الهُوية في الخطاب الفلسفي الفرنسي المعاصر: فانسان ديكومب نموذجًا
Identity in Contemporary French Philosophy: Vincent Descombes Case Study
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى البحث في مسألة الهُوية في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، من خلال الفيلسوف فانسان ديكومب الذي قدم مقاربة تحليلية وبنائية، تعتمد على نظرية الاستعمال في فلسفة اللغة، وعلى الفلسفة الاجتماعية في دراسة المسائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، ومنها مسألة الهُوية التي خصها بدراسات كثيرة، أهمها : إرباكات الهوية، وفيها ميز بين الاستعمالات القديمة والحديثة، وبين الهوية الشخصية والجماعية القائمة على مفهوم الهُوية التعبيرية.
Abstract
Abstract: The aim of this paper is to study identity in French contemporary philosophy through the work of the philosopher Vincent Descombes. Descombes presents an analytical approach that is based on the theory of use of language and on social philosophy to study ethical, political, and social issues including identity. He conducted several studies regarding this issue including: Les embarras de l’identite , in which he distinguishes between old and modern uses and between personal and social identity that is based on expressive identity.
- الهوية
- الخطاب الفلسفي الفرنسي
- فانسان ديكومب
- Identity
- French Philosophy
- Vincent Descombes
مقدمة
يطغى خطاب الهُوية على الحياة السياسية والثقافية والإعلامية الفرنسية المعاصرة. ويعرف حضورًا مكثفًا في خطابات السياسيين والإعلاميين بمختلف اتجاهاتهم، بحيث يصح القول إن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعرفها المجتمع الفرنسي قد اختزلت في المسألة الثقافية المتمثلة في التهديد والخطر اللذين تتعرض لهما (الهُوية الفرنسية) من الأجانب والمهاجرين، وخاصة المسلمين منهم1. وإذا كان هذا الخطاب السياسي والإعلامي المتداول معروفًا في ملامحه العامة على الأقل، ويعبر في مجمله عن الأزمة التي يعرفها المجتمع الفرنسي، فإن الذي يعنيني في هذا البحث هو الجانب الفلسفي من موضوع الهُوية وكيفية معالجته في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، وعند واحد من فلاسفتها المعاصرين، وهو الفيلسوف فانسان ديكومب Descombes Vincent الذي قدم مجموعة من الأعمال الفلسفية التي يمكن تصنيفها تصنيفًا أوليًّا في ثلاثة محاور كبرى: أولها، تاريخ الفلسفة الفرنسية المعاصرة الذي خصه بمجموعة من الكتب منها: الذات: عينها والآخر (1933)، خمس وأربعون سنة من الفلسفة الفرنسية (1978)، وصدر، كذلك في عام (1979)2، والفلسفة في الزمن العاصف)1989(3، وتفكير الدب، ومقالات أخرى في الفلسفة العملية)2007(4. وثانيها، الهُوية وفلسفة اللغة، ومنها: قواعد نحو الأشياء من مختلف الأنواع)1983(5، ومؤسسات المعنى)1996(6، والمسند في الذات)2004(7، وآخر مستجدات الأنا بالاشتراك مع الفيلسوف الأميركي تشارلز لارمور)2009(8، وإرباكات الهُوية)2013(9، وحديث الذات)2014(10، إضافة إلى بحوث ومقالات سأشير إلى بعضها في ثنايا
هذا البحث. وثالثها، الفلسفة الاجتماعية، ومنها: فلسفة الحكم السياسي)2008(11، وتدريبات إنسانية)2013(12. والحق أنه إذا كانت هذه المدونة الفلسفية الثرية والمتنوعة تتطلب التحليل والمناقشة، سواء من جهة عناصرها ومشكلاتها أو سياقها، فإن الذي يعنيني بالدرجة الأولى هو دراسة مفهوم الهُوية عند هذا الفيلسوف، متبعًا في ذلك القاعدة المنهجية التي تقتضي الانتقال من الكل إلى الجزء، ومن العام إلى الخاص. وعملً على تحقيق ذلك، فإنني سأتوقف في البداية عند مسألة الهُوية في الخطاب الفلسفي الفرنسي، ثم أحلل وجهة نظر الفيلسوف ديكومب، والمجال العام الذي تندرج فيه مقاربته الفلسفية، وأختم بجملة من النتائج الأولية. والهدف الأساسي من هذه الدراسة هو محاولة فهم مسألة الهُوية التي طبعت الخطاب الفلسفي المعاصر، والوقوف عند بعض جوانبها النظرية والعملية كما قدمها هذا الفيلسوف، وذلك نابع من ثلاثة معطيات أساسية: أولً، أهمية الفلسفة الفرنسية المعاصرة في العالم ومكانتها، وكما تظهر في أعمال هذا الفيلسوف الذي لم يهتم به البحث الفلسفي العربي المعاصر. وثانيًا، أهمية المقاربة المنهجية التي قدمها، وخاصة في جانبيها المنهجي التحليلي والبنائي، والذي يظهر في مناقشته لمختلف تيارات الفلسفة المعاصرة، وخاصة فيما يعرف بالحوار بين الفلسفة القارية الأوروبية والفلسفة التحليلية الأنكلوسكسونية. وثالثًا، محاولة معرفة حدودها من جهة سياقها وعلاقتها بغيرها من المقاربات الفلسفية، وخاصة تلك التي تندرج ضمن الفلسفة الاجتماعية. وبسبب ما يطبع هذا الموضوع من جدة في المصطلح، فإنني عمدت إلى وضع المقابل الأجنبي حتى عندما يكون بعضه متداولً، وذلك لتحقيق أكبر قدر ممكن من الوضوح والتدقيق13.
أولا: مسألة الهُوية في الفلسفة الفرنسية المعاصرة
يعدّ النقاش الدائر حول الهُوية في الخطاب الفلسفي الفرنسي المعاصر جزءًا من النقاش حول موضوع الذات والذاتية، وذلك منذ خمسينيات القرن العشرين14. فإذا احتكمنا إلى التاريخ العام للفلسفة
