المقاربة النسوية لفكرة الهوية في فلسفة مارثا نوسباوم
The Feminist Approach to the Notion of Identity in Martha Nussbaum’s Philosophy
الملخّص
هذه الدراسة محاولة للتحليل والاختبار لمقاربة مارثا نوسباوم النسوية لفكرة الهوية، وتتوسل في ذلك المنهجين التحليلي والنقدي. يقدم المحور الأول تيرمنولوجيا للمصطلحات المستخدمة في كتاباتها، ويقدم المحور الثاني تحليلا للعلاقة بين فكرة الهوية وما تسميه نوسباوم بمقاربة الإمكانيات، ثم يأتي المحور الثالث بوصفه مخططاً وصفياً لسمات مقاربة الإمكانيات لديها، أما المحور الرابع فهو محاولة لاستكشاف النتائج المترتبة على هذه المقاربة في حالة "الوصم الاجتماعي والشعور بالعار." وجاء القسم الخامس من البحث كنوع من الرؤية النقدية لنسخة نوسباوم من النزعة النسوية ومقاربة الإمكانيات.
Abstract
Abstract: This research is an attempt to analyze and examine Martha Nussbaum’s feminist approach to the notion of Identity through instrumentalizing both the analytical and the critical method. First, we began with identifying the terminology used in her writings, and then we explored the relationship between the notion of identity and Nussbaum’s Capabilities approach. We follow that in the third section with a descriptive scheme of the traits of her Capabilities approach. In the fourth section, we moved to explaining the consequences of her approach as evident in the case of "social stigma and the feeling of shame." and finally, we concluded with a critical assessment of Nussbaum’s version of feminism and the capabilities approach.
- النزعة النسوية
- الهوية
- مقاربة الإمكانيات
- الهوية الثقافية
- الوصم الاجتماعي
- المذهب الليبرالي
- النزعة الإنسانية
- Feminism
- Identity
- Capabilities approach
- Cultural Identity
- Social Stigma
- Liberalism
- Humanism
مقدمة
تعد مارثا نوسباوم Martha C. Nussbaum واحدة من أبرع الفيلسوفات النسويات في الحقبة المعاصرة، وأكثرهن تفرّدًا في معالجة القضايا الأخلاقية والسياسية. فمنذ كتابها الأول
هشاشة الخير The Fragility of Goodness (1986)، وصولً إلى قلاع الفخر Citadels of Pride
(2021)، نجد مجموعة مميزة من الثيمات التي تُضفي على فلسفتها طابعًا خاصًا: فهي فلسفة نسوية، ولكنها متحررة من كونها مجرد استجابة نقدية لسياق ثقافي أو تاريخي بعينه، كما هو الحال مع سيمون دي بوفوار Beauvoir de Simone (1986–1908)، أو جوديث بتلر Butler Judith. وتُعدّ فلسفة نوسباوم ذات طابع إنساني شامل في محاولتها صياغة معيار أخلاقي كوني لازدهار الحياة البشرية، ولكنها في الوقت نفسه تراعي الاختلافات الدينية والأيديولوجية والمعرفية، والتنوع الهائل بين الثقافات البشرية. وتعالج نوسباوم في فلسفتها مشكلات معاصرة ذات طبيعة حيوية، على غرار الطبيعة البشرية والرغبات والانفعالات، والعلاقة بين المشاعر والقانون والعدالة، والحياة الأكاديمية والتنوع الثقافي، والأخلاق والبيئة، والجنس والهوية، ولكنها تقوم بذلك من خلال الرجوع إلى أعمال الفلاسفة الكلاسيكيين مثل أرسطو، وسينيكا، وأوغسطين، وتحويلها إلى أدوات معرفية قادرة على بيان الطابع الإشكالي لأفكار، وإثارة التساؤلات حولها وإعادة بنائها تاريخيًا ومعرفيًا. وعلى الرغم من الطابع العلمي للكثير من أطروحاتها وإحالاتها المتكررة لعلم النفس التطوري وعلم نفس النمو والاقتصاد والعلم المعرفي، نجد أن نوسباوم تعطي مكانة مميزة لأدب والأعمال الروائية الكلاسيكية بوصفها مَعينًا لا ينضب للتأمل الفلسفي، ومن ثم فإن أعمال تشارلز ديكنز Dickens Charles) 1870–1812(وصمويل بيكيت Beckett Samuel (1989–1906)، وإيميلي برونتي Bronte Emily (1848–1818)، لا تقل أهمية عن أعمال سيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856)، وجان بياجيه Piaget Jean (1980–1896)، وأمارتيا سن Sen Amartya. وتُعدّ فكرة الهوية بمنزلة حجر الزاوية الذي تتلاقى حوله الكثير من أطروحات نوسباوم الفلسفية، سواء أعمالها الأولى التي تتمحور حول فكرة الهوية الشخصية Identity Personal، أو أعمالها اللاحقة التي تدور حول فكرة الهوية الثقافية Identity Cultural. لكن مقاربة هذه الفكرة من المنظور النسوي لديها تُكسبها طابعًا إشكاليًا مثيرًا للتساؤلات، وموحيًا بالاستبصارت الملهمة في آنٍ معًا. فعلى سبيل المثال؛ هل يُعتبر الطابع النسوي لفلسفة نوسباوم إطارًا مرجعيًّا يحكم فلسفتها ويوجّه معالجتها لفكرة الهوية، أم أنه أداة للتحليل المتعالي Transcendental لفكرة الهوية على الطراز الكانطي، تستخدمها نوسباوم عن وعي لتنقلنا من التركيز على فكرة الهوية في حد ذاتها إلى التركيز على الكيفية التي نعالج بها هذه الفكرة وفقًا لاختلاف أطرنا المرجعية؟ وكيف يمكننا التعامل مع الطابع المتناقض لفكرة الهوية ذاتها، فهل ننظر إليها باعتبارها ما يجمع الذات مع الآخرين، ويجعلهم موضوعًا للقبول والمديح، ويشتركون معنا في معايير واحدة للسلوك والفعل والتكوين ندافع عنها ونتبنّى رؤيتها للعالم، أم أنها ما يعبّر عن تفرّد الذات وإبداعها وخصوصيتها، وما يجعلها في بعض الأحيان موضوعًا للرفض والإقصاء، بل أيضًا موضوعًا للعنف، وفقًا لتعارضها مع معايير الجماعة وتبنّيها لرؤية مختلفة؟ هل تستطيع نوسباوم في
مقاربتها أن تتجاوز هذه التناقضات أم أنها تكتفي بممارسة المهمة الفلسفية العتيدة في إثارة التساؤلات على المستوى النظري فقط من دون محاولة التطبيق؟ هذه التساؤلات ذات الطبيعة المفارقة هي جوهر إشكاليتنا. وستتمثل منهجية معالجتها في تحليل الافتراضات الأساسية التي تبني عليها نوسباوم مقاربتها، ومن ثم استكشاف ما تتضمّنه من مفارقات وما يترتب عليها من نتائج، وأخيرًا، تقديم رؤية نقدية لمقاربة نوسباوم لبيان موضعها ومدى ملاءمتها في سياق الفكر النسوي من جهة، وامتحان ما تقدّمه من أدوات معرفية تحاول من خلالها أن تعيد صياغة فكرة الهوية من جهة أخرى.
أولا: تيرمنولوجيا وتحليلات أولية
1. الطابع الإشكالي لتعريف النزعة النسوية
ترجع صعوبة تحديد مصطلح النسوية Feminism، وما يتضمنه عندما يُستخدم للإشارة إلى توجهات الإنسان الفكرية، إلى أنه أصبح ذا طابع غامض بفعل العديد من التحيزات المسبقة، والمفاهيم المغلوطة والآليات الثقافية التي تهدف إلى تكريس عدم المساواة. بل إن اللامساواة القائمة على أسس نوعية (جندرية)، مثل اللامساواة القائمة على أساس الهوية الجنسية أو العرقية، قد أصبحت بمنزلة أسلوب طبيعي لمعظم الممارسات الثقافية، وأساليب الحياة قرونًا طويلة. وبالنسبة إلى البعض، "تأخذ هذه الإشكالية طابعًا بسيطًا يبدأ وينتهي مع حق المرأة في الانتخاب أو الحصول على فرصة عمل، وبالنسبة إلى البعض الآخر يُعتبر مفهوم اللامساواة النوعية من الآثار التي تنتمي إلى الماضي، لأن النساء اليوم يتمتعن بمساواة اقتصادية واجتماعية وقدرة على الوصول إلى مكانة ومميزات لم تكن متاحة في السابق"1. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك من يرون في النزعة النسوية مجرد موضة فكرية انقضى أوانها، ومن يرون أنها لا تمثل إطارًا مرجعيًا ملائمًا لوصف موقفهم الفكري، ويترتب على ذلك أن أيّ محاولة للتعريف ستكتسب طابعًا نسبيًا بفعل السياق التاريخي والثقافي الذي تجري فيه هذه المحاولة من ناحية، وأن هذا التعريف سوف يكتسب طبيعة علائقية تفرضها مشكلات الواقع المعيش المعقدة والمتشابكة التي يأتي هذا التعريف محاولةً لتأطيرها ومعالجتها من ناحية أخرى. تاريخيًا، لم يكن مصطلح النسوية، في نشأته الأولى في نهاية القرن التاسع عشر بفرنسا، مرتبطًا بأيّ مسعى فلسفي ذي طبيعة تأسيسية، بل جاء لصياغة واقع قد اكتمل بالفعل من خلال نضال واقعي في سبيل حصول المرأة على حقها في العمل والتعليم والتصويت الانتخابي؛ فالنسوية بمعناها العام تعني "كل جهد نظري أو عملي يهدف لمراجعة واستجواب أو نقد أو تعديل النظام السائد في البنيات الاجتماعية، الذي يجعل الرجل هو المركز، هو الإنسان، والمرأة جنسًا ثانيًا أو آخر، في منزلة أدنى،
فتفرض عليها حدودًا وقيودًا، وتمنع عنها إمكانات للنماء والعطاء، فقط لأنها امرأة"2. ولذلك، لم تتجاوز الموجة الأولى من النسوية حدود التأكيد على المساواة بين الجنسين وإزالة الفارق النوعي بين الرجل والمرأة في مجال العمل والحياة السياسية. لكن الموجة الثانية من النسوية في ستينيات القرن الماضي، على الرغم من استمرار ارتباطها بأصولها الاجتماعية والسياسية، أصبحت أكثر تعقّدًا من الناحية النظرية؛ فالقضايا التي ناقشتها مثل التفرقة العنصرية ومناهضة الحرب وتطوير مبادئ المذهب الليبرالي، إضافة إلى المجال الخاص (الجنوسة، والعائلة، والحق في التناسل، والعنف المنزلي، والممارسات الثقافية الضمنية ذات الطابع الرمزي)، وما يستدعيه ذلك من تمييزات بين العام والخاص أو السياسي والأخلاقي، كل هذه الأمور جعلت من تعريف النسوية وممارساتها وأهدافها أكثر تعقّدًا وأكسبتها نضجًا فكريًا "فاستهدفت البحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المساواة مع الرجال، وطبقًا للنموذج الذكوري السائد للإنسان/ الرجل. فلا بد من إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن بوصفهن نساء، ثم صياغة نظرية عن هذه الهوية النسوية، أي الأنثوية، وتحولاتها الممكنة"3. من هنا، كان الارتباط الجوهري بين النزعة النسوية، سواء على مستوى التعريف أو الخطاب الأكاديمي أو الممارسات الواقعية، وبين فكرة الهوية، ماثلً منذ البداية.
