Return to Article Details Critique of the Colonial Historicization of the Scientific Thought in China: The Joseph Needham Paradox.

نقد منهج التأريخ الكولونيالي للفكر العلمي في الصين: مفارقة جوزيف نيدهام

Critique of the Colonial Historicization of Scientific Thought in China: The Joseph Needham Paradox

خالد قطب *

Khaled Qutb *

الملخّص

شهدت العقود القليلة الماضية ازدهارًا لحقل فلسفة تاريخ العلم. وتبحث هذه الدراسة في مدى الإسهام في هذا المجال، وتركز على نقد منهج التأريخ الكولونيالي للفكر العلمي في الصين الذي انتهجه المؤرخ الإنكليزي جوزيف نيدهام (1900–1995) في المجلد الثاني من كتابه العلم والحضارة في الصين: تاريخ الفكر العلمي (1956). وقد استند نيدهام في تأريخه للفكر العلمي في الصين إلى منهج تأريخي كولونيالي أيديولوجي، يكشف عن تحيزات للمركزية الأوروبية الغربية. وتحاول هذه الدراسة أن تبيّن أن نيدهام على الرغم من أنه قدّم جهدًا تأريخيًا كبيرًا للعلم والحضارة في الصين، فإن هذا الجهد كان يحمل فرضيات مسبقة، تفترض غياب الفكر العلمي عن هذه الحضارة؛ الأمر الذي جعل منهجه يتعرض لنقد مؤرخين وعلماء اقتصاد وأنثروبولوجيين، منهم على سبيل المثال أندريه غوندر فرانك، وجاك غودي (1919-2015).

Abstract

Abstract: Recent decades have witnessed growing interest in the philosophy and history of science. This paper aspires to contribute to this field. It ctitical of Needham’s colonial method of writing about scientific thought in China as presented in volume 2 of his Science and Civilization in China: History of Scientific Thought (1956). The paper contends that Needham approached scientific thought in China in light of a Eurocentric, or western ideological colonial perspective. It argues that although Needham made significant contributions to the historicization of science in China, those contributions were based on the presupposition of the absence of scientific thought in China. This presupposition has been criticized by economists and anthropologists such as Andre G. Frank and Jack Goody who have challenged Needham’s historiographic colonial method.

الكلمات المفتاحية:
  • جوزيف نيدهام
  • الفكر العلمي
  • الصين
  • الكولونيالية
  • أندريه غوندر فرانك
  • جاك غودي
Keywords:
  • Joseph Needham
  • Scientific Thought
  • China
  • Colonialism
  • Andre Gunder Frank
  • Jack Goody

في مدى الإسهام في هذا المجال، وتركز على نقد منهج التأريخ الكولونيالي للفكر العلمي في

الصين الذي انتهجه المؤرخ الإنكليزي جوزيف نيدهام (1995–1900) في المجلد الثاني من كتابه

العلم والحضارة في الصين: تاريخ الفكر العلمي (1956). وقد استند نيدهام في تأريخه للفكر

العلمي في الصين إلى منهج تأريخي كولونيالي أيديولوجي، يكشف عن تحيزات إلى المركزية

الأوروبية الغربية. وتحاول هذه الدراسة أن تبيّن أن نيدهام على الرغم من أنه قدّم جهدًا تأريخيًا

كبيرًا للعلم والحضارة في الصين، فإن هذا الجهد كان يحمل فرضيات مسبقة، تفترض غياب

الفكر العلمي عن هذه الحضارة؛ الأمر الذي جعل منهجه يتعرض لنقد مؤرخين وعلماء اقتصاد

وأنثروبولوجيين، منهم على سبيل المثال أندريه غوندر فرانك، وجاك غودي (2015–1919).

جاك غودي.

مقدمة

ارتابت العديد من الدراسات الإبستيمولوجية المابعد كولونيالية Post–Colonialism في النظم المعرفية المؤسِّسة لمنهج التأريخ الكولونيالي عند بعض مؤرخي الفكر العلمي. وهي

تلك النظم التي تفترض أن العلم والمعرفة العلمية الناتجة منه صناعة غربية في الأساس؛ أولً، من حيث جذور النشأة التاريخية (الإغريق القدماء)، وثانيًا من حيث التطور المعاصر للعلوم والمعارف

العلمية (أوروبا الغربية)، وثالثًا من حيث مستقبل هذه العلوم الذي هو أوروبي غربي بالضرورة، وهو افتراض مؤسس على اعتقاد مزعوم يقول إن مسار الأحداث التاريخية محكوم بقوانين حتمية ثابتة لا يمكن أن، يشذ، أو يخرج عنها، وإن أحداث المستقبل ستكون معروفة؛ لكونها تتبع هذا المسار الحتمي نفسه الذي ساد أحداث التاريخ في الماضي. وهو الافتراض الذي أسس له، إبستيمولوجيًا،

دعاة الحتمية التاريخية Historical Determinism الذين استعاروا هذا المفهوم من العلوم الطبيعية Natural Science الذي يعني أن ثمة قوانين ثابتة وحتمية تحكم الأحداث التاريخية Historical Events تمامًا كما تحكم الظواهر الطبيعية Natural Phenomena في الكون، بحيث لا يمكن أن تشذ

أو تخرج عن مسارها الحتمي الضروري السببي. ورغم وجود دراسات ناقدة عديدة، خاصة في الغرب، تعيد كتابة التاريخ للكشف عن التحيزات الكولونيالية والكيفية التي توظف بها التاريخانية Historism أدواتها ومفاهيمها لتأكيد المركزية الأوروبية الغربية – وهي دراسات تُعرف بالتأريخ المابعد الكولونيالي Post–Colonial Historiography، ودراسات تهتم بالمهمش أو التابع، بحسب تعبير الأكاديمية الهندية وأستاذة الأدب الإنكليزي غاياتري سيبفاك Gajatri C. Spivak التي خصصت مؤلفاتها لإعادة التأريخ للتابع، وخاصة التاريخ الهندي من خال تفكيك التاريخ الكولونيالي – فإن الدراسات الناقدة لمنهج التأريخ الكولونيالي للفكر العلمي قليلة نسبيًا. وهكذا، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة النظر في منهج جوزيف نيدهام Joseph Needham

(1995–1900)، عالم الكيمياء الحيوية، والمؤرخ الإنكليزي المعروف في العلم والحضارة الصينية، من خال نقد منهج تأريخه للفكر العلمي في الصين، وكشف تحيزه الأيديولوجي الكولونيالي، عَبْر زعمه

أن الفكر العلمي قد انبثق قديمًا دفعة واحدة نتيجة العبقرية الإغريقية (كمعرفة نظرية رياضية مجردة)، ثم

((ثيرت إشكالية الحتمية في العلوم الطبيعية، وخاصة في الفيزياء، نتيجة التصور الآلي الميكانيكي الذي قدمه إسحاق نيوتن (أ Newton Isaac (1727–1643) المتعلق بالظواهر الطبيعية، إذ يفترض أن الطبيعة مجرد آلة ترتبط أجزاؤها بعاقات سببية، بحيث تمثّل

السببية القانون المفسر للظواهر الطبيعية على اختافها، بغض النظر عن المكان والزمان الذي تحدث فيه الظاهرة. لقد حقق العلم

الغربي الحديث، من خال هذا القانون، تقدمًا هائلً عندما استند إلى تصور ميكانيكي حتمي، وحققت الفلسفة الحديثة أيضًا تقدمًا

عندما أسس الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) نسقه الفلسفي على الأسس العلمية النيوتنية، وذلك من خال سؤاله الشهير الذي طرحه بحثًا عن أساس فلسفي جديد للعلم الجديد: كيف تكون الرياضيات والفيزياء ممكنتين؟

بشأن تفاصيل هذه الإشكالية، ينظر: خالد قطب، أنسنة العلم: مقال جديد في العقلانية العلمية (القاهرة: دار نيو بوك للنشر والتوزيع، 2018)، ص 1–53.6

(2) Ranajit Guha & Gayatri C. Spivak, Selected Subaltern Studies (Delhi: Oxford University Press,1988), pp. 3–34;

ينظر أيضًا: ديبيش شاكرابارتي، "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي"، ترجمة ثائر ديب، أسطور، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص.8–7

تطور من خال العقل الأوروبي الغربي وحده الذي وضع الأسس التجريبية للعلم الحديث، من دون أن تساهم الحضارة الصينية، ولا الفكر العلمي المنبثق منها (ولا أي فكر علمي آخر بطبيعة الحال)، في ذلك الانبثاق والتطور، وهو ما يمثل لدينا "معضلة" Dilemma؛ لأنه يُعدّ مؤرخًا رائدًا ومرجعًا لتاريخ العلم والحضارة في الصين.

أولا: طبيعة منهج التأريخ الكولونيالي

سعى الخطاب الكولونيالي Discourse Colonial إلى إعادة تشكيل تاريخ العلم، بحيث يبدو تاريخًا استمد بداياته وأصوله من الفكر العلمي الفلسفي اليوناني القديم، واستمر بفضل إبداعات العقل العلمي الغربي الحديث الذي ترك أثرًا كبيرًا في أشكال الفكر العلمي والتقاني التي يمكن

أن نصادفها عند شعوب وحضارات غير غربية. فقد شيّد الخطاب الكولونيالي أساسًا معرفيًا

للمركزية الغربية ينظّر من خاله إلى ثنائية الشرق – الغرب، تمهيدًا لخلق حجة تبرهن على تناقضٍ بين نظامين معرفيين؛ إذ يمثل النظام المعرفي الشرقي نماذج التفكير البدائية والخرافية والسطحية، في حين يمثل النظام المعرفي الغربي نماذج التفكير المتحضرة والعلمية. وهذا الذي جعل هذا الخطاب يطرح التساؤلات ويقدّم الفرضيات التي تصنع تمايزًا بين الشرق والغرب، أو بعبارة أخرى، يؤسس هذا الخطاب سلطة يمارس من خالها، معرفيًا، هذا الاختاف والتمايز على

المستويين الجغرافي والتاريخي، وقبلهما بطبيعة الحال، الثقافي والاجتماعي والسياسي. فقد أكد هذا المنهج، على سبيل المثال، جغرافية الاختاف بين الشرق والغرب، من خال خرائط ترسم مشهدًا رمزيًّا مفتوحًا لا يمثل الثبات الجغرافي، بل يمثل ثبات السلطان، أو بعبارة أخرى، حاول الخطاب الكولونيالي اختزال قيم الشرق ولغته وتاريخه، في موقع جغرافي ثابت أطلق عليه "الشرق"، فنشأ عن ذلك جغرافية خيالية أو متخيلة أو متصورة، بحسب تعبيرات إدوارد سعيد)2003–1935(. وهكذا، لم تعد خريطة العالم مجرد مخطط موضوعي للقارات المكتشفة، بل صارت تجسيدًا أيديولوجيًا وميثولوجيًا للمساحة، حتى تستطيع المركزية الغربية السيطرة

والاستغال على الأطراف/ الهامش. لقد شيّد الخطاب الكولونيالي نظامًا معرفيًا يدمج من خاله الآخر غير الغربي جغرافيًا واقتصاديًا

وسياسيًا وثقافيًا وتاريخيًا، فتحول هذا النظام المعرفي إلى سياسة انتحال، تتمحور، من الناحية النظرية،