الفرنسية المعاصرة، فإن المؤرخين يقدمون لنا صورة عامة، مفادها أن الفلسفة الوجودية التي انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية كان محورها الذات، ولكن مع بداية الستينيات حل محلها الفلسفة البنيوية بمفهومها للبنية والنسق أو النظام. ويستدل على ذلك بمعطيات تاريخية وفلسفية كثيرة، منها ما جاء في كتاب كلود ليفي ستروس الفكر البريمن مناقشةٍ ونقدٍ لكتاب جان بول سارتر نقد العقل الجدلي. يقول ليفي ستروس: "فالذين يؤخذون في فخ الذات والهُوية يستسهلون عادة معرفة الناس [...] أولئك تغلق في وجههم معرفة الإنسان [...]. والواقع أن سارتر بات أسير الكوجيتو cogito) ([أنا أفكر إذًا أنا موجود]. أما كوجيتو ديكارت فكان يسمح بمقارنة الكلي والعالمي، ولكن شرط أن يبقى نفسيًا وفرديًا. ولم يفعل سارتر عندما أضفى طابعًا اجتماعيًا على الكوجيتو سوى الانتقال من سجن إلى سجن"15. من هنا رفضت البنيوية الذات، وعملت على تحليلها أو بالأحرى على تذويبها، كما يرى ذلك ليفي ستروس16، وترددت مقولات عامة، تثبت هذا التوجه الذي شمل مختلف ميادين العلوم الإنسانية، ومنها مقولة "موت المؤلف"، و"موت الإنسان"، و"إنه يتكلم"، في إشارة إلى اللاوعي أو اللاشعور، وأُعطِيت الأولوية للنص، واللغة، والأنساق، والبنى على حساب الإنسان والذات والوعي، وأشيد بالمختلف والمغاير L’autre/ Le different في مقابل المتشابه أو الذات نفسه أو عينه Le même/ Semblable. وإجمالً، وكما أشار إلى ذلك، بحق، فانسان ديكومب، فقد حدثت عملية تصفية للذات التي كانت سائدة في الفلسفة الفرنسية الحديثة والمعاصرة إلى منتصف الخمسينيات، ولكن بعدها، وخاصة ابتداء من 1960، فإن هذه الذات قد تعددت وتشتَّتَت17. وهو ما تشهد عليه فلسفات الاختلاف التي قدمها فلاسفة معروفون، وهم جاك دريدا، وجيل دولوز، وجان فرانسوا ليوتار، وميشيل فوكو18. ولكن ألا تبدو هذه الصورة التاريخية اختزالية إلى حد ما، ولا ترى إلا وجهًا واحدًا من المسألة؟ لأنه إذا كان صحيحًا أن البنيوية قد قوضت أسس الذات، أفلا يعدّ اهتمامها بالآخر أشبه بدليل على اهتمامها بالهُوية؟ ألم تقم فلسفات الاختلاف بأشكالها المتعددة على فهم معين للهُوية؟ ثم لماذا نذهب بعيدًا في التساؤل، ونحن نقرأ لمؤسس البنيوية الأنثروبولوجية ليفي ستروس نفسه ندوة حول الهُوية نظمها في العام الجامعي 1975–1974 ضمن الندوات التي كان يعقدها في الكوليج دو فرانس، حيث كان يعمل أستاذًا لأنثروبولوجيا، ورأى فيها كثير من النقاد والدارسين أنها تشكّل البداية الفعلية والصريحة
لاهتمام الفلسفة الفرنسية بمسألة الهُوية19. وسيزداد هذا الاهتمام كلما ازداد النقد الذي صاحب البنيوية وما بعد البنيوية على حد سواء، وتجلى في مجموعة من الإسهامات الفلسفية البارزة على رأسها إسهام الفيلسوف بول ريكور في كتابه الأساسي الذات: عينها كآخر20، بحيث أصبح مفهوم الهُوية السردية مفهومًا مركزيًا في الدراسات الفلسفية والإنسانية، أو ما قدمه إدغار موران في كتابه هُوية الإنسان21، ضمن مشروعه الضخم: المنهج، أو المنظور الجمهوري للهُوية عند الفيلسوفين سيلفي موزير وألان رينو22، أو المنظور الماركسي عند إتيان باليبار أو جورج لبيكا23... إلخ. ولقد تكللت هذه الإسهامات التي شملت العلوم الإنسانية بمختلف فروعها بصدور قاموس الهُوية24. وإذا ما عُدنا إلى افتتاحية أعمال تلك الندوة، فإننا نجد ليفي ستروس يؤكد أن الهُوية تقع في مفترق طرق، وتعرف أزمة تخترق المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية على حد سواء، كما تخترق جميع المعارف والعلوم والثقافات. يقول: "عندما تنهار التقاليد، وعندما تختفي أنماط حياتية، وتتفكك أشكال التضامن القائمة، فإن ذلك كله يؤدي إلى أزمة الهُوية"25. وهو ما أكده أيضًا جان–ماري بنوا Jean–Marie Benoist (1998–1942) مدير الندوة ومساعد ليفي ستروس بصيغة مغايرة، ولكنها مكملة لها، وهي أن الهُوية قد أدت إلى طرح موضوع الاختلاف الذي أصبح بدوره يخترق عصرنا. وإن الهدف من الندوة هو: "تفكيك الهُوية، وذلك انطلاقًا من رفض أسطورة الانعزالية insularité "26، وذلك بالاعتماد على المقاربة البينية Interdisciplinarité التي تسمح بتجاوز حالة الهوس بالتماهي والتطابق Identique التي أصابت الأنثروبولوجيا بسبب ارتباطها بالآخر والغريب والمختلف. وبدلً من النظرة الذاتية للهوية التي لا تكشف عن الأسباب الحقيقية، يجب النظر في الظروف الموضوعية التي تشكل الهُوية أحد أعراضها التي تعبر عنها، مع رفضٍ للانطلاق من الفكرة القائلة: إن تجارب الآخرين لا يمكن التعبير عنها، بدعوى أنها غير قابلة للتواصل والتبليغ Incommunicable، لأن القائلين بها، كما يقول ليفي ستروس: "لا يفعلون شيئًا آخر غير اللجوء إلى ظلامية جديدة"27. وعزز هذا التوجه جان–ماري بنوا عندما دعا إلى ضرورة الانتقال من دراسة الهُوية في مظاهرها الشكلية
البارزة إلى البحث في: "البنى العميقة التي تشكل الهُوية في ملمحها العلائقي حيث تظهر العلاقة مع الآخر باعتبارها علاقة تكوينية"28. والحق أن الناظر في المحاور الأربعة للندوة يستخلص بيُسر أن المواضيع المشكلة للهوية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يقوم بإنجازها اليوم الفلاسفة والباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومنهم الفيلسوف فانسان ديكومب، وذلك على الرغم من الاختلاف الأساسي في طريقة المعالجة، والبدائل الفكرية المقترحة. وتتمثل هذه المحاور في الآتي: • الصلة بين الهُوية والذات الفردية. • الهُوية الجماعية والانتماء. • التوظيف المتعدد للهُوية. • علاقة المحاور الثلاثة السابقة بمسألة منهجية دقيقة، وهي: كيف انتقل استعمال الهُوية من المجال الميتافيزيقي والمنطقي كما صاغه أرسطو، إلى استعمال اجتماعي وسياسي وثقافي، كما يظهر في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة؟ وبتعبير آخر؛ كيف انتقل استعمال مفهوم الهُوية من استعمال واحد وثابت ومنطقي إلى استعمال متعدد ونسبي؟ يمكنني القول إن هذا المحور الرابع هو الذي تصدى له الفيلسوف ديكومب في مختلف نصوصه عن الهُوية. ولكن قبل النظر في هذا الجانب الذي سيشكل محتوى المحور الثاني من هذه الدراسة، فإنه يجب الإشارة إلى أن ديكومب قد قدم عرضًا مفصلً للبنيوية في كتابه الذات: نفسها والآخر، بيّن فيه بعض مزاياها المنهجية، وخاصة توسيع مجال العقل ليتمكن من فهم اللاعقلاني الذي يتجلى في مظهرين: مظهر داخلي يتمثل في المجنون، ومظهر خارجي يتمثل في المتوحش29، إلا أنها وقعت في مفارقة مكشوفة؛ فهي في الوقت الذي اهتمت بالآخر والمهمش والمُبعد، أعلنت عن رفضها لفلسفات الوعي، مدعية أن الدالَّ ليس في خدمة الذات، وأن الإنسان خاضع للدلالة، وذلك بحكم أسبقية اللغة على الفكر، مستندة في ذلك إلى نظرية الإعلام Théorie de l’information التي هي جزء من الثورة التكنولوجية التي تمثلها السيبرانية Cybernétique أفضل تمثيل. ومن هنا شاع عنها ذلك الحكم الذي ترددت أصداؤه خلال الأحداث الطلابية التي عرفتها فرنسا في عام 1968 وبعدها، وعبر عنه شعار: "البنى هي التي تُقرر وليس الإنسان". ولم يكتف ديكومب بنقد البنيوية، أو بالأحرى بالإشارة إلى هذا النقد الذي وُجه كثيرًا إلى الدراسات البنيوية، وخاصة الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية والتحليل النفسي، أو ما يسميه "المشروع السيميائي" sémiotique Projet، وإنما تعداه إلى ما اصطلح عليه في تاريخ الفكر ب "ما بعد البنيوية"، أو فلسفات الاختلاف وما بعد الحداثة التي وقعت، في تقديره، في نوع من الانسداد بحكم اهتمامها