2. الهوية والنزعة النسوية
هذه هي الروح التي استلهمتها سيمون دي بوفوار في إعلانها أن المرأة لا تولد، بل تصبح امرأة. وعلى هذا الأساس، كانت الأسئلة الرئيسة لعملها الأكبر الجنس الآخر تدور في أفق فكرة الهوية: "هل هناك مشكلة؟ وما هي؟ هل هناك نساء من الأساس؟ صحيح أنه لا يزال هناك أتباع للنظرية التي تدعو إلى أبدية العنصر الأنثوي، ونجدهم يهمسون، حتى النساء في روسيا ما زلن نساء بدرجة كبيرة، وهناك مجموعة أخرى ترى أن النساء يفقدن أنفسهن، ومن الصعب أن نعرف إذا ما كانت النساء ما زلن موجودات [...] لكن أولً، وقبل كل شيء، ما هي المرأة؟"4. وقد استمر السؤال عن الهوية في قلب النزعة النسوية حتى مع اتساع دائرة اهتماماتها لتشمل علم الجمال والإبستيمولوجيا والميتافيزيقا وفلسفة العلم، فترى بتلر أن السؤال عن هوية النساء يمثّل ضرورة لفهم فكرة الهوية بمعناها العام، وتحديدًا في فضاء التمثيل السياسي؛ فالنظرية النسوية "افترضت دومًا وجود هوية من نوع ما، تُفهم من خلال مقولة: النساء، وهي مقولة لا يقتصر دورها على تحديد الاهتمامات والأهداف داخل الخطاب، ولكنها تعمل أيضًا على تأسيس الموضوعات التي يجري السعي لتمثيلها سياسيًا"5. لهذا، ترى بتلر أن أكبر مشكلة تواجه النزعة النسوية هي الافتراض الشائع الذي مؤداه أن النساء يشتركن في هوية واحدة
يُعتبر تحديدها كافيًا لمعالجة مشكلات النساء عبر مختلف الثقافات، في حين أن كلمة "نساء" هي مجرد دال لغوي يرتبط بالعديد من المدلولات ذات الطبيعة الخاصة في كل ثقافة، ويترتب على ذلك، بالنسبة إلى بتلر، أن الاعتقاد بهوية شاملة للنساء ليس سوى تعبير عن أن الاضطهاد الذي يتعرّضن له، يأخذ شكلً واحدًا فقط، يمكن تمييزه في البناء البطريركي للهيمنة. ومن ثم، فإن إعادة فهم فكرة الهوية تُعدُّ خطوةً أولى ضرورية للوعي بالدور الذي تؤديه السياقات الثقافية المتنوعة في عملية الاضطهاد، وفقًا لمبادئ عديدة مثل النوع والعرق واللغة. إن "خصوصية" الهوية النسوية تُنزَع من سياقها، وتُفصَل تحليليًا وسياسيًا عن مكونات الطبقة والعرق والمحاور الأخرى لعلاقات السلطة، وهي محاور تقوم بتشكيل وخلق لهذه الهوية. وإذا انتقلنا إلى نوسباوم، سنجد أن فكرة الهوية لديها تُعدّ خيط أريان الذي يمكن الاسترشاد به في رحلة استكشاف فلسفتها، سواء في تحليلاتها الأخلاقية الأولى ومناقشتها لأعمال الكتّاب الإغريق التراجيديين، أو قراءتها لأعمال الفلسفية الكلاسيكية، والأعمال الأدبية ذات الطابع الفلسفي، أو تطويرها لما تسميه ب "مقاربة الإمكانيات" التي تهدف إلى تقديم فهم أفضل للطبيعة البشرية وعوامل نموها وازدهارها، ولعرضية السياق الثقافي الذي توجد فيه هذه الطبيعة بصورة تحافظ على كرامة الإنسان وتوفر له الإمكانات اللازمة للسعي وراء تصوره عن الخير، بالتعاون مع أقرانه من البشر. ففي كتابها الأول هشاشة الخير، تسعى نوسباوم لتقديم أفكارها عن الهوية في ثنايا التعليق على أعمال الكتّاب الإغريق التراجيديين؛ إسخيلوس Aeschylus، وسوفوكليس Sophocles، ويوربيديوس Euripides، وذلك في مواجهة المفهوم الأفلاطوني عن الحياة الأخلاقية الفاضلة التي تزدهر فيها الموجودات البشرية من خلال تبنّي سلوك فاضل وشخصية فاضلة بالضرورة، إذ إن هذه الرؤية الأفلاطونية تجعل من الهوية "مكتفية بذاتها" أو "غير معرّضة لتقلبات الظروف وسياق الحياة والأحداث الخارجية"، وتستكمل نوسباوم هذه الرؤية للهوية بالتحيّز إلى أرسطو الذي تقرّ فلسفته بمكانة مقبولة "للتغيرات العرضية" التي يتوقف عليها نمو البشر وازدهارهم، وتجلّي طبيعتهم وهويتهم. إن الحياة البشرية برمّتها عرضية؛ لذلك، فإن أيّ مقاربة للهوية لا يمكن أن تقوم على افتراض أن الفرد يجب أن يتصرف كأنه في استقلال تام عن عرضية الحظ، أو أن القيم الأخلاقية ذاتها منيعة في مواجهة هذه العرضيات. لهذا، تقدّم نوسباوم فكرة مختلفة عن الهوية الإنسانية، تستوحيها من بيت للشاعر الإغريقي بندار Pindar: "لكن السمو البشري ينمو مثل شجرة الكرمة، يتغذى على الندى الأخضر، ويرتفع، بين الحكماء والعادلين من بني البشر، حتى يبلغ السماء السائلة"6، وتترجم نوسباوم هذا البيت على النحو التالي: "لست مجرد فاعل، لكنني أيضًا نبتة [...] فأنا لم أتحرك نحو ما سيجعلني موضعًا للمديح أو اللوم على ما أنا إياه"7. إن النظرية الأخلاقية الصائبة لا بد، إذًا، من أن تأخذ في اعتبارها عرضية الحياة الإنسانية التي تمتد جذورها في سياق اجتماعي وثقافي بعينه، والتي تتجسد أيضًا في ثقافة وجسد لا يختار الإنسان أيًّا منهما.
ووفقًا لهذا الرؤية، تأتي مقاربة الإمكانيات لدى نوسباوم بوصفها محاولة لتصور الشروط الضرورية لإبداع السياق الثقافي والاجتماعي الأكثر ملاءمة، والذي يمكن أن تتشكل في فضائه التفضيلات والرغبات والمشاعر المكونة للهوية، على نحو يفي بمتطلبات الكرامة الإنسانية ونمو الطبيعة البشرية وازدهارها، وتتميز هذه المقاربة بسمتين؛ الأولى: أنها "تتبنى موقفًا حداثيًا في الدفاع عن النزعة الكونية والاتساق في مواجهة التأكيد ما بعد الحداثي على السياقات المحلية الخاصة، والذوات المُزاحة عن المركز"8، والثانية: هي أنها تنظر إلى الأدب، وبوجه خاص الرواية الحديثة، على أنه مصدر للتأمل والاستبصار الفلسفي، كما سبق أن أشرنا؛ فمثلً، في كتاب معرفة الحب"نجدها تقرأ أعمال أدباء مثل هنري جيمس، وديكنز، وبروست، وبيكيت، باعتبارها تقتسم الاهتمام نفسه بالفلسفة الأرسطية. إن أعمالهم تخاطب مشكلة الكيفية التي ينبغي أن يحيا بها المرء حياته، وهي تقوم بذلك تحديدًا من خلال مخاطبة تيمة اللامقايسة بين القيم البشرية، وأولوية الخاص على العام"9. وسنحاول في المحور التالي القيام بمعالجة تحليلية لأهم أفكارها، ثم استكشاف ما تتضمّنه من نتائج بشأن فكرة الهوية.