حول جدل الذات والآخر، وتتمركز هذه المعرفة دومًا داخل الذات، رغم ما تبدو عليه من انفتاح؛ ذلك

(((سارة ميلز، "نظرية الخطاب الكولونيالي وما بعد الكولونيالي"، ترجمة ألكسندر غريب، مجلة العرب والفكر العالمي، العددان 34–33 (شتاء 2015)، ص.39–38 (((بيل أشكروفيت وجاريث جريفيث وهلين تيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 93. (((إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص 111. (((أشكروفيت وجريفيث وتيفين، ص.164

أنها تبحث عن القوة والسيطرة على ما هو آخر بالنسبة إليها، إضافة إلى تحديد هذا الخطاب وسائل التعامل مع الإنتاج المعرفي غير الغربي من أجل تحديد عدم صدقيته، والحكم عليه بالاعلمية من خال تشييد تاريخ عالمي موحد يستوعب تاريخ الآخر غير المتجانس مع النظام المعرفي الغربي. ومع هذا كله، فإن الآخر سيظل كذلك، رغم محاولات دمجه في تاريخ عالمي History World أو كوني Universal، وهو التاريخ الذي ارتبط بنظرة أوروبا إلى نفسها باعتبارها مركز العالم، وأن هذا التاريخ هو التاريخ الحقيقي الذي يجسد سعي الإنسان نحو الحرية. قدّم الخطاب الكولونيالي تفسيرًا للتاريخ وأحداثه، وفقًا لمسوغ التمايز بين النظامين المعرفيين اللذين

يشكان العقل الصانع لأحداث التاريخ ووقائعه. فأصبح التاريخ الحقيقي هو التاريخ الناتج من النظام المعرفي الغربي الذي يجب أن يقتفي النظام المعرفي الشرقي أثره، من أجل استخاص المقولات المعرفية والفكرية والقيمية منه؛ لصياغة منظومة معرفية له ينظر من خالها إلى العالم. وعندئذ، تأسس النظام المعرفي الغربي باعتباره المركز، وكل ما حوله يقع على الهامش، ثمّ إن مهمة الخطاب الكولونيالي هي إثبات أن وجود الهامش مرهون بمدى اتباعه لهذا النظام المعرفي الغربي، بل عمل هذا النظام المعرفي على تأسيس منهج ينتج معرفة تاريخية، من شأنها أن تؤرخ للفكر العلمي غير الغربي لإثبات فرضية البدائية والسطحية لهذا الفكر. وفضلً عن ذلك، سعى هذا المنهج إلى وضع فرضيات يدرك من خالها الشرقي تاريخه هو، أو فلنقل يمد هذا المنهج التأريخي الكولونيالي المؤرخ الشرقي بآليات قراءة تاريخه هو، بحيث لا يقوى على الخروج عن حدود هذا الفرضيات، ف "يتشكل تاريخنا بفعل الكولونيالية؛ الأمر الذي نتج عنه أننا لم نعد نفهم تاريخنا، ولم نعد نفهم الكولونيالية الحقة وأهدافها، وهي مأساة حقيقية"، كما يرى وائل حاق. لقد غدت مهمة منهج التأريخ الكولونيالي إخضاع تاريخ الفكر العلمي غير الغربي إلى مفاهيم الحداثة الغربية Modernism Western وفرضياتها وقيمها، باعتبارها مفاهيم وفرضيات وقيمًا علمية منهجية

عقانية، في مقابل المفاهيم والفرضيات والقيم التقليدية الاعلمية التي يتصف بها الفكر العلمي غير الغربي الزائف؛ ما جعل الفكر العلمي الغربي مرجعًا لكل فكر يسعى إلى العقانية العلمية. يقدم منهج التاريخ الكولونيالي أسباب مشروعيته واستمراره من خال توظيف الأيديولوجيا التي يجعلها "جزءًا عضويًا في كل وحدة مجتمعية"، بحيث تكون حاضرةً دومًا في تفسير تاريخ الأفكار، كما يقول

(((روبرت يانج، أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب، ترجمة أحمد محمود (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص.59 (((عمرو عثمان، "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خال تاريخ الأشياء"، أسطور، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2015)، ص.8 (((أشكروفيت وجريفيث وتيفين، ص.101 (1((وائل حاق، قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، ص.15 (1((لوي ألتوسير، "ما هي الأيديولوجيا؟"، في: الأيديولوجيا، محمد سبيا وعبد السام بنعبد العالي (إعداد وترجمة)، سلسلة دفاتر فلسفية، نصوص مختارة 8، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006)، ص.8

لوي ألتوسير Althusser Louis (1990–1918)، الفيلسوف الفرنسي المعاصر. تمارس الأيديولوجيا، وفقًا لمنهج التأريخ الكولونيالي، نفوذها وتأثيرها لتشويه تاريخ الآخر أو تاريخ الهامش والأطراف البعيدة كليًّا عن المركز، والتنكر لما قدمه المهمش أو التابع في تاريخه من إنجازات، وعدم الاعتراف

بها، فتلجأ إلى تأويل أفكاره وتصوراته وفقًا لمقولات أيديولوجية محددة مسبقًا تعتمد على منطق المصلحة، بحيث يبدو الآخر/ الهامش غير قادر على التفكير الصحيح. ومن ثم، لا يقوى على إنتاج علم أو معرفة علمية. ويلجأ منهج التأريخ الكولونيالي إلى الأيديولوجي لإخفاء ممارساته الإقصائية والتشويهية، من خال ممارسة ما أطلقت عليه سيبفاك "العنف الإبستيمولوجي" Epistemological Violence، الذي يعني كتابة تاريخ الشرق من منظور الغرب وافتراضاته وتحيزاته، من أجل صناعة الحقيقة التي يجب قبولها باعتبارها واقعًا. وهكذا، كان هدف هذا المنهج هو وضع الآخر/ الشرق

في قوالب فكرية جامدة؛ حتى تسهل السيطرة عليه. وقد اتخذت هذه العملية شكل تزييف تاريخ الآخر من خال صناعة هذا المنهج بنى فكرية جامدة، تسيطر على مجمل تاريخ العقل المنتج للمعرفة، وخاصة العلمية منها؛ فهي مستمرة معه من الماضي، وحاضرة بقوة في لحظته الحاضرة. وباختصار، شكّلت هذه البنى الفكرية الجامدة تاريخ الشرق. ينظر هذا المنهج التأريخي الأيديولوجي بشيء من الريبة إلى الفكر العلمي غير الغربي. وقد أسِّسَ

لهذا المنهج معرفيًا من خال تأكيد فرضيتين. فالفرضية الأولى تزعم أن ثمة اختافات تشريحية

وبيولوجية وذهنية وعرقية بين المجتمعات الغربية والمجتمعات غير الغربية، تمهيدًا لإحداث قطيعة بين الغرب والآخر. في حين تزعم الفرضية الثانية أن المجتمعات غير الغربية هي مجتمعات خارج دائرة التاريخ. ونتيجةً لهذه النظرة الإقصائية، جرى تهميش تاريخ الإنتاج المعرفي، وخاصة العلمي منه، بالنسبة إلى المجتمعات والشعوب غير الغربية ولا سيما في الصين. إضافة إلى ذلك، وجه دعاة هذا المنهج التأريخي الأيديولوجي المجتمعات غير الغربية إلى ضرورة البحث عن نظام معرفي آخر غير النظام المعرفي التقليدي الذي يشكّل بنية تفكيرها، والمسؤول عن تأخرها المعرفي العلمي والسياسي الاجتماعي؛ وهو، بطبيعة الحال، النظام المعرفي الغربي الذي حقق تقدمًا على عدة مستويات، أهمها

المستوى العلمي الذي أدى إلى نهضة أوروبا وتقدمها، إضافة إلى تحقيق هذا النظام تقدمًا على

المستوى الاجتماعي والسياسي. لقد ساد اعتقاد بين الباحثين أن نيدهام قد أنصف تاريخ الفكر العلمي في الصين، عندما أظهر إنجازات العقل العلمي الصيني على المستويين النظري والتقاني، من خال مجلداته التي خصصها لهذا الشأن، غير أن قراءة ناقدة لمنهجه في التأريخ لهذا الفكر تكشف عن تحيزه إلى أحكام أيديولوجية مسبقة؛ إذ تقول مثل هذه القراءة إن أوروبا الغربية هي وحدها التي تملك فكرًا علميًا صحيحًا، ولا تدين بشيء

لأي حضارة أخرى. وقد اعتمدنا في هذه القراءة على المجلد الثاني من كتابه تاريخ العلم والحضارة في الصين: تاريخ الفكر العلمي (1956). وهو المجلد الثاني من مجلدات هذه الموسوعة، وقد نُشر عام 1956. فما طبيعة مشروع نيدهام التأريخي للفكر العلمي في الصين؟

((1(يانج، ص.325

ثانيًا: مشروع نيدهام التأريخي للفكر العلمي في الصين

يُعدّ جوزيف نيدهام من أبرز العلماء في مجالَي الكيمياء والبيولوجيا، إضافة إلى كونه مؤرخًا حاول مد جسور التواصل بين الشرق والغرب، من خال مؤلفاته وأبحاثه ورحاته العديدة. نضجت شخصية نيدهام العلمية في جامعة كامبريدج العريقة، عندما تتلمذ على أفكار علماء كبار من أمثال جون طومسون J. Thomson (1940–1856) عالم الفيزياء البريطاني الشهير، وأرنست راذرفورد Rutherford Ernest (1937–1871) الذي يصنف على أنه أبو الفيزياء النووية، وآرثر إدينغتون Eddington Arthur –1882(1944) عالم الفلك وفيلسوف العلم الإنكليزي، وإدغار أدريان Adrian Edger (1977–1889) العالم الإنكليزي الحائز لجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء، وتشارلز شرينغتون Sherrington Charles (1952–1857) العالم الإنكليزي المتخصص في الفزيولوجيا العصبية، وغيرهم العشرات الذين كان لهم الفضل في توجيهه إلى الكيمياء البيولوجية. كانت اهتمامات نيدهام المبكرة من حياته البحثية منصبة على الكيمياء البيولوجية، وخاصة علم الأجنة. وقد نتج من هذه الاهتمامات البحثية ثاثة مجلدات بعنوان تاريخ علم الأجنة (1934)، تتبَّع فيها تاريخ

دراسة الأجنة منذ العصور المصرية القديمة حتى بواكير القرن التاسع عشر، مرورًا بالكتابات العربية التي كُتبت في هذا العلم، وأيضًا ما كُتب في اللغات الأوروبية الأخرى بما فيها اللغة الروسية. ساعد اهتمام نيدهام بالكيمياء البيولوجية وتاريخها في تكوين خبرة كافية لتقديم تاريخ شامل عن الفكر العلمي عبر التاريخ، إيمانًا منه بأن تاريخ هذا الفكر يعتبر جزءًا رئيسًا من تاريخ الحضارة الإنسانية

كلها، فكان من الطبيعي أن يحركه هذا الاعتقاد نحو دراسة تاريخ الفكر العلمي في الصين لكي يتعرف الإنسان الأوروبي إلى إنجازات العصور القديمة غير الأوروبية، وخاصة الإنجازات التقانيّة. نظر الكثير من الباحثين والمؤرخين إلى مشروع نيدهام التأريخي للفكر العلمي في الصين باعتباره أعظم مشروع في القرن العشرين يعبر عن التواصل بين الحضارات والثقافات، مقارنةً بأي عمل آخر. فقد اعتبر البعض هذا العمل أشبه بدائرة معارف لإنجازات العقل الصيني، في كل مجالات العلم والتقانة تقريبًا؛ ابتداءً من الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك والمعادن والكيمياء وعلم النبات والزراعة

وعلم الحيوان والبيولوجيا واللغة والجيولوجيا، والعلوم البحرية والمنسوجات والأدوية، وانتهاءً بصناعة

الخزف وإنتاج الحرير. يقول غريغوري بلو Blue Gregory، الباحث السابق في معهد نيدهام للأبحاث والمتخصص في التأريخ لأفكار نيدهام وأعماله الفكرية: "إن نتائج خمسين عامًا من الدراسات التي قام بها نيدهام عن الصين، جعلت عمله يمثّل إنجازًا عظيمًا صدر عن فرد واحد منذ أرسطو، فقد كتب

اثني عشر مجلدًا من أصل ستة عشر مجلدًا عن تاريخ العلم والحضارة في الصين، وهي المجلدات

(13) Mansel Davies, "Joseph Needham (1900–95)," The British Journal for the History of Science , vol. 30, no. 1 (March 1997), pp. 95–100. (14) Ibid., pp. 95–96. (15) Robert Multhauf, "Joseph Needham (1900–1995)," Technology and Culture , vol. 37, no. 4 (1996), pp. 880–891.