بالآني والحاضر وتحويله إلى ما سماه "ميتافيزيقا الحاضر"، وهو ما يظهر جليًّا في فلسفة ميشيل فوكو المتأخرة باسم أنطولوجيا الحاضر30، وذلك في مقابل ما يدعوه "أنثروبولوجيا الحداثة" التي تحمل إمكانات التجديد الفلسفي، لأنه إذا كانت كتابة تاريخ الحاضر تتضمن بعدًا نقديًا، فلا شيء يجعلها تحمل بعدًا أنطولوجيًّا أو ميتافيزيقيًّا، وأنه لا يمكن تحويل مسائل تاريخ الحاضر إلى مسائل أنطولوجيا الحاضر، لأنه ليس هناك علاقة ضرورية ومباشرة بين قضايا الحاضر وقضايا الأنطولوجيا. ولكن ألا تُعَدُّ مسألة الهُوية من مسائل الحاضر، ولها طابعها الميتافيزيقي المعروف؟
ثانيًا: الهُوية عند الفيلسوف فانسان ديكومب
منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، شرع الفيلسوف ديكومب في مناقشة مسألة الهُوية بطريقة مباشرة، بعد أن أشار إليها بصفة غير مباشرة في دراساته لتاريخ الفلسفة الفرنسية. يشهد على ذلك بحثه الموسوم ب "نحو أزمة هُوية في الفلسفة الفرنسية"، المنشور ضمن أعمال مؤتمر بعنوان "رهانات الفكر الفلسفي لسنوات الخمسينيات"31. فما المعالم الأساسية لمقاربته لمفهوم الهُوية؟ ينطلق ديكومب من معطى لغوي وواقعي، يتمثل في لبس المفهوم وفي استخداماته المتعددة، وخاصة ذلك الاستخدام الذي يشير إلى الاضطرابات، والأزمات، والصراعات التي توصف بصراعات الهُوية، بحيث فرض مصطلح الهُوية نفسه على مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية32. أيجب، كما يقول، التخلص من هذا اللفظ المربك والغامض، أم يجب تحليله بطريقة تجعله مفهومًا علميًا دقيقًا وإجرائيًا في الوقت نفسه؟ لا يتردد ديكومب في القول إن عملية التخلص من الألفاظ الملتبسة غير متاحة علميًا وعمليًا، وإن لفظ "الهُوية" قد فرض نفسه، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من لغتنا العادية، ومن قاموسنا العلمي، وعلى الفلسفة أن تنظر فيه، وتحلل استعمالاته المختلفة. وهو ما يعني أن ننطلق من ممارساتنا اللغوية، وتحديدًا من الاستعمال الأول المتمثل في التعيين المرجعي للفظ référentielle Identification، أي في استعمالنا للهوية بمعنى المطابقة Identique. وبتعبير آخر يجب الاعتماد على ما يسميه التحليل المفاهيمي conceptuelle Analyse؛ لأن المعطى الأول للفكر هو اللغة، ولأن المشكلات تطرح في لغة، وكلمات، يجب الانطلاق منها، وذلك عكس طريقة بعض الفلاسفة الذي يفضلون الانطلاق من المتعالي، والجوهري، والمبدئي، والأساسي، مستعينًا في ذلك بمثال قدمه الفيلسوف الأميركي تشارلز سندرس بيرس Peirce Sanders Charles (1914–1839) مفاده: إن مثل هؤلاء الفلاسفة
يشبهون الشخص الذي يؤكد أن السفر الحقيقي يجب أن يبدأ من القطب الشمالي، متناسيًا أن عليه أولًالوصول إلى تلك النقطة33.
1. في الهوية الذاتية
من هنا يبدأ، في كتابه الأساسي إرباكات الهُوية، بمناقشة سؤالين أساسيين مطروحين في كل نقاش وحوار حول الهُوية، وهما: من أكون؟ ومن نكون؟34 يطرح السؤال الأول على المستوى الفردي، ويختلف عن السؤال: من تكون؟ الذي يبدو سهلً وواضحًا نسبيًا، بما أن كل هُوية فردية تحمل على الأقل اسمًا. ولكن عندما تطرح الهُوية الفردية ذاتها سؤال: من أكون؟ فإن الأمر يتجاوز معرفة الاسم والصفات. وهذا يعني أن ما يبحث عنه ديكومب يتجاوز الهُوية بمعنى امتلاك أوراق ثبوتية مدنية، مع أن هذا التعريف بالهُوية هو في حد ذاته استعمال حديث، ولكنه يندرج ضمن سؤال قديم قدم الفلسفة، بل قدم المعرفة الإنسانية، ويقصد به سؤال: ما هو؟35 والذي وجد صياغته الأولى في مبدأ الهُوية المنطقية. ولكن إذا كان الاستعمال المنطقي قديمًا جدًا، والاستعمال القانوني والإداري حديثًا نسبيًا، فإن ثمة استعمالات جديدة وكثيرة لا تتفق بالضرورة مع المعنى المنطقي الأولي. ومن هذه المعاني الجديدة، ما تشير إليه العبارة الآتية: "حافظ حي القصبة بقسنطينة على هُويته". لقد أصبحت الهُوية في هذا المثال عبارة عن صفة يمكن الاحتفاظ بها، وإذًا يمكن فقدانها، أو يمكن الدفاع عنها ضد من يهددها أو يخربها. فكيف انتقل معنى الهُوية في صورته المنطقية الأولية إلى معنى مغاير يتمثل في أن شيئًا يمتلك قيمة ذاتية، مع أنه من الممكن أنه لا يمتلكها أو يصبح شيئًا آخر؟ والأمر نفسه عندما نقول عن شخصين: إنهما يتصرفان بطريقة متماثلة أو متطابقة identique، فإن ذلك يشير إلى الانتماء،
وإلى جماعة معينة أو رابطة اجتماعية، أو هوية جماعية أو اجتماعية، بمعنى المشاركة في جملة من الصفات، ويتجلى في الهُوية الوطنية36. وكذلك الحال عندما نقول: "إن النزاع اللغوي الذي تعرفه الجزائر هو نزاع عن الهُوية، أو نزاع هُووي Identitaire "37. بمعنى أن أحد الفريقين يشعر بأنه مظلوم، ويفقد تقديره لنفسه إذا تخلى عن الرهان عن اختلافه المتجسد في لغته. يستنتج من هذين المثالين، ومن غيرهما، أن منشأ ومصدر الإرباك في لفظ الهُوية والتباسه في كونه يُستعمل بمعنيين مختلفين: معنى منطقي قديم يشير إلى ذات الشيء، فالحكم المنطقي يعني أن الشيء هو هو، وأنه يعيّن ويحدّد Identifiable بوصفه شيئًا واحدًا، وصيغته الرمزية (أ=أ)38. ولكن إذا كان المعنى المنطقي يتسم بالحكم النهائي والحاسم: إما أن يكون الشيء متصفًا بصفة ما أو لا يكون، فإن المعنى الجديد الذي يظهر في الهُوية الفردية أو الشخصية أو الجماعية يرتبط بالوعي وبدرجاته أو مستوياته المتفاوتة، وبكيفية تطوير الذات لهُويتها، وتشكيل فكرة أو تصور عن نفسها، وعن كل ما له قيمة ذاتية بالنسبة إليها. ولذا فإن الهُوية الذاتية أو الذات عينها والجماعية تتصف بالتعدد والتنوع والتركيب والتوليف. وما يجب الإشارة إليه في هذا السياق هو أنه إذا كان صحيحًا أن الاستعمال القديم قد اقتصر على الجانب المنطقي والميتافيزيقي المتسم بالأحادية، والاستعمال المعاصر الذي يتصف بالتعدد، فإن المتتبع لتاريخ هذا اللفظ، وخاصة في اللغات الأوروبية، يعرف أنه قد اكتسب معنى قانونيًا في القرن التاسع عشر، عندما استُحدثت بطاقة الهُوية لتعريف الأشخاص والمواطنين المنتمين إلى دولة معينة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحنا نتحدث عن الهُوية المدنية civile Identité تتولى شؤونها، في وقتنا الحاضر، إدارات معلومة في كل بلدان العالم. وتسمح هذه الهُوية المدنية بتمييز كل مواطن من غيره من المواطنين. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ظهرت هذه الاستعمالات الجديدة، أو ما مصدرها؟ يرى ديكومب أن الاستعمال الجديد الذي يميز لغة الهُوية المعاصرة، مصدره علم النفس والتحليل النفسي تحديدًا الذي استعمل عبارة (أزمة الهُوية) في خمسينيات القرن العشرين، لتشخيص الاضطرابات النفسية التي يصاب بها بعض الأفراد والجماعات في علاقتهم بمحيطهم وبيئتهم الاجتماعية، كالمراهقين والمهاجرين والذين عرَفوا تجارب حادة، وخاصة تجربة الحرب. وأول من وظفها بهذا المعنى هو عالم
النفس الأميركي ذو الأصل الألماني، إريك إريكسون Erikson Erik)1992–1902(39، لأنه قبل هذا التاريخ كان المصطلح المستعمل هو مصطلح "الشخصية" و"الاضطرابات الشخصية" التي تصاب بها الشخصية الذاتية بمعزل عن محيطها. ثم استعملت الهُوية لاحقًا في الدراسات الاجتماعية الأميركية التي طرحت مشكلة "الجماهير"، و"الإنسان الاستهلاكي"، وارتبطت بمختلف الأسئلة التي يطرحها الفرد عن التغيرات التي تصيب بيئته الاجتماعية أو محيطه الاجتماعي الذي يتسم بالتغير الشديد، ومنها ما عرفه المجتمع الأميركي من صراع بين الأجيال في ستينيات القرن العشرين، والنضال السياسي حول ما يسمى الحقوق المدنية لأقليات، وفي النقاش حول التعدد الثقافي، والصراع من أجل الاعتراف، وخاصة الاعتراف بهوية الأقليات من جانب مجتمع يحتكم إلى قيم الأكثرية. وهذا يعني أن مسألة الهُوية بمعناها الجديد، أو بتعبير دقيق في استعمالاتها الجديدة، نابعة من الثقافة الأميركية المعاصرة التي استعملته في الدراسات الاجتماعية والإنسانية بدلً من مفهوم الذات self/ soi، وهو ما يظهر، على سبيل المثال لا الحصر، في المدرسة الاجتماعية التي تعرف بالتفاعلية الرمزية Interactionnisme symbolique، وفي أعمال إرفينغ غوفمان Goffman Erving)1982–1922(40. يتسم هذا الاستعمال الثالث المتعدد، إذا صحت العبارة، بسمتين أساسيتين: السمة الأولى هي صفة التملك Possessif، وهي الهُوية التي يطالب بها الفرد لنفسه، ويدافع عنها، ويتحمس لها في بعض الأحيان. والسمة الثانية هي النعت/ الصفة qualificatif Adjective الذي يشير إلى أمرين: إما إلى الرابطة التي تربط الفرد بهذه الجماعة البشرية أو تلك، مثل رابطة الدين، أو الجنس، أو الحزب السياسي، أو وظيفة معينة، أو تشير إلى حكم معياري يصف الهُوية بالقوة أو الضعف، بالأساسي أو الثانوي، بالمركزي أو الهامشي، بالمعترف بها أو غير المعترف بها، بالسعيدة أو الشقية... إلخ41. وهذا يعني أن الاستعمال الجديد يتصل بالفرد ووعيه بذاته، وتقديره لهويته، وخاصة ما تعلق بالثقة، والاحترام، والكبرياء، والجدارة، والأهمية، أو عكسها الاضطراب، والإذلال، وانعدام الأهمية سواء تعلق الأمر بهُويته الذاتية أو الجماعية. ويطلق الفيلسوف ديكومب على الاستعمال القديم اسم "الهُوية المنطقية"، وعلى الاستعمالات الجديدة بأشكاله المختلفة اسم "الهُوية الأخلاقية".
والسؤال الأولي الذي يفرض نفسه هو: كيف حدث الانتقال من الاستعمال المنطقي الواحد إلى الاستعمال الأخلاقي المتعدد؟ يرى ديكومب أن عملية الانتقال قد أنجزها المعنى القانوني42. كيف ذلك؟ بإعلاني لهُويتي، كما تظهر في أوراقي الثبوتية أو الإدارية أو الرسمية، فإنني أسمح لمحاوري، مهما كان، أن يتعرف علي، ويسمح لي في الوقت نفسه بأنْ أقدر نفسي، وذلك بإظهار أصولي، ومستوى تعليمي، ومهنتي، وإقامتي، وغيرها من العناصر التي تحددني أمام غيري، ومن ثمة التعرف إلى طبيعة الحكم الذي يحمله تجاهي، والذي يمكن أن يؤثر في وعيي أو شعوري بقيمتي الذاتية، وبنوعية العلاقة التي ستربطنا، وخاصة من جهة العدالة أو الإنصاف. ولكن ما يجب الإشارة إليه هو أن عملية الانتقال، التي تضمنها الهُوية القانونية، لا تلغي واقع التباس الهُوية الأخلاقية؛ وذلك لأننا نستعمل لفظًا واحدًا للإشارة إلى حالات عديدة، لذا يجب أن لا نسأل: ما هُويتك (بالمفرد)؟ وإنما يجب أن نسأل ما هُوياتك (بالجمع)؟ لأن الهُوية بالمعنى الأخلاقي متعددة، وليست واحدة. وهنا تطرح مشكلة مفهومية Conceptuel، تتمثل في أن الهُوية الأخلاقية المتعددة عكس الهُوية المنطقية الواحدة، ولكنها مع ذلك، عندما استعملت في اللغة اليومية، وأصبحت متداولة، وتدل على إثبات الشخص لنفسه بأوراق رسمية (أوراق الهُوية)، فإن المعنى المنطقي قد حافظ على دلالته، لأن القصد من ذلك هو الإشارة إلى التطابق بين الشخص وأوراقه الرسمية. أي القول إن الشخص (أ) يطابق Identique الشخص (ب) الوارد في الأوراق الثبوتية، بحيث يكونان في الحقيقة شيئًا واحدًا. ولكن إذا كانت لدي هُويات متعددة، بحكم السياقات التي أتعين فيها، وأتحدد بها، كأن تكون لي هوية اجتماعية، وأخرى مهنية، وثالثة ثقافية، فهذا يعني من الناحية المنطقية أنني سأكون موجودًا في نسخ متعددة، وأن هُويتي الشخصية ستكون هُويات شخصية متعددة أو كثيرة، وهنا تظهر إرباكات وإحراجات وتناقضات الاستعمال الجديد للهوية. للخروج من هذا الإحراج أو الإرباك، اقترح ديكومب "التوفيق بين سمتَي التملك والنعت/ الصفة"43، أو القيام بعملية تركيبية أو توليفية للهوية الأخلاقية. وهو ما يعني أن الفعل التكويني الذي يجريه المرء على هُويته الشخصية يقتضي التوفيق بين مختلف النعوت أو الصفات الأخلاقية للهوية، والتملك الذي يشير إلى الشخص الواحد بوصفه فردًا. وتمثل الصفات أو النعوت الأخلاقية مختلف المطالب التي يوجهها العالم إلى الفرد، في حين تكون الصفة التملكية أو هُويتي الذاتية عبارة عن "تفريد"
Individuation للفرد.