ثانيًا: الهوية ومقاربة الإمكانيات
إن الكيفية التي تتحدد بها هذه الهوية وتحقق إمكانياتها هي ما تسميه نوسباوم ب "مقاربة الإمكانيات"، فهي تقدّمها باعتبارها تجسيدًا فلسفيًا للإطار المرجعي الأكثر ملاءمة للتعبير عن تنمية درجة الرخاء الاقتصادي اللازمة لتقييم السياسات العامة في مجتمعاتنا البشرية، وفقًا لمعيار قدرتها على التقدم بإمكاناتنا الفردية، لكي نسلك بطريقة محددة في سبيل هدفٍ بعينه (على سبيل المثال: الانخراط في مجموعة من الأنشطة التي تهدف إلى تحقيق شكل من أشكال الوجود أو العمل، كالتحرر أو الحفاظ على الكرامة أو الارتقاء بالوجود البشري)، وهي مقاربة ترى نوسباوم أن رائدها الأول هو أمارتيا سن. مع ملاحظة أن التطويرات التي تقوم بها نوسباوم في صياغة هذه المقاربة، تجعل منها أيضًا أداة معيارية لتقييم التدابير السياسية، ومدى فهمنا لفكرة العدالة، وفقًا لمدى نجاحنا في تبنّي الإمكانيات الفردية التي من شأنها مساعدتنا على الانخراط في الأنشطة الضرورية لنمو الحياة الإنسانية بمعناها الحقيقي، أو إخفاقنا في القيام بذلك. وبالنسبة إلى نوسباوم، تتضمّن هذه الإمكانيات أن يحيا المرء حياة طويلة وطبيعية، وأن يتمتع بصحة وافرة، وأن يتمتع بسلامة جسدية، وأن يكون لدى الإنسان القدرة على استخدام عقله بطرق تحميها وتضمنها حرية التعبير عن الرأي، وأن يتمكن من إقامة ارتباطات عاطفية، وأن يشارك في عملية صنع القرار السياسي، من بين العديد من الإمكانيات الأخرى. يُعدّ هذا الإطار الفلسفي دفاعًا عن النزعة الإنسانية الكونية، من خلال العودة إلى الفكرة الأرسطية التي مؤداها أن تحقيق الهوية الإنسانية يتطلّب وجود مجموعة من المبادئ الدستورية الأساسية التي ينبغي لحكومات جميع الأمم أن تحترمها وتطبّقها، باعتبارها الحد الأدنى من مقومات الكرامة
الإنسانية، والعنصر المميز لنسختها من هذه المقاربة هو أن غياب هذا "الحد الأدنى من الإمكانيات" أو ما تسميه ب "عتبة الإمكانيات"، يحول دون تكوين هوية المواطنين على النحو الذي يحقق "ازدهار الحياة الإنسانية"، ولذلك يجب على الحكومات أن تهتم بالتأكد من توفيره بصورة تليق بما هو "إنساني حقًا"، بحسب التعبير الماركسي. إنه الحلم الذي راود كارل ماركس في الأيديولوجيا الألمانية، أن "يتحرر العمل الإنساني ويحقق الإنسان ذاته في دائرة النشاط التي يتمناها، ويقوم المجتمع بتنظيم الإنتاج العام، ومن ثم يجعل من الممكن بالنسبة إليّ أن أقوم بشيء اليوم، وأقوم بشيء آخر غدًا، أن أصطاد الحيوانات في الصباح، وأصطاد الأسماك بعد الظهيرة، أن أرعى الأغنام في المساء، وأمارس النقد بعد العشاء، لأنني أملك عقلً، من دون أن أصبح أبدًا صائد حيوانات، أو صائد أسماك، أو راعي أغنام، أو ناقدًا"10. هذا الطابع الإنساني لفكرة الهوية، يقوم لدى نوسباوم على أساس فكرتَي الكرامة والمساواة بين الموجودات البشرية، باعتبارهما شرطين أوليَّين للسياق الثقافي الذي تتحقق فيه إمكانيات هذه الهوية، وتتميز هاتان الفكرتان بأنهما غير خاضعتين للمصادفة والأهواء، وتساعدان على خلق حياة إنسانية مزدهرة تتوافق مع جوهر الطبيعة البشرية، تقول نوسباوم: "تتمتع الموجودات البشرية بكرامة يجب أن تحترمها المؤسسات القانونية والاجتماعية. ولهذه الفكرة العديد من الأصول في الكثير من أشكال التراث القديم؛ وهي الآن تمثل جوهر الفكر الليبرالي الديمقراطي الحديث وممارساته في كافة أنحاء العالم"11. ووفقا لنوسباوم، تتألف فكرة الكرامة الإنسانية من الجمع بين فكرتي القيمة المتساوية لجميع أفراد النوع البشري من دون تمييز لمجرد كونهم بشرًا، وحرية هؤلاء البشر في خلق عالمهم الخاص بالصورة التي يرونها ملائمة لقيمهم ومُثلهم العليا. ولضمان تحقيق هذين الشرطين ونجاح المسعى البشري في سبيل خلق هوية تستوفي شرطَي الكرامة والمساواة، تلجأ نوسباوم في كتابها تثقيف الجنس البشري: الدفاع الكلاسيكي عن الإصلاح في التعليم الليبرالي، إلى المُثل العليا للعقلانية السقراطية والنزعة الرواقية الكوزموبوليتانية، لتجادل في سبيل قيام المؤسسات الأكاديمية في المجتمعات الليبرالية بالتركيز على التعليم المتنوع ثقافيًا، بهدف تزويدنا بثلاث قدرات ذوات أهمية قصوى وهي: 1. امتحان الإنسان ذاته ومجتمعه على الطريقة السقراطية، 2. فهم الإنسان أوجه التشابه بينه وبين من يعيشون خارج نطاق بيئته المحلية، 3. تدريب المخيّلة السردية من خلال محاولة تقمّص الإنسان وجدانيًا لشخصية إنسان مختلف عنه. لكن المحاولات التي يبذلها البشر في سبيل مقاومة اللامساواة والمطالبة بالحق في أن يعامَلوا باحترام، ربما تنجح في بعض الأحيان، وربما لا يصادفها النجاح في حالات أخرى كما هو الحال في أي مسعى إنساني. لكن الأمر المؤكد هو أن هذه الدراما الإنسانية تضعنا في مواجهة مجموعة من التساؤلات على غرار: "ما الذي يعنيه احترام كرامة الموجودات البشرية؟ ما نوع الدعم الذي تتطلبه الإمكانات البشرية
من العالم، وكيف يجب أن نفكر في مثل هذا الدعم عندما نقابل اختلافات متعلقة بالنوع أو الجنس؟ ما نوع المعاملة القانونية والسياسية المطلوبة لكي نعامل البشر بصورة متساوية تراعي كرامتهم في العالم الحديث؟ وكيف يمكن للفهم الأكثر عمقًا للجنس والنوع، أن يساعدنا في الإجابة عن هذا السؤال؟ وأخيرًا، كيف ينبغي أن يفكر بعضنا في بعض بصورة تتجاوز التمييزات التي خلقها تراث من الظلم؟ وكيف يمكننا – بالنظر إلى الخلفية الهائلة التي يقدّمها التاريخ للبشر فيما يتعلق بالتشكك والغضب، بل وربما أيضًا الكراهية – أن نتجاوز الكراهية من خلال الحب؟"12.
ثالثًا: السمات الخمس لمقاربة الإمكانيات
تقوم مقاربة نوسباوم لفكرة الهوية على محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال توضيح خمس سمات مميزة للنزعة النسوية، تصفها نوسباوم قائلة: "إن النزعة النسوية التي أدافع عنها هنا تتسم بخمس سمات واضحة: فهي نزعة عالمية، وإنسانية، وليبرالية، وتهتم بالتشكل الاجتماعي للتوجهات والرغبات، وتهتم بالفهم المتعاطف"13. وترى نوسباوم أنه ليس من الضروري أن تجتمع هذه العناصر سويًا في الوقت نفسه، بل إنها قد تبدو متعارضة في بعض الأوقات، لكنها على الرغم من ذلك تقدّم صورة قوية لمقاربة متسقة المعالم من شأنها أن تربط بين التقدم الذي أحرزته النزعة النسوية من جهة، وعناصر نظرية العدالة القومية والكوكبية من جهة أخرى. وتعالج نوسباوم هذه السمات الخمس من خلال العودة إلى الفلسفة الرواقية التي لا ترى فيها تلبية للطموحات الإنسانية في العدالة فحسب، بل في إدراك واعٍ بالتقابل بين الهوية القائمة على القومية، والهوية الكونية ذات الطابع الإنساني أيضًا. فالرواقيون لا يقدّمون فكرة المواطنة الكونية لمجرد ملاءمتها فحسب، بل إنهم يصرّون على أن هذا الموقف الكوزموبوليتاني ذو قيمة جوهرية في حد ذاته: "لأنه يتعرف إلى العناصر الجوهرية في البشر، وهي عناصر تستحق الإقرار بها واحترامها، والمقصود بذلك هو طموحهم نحو العدالة والخير، وقدرتهم على تقديم المبرر العقلاني لهذه الروابط. ربما يبدو هذا الجانب الجوهري أقل بريقًا من التراث المحلي والهوية المحلية، ولكنه، كما يرى الرواقيون، أكثر دوامًا وعمقًا"14. والنموذج الذي يقدّمه ماركوس أوريليوس Aurelius Marcus (180–121 م)، هو بمنزلة أساس إطار مرجعي فلسفي، يمكن من خلاله تقديم صورة للمواطنة الكونية تتفهم هوية الأمم كلها، وليس مجرد هوية الأقليات التي ترغب في تأكيد هويتها "إذ يتحدث عن طموحه في تحقيق فكرة جمهورية ديمقراطية تنطبق قوانينها على الجميع، ويقوم حكمها على أساس من المساواة وحرية التعبير عن الرأي، وهو هدف يجب السعي وراءه بنوع من الإحسان والكرم المتحمس والتفاؤل"15. وبالطبع، كان بعض هذه المفردات اللغوية جديدًا بالنسبة إلى أوريليوس، لكن لغة الكرامة والإنسانية والحرية والتفهم والتسامح والصداقة، لم تكن غريبة عنه كما ترى نوسباوم.
1. العالمية
تبدأ النزعة النسوية من الحياة الحقيقية للنساء، وهي حياة شديدة التنوع في أنماطها "ومن أوجه القصور التي تشير إليها نوسباوم هي التركيز فقط على المشكلات المشتركة بين الجماعات القومية مع تجاهل المشكلات التي تواجهها النساء في مختلف الظروف الاقتصادية والسياسية لمجرد كونهن نساء، "إن أنصار النزعة النسوية في الولايات المتحدة قد اعترفوا منذ زمن طويل بأن الحجج القائمة على الخبرات المستمدة من نساء الطبقة المتوسطة البيضاء، تُعدّ حججًا ناقصة بلا استبصارات وخبرات مستمدة من نساء يرجع انتماؤهن إلى أصول وأعراق أخرى"16. ويتضح هنا أن نوسباوم تركّز على المشكلات ذات الطابع المشترك بين جميع الثقافات التي تُعَدُّ محاولات التغلب عليها وتجاوزها محاولاتٍ للتوحيد بين النساء على المستوى العالمي في الوقت نفسه أيضًا، وهذا هو السبب في أن "مقاربة الإمكانيات تتضح معالمها وتتجلى في سياق سياسات التنمية العالمية، مع التركيز على الأمم الأكثر فقرًا والتي تكافح من أجل الارتقاء بجودة الحياة"17، كما ترتبط أيضًا بالحركة العالمية لحقوق الإنسان إلى الدرجة التي جعلت نوسباوم نفسها تصفها بأنها نوع من مقاربات حقوق الإنسان.