التي تمثل كنزًا تأريخيًا غير مسبوق في القرن العشرين". فهو يؤرِّخ في هذه المجلدات لأكثر من

خمسة وعشرين قرنًا من الإنجازات العلمية والتقانيّة في الصين. وكان الهدف من وراء اهتمام نيدهام

بالعلم والتقانة هو إعادة الاعتبار للحضارة الصينية بإتاحتها للعالم، لكي يتمكن سكانه من الوصول إلى الحكمة الصينية، ولكنّ هذا لا يعني أنه لا يقدّم رؤيته الخاصة إزاء هذه الحضارة أو تلك الحكمة الصينية؛ إذ يؤكد أن كل إنسان يعمل على إنجاز عمل ثقافي كبير تتعرف إليه الأجيال المقبلة يجب أن يقدّم رؤيته الخاصة المتعلقة بالدوافع التي جعلته يُقدم على ما أقدم عليه. بدأت قصة اهتمام نيدهام بالثقافة الصينية عام 1937 عندما زار ثاثةٌ من العلماء الصينيين كامبريدج Cambridge في ذلك الوقت. ويعتبر هذا التاريخ نقطة تحول بالنسبة إليه؛ إذ أخذ يقرأ عن الثقافة والفلسفة في الصين بعد مناقشته للعلماء الصينيين الثاثة، فقد أ عجب بهم وبطريقة تفكيرهم إعجابًاُ

كبيرًا؛ الأمر الذي دفعه إلى تعلّم اللغة الصينية. وفي عام 1939، قرر أن يبدأ مشروعه بتقديم خاصة

وافية لتاريخ العلم والتقانة والطب في الصين. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، على وجه الخصوص في عام 1942، نجح نيدهام في الذهاب إلى الصين ومكث فيها ثاث سنوات، حقق خالها تقدمًا

ملحوظًا في التعرف إلى تاريخ العلم والتقانة في الصين؛ إذ تعرّف إلى العديد من الأماكن الأثرية

هناك، إضافة إلى تعرفه إلى العمر الزمني لبعض أشكال التقانة التي أبدعها الصينيون قديمًا، من خال

مراجعته للسجات التاريخية الصينية. ورغم هذا، كان يلح عليه سؤال دومًا، دفعه إلى التأريخ للفكر

العلمي في الصين: لماذا لم تحقق الصين، رغم التقدم التقاني الهائل، ورغم الاستعداد الذي تمتلكه لتحقيق هذه الثورة، والذي أخذ يعدده في مشروعه التأريخي الضخم للعلم والحضارة في الصين، الثورةَ العلمية التي حققتها أوروبا؟ ولماذا أخفقت الصين في الحفاظ على دورها القيادي في التقانة، في حين حققت أوروبا هذه الريادة منذ عام 1400 للمياد؟ ولماذا، أيضًا، أخفقت الصين في تطوير نظام رأسمالي صناعي رغم نجاحها في ما نطلق عليه "الاقتصاد قبل الحداثي"؟ في محاولة نيدهام الإجابة عن هذه الأسئلة نشر هو وزوجته أول كتاب عن تاريخ العلم في الصين في عام 1945 بعنوان العلم الصيني. وعندما عاد إلى بريطانيا في عام 1948 عكف، بكل طاقته، على استكمال مشروعه الخاص بكتابة المتعلق بتاريخ الفكر العلمي في الصين. عندما بدأ نيدهام مشروعه، لم يكن هناك أي عمل شامل عن تاريخ الفكر العلمي في الصين. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، نُشِرت عدة مقالات علمية عن تاريخ الأسلحة النارية في الصين، وكشفت هذه المقالات عن وجود مجموعة من العلماء والباحثين القادرين على التعامل مع الصعوبات التي تواجههم بشأن التأريخ للفكر العلمي في الصين، وكان نيدهام أحد أبرز هؤلاء العلماء. ولعل أهم

(16) Gregory Blue, "Joseph Needham—A Publication History," Chinese Science , no. 14 (1997), pp. 90–132, accessed on 4/4/2022, at: https://bit.ly/3sLxQfN (17) Davies, p. 69. (18) Robert Finally, "China, The West, and World History in Joseph Needham’s Science and Civilization in China," Journal of World History , vol. 11, no. 2 (2000), pp. 267, 265–303. (19) Brook Timothy, "The Sinology of Joseph Needham," Modern China , vol. 22, no. 3 (July, 1996), pp. 340–341, 348.

مجلد في هذا المشروع التأريخي الذي قدّمه هو المجلد الثاني من مشروعه الضخم وعنوانه: تاريخ الفكر العلمي History of Scientific Thought. فكيف كان منهجه في هذا المجلد عندما قارب الفكر العلمي في الصين؟

ثالثًا: منهج نيدهام في التأريخ للفكر العلمي في الصين

يسترشد نيدهام في افتتاحية المجلد الثاني من كتابتاريخ العلم والحضارة في الصين بمقولة الفيلسوف الإنكليزي المعروف برتراند راسلRussell Bertrand (1970–1872) التي أوردها كتابه: تاريخ الفلسفة الغربية A History of Western Philosophy (1945)، والتي يقول فيها: "أعتقد أنه إذا أردنا الشعور بوطن في هذا العالم، فلن يكون إلا في آسيا؛ إذ علينا الاعتراف أن ثمة تشابهًا في الأفكار

(بين الأفكار الآسيوية والغربية)، وخاصة في الثقافة وليس في السياسة، ولكن لا أعرف التغيرات التي ستحدث من جرّاء هذا، غير أنني مقتنع أنها ستكون تغيرات عميقة ومهمة". يقارب نيدهام في هذا المجلد الدور الذي أدّته الفلسفة الصينية في تطوير الفكر العلمي الصيني. يبدأ بنقد المؤرخين الغربيين الذين تجاهلوا التطور العلمي في الحضارات غير الغربية، خاصة في الحضارات السومرية والبابلية والمصرية، ويشرح كيف أن هذه الحضارات أثرت، تأثيرًا كبيرًا،

في نمو الفكر العلمي الإغريقي وليس هذا فحسب، بل يؤكد أن التطور العلمي في الغرب يدين بالكثير لثقافات وحضارات أخرى غير غربية، وخاصة تلك الإسهامات التي قدمتها آسيا، وبصفة خاصة الحضارة الصينية. غير أنه يذكر أن العلم الصيني القديم كان شبه تجريبي، بمعنى أنه كان قائمًا على الماحظة والخبرة العملية، وليس على المعرفة النظرية المجردة. وهذا الذي جعل

نيدهام يؤكد الاختافات الجذرية بين معنى الفلسفة في الصين والمعنى الذي اتخذته الفلسفة في أوروبا، ومرجع هذا الاختاف إلى أن الفلسفة الصينية فلسفة أخاقية اجتماعية في الأساس وليست ميتافيزيقية؛ الأمر الذي جعل نيدهام يزعم أن طبيعة هذه الفلسفة الصينية هي التي حالت دون أن

((2(كان للفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل تأثيره الكبير في منهج التأريخ الأيديولوجي الذي انتهجه نيدهام خال تأريخه

للفكر العلمي في الصين. فأثناء زيارة راسل للصين، وهي زيارة استغرقت تسعة أشهر، نشر كتابًا بعنوان مشكلة الصين، في عام

1922، قدّم فيه رؤيته الفلسفية عن الفكر الصيني والتعارض بين هذا الفكر والفكر الأوروبي الغربي الحديث. زار راسل الصين بعد

أن أصيب بخيبة أمل بسبب النظام الرأسمالي الغربي، من جراء ما خلفته الحرب العالمية الأولى، وكذلك بعد زيارته لاتحاد السوفياتي قبل عدة شهور من زيارته للصين، إذ وجد دولة شيوعية تتعامل مع المواطنين على أنهم عبيد. ورغم أنه وجد في الصين

بديلً جذابًا في مقابل الغرب الرأسمالي، فإنه في هذا الكتاب يدعو مرارًا وتكرارًا إلى ضرورة الأخذ بالعِلم الغربي، اعتقادًا منه أن

العقل الصيني لم يكن يومًا قادرًا على إنتاج علم أو معرفة علمية. ويرجع ذلك إلى سيادة التقاليد الصينية التي تحول دون إنتاج العلم،

وهي تقاليد تجعل من الصين، بحسب تعبيره، "أمة فنانة" لاعتقاده "أن الأمة الصينية تمتلك قيمًا وفضائل أخاقية جعلتها قادرة على

إنتاج فنون وصناعات، على عكس الحضارة الغربية التي تمتلك العقلية الاستدلالية التي ساعدت شعوبها في إنتاج علمٍ ومعرفة

علمية، إضافة إلى تمتع شعوب الحضارة الغربية بالنظم السياسية الديمقراطية التي رسخت قيم المساواة والحرية الفردية والتعليم، وهي قيمٌ تفتقر إليها الأمة الصينية، وهو ما جعل الحضارة الغربية قادرة على إنتاج العلم دون غيرها من الحضارات وخاصة الشرقية،

التي تميل في طريقة تفكيرها إلى الطريقة الحدسية. ينظر:

Bertrand Russel, The Problem of China (London: George Allen & Unwin LTD, 1922). p. 12. (21) Joseph Needham, History of Scientific Thought, vol. 2: Science and Civilization in China (Cambridge: Cambridge University Press, 1956), p. 2.