وهنا يجب التنبيه إلى أنه إذا كان "الرأي العام" أو "التوجه العام" يُشيع ويدعم فكرة الهُوية المتعددة والمرنة، و"السائلة"44، والقابلة للانخراط في عالم مُعولم، وخاصة في المجتمعات الغربية، ويردد القول: "إزاء أزمة الهُوية وصراعاتها المختلفة، يجب الاعتماد على الهُوية المتعددة، ومن أن كل واحد منا يمكنه أن يقدم نفسه على أنه متعدد"، وذلك على الرغم مما يلقاه من معارضة لدى الاتجاهات اليمينية والعنصرية تحديدًا، وفي المجتمع الفرنسي على وجه أخص، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو: هل يعد الإعلان عن تعدد هوياتنا كافيًا لحل النزاعات والحد من التوترات؟ يقول ديكومب: "مع الأسف، إن ما نعتبره حلًّ هو في الحقيقة يعدّ دليلً على مشكلة وجودية مطروحة على كل فرد [...]، لأن المعنى الحرفي للتعدد والكثرة يعني أن يوجد الفرد في نسخ كثيرة ومتعددة، علمًا أنه لا يملك إلا جسدًا واحدًا"45. وليس ثمة من مخرج لهذا التناقض إلا بهوية توليفية أو تركيبية Composite، ومعبرة Expressive. يقول: "إن الحل الممكن للهوية المتعددة هو هُوية مركبة. وهو ما يعني ضرورة وجود مبدأ توليفي أو تركيبي يسمح بظهور هوية معبرة"46. تعدّ هذه الهُوية التعبيرية أشبه بوصف وتأسيس للهُوية الذاتية ضمن ما يسميه علم النفس الأخلاقي Psychologie morale47، أي ذلك العلم الذي ينظر في الإنسان وفي احتمالية أن يكون سعيدًا أو شقيًا، راضيًا عن نفسه أو ساخطًا عليها، وهو ما يعني أن محك النظر هو الشعور والوعي اللذان تمتلكهما الذات حول قيمتها بوصفها كائنًا خاصًا. وهذا ما ذهب إليه هيغل، بحسب ديكومب، عندما رأى أن إنسان عصر الحداثة هو ذلك الإنسان الذي يشعر أنه قادر على تحقيق الرضا عن نفسه عندما ينجز مشروعه باعتباره ذاتًا مستقلة. وعليه فإن طرح سؤال: من أنا؟ سيكون طريقة لمعرفة ما سماه هيغل حق الذات du Droit sujet في أن تكون راضية عن نفسها بوصفها كذلك48. وهذا يعني إعطاء الأولوية للجانب العملي في عملية تحقيق الهُوية الذاتية، والقدرة على أن تعبر عن ذاتها. يقول ديكومب: "يتعلق الأمر بالبحث عن هُويتي في التعبير الذي أعبر به بوصفي ذاتًا، ومصدرًا لقراري، وهو ما يعني أيضًا أنني وبوصفي ذاتًا لإمكانية أن أكون أو لا أكون، هذه أو تلك من الذوات. وأن السؤال المطروح علي هو: ما الذي يجب علي أن أقرره حتى أكون راضيًا باتخاذي لهذا القرار أو ذاك، ويمكنني أن أتحمله باعتباره يعبر عني؟"49.
ينجم عن هذا أن الهُوية الذاتية أو الشخصية ترتبط بالقرار، أو بما تقرره الذات وتحدده، حتى إن كنا نعرف أن ثمة عناصر لا تتحدد بقرار الذات، ومنها مثلً: تاريخ ومكان الميلاد، الأبوان، وعناصر من بطاقة التعريف أو الهُوية المدنية. ومع ذلك، فإن الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك تكمن في الاختيار المتعمد أو المقصود délibéré Choix، أي ذلك الاختيار القائم على الأسباب الخاصة. وهنا يشير ديكومب إلى جانبين بالغي الأهمية، وخاصة من جهة دلالتها المعاصرة؛ الأول: هو أن الهُوية الشخصية التي ترتبط بالقرار تقوم بإدخال عناصر عرضية في هويتها وتحولها إلى عناصر جوهرية ووجودية. والمثال الذي يقدمه في هذا السياق عبارة عن حوار للفيلسوف الرواقي إبيكتاتوس Epictetus (ت. 135 ق. م.) يقوم بين سيدٍ وعبْدٍ. والعبد المعني في هذا الحوار هو إبيكتاتوس نفسه الذي كان عبدًا لسيده قبل أن يتحرر. وفحوى الحوار كالآتي: "يأمر السيد عبده: عليك أن تحلق لحيتك (كانت اللحية قديمًا تمثل رمزًا للفيلسوف). يجيب العبد (إبيكتاتوس نفسه): لن أحلقها. يرد السيد: إما أن تحلقها أو أقطع رأسك. يجيب العبد: يمكنك أن تقطع رأسي ولكن لن أحلق لحيتي، فهذه هي مهمتي في الحياة". طبعًا، لم يستعمل إبيكتاتوس كلمة الهُوية، ولكنه استعمل كلمة "مهمتي" التي تقوم مقام "هُويتي"، وتدل عليها. وهذا يعني أن الهُوية الذاتية يمكنها أن تحول عنصرًا ثانويًا إلى عنصر جوهري، وفي هذا المثال، فإن "اللحية"، قد تحولت إلى رمز للوظيفة الوجودية للفيلسوف إبيكتاتوس، وتستحق التضحية بالنفس، وهو ما تقدمه الكثير من الاستعمالات الحديثة والمعاصرة للهُوية50.
2. في الهوية الجماعية
يظهر العنصر الثاني في علاقة الهُوية الشخصية بالهُوية الجماعية من خلال فعل الاعتراف. والمثال الذي قدمه ديكومب هو بطل رواية سيرفانتيس المعروفة دون كيشوت. لقد كان الاسم الحقيقي للبطل هو ألونسو كيكسانو، ولكنه عندما أراد أن يصبح فارسًا من فرسان العصور الوسطى، ارتدى درعًا، وامتطى فرسًا أطلق عليه اسم "روسنون"، وعلى نفسه اسم "دون كيشون دو لمنشا"، وبدأ يجوب القرى والأرياف، بحثًا عن التنانين التي يريد منازلتها وقتالها. وبالنظر إلى أن الأمور اختلطت عليه كثيرًا، بحيث أصبح يخلط بين التنانين وطواحين الهواء، فإنه تحول إلى موضوع سخرية الناس وتهكمهم. ولكن إصراره على شخصية الفارس جعله يعود إلى قريته ليقنع أحد جيرانه وهو "سانشو بانزا" ليعمل خادمًا عنده، ويعترف به فارسًا، ويستوفي في الوقت نفسه شروط الفروسية، وذلك على الأقل من جانب خادمه51. وهذا يعني أن الهُوية الشخصية مشروطة بالتفرد من جهة، والاعتراف من جانب الهوية الجماعية من جهة أخرى؛ وهو ما يؤدي إلى طرح مسألة الهُوية الجماعية collective Identité. تصف العلوم الاجتماعية الهُوية الجماعية بأوصاف عديدة، وذلك عندما تشير إلى الهُوية الثقافية، والدينية، والمهنية، والوطنية... إلخ، وتجيب عن السؤال: من نحن؟ وذلك في مقابل الهُوية الشخصية وسؤالها: من أنا؟ وأساس هذا التقابل كما يقول ديكومب هو أن: "الشخص مثله مثل الشعب، عبارة