2. الإنسانية
تسعى وجهة النظر التي تقوم نوسباوم بتطويرها هنا إلى تحقيق العدالة للموجودات البشرية بوصفها كذلك، انطلاقًا من اعتقاد القيمة المتساوية لجميع البشر. كما أنها تقوم أيضًا على أن للموجودات البشرية مواردَ مشتركة ومشكلات مشتركة أينما وجدوا، "وأن معضلاتهم الخاصة يمكن النظر إليها بأفضل طريقة ممكنة، عندما ندرك أنها تنبع من ظروف خاصة، بدلً من النظر إليها على أنها نتاج لطبيعة أو هوية تختلف تمامًا عن غيرهم من البشر"18. وليس معنى ذلك أن الظروف التاريخية والسياسية والسياق الطبيعي لحياة البشر لا يؤثران في نمط حياتهم، بل معناه أن هناك الكثير من أوجه التشابه والتداخل بين الأنماط المختلفة لوجودهم والشروط الواجب توافرها لكي يحيوا حياة طيبة. ومن الناحية التاريخية، كانت الإجابة التي قدّمها الفيلسوف الإغريقي الساخر ديوجين Diogenes حينما سُئل عن أصوله، بمنزلة إدراك صادق لهذه السمة الإنسانية، إذ أجاب: "أنا مواطن عالمي". وكان يقصد بذلك أنه يرفض أن يُحدَّدَ وجوده، ببساطة، من خلال أصوله المحلية أو عضويته في جماعة بعينها، أو ارتباطه بالصورة الذاتية المركزية للرجل الأثيني التقليدي؛ لقد أصر على تحديد هويته في ضوء نظرته الكونية. وقد تابع الفلاسفة الرواقيون طريقته نفسها في التفكير، فطوّروا فكرة المواطنة الكوزموبوليتانية بصورة أكثر تحديدًا واكتمالً، ودافعوا عن الفكرة التي مؤداها أن الإنسان يوجد بالفعل في عالمين "الأول هو المجتمع المحلي الذي يولد فيه المرء، ومجتمع الحوار والتطلعات الإنسانية، والذي يُعَدُّ مجتمعًا مشترَكًا وعظيمًا بحق. وهذا المجتمع الأخير هو المصدر الجوهري والحقيقي
لواجباتنا الأخلاقية والاجتماعية. أما فيما يتعلق بالقيم الأخلاقية الأساسية مثل العدالة، فينبغي أن ننظر إلى جميع الموجودات البشرية باعتبارهم رفاقنا من المواطنين وجيراننا المحليين"19. لقد أثّرت هذه الأفكار الرواقية، كما توضح نوسباوم، في الجمهورية الأميركية من خلال كتابات توماس باين Paine Thomas (1809–1737)، وأيضًا من خلال أعمال آدم سميث Smith Adam (1790–1723)، وإيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، الذين أثّروا بدورهم في الآباء المؤسسين الأوائل. ولاحقًا، ظل هذا التوجه الرواقي من العوامل الهائلة التأثير في كلٍّ من رالف والدو إميرسون Ralph Emerson Waldo (1882–1803)، وديفيد هنري ثورو Thoreau Henry David).1862–1817(ولا يقتصر هذا الشكل من النزعة الإنسانية ذات الطابع الكوزموبوليتاني على التراث الغربي. إنه يتبدى على سبيل المثال في وجهة النظر السارية في أعمال الفيلسوف والشاعر والقائد التعليمي رابندرانات طاغور Tagore Rabindranath (1941–1861): "لقد استقى طاغور وجهة نظرة الكوزموبوليتانية من التراث البنغالي القديم، مع تعديله بصورة واعية من خلال النزعة الكوزموبوليتانية الغربية. ويتبنى هذا الرأي نفسه أيضًا الفيلسوف الغيني كوامي أنتوني أبيا Appiah Anthony Kwame، عندما يكتب قائلً: "سوف نقوم بحل مشكلاتنا، فقط عندما نراها بوصفها مشكلات إنسانية، تنشأ في موقف خاص، ولن نتمكن من حلها عندما نراها بوصفها مشكلات أفريقية، تنشأ بسبب اختلافنا عن الآخرين. ولكن من المفيد بالنسبة إلى من نشؤوا في أحضان التراث الغربي أن يفهموا جذور هذا المذهب الكوزموبوليتاني في الفكر الإغريقي والروماني"20. تمثل هذه الأفكار منبعًا رئيسًا للطابع الإنساني للهوية؛ ولذلك ترى نوسباوم أنها يجب أن تكون في قلب المقاربة النسوية لهذه الفكرة. على هذا الأساس، يُعدّ الملمح الإنساني للمقاربة النسوية من وجهة نظر نوسباوم جديرًا بتجاوز الاعتراضات الخاصة بالنسبية الثقافية، بحيث يمكننا القول إن البشر "يتقاسمون مشكلات مشتركة. لكن المشكلات تتنوع من منطقة إلى أخرى ومن مجموعة إلى أخرى. وبدرجة ما، يجب أن نتبنى الفكرة التي مفادها أن أيّ حل جيد لأيّ مشكلة، يجب أن يأتي في صورة استجابة للظروف المحددة التي يجري تصميمه خصيصًا من أجلها. لكن هناك خطوة هائلة تفصل بين هذا الاهتمام المعقول بالظروف الخاصة وبين النسبية الثقافية، والتي تذهب إلى أن المعيار الأقصى لما يُعدّ صحيحًا بالنسبة إلى الفرد أو الجماعة، يجب أن يُشتق من التراث الخاص بهذه الجماعة"21. والمقاربة التي تتبناها نوسباوم تراعي الظروف الخاصة بكل ثقافة، لكنها لا تقع في فخ النسبية الثقافية، فعلى الرغم من تأثير التراث الخاص بكل جماعة بشرية في عملية تشكيل القيم المعيارية التي يتم التفاعل مع العالم من خلالها، إلا أن المشكلات المشتركة والطبيعة البشرية التي نقتسمها جميعًا تسمح لنا بالتعامل مع الحقوق والاحتياجات الإنسانية من خلال نظرة كونية ينبغي أن تقود عملية التفكير النسوي.
3. الليبرالية
عادة ما يُنظَر إلى التراث الليبرالي في الفلسفة السياسية على أنه غير ملائم لأغراض النزعة النسوية، ولهذا تحاول نوسباوم أن تقدّم دفاعها عن نسخة من المذهب الليبرالي (مشتقة من أعمال أرسطو وكانط وجون ستيوارت مل)، تمثّل إجابة مقبولة عن الأسئلة النسوية المشروعة، مع توضيح أن بعض الأسئلة الأخرى غير مشروعة من الأساس، فتقول: "إن النسخة التي أقدّمها هنا من المذهب الليبرالي، تبدأ من فكرة القيمة المتساوية لجميع الموجودات البشرية باعتبارهم كذلك، انطلاقًا من قدراتهم الأساسية على الاختيار والتعقل. إن جميع البشر، وفقًا لهذه القدرات البشرية، جديرون بالاهتمام والاحترام المتساويين"22. والإضافة التي تقدّمها النسخة النسوية من المذهب الليبرالي هي إضافة الهوية الجنسية إلى قائمة السمات الأخلاقية التي كان يجري تجاهلها في السابق، وهي سمة لم تتم الإشارة إليها مباشرة في الأدبيات الليبرالية، ولكن نوسباوم ترى أيضًا أن المفكرين الليبراليين لم يقدّموا أيّ حجج مقنعة لتبرير خضوع النساء للرجال. كانت التراتبية القائمة على الجنس تُعتبر أمرًا طبيعيًا، وجرى تجاهل الموضوع برمّته في نظريات العدالة السياسية الكلاسيكية. وكان هذا تنافرًا عميقًا في قلب التراث الليبرالي، كما أوضح مل بالفعل، وكانت وعود المذهب الليبرالي في حاجة إلى أن تصير حقيقة فعلية بالنسبة إلى نساء العالم. إن الحجة الرئيسة التي تقدّمها نوسباوم هنا هي أن أدبيات التراث الليبرالي حول المساواة في القيمة والاحترام، لكي تكون متسقة مع ذاتها، يجب أن يمتد نطاقها ليشمل النساء والعلاقة بين النساء والرجال داخل الأسرة. ولا يجب أن يجعلنا هذا نتغاضى عن الانتقاد الموجّه إلى المذهب الليبرالي باعتباره مفرطًا في "الفردية". وفي هذا السياق، ترى نوسباوم أن التراث الليبرالي ربما يكون تراثًا فرديًّا بالفعل "لكن هذا لا ينطوي على أيّ نوع من الأنانية أو التفضيل لنمط الشخصية المكتفية بذاتها والتي لا تحتاج إلى الآخرين، بل إن العديد من المفكرين الليبراليين جعلوا من الشفقة والاهتمام والحب قيمًا مركزية في برنامجهم المعياري. إن ما يميز المذهب الليبرالي عن الأشكال الأخرى من التراث هو إصراره على التفرقة بين حياة وأخرى، والتأكيد على قيمة كل منها وأهميته، في ضوء شروطها الخاصة، بدلً من النظر إلى هذه الحياة بوصفها جزءًا من كيان عضوي أكبر. يجب أن ننظر إلى كل موجود بشري باعتباره غاية، وليس مجرد وسيلة لغايات الآخرين"23. إن المفكر الليبرالي يصرّ على أن الهدف من السياسة يجب أن يكون تحسين حياة كل إنسان، منظورًا إليها أنها غاية مستقلة بذاتها، وعدّ ذلك بديلً من تحسين الكيان العضوي الشامل. وتدافع نوسباوم عن هذه الفكرة باعتبارها موقفًا صالحًا جدًا لكي تتبنّاه النساء، خاصةً إذا وضعنا في اعتبارنا أن النساء في أغلب الأحيان لم يُنظر إليهن باعتبارهن غايات في أنفسهن، بل مجرد وسائل لتحقيق أغراض الآخرين، ولم يُنظر إليهن باعتبارهن منابع للفعل والقيمة في حد ذاتهن، بل باعتبارهن وسائل للتكاثر وتقديم الرعاية. إن قراءة نوسباوم لنسخة مل من المذهب الليبرالي مفادُها أن حجج مل الشهيرة في الدفاع عن الحرية لا تحمل درجة كبيرة من الفائدة بالنسبة إلى الشخص الذي ينصبّ اهتمامه على الأفكار الجوهرية
لليبرالية السياسية، مثل الاحترام المتساوي وأهمية الحقوق المتبادلة وحصانة الحرية الشخصية، لأنها "غير محددة وعامة جدًا، وخاصة فيما يتعلق بخطاب الكراهية والأنماط المتدنية القيمة من حرية التعبير عن الرأي، وتقيم مزاعمها على أسس تجريبية هشة، كما أنها تضع الوسائل محل الغايات، وبدلً من النظر إلى الأفراد بوصفهم غايات والنظر إلى الظروف الاجتماعية باعتبارها وسائل، نجدها تعامل الحقيقة باعتبارها الغاية القصوى، وتعامل حريات الأفراد على أنها وسائل"24. لكن معالجة مل لفكرة "تنمية الذات" أمرٌ مختلف تمامًا، إذ يرى هنا أن لكل فرد "حقًا عادلً" في أن يحيا في ظروف تتلاءم مع تنميته لذاته، وهي فكرة "يمكن تطويرها باستخدام المفهوم السياسي الخاص بالشخصية 'وتنمية الذات'، وهي أفكار في استطاعة مختلف المواطنين في المجتمع ذي الطبيعة التعددية أن يدعموها"25. وهذا تحديدًا ما تقوم به نوسباوم في السمة الرابعة من مقاربتها.