يؤسس العقل الصيني فكرًا علميًا تجريبيًا شبيهًا بالفكر العلمي التجريبي الأوروبي. صحيح أن الطاويين قدموا رؤية للطبيعة، غير أنها رؤية أخاقية وليست علمية؛ لكونهم بحثوا في الطبيعة البشرية، وتركوا الطبيعة المادية دون بحث أو تحليل، بوصفها مصدر كل الشرور. ويرجع نيدهام ذلك إلى عدم تطور الدراسات المنطقية في الصين قديمًا. حاولت المدرسة الطاوية التوفيق بين العلم والسحر من خال نظام معرفي صوفي، فكان هذا المزيج بمنزلة علم زائف كما يطلق عليه نيدهام. لم تستطع العقلية الصينية التخلص من هذا المزيج الامعقول بين العلم والسحر، مقارنةً بالعقلية الغربية التي استطاعت تحقيق الفصل القاطع بين العلم والسحر وأشكال الامعقول في القرن السابع عشر، عندما أسَّسَت معرفيًّا وتجريبيًّا للعلم الحديث. والسبب في عدم قدرة العقلية الصينية على إحداث هذا الفصل بين العلم والسحر هو اعتقادها أن ثمة قوة حيوية/ عضوية في الطبيعة، هي التي تحرك الأشياء نحو غاية معينة، وأن هذه القوة هي المسؤولة عن استمرار الحياة على وجه هذه الأرض. وهكذا اعتقدت المدرسة الطاوية وحدةَ الطبيعة، غير أن هذا الاعتقاد لم يكن علميًا، بل صوفيًّا. ورغم رؤية نيدهام أن المدرسة الطاوية قدّمت أفكارًا علمية شبيهة بالأفكار التي قدمتها العقلية العلمية الغربية، خاصة في فصلها بين العلم والأخاق، واعتبار العلم محايدًا من الناحية الأخاقية، وإدراك المدرسة الطاوية للعاقة السببية بين الظواهر في الطبيعة، وهو أساس العلم الحديث، فإن اعتقاد هذه المدرسة في البنية الحيوية العضوية للطبيعة، حال دون مساهمة العقلية الصينية في إنتاج العلم الحديث. صحيح أن المدرسة الطاوية قدمت شكلً من أشكال المعرفة التجريبية، لكنّها كانت معرفة تجريبية تطبيقية، أي

كانت تتعلق بالحِرفي الذي يجمع هذه المعرفة من الممارسة العملية لاستعانة بها على حرفته. وباختصار، لم تستطع المدرسة الطاوية تأسيس فلسفة طبيعية تتعامل مع الطبيعة وظواهرها بمنهج تجريبي خالص من أي عناصر تنتمي إلى السحر أو النظرة العضوية الغائية للأشياء، إضافة إلى اعتقادها أن ثمة أرواحًا تراقب سلوك الناس الأخاقي. يسرد نيدهام في هذا المجلد المدارس الفكرية الصينية المختلفة التي كان لها دورها في تكوين الفكر العلمي الصيني في الحقبة الكاسيكية، خاصة في القرنين الثالث والرابع المياديين. فهو يبدأ من

((2(الطاويون هم المؤمنون بالطاوية، وهي فلسفة أخاقية ترجع إلى مؤسسها طاو تي تشينغ Ching Te Tao في القرن السادس قبل المياد. تخاطب هذه الفلسفة الجانب الروحي في الإنسان من خال تأكيد حالة التوازن التي ينبغي أن تكون بين الإنسان

والطبيعة، ولا تتحقق هذه الحالة إلا إذا تحقق القانون الطبيعي الذي يعني، وفقًا للطاوية، الخميرة الفاعلة في الكون من داخله،

والنظام الضمني الذي يدفع صيرورة عمليات الطبيعة. ينظر: فراس السواح، لاو تسو التاو تي – تشينغ، إنجيل الحكمة التاوية في

الصين (دمشق: دار عاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة،.)1998

(23) Needham, p. 3. (24) Ibid., p. 346. (25) Ibid., p. 71. (26) Ibid., p. 165.

المدرسة الكونفوشيوسيةConfucianism التي كان لها تأثيرها الكبير في المدارس الفكرية الصينية الاحقة، غير أنها لم تقدم مساهمة تذكر في مجال الفكر العلمي. لم تكن الكونفوشيوسية علمية بالمعنى الذي تتخذه هذه الصفة في الفكر العلمي الغربي، وترجع عدم علميتها، من وجهة نظر نيدهام، إلى أنها فلسفة أخاقية، في الأساس، ولا تولي التحليلَ العلمي للطبيعة وظواهرها اهتمامًا يذكر؛ الأمر

الذي حال دون وجود فكر علمي صيني بالمعنى الغربي القابع في ذهنه. لذا، يؤكد في هذا المجلد، عند حديثه عن الكونفوشيوسية، أن العقلية الصينية كانت معارضة للمنطق العلمي وللفكر العقاني، وهو ما جعل هذه العقلية عاجزة عن تأسيس فلسفة في العلم، لكونها حوّلت اهتمامها من الطبيعة

وظواهرها وحقائقها إلى المجتمع البشري بحثًا عن التأصيل الأخاقي الاجتماعي. ورغم أن المدرسة الفكرية الطاوية قدّمت تأمات حول الطبيعة تشبه التأمات التي قدمها الفكر العلمي الإغريقي قبل أرسطو، فإنها لم تحقق، في زعم نيدهام، ما حققه الفكر العلمي الإغريقي من تقدّم على مستوى التنظير العلمي النظري المجرد، والسبب في ذلك، كما يرى، يكمن في المنطق Logic. فقد اهتمت العقلية الصينية القديمة بتأسيس منطق جدلي Logic Dialectical يبحث في العاقات بين الأشياء؛ أو بعبارة أخرى، لا يهتم هذا المنطق الجدلي بصورة الشيء بل بالعاقة القائمة بين الشيء والأشياء الأخرى من جهة، وعاقتنا نحن بهذا الشيء، وهذا ما يفسر سبب رَفْض العقلية الصينية المنطقَ الصوري؛ وذلك

لأنه لا يُعد أداة تفكير مائمة للتعامل مع الظواهر الطبيعية المتغيرة دومًا، في حين حققت العقلية

الإغريقية القديمة تقدمًا على المستوى النظري التجريدي حينما أسس أرسطو منطقًا صوريًّا يبحث عن

عاقة بين الفكر وصورته. وفي الوقت ذاته، يفرّغ كل فكر من أي محتوى مادي. وهكذا، يميز نيدهام بين

عقلية ملتصقة بالمادي يائمها منطق جدلي ديناميكي يفسر التغير المازم للظواهر الطبيعية، وهي العقلية الصينية، وبين عقلية تهتم بالتأسيس النظري الاستدلالي وهي العقلية الإغريقية القديمة، في محاولة لتأصيل الخط الفكري المتصل بين الفكر الإغريقي القديم والعلم الأوروبي الحديث. صحيح أن أوروبا العصر الحديث تجاوزت المنطق الأرسطي الصوري، وهو ما اعتبره الناقدون عائقًا من عوائق الفكر، وخاصة ما يتعلق منه بمنهج الاستدلال القياسي، وذلك في بدايات عصر النهضة الأوروبية. ورغم هذه القطيعة التي أحدثها الفكر العلمي الأوروبي الحديث مع هذا المنهج، فإن هذا المنطق أدّى دورًا مهمًّا في

تطور العلم الحديث، ولا سيما في الجانب الرياضي منه. قدّم نيدهام ضمن عنوان الأفكار الأساسية للعلم الصيني في مجلده الثاني من كتابتاريخ العلم والحضارة في الصين، سردًا لبعض الأفكار العلمية التي وُجدت في الحضارة الصينية القديمة، معتبرًا

إياها أفكارًا تلقي الضوء على إرهاصات فكر علمي صيني قديم، غير أن هذه الأفكار في أغلبها

((2(تنتمي الكونفوشيوسية إلى كنغ جنغني Zhangani Kong المعروف لدى الغرب ب كونفوشيوس Confucius، وهي الصفة

الاتينية للقبه الصيني الشهير كنغ فُزي Fuzi Kong. الكونفوشيوسية هي فلسفة تعني الطريق (داو) المؤدي إلى تحقيق التناغم في

المجتمع والعالم من خال تهذيب النفس وصقلها بالفضائل الأخاقية حتى يصل الفرد إلى الكمال. ينظر: جون كولر، الفلسفات

الآسيوية، ترجمة نصير فليح (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص 38–437.4

(28) Needham, pp. 12–15. (29) Ibid., p. 198.

تتعلق بالتقانة وواقع الحياة المعيشة؛ فقد عرف الطبيعيون الصينيون القدماء فكرة العناصر الطبيعية الخمسة التي تتكون منها الطبيعة (التراب والماء والنار والمعدن والخشب)، غير أن هذه المعرفة بتلك العناصر كانت معرفة تأملية ترتبط بالسحر أو بالخيمياء، إضافة إلى ارتباطها بالفنون العملية. ومن هنا، كانت العناصر المادية الخمسة التي قال بها الطبيعيون الصينيون عبارة عن عمليات وعاقات تعكس خصائص الأشياء المادية عندما تتدخل في عاقات مع أشياء أخرى، وعند تحولاتها من حالة إلى أخرى اعتمادًا على القوى الحيوية أو العضوية الكامنة فيها والمحركة لها، وهي القوى التي تجعل العاقات بين الأشياء تسير في مسارها الطبيعي، وهذا عكس الفكر العلمي الإغريقي الذي تعامل مع تلك العناصر باعتبارها عناصر مادية خالصة. فقد بحث هذا الفكر عن الأصل المادي للكون والمبادئ الطبيعية الأولى التي تمثل أصل كل الأشياء في الكون (الماء/ طاليس، المادة الانهائية (الأبيرون)/ أنكسماندرس، الهواء/ أنكسيمانس)، إضافة إلى تأكيد الفكر العلمي الإغريقي، خاصة مع ديمقريطس أن ثمة قوانين ميكانيكية حتمية هي التي تسبب حركة الأشياء في الطبيعة. صحيح أن نيدهام يصرح، في العديد من صفحات المجلد الثاني المخصص للفكر العلمي في الصين، بأوجه التشابه بين الفكر العلمي الصيني والفكر العلمي الإغريقي، وأنه يبحث عن أوجه تشابه بين الأفكار التي تطورت في الفكر العلمي الصيني ونظيرتها في الفكر العلمي الأوروبي الحديث (يستعين على سبيل المثال بفكرة الفيلسوف الألماني غوتفريد ليبنيتز Gottfried W. Leibniz) 1716–1646("الموناد"، وهي الفكرة التي كان لها تأثيرها في الفيزياء الحديثة، بوصفها فكرة تتشابه مع اعتقاد الفكر العلمي الصيني بالبنية العضوية الكامنة في طبيعة الأشياء والمسببة لحركتها)، وصحيح أنه يؤكد مرارًا

وتكرارًا، ارتباط الفكر العلمي الصيني القديم بالسحر والتصوف (نظرية العناصر الخمسة)، وأن العقلية

الأوروبية قدمت في تاريخها أفكارًا وممارسات منافية للعقل مثل التنجيم، إلا أن الفارق الرئيس هو أن

العلم الأوروبي الحديث استطاع تجاوز هذه الأفكار والممارسات منذ عصر الإصاح الديني والنهضة، وهو أمر فشل فيه العقل الصيني. وهكذا، ينتهي نيدهام إلى نتيجة هي أن الفكر العلمي الصيني القديم منه، وامتداداته الحديثة، لم يكن يملك المقومات النظرية المعرفية والمنهجية والاجتماعية السياسية التي تجعله يقدم علمًا أو فكرًا علميًا متقدمًا، مقارنة بما بلغه العلم الأوروبي الحديث، ولم يقدم علماء

أمثال غاليليو غاليلي Galileo Galilie (1642–1564)، ووليم هارفي William Harvey –1578(1657)، وإسحاق نيوتن Isaac Newton (1727–1642)، ولم تكن الحضارة الصينية قادرة على إنتاج علم طبيعي حديث، بل على العكس قدمت جدلً ميتافيزيقيًا عقيمًا، ثم إنّ ما قدمه الفكر العلمي

الصيني في مجال العلم أو الفلسفة الطبيعية كان ناتجًا من وصول اليسوعيين أو الجيزويت Jesuits

(30) Ibid., p. 216.