عن كلية totalité، فإذا كانت هذه الكلية تستمد هُويتها من أجزائها، فإن أي تغير يصيب مكونات نظامها يؤدي إلى تغير في الكل"52. ولكنه لا يتوقف عند هذا التقابل فقط، وإنما يقارن الهُوية الجماعية بهُوية المجموعة أو الفريق أو الزمرة Groupe، والهُوية الاجتماعية Sociale53. ووفقًا لطريقته في التحليل اللغوي المستمدة من الفيلسوف فتغنشتاين، فإنه يشير إلى أننا نحمل الموصوف Substantif الهُوية على الصفة Adjective التي تحدد الجماعة الدينية أو السياسية أو الثقافية أو اللغوية أو غيرها من الهويات، بحيث يتحدد الأفراد بصفتهم الجماعية، ويجعلهم متضامنين فيما بينهم، وينتمي بعضهم إلى بعض. تطرح هذه الهُوية الجماعية، بمفهومها العام، مشكلات من الوجهتين السياسية والنظرية. فمن الوجهة الأولى، تثير صراعات عنيفة لا تحتكم دائمًا إلى وسيلة التفاوض، وتسمح بالوصول إلى تسوية تحفظ مصالح هذا الفريق أو ذاك. ومن الوجهة الثانية أو النظرية، فإن المفهوم ذاته يثير شكوكًا متعلقة باستدعائه لتمثلات وتصورات جماعية للماضي أو للحاضر لا تتوافق دائمًا مع الوقائع. فمثلً، إن المؤرخين يؤكدون دائمًا على الاختلاف بين إحياء الماضي من خلال الاحتفاء ببعض المناسبات التي تقيمها جماعة معينة حول ذاكرتها الجماعية، وحقيقة ماضيها الذي يكشف عنه الأرشيف. وبناء عليه، فإنه إذا كان صحيحًا أن مفهوم الهُوية الجماعية مستعمل ومتداول في خطاباتنا اليومية والعلمية، فإن ذلك لا يمنع الفيلسوف من طرح جملة من الأسئلة، منها: هل ندرك فعلً ما نتحدث عنه عندما نستعمل عبارة "هُوية جماعية"؟ وأنعني بذلك صفة خاصة بالأفراد، أم خاصة بالجماعات التي ينتمي إليها الأفراد؟ وكيف يمكن أن يكون الشيء المطابق والشيء نفسه صفة للفرد وللمجموعة في الوقت نفسه وبالكيفية نفسها؟ من البيّن أن لبس الهُوية الجماعية لبس لغوي بالدرجة الأولى، ولكن قبل ذلك يجب النظر في أشكال النقد الموجهة إلى المفهوم نفسه. ومنه النقد التاريخي الذي يرى أن الهُوية الجماعية تتشكل دائمًا في الزمن أو عبر الزمن، لذا فإن مؤرخًا فرنسيًّا مثل بيير نورا Pierre Nora54 يرى أنه لا يمكن الحديث عن الهُوية الوطنية التي هي مثال للهوية الجماعية؛ لأنها تشترط نوعًا من الاستمرار والدوام، كما لو أن الأمة التي تمثلها تعدّ جوهرًا ثابتًا لا يتغير بدلً من أن تكون وحدة تاريخية متغيرة55. ويشير أيضًا إلى مفارقة يقع فيها القائلون بالهُوية الجماعية، وهي أنهم في الوقت الذي يشيدون فيه بالهُوية الوطنية، ينكرون هُوية الأقليات، كما لو أن الهُوية الوطنية تختلف عن هُوية المجموعة، ويصفون هُوية
الأقليات بالانغلاق في جماعة تمارس القمع، وذلك في مقابل الهُوية الوطنية المتفتحة والمدعمة لقيم الجمهورية، والضامنة لازدهار الفرد!56يتضمن هذا النقد التاريخي في الواقع نقدًا جذريًا لمفهوم الهُوية الجماعية، ويتمثل في النظر فيما يسميه القصة أو الرواية الوطنية أو الأسطورة الوطنية Roman national/ Mythe national التي يجري تأليفها وإنتاجها، وتوزيعها ونشرها، وفرضها بأساليب ناعمة أحيانًا وقاسية أحيانًا أخرى. وهو ما يعني إدخال عناصر مختلقة في الهُوية الوطنية، يجعلها عبارة عن عملية تأليف تاريخي أو صناعة تاريخية. ويقوم هذا النقد الجذري على فلسفة اجتماعية تعيد النظر في المفهوم نفسه؛ وذلك لأن الذين: "يعتقدون بهُويتهم الجماعية، يصدرون عن اعتقاد خاطئ، ومشيَّأ Mystifié، لأن الهُوية الوطنية تُقنع وتحجب ليس فقط حجم التغيرات التي تتعرض لها حياتهم الاجتماعية، وإنما استمرار الصراعات والانقسامات التي تسم مجتمعاتهم. لذا فإن خطابات الهويات الجماعية هي في الواقع خطابات تشيؤ أو صنمية Mystification، تحول انتباه الناس وإدراكهم عن صراعاتهم الحقيقية"57. يتأسس هذا النقد في نظر ديكومب على مفهوم للمجتمع يراه مجرد مجموعة من الأفراد الملموسين التجريبيين، ويعبر عن نظرة محدودة أو ضيقة. لذا، قدم تحليلً آخر يستند إلى مفهوم آخر للفلسفة الاجتماعية والهُوية الجماعية، وإلى ما يسميه علم دلالة الضمير "نحن"، وذلك من خلال تحليله للضميرين؛ "نحن nous "، و"أنتم vous ". فعندما يتحول الشخص (أ) إلى ناطق باسم مجموعة "ب"، أي "نحن"، كقولنا: "نحن العرب"، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى من تتوجه هذه العبارة؟ يمكن القول إن للعبارة احتمالين: إما أن الضمير "نحن" يشمل (أ)، وفي هذه الحالة يكون ضميرًا تضمنيًا أو شاملً، ويتطابق مع أفراد مجموعته، وإما أن يكون الضمير "نحن" في مقابل الضمير "أنتم"، وفي هذه الحالة يكون إقصائيًا أو استبعاديًا Excluant، ويعلن عن اختلافه عن غيره أو عن الآخرين. يتكامل هذا التحليل اللغوي مع تحليل تاريخي واجتماعي يظهر في القدرة على إسناد هوية تعاقبية Identité diachronique58 للجماعة، وما تتمتع به من وعي ذاتي تزامني Synchronique، وهو ما يعني أن الهُوية الجماعية مكونة لذاتها59. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو: هل ثمة "نحن" تاريخي؟ يحيل ديكومب إلى مجموعة من المفاهيم التي تشكل في تقديري أساس فلسفته الاجتماعية.
ثالثًا: الهُوية من منظور الفلسفة الاجتماعية
يقول ديكومب: "إن فلسفة الذات لم تقدم الحلول لسؤال علم الاجتماع: كيف يمكن أن تكون هنالك رابطة بين الأفراد في عصر الحداثة؟ كما لم تقبل بالطرح الجدي لهذا السؤال الذي تطرحه الفلسفة الاجتماعية"60. والسبب في ذلك هو أنها ركزت على مفهوم معيّن للفرد قريب من التيار الاجتماعي الذي يعرف بالفردانية المنهجية méthodologique Individualisme، ويظهر في نظرتها الذرية للفرد، وتقابلها النظرة الكلية المنهجية méthodologique Holisme61 التي يعتمدها في تأسيسه لمفهوم الفرد المؤسساتي institutionnel Individu الذي قدم معالمه الكبرى في كتابه مؤسسات المعنى. يشير مفهوم الفرد المؤسساتي إلى أن الأفراد مُدمجون في سياقات مؤسساتية، وفي الأدوار التي يؤدونها، وفي أن الروابط الاجتماعية تقوم على نوع من الترابط المؤسساتي التي تشكل أحد عناصر فلسفته الاجتماعية. فما مفهومُه للفلسفة الاجتماعية؟ وما علاقته بالهُوية الشخصية والجماعية؟ تجب الإشارة أولً إلى إن الفلسفة الاجتماعية التي يحاول ديكومب تأسيسها تجد مصادرها النظرية في الفلسفة اللغوية لفتغنشتاين، وتحديدًا في نظريته للاستعمال أو كما يُصطلح عليها أيضًا بنظرية الألعاب، وتشكل جزءًا من فلسفة الذهن والفعل التي يسهم في بلورتها انطلاقًا من التحليل المفاهيمي، ومنه مفهوم الهُوية الذي حاولت أن أبين بعض جوانبه التاريخية وعناصره التحليلية. ولا تتفق هذه الفلسفة الاجتماعية مع المعنى الذي يغلب عليها أو السائد في الدراسات الفلسفية والسياسية المعاصرة ونقرؤه في مدرسة فرانكفورت على وجه التحديد؛ لأن الفلسفة الاجتماعية عنده تعني البحث في المفاهيم الأكثر عمومية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا على وجه التحديد، وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية على وجه العموم. ويتعلق الأمر بتلك المفاهيم التكوينية لهذه العلوم، وتشكل المعنى الحقيقي لهذه العلوم في صياغة معرفة حقيقية بها، وتختلف عن تلك المفاهيم التجريبية التي يستعملها المختصون في هذا المجال. وهو ما يجعلها قريبة أكثر من إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية؛ بسبب تغليبها للتحليل الإبستيمولوجي على التحليل الاجتماعي والسياسي. ولكن ذلك لم يمنعها من تناول القضايا السياسية والاجتماعية، كما يظهر ذلك جليًّا في موضوع الهُوية أو في مفهوم الاعتراف الذي يشكل مفهومًا مركزيًّا في الفلسفات الاجتماعية المعاصرة، والذي سأكتفي بالإشارة إليه فقط، لأن المجال لا يتسع للنظر في مفاهيم أخرى مهمة في فلسفة ديكومب. تتميز المجتمعات المعاصرة بتعدد هوياتها الثقافية وبأنماط حياتها المختلفة؛ وهو ما يطرح على الفكر السياسي والأخلاقي مشكلات عديدة ليس أقلها البحث عن المبادئ التي تضمن التعايش السلمي، وتقر في الوقت نفسه بالحقوق التي تضمن العدل والمساواة بين مختلف أفراد المجتمع. وإذا
كانت هنالك مقاربات نظرية مختلفة تتفاوت فيما بينها من حيث الطرح، وتقديم البدائل، فإن نظرية الاعتراف بما هي عدل في صورته التوزيعية والرمزية، تعدّ مقاربة ملائمة للإجابة عن هذه المسألة؛ وذلك بسبب إقرارها بالحقيقة الواقعية للمجتمعات المعاصرة المتمثلة في التعدد الذي يطبعها والذي لا يمكن إنكاره، ويتطلب الإقرار به وهو ما يعني عدم الاكتفاء بإقرار التعدد بوصفه واقعًا قائمًا فقط، وإنما الاعتراف بالتعدد بوصفه قيمة. من هنا أصبح الاعتراف في الفكر السياسي عمومًا، وفي الفلسفة الاجتماعية تحديدًا، بديلً نظريًّا وعمليًّا لتحقيق الاندماج داخل المجتمع، ومحاولة للحد من أشكال الظلم المختلفة التي تصيب فئات اجتماعية كثيرة، ويظهر بجلاء في العلاقة بين المطالب المختلفة التي ترفع باسم الهُوية وبين الحاجة إلى الاعتراف بها. والمبدأ الأساسي الذي يحكم هذه العلاقة هو أن هُويتنا تتشكل جزئيًّا بالاعتراف أو بغيابه، وكذلك بالإدراك الخاطئ أو السيئ الذي يملكه الآخرون عن هُويتنا. وينجم عن هذا أن عدم الاعتراف أو الاعتراف غير المطابق أو المشوه، يمكن اعتباره ظلمًا، ويشكل نوعًا من الاضطهاد؛ لأنه يؤطر ويسجن شخصًا ما أو مجموعة من الأشخاص أو هُوية معينة في نوع من الوجود الخاطئ أو المشوه أو المختزل. ولقد قُدِّمَت مجموعة من النظريات في هذا السياق، منها نظرية الفيلسوفين الكنَديَين تشارلز تايلور Taylor Charles، وويل كيمليكا Kymlika Will، والفيلسوفة الأميركية نانسي فريزر Fraser Nancy، والفيلسوف الألماني أكسل هونيث Honneth Axel، والفيلسوف الفرنسي بول ريكور Ricœur Paul وغيرهم62. فما موقف الفيلسوف ديكومب من الاعتراف؟ وما المقاربة التي يقدمها في هذا الشأن؟ يرى ديكومب أن الاعتراف بالمطالب، أيًّا كان نوعها، يحتاج إلى مبدأ موجه ومنظم في الوقت نفسه، يمكننا أن نميز به بين تلك المطالب التي تتعلق بالمساواة، مثل مطلب النساء في الحق في الانتخاب، والمطالب المتعلقة بالاختلاف مثل مطالب فئات اجتماعية أو ثقافية أو دينية لبعض الأقليات، كمطالب المسلمين في المجتمعات الأوروبية، أو غيرهم من الديانات والثقافات الأخرى. ويبدو من الناحية النظرية أن المطلبين: المساواة والاختلاف، هما مطلبان لفئات اجتماعية، إلا أن ثمة فرقًا أساسيًّا، وهو أن مطالب النساء متعلقة بمطلب المساواة مع جميع المواطنين، في حين أن المسلمين في المجتمع الأوروبي، على سبيل المثال، يطالبون بالحق في الاختلاف. وإذا كانت المطالب بالمساواة لا تطرح مشكلات سياسية واجتماعية كبيرة، فإن مطالب الاختلاف هي التي تطرح مشكلات قد تؤدي إلى تمزق المجتمع نفسه. ولذا، فإنه بدلً من اعتماد سياسة في الاعتراف كتلك السياسة التي اتبعتها بعض البلدان مثل كندا باعتبارها مجتمعات هجرة، فإن ديكومب يرى أن أفضل وسيلة للاعتراف بمطالب الاختلاف هي التشريع بالإعفاءات أو الاستثناءات Dérogation، وفقًا للحالة المطلبية، مع الإبقاء على المساواة بصفتها مبدأ موجهًا ومنظمًا. ولكن المشكلة التي تواجهها المجتمعات المعاصرة هي أن جميع المطالب يجري صياغتها في شكل مطلب المساواة في حين أنها في حقيقتها مطالب اختلاف، وهو ما يظهر في المجتمع الفرنسي الذي تحولت فيه قضايا الهُوية إلى أزمة. والحل، كما يقول، "يتمثل
في الرهان على المدرسة لبناء الهُوية الجماعية. فعلى الرغم من قدوم الناس إلى الولايات المتحدة الأميركية من مختلف أصقاع العالم، فإن أبناءهم في الصباح، يبدؤون يومهم الدراسي بتحية العلم. قد لا يحل هذا النهج العنصرية التي تخترق المجتمع الأميركي، ولكنه سمح بوجود الأمة الأميركية. لذا فإن المدرسة هي الوسيلة المثلى للاندماج، شريطة أن نحرص على أن تقدم المعرفة والقواعد نفسها للجميع، ونستبعد كل نوع من أنواع الأحادية الثقافية"63. لم يكتف ديكومب بتقديم هذا الحل الذي نعلم أنه يمثل رهان الجمهورية الفرنسية، رغم الاعتراضات والانتقادات الموجهة إليه، بسبب مفارقاته التطبيقية، وإنما عززه بمبدأ العلمانية، وذلك في معرض رده على الانتقادات التي أثارها كتابه إرباكات الهُوية، وخاصة الانتقادات التي قدمها الفيلسوف ستيفان هبار Haber Stephane. وفي هذا السياق يرى أن الانتماء إلى الهُوية الجماعية يجب أن يقوم على مبدأ الاستقلالية الذاتية للهوية الشخصية، وأن الانتماء السياسي وليس الديني هو الذي يسمح بذلك، ومن هنا تأتي ضرورة العلمانية بوصفها مبدأً منظمًا للهُوية الذاتية في علاقتها بالهُوية الجماعية64.