4. الاهتمام بالتشكيل الاجتماعي للتفضيلات والرغبات
استنادًا إلى التحليل السابق، ترى نوسباوم أن أحد أكثر الاتهامات التي توجّهها النزعة النسوية إلى التراث الليبرالي شيوعًا؛ تجاهل هذا التراث للتكوين والتشويه الاجتماعي للتفضيلات، والمشاعر والرغبات، و"يمكننا القول إن هذا الرأي، فيه نوع من القصور في الرؤية، ولا يمكن الدفاع عنه في نهاية المطاف. فمن الناحية التجريبية، اتضح بصورة مسهبة أن غرائز البشر وتفضيلاتهم تأتي استجابةً لمعتقداتهم بشأن المعايير الاجتماعية والفرص المتاحة أمامهم"26. فعلى سبيل المثال، نجد أن البشر المنتمين إلى جماعات يتعذر عليها بصورة تقليدية الحصول على التعليم، أو العمل خارج المنزل، تكون رغبتهم في هذه الأشياء ضعيفة وبطيئة لأنهم لا يملكون عنها فكرة من الأساس أو حتى عن الاختلاف الذي يمكن أن تُحدثه في حياة مثل حياتهم. حتى على المستوى البسيط الخاص بالصحة الجسدية والتغذية، نجد أن "البشر الذين يتعرضون لسوء التغذية طوال حياتهم، ربما لا يعرفون شيئًا عن الشعور بالقوة، خاصة إذا جرى إخبارهم أن النساء بطبيعتهن أضعف من الرجال، حينئذ ربما لا يرغبون من الأساس في أن يصبحوا أكثر صحة أو قوة وهو أمر يملكون القدرة على تحقيقه. إن غياب هذه الرغبات لا يجب أن يقنع صانعي السياسات بأن الصحة والقوة ليسا هدفين مهمين ينبغي تعزيزهما لدى هؤلاء البشر"27. إن السؤال المطروح للتداول هنا هو: كيف يمكن لثقافتنا العامة عن المشاعر، أن توفر سياق الإمكانات اللازمة لتشكيل تفضيلاتنا ورغباتنا بصورة تعزز من معايير المساواة العرقية والنوعية ومعايير الاحترام المتساوي والكرامة الإنسانية؟ والإجابة التي تقدمها نوسباوم هي "أن تكون المشاعر الموجهة نحو
الأمة وأهدافها أكثر عونًا للبشر في تفكيرهم على نطاق أوسع والتزامهم بالخير الأعظم"28. وهي مهمة لا تكتمل من دون العمل على "صقل المشاعر العامة بحيث تبعدنا عن القوى الكامنة في كافة المجتمعات، بل داخل أنفسنا؛ القوى التي تتمثل في: الميول التي تنزع نحو حماية ذواتنا الهشة من خلال الحط من شأن الآخرين وإخضاعهم لنا"29. بهذه الطريقة نستطيع أن نتفهم بصورة معقولة الكيفية التي تتشكل بها رغباتنا وتفضيلاتنا اجتماعيًا، وأن نحافظ على المبادئ والمؤسسات السياسية التي تعزز وتدعم أفق الإمكانيات الأكثر ملاءمة لنمو هذه التفضيلات والمشاعر والرغبات. والنموذج الأمثل لهذه المبادئ والمؤسسات، وفقًا لنوسباوم، هو النموذج الذي يقدّمه المذهب الليبرالي، بحيث تجري من خلاله عملية خلق المشاعر العامة على وجهتين؛ الأولى ذات طبيعة دافعية تتمثل في تأثير المؤسسات السياسية في الطبيعة النفسية للمواطنين تأثيرًا مباشرًا، من خلال البلاغة السياسية والأغاني والرموز والمحتوى البيداغوجي للتعليم، والثانية ذات طبيعة مؤسسية تتمثل في تكوين مؤسسات تجسّد استبصارات بمشاعر من نوع قيّم، مثل وضع نظام عادل للضرائب، تتجسد من خلاله استبصارات تتعلق بالنزاهة وعدم التحيز والرحمة.
5. الاهتمام بالفهم المتعاطف
عادة ما يُنظر إلى النساء باعتبارهن مخلوقات جوهرها الاهتمام والتعاطف. وفي الكثير من الأحيان يُقلَّلُ من شأنهن بسبب هذه السمات نفسها. وفي بعض الأوقات أيضًا، يُعَدُّ نزوع النساء نحو الاهتمام بالآخرين في نظر البعض أشبه بانحراف نحو الزهد في أنفسهن، قد يصل إلى حد الامتهان على نحوٍ يدفع بالمرأة إلى إخضاع إنسانيتها كليةً لاحتياجات إنسان آخر أو أناس آخرين. ومن المغري أن نمدح النساء لقدرتهن على الاهتمام والتعاطف، وأن نقترح أن الرجال أمامهم الكثير ليتعلموه من النساء. ومن المغري أيضًا أن ننتقد النساء لسلبيتهن المتكررة ونقص قدرتهن على التفرد والاستقلال، وأن نقترح، على الأقل، أن هناك ما يتعلمنه من الرجال في هذا الشأن. لهذا السبب، ترى نوسباوم أن البعض من الفيلسوفات النسويات، مثل كاثرين ماكينان MacKinnon Catharine، وكلاوديا كارد Card Claudia (2015–1940)، ينتقدن صدقية وجود ما يسمى بغريزة الاهتمام والتعاطف لدى المرأة، ويقترحن أن هذه "الغرائز" هي في حقيقة الأمر مجرد أبنية تعبّر عن خضوع النساء، وهي أبنية من شأنها عادة أن تعمل ضد النساء ولصالح اهتمامات الذكور. والبعض الآخر من الفيلسوفات النسويات، مثل كارول جيليغان Gilligan Carol، وفيرجينيا هيلد Held Virginia، يقترحن أن قدرة المرأة على الحب والاهتمام بالآخرين هي جوهر الأخلاق، وأنها قدرة ينبغي للجميع محاكاتها. وبخصوص زعم جيليغان بأن النساء يتحدثن ب "صوت مختلف"؛ صوت الاهتمام، نجد أن ماكينان تردّ بنوع من الشك: "إذا قمتم برفع أقدامكم عن أعناقنا، سوف تسمعون بأيّ صوت تتحدث النساء"30. لذلك، تحاول
نوسباوم أن تجمع في مقاربتها بين النقد النسوي للعلاقات الجنسية والاهتمام بما تسميه ب "إمكانيات الثقة والفهم"؛ للوقوف على الافتراضات الأخلاقية الكامنة وراء فكرة الهوية مثل الشرف والكرامة وما يرتبطان به من مكونات شعورية تمثّل مصدرًا مباشرًا لمعتقداتنا الأخلاقية مثل الشعور بالخزي والعار، وعملية الوصم الاجتماعي. وتتمثل الصعوبة التي تواجهها نوسباوم هنا في أنه "بالنسبة إلى البعض، سوف يبدو الاهتمام الأخلاقي بالتعاطف والمسامحة، أشبه بنوع من التحالف مع الاضطهاد. وحقًا، من يعرف عند أيّ نقطة يمكن أن يتحول الصبر إلى نوع من المازوخية أو التعاطف إلى تعذيب للذات"31. بالطبع، يتقيد البشر بالمعايير الاجتماعية التي تقوم بتشكيل المحتوى المعرفي للمشاعر "وإعطاء التوجيهات للصورة التي تتجلى بها، وصياغة التقييمات المحددة لشعور بعينه، بل ربما تخلق نوعًا محدّدًا من المشاعر يُعدّ فريدًا من نوعه مقصورًا على هذا المجتمع"32 مثل النموذج الذي يشير إليه فرويد في كتابه قلق في الحضارة والذي تشعر فيه الفلاحة أن "زوجها لم يعد يحبها بالقدر الكافي لأن أسبوعًا كاملً قد مضى من غير أن يضربها"33. إن المكوِّن المعرفي لشعورها هو المعايير الاجتماعية للتسلط والهيمنة الذكورية، والمكون الغرائزي له هو البنية الحضارية المعبّرة عن خضوع النساء، اللذين أشار إليهما كل من ماكينان وكارد. لذلك، تخلص نوسباوم إلى أن "المعايير متنوعة والبشر مخادعون. حتى في المجتمعات التي تغذي الأدوار الإشكالية للرجال والنساء، نجد أن الرجال والنساء الحقيقيين يستطيعون العثور على مساحات تمكّنهم من قلب هذه الأعراف، وهو ما يمكنهم ببراعة من خلق إمكانيات للحب والسعادة"34. ولاستكشاف النتائج العملية المترتبة على السمات النظرية المحددة لمقاربة نوسباوم لفكرة الهوية، ننتقل لإلقاء نظرة أكثر قربًا على النموذج الخاص بعملية الوصم الاجتماعي والشعور بالخزي والعار، وما يترتب عليهما من ممارسة للعنف والإقصاء تجاه الأفراد لمجرد "وجودهم وهويتهم".