((3(طائفة دينية كاثوليكية رومانية قامت بحمات تبشيرية إلى الصين في القرن الثامن عشر، واستمرت هذه الحمات حتى أوائل القرن العشرين حتى عام 1911 على وجه التحديد؛ إذ قامت الثورة التي أطاحت الحكم الملكي الإمبراطوري وتأسيس الجمهورية الصينية. مارست طائفة اليسوعيين، أو الجزويت، العديد من النشاطات الدينية التبشيرية لنشر العقيدة المسيحية في الصين، إضافة إلى قيامها بدور في نشر مناهج تعليمية أوروبية في الصين. ينظر:

Diogo Ramada Curto, "The Jesuits in China: A New Perspective," Portuguese Studies , vol. 19 (2003), pp. 213–219.

في مطلع القرن السابع عشر إلى العاصمة الصينية، لمد يد العون إلى العلماء الصينيين من أجل وضع فلسفة طبيعية تجريبية. ويستدل نيدهام على هذه النتيجة التي توصل إليها، من خال مفهوم "القانون الطبيعي" Natural Law الذي ارتبط في الفكر العلمي الصيني بالأخاق الاجتماعية؛ أو بعبارة أخرى، ارتبط القانون الطبيعي بالتقاليد والأعراف الصينية القديمة التي لا يمكن مخالفتها، استنادًا إلى أنّ هذا القانون أزلي إلهي أخاقي على الجميع الخضوع والإذعان له، وإلا ناله عقابٌ شديدٌ. وهو الأمر

الذي حال دون أن يحقق الفكر العلمي الصيني أيَّ تقدم لارتباط القانون الطبيعي بالأخاق أو بما هو

اجتماعي، في حين حقق الفكر العلمي الأوروبي الحديث تقدمًا بفضل مفهوم للقانون الطبيعي يقطع

كل صلة بينه وبين التصورات الأخاقية والدينية، بحيث ساعد هذا التصور الجديد للقانون الطبيعي بدقته الرياضية على التحول إلى المجتمع المدني. إضافة إلى تأكيد هذا الفكر أن هذا القانون الطبيعي هو وضعي في الأساس. يزعم نيدهام في دراسة له بعنوان "العلم والمجتمع"، نشرها في عام 1964، "أنه عندما تشكلت لديه أول مرةً فكرةُ كتابة أطروحة منهجية وموضوعية عن تاريخ العلم والفكر العلمي والتقاني في الصين في عام 1938، كان اهتمامي منصبًا على سؤال هو: لماذا لم تنتج الصين العلم الحديث (كما نعرفه منذ زمن غاليلي

في القرن السابع عشر)؟ ولماذا لم يتطور العلم في الحضارة الصينية (أو الهندية)، مقارنةً بما حدث في أوروبا؟". وكانت الإجابة هي غياب الرأسمالية الصناعية والتجارية في الصين، وهي التي تمثل جوهر النظام المعرفي الغربي والشرط الضروري لظهور العلم بمعناه الحديث. ففي زعمه، تعتبر الرأسمالية عاملً مهمًّا لظهور الرياضيات العقانية، وهي الأساس الذي شيد عليه العلم الحديث بنيانه. وعلى الرغم من

الابتكارات التقانيّة المتميزة التي حدثت في الصين، فإنها لم تتطور نتيجة عجز النظام المعرفي النظري

الصيني عن إنتاج معرفة علمية؛ لكونه مستندًا إلى العرق، لا إلى الرياضيات التي شكلت بنية العقل الأوروبي الغربي ومنحته القدرة على الاستدلال العلمي بأشكاله المختلفة؛ ما جعل العلم الأوروبي الغربي الحديث علمًا عالميًا قادرًا على الانتشار والانتقال من المركز إلى الأطراف، ولكن كانت وسيلة الانتشار

عن طريق استعمار الباد، بحيث حدث تحالفٌ بين المؤسسات العلمية الأوروبية والمؤسسات السياسية، لتحديد نوع الممارسات العلمية المعترف بها والممارسات المرفوضة، بحجة تثقيف الباد المستَعمَرة

لتحقيق النضج الثقافي والعلمي، تمهيدًا لتأسيس تقاليد علمية وطنية مستقلة تستند إلى النموذج الإرشادي الغربي (ساعد بطبيعة الحال بعض الاتجاهات الفكرية في الباد المستَعمرة في نشر هذا التحالف من خال تخصيص دراسات تاريخية للعلوم، تزعم أن العلم نشأ وتطور بفضل مساهمات العقل العلمي الغربي، وأن نهضة الشعوب غير الغربية مرهونة باحتذاء النموذج الإرشادي العلمي الغربي).

(32) Needham, pp. 390–392. (33) Ibid., p. 543. (34) Joseph Needham, "Science and Society in East and West," Science & Society , vol. 28, no. 4 (Fall 1964), pp. 385–

(35) Kapil Raj, "Beyond Postcolonialism and Postpositivism: Circulation and the Global History of Science," Isis , vol. 104, no. 2 (June 2013), pp. 337–347.

ننتهي، إذًا، إلى أن مقاربة نيدهام للفكر العلمي الصيني أدّت دورًا رئيسًا في ترويج عدة مزاعم ساهمت بدورها في ترسيخ اعتقاد هو أن الفكر العلمي الصيني لم يتجاوز حدود الصين، بسبب البنى الاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي سيطرت على العقل الصيني قديمًا وحديثًا، فجعلته في حالة عزلة عن العالم. وقد ساعدت المدارس الفكرية الصينية المختلفة في هذه العزلة بسبب اعتقادها أنّ للكون نظامًا أخاقيًا ثابتًا، وأن الدراسة الائقة بالبشرية يجب أن يكون موضوعها الإنسان، لا التحليل العلمي للطبيعة (الكونفوشيوسية)، إضافة إلى أن النظر إلى المنهج العلمي باعتباره أداة تُعرقل البحث عن وحدة الطبيعة واكتشاف القوة الحيوية بداخلها، وهو ما جعل الفكر الصيني يربط بين العلم والسحر؛ ومن ثم لم تظهر بوادر فلسفة طبيعية في الفكر العلمي الصيني (الطاوية)، وهذا يفسر لماذا لم يكن هذا الفكر قادرًا على إحداث نهضة علمية أو ثورة علمية أو أن يكون مصدرًا من مصادر نشأة العلم الحديث لكونه يفتقر، بوجه عام، إلى إطار نظري رياضي يمكن الاعتماد عليه في عملية الاستدلال. يضاف إلى هذا أنّ غياب نظام رأسمالي كان سببًا رئيسًا في نشأة العلم الأوروبي الحديث وتطوره، ولما كانت

الصين شيوعية المذهب، فقد تعثر ازدهار العِلم الصيني.

((3(ساعد توبي هاف، عالم الاجتماع البولندي المولد، الأميركي الجنسية ومؤرخ العلوم، أيضًا، في ترسيخ هذه القراءة عندما طرح سؤاله الذي جعله محور كتاباته التأريخية، وهو: لماذا لم تحدث الثورة العلمية في حضارة أخرى غير الحضارة الغربية؟ يزعم هاف أن الحضارة المؤهلة لأنْ ينشأ العلم فيها، هي تلك الحضارة التي لديها تصور عقاني عن العالم، والوسائل التي تجعل الإنسان قادرًا

من خالها على إعمال عقله وإنتاج الفكر النظري القادر على التفسير، فضلً عن وجود المؤسسة العلمية القادرة على اتخاذ الإجراءات المنهجية المناسبة، مثل إتاحة الحرية للبحث العلمي حتى تتحقق المنفعة لبني البشر، وسنّ القوانين والتشريعات التي

تحقق هذه الغاية. ويزعم أنه على الرغم من أن الصين كانت أقرب الحضارات إلى إنجاب العلم الحديث، مقارنةً بغيرها، فإن هذا لم يحدث بسبب اهتمام الفكر العلمي الصيني بالجانب التقاني أكثر من اهتمامه بالجانب النظري. وبعبارة أخرى، لم يسعَ هذا الفكر

إلى وضع منهج لاكتشاف الخطأ، الذي هو من وجهة نظر هاف، المنهج المائم لإنتاج المعرفة العلمية/ النظرية. وهو منهج غاب عن الفكر العلمي الصيني (استند هاف إلى المنهجية التكذيبية التي قال بها كارل بوبر، تلك المنهجية التي تقول إن العلم يتقدم من خال البحث عن مكذبات النظرية)، إضافة إلى غياب الحرية على المستوى الاجتماعي الثقافي الذي حال دون وجود فضول فكري يوجه الفكر العلمي الصيني إلى التفكير في الطبيعة؛ الأمر الذي حال دون وجود فلسفة طبيعية على غرار الفلسفة التي نجدها عند الإغريق والأوروبيين في العصور الوسطى. ويذكر هاف أن القرن السابع عشر الأوروبي شهد ازدهارًا غير عادي لاكتشافات

والابتكارات، منها ابتكار غاليليو غاليلي للمجهر عام 1608، فقد كان هذا الابتكار السبب في وضع العلم الأوروبي الحديث ضمن الإطار العالمي. ورغم أن المجهر قد انتقل إلى الصين والهند المغولية والإمبراطورية العثمانية، فإن هذه الحضارات لم تستطع الاستجابة لهذا الابتكار الجديد كما فعل الأوروبيون. ففي أوروبا، كان هناك العديد من الابتكارات "غير العادية" نتيجة وجود هذا المجهر؛ منها علم التشريح البشري والبصريات والميكانيكا والدراسات الكهربائية، وكان هذا المجهر هو الذي ساعد في ظهور الثورة العلمية التي أحدثها نيوتن، والتي تكمن في هذا التركيب بين الفيزياء الأرضية والسماوية تحت قانون الجاذبية الكونية، وكان لهذا الإنجاز آثار هائلة في كل مظاهر العلم الحديث والتقانة والتنمية الاقتصادية. أما في المناطق الأخرى من العالم، وخاصة الصين، فقد أظهرت مقاومة للتقدم العلمي وعلى وجه الخصوص المجهر الغاليلي (نسبة إلى غاليلي)، الأمر الذي حال دون أن تحقق هذه المناطق تقدمًا، أو أن يظهر لديها العلم الحديث. ويتساءل هاف: هل يمكن أن تقدّم الكونفوشيوسية شيئًا ضروريًا

وجوهريًا في القرن الحادي والعشرين يكون أساسًا لاقتصاد ب  حدود أو ديمقراطية حديثة؟ إن أي شخص في هذا العالم الواسع،

فيما يزعم هاف، لا بد أن يصل إلى جواب عن هذه التساؤلات على نحو لا يدع مجالً للشك، وهو أن العديد من المظاهر الموجودة في النمو التقاني والاقتصادي غير العادية التي تبدو في القرن الحادي والعشرين كانت بفضل التقدم العلمي والتقاني في الغرب. ينظر:

Toby Huff, Intellectual Curiosity and the Scientific Revolution: A Global Perspectives (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), p. 10. (37) Timothy, pp. 342–343.