خاتمة وخلاصات عامة
يؤدي هذا التحليل في خطوطه العامة إلى جملة من النتائج الأولية والملاحظات النقدية الآتية: 1. لا يمكن فصل مقاربة ديكومب عن أزمة الهُوية وخطاباتها التي تعرفها الثقافة الفرنسية المعاصرة عمومًا، وطبعت الخطاب الفلسفي الفرنسي على وجه التحديد، وهو ما تبينه مختلف أعماله التاريخية والنظرية. 2. تعتمد مقاربة ديكومب الفلسفية على خطوتين متكاملتين؛ الأولى تحليلية توضيحية، والثانية تركيبية نقدية. تظهر الخطوة الأولى في اعتماده على نظرية الاستعمال التي قدمها فتغنشتاين في كتابه بحوث فلسفية، لتحليلٍ وتوضيحٍ لمفهوم الهُوية الذي يتكون من ثلاثة مستويات: منطقية، وقانونية، وأخلاقية. وخطوة تركيبية تعتمد على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وعلى جهود الأنثروبولوجي الفرنسي لوي ديمون Dumont Louis (1998–1911) في تحليله للحداثة، ضمن منظور محدد للفلسفة الاجتماعية65. 3. مصدر الهُوية المعاصرة هو الهُوية المرضية، أو أزمة الهُوية، أو اضطرابات الهُوية النابعة من مآسي التاريخ، ومن الهجرة، والتغيرات الاجتماعية، وخاصة عملية الانتقال من نظام معياري إلى نظام آخر. ولقد أدت هذه الوضعية إلى طرح سؤالين متكاملين ومشروعين، هما: من أنا؟ ومن نحن؟
4. يغلب التشخيص والتحليل على المقاربة الفلسفية للفيلسوف ديكومب، وخاصة إذا ما قورنت بما قدمه تشارلز تايلور أو بول ريكور، ولعل مرد ذلك يعود إلى طريقته التي تنتمي إلى الفلسفة التحليلية التي تعطي الأولوية للتحليل على التركيب، ولأن مفهوم الهُوية في استعمالاته المعاصرة يعد مثالً للبس والغموض الذي يحتاج إلى التحليل والتوضيح قبل كل شيء. ولكن ذلك لم يمنعه من تقديم مفهوم للهُوية الذاتية هو المفهوم التعبيري القائم على القرار الإرادي الذي تتخذه الذات التي تتحدد بأصولها الإنسانية، وليس فقط بحقيقتها الفردية، مما يجعلها في علاقة بالهُوية الجماعية التي تنتسب إليها. 5. ما يسوغ تمدد الهُوية الشخصية إلى الهُوية الجماعية، حاجتها إلى الاعتراف، وطابعها التاريخي وليس الطبيعي، الذي يظهر في مفهوم المخيال Imaginaire. يقول: "إن الفرد الباحث عن هُويته لا يكتفي بسؤال: ما هي أعمالي؟ ولكنه يسأل أيضًا: ما التاريخ الذي أشارك في صناعته؟"66. وبهذا المعنى، فإن الهُوية الجماعية ليست مجرد قائمة من الصفات الخاصة بأمة معيّنة، وإنما هي التاريخ بوصفه سُلطة تكوينية ودائمة لجماعة معيّنة. 6. يرتبط حق الفرد الحديث في الازدهار والتحرر بحقه في أن يحدد هُويته بالصفة التي يراها، ويسمح له بأن ينسج روابط وعلاقات اجتماعية غير ملزمة كما يفترض ذلك العقد الاجتماعي، وإنما بإمكانية توظيف مفهومه للهوية الذاتية أو الشخصية نحو التصالح مع إنسانيته الخاصة67. 7. لا يعدّ الإقرار بتعدد الهويات حلًّ لأزماتها المختلفة، وخاصة على مستوى الهُوية الذاتية، كما لا يمثل نموذج الاعتراف حلًّ مناسبًا لكل المجتمعات التي تختلف بسياقاتها التاريخية التكوينية؛ ولذا يجب العمل على التمييز والتوضيح بين المطالب القائمة على قيمة المساواة ودعمها، والمطالب القائمة على الاختلاف التي يجب أن تخضع لإجراءات قانونية خاصة يمنحها حق الاعتراف. 8. لم يقدم ديكومب المسوغات الكافية لإعطاء الأولوية للسياسي على الديني، والجماعي على الذاتي. وما حلله تحت اسم "نحن" لا يبدو كافيًا، لأنه يطرح سؤالً مشروعًا، وهو: ما الذي يجعل هذا ال "نحن" الخاص بالمواطنة القومية، له أولوية على ال "نحن" الثقافي أو الجماعي أو الديني أو غيره من أشكال ال "نحن"؟ ثم ما الذي يجعل هذه الأولوية مانعة لأشكال الصراع والحرب، ونحن نعلم أن "القوميات" وراء كثير من الحروب؟ 9. على الرغم من الكفاءة التحليلية التي يتميز بها ديكومب، فإنه اكتفى بالإشارة إلى خطوط عامة في نظرية الاعتراف، إذا ما قورن بما قدمه فلاسفة الاعتراف، وذلك على الرغم من العلاقة الضرورية بين الاعتراف والهُوية الشخصية أو الهُوية الجماعية كما بينته أكثر من دراسة في هذا الموضوع. ولعل ما يلفت الانتباه أكثر في مقاربته للهُوية ضمن الفلسفة الاجتماعية هو تجنبه لأي حديث عن علاقة
الهُوية الشخصية أو الجماعية بأشكال الهيمنة الاجتماعية المختلفة، مع أن هذه مسألة مركزية في كل تحليل نفسي أو اجتماعي أو سياسي أو فلسفي. 10. رغم مشروعية هذه الأسئلة والملاحظات النقدية حول المقاربة التحليلية التي قدمها ديكومب، فإنه من الإنصاف والموضوعية القول: إن ثمة جوانب كثيرة منها تحتاج إلى الدراسة والبحث والمقارنة، وخاصة علاقة الهوية بالذات، والأنا، والفرد، والأصالة، والمجتمع، والفن... إلخ.
References
المراجع
العربية
باومان، زيجومنت. الثقافة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، بغورة، الزواوي. "هوية الإنسان". مجلة الهوية (مكتب الشهيد التابع للديوان الأميري الكويتي). الغرسة السابعة والثلاثون.)2004(
_______. الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل. بيروت: دار الطليعة،.2012
_______. "سؤال الهوية". مجلة الهوية (مكتب الشهيد التابع للديوان الأميري الكويتي). الغرسة الخامسة والثمانون.)2016(
_______. المنهج البنيوي: أصوله ومبادئه وتطبيقاته، دراسة ومعجم. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ثربانتس. دون كيخوتة. ترجمة عبد الرحمن بدوي. دمشق: دار المدى للثقافة والنشر،.1998
ريكور، بول. الذات: عينها كآخر. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005.
سيف، أنطوان. مصطلحات الفيلسوف الكندي: بحث تحليلي. بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، صن، أمارتيا. الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي. ترجمة سحر توفيق. سلسلة عالم المعرفة.352 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2008
ليفي ستراوس، كلود. الفكر البري. ترجمة نظير جاهل. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1984
الأجنبية
Balibar, Etienne. "Identité culturelle, identité nationale," Quaderni , no. 22 (1994).
Berthelot, Jean–Michel. Epistémologie des sciences sociales. Paris: PUF, 2001.
Braudel, Fernand. L’identité de la France. Paris: Editions Artaud–Flammarion, 1986.
Courtier, V. L’identité, Dictionnaire encyclopédiques. Paris: Editions Gallimard, 2020.
Descombes, Vincent & Charles Larmore. Dernières nouvelles du moi. Paris: PUF, 2009.
Descombes, Vincent. Modern French Philosophy. L. Scott-Fox & J. M. Harding (trans.).
Cambridge: Cambridge University Press, 1979.
________. Le même et l’autre: Quarante-cinq ans de philosophie française. Paris:
Editions Minuit, 1979.
________. Grammaire d’objets en tous genres. Paris: Editions Minuit, 1983.
________. Philosophie par gros temps. Paris: Editions Minuit, 1989.
________. Les institutions du sens. Paris: Editions Minuit, 1996.
________. "Les individus collectifs." Revue du MAUSS. no. 18 (2001).
________. Le complément de sujet. Paris: Editions Gallimard, 2004.
________. Le raisonnement de l’Ours, et autres essais de philosophie pratique. Paris:
Editions Seuil, 2007.
________. Philosophie du jugement politique. Paris: Editions Seuil, 2008.
________. "Les identités collectives." Annuaire de l’EHESS , Comptes rendus des cours
et conférences (2010).
________. "Réflexions sur les questions d’identité." Bulletin de la société française de
philosophie. no. 105 (2011).
________. Exercices d’humanité. Paris: Editions Les Petits Platons, 2013.
________. Le sociale à l’esprit. Paris: Editions EHESS, 2013.
________. Les embarras de l’identité. Paris: Editions Gallimard, 2013.
________. Le parler de soi. Paris: Editions Gallimard, 2014.
________. "Les embarras de l’identité." L’Information psychiatrique. no. 91 (2015).
Dubar, Claude. La crise de l’identité, l’interprétation d’une mutation. Paris: PUF, 2001.
Erikson, Erik. Identity: Youth and Crisis. New York: W.W. Norton & Company and Ltd,
Labica, Georges. "À quoi sert l’identité?" L’Homme et la société. no. 135 (2000).
Lévi–Strauss, Claude. L’identité. 3 ème ed. Paris: PUF, 1987.
Lionel, Fouré. "Entretien avec Vincent Descombes." Le Philosophoire. no. 25 (2005).
Martelli, Roger. L’identité c’est la guerre. Paris: Les liens qui libèrent, 2016.
Masala, Alberto et al. La morale humaine et les sciences. Paris: Éditions Matériologiques,
Mesure, Sylvie & Alain Renaut. Alter Ego, Les paradoxes de l’identité démocratique.
Paris: Editions Aubier, 1999.
Morin, Edgar. La méthode , 5. L’humanité de l’humanité: L’identité humaine. Paris:
Editions Seuil, 2001.
Nabli, Belegh. La république identitaire, ordre et désordre. Paris: Editions du Cerf,