179
عنها، ذاتي الكبرى في مجتمعي، لأني محروقة من الداخل ومن الخارج، ولا يمكنني أن أغضّ الطرف عن هذا الوجع وآلامه". وتؤكد خليفة هنا أن دافعها للكتابة ليس ممارسة سلطة المثقف، بل هي تكتب بوصفها إنسانة، بنتًا لوسط هي أدرى بشعوبه بل أكثر حرقة وغيرة عليه. وإجمالً، يمكن القول إن الكتابة النسائية الفلسطينية شكلت منعطفًا تاريخيًا مهمًا وحاسمًا، ليس فقط
في سرد المجتمع الفلسطيني وتصويره من منظور نسائي، بل أيضًا في الرد بالكتابة على كل الاستيهامات الاستشراقية الجنسية النسائية التي شيّأت المرأة الفلسطينية، وجعلت منها طعمًا لخطاب صهيوني، هدفه
هو دحض الهوية الفلسطينية بتفكيك الشعب الفلسطيني من داخل أسرته، ومن ثم إضفاء الشرعية على الاحتال الإسرائيلي؛ فالاستشراق يبقى استشراقًا، سواء كتب بقلم ذكوري أو أنثوي.
خاتمة
تستنتج الدراسة النقدية النسوية أن الاستشراق الجنسي والنسائي الذي ما فتئ أن يكون استتباعًا لاستشراق الكاسيكي ربما هو أشد قتامةً وظلمًا. نجح الخطاب النسائي الفلسطيني في تفكيك الخطاب الغربي الاستشراقي النسائي، وإنتاج خطاب مضاد من الداخل، يصوّر آلام شعبٍ ما زال يتوجع من مخاض مقاومة لم تكتب لها ولادة الحرية بعد،
على حد قول صبحي فحماوي: "قالوا لي: وين الجنب اللي بيوجعك؟ فقلت لهم: [...] وجنبي فلسطين، وجنبي فلسطين، فلسطين. فلسطين. وبقيت أرددها، وهم يضربون، ويضربون، حتى كسّروني
تكسيرًا، كان حلمًا، لا أراكه الله". ولكننا نريد أن نرى الحلم الذي أصبح همًّا للمرأة العربية عامة،
والذي طال دفاعها عنه في جميع المحافل الدولية، وما زال حلمنا جميعًا نساءً ورجالً: حلم التحرير
والحرية.
References
المراجع
العربية
أبو شايب، زهير. "افتتاحية العدد". مجلة الروزانة. العددان).2011(9–8 أبو نبعة، نردين. باب العمود. بيروت: دار المعرفة،.2017 الحاج، بسام. الرواية النسائية الفلسطينية 2000–1973. البيرة: منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية،
خليفة، سحر. أصل وفصل. ط 3. القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع،.2014 _______. صورة وأيقونة وعهد قديم. ط 3. القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع،.2014
(8((سحر خليفة، أصل وفصل، ط 3 (القدس: دجار الجندي للنشر والتوزيع، 2014)، ص.7 (8((صبحي فحماوي، قهقهات باكية (عمّان: الآن ناشرون وموزعون، 2017)، ص.13
سعيد، إدوارد. الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1981 _______. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. ط.4 بيروت: دار الآداب،.2014 _______. القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي. بيروت: مؤسسات الدراسات الأميركية،.1980 _______. المثقف والسلطة. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2006 الشيخ، ممدوح. الاستشراق الجنسي: الحرب على النقاب. ط 2. القاهرة: ابن رشد،.2015 عوض، أحمد رفيق. "المرأة العربية والفلسطينية في الخطاب الصهيوني". مجلة الروزانة. العدد 36 (شتاء.)2011–2010 فحماوي، صبحي. قهقهات باكية. عمّان: الآن ناشرون وموزعون،.2017 فوكو، ميشال. تاريخ الجنسانية: ج 1: إرادة العرفان. ترجمة وتقديم محمد هشام. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2003 قباني، رنا. أساطير أوروبا عن الشرق: لفق تسد. ترجمة صباح قباني. ط 3. دمشق: دار طاس،.1994 المرنيسي، فاطمة. أحلام النساء الحريم: طفولة في الحريم. ترجمة ميساء سري. دمشق: ورد للنشر والطباعة والتوزيع،.1967 المسيري، عبد الوهاب. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. مج 6، ج 1. القاهرة: دار الشروق،
المسيري، عبد الوهاب وفتحي التريكي. الحداثة وما بعد الحداثة. بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر،.2003 مناصرة، حسين. المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية. عمّان: مطبعة الجامعة الأردنية،
ييغينوغلو، ميدا. استيهامات استعمارية: نحو قراءة نسوية للاستشراق. ترجمة عدنان حسن. دمشق: الرحبة للنشر والتوزيع،.2014
الأجنبية
Baudrillard, Jean. The Evil Demon of Images. Sydney: Power Institute Publications,
Berko, Anat & Edna Erez, "Women in Terrorism: A Palestinian Feminist Revolution or Gender Oppression?" International Institute for Counter–Terrorism. 6/12/2006. at: https://bit.ly/34vwoWn
Cixous, Helene. "The Laugh of the Medusa." Keith Cohen & Paula Cohen (trans.). Signs. vol. 1, no. 4 (Summer 1976). De Beauvoir, Simone. The Second Sex. H.M. Harshly (trans.). New York: Alfred A. Knopf, 1976. Dworkin, Andrea. Scapegoat: The Jews, Israel and Women’s Liberation. New York: The Free Press, 2000. Lentin, Ronit (ed.). Thinking Palestine. London: Zed Books, 2008. Victor, Barbara. Army of Roses, Inside the World of Palestinian Women Suicide Bomber. New York: Rodale, 2003. Williams, Pärtick & Laura Chrisman (eds.). Colonial Discourse and Postcolonial Theory: A Reader. New York/ London: Harvester Wheatcheaf, 1993. Yeğenoğlu, Meyda. Colonial Fantasies: Towards a Feminist Reading of Orientalism. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.