رابعًا: نقد منهج نيدهام في التأريخ للفكر العلمي في الصين

لم تكن إعادة النظر في سبل تقدّم العلم والمعرفة العلمية الناتجة منه، والدور الذي تؤديه العوامل الاجتماعية والأيديولوجية في عملية التقدم، من المواضيع المطروحة للمناقشة والتحليل في ظل هيمنة التقليد العقاني الوضعي الذي حدد الحقيقة العلمية في المعرفة الناتجة من الممارسات التجريبية الخالصة، وهي الممارسات التي لم نجدها إلا في تاريخ العقل الغربي وحده دون غيره؛ الأمر الذي جعل هذا التقليد يزعم أن المعرفة الناتجة من الممارسات غير الغربية تتصف بالامعقول والاعلمية. فقد زعم هذا التقليد أنّ ثمة اختافًا كبيرًا بين النظم المعرفية الغربية ونظيرتها الشرقية. فالنظم المعرفية

الشرقية نُظمٌ حدسية بطبيعتها يصعب عليها إنتاج علم، أو معرفة علمية، أو ربما يستحيل ذلك. ويرجع

ذلك إلى أن النظم المعرفية الحدسية لا تقوى على استخدام المنطق والاستدلال العقاني أثناء عملية بناء المعرفة، وخاصة العلمية منها؛ الأمر الذي يجعلها عاجزة عن تكوين عاقات سببية لافتقار هذه النظم المعرفية إلى القدرة على ممارسة التجريب. ومن ثم، شيّد هذا التقليد العقاني الوضعي معرفةً

تاريخيةً تدور حول مركز هو النظام المعرفي الغربي الذي يُعتبر، بالنسبة إليه، أكمل أشكال العقانية

وأنضجها، إضافة إلى وضعه منهجية في التأريخ للعلوم تعتمد على تهميش تاريخ الآخر غير الغربي وتشويهه، من خال تأكيد فكرة "المعجزة" التي أحدثتها أوروبا في مجالات المعرفة المختلفة، وخاصة في العلم. لقد تحققت هذه المعجزة بفضل صفات فريدة يتميز بها الأوروبيون دون سواهم، حتى إنّ بعضهم يؤكد أن ما يتحلى به الغرب ويفتقر إليه الآخرون كان الحافز على التقدم من جهة، ونشر هذا التقدم إلى خارج أوروبا حيث بقية العالم من جهة أخرى؛ إذ كان عبء هذا النشر هو الرسالة الحضارية التي تكفل بحملها نيابة عن الشعوب والحضارات الأخرى، الرجل الغربي الأبيض. تعمد التقليد العقاني الوضعي تهميش تاريخ آسيا وما حققته شعوب هذه القارة من تقدّم علمي انعكس على الاقتصاد، كما يوضح ذلك أندريه غوندر فرانك Frank Gunder Andre (2005–1929)، عالم الاجتماع والمؤرخ الاقتصادي الألماني الأميركي الجنسية، في كتابهالشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي؛ فهو يحاجُّ بأن النزعة المركزية الأوروبية قدّمت الدعم للمؤرخين لكتابة

تواريخ قومية تكون بمنزلة مؤازرة أيديولوجية للدول القومية الأوروبية والأميركية من جهة، وخادمة للمصالح الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية لطبقاتهم الحاكمة من جهة أخرى. وهذا أدّى إلى

((3(من الكتابات العربية التي تناولت فكرة المركزية الأوروبية بالتحليل والتفكيك محاولة عبد الله إبراهيم الذي قدّم حيثيات هذه

الفكرة وإشكالياتها المتعددة. فقد سعت نخبة من المثقفين الغربيين إلى التأسيس المعرفي لهذه المركزية من خال التأصيل لمفهوم

"النقاء" و"الأصل"، فضلً عن "الكونية" التي يتصف بها الفكر الغربي؛ لكونه، بحسب ذلك الزعم، فكرًا واحدًا يملك مقومات

استمراره وإعادة إنتاج ماضيه (الإغريقي القديم). وقد بينت هذه المقاربة كيفية مساهمة العلماء والفاسفة في تأسيس الأطر الفلسفية والعلمية لهذه الفكرة، من أمثال فرنسيس بيكون Bacon Francis (1626–1561)، ورينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)، وجون لوك Locke John (1704–1632)، وديفيد هيوم Hume David (1776–1711)، وجورج بيركلي Berkeley George –1685(

1753)، وفريدريش هيغل Hegel Friedrich (1770–1831)، وغيرهم. ينظر: عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص 11 وما بعدها. (3((أندريه غوندر فرانك، الشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي، ترجمة شوقي جال (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.43

أن الشعوب الأخرى، مثل الأفارقة واليابانيين وشعوب جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، لا ذكر لهم على الإطاق بوصفهم مساهمين، أو حتى مشاركين في التاريخ، بل حتى لو جرى ذكرهم؛ فهم ليسوا أكثر من بدوٍ برابرة، يخرجون بين الحين والآخر نازحين من وسط آسيا لشن الحروب ضد الشعوب المستقرة والمتحضرة. ثمة أفكار توجه تأويل المؤرخ، بحيث تجعله يشوّه التاريخ عمدًا، أو بعبارة أخرى يتوجه المؤرخ

بفرضيات وحيثيات وأحكام مسبقة نحو الأفكار التي يؤرخ لها، من أجل إعادة بنائها وفقًا لتلك الفرضيات والحيثيات والأحكام، انتصارًا للسلطة المعرفية أو السياسية الأيديولوجية التي توجهه، أو

للنظام المعرفي المكوِّن لهذه الفرضيات والحيثيات والأحكام؛ الأمر الذي يجعل المؤرخ المؤدلج

يشوّه هذه الأفكار والممارسات. لقد أكد منهج نيدهام الكولونيالي في التأريخ للفكر العلمي في الصين ثنائيةَ "حديث – قديم" المتغلغلة في التقليد الوضعي العقاني الغربي، وهي ثنائية بين نوعين من التقدم: تقدّم يجري بالعودة إلى العصور الإغريقية الرومانية القديمة بحثًا عن الأصول، وتقدّم آخر يبتعد عن هذا المصدر/ الأصل ليسير في اتجاه خطي نحو الحداثة، إضافة إلى توظيف هذه الثنائية للقطيعة مع الماضي غير الغربي، والتنظير لتخطّيه وتجاوزه وتهميشه وطمس مامحه. وقد تعامل نيدهام مع تاريخ الفكر العلمي في الصين باعتباره تاريخًا مغايرًا للثقافة التي ينتمي إليها. بعبارة أخرى، كان الإرث الثقافي الغربي طاغيًا

عليه وهو يؤرخ لهذا الفكر؛ الأمر الذي جعله منحازًا إلى هذا الإرث. فرغم أنه ينتمي فكريًا إلى

المدرسة الماركسية الكاسيكية، فإنه تخلى عن أفكار هذه المدرسة عندما قارب الفكر العلمي القديم في الصين. ويرجع السبب في تخليه عن أفكار هذه المدرسة أنه لم يجد إجابات وجيهة عن السؤال الرئيس الذي طرحه في مشروعه التأريخي الكبير، أعني: لماذا لم يظهر العلم الحديث في الصين رغم التطورات العلمية والتقانيّة الملحوظة هناك، وتحقق هذا الظهور في أوروبا؟ بعبارة أخرى، لم تكن

إجابة المدرسة الماركسية الكاسيكية تتوافق مع المرجعية الكولونيالية الغربية الحاضرة بقوة في منهجه التأريخي الكولونيالي. وفقًا لنيدهام، إن العقانية منهجًا وثقافةً وأسلوبَ حياة هي التي شكّلت بنية الثقافة الأوروبية القديمة

والحديثة على حد سواء، واستطاعت إنتاج فكر علمي دقيق أصبح هاديًا للعالم المتطلع إلى التقدم

العلمي والعقانية العلميين * ولكن هل استطاع نيدهام أن يرد الاعتبار إلى تاريخ الفكر العلمي في الصين أثناء تأريخه له أم ظل حبيسًا للنزعة الأوروبية الغربية التي تحكم على هذا الفكر بأنه تقليدي؟ سعى المنهج الكولونيالي إلى تجنيس الفكر العلمي بالجنسية الغربية، تمهيدًا لتهميش كل فكر

علمي غير غربي، وذلك لسيطرة منطق أيديولوجي على هذا المنهج الإقصائي بتأكيده على سِمتَي

(4((المرجع نفسه، ص.44

(41) Gregory Blue, "Joseph Needham, Heterodox Marxism and the Social Background to Chinese Science Science & Society," Guilford Press , vol. 62, no. 2 (Summer 1998), pp. 195–217.

العلمية والموضوعية اللتين تميزان الفكر العلمي الغربي دون غيره؛ الأمر الذي يجعله جديرًا دومًا

بالثقة والاتباع. ولهذا، نجد بعض المؤرخين المناهضين لمنهج التأريخ الكولونيالي، أو فلنقل للمركزية الأوروبية الغربية، يقدمون قراءات تأريخية جديدة تتجاوز هذا المنهج؛ منها على سبيل المثال قراءة فرانك. لقد افتتح فرانك بكتاباته قراءة تأريخية جديدة تتجاوز منهج نيدهام التأريخي الكولونيالي؛ إذ تعيد هذه القراءة للفكر العلمي في الشرق، بوجه عام، مكانته وإسهاماته في نهضة أوروبا ذاتها. فقد أوضح فرانك أن الثورة الصناعية في أوروبا لم تكن وليدة التطور العلمي الذي حدث في القرن السابع عشر، بل إنها لم تبدأ هذه المرحلة التي ارتبط فيها الفكر العلمي بالتقانة إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأوضح كذلك أن الأسطورة المزعومة التي تصر عليها المركزية الأوروبية، والتي تقول إن التقدم العلمي في العصر الحديث هو الذي أحدث هذه الثورة العلمية الصناعية بدايةً من القرن السابع عشر،

لم تكن بفضل العلم وتقدمه في أوروبا، بل بفضل مجموعة من الصنّاع أو الحِرفيين؛ الأمر الذي يؤكد أن النظريات العلمية لم تكن ذات أهمية من حيث عاقتها بالإبداع التقني، إلا بعد فترة طويلة من القرن التاسع عشر، إضافة إلى أن الفضل في تقدّم العلم الحديث راجع إلى إسهامات التقانة أكثر من العلم ذاته. يطرح فرانك عدة تساؤلات تمثّل نقدًا لمنهج التأريخ الكولونيالي، منها ما يلي: هل كان العلم والتقانة أكثر تقدمًا في أوروبا مقارنةً بما كان في آسيا؟ وإلى متى؟ وهل كانت الثقافة آنذاك، بعد استيراد البوصلة