رابعًا: الشعور بالعار أو "الهوية بوصفها موضوعًا للعقاب"
ما الذي يحدث عندما تقوم المجتمعات بوصم الأقليات؟ وكيف يؤثر هذا السلوك في الهوية الإنسانية؟ وفي محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات، تُطلعنا نوسباوم على أن تصورنا لما يُعدّ "طبيعيًا"، يتضمن نوعًا من الربط بين فكرتين قد نراهما متمايزتين إلى أبعد الحدود. فمن ناحية، هناك فكرة التكرار الإحصائي: إن الطبيعي هو المعتاد، وهو ما يفعله أغلب الناس. وعكس "الطبيعي" هو غير المعتاد. ومن ناحية أخرى، نجد فكرة الخير بالمعنى المعياري: وهنا يتحدد الطبيعي بأنه اللائق أو الملائم،
وعكس الطبيعي بهذا المعنى هو "غير اللائق" أو "الشرير" و"المشين". إن "الأفكار الاجتماعية عن الوصم والعار، عادة ما تربط هاتين الفكرتين معًا؛ فمن يتصرف بصورة مختلفة عن تصرفات أغلب البشر يُعامَل بازدراء ويُعدّ شريرًا. واللغز هنا هو: لماذا يقوم البشر بخلق هذا الارتباط الغريب؟ لأنه من الواضح بالنسبة إلينا أن ما هو معتاد ونمطي بالنسبة إلينا، قد يكون أو لا يكون غاية في الخير"35. وتتفق نوسباوم مع مل على أن الكثير من أوجه التقدّم في المساعي الإنسانية قد يأتي من أشخاص يتمتعون بطبيعة غير تقليدية، كما أن نموذج الحياة الإنسانية التي يقدّمونها لأقرانهم من البشر، قد لا تكون محببة للكثير من البشر، وهو ما يجعل من الوظيفة المعيارية التي تقوم بها فكرة "الطبيعي" في عملية وصم الآخرين، موضعًا للتساؤل. إن مل في هذا التحليل يجعل من الأشخاص ذوي الطبيعة غير المألوفة سببًا في الكثير من التقدم في الشؤون البشرية، أو كما يقول أوسكار وايلد Wilde Oscar (1900–1854): "الكتب التي يدعوها العالم غير أخلاقية، هي التي تكشف للعالم ما يشينه"36. ومن ثم، فإن هذا يحمل جوابًا عن تساؤل نوسباوم حول: لماذا تتبنى المجتمعات فكرة أن العادي أو التقليدي يمكن أن يُعدّ ذا وظيفة معيارية، بحيث ننظر إلى ما يخالفه كأنه وصمة عار؟ وتزداد المفارقة غرابة وتعقيدًا عندما تحيلنا نوسباوم إلى حقيقة أن ما يُعدّ طبيعيًا في بناء هوية الإنسان، ليس سوى بناء متخيل، وعلى هذا الأساس فإنه ليس هناك ما يمكن أن نسميه "طبيعيًا" فيما يتعلق بالهوية: "وحتى بالعودة إلى كل سمة من السمات المكونة للإنسان بمفردها مهما كانت منتشرة، سنجد أن القائمة الكاملة للسمات المُفترضة، لا توجد مجتمعة في أي إنسان على الإطلاق. إن صفات مثل أن يكون المرء بروتستانتيًا، ينتمي إلى الفئة العمرية تحت الخمسين عامًا، وذا توجهات جنسية غيرية ربما تكون جميعها 'معتادة'. ولكن ما إن نبدأ في دمجها معًا، حتى تصبح التقاطعات بينها أكثر ضآلة؛ وعندما نصل إلى نهاية القائمة [...] سنجد أنفسنا أمام إنسان نادر حقًا، ومؤقّت للغاية"37. لكن لماذا يُفترض أن العار يُعدّ إهانة موجّهة إلى الكرامة البشرية بصورة تختلف عن الإهانة في حالة الغرامة أو الحبس؟ الفكرة هنا هي أن هذه الأشكال من العقاب يجري إيقاعها على أفعال يزاولها الإنسان، لكنها لا تمثل إهانة للإنسان أو تقليلً من شأنه بصورة كلية، وعلى هذا الأساس فإنها تقتفي أثر الشعور بالذنب، بل إنها حقًا تُوقَع على نتائج الذنب. إن أشكال العقاب من خلال إلحاق العار، من الناحية التاريخية، تعتبر طرقًا لوصم الإنسان، طوال حياته، بهوية منحطة. تقول نوسباوم: "إن العار، كما جادلتُ من قبل، هو عاطفة تركّز على سمة، بينما الذنب يركّز على فعل. إن العقاب على الذنب هو تعبير عن أنك: 'ارتكبت فعلً سيئًا'. بينما عقاب العار هو تعبير عن أنك 'أنت نفسك نوع معيب من البشر'. ربما يصعب التمييز بين كلا التعبيرين في الحالة القانونية الراهنة، لأن العار محمول على ظهر
الذنب، كما أنه بمنزلة نوع من العقاب للشخص الذي دِينَ بفعل مذنب"38. إن الأوشام، والوصمات، والعلامات، كلها أشياء تسم الإنسان بأنه ذو هوية منحرفة بهذا المعنى، وكان الدور الذي أدّته من الناحية التاريخية، هو الإعلان عن الهوية الفاسدة أمام العالم. وترى نوسباوم أنه في العديد من العصور، لم يكن الوقوف على فعل مذنب أمرًا ضروريًا، بل كان استهداف الهوية يجري على نحو مباشر، وعادة ما حدث ذلك بطرق تدوم طوال الحياة، وحتى في الحالات التي يختلط فيها العار بالشعور بالذنب، يعلن العار للعالم أن هذا الشخص "منحط" بدرجة ما؛ "سكير"، "امرأة سيئة"... إلخ. وتقدّم نوسباوم تجربتها الشخصية مع هذا النوع من الوصم للهوية بأنها هوية منحرفة، فقد كانت أمّها مدمنة للخمور، واضطرت إلى قيادة سيارتها وهي تحمل الأحرف DUI39 التي تفيد أنها كانت تقود سيارتها تحت تأثير تناول الخمر، وبدلً من إيقاع عقاب موجّه نحو الفعل ذاته مثل غرامة ما أو اجتياز مجموعة إضافية من اختبارات القيادة، كان العقاب بهذه الصورة التي تصم هويتها الاجتماعية على نحو دائم، وهذا معناه أن الأم "سوف توصم دائمًا بأنها 'أم سكيرة'. وعلاوة على ذلك، سوف نحمل أنا وأبي وأختي أيضًا علامة تدل على هويتنا المتدنية"40. ويمكننا أن نتوقع، كما يُطلعنا التاريخ، أن مثل هذه الميول سوف تفلت من السيطرة، لتنتقل من كونها أفعالً ضارة إلى أنماط غير شائعة من الوجود، وهكذا، نجد في العديد من الأماكن والأزمنة أن الأقليات الدينية والجنسية، تصبح مستهدفة لعملية الوصم والتمييز بعلامة ما. "إن تزويد الغوغاء بالقدرة على تحديد 'الهوية الفاسدة'، يعد بمنزلة دعوة مفتوحة لنوع شائع جدًا من التنمر"41. إن الشعور بالخزي سرعان ما يتحول إلى "هوية منشقة" لأنه لا يتعلق بفعل سيئ، بل بشخص يُعدّ هو في حد ذاته (وليس مجرد أفعاله) شيئًا سيئًا، والأفعال الموجَّهة نحو هذا الشخص (أو مجموعة الأشخاص)، فيما بعد، تحمل دلالة أنه ذو هوية "منحرفة" عن الهوية التي تحاول الجماعة "السوية" تمثيلها أو الدفاع عنها. بهذا المنطق أيضًا يُعدّ العنف تجاه "المختلفين عنا" تهديدًا لهويتنا وبرهانًا حيًّا على "نقص" في الهوية التي نستمدّ منها كمالنا ومعاييرنا في الحكم على ذواتنا وعلى الآخرين، ومن ثم فإنهم موضوع للعنف والإقصاء، سواء كانوا معاقين جسديًا، أو عقليًا، أو مختلفين عنا في التوجهات والتفضيلات الجنسية. إن الأشخاص الطبيعيين يعرفون أن أجسادهم هشّة وعرضة للخطر، ولكنهم حينما يصمون المعاقين جسديًا، فإن شعورهم بضعفهم البشري يتحسن كثيرًا؛ إنهم يشعرون بأنهم على ما يرام حقًا. إن الأشخاص الطبيعيين على وعي بأن ذكاءهم معيب وناقص بطرق كثيرة، وجميع الموجودات البشرية لديها قصور في المعرفة، والحكم، والفهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن وجود أشخاص يوصمون بأنهم معاقون أو حمقى أو أغبياء، يمنحهم شعورًا زائفًا بالحكمة والذكاء، وحتى في مجال العلاقات
الإنسانية التي نعي جيدًا أنها عرضة للتغير والتبدل والخيانة، نجد تعويضًا من نوعٍ ما، حينما نصم مجموعة أخرى من البشر بأنها منحرفة أخلاقيًا. ومجال العلاقات الجنسية الذي يُعدّ ساحة يتجلى فيها ضعفنا الجسدي وتلقائيتنا العاطفية، لا يُستثنى من ذلك، فحينما نصم مجموعة مغايرة في توجهاتها وميولها بأنها "منحرفة" ونرى أنفسنا معيارًا لما هو طبيعي، فإن هذا يساعد على تجنّب الشعور بالعار. باختصار؛ "إنهم يستطيعون من خلال إلقائهم بالعار على موضوع خارجي، ومن خلال وضع العلامات على وجوه الآخرين وأجسادهم، أن يحققوا نوعًا من السعادة البديلة. إنهم يُرضون أمانيهم الطفولية المتعلقة بالسيطرة والحصانة من الخطر"42. بهذه الصورة يصبح وجود الأشخاص الموصومين، على نحو ما، بمنزلة عامل مُحدد لهوية الإنسان الطبيعي، وتصبح "الهوية الثقافية" شرطًا أوليًا مسبقًا لتحديد "الهوية الشخصية". وتوضح لنا نوسباوم من خلال رواية The Native Son للكاتب الأميركي ريتشارد رايت Richard Wright (1960–1908) كيف أن الهوية الثقافية التي قد يفرضها السياق الاجتماعي على الإنسان، ربما يكون في استطاعتها طمس ملامح الهوية الفردية وما يرتبط بها من سمات نفسية، وخاصة في مجال الفعل والعمل. إن البطل بيجر توماس يعيش في حقبة قبيحة من تاريخ ولاية شيكاغو الأميركية، يعاني فيها التمييز العنصري بسبب لون بشرته السمراء، وهو ما يستدعي منا التعاطف، لكنه في الوقت نفسه عنيف ومخيف ومنفر في أفعاله، يعاني نوعًا من الحرمان العقلي، لقد حطمته الحياة بمعنى الكلمة وجعلته موصومًا. تضعنا الرواية في مواجهة مجموعة من التساؤلات مثل: "هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على احترامه لذاته وكرامته وسلامته العقلية في الظروف التي يعيشها بطل الرواية؟ هل في استطاعتنا أن نتغلب على البيئة القاسية التي نحيا فيها والمحافظة على سلامتنا النفسية في الوقت الذي تمثّل فيه هذه البيئة شرطًا أوليًا لآمالنا ومخاوفنا ونزوعاتنا تجاه العالم؟ إن بطلنا يحدّد ذاته وهويته على أنها عديمة القيمة، لأن المجتمع الذي يحيا فيه يراه كذلك، لكنه في قرارة نفسه يعلم أنه ليس عديم القيمة ولذلك يكره ما يتعرض له من تشويه للسمعة. إنه كما تقول الرواية 'لا يحيا كما نحيا'، ومن ثم فإن عقله وهويته ليسا 'طبيعيين' بمعايير ثقافته ومجتمعه"43. وعلى الرغم من هذه التناقضات الكامنة في شخصية بيجر وهويته، فإن بطلة الرواية "ماري" لا تملك إلا الشعور بالتعاطف معه، والنظر إليه بوصفه موجودًا بشريًّا مثلنا تمامًا، ولديه من الإمكانيات ما يتيح له أن يحيا حياة مثمرة. ويبقى لديها الأمل في تغيُّر الأمور، أو بالأحرى تغيُّر معايير ما هو "طبيعي"، حتى تصبح هوية بيجر مقبولة ولا يصبح موصومًا. إنه الأمل في تغيير الشروط المحددة للهوية بصورة تسمح بتحرير الطبيعة البشرية بتحقيق إمكانياتها في كل موجود بشري. والطريقة التي يستجيب بها البشر لأخطار والقيود التي تهدّد هويتهم تتمثل ب "الانجراف في تيار" هوية ثقافية، يظنون أنها تقدّم لهم معلومة جديدة يسترشدون بها، فتحدث حالة من التمثل لهوية عرقية أو دينية، ربما تكون معتقداتها في حالة تناقض مع الواقع ذاته، فعلى سبيل المثال؛ الهندوس والمسلمون
الذين يعيشون في سلام لمئات السنين قد يلجؤون إلى هوية ذات طابع ديني أو عرقي ويتمثلونها، باعتبارها قواعد للسلوك والحياة، على الرغم من تناقضها مع ما في هويتهم الإنسانية من تناغم وسلام، وتقدم نوسباوم نموذجًا لذلك من خلال دراسات عالم التحليل النفسي سودهير كاكار Kakar Sudhir، الذي أجرى أبحاثه على ظاهرة العنف العرقي في الهند. كان اللغز الذي واجه كاكار هو: لماذا يتحول البشر الذين عاشوا معًا في سلام فترةً طويلة، مثل الهندوس والمسلمين، فجأة نحو العنف، ويقومون بتحديد هويتهم بصورة لم يعهدوها من قبل، من خلال عرقهم الديني. وتبيّن دراسته أن "هناك دورًا كبيرًا يؤديه القادة الاجتماعيون ذوو المكانة والاحترام، بحيث تعمل سمعتهم على إنتاج أتباع مطيعين. وهناك دور آخر تؤديه عملية تقديم 'معلومات جديدة' عن الأخطار المزعومة التي يمثلها المسلمون، وعادة ما تكون هذه المعلومات غير موثوق بها"44. بل إن هوية الغرب ذاته تتحدد بهذا الأسلوب، فنوسباوم ترى أن الإجابة عن سؤال "ما هو الغرب؟" تبيّن لنا أنه ليس هوية ذات تحديد جغرافي45 كما يوحي الاسم، وكما يزعم صمويل هنتنغتون Samuel Huntington (2008–1927) على سبيل المثال، بل تتحدد بمواجهة المخاطر الخارجية من خلال تمثّل الهوية الثقافية للعرق الأبيض القوقازي، والديانة المسيحية، بما يتضمّنه ذلك من اختلاف مع الطبيعة الكونية للهوية الشخصية للإنسان ذاته. تقول نوسباوم: "ما هو الغرب؟ إنه ليس كيانًا جغرافيًّا، إذ إنه يضمّ أستراليا وبولندا ويستبعد بلدانًا مثل مصر والمغرب، توجد في الاتجاه الغربي أكثر من بعض البلدان التي نعتبرها غربية [...] إنه ليس كيانًا سياسيًا أو اقتصاديًا أيضًا، فاليابان وكوريا الجنوبية والهند، ليست ضمن هذا الكيان. إن الغرب بصورة رئيسة، هو لجوء إلى ديانة وهوية عرقية مشتركة؛ لجوء إلى المسيحية (مع ضم بعض اليهود)، وأصحاب البشرة البيضاء (فأميركا اللاتينية ليست مُتضمنة في هذا الكيان")46.