والبارود والطباعة وغيرها من الصين، متطورة على نحو أصيل وطبيعي كامل داخل أوروبا، ولم تعد كذلك في الصين أو في أي بلد آسيوي آخر؟ وهل كان اتجاه انتشار التقانة بعد عام 1500 من أوروبا إلى آسيا؟ ثمّ أكان التطور التقاني عملية محلية وإقليمية داخل أوروبا أو الصين فقط، أم كان "عملية

كوكبية" تحفزها القوى الاقتصادية العالمية بحسب ما تؤثر محليًا؟ إنّ ذلك يؤكد التأثير التقاني الذي حققته الصين في نشأة العلم الحديث وتطوره من خال التقانة التي حققت الصين فيها تقدمًا كبيرًا. وهو ما يرفضه نيدهام رفضًا قاطعًا عندما يزعم أن العلم الغربي الحديث

حقق نجاحًا ليس لكونه متفردًا من حيث إنه غربي فحسب، بل لوجود عوامل ثقافية ساعدت في تبني

العالم لهذا العلم. ومنها على سبيل المثال، النظام الرأسمالي العقاني، إضافة إلى وجود عوامل ثقافية واجتماعية أخرى. ويرجع أي تطور تقاني، وفقًا لفرانك، إلى استجابة عقانية من المجتمع العلمي المحلي والعالمي الذي يستشعر الحاجة الاقتصادية والاجتماعية إلى إنتاج التقانة؛ ومن ثم ينتفي الزعم أن التقانة لها خصوصيتها الإقليمية والقومية والمحلية والفكرية الثقافية. لقد حققت الصين تقدمًا تقانيًا هائلً في الفترة 1800–1400، وهو التقدم الذي استفادت منه أوروبا الغربية خال الاتصال

(4((فرانك، ص.287–286 (4((المرجع نفسه، ص.281

(44) Timothy, p. 495.

التجاري الاقتصادي الثقافي بين الشرق والغرب عبر الأندلس. وهذا بدوره يقوض الزعم القائل إن تطور العلم في أوروبا كان ناتجًا من صعود النظام الرأسمالي. وفي هذا السياق يقول فرانك إنّ أوروبا

لم تنهض ولم ترتقِ بنفسها بفضل طاقتها الاقتصادية الذاتية، وإنها لم تحقق نهضتها وارتقاءها بفضل أي نوع من التفرد الأوروبي من حيث العقلية، أو المؤسسات، أو نظم المشروعات، أو التقانة، أو العبقرية، أو في كلمة واحدة، بفضل العرق المميز، ولا حتى بسبب مشاركتها الاقتصاد الأطلسي في حد ذاته، واستخدامها إيّاه، ولا بسبب استغالها المباشر لمستعمراتها في أميركا والكاريبي أيضًا، أو اتجارها في

العبيد المجلوبين من أفريقيا، بل إنها نهضت عندما تسلقت على ظهر آسيا؛ عندما كانت هذه الأخيرة مسيطرة على الاقتصاد العالمي. فلم يكن لأوروبا في الحقبة الحديثة شأن اقتصادي متميز، ولم تكن تمثل مركز العالم اقتصاديًا، بل يمكن القول إن أوروبا لم يكن لها الغلبة والسيادة في الاقتصاد العالمي

قبل عام 1800، وإنما كان ذلك لآسيا. وإذا كان هناك لأي اقتصاد موقع ودور مركزي في الاقتصاد العالمي، وفي التراتبية المحتملة للمراكز، فهو اقتصاد الصين. ولهذا، يوجه فرانك نقده لنيدهام الذي أخذ نقطة البداية في منهجه التأريخي للفكر العلمي في الصين عن كارل ماركس Marx Karl (1883–1818)، وماكس فيبر Weber Max (1920–1864)، وهي أن أوروبا تنفرد بالعلم والتقانة. وعلى الرغم من أن نيدهام وجد المزيد من الشواهد والبيانات عن العلم والتقانة في الصين، وأنه ناضل لكي يحرر نفسه من خطيئته الأولى التي تمثلها النظرة المركزية الأوروبية، فإنه لم ينجح تمامًا؛ وذلك لأنه

ظل أسيرًا لنظرة مركزية عرقية. يبرهن فرانك على شكوكه إزاء فرضية التفوق الأوروبي بتأكيده أن التقانة الصينية أدّت دورًا مهمًّا في

النهضة العلمية الأوروبية، من خال انتشارها الواسع حول العالم، وخاصة أوروبا التي نقلت الكثير من التقانة إليها، عن طريق سرقة بعض البنود التي تحتوي على التقانة وتقليدها وماءمتها، وأيضًا عن طريق نقل العمليات الإنتاجية وتنظيمها، وعن طريق العزل الطوعي أو القسري (العبودية)، وتشغيل حرفيين مهرة، ومهندسين وماحين بحريين، وعن طريق النشر والتجسس في مجال الصناعة، إضافة إلى أن حاجة المجتمع الأوروبي الناشئ إلى التقانة من أجل بناء اقتصاد قوي في ظل التبادل التجاري الاقتصادي العالمي (بمفهومه السائد في بداية العصر الحديث) جعل أوروبا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التقانة الصينية؛ الأمر الذي يقوض فرضية التفوق الأوروبي العلمي والتقاني. يوجه الأنثروبولوجي الإنكليزي جاك غودي، أيضًا، نقدًا لمنهج نيدهام في التأريخ للفكر العلمي في الصين، من خال إثارة ما أطلق عليه "مشكلة نيدهام" Problem Needham، أو "معضلة نيدهام" Paradox Needham، وهي تتلخص في أن نيدهام قضى خمسين عامًا يوثق نمو العِلم الصيني في

(4((فرانك، ص.45

(46) Ricardo Duchesne, "Between Sinocentrism and Eurocentrism: Debating Andre Gunder Frank’s Re–Orient: Global Economy in the Asian Age," Science & Society , vol. 65, no. 4 (Winter 2001/2002), p. 429.

(4((فرانك، ص.28 (4((المرجع نفسه، ص.302

دراسات ذات أبعاد ملحمية، ومع ذلك ينتهي إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من التقدم الذي أحدثه الصين، فإنّ الغرب، لا الشرق (الصين)، كان هو الذي صنع اختراقًا نحو العلم الحديث. ويضيف غودي أن ثمة حملة تأريخية منظمة خاصة بالثورة الصناعية في أوروبا، كان هدفها تشويه الفكر العلمي في الصين واعتبارها متخلفة واستبدادية وثابتة لا تتغير، على الرغم من أن البعثات التبشيرية، من الجزويت إلى الصين، قد روت في تقاريرها روايات تستحسن فيها الكثير من مؤسساتها وأيديولوجياتها ومواقفها وفكرها العلمي. ووفقًا لغودي، كان الهدف الرئيس لمنهج التأريخ للفكر العلمي في الصين عند نيدهام هو إعادة دمج العلم الصيني في تاريخ العالم. ومع ذلك، فإنه عندما كان يناقش تقدّم العلم الغربي في القرون الحديثة، كان يرتد راجعًا إلى الأفكار المقبولة عن تفرد عصر النهضة وصعود البرجوازية والحداثة والرأسمالية والعلم الحديث. وإذا كانت النهضة تعني الولادة الجديدة والإحياء واقتصار هذه الدلالات على أوروبا الغربية وحدها، فهو زعم عارٍ تمامًا من الصحة،

وخاصة إذا اعتبرنا أن الولادة الجديدة والإحياء "ليست ظاهرة فريدة في حد ذاتها [...] ففي أي ثقافة مكتوبة، تكون هناك إمكانية العودة إلى أطوار سابقة من التاريخ، وإمكانية امتاك إحياء ثقافي [...] الولادة الجديدة هي إمكانية موجودة دومًا [...] وعصر النهضة الأوروبي لم يكن فريدًا على النحو

الذي يُفترض في الغالب". وإذا كان نيدهام قد اعتبر أن أخص خاصيتين هما اللتان جعلتا العلم الحديث الأوروبي يتفرد عن غيره من المحاولات الساعية لبلوغ فكر علمي دقيق هما الرياضيات والتجريب، فإنه – بالنظر إلى تاريخ العلم – سيكون من الواضح أن ما يدعيه العلم الحديث بوصفه تطورًا غربيًا محضًا، كان نتيجة التأثير

الشرقي (الهندي والصيني) الذي وضع قاعدة رقمية استخدمها العلم الحديث في حساباته، إضافة إلى أن التجريب كان واسع النطاق في الشرق. ومن ثم، فإن العلم لم يظهر في أول ظهور له في التاريخ في أوروبا الغربية وحدها، وخاصة في عصر النهضة، وذلك لسبب بسيط؛ هو أنه كان موجودًا في أماكن أخرى منذ عهد بعيد، وأن الاختافات التي ينشغل بها نيدهام، بين العلم البدائي والعلم الحديث، قد نتجت عادة من اعتبار التطورات التي حدثت في عصر النهضة هي أوج إنجاز أحدثه الفكر العلمي الأوروبي الغربي الحديث. أراد نيدهام من خال منهجه التأريخي للفكر العلمي في الصين، إحداث قطيعة مع الماضي لكي يثبت حداثة الفكر العلمي الأوروبي أو التأريخ لما هو حديث، وهو الأمر الذي يتطلب التأريخ لما قبل الحديث باعتباره نشازًا أو شذوذًا عن الفكر العلمي الحقيقي، أو لا يتوافق مع الحديث، ولكن يظل التأريخ له ضروريًا؛ لكونه هو الذي يعطي الشرعية للحديث وقيمته. ووفقًا لغودي، لم يستطع نيدهام

أن يدرك هذه الحقيقة التاريخية التي تقول: "حين انعزلت أوروبا إلى حد بعيد عن جيرانها الشرقيين في

4(((جاك جودي، سرقة التاريخ، ترجمة محمد محمود التوبة (الرياض: مكتبة العبيكان، 2010)، ص.198 ((5(المرجع نفسه، ص.200 ((5(المرجع نفسه، ص.202

مطالع العصور الوسطى، انكفأت على نفسها وعلى ثقافتها التي كانت ثقافة دينية على نحو مهين، ومع توسع التجارة والاتصالات مع بقية العالم، وخصوصًا مع أوروبا الإسامية والشرق الأدنى الإسامي،

أدركت أوروبا تخلفها في مسائل التجارة، والمعرفة، والاختراع"، فخرجت تبحث عن المعرفة والاختراعات خارج أوروبا، في الشرق وخاصة الصين، ولكن كانت السرعة التي استعادت بها أوروبا المعرفة والتقانة من الصين هي التي جعلتها بعد ذلك تؤرخ لنفسها انطاقًا من وصف الشرق بالتخلف، لكي تنفض عن نفسها، كما يقول غودي، "الإحساس بالدونية" تجاه الشرق. إن منهج التأريخ الكولونيالي عند نيدهام يعاني، من وجهة نظر غودي، تركيزًا غير مبرر على أوروبا،

بعد عصر النهضة الذي حدثت فيه تطورات في العلم والتقانة، إضافة إلى حقول أخرى، ولكن حين توضع هذه التطورات بوصفها "حديثة"، في مقابل كل الصيغ الأخرى (السلبية بطبيعة الحال)، تُطرَح

"مشكلة نيدهام" بطريقة قاطعة؛ لأنها تخفق في ترك متسع للتطورات الاحقة في الاقتصاد والكيانات السياسية والإنجازات العلمية للشرق. ومن ثم، كانت طريقة التأريخ الموضوعية تتطلب وضع كل شبكة تستوعب كل التطورات والتقاطعات بين الحضارات وخاصة في الفكر العلمي والتقانة. وحينئذ، ستتاشى مشكلة عامة المؤرخين الأوروبيين المعاصرين الذين ينظرون إلى الوراء، أو إلى مكان آخر باحثين عن المختلف الذي يبدو منحرفًا عن النموذج "البرَدايم" الذي يصير هو وحده المعيار. يقول

غودي ناقلً عن فيرناديز أرميسكو Irimescu Fernández: "على الرغم من الامتداد الطويل لبعض الإمبراطوريات الغربية، كانت إمبراطورية الصين، بكل معيار تقريبًا، أسرع إمبراطورية نموًّا في العالم.

وبدت كذلك مثل وطن 'أحدث' على نحو أكبر من غيره [...].. مجتمعًا أفضل تعليمًا فيه أكثر من

مليون من المتعلمين، ومجتمعًا أكثر استثمارًا في المشاريع فيه أعمالٌ تجارية أكبر، وتجمعات من رأس

المال التجاري والصناعي أكبر من نظائرها في أي مكان آخر، ومجتمعًا أكثر تصنيعًا فيه مستوياتٌ أعلى

من الإنتاج في تركيزات أكثر مكننة وتخصصًا، ومجتمعًا أكثر تحضرًا فيه توزيعٌ كثيف للسكان في معظم

المناطق، بل هو، بالنسبة إلى أدوار البالغين، مجتمعٌ أكثرُ اتصافًا بالمساواة".

خاتمة

حاول الخطاب الكولونيالي إضفاء صفة العالَمية على العلم الأوروبي الحديث، من خال التأسيس المعرفي لمنهج التأريخ المسمى "التخيل التاريخي"Imagination Historical، وهو آلية داعمة لفرضيات معدة مسبقًا، يجري وفقًا لها تزويرُ تاريخٍ ما عمدًا، بحيث يمزج المؤرخ الكولونيالي الخيال

بالحقيقة، من خال إعادة تأويل تاريخ الآخر، وحَبْك الأحداث، وتوليفها؛ من أجل إضفاء الشرعية

((5(المرجع نفسه، ص.229 ((5(المرجع نفسه، ص.228 ((5(المرجع نفسه، ص.236 ((5(المرجع نفسه، ص.161 (5((عبد الله إبراهيم، التخيل التاريخي: السرد، والإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011) ص.10

على قراءته التأريخية الكولونيالية؛ وتأسيس وعيٍ مغاير بتاريخ المستَعمر أو التابع وتأصيل الاختاف.

وهكذا، روّج الخطاب الكولونيالي أن التاريخ الوحيد الذي يعكس تقدّم العقل العلمي هو تاريخ الفكر

العلمي الغربي دون سواه، وأن كل مشروع تحديثي يسعى إلى توطين الفكر العلمي في مجتمعه ينبغي له أن يحتذي مسار تطور هذا العقل وتقدمه في التاريخ، وأن كل مجتمع لا يحتذي هذا الفكر سيكون خارج التاريخ، أو مثالً للبدائية والتخلف والاعلمية. لم يستطع منهج التأريخ الكولونيالي عند نيدهام تقديم قراءة موضوعية عن تاريخ الفكر العلمي في

الصين، فقد اعتمد على مفهومٍ للعلم محددٍ مسبقًا، وفقًا للمحدِّدات الغربية التي تجعل المعرفة العلمية، وممارستها، والنتائج المستخلصة منها، قائمةً على الاختبار التجريبي Test Experimental، والرياضيات الإقليدية Mathematics Euclidean، ومرجعية المنطق الوضعي، وهو الأمر الذي يجعل المؤرخ يتجاهل الإنجازات التقانيّة لحضارات بابل وآشور ومصر والصين والهند القديمة؛ لأنّ هذه

الإنجازات، وفقًا لهذا المفهوم الوضعي العقاني الغربي، تفتقر إلى المعايير والعناصر الأساسية للعلم بالنظر إلى المحدِّدات الغربية؛ ما يجعل القارئ لهذا التاريخ المتخيل يعتقد أن الإغريق القدماء هم الذين اخترعوا العلوم الطبيعية كما نعرفها اليوم لأنهم وضعوا الأسس والعناصر النظرية، إضافة إلى النظم المعرفية والقوانين الموحدة والمجردة التي من خالها يمكن تفسير أحداث الطبيعة والتحكم في متغيراتها، استنادًا إلى منهج الماحظة والاستنباط والتعميم، ووفقًا لمبادئ منطقية محددة؛ هي الهوية، وعدم التناقض، والاختبار التجريبي. إن قراءة المنهج التأريخي الكولونيالي من شأنها أن تعيد النظر في الأفكار التي شكلت المرجعيات المعرفية الأيديولوجية للمركزية الأوروبية الغربية، ويفتح مجال إعادة الاعتبار لتاريخ الفكر العلمي، خاصة في الصين. ثمّ إنّ محاولة هذا المنهج إيجاد عاقة بين العلم الحديث، وتطور الرأسمالية المرتبطة بدورها

بتصورٍ محدد بشأن العقانية، هي محاولة غير منصفة؛ لكونها تكشف كيفية توظيف المؤسسة السياسية بالتعاون مع المؤسسة العلمية الرسمية الغربية، المعرفة العلمية، لخدمة تطلعات السلطة السياسية التي فرضت شكلً من أشكال العقانية بالقوة (الاستعمار) على ثقافات غير غربية، وذلك بتأكيد أصالة هذه المعرفة ونقائها عبر السنين، وهو أمرٌ يوحي إلى المؤرخين أن العلم الحديث علمٌ أوروبي موحد، له هويته

الأوروبية الخاصة والخالصة، إضافة إلى تشديد هذه العقانية على فكرة أن العلم الأوروبي الحديث يحمل مقومات انتشاره في جميع أنحاء العالم لكونه يخاطب البشرية جمعاء. إنّ من شأن تأكيد التعددية الثقافية والمعرفية إبراز الدور الذي أدّته الثقافات والحضارات غير الغربية، وخاصة الصينية منها، في تاريخ العلوم، انطاقًا من فرضية أن العلم ظاهرة إنسانية، تشارك في إنتاجه الشعوب المختلفة التي حملت فكرًا وثقافة وعلومًا عبر التاريخ. فالفرضيات والممارسات العلمية

ليست فطرية، ثم إنها لا تخص عرقًا دون آخر، بل إن عملية إنتاج المعرفة العلمية وممارستها عملية معقدة يتشارك في بنائها معارف بينية، أو معارف عابرة للتخصصات الضيقة؛ ومن ثم فإن تطور العلم والمعرفة العلمية الناتجة منه، يعتبر نتاجًا لتفاعل بين ثقافات ومجتمعات متجانسة وغير متجانسة، وهو

ما حدث عندما تفاعل الغرب مع الشرق من خال التجارة واستيراد المعرفة والتقانة. إن إعادة التأريخ

للفكر العلمي من خال البحث عن الأصول غير الغربية المكونة للعلم الحديث، يؤكد أن المعرفة العلمية حركة لها أبعادها النظرية والعملية والأخاقية والاجتماعية والسياسية، اجتمعت معًا لتعكس قصة العلم الحقيقية التي تفاعل في داخلها كل هذه الأبعاد السابقة الذكر.

References

المراجع

العربية

إبراهيم، عبد الله. التخيل التاريخي: السرد، والإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011 _______. المركزية الغربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.2010. أشكروفيت، بيل، وجاريث جريفيث وهلين تيفين. دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية. ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 الأيديولوجيا. سبيا، محمد وعبد السام بنعبد العالي (إعداد وترجمة).سلسلة دفاتر فلسفية. نصوص مختارة 8. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2006 حاق، وائل. قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي. ترجمة عمرو عثمان. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2019 سعيد، إدوارد. الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع.

السواح، فراس. لاو تسو التاو تي – تشينغ. إنجيل الحكمة التاوية في الصين. دمشق: دار عاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة،.1998 شاكرابارتي، ديبيش. "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي". ترجمة ثائر ديب. أسطور العدد 3 (كانون الثاني/ يناير.)2016 عثمان، عمرو. "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خال تاريخ الأشياء". أسطور. العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2015). غودي، جاك. سرقة التاريخ. ترجمة محمد محمود التوبة. الرياض: مكتبة العبيكان،.2010 فرانك، أندريه جوندر. الشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي. ترجمة شوقي جال. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2000 فيبر، ماكس. الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد على مقلد. بيروت: مركز الإنماء العربي،.1990 قطب، خالد. أنسنة العلم: مقال جديد في العقلانية العلمية. القاهرة: دار نيو بوك للنشر والتوزيع،

كولر، جون. الفلسفات الآسيوية. ترجمة نصير فليح. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.2013. ميلز، سارة. نظرية الخطاب الكولونيالي وما بعد الكولونيالي. ترجمة ألكسندر غريب. مجلة العرب والفكر العالمي. مركز الإنماء القومي. العددان 34–33 (شتاء 2015). يانج، روبرت. أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب. ترجمة أحمد محمود. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003

الأجنبية

Blue, Gregory, "Joseph Needham, Heterodox Marxism and the Social Background to Chinese Science Science & Society." Guilford Press. vol. 62, no. 2 (Summer 1998). _____. "Joseph Needham: A Publication History." Chinese Science. no. 14 (1997). Curto, Diogo Ramada. "The Jesuits in China: A New Perspective." Portuguese Studies. vol. 19 (2003). Duchesne, Ricardo. "Between Sinocentrism and Eurocentrism: Debating Andre Gunder Frank’s Re–Orient: Global Economy in the Asian Age." Science & Society. vol. 65, no. 4 (Winter 2001/2002). Guha, Ranajit & Gajatri C. Spivak, Selected Subaltern Studies. Delhi: Oxford University Press,1988. Huff, Toby. Intellectual Curiosity and the Scientific Revolution: A Global Perspectives. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Davies. "Joseph Needham (1900–95)." The British Journal for the History of Science. vol. 30, no. 1 (March 1997). Multhauf, Robert. "Joseph Needham (1900–1995)." Technology and Culture. vol. 37, no. 4 (1996). Needham, Joseph. "Science and Society in East and West." Science & Society. vol. 28, no. 4 (Fall 1964). ________. History of Scientific Thought, vol. 2: Science and Civilization in China. Cambridge: Cambridge University Press, 1956. Raj, Kapil. "Beyond Postcolonialism and Postpositivism: Circulation and the Global History of Science." Isis. vol. 104, no. 2 (June 2013). Robert, Finally. "China, The West, and World History in Joseph Needham’s Science and Civilization in China." Journal of World History. vol. 11, no. 2 (2000). Russel, Bertrand. The Problem of China. London: George Allen & Unwin LTD, 1922. Timothy, Brook. "The Sinology of Joseph Needham." Modern China. vol. 22, no. 3 (July 1996).