خامسًا: رؤية نقدية لمقاربة نوسباوم لفكرة الهوية
1. واحدية الإطار المرجعي والتعددية الثقافية لمشكلات الهوية
الفلسفة النسوية في جوهرها هي فلسفة في النقد الحضاري. ولذلك، لا يمكن فهم المنظور النسوي لنوسباوم بصورة لائقة، من دون وعيٍ بكونه نوعًا من "النقد للحضارة الغربية". والمفهوم الذي تتبنّاه نوسباوم عن الحضارة، بصورة ضمنية، هو أنها ثقافة سائدة أو مهيمنة من بين ثقافات متنوعة؛ فالحضارة الغربية الآن، هي الثقافة الأقوى من بين ثقافات أخرى مثل الثقافات الآسيوية والأفريقية والهندية، والثقافة الإسلامية كانت الأكثر بروزًا والأنجح في التعامل مع مشكلات الواقع من ثقافات أخرى معاصرة لها، مثل الثقافة الفارسية أو الرومانية أو الآسيوية في فترة ممتدة من القرن السابع حتى القرن
الثاني عشر الميلادي. وعلة ذلك أنها تعتقد صلاحية مقاربة الإمكانيات للتعامل مع البشر في جميع الثقافات، وكأن الثقافة الغربية هي ثقافة ذات طابع كوني، أو ثقافة سائدة أو مهيمنة في استطاعتها تقديم أفضل الحلول وأكثرها نجاعة في التعامل مع مشكلات الموجود الإنساني في سياقاته الثقافية المتنوعة. لكننا من ناحية أخرى، نجد أن المشكلات التي يتعرّض لها الإنسان تنبع من ثقافة بعينها، وهي ثقافة ترى نوسباوم نفسها أن لها الدور الأعظم في خلق التوجهات والرغبات والميول، وصياغة أفق الإمكانات، وتحديد معايير الخير والشر، والسواء والمرض، وممارسة الوصم والإقصاء والتقييم لأفراد الذين يعيشون فيها. إن المشكلات التي تتعرض لها على سبيل المثال فلّحة من الريف الفرنسي أو الإيطالي، تطمح في الانتقال إلى مدينة أوروبية مثل باريس أو روما، للهروب من حياة الريف المملة وملاحقة شغفها بمجال الأزياء والموضة، تختلف كليةً عن المشكلات التي تتعرض لها فتاة تنتمي إلى أسرة فقيرة في إحدى قرى الهند، تضطر إلى إنجاب ثمانية أطفال لمواجهة مشكلات الفقر، إذ إن اثنين منهم يموتان في سن الطفولة، وثلاثة منهم إناث، وهو ما يتطلب التكفل بمهر باهظ وفقًا للتقاليد الهندية، وسيهرب أحد الذكور الباقين إلى مدينة مثل بومباي، ولن يُسمع عنه مرة أخرى، ومن ثم "سيكون من المحتم بالنسبة إلى الاثنين الباقيين من الذكور، أن يعملا طوال حياتهما للتكفل بحياتهما وتدبير المهور اللازمة للإناث وإعالة الوالدين في سن الشيخوخة"47. والمفارقة هنا هي أن المشكلات التي تناقشها نوسباوم، وهي مشكلات تنبع من ثقافات متنوعة، من المفترض أن تكون قابلة للفهم والتحليل والمعالجة من خلال إطار مرجعي واحد ذي صبغة عالمية؛ هذا الإطار هو مقاربة الإمكانيات. وعلى الرغم من كونها تمارس نوعًا من "نقد المركزية الغربية" على غرار كلود ليفي شتراوس Levi Claude Strauss (2009–1908)، الذي يرى أن النظر إلى الحلول المتنوعة للثقافات غير الغربية يزودنا بأدوات وحلول أكثر، لحل المشكلات، تمامًا مثل لاعب الروليت الذي يضع رهانه على أرقام عديدة، إلا أن نوسباوم تضع رهانها على المقاربة النسوية وحدها.
2. الهوية الكوزموبوليتانية والمثل الأعلى الأخلاقي للحضارة
تذهب نوسباوم إلى أن الطابع "الإنساني" بالصيغة الرواقية الكوزموبوليتانية، يتجاوز قيود النزعة النسبية، ويجعل من نموذج المواطن الكوني المنتمي إلى الحضارة الإنسانية أمرًا ممكنًا. وإذا التفتنا إلى فكرة الحضارة، سنرى أن لها مستويات ثلاثة: الحضارة العرقية، والحضارة القومية، والحضارة الإنسانية التي ترى نوسباوم أنها جديرة بتحقيق الطابع الإنساني الكوني لفكرة الهوية، وأن هذه النظرة الكونية هي التي ينبغي أن تقود عمليتي التفكير والتخطيط النسويتين. لكن هذه السمة لمقاربتها تظل مجرد "مثل أعلى أخلاقي"، ويعوزها إمكانات التطبيق الواقعي التي نجدها في حالة الحضارة العرقية والحضارة القومية، ومفاد ذلك على النحو التالي: يمكن للحضارة أن تنتظم حول فكرة العرق على نحو ما نرى في فلسفة
فرانتز فانون Fanon Frantz (1961–1925)، بحيث تتحدد فلسفته بوصفها "اكتشافًا للمواقف العقلية التي يمكن للإنسان الأسمر أن يتبناها في مواجهة الحضارة الغربية"48، ويصف الحضارة الغربية نفسها بأنها "حضارة بيضاء". والهدف الذي كان فانون ينشده هو أن تتحدد الهوية الخاصة بأصحاب البشرة السمراء على أساس عرقي، لأن الحضارة الغربية قد أثقلت الإنسان ذا البشرة السمراء ب "انحرافات وجودية" تحول دون اكتمال هويته، يقول فانون: "إننا الآن شهود على الجهود السمراء اليائسة للكفاح بصورة مستميتة، لاكتشاف معنى الهوية السوداء"49. وقد لاقت هذه المحاولة ومثيلاتها أصداء واسعة وكانت ناجحة على الأقل في سياقها التاريخي والثقافي. والمستوى الثاني للحضارة هو الحضارة القومية، والتي تتحدد فيها الهوية من خلال الاشتراك في مقومات ثقافية مثل اللغة والدين والنطاق الجغرافي والخلفية التاريخية والثقافية، والأهداف والطموحات المشتركة. وعلى الرغم من تهافت هذا الأساس بصورة أو بأخرى، لأنه من المستحيل تقريبًا أن نجد جماعة بشرية واحدة تشترك في هذه العوامل مجتمعة، فإن الصيغة القومية للحضارة هي الأكثر انتشارًا ورواجًا، والأكثر قدرة على خلق الهويات وتشكيلها، والسبب في ذلك كما يرى ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer (1965–1875)، هو أن القرن التاسع عشر قد أعطى فكرة الدولة القومية مشروعية الوجود، ونظر إليها بوصفها "منظمة عضوية طبيعية متجانسة، وأقدر من غيرها على جعل المثل العليا للدولة المتحضرة حقيقة فعلية [...] وبهذه الطريقة، ارتفعت فكرة القومية إلى مستوى المثل الأعلى الثمين للحضارة. ولما بدأت الحضارة في الانحلال، تداعت سائر مثُلِها، لكن فكرة القومية ظلت صامدة لأنها حولت نفسها إلى منطقة الواقع، وهنالك تجسّد كل ما بقي من الحضارة وأصبحت المثل الأعلى الذي يتلخص فيه سائر المثل"50. وعلى هذا الأساس، كانت الحضارة القومية التي يغيب عنها الحس التاريخي النقدي في القرن التاسع عشر هي الأقدر على التحكم في الهوية الأوروبية وتوجيهها، على الرغم مما تحمله من تناقضات. أما عن المستوى الثالث للحضارة ذات الطابع الإنساني الذي تتبناه نوسباوم فقد كان بمنزلة "مثل أعلى أخلاقي" يوجّه الفلاسفة ويرشدهم بداية من الحقبة اليونانية/ الرومانية، مرورًا بفلاسفة عصر التنوير كما نرى في أعمال الموسوعيين وكانط، ووصولً إلى نوسباوم نفسها. والمفارقة هنا هي أن نوسباوم ترى هذا المثل الأعلى بوصفة الأكثر قابلية للتطبيق من الناحية الواقعية، على خلاف ما يبيّنه لنا التحليل التاريخي.
3. تناقضات المُثل العليا للمذهب الليبرالي
تعتبر السمة الليبرالية هي السمة الأكثر بروزًا في مقاربة نوسباوم النسوية والأكثر إثارة للنقد، وذلك لسببين؛ الأول منهما هو طبيعة التناقض الكامن في المُثل العليا الليبرالية ذاتها، وهو تناقض كان مل
يعيه جيدًا، ولعلنا نجد المثال الأبسط والأكثر وضوحًا له في معالجة كارل بوبر Popper Karl –1902(1994) لفكرة التسامح وحرية التعبير عن الرأي، فنجد أن التسامح مع غير المتسامحين، وإعطاء حرية الرأي للدوغمائيين الذين لا يؤمنون بها، يؤديان في نهاية المطاف إلى تدمير قيمتي التسامح وحرية التعبير عن الرأي ذاتيهما. ولذلك، فإن الأشخاص الذين تتشكّل هويتهم في سياق ليبرالي، يجدون أنفسهم في مواجهة هذه المعضلة، يقول بوبر: "أحد الأمور التي يجب مراقبتها بعين ناقدة، هي تساهل الحكومات مع مختلف وجهات النظر والأيديولوجيات والديانات، لأن الأيديولوجيات التي تعظ بعدم التسامح، تفقد حقها في التسامح معها"51. ونوسباوم نفسها تشير في الاختباء من الجنس البشريإلى حقيقة أن حجج مل في هذا السياق "ليست الحجج التي يمكن للمرء أن يتمناها، وحجته المستقاة من فكرة الحقيقة ليست مفيدة بوجه خاص للشخص المهتم بالأفكار الجوهرية للمذهب الليبرالي السياسي"52. ولذلك نجد الكثير من المفكرين الليبراليين، ومنهم نوسباوم، يذهبون إلى أن الهوية التي تتشكل وفقًا للمُثل العليا الليبرالية، تظل في حاجة إلى إعادة الفحص النقدي المستمر على الطريقة السقراطية. والسبب الثاني يتعلق بنسخة نوسباوم من المذهب الليبرالي، والتي ترى من خلالها أن المقاربة النسوية لفكرة الهوية لا بد من أن تقوم على "التساوي التام بين البشر من حيث قدرتهم على التعقل والاختيار" كما سبق أن رأينا. لكن هذه القدرة في حد ذاتها أساس للتمييز وليس للمساواة كما أوضح بيتر سنجر Singer Peter ببراعة في كتابه تحرير الحيوان. فالقدرات على التعقل تتفاوت بين الموجودات البشرية، ومعاملة البشر وفقًا لقدرتهم على التعقل تعني تبريرًا للهيراركية بينهم بالطريقة نفسها التي نراها في حالة لون البشرة أو النوع أو الدين، ولكننا في هذه الحالات نراها على أنها عنصرية. أما في حالة القدرة على التعقل، فإننا نراها أساسًا للمساواة على الرغم مما فيها من تفاوت. إن المبرر الحقيقي لمعاملة البشر بصورة متساوية، هو قدرتهم على الشعور بالألم والمعاناة ورغبتهم في السعي وراء السعادة، وليس قدرتهم على التعقل. ولذلك فإن "مبدأ المساواة بين البشر ليس وصفًا لمساواة حقيقية مزعومة: إنه افتراض للكيفية التي ينبغي أن نعامل بها الموجودات البشرية"53. والطريف هو أن رؤية كل من نوسباوم وسنجر تنبع من التراث النفعي، وتحديدًا من رؤية مل الأخلاقية.
4. وجهتا نظر حول الطابع النسوي لمقاربة نوسباوم
إن وجهات النظر لا تصنَّف بحسب النوع البيولوجي، ومن ثم فإن مجرد وصفنا لمقاربة نوسباوم لفكرة الهوية بأنها مقاربة ذات طابع نسوي، ينطوي على مفارقة مفادُها أن هناك وجهتي نظر يمكننا اللجوء إليهما لفهم هذه المقاربة وامتحان الافتراضات التي تقدّمها.
ترى وجهة النظر الأولى أن النزعة النسوية هي استخدام لمجموعة من الأدوات (أفكار، وقوانين، وحقوق، وإمكانيات) بواسطة النساء ومن أجل النساء، وعلى هذا الأساس تتحدد النزعة النسوية بأنها: 1. ذات طابع تاريخي، نظرًا إلى ارتباطها بسياق ثقافي معيّن نشأت فيه استجابةً لتحدٍّ بعينه، ونظرًا إلى التمايز النوعي بين الرجال والنساء، 2. ليس هناك ما يسمى "طبيعة بشرية جوهرية" تجمع أفراد النوع البشري وتوحّدهم معًا، وهو ما يستدعي بالضرورة خلق أفق أخلاقي جديد لفكرة الهوية، لأن هذه الهوية ليست أمرًا معطى. في حين ترى وجهة النظر الثانية في النزعة النسوية وجهة نظر "كلية" ذات طابع إنساني، تعبّر عن حقوق معترفٍ بها ومرغوبٍ فيها، ولكنها لا تزال غير متحققة بعد. وعلى هذا الأساس تتحدد النزعة النسوية بأنها: 1. كلية، ذات طابع إنساني كلي، وهو ما يفترض بصورة مسبقة؛ 2. وجود طبيعة بشرية جوهرية توحّد بين البشر، وتجعل من تجاوز طبيعتهم النوعية أمرًا ممكنًا، ومن ثم 3. تصبح الهوية موضوعًا للاكتشاف، وهو موضوع يجب أن نوفّر له الإمكانات اللازمة للنمو والتطور. والمفارقة التي نشير إليها هي أن موقف نوسباوم من الناحية النظرية ينتمي إلى وجهة النظر الثانية، ولكنه من الناحية العملية ينتمي إلى وجهة النظر الأولى. فمن الناحية النظرية تحدد نوسباوم سمات مقاربة الإمكانيات بصورة كلية ذات طابع إنساني كوني، وتتعامل مع الموجود البشري كما لو كانت مشكلاته تنبع من طبيعة جوهرية ثابتة يمكن التعامل معها من خلال بنية مفاهيمية موحدة. ولكنها من الناحية العملية، تقر بأن المشكلات تتنوع وفقًا لعملية التحدي والاستجابة للضغوط الانتخابية التي تطرحها عرضيات الحياة الإنسانية ويصوغها التاريخ، وهو ما يعني ضمنًا أن تصبح أطرنا المرجعية وأدواتنا المعرفية موضوعًا لإعادة البناء والتخيل المستمرين.
خاتمة
يرى الفلاسفة من أصحاب المقاربات الإنسانية ذات الطابع الكلي مثل كانط، أن الفضاء المنطقي المطلوب للتداول الأخلاقي حول الطبيعة البشرية والهوية موجود بالفعل، في حين يرى الفلاسفة الذين يسردون أفكارهم على غرار نوسباوم أن إحراز التقدم سيأتي من خلال توسيع نطاق هذا الفضاء الأخلاقي (وهو ما تقوم به نوسباوم من خلال مقاربة الإمكانيات). وعلى هذا الأساس، تصبح كل مشكلات الهوية لديها متمحورة حول: عدم ملاءمة الفضاءات المنطقية المعدّة سلفًا لتحقق الهوية وفقًا لسمات المقاربة النسوية (العالمية، والإنسانية، والليبرالية، والتشكل الاجتماعي للتفضيلات والرغبات، والفهم المتعاطف)، سواء من خلال قاموس المفردات المستخدم للتعبير عن هذه الهوية، أو من خلال الممارسات المتاحة. ومن ثم، تقدّم استبصاراتها الفلسفية في سبيل تشكيل السياق الثقافي أو ما تسميه ب "عتبة الإمكانيات" اللازمة لتحقيق هذه الغاية، وكأنها تريد أن تقول إن هذه الأطر لن تتغير ولن يتم تجاوزها ما لم نستمع للنساء بوصفهن نساءً، ونرى ما يستطعن تقديمه للإنسانية. إن أوجه الظلم قد لا تبدو ظلمًا حتى في أعين من يتعرضون للمعاناة، حتى يأتي شخص ما، ويخترع دورًا لم يؤدّه أحد من قبل، والدور الذي تؤديه النزعة النسوية لفلسفة نوسباوم بهذا المعنى، هو ما يصفه
ريتشارد رورتي Rorty Richard (1931–2007) قائلً: "فقط عندما يملك الإنسان حلمًا وصوتًا لوصف هذا الحلم، فإن ما بدا كأنه طبيعة سوف يبدو كأنه ثقافة، وما بدا كأنه قدر، سوف يبدو كأنه أمر مشين أخلاقيًا"54. إن فلسفة نوسباوم بهذا المعنى تبدو صوتًا للتعبير عن هذا الحلم في سياق محادثة الجنس البشري.
References
المراجع
العربية
شفايتزر، ألبرت. فلسفة الحضارة. ترجمة عبد الرحمن بدوي. مراجعة زكي نجيب محمود. القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر،.1963
شيفرد، ليندا جين. أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية. ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة 306. الكويت: المجلس للوطني للثقافة والفنون والآداب،.2004
الأجنبية
Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York:
Routledge, 1999.
De Beavoire, Simone. The Second Sex. Constance Borde & Sheila Malovany–Chevallier
(trans.). New York: Vintage Books; Random House Inc., 2011.
Edgar, Andrew & Peter Sidgwick. Cultural Theory: The Key Thinkers. London:
Routledge, 2022.
Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. New York: Grove Press, 1968.
Flynn, Elizabeth A. Feminism beyond Modernism. Illinois: South Illinois University
Press, 2202.
Freud, Sigmund. Civilization and its Discontents. New York: W. W. Norton and
Company, 1961.
Huntington, Samuel P. The Clash of Civilization and the Remaking of World Order.
New York: Simon and Schuster, 1996.
Kennar, Melinda. Feminism and Women’s Rights Worldwide: Heritage, Roles, and
Issues. Michelle Paludi (ed.). Santa Barbara, CA: ABC–CLIO, LLC, 2010.
Marx, Karl & Friedrich Engels. The German Ideology. New York: Prometheus Books,
Nussbaum, Martha C. Cultivating Humanity: A Classical Defense of Reform in Liberal
Education. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997.
_______. Sex and Social Justice. New York: Oxford University Press, 1999.
_______. Hiding from Humanity: Disgust, Shame, and the Law. Princeton, NJ: Princeton
University Press, 2004.
_______. Creating Capabilities: The Human Development Approach. Cambridge,
_______. Political Emotions: Why Love Matters for Justice. London: Harvard University
_______. Anger and Forgiveness: Resentment, Generosity, Justice. Oxford: Oxford
_______. The Monarchy of Fear: A Philosopher Looks at our Political Crisis. New York:
Popper, Karl. All Life is Problem Solving. Patrick Camiller (trans.). New York:
Rorty, Richard. "Feminism and Pragmatism." Radical Philosophy. no. 59 (Autumn
Singer, Peter. Animal liberation: The Definitive Classic of the Animal Movement.
MA/ London: Harvard University Press, 2011.
Press, 2013.
University Press, 2016.
Simon and Schuster, 2018.
Routledge, 1999.
_______. Philosophy and Social Hope. New York: Penguin Books, 1999.
New York: Penguin Random House, 2009.
Wilde, Oscar. The Picture of Dorian Gray. New York: Penguin Books, 2